Полный текст (234 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رجلاً جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله من أَحَق النَّاس مني بِحسن الصُّحْبَة قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أَبوك ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب فحض على بر الْأُم ثَلَاث مَرَّات وعَلى بر الْأَب مرة وَاحِدَة وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن عناءها أَكثر وشفقتها أعظم مَعَ مَا تقاسيه من حمل وطلق وولادة ورضاعة وسهر ليل رأى ابْن عمر ﵄ قد حمل أمه على رقبته وَهُوَ يطوف بهَا حول الْكَعْبَة فَقَالَ يَا ابْن عمر أَترَانِي جَازَيْتهَا قَالَ وَلَا بِطَلْقَة وَاحِدَة من طلقاتها وَلَكِن قد أَحْسَنت وَالله يثيبك على الْقَلِيل كثيراً وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة نفر حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن خمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم ظلماً والعاق لوَالِديهِ إِلَّا أَن يتوبوا وَقَالَ ﷺ الْجنَّة تَحت أَقْدَام الْأُمَّهَات وَجَاء رجل إِلَى أبي الدَّرْدَاء ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاء إِنِّي تزوجت امْرَأَة وَإِن أُمِّي تَأْمُرنِي بِطَلَاقِهَا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْوَالِد أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة فَإِن شِئْت فأضع ذَلِك الْبَاب أَو احفظه وَقَالَ ﷺ ثَلَاث دعوات مستجابات لَا شك فِيهِنَّ دَعْوَة الْمَظْلُوم ودعوة الْمُسَافِر ودعوة الْوَالِد على وَلَده وَقَالَ
стр. 37
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم أَي فِي الْبر وَالْإِكْرَام والصلة وَالْإِحْسَان وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ يَا مُوسَى وقر والديك فَإِن من وقر وَالِديهِ مددت فِي عمره ووهبت لَهُ ولداً يوقره وَمن عق وَالِديهِ فصرت فِي عمره ووهبت لَهُ ولداً يعقه وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم قَرَأت فِي التَّوْرَاة أَن من يضْرب أَبَاهُ يقتل وَقَالَ وهب قَرَأت فِي التَّوْرَاة على من صك وَالِده الرَّجْم وَعَن عَمْرو بن مرة الْجُهَنِيّ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِذا صليت الصَّلَوَات الْخمس وَصمت رَمَضَان وَأديت الزَّكَاة وَحَجَجْت الْبَيْت فَمَاذَا لي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من فعل ذَلِك كَانَ مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ إِلَّا أَن يعق وَالِديهِ وَقَالَ ﷺ لعن الله الْعَاق وَالِديهِ وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي أَقْوَامًا فِي النَّار معلقين فِي جُذُوع من نَار فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ الَّذين يشتمون آبَاءَهُم وأمهاتهم فِي الدُّنْيَا وَرُوِيَ أَنه من شتم وَالِديهِ ينزل عَلَيْهِ فِي قَبره جمر من نَار بِعَدَد كل قطر ينزل من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ويروى أَنه إِذا دفن عَاق وَالِديهِ عصره الْقَبْر حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه وَأَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة الْمُشرك وَالزَّانِي والعاق لوَالِديهِ وَقَالَ بشر مَا من رجل يقرب من أمه حَيْثُ يسمع كَلَامهَا إِلَّا كَانَ أفضل من الَّذِي يضْرب بِسَيْفِهِ فِي سَبِيل الله وَالنَّظَر إِلَيْهَا أفضل من كل شَيْء وَجَاء رجل وَامْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ يختصمان فِي صبي لَهما فَقَالَ الرجل يَا رَسُول
стр. 38
الله وَلَدي خرج من صلبي وَقَالَت الْمَرْأَة يَا رَسُول الله حمله خفاً وَوَضعه شَهْوَة وَحَمَلته كرهاً وَوَضَعته كرهاً وأرضعته حَوْلَيْنِ كَامِلين فَقضى بِهِ رَسُول الله ﷺ لأمه
موعظة
أَيهَا المضيع لآكد الْحُقُوق المعتاض من بر الْوَالِدين العقوق النَّاسِي لما يجب عَلَيْهِ الغافل عَمَّا بَين يَدَيْهِ بر الْوَالِدين عَلَيْك دين وَأَنت تتعاطاه بِاتِّبَاع الشين تطلب الْجنَّة بزعمك وَهِي تَحت أَقْدَام أمك حَملتك فِي بَطنهَا تِسْعَة أشهر كَأَنَّهَا تسع حجج وكابدت عِنْد الْوَضع مَا يذيب المهج وأرضعتك من ثديها لَبَنًا وأطارت لِأَجلِك وسنا وغسلت بِيَمِينِهَا عَنْك الْأَذَى وآثرتك على نَفسهَا بالغذاء وصيرت حجرها لَك مهداً وأنالتك إحساناً ورفداً فَإِن أَصَابَك مرض أَو شكاية أظهرت من الأسف فَوق النِّهَايَة وأطالت الْحزن والنحيب وبذلت مَالهَا للطبيب وَلَو خيرت بَين حياتك وموتها لطلبت حياتك بِأَعْلَى صَوتهَا هذاوكم عاملتها بِسوء الْخلق مرَارًا فدعَتْ لَك بالتوفيق سراً وجهاراً فَلَمَّا احْتَاجَت عِنْد الْكبر إِلَيْك جَعلتهَا من أَهْون الْأَشْيَاء عَلَيْك فشبعت وَهِي جائعة وَرويت وَهِي قانعة وقدمت عَلَيْهَا أهلك وأولادك بِالْإِحْسَانِ وقابلت أياديها بِالنِّسْيَانِ وصعب لديك أمرهَا وَهُوَ يسير وَطَالَ عَلَيْك عمرها وَهُوَ قصير هجرتهَا وَمَالهَا سواك نصير هَذَا ومولاك قد نهاك عَن التأفف وعاتبك فِي حَقّهَا بعتاب لطيف ستعاقب فِي دنياك بعقوق الْبَنِينَ وَفِي أخراك بالبعد من رب الْعَالمين يناديك بِلِسَان التوبيخ والتهديد ذَلِك بِمَا قدمت يداك وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد
لأمك حق لَو علمت كثير
كثيرك يَا هَذَا لَدَيْهِ يسير ... فكم لَيْلَة باتت بثقلك تَشْتَكِي
لَهَا من جواها أنة وزفير ... وَفِي الْوَضع لَو تَدْرِي عَلَيْهَا مشقة
فَمن غصص مِنْهَا الْفُؤَاد يطير
стр. 39
وَكم غسلت عَنْك الْأَذَى بِيَمِينِهَا
وَمَا حجرها إِلَّا لديك سَرِير ... وتفديك مِمَّا تشتكيه بِنَفسِهَا
وَمن ثديها شرب لديك نمير ... وَكم مرة جاعت وأعطتك قوتها
حناناً وإشفاقا وَأَنت صَغِير ... فآها لذِي عقل وَيتبع الْهوى
وآها لأعمى الْقلب وَهُوَ بَصِير ... فدونك فارغب فِي عميم دعائها
فَأَنت لما تَدْعُو إِلَيْهِ فَقير
حُكيَ أَنه كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ شَاب يُسمى عَلْقَمَة وَكَانَ كثير الاجتهاد فِي طَاعَة الله فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة فَمَرض وَاشْتَدَّ مَرضه فَأرْسلت امْرَأَته إِلَى رَسُول الله ﷺ إِن زَوجي عَلْقَمَة فِي النزع فَأَرَدْت أَن أعلمك يَا رَسُول الله بِحَالهِ فَأرْسل النَّبِي ﷺ عماراً وصهيباً وبلالاً وَقَالَ امضوا إِلَيْهِ ولقنوه الشَّهَادَة فَمَضَوْا إِلَيْهِ ودخلوا عَلَيْهِ فوجدوه فِي النزع فَجعلُوا يلقنونه (لَا إِلَه إِلَّا الله) وَلسَانه لَا ينْطق بهَا فأرسلوا إِلَى رَسُول الله ﷺ يخبرونه أَنه لَا ينْطق لِسَانه بِالشَّهَادَةِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَل من أَبَوَيْهِ أحد حَيّ قيل يَا رَسُول الله أم كَبِيرَة السن فَأرْسل إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ للرسول قل لَهَا إِن قدرت على الْمسير إِلَى رَسُول الله ﷺ وَإِلَّا فقري فِي الْمنزل حَتَّى يَأْتِيك قَالَ فجَاء إِلَيْهَا الرَّسُول فَأَخْبرهَا بقول رَسُول الله ﷺ فَقَالَت نَفسِي لنَفسِهِ فدَاء أَنا أَحَق بإتيانه فتوكأت وَقَامَت على عَصا وَأَتَتْ رَسُول الله ﷺ فَسلمت فَرد ﵍ وَقَالَ لَهَا يَا أم عَلْقَمَة أصدقيني وَإِن كذبتي جَاءَ الْوَحْي من الله
стр. 40
تَعَالَى كَيفَ كَانَ حَال ولدك عَلْقَمَة قَالَت يَا رَسُول الله كثير الصَّلَاة كثير الصيام كثير الصَّدَقَة قَالَ رَسُول الله ﷺ فَمَا حالك قَالَت يَا رَسُول الله أَنا عَلَيْهِ ساخطة قَالَ وَلم قَالَت يَا رَسُول كَانَ يُؤثر عَليّ زَوجته ويعصيني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن سخط أم عَلْقَمَة حجب لِسَان عَلْقَمَة عَن الشَّهَادَة ثمَّ قَالَ يَا بِلَال انْطلق واجمع لي حطباً كثيراً قَالَت يَا رَسُول الله وَمَا تصنع قَالَ أحرقه بالنَّار بَين يَديك قَالَت يَا رَسُول الله وَلَدي لَا يحْتَمل قلبِي أَن تحرقه بالنَّار بَين يَدي قَالَ يَا أم عَلْقَمَة عَذَاب الله أَشد وَأبقى فَإِن سرك أَن يغْفر الله لَهُ فارضي عَنهُ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا ينْتَفع عَلْقَمَة بِصَلَاتِهِ وَلَا بصيامه وَلَا بِصَدَقَتِهِ مَا دمت عَلَيْهِ ساخطة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي أشهد الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَمن حضرني من الْمُسلمين أَنِّي قد رضيت عَن وَلَدي عَلْقَمَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ انْطلق يَا بِلَال إِلَيْهِ وَانْظُر هَل يَسْتَطِيع أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله أم لَا فَلَعَلَّ أم عَلْقَمَة تَكَلَّمت بِمَا لَيْسَ فِي قَلبهَا حَيَاء مني فَانْطَلق فَسمع عَلْقَمَة من دَاخل الدَّار يَقُول (لَا إِلَه إِلَّا الله) فَدخل بِلَال فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ إِن سخط أم عَلْقَمَة حجب لِسَانه عَن الشَّهَادَة وَأَن رِضَاهَا أطلق لِسَانه ثمَّ مَاتَ عَلْقَمَة من يَوْمه فحضره رَسُول الله ﷺ فَأمر بِغسْلِهِ وكفنه ثمَّ صلى عَلَيْهِ وَحضر دَفنه ثمَّ قَامَ على شَفير قَبره وَقَالَ يَا معشر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من فضل زَوجته على أمه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً إِلَّا أَن يَتُوب إِلَى الله وَيحسن إِلَيْهَا وَيطْلب رِضَاهَا فرضى الله فِي رِضَاهَا وَسخط الله فِي سخطها فنسأل الله أَن يوفقنا لرضاه وَأَن يجنبنا سخطه إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم
стр. 41
الْكَبِيرَة التَّاسِعَة هجر الْأَقَارِب
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام﴾ أَي وَاتَّقوا الْأَرْحَام أَن تقطعوها وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل ويخشون رَبهم وَيَخَافُونَ سوء الْحساب﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يضل بِهِ﴾ أَي بِالْقُرْآنِ ﴿كثيراً وَيهْدِي بِهِ كثيراً وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل ويفسدون فِي الأَرْض أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ أعظم ذَلِك مَا بَين العَبْد وَبَين الله مَا عَهده الله على العبيد وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة قَاطع رحم فَمن قطع أَقَاربه الضُّعَفَاء وهجرهم وتكبر عَلَيْهِم وَلم يصلهم ببره وإحسانه وَكَانَ غَنِيا وهم فُقَرَاء فَهُوَ دَاخل فِي هَذَا الْوَعيد محروم عَن دُخُول الْجنَّة إِلَّا أَن يَتُوب إِلَى الله وَيحسن إِلَيْهِم وَقد ورد فِي الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
стр. 42
من كَانَ لَهُ أقَارِب ضعفاء وَلم يحسن إِلَيْهِم وَيصرف صدقته إِلَى غَيرهم لم يقبل الله مِنْهُ صدقته وَلَا ينظر إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَإِن كَانَ فَقِيرا وصلهم بزيارتهم والتفقد لأحوالهم لقَوْل النَّبِي ﷺ صلوا أَرْحَامكُم وَلَو بِالسَّلَامِ وَقَالَ ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليصل رَحمَه وَفِي الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَيْسَ الْوَاصِل بالمكافئ وَلَكِن الْوَاصِل الَّذِي من إِذا قطعت رَحمَه وَصلهَا وَقَالَ ﷺ يَقُول الله تَعَالَى أَنا الرَّحْمَن وَهِي الرَّحِم فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ أَنه قَالَ لوَلَده يَا بني لَا تصحبن قَاطع رحم فَإِنِّي وجدته ملعوناً فِي كتاب الله فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه جلس يحدث عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أحرج على كل قَاطع رحم إِلَّا قَامَ من عندنَا فَلم يقم أحد إِلَّا شَاب من أقْصَى الْحلقَة فَذهب إِلَى عمته لِأَنَّهُ كَانَ قد صارمها مُنْذُ سِنِين فصالحها فَقَالَت لَهُ عمته مَا جَاءَ بك يَا ابْن أخي فَقَالَ إِنِّي جَلَست إِلَى أبي هُرَيْرَة صَاحب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أحرج كل قَاطع رحم إِلَّا قَامَ من عندنَا فَقَالَت لَهُ عمته ارْجع إِلَى أبي هُرَيْرَة واسأله لم ذَلِك فَرجع إِلَيْهِ وَأخْبرهُ بِمَا جرى لَهُ مَعَ عمته وَسَأَلَهُ لم لَا يجلس عنْدك قَاطع رحم فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الرَّحْمَة لَا تنزل على قوم فيهم قَاطع رحم وَحكي أَن رجلاً من الْأَغْنِيَاء حج إِلَى بَيت الله الْحَرَام فَلَمَّا وصل إِلَى مَكَّة أودع من مَاله ألف دِينَار عِنْد رجل كَانَ موسوماً بالأمانة وَالصَّلَاح إِلَى أَن يقف بِعَرَفَات فَلَمَّا وقف بِعَرَفَات
стр. 43
وَرجع إِلَى مَكَّة وجد الرجل قد مَاتَ فَسَأَلَ أَهله عَن مَاله علم أَنه لم يكن لَهُم بِهِ علم فَأتى عُلَمَاء مَكَّة فَأخْبرهُم بِحَالهِ وَمَاله فَقَالُوا لَهُ إِذا كَانَ نصف اللَّيْل فأت زَمْزَم وَانْظُر فِيهَا وناد يَا فلَان باسمه فَإِن كَانَ من أهل الْجنَّة فسيجيبك بِأول مرة فَمضى الرجل ونادى فِي زَمْزَم فَلم يجبهُ أحد فجَاء إِلَيْهِم وَأخْبرهمْ فَقَالُوا (إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون) نخشى أَن يكون صَاحبك من أهل النَّار اذْهَبْ إِلَى أَرض الْيمن فَفِيهَا بِئْر يُسمى برهوت يُقَال أَنه على فَم جَهَنَّم فَانْظُر فِيهِ بِاللَّيْلِ وناد يَا فلَان فَإِن كَانَ من أهل النَّار فسيجيبك مِنْهَا فَمضى إِلَى الْيمن وَسَأَلَ عَن الْبِئْر فَدلَّ عَلَيْهَا فَأَتَاهَا بِاللَّيْلِ وَنظر فِيهَا ونادى يَا فلَان فَأَجَابَهُ فَقَالَ أَيْن ذهبي قَالَ دَفَنته فِي الْموضع الْفُلَانِيّ من دَاري وَلم ائْتمن عَلَيْهِ وَلَدي فأتهم وَاحْفِرْ هُنَاكَ تَجدهُ فَقَالَ لَهُ مَا الَّذِي أنزلك هَهُنَا وَكُنَّا نظن بك الْخَيْر فَقَالَ كَانَ لي أُخْت فقيرة هجرتهَا وَكنت لَا أحنو عَلَيْهَا فعاقبني الله سُبْحَانَهُ بِسَبَبِهَا وأنزلني الله هَذِه الْمنزلَة وتصديق ذَلِك فِي الحَدِيث الصَّحِيح قَوْله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة قَاطع يَعْنِي قَاطع رحم كالأخت وَالْخَالَة والعمة وَبنت الْأُخْت وَغَيرهم من الْأَقَارِب فنسأل الله التَّوْفِيق لطاعته إِنَّه جواد كريم
стр. 44
الْكَبِيرَة الْعَاشِرَة الزِّنَا
وَبَعضه أكبر من بعض قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاماً يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهاناً إِلَّا من تَابَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ الْعلمَاء هَذَا عَذَاب الزَّانِيَة وَالزَّانِي فِي الدُّنْيَا إِذا كَانَا عزبين غير متزوجين فَإِن كَانَا متزوجين أَو قد تزوجا وَلَو مرة فِي الْعُمر فَإِنَّهُمَا يرجمان بِالْحِجَارَةِ إِلَى أَن يموتا كَذَلِك ثَبت فِي السنة عَن النَّبِي ﷺ فَإِن لم يسْتَوْف الْقصاص مِنْهُمَا فِي الدُّنْيَا وَمَاتَا من غير تَوْبَة فَإِنَّهُمَا يعذبان فِي النَّار بسياط من نَار كَمَا ورد أَن الزبُور مَكْتُوبًا إِن الزناة معلقون بفروجهم فِي النَّار يضْربُونَ عَلَيْهَا بسياط من حَدِيد فَإِذا اسْتَغَاثَ من الضَّرْب نادته الزَّبَانِيَة أَيْن كَانَ هَذَا الصَّوْت وَأَنت تضحك وتفرح وتمرح وَلَا تراقب الله تَعَالَى وَلَا تَسْتَحي مِنْهُ وَثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن
стр. 45
وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف يرفع النَّاس إِلَيْهِ أَبْصَارهم حِين ينتهبها وَهُوَ مُؤمن وَقَالَ ﷺ إِذا زنى العَبْد خرج مِنْهُ الْإِيمَان فَكَانَ كالظلة على رَأسه ثمَّ إِذا أقلع رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَان وَقَالَ ﷺ من زنى أَو شرب الْخمر نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان كَمَا يخلع الْإِنْسَان الْقَمِيص من رَأسه وَفِي الحَدِيث النَّبَوِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم شيخ زَان وَملك كَذَّاب وعائل مستكبر وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم عِنْد الله تَعَالَى قَالَ أَن تجْعَل لله نداً وَهُوَ خلقك فَقلت إِن ذَلِك لعَظيم ثمَّ أَي قَالَ أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك قلت ثمَّ أَي قَالَ أَن تَزني بحليلة جَارك يَعْنِي زَوْجَة جَارك فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاماً يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهاناً إِلَّا من تَابَ﴾ فَانْظُر رَحِمك الله كَيفَ قرنا الزِّنَا بِزَوْجَة الْجَار بالشرك بِاللَّه وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَهَذَا الحَدِيث مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي حَدِيث مَنَام النَّبِي ﷺ الَّذِي رَوَاهُ سَمُرَة بن جُنْدُب وَفِيه أَنه ﷺ جَاءَهُ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل قَالَ فَانْطَلَقْنَا فأتينا على مثل التَّنور أَعْلَاهُ
стр. 46
ضيق وأسفله وَاسع فِيهِ لغط وأصوات قَالَ فاطلعنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رجال وَنسَاء عُرَاة فَإِذا هم يَأْتِيهم لَهب من أَسْفَل مِنْهُم فَإِذا أَتَاهُم ذَلِك اللهب ضوضوا أَي صاحوا من شدَّة حره فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ هَؤُلَاءِ الزناة والزواني يَعْنِي من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَهَذَا عَذَابهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نسْأَل الله الْعَفو والعافية وَعَن عَطاء فِي تَفْسِير قَول الله تَعَالَى عَن جَهَنَّم ﴿لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب﴾ قَالَ أَشد تِلْكَ الْأَبْوَاب غماً وحراً وكرباً وأنتنها ريحاً للزناة الَّذين ارتكبوا الزِّنَا بعد الْعلم وَعَن مَكْحُول الدِّمَشْقِي قَالَ يجد أهل النَّار رَائِحَة مُنْتِنَة فَيَقُولُونَ مَا وجدنَا أنتن من هَذِه الرَّائِحَة فَيُقَال لَهُم هَذِه ريح فروج الزناة وَقَالَ ابْن زيد أحد أَئِمَّة التَّفْسِير إِنَّه ليؤذي أهل النَّار ريح فروج الزناة وَفِي الْعشْر الْآيَات الَّتِي كتبهَا الله لمُوسَى ﵇ وَلَا تسرق وَلَا تزن فأحجب عَنْك وَجْهي فَإِذا كَانَ الْخطاب لنَبيه مُوسَى ﵇ فَكيف بِغَيْرِهِ وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَن إِبْلِيس يبث جُنُوده فِي الأَرْض وَيَقُول لَهُم أَيّكُم أضل مُسلما ألبسته التَّاج على رَأسه فأعظمهم فتْنَة أقربهم إِلَيْهِ منزلَة فَيَجِيء إِلَيْهِ أحدهم فَيَقُول لَهُ لم أزل بفلان حَتَّى طلق امْرَأَته فَيَقُول مَا صنعت شَيْئا سَوف يتَزَوَّج غَيرهَا ثمَّ يَجِيء الآخر فَيَقُول لم أزل بفلان حَتَّى ألقيت بَينه وَبَين أَخِيه الْعَدَاوَة فَيَقُول مَا صنعت شَيْئا سَوف يصالحه ثمَّ يَجِيء الآخر فَيَقُول لم أزل بفلان حَتَّى زنى فَيَقُول إِبْلِيس نعم مَا فعلت فيدنيه مِنْهُ وَيَضَع التَّاج على رَأسه نَعُوذ بِاللَّه من شرور الشَّيْطَان وَجُنُوده
стр. 47
وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الْإِيمَان سربال يسربله الله من يَشَاء فَإِذا زنى العَبْد نزع الله مِنْهُ سربال الْإِيمَان فَإِن تَابَ رده عَلَيْهِ وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يَا معشر الْمُسلمين اتَّقوا الزِّنَا فَإِن فِيهِ سِتّ خِصَال ثَلَاث فِي الدُّنْيَا وَثَلَاث فِي الْآخِرَة فَأَما الَّتِي فِي الدُّنْيَا فذهاب بهاء الْوَجْه وَقصر الْعُمر ودوام الْفقر وَأما الَّتِي فِي الْآخِرَة فسخط الله ﵎ وَسُوء الْحساب وَالْعَذَاب بالنَّار وَعنهُ ﷺ أَنه قَالَ من مَاتَ مصراً على شرب الْخمر سقَاهُ الله تَعَالَى من نهر الغوطة وَهُوَ نهر يجْرِي فِي النَّار من فروج المومسات يَعْنِي الزانيات يجْرِي من فروجهن قيح وصديد فِي النَّار ثمَّ يسقي ذَلِك لمن مَاتَ مصراً على شرب الْخمر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من ذَنْب بعد الشرك بِاللَّه أعظم عِنْد الله من نُطْفَة وَضعهَا رجل فِي فرج لَا يحل لَهُ وَقَالَ أَيْضا ﵊ فِي جَهَنَّم وَاد فِيهِ حيات كل حَيَّة ثخن رَقَبَة الْبَعِير تلسع تَارِك الصَّلَاة فيغلي سمها فِي جِسْمه سبعين سنة ثمَّ يتهرى لَحْمه وَإِن فِي جَهَنَّم وَاديا اسْمه جب الْحزن فِيهِ حيات وعقارب كل عقرب بِقدر الْبَغْل لَهَا سَبْعُونَ شَوْكَة فِي كل شَوْكَة راوية سم ثمَّ تضرب الزَّانِي وتفرغ سمها فِي جِسْمه يجد مرَارَة وجعها ألف سنة ثمَّ يتهرى لَحْمه ويسيل من فرجه الْقَيْح والصديد
стр. 48
وَورد أَيْضا أَن من زنى بِامْرَأَة كَانَت متزوجة كَانَ عَلَيْهَا وَعَلِيهِ فِي الْقَبْر نصف عَذَاب هَذِه الْأمة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يحكم الله زَوجهَا فِي حَسَنَاته هَذَا إِن كَانَ بِغَيْر علمه فَإِن علم وَسكت حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة لِأَن الله تَعَالَى كتب على بَاب الْجنَّة أَنْت حرَام على الديوث وَهُوَ الَّذِي يعلم بالفاحشة فِي أَهله ويسكت وَلَا يغار وَورد أَيْضا أَن من وضع يَده على امْرَأَة لَا تحل لَهُ بِشَهْوَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَده إِلَى عُنُقه فَإِن قبلهَا قرضت شفتاه فِي النَّار فَإِن زنى بهَا نطقت فَخذه وَشهِدت عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَت أَنا لِلْحَرَامِ ركبت فَينْظر الله تَعَالَى إِلَيْهِ بِعَين الْغَضَب فَيَقَع لحم وَجهه فيكابر وَيَقُول مَا فعلت فَيشْهد عَلَيْهِ لِسَانه فَيَقُول أَنا بِمَا لَا يحل نطقت وَتقول يَدَاهُ أَنا لِلْحَرَامِ تناولت وَتقول عَيناهُ أَنا لِلْحَرَامِ نظرت وَتقول رِجْلَاهُ أَنا لما لَا يحل مشيت وَيَقُول فرجه أَنا فعلت وَيَقُول الْحَافِظ من الْمَلَائِكَة وَأَنا سَمِعت وَيَقُول الآخر وَأَنا كتبت وَيَقُول الله تَعَالَى وَأَنا اطَّلَعت وسترت ثمَّ يَقُول الله تَعَالَى يَا ملائكتي خذوه وَمن عَذَابي أذيقوه فقد اشْتَدَّ غَضَبي على قل حياؤه مني وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله ﴿يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَأعظم الزِّنَا الزِّنَا بِالْأُمِّ وَالْأُخْت وَامْرَأَة الْأَب وبالمحارم وَقد صحح الْحَاكِم من وَقع على ذَات محرم فَاقْتُلُوهُ وَعَن الْبَراء أَن خَاله بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى رجل عرس بِامْرَأَة أَبِيه أَن يقْتله ويخمس مَاله فنسأل الله المنان بفضله أَن يغْفر لنا ذنوبنا إِنَّه جواد كريم
стр. 49
الْكَبِيرَة الْحَادِيَة عشرَة اللواط
قد قص الله علينا فِي كِتَابه الْعَزِيز قصَّة قوم لوط فِي غير مَوضِع من ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا جعلنَا عاليها سافلها وأمطرنا عَلَيْهَا حِجَارَة من سجيل﴾ أَي من طين طبخ حَتَّى صَار كالآحر منضود أَي يَتْلُو بعضه بَعْضًا مسومة أَي معلمة بعلامة تعرف بهَا أَنَّهَا لَيست من حِجَارَة أهل الدُّنْيَا عِنْد رَبك أَي فِي خزائنه الَّتِي لَا يتَصَرَّف فِي شَيْء مِنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد مَا هِيَ من ظالمي هَذِه الْأمة إِذا فعلوا فعلهم أَن يحل بهم مَا حل بأولئك من الْعَذَاب وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم عمل قوم لوط وَلعن من فعل فعلهم ثَلَاثًا فَقَالَ لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط وَقَالَ ﵊ من وجدتموه يعْمل عمل قوم لوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ ينظر أَعلَى بِنَاء فِي الْقرْيَة فَيلقى مِنْهُ ثمَّ يتبع بِالْحِجَارَةِ كَمَا فعل بِقوم لوط
стр. 50
وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن التلوط من الْكَبَائِر الَّتِي حرم الله تَعَالَى أتأتون الذكران من الْعَالمين وتذرون مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم بل أَنْتُم قوم عادون أَي مجاوزون من الْحَلَال إِلَى الْحَرَام وَقَالَ الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى مخبراً عَن نبيه لوط ﵇ ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين وَكَانَ اسْم قريتهم سدوم وَكَانَ أَهلهَا يعْملُونَ الْخَبَائِث الَّتِي ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه كَانُوا يأْتونَ الذكران من الْعَالمين فِي أدبارهم ويتضارطون فِي أَنْدِيَتهمْ مَعَ أَشْيَاء أُخْرَى كَانُوا يعملونها من الْمُنْكَرَات وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ عشر خِصَال من أَعمال قوم لوط تصفيف الشّعْر وَحل الأزرار وَرمي البندق والحذف بالحصى واللعب بالحمام الطيارة والصفير بالأصابع وفرقعة الأكعب وإسبال الْإِزَار وَحل أزر الأقبية وإدمان شرب الْخمر وإتيان الذُّكُور وستزيد عَلَيْهَا هَذِه الْأمة مساحقة النِّسَاء النِّسَاء وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سحاق النِّسَاء بَينهُنَّ زنا وَعَن أبي
стр. 51
هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة يُصْبِحُونَ فِي غضب الله وَيُمْسُونَ فِي سخط الله تَعَالَى قيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ المتشبهون من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَالَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَة وَالَّذِي يَأْتِي الذكر يَعْنِي اللواط وَرُوِيَ أَنه إِذا ركب الذكر الذكر اهتز عرش الرَّحْمَن خوفاً من غضب الله تَعَالَى وتكاد السَّمَاوَات أَن تقع على الأَرْض فتمسك الْمَلَائِكَة بأطرافها وتقرأ قل هُوَ الله أحد إِلَى آخرهَا حَتَّى يسكن غضب الله وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سَبْعَة يلعنهم الله تَعَالَى وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول ادخُلُوا النَّار مَعَ الداخلين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ يَعْنِي اللواط وناكح الْبَهِيمَة وناكح الْأُم وابنتها وناكح يَده إِلَّا أَن يتوبوا وَرُوِيَ أَن قوما يحشرون يَوْم الْقِيَامَة وأيديهم حبالى من الزِّنَا كَانُوا يعبثون فِي الدُّنْيَا بمذاكيرهم وَرُوِيَ أَن من أَعمال قوم لوط اللعب بالنرد والمسابقة بالحمام والمهارشة بَين الْكلاب والمناطحة بَين الكباش والمناقرة بالديوك وَدخُول الْحمام بِلَا مئزر وَنقص الْكَيْل وَالْمِيزَان ويل لمن فعلهَا وَفِي الْأَثر من لعب بالحمام القلابة لم يمت حَتَّى يَذُوق ألم الْفقر وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أَن اللوطي إِذا مَاتَ من غير تَوْبَة فَإِنَّهُ يمسخ فِي قَبره خنزيراً وَقَالَ ﷺ لَا ينظر الله إِلَى رجل أَتَى ذكرا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا وَقَالَ أَبُو سعيد الصعلوكي سَيكون فِي هَذِه الْأمة قوم يُقَال لَهُم اللوطيون وهم
стр. 52
على ثَلَاثَة أَصْنَاف صنف ينظرُونَ وصنف يصافحون وصنف يعْملُونَ ذَلِك الْعَمَل الْخَبيث وَالنَّظَر بِشَهْوَة إِلَى الْمَرْأَة والأمرد زنا لما صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ زنا الْعين النظر وزنا اللِّسَان النُّطْق وزنا الْيَد الْبَطْش وزنا الرجل الخطى وزنا الْأذن الِاسْتِمَاع وَالنَّفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه وَلأَجل ذَلِك بَالغ الصالحون فِي الْإِعْرَاض عَن المردان وَعَن النظر إِلَيْهِم وَعَن مخالطتهم ومجالستهم قَالَ الْحسن بن ذكْوَان لَا تجالسوا أَوْلَاد الْأَغْنِيَاء فَإِن لَهُم صوراً كصور العذارى فهم أَشد فتْنَة من النِّسَاء وَقَالَ بعض التَّابِعين مَا أَنا بأخوف على الشَّاب الناسك من سبع ضار من الْغُلَام الْأَمْرَد يقْعد إِلَيْهِ وَكَانَ يُقَال لَا يبيتن رجل مَعَ أَمْرَد فِي مَكَان وَاحِد وَحرم بعض الْعلمَاء الْخلْوَة مَعَ الْأَمْرَد فِي بَيت أَو حَانُوت أَو حمام قِيَاسا على الْمَرْأَة لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا خلا رجل بِامْرَأَة إِلَّا كَانَ الشَّيْطَان ثالثهما وَفِي المردان من يفوق النِّسَاء بحسنه فالفتنة بِهِ أعظم وَأَنه يُمكن فِي حَقه من الشَّرّ مَا لَا يُمكن فِي حق النِّسَاء ويتسهل فِي حَقه من طَرِيق الرِّيبَة وَالشَّر مَا لَا يتسهل فِي حق الْمَرْأَة فَهُوَ بِالتَّحْرِيمِ أولى وأقاويل السلف فِي التنفير مِنْهُم والتحذير من رُؤْيَتهمْ أَكثر من أَن تحصر وسموهم الأنتان لأَنهم مستقذرون شرعاً وَسَوَاء فِي كل مَا ذَكرْنَاهُ نظر الْمَنْسُوب إِلَى الصلاح وَغَيره وَدخل سُفْيَان الثَّوْريّ الْحمام فَدخل عَلَيْهِ صبي حسن الْوَجْه فَقَالَ أَخْرجُوهُ
стр. 53
عني أَخْرجُوهُ فَإِنِّي أرى مَعَ كل امْرَأَة شَيْطَانا وَأرى مَعَ كل صبي حسن بضعَة عشر شَيْطَانا وَجَاء رجل إِلَى الإِمَام أَحْمد ﵀ وَمَعَهُ صبي حسن فَقَالَ الإِمَام مَا هَذَا مِنْك قَالَ ابْن أُخْتِي قَالَ لَا تَجِيء بِهِ إِلَيْنَا مرة أُخْرَى وَلَا تمش مَعَه فِي طَرِيق لِئَلَّا يظن بك من لَا يعرفك وَلَا يعرفهُ سوءاً وَرُوِيَ أَن وَفد عبد الْقَيْس لما قدمُوا على النَّبِي ﷺ كَانَ فيهم أَمْرَد حسن فأجلسه النَّبِي ﷺ خلف ظَهره وَقَالَ إِنَّمَا كَانَت فتْنَة دَاوُد ﵇ من النظر وأنشدوا شعراً
كل الْحَوَادِث مبدؤها من النظر
ومعظم النَّار من مستصغر الشرر ... والمرء مَا دَامَ ذَا عين يقلبها
فِي أعين الْغَيْر مَوْقُوف على الْخطر ... كم نظرة فعلت فِي قلب صَاحبهَا
فعل السِّهَام بِلَا قَوس وَلَا وتر ... يسر ناظره مَا ضر خاطره
لَا مرْحَبًا بسرور عَاد بِالضَّرَرِ
وَكَانَ يُقَال النظر بريد الزِّنَا وَفِي الحَدِيث النظر سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس فَمن تَركه لله أورث الله قلبه حلاوة عبَادَة يجدهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
فصل
فِي عُقُوبَة من أمكن من نَفسه طَائِعا عَن خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ أَنه كتب إِلَى أبي بكر الصديق ﵁ أَنه وجد فِي بعض النواحي رجلاً ينْكح فِي دبره فَاسْتَشَارَ أَبُو بكر الصَّحَابَة ﵃ فِي أمره فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِن هَذَا ذَنْب لم يعمله إِلَّا أمة وَاحِدَة قوم
стр. 54
لوط وَقد أعلمنَا الله تَعَالَى بِمَا صنع بهم أرى أَن يحرق بالنَّار فَكتب أَبُو بكر إِلَيْهِ أَن أحرقه بالنَّار فأحرقه خَالِد ﵁ وَقَالَ عَليّ ﵁ من أمكن من نَفسه طَائِعا حَتَّى ينْكح ألْقى الله عَلَيْهِ شَهْوَة النِّسَاء وَجعله شَيْطَانا رجيماً فِي قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وأجمعت الْأمة على أَن من فعل بمملوكه فَهُوَ لوطي مجرم وَمِمَّا رُوِيَ أَن عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ مر فِي سياحته على نَار توقد على رجل فَأخذ عِيسَى ﵇ مَاء ليطفئ عَنهُ فَانْقَلَبت النَّار صَبيا وانقلب الرجل نَارا فتعجب عِيسَى ﵇ من ذَلِك وَقَالَ يَا رب ردهما إِلَى حَالهمَا فِي الدُّنْيَا لأسألهما عَن خبرهما فأحياهما الله تَعَالَى فَإِذا هما رجل وَصبي فَقَالَ لَهما عِيسَى ﵇ مَا خبركما فَقَالَ الرجل يَا روح الله إِنِّي كنت فِي الدُّنْيَا مبتلي بحب هَذَا الصَّبِي فحملتني الشَّهْوَة أَن فعلت بِهِ الْفَاحِشَة فَلَمَّا أَن مت وَمَات الصَّبِي صير نَارا يحرقني مرة وأصير نَارا أحرقه مرة فَهَذَا عذابنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر ونسأله الْعَفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى
فصل
ويلتحق باللواط إتْيَان الْمَرْأَة فِي دبرهَا مِمَّا حرمه الله تَعَالَى وَرَسُوله قَالَ الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ أَي كَيفَ شِئْتُم مُقْبِلين ومدبرين فِي صمام وَاحِد أَي مَوضِع وَاحِد وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة أَن الْيَهُود فِي زمن النَّبِي ﷺ كَانُوا يَقُولُونَ إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من دبرهَا فِي قبلهَا جَاءَ الْوَلَد أَحول فَسَأَلَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة تَكْذِيبًا لَهُم ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ مجبية أَو غير مجبية غير أَن ذَلِك فِي صمام وَاحِد أخرجه مُسلم وَفِي رِوَايَة اتَّقوا الدبر والحيضة وَقَوله فِي صمام وَاحِد أَي فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ الْفرج لِأَنَّهُ مَوضِع الْحَرْث أَي مَوضِع مزرع الْوَلَد وَأما الدبر فَإِنَّهُ مَحل النجو وَذَلِكَ خَبِيث مستقذر وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول
стр. 55
الله ﷺ أَنه قَالَ مَلْعُون من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا أَو كَاهِنًا فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد فَمن جَامع امْرَأَته وَهِي حَائِض أَو جَامعهَا فِي دبرهَا فَهُوَ مَلْعُون وداخل فِي هَذَا الْوَعيد الشَّديد وَكَذَا إِذا أَتَى كَاهِنًا وَهُوَ المنجم وَمن يَدعِي معرفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق وَيتَكَلَّم على الْأُمُور المغيبات فَسَأَلَهُ عَن شَيْء مِنْهَا فَصدقهُ وَكثير من الْجُهَّال واقعون فِي هَذِه الْمعاصِي وَذَلِكَ من قلَّة معرفتهم وسماعهم للْعلم وَلذَلِك قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء كن عَالما أَو متعلماً أَو مستعلماً أَو محباً وَلَا تكن الْخَامِس فتهلك وَهُوَ الَّذِي لَا يعلم وَلَا يتَعَلَّم وَلَا يستمع وَلَا يحب من يعْمل ذَلِك وَيجب على العَبْد أَن يَتُوب إِلَى الله من جَمِيع الذُّنُوب والخطايا وَيسْأل الله الْعَفو عَمَّا مضى مِنْهُ فِي جَهله والعافية فِيمَا بَقِي من عمره اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك الْعَفو والعافية فِي الدين وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِنَّك أرْحم الرَّاحِمِينَ
الْكَبِيرَة الثَّانِيَة عشرَة الرِّبَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافاً مضاعفة وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى الَّذين ﴿يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ أَي لَا يقومُونَ من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي قد مَسّه الشَّيْطَان وصرعه ذَلِك أَي ذَلِك الَّذِي أَصَابَهُم بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا
стр. 56
أَي حَلَالا فاستحلوا مَا حرم الله فَإِذا بعث الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة خَرجُوا مُسْرِعين إِلَّا أَكلَة الرِّبَا فَإِنَّهُم يقومُونَ ويسقطون كَمَا يقوم المصروع كلما قَامَ صرع لأَنهم لما أكلُوا الرِّبَا الْحَرَام فِي الدُّنْيَا أرباه الله فِي بطونهم حَتَّى أثقلهم يَوْم الْقِيَامَة فهم كلما أَرَادوا النهوض سقطوا ويريدون الْإِسْرَاع مَعَ النَّاس فَلَا يقدرُونَ وَقَالَ قَتَادَة إِن آكل الرِّبَا يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا وَذَلِكَ علم لأكلة الرِّبَا يعرفهُمْ بِهِ أهل الْموقف وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما أسرِي بِي مَرَرْت بِقوم بطونهم بَين أَيْديهم كل رجل مِنْهُم بَطْنه مثل الْبَيْت الضخم قد مَالَتْ بهم بطونهم منضدين على سابلة آل فِرْعَوْن وَآل فِرْعَوْن يعرضون على النَّار غدوا وعشيا قَالَ فيقبلون مثل الْإِبِل المنهزمة لَا يسمعُونَ وَلَا يعْقلُونَ فَإِذا أحس بهم أَصْحَاب تِلْكَ الْبُطُون قَامُوا فتميل بهم بطونهم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يبرحوا حَتَّى يَغْشَاهُم آل فِرْعَوْن فيردونهم مُقْبِلين ومدبرين فَذَلِك عَذَابهمْ فِي البرزخ بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ ﷺ فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس وَفِي رِوَايَة قَالَ لما عرج بِي سَمِعت فِي السَّمَاء السَّابِعَة فَوق رَأْسِي رعداً وصواعق وَرَأَيْت رجَالًا بطونهم بَين أَيْديهم كالبيوت فِيهَا حيات وعقارب ترى من ظَاهر بطونهم فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَكلَة الرِّبَا
стр. 57
وَرُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه إِذا ظهر الزِّنَا والربا فِي قَرْيَة أذن الله بهلاكها وَعَن عمر مَرْفُوعا إِذا ضن النَّاس بالدينار وَالدِّرْهَم وتبايعوا بالعينة وتتبعوا أَذْنَاب الْبَقر وَتركُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله أنزل الله بلَاء فَلَا يرفعهُ عَنْهُم حَتَّى يراجعوا دينهم وَقَالَ ﷺ مَا ظهر فِي قوم الرِّبَا إِلَّا ظهر فيهم الْجُنُون وَلَا ظهر فِي قوم الزِّنَا إِلَّا ظهر فيهم الْمَوْت وَمَا بخس قوم الْكَيْل وَالْوَزْن إِلَّا مَنعهم الله الْقطر وَجَاء فِي حَدِيث فِيهِ طول أَن آكل الرِّبَا يعذب من حِين يَمُوت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بالسباحة فِي النَّهر الْأَحْمَر الَّذِي هُوَ مثل الدَّم ويلقم الْحِجَارَة وَهُوَ المَال الْحَرَام الَّذِي جمعه فِي الدُّنْيَا يُكَلف الْمَشَقَّة فِيهِ ويلقم حِجَارَة من نَار كَمَا ابتلع الْحَرَام الَّذِي جمعه فِي الدُّنْيَا هَذَا الْعَذَاب لَهُ فِي البرزخ قبل يَوْم الْقِيَامَة مَعَ لعنة الله لَهُ كَمَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَرْبَعَة حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ إِلَّا أَن يتوبوا وَقد ورد أَن أَكلَة الرِّبَا يحشرون فِي صُورَة الْكلاب والخنازير من أجل حيلتهم على أكل الرِّبَا كَمَا مسخ أَصْحَاب السبت حِين تحيلوا على إِخْرَاج الْحيتَان الَّتِي نَهَاهُم الله عَن اصطيادها يَوْم السبت فَحَفَرُوا لَهَا حياضاً تقع فِيهَا يَوْم السبت فيأخذونها يَوْم الْأَحَد فَلَمَّا فعلوا ذَلِك مسخهم الله قردة وَخَنَازِير وَهَكَذَا الَّذين يتحيلون
стр. 58
على الرِّبَا بأنواع الْحِيَل فَإِن الله لَا تخفى عَلَيْهِ حيل المحتالين قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ يخادعون الله كَمَا يخادعون صَبيا وَلَو أَتَوا الْأَمر عيَانًا كَانَ أَهْون عَلَيْهِم وَقَالَ ﷺ الرِّبَا سَبْعُونَ بَابا أهونها مثل أَن ينْكح الرجل أمه وَأَن أربى الرِّبَا استطالة الرجل فِي عرض أَخِيه الْمُسلم فصح أَنه بَاب من أعظم أَبْوَاب الرِّبَا وَعَن أنس قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَذكر الرِّبَا وَعظم شَأْنه فَقَالَ الدِّرْهَم الَّذِي يُصِيبهُ الرجل من الرِّبَا أَشد من سِتّ وَثَلَاثِينَ زنية فِي الْإِسْلَام وَعنهُ ﷺ قَالَ الرِّبَا سَبْعُونَ حوباً أهونها كوقع الرجل على أمه وَفِي رِوَايَة أهونها كَالَّذي ينْكح أمه وَالْحوب الْإِثْم وعَلى أبي بكر الصديق ﵁ قَالَ الزَّائِد والمستزيد فِي النَّار يَعْنِي الْآخِذ والمعطي فِيهِ سَوَاء نسْأَل الله الْعَافِيَة
فصل
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ إِذا كَانَ لَك على رجل دين فأهدى لَك شَيْئا فَلَا تَأْخُذهُ فَإِنَّهُ رَبًّا وَقَالَ الْحسن ﵀ إِذا كَانَ لَك على رجل دين فَمَا أكلت من بَيته فَهُوَ سحت وَهَذَا من قَوْله ﷺ كل قرض جر نفعاً فَهُوَ رَبًّا وَقَالَ ابْن مَسْعُود أَيْضا من شفع لرجل شَفَاعَة فأهدى لَهُ هَدِيَّة فَهِيَ سحت وتصديقه من قَوْله ﷺ من شفع لرجل شَفَاعَة فأهدى لَهُ
стр. 59
عَلَيْهَا فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا أخرجه أَبُو دَاوُد فنسأل الله الْعَفو والعافية فِي الدين وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة
الْكَبِيرَة الثَّالِثَة عشرَة أكل مَال الْيَتِيم وظلمه
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلماً إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا وسيصلون سعيراً﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن حَتَّى يبلغ أشده﴾ وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْمِعْرَاج فَإِذا أَنا بِرِجَال وَقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم وَآخَرُونَ يجيئون بالصخور من النَّار فيقذفونها بأفواههم وَتخرج من أدبارهم فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلماً إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا رَوَاهُ مُسلم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يبْعَث الله عز
стр. 60
وَجل قوماً من قُبُورهم تخرج النَّار من بطونهم تأجج أَفْوَاههم نَارا فَقيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ ألم تَرَ أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلماً إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا﴾ وَقَالَ السدي رَحمَه الله تَعَالَى يحْشر آكل مَال الْيَتِيم ظلماً يَوْم الْقِيَامَة وَلَهَب النَّار يخرج من فِيهِ وَمن مسامعه وَأَنْفه وعينه كل من رَآهُ يعرفهُ أَنه آكل مَال الْيَتِيم قَالَ الْعلمَاء فَكل ولي ليتيم إِذا كَانَ فَقِيرا فَأكل من مَاله بِالْمَعْرُوفِ بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ فِي مَصَالِحه وتنمية مَاله فَلَا بَأْس عَلَيْهِ وَمَا زَاد على الْمَعْرُوف فسحت حرَام لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَفِي الْأكل بِالْمَعْرُوفِ أَرْبَعَة أَقْوَال (أَحدهَا) أَنه الْأَخْذ على وَجه الْقَرْض (وَالثَّانِي) الْأكل بِقدر الْحَاجة من غير إِسْرَاف و (الثَّالِث) أَنه أَخذ بِقدر إِذا عمل للْيَتِيم عملاً (وَالرَّابِع) أَنه الْأَخْذ عِنْد الضَّرُورَة فَإِن أيسر قَضَاهُ وَإِن لم يوسر فَهُوَ فِي حل وَهَذِه الْأَقْوَال ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره
стр. 61
وَفِي البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَنا وكافل الْيَتِيم فِي الْجنَّة هَكَذَا وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى وَفرج بَينهمَا وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﷺ قَالَ كافل الْيَتِيم لَهُ أَو لغيره أَنا وَهُوَ كهاتين فِي الْجنَّة وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى كَفَالَة الْيَتِيم هِيَ الْقيام بأموره وَالسَّعْي فِي مَصَالِحه من طَعَامه وَكسوته وتنمية مَاله إِن كَانَ لَهُ مَال وَإِن كَانَ لَا مَال لَهُ أنْفق عَلَيْهِ وكساه ابْتِغَاء وَجه الله تَعَالَى وَقَوله فِي الحَدِيث لَهُ أَو لغيره أَي سَوَاء كَانَ الْيَتِيم قرَابَة أَو أَجْنَبِيّا مِنْهُ فالقرابة مثل أَن يكفله جده أَو أَخُوهُ أَو أمه أَو عَمه أَو زوج أمه أَو خَاله أَو غَيره من أَقَاربه وَالْأَجْنَبِيّ من لَيْسَ بَينه وَبَينه قرَابَة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من ضم يَتِيما من الْمُسلمين إِلَى طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يُغْنِيه الله تَعَالَى أوجب الله لَهُ الْجنَّة إِلَّا أَن يعْمل ذَنبا لَا يغْفر وَقَالَ ﷺ من مسح رَأس يَتِيم لَا يمسحه إِلَّا لله كَانَ لَهُ بِكُل شَعْرَة مرت عَلَيْهَا يَده حَسَنَة وَمن أحسن إِلَى يَتِيم أَو يتيمة عِنْده كنت أَنا وَهُوَ هَكَذَا فِي الْجنَّة وَقَالَ رجل لأبي الدَّرْدَاء ﵁ أوصني بِوَصِيَّة قَالَ ارْحَمْ الْيَتِيم وأدنه مِنْك وأطعمه من طَعَامك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ أَتَاهُ رجل يشتكي قسوة قلبه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أردْت أَن يلين قَلْبك فأدن الْيَتِيم مِنْك وامسح رَأسه وأطعمه من طَعَامك فَإِن ذَلِك يلين قَلْبك وتقدر على حَاجَتك وَمِمَّا حُكيَ عَن بعض السلف قَالَ كنت فِي بداية أَمْرِي مكباً على الْمعاصِي وَشرب الْخمر فظفرت يَوْمًا بصبي يَتِيم فَقير فَأَخَذته وأحسنت أليه وَأَطْعَمته
стр. 62
وَكسوته وأدخلته الْحمام وأزلت شعثه وأكرمته كَمَا يكرم الرجل وَلَده بل أَكثر فَبت لَيْلَة بعد ذَلِك فَرَأَيْت فِي النوم أَن الْقِيَامَة قَامَت ودعيت إِلَى الْحساب وَأمر بِي إِلَى النَّار لسوء مَا كنت عَلَيْهِ من الْمعاصِي فسحبتني الزَّبَانِيَة ليمضوا بِي إِلَى النَّار وَأَنا بَين أَيْديهم حقير ذليل يجروني سحباً إِلَى النَّار وَإِذا بذلك الْيَتِيم قد اعترضني بِالطَّرِيقِ وَقَالَ خلوا عَنهُ يَا مَلَائِكَة رَبِّي حَتَّى أشفع لَهُ إِلَى رَبِّي فَإِنَّهُ قد أحسن إِلَيّ وأكرمني فَقَالَت الْمَلَائِكَة إِنَّا لم نؤمر بذلك وَإِذا النداء من قبل الله تَعَالَى يَقُول خلوا عَنهُ فقد وهبت لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ بشفاعة الْيَتِيم وإحسانه إِلَيْهِ قَالَ فَاسْتَيْقَظت وتبت إِلَى الله وبذلت جهدي فِي إِيصَال الرَّحْمَة إِلَى الْأَيْتَام وَلِهَذَا قَالَ أنس بن مَالك ﵁ خَادِم رَسُول الله ﷺ خير الْبيُوت بَيت فِيهِ يَتِيم يحسن إِلَيْهِ وَشر الْبيُوت بَيت فِيهِ يَتِيم يساء إِلَيْهِ وَأحب عباد الله إِلَى الله تَعَالَى من اصْطنع صنعاً إِلَى يَتِيم أَو أرملة وَرُوِيَ إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى دَاوُد ﵇ يَا دَاوُد كن للْيَتِيم كَالْأَبِ الرَّحِيم وَكن للأرملة كالزوج الشفيق وَاعْلَم كَمَا تزرع كَذَا تحصد مَعْنَاهُ أَنَّك كَمَا تفعل كَذَلِك يفعل مَعَك أَي لَا بُد أَن تَمُوت وَيبقى لَك ولد يَتِيم أَو امْرَأَة أرملة وَقَالَ دَاوُد ﵇ فِي مناجاته إلهي مَا جَزَاء من أسْند الْيَتِيم والأرملة ابْتِغَاء وَجهك قَالَ جَزَاؤُهُ أَن أظلهُ فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظل إِلَّا ظِلِّي مَعْنَاهُ ظل عَرْشِي يَوْم الْقِيَامَة وَمِمَّا جَاءَ فِي فضل الْإِحْسَان إِلَى الأرملة واليتيم عَن بعض العلويين وَكَانَ نازلاً ببلخ من بِلَاد الْعَجم وَله زَوْجَة علوِيَّة وَله مِنْهَا بَنَات وَكَانُوا فِي سَعَة ونعمة فَمَاتَ الزَّوْج وَأصَاب الْمَرْأَة وبناتها بعده الْفقر والقلة فَخرجت ببناتها إِلَى بَلْدَة أُخْرَى خوف شماتة الْأَعْدَاء وَاتفقَ خُرُوجهَا فِي شدَّة الْبرد فَلَمَّا دخلت ذَلِك الْبَلَد أدخلت بناتها فِي بعض الْمَسَاجِد المهجورة وَمَضَت تحتال لَهُم فِي الْقُوت فمرت بجمعين جمع على رجل مُسلم وَهُوَ شيخ الْبَلَد وَجمع على رجل مَجُوسِيّ وَهُوَ ضَامِن الْبَلَد فَبَدَأت بِالْمُسلمِ وشرحت حَالهَا لَهُ وَقَالَت أَنا امْرَأَة علوِيَّة وَمَعِي بَنَات أَيْتَام أدخلتهم بعض الْمَسَاجِد المهجورة وَأُرِيد اللَّيْلَة قوتهم فَقَالَ لَهَا أقيمي
стр. 63
عِنْدِي الْبَيِّنَة أَنَّك علوِيَّة شريفة فَقَالَت أَنا امْرَأَة غَرِيبَة مَا فِي الْبَلَد من يعرفنِي فَأَعْرض عَنْهَا فمضت من عِنْده منكسرة الْقلب فَجَاءَت إِلَى ذَلِك الرجل الْمَجُوسِيّ فشرحت لَهُ حَالهَا وأخبرته أَن مَعهَا بَنَات أَيْتَام وَهِي امْرَأَة شريفة غَرِيبَة وقصت عَلَيْهِ مَا جرى لَهَا مَعَ الشَّيْخ الْمُسلم فَقَامَ وَأرْسل بعض نِسَائِهِ وَأتوا بهَا وبناتها إِلَى دَاره فأطعمهن أطيب الطَّعَام وألبسهن أَفْخَر اللبَاس وَبَاتُوا عِنْده فِي نعْمَة وكرامة قَالَ فَلَمَّا انتصف اللَّيْل رأى ذَلِك الشَّيْخ الْمُسلم فِي مَنَامه كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت وَقد عقد اللِّوَاء على رَأس النَّبِي ﷺ وَإِذا الْقصر من الزمرد الْأَخْضَر شرفاته من اللُّؤْلُؤ والياقوت وَفِيه قباب اللُّؤْلُؤ والمرجان فَقَالَ يَا رَسُول الله لمن هَذَا الْقصر قَالَ لرجل مُسلم موحد فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا رجل مُسلم موحد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أقِم عِنْدِي الْبَيِّنَة أَنَّك مُسلم موحد قَالَ فَبَقيَ متحيراً فَقَالَ لَهُ ﷺ لما قصدتك الْمَرْأَة العلوية قلت أقيمي عِنْدِي الْبَيِّنَة أَنَّك علوِيَّة فَكَذَا أَنْت أقِم عِنْدِي الْبَيِّنَة أَنَّك مُسلم فانتبه الرجل حَزينًا على رده الْمَرْأَة خائبة ثمَّ جعل يطوف بِالْبَلَدِ وَيسْأل عَنْهَا حَتَّى دل عَلَيْهَا أَنَّهَا عِنْد الْمَجُوسِيّ فَأرْسل إِلَيْهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ أُرِيد مِنْك الْمَرْأَة الشَّرِيفَة العلوية وبناتها فَقَالَ مَا إِلَى هَذَا من سَبِيل وَقد لَحِقَنِي من بركاتهم مَا لَحِقَنِي قَالَ خُذ مني ألف دِينَار وسلمهن إِلَيّ فَقَالَ لَا أفعل فَقَالَ لَا بُد مِنْهُنَّ فَقَالَ الَّذِي تريده أَنْت أَنا أَحَق بِهِ وَالْقصر الَّذِي رَأَيْته فِي مَنَامك خلق لي أتدل عَليّ بِالْإِسْلَامِ فوَاللَّه مَا نمت البارحة أَنا وَأهل دَاري حَتَّى أسلمنَا كلنا على يَد العلوية وَرَأَيْت مثل الَّذِي رَأَيْت فِي مَنَامك وَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ العلوية وبناتها عنْدك قلت نعم يَا رَسُول الله قَالَ الْقصر لَك وَلأَهل دَارك وَأَنت وَأهل دَارك من أهل الْجنَّة خلقك الله مُؤمنا فِي الْأَزَل قَالَ فَانْصَرف الْمُسلم وَبِه من الْحزن والكآبة مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله فَانْظُر رَحِمك الله إِلَى بركَة الْإِحْسَان إِلَى الأرملة والأيتام مَا أعقب صَاحبه من الْكَرَامَة فِي الدُّنْيَا
стр. 64
وَلِهَذَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (السَّاعِي على الأرملة وَالْمَسَاكِين كالمجاهد فِي سَبِيل الله) قَالَ الرَّاوِي أَحْسبهُ قَالَ (وكالقائم لَا يفتر وكالصائم لَا يفْطر) والساعي عَلَيْهِم هُوَ الْقَائِم بأمورهم ومصالحهم ابْتِغَاء وَجه الله تَعَالَى وفقنا الله لذَلِك بمنه وَكَرمه إِنَّه جواد كريم رؤوف غَفُور رَحِيم
الْكَبِيرَة الرَّابِعَة عشر الْكَذِب على الله وعَلى رَسُوله ﷺ
قَالَ الله ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة﴾ قَالَ الْحسن هم الَّذين يَقُولُونَ إِن شِئْنَا فعلنَا وَإِن شِئْنَا لم نَفْعل قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره وَقد ذهب طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَن الْكَذِب على الله وعَلى رَسُوله كفر ينْقل عَن الْملَّة وَلَا ريب أَن الْكَذِب على الله وعَلى رَسُوله فِي تَحْلِيل حرَام وَتَحْرِيم حَلَال كفر مَحْض وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْكَذِب عَلَيْهِ فِيمَا سوى ذَلِك وَقَالَ ﷺ (من كذب عَليّ بني لَهُ بَيت فِي جَهَنَّم) وَقَالَ ﷺ (وَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) وَقَالَ ﷺ (من روى عني حَدِيثا وَهُوَ يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين)
стр. 65
وَقَالَ ﷺ (إِن كذباً عَليّ لَيْسَ ككذب على غَيْرِي من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) وَقَالَ ﷺ (من يقل عني مَا لم أَقَله فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) وَقَالَ ﷺ (يطبع المؤهل على كل شَيْء إِلَّا الْخِيَانَة وَالْكذب) نسْأَل الله التَّوْفِيق والعصمة إِنَّه جواد كريم
الْكَبِيرَة الْخَامِسَة عشرَة الْفِرَار من الزَّحْف
إِذا لم يزدْ الْعَدو على ضعف الْمُسلمين إِلَّا متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة وَإِن بَعدت قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اجتنبوا السَّبع الموبقات) قَالُوا وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ (الشرك بِاللَّه وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات)
стр. 66
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما نزلت ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ فَكتب الله عَلَيْهِم أَن لَا يفر عشرُون من مِائَتَيْنِ ثمَّ نزلت ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفاً فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين﴾ فَكتب أَن لَا يفر مائَة من مِائَتَيْنِ رَوَاهُ البُخَارِيّ
الْكَبِيرَة السَّادِسَة عشرَة غش الإِمَام الرعية وظلمه لَهُم
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الله غافلاً عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يؤخرهم ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار مهطعين مقنعي رؤوسهم لَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم وأفئدتهم هَوَاء﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
стр. 67
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من غَشنَا فَلَيْسَ منا وَقَالَ ﵇ الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﷺ كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا رَاع غش رَعيته فَهُوَ فِي النَّار وَقَالَ ﷺ من استرعاه الله رعية ثمَّ لم يحطهَا بنصحه إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة أخرجه البُخَارِيّ وَفِي لفظ يَمُوت يَوْم يَمُوت وَهُوَ غاش لرعيته إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَقَالَ ﷺ مَا من حَاكم يحكم بَين النَّاس إِلَّا حبس يَوْم الْقِيَامَة وَملك آخذ بقفاه فَإِن قَالَ ألقه أَلْقَاهُ فهوى فِي جَهَنَّم أَرْبَعِينَ خَرِيفًا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَقَالَ رَسُول الله ﷺ ويل لِلْأُمَرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم كَانَت معلقَة بِالثُّرَيَّا يُعَذبُونَ وَلم يَكُونُوا عمِلُوا من شَيْء وَقَالَ ﷺ ليَأْتِيَن على القضاي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة سَاعَة يتَمَنَّى أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي تَمْرَة قط وَقَالَ ﷺ مَا من أَمِير عشرَة إِلَّا يُؤْتى بِهِ يَوْم
стр. 68
الْقِيَامَة مغلولة يَده إِلَى عُنُقه إِمَّا أطلقهُ عدله أَو أوبقه جوره وَمن دُعَاء رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ اللَّهُمَّ من ولي من أَمر هَذِه الْأمة شَيْئا فرفق بهم فارفق بِهِ وَمن شفق عَلَيْهِم فأشفق عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ من ولاه الله شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين فاحتجب دون حَاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حَاجته وَخلته وَفَقره وَقَالَ رَسُول الله ﷺ سَيكون أُمَرَاء فسقة جورة فَمن صدقهم بكذبهم وَأَعَانَهُمْ على ظلمهم فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ وَلنْ يرد علي الْحَوْض وَقَالَ رَسُول الله ﷺ صنفان من أمتِي لن تنالهم شَفَاعَتِي سُلْطَان ظلوم غشوش وغال فِي الدين يشْهد عَلَيْهِم ويتبرأ مِنْهُم وَقَالَ ﵇ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَيهَا النَّاس مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا الله فَلَا يستجيب لكم وَقبل أَن تستغفروا الله فَلَا يغْفر لكم إِن الْأَحْبَار من الْيَهُود والرهبان من النَّصَارَى لما تركُوا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لعنهم الله على لِسَان أَنْبِيَائهمْ ثمَّ عمهم بالبلاء) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَمن أحدث حَدثا أَو آوى محدثنا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
стр. 69
لَا يقبل الله مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً وَفِي الحَدِيث أَيْضا من لَا يرحم لَا يرحم لَا يرحم الله من لَا يرحم النَّاس وَقَالَ ﷺ الإِمَام الْعَادِل يظله الله فِي ظله يَوْم لَا ظل إِلَّا ظله وَقَالَ المقسطون على مَنَابِر من نور الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوا وَلما بعث رَسُول الله ﷺ معَاذًا ﵁ إِلَى الْيمن قَالَ إياك وكرائم أَمْوَالهم وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ ﵊ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة فَذكر مِنْهُم الْملك الْكذَّاب وَقَالَ إِنَّكُم ستحرصون على الْإِمَارَة وستكون ندامة يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَفِيه أَيْضا وَإِنَّا وَالله لَا نولي هَذَا الْعَمَل أحدا سَأَلَهُ أَو أحداً حرص عَلَيْهِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا كَعْب بن عجْرَة أَعَاذَك الله من إِمَارَة السُّفَهَاء أُمَرَاء يكونُونَ من بعدِي لَا يَهْتَدُونَ بهديي وَلَا يستنون بِسنتي وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من طلب قَضَاء الْمُسلمين حَتَّى يَنَالهُ ثمَّ غلب عدله جوره فَلهُ الْجنَّة وَمن غلب جوره عدله فَلهُ النَّار وَقَالَ ستحرصون على الْإِمَارَة وستكون ندامة يَوْم الْقِيَامَة
стр. 70
وَقَالَ عمر لأبي ذَر ﵄ حَدثنِي بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله فَقَالَ أَبُو ذَر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يجاء بالوالي يَوْم الْقِيَامَة فينبذ بِهِ على جسر جَهَنَّم فيرتج بِهِ الجسر ارتجاجة لَا يبْقى مِنْهُ مفصل إِلَّا زَالَ عَن مَكَانَهُ فَإِن كَانَ مُطيعًا لله فِي عمله مضى بِهِ وَإِن كَانَ عَاصِيا لله فِي عمله انخرق بِهِ الجسر فهوى بِهِ فِي جَهَنَّم مِقْدَار خمسين عَاما فَقَالَ عمر من يطْلب الْعَمَل بهَا يَا أَبَا ذَر قَالَ من سلت الله أَنفه وألصق خَدّه بِالتُّرَابِ وَقَالَ عَمْرو بن المُهَاجر قَالَ لي عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ إِذا رَأَيْتنِي قد ملت عَن الْحق فضع يدك فِي تلبابي ثمَّ قل يَا عمر مَا تصنع يَا رَاضِيا باسم الظَّالِم كم عَلَيْك من الْمَظَالِم السجْن جَهَنَّم وَالْحق حَاكم وَلَا حجَّة لَك فِيمَا تخاصم الْقَبْر مهول فَتذكر حَبسك والحساب طَوِيل فخلص نَفسك والعمر كَيَوْم فبادر شمسك تفرح بِمَالك وَالْكَسْب خَبِيث وتمرح بآمالك وَالسير حثيث إِن الظُّلم لَا يتْرك مِنْهُ قدر أُنْمُلَة فَإِذا رَأَيْت ظَالِما قد سَطَا فنم لَهُ فَرُبمَا بَات فَأخذت جنبه من اللَّيْل نملة أَي قُرُوح فِي الْجَسَد
الْكَبِيرَة السَّابِعَة عشر الْكبر
الْكبر وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالْعجب والتيه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم من كل متكبر لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾
стр. 71
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ بَيْنَمَا رجل يتبختر فِي مَشْيه إِذْ خسف الله بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﵊ يحْشر الجبارون المتكبرون يَوْم الْقِيَامَة أَمْثَال الذَّر يطؤهم النَّاس يَغْشَاهُم الذل من كل مَكَان وَقَالَ بعض السلف أول ذَنْب عصي الله بِهِ الْكبر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾ فَمن استكبر على الْحق لم يَنْفَعهُ إيمَانه كَمَا فعل إِبْلِيس وَعَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة أحد فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ وَقَالَ ﷺ قَالَ الله تَعَالَى العظمة إزَارِي والكبرياء رِدَائي فَمن نَازَعَنِي فيهمَا أَلقيته فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم الْمُنَازعَة المجاذبة وَقَالَ ﷺ اختصمت الْجنَّة وَالنَّار فَقَالَت الْجنَّة مَالِي مَا يدخلني إِلَّا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ وَقَالَت النَّار أُوثِرت بالجبارين والمتكبرين الحَدِيث وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحاً إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ أَي لَا تمل خدك معرضاً متكبراً والمرح التَّبَخْتُر
стр. 72
وَقَالَ سَلمَة بن الْأَكْوَع أكل رجل عِنْد رَسُول الله ﷺ بِشمَالِهِ قَالَ كل بيمينك قَالَ لَا أَسْتَطِيع فَقَالَ لَا اسْتَطَعْت مَا مَنعه إِلَّا الْكبر فَمَا رَفعهَا إِلَى فِيهِ بعد رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ ﵊ أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار كل عتل جواظ مستكبر العتل الغليظ الجافي والجواظ الجموع المنوع وَقيل الضخم المختال فِي مشيته وَقيل البطين عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل يختال فِي مشيته ويتعاظم فِي نَفسه إِلَّا لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان وَصَحَّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار أَمِير مسلط أَي ظَالِم وغني لَا يُؤَدِّي الزَّكَاة وفقير فخور وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب والمسبل هُوَ الَّذِي يسبل إزَاره أَو ثِيَابه أَو سراويله حَتَّى يكون إِلَى قَدَمَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ مَا أسبل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَهُوَ فِي النَّار وأشر الْكبر الَّذِي فِيهِ من يتكبر على الْعباد بِعِلْمِهِ ويتعاظم فِي نَفسه بفضيلته فَإِن هَذَا لم يَنْفَعهُ علمه فَإِن من طلب الْعلم للآخرة كَسره علمه وخشع قلبه واستكانت نَفسه وَكَانَ على نَفسه بالمرصاد فَلَا يفتر عَنْهَا بل يحاسبها كل وَقت ويتفقدها فَإِن غفل عَنْهَا جمحت عَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وأهلكته وَمن طلب الْعلم للفخر والرياسة وبطر على الْمُسلمين وتحامق عَلَيْهِم وازدراهم فَهَذَا من أكبر الْكبر وَلَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
стр. 73
الْكَبِيرَة الثَّامِنَة عشرَة شَهَادَة الزُّور
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يشْهدُونَ الزُّور﴾ الْآيَة وَفِي الْأَثر عدلت شَهَادَة الزُّور الشرك بِاللَّه تَعَالَى مرَّتَيْنِ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ وَفِي الحَدِيث لَا تَزُول قدما شَاهد الزُّور يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تجب لَهُ النَّار قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى شَاهد الزُّور قد ارْتكب عظائم (أَحدهَا) الْكَذِب والافتراء قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يهدي من هُوَ مُسْرِف كَذَّاب﴾ وَفِي الحَدِيث يطبع الْمُؤمن على كل شَيْء لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب (وَثَانِيها) إِنَّه ظلم الَّذِي شهد عَلَيْهِ حَتَّى أَخذ بِشَهَادَتِهِ مَاله وَعرضه وروحه (وَثَالِثهَا) إِنَّه ظلم الَّذِي شهد لَهُ بِأَن سَاق إِلَيْهِ المَال الْحَرَام فَأَخذه بِشَهَادَتِهِ فَوَجَبت لَهُ النَّار وَقَالَ ﷺ من قضيت لَهُ من مَال أَخِيه بِغَيْر حق فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من نَار (وَرَابِعهَا) أَنه أَبَاحَ مَا حرم الله تَعَالَى وَعَصَمَهُ من المَال وَالدَّم وَالْعرض قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين أَلا وَقَول
стр. 74
الزُّور أَلا وَشَهَادَة الزُّور فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا ليته سكت رَوَاهُ البُخَارِيّ فنسأل الله تَعَالَى السَّلامَة والعافية من كل بلَاء
الْكَبِيرَة التَّاسِعَة عشر شرب الْخمر
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ فقد نهى فِي هَذِه الْآيَة عَن الْخمر وحذر مِنْهَا وَقَالَ النَّبِي ﷺ اجتنبوا الْخمر فَإِنَّهَا أم الْخَبَائِث فَمن لم يجتنبها فقد عصى الله وَرَسُوله وَاسْتحق الْعَذَاب بِمَعْصِيَة الله وَرَسُوله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما نزل تَحْرِيم الْخمر مَشى الصَّحَابَة بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا حرمت الْخمر وَجعلت عدلاً للشرك
стр. 75
وَذهب عبد الله بن عَمْرو إِلَى أَن الْخمر أكبر الْكَبَائِر وَهِي بِلَا ريب أم الْخَبَائِث وَقد لعن شاربها فِي غير حَدِيث وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَمَات وَلم يتب مِنْهَا وَهُوَ مدمنها لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة رَوَاهُ مُسلم وروى مُسلم عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن على الله عهداً لمن شرب الْمُسكر أَن يسْقِيه الله من طِينَة الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار أَو عصارة أهل النَّار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من شرب الْخمْرَة فِي الدُّنْيَا يحرمها فِي الْآخِرَة
ذكر أَن مدمن الْخمر كعابد الوثن
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مدمن الْخمر كعابد الوثن
ذكر أَن مدمن الْخمر إِذا مَاتَ وَلم يتب لَا يدْخل الْجنَّة
روى النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة عَاق وَلَا مدمن خمر وَفِي رِوَايَة ثَلَاثَة قد حرم الله عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق لوَالِديهِ والديوث وَهُوَ الَّذِي يقر السوء فِي أَهله
ذكر أَن السَّكْرَان لَا يقبل الله مِنْهُ حَسَنَة
روى جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا تقبل لَهُم صَلَاة وَلَا ترفع لَهُم حَسَنَة إِلَى السَّمَاء العَبْد
следующие страницы →