← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6848

الكبائر للذهبي

شمس الدين الذهبي

Полный текст (234 стр.). Показаны 211–234 · переход к 216.

стр. 211

لَهُ رجل يَا رَسُول الله مَالك أَمرته أَن يتَوَضَّأ ثمَّ سكت عَنهُ فَقَالَ إِنَّه كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسبل إزَاره وَلَا يقبل الله صَلَاة رجل مسبلاً إزَاره وَلما قَالَ ﷺ من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ يَا رَسُول الله إِن إزَارِي يسترخي إِلَّا أَن أتعاهده فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِنَّك لست مِمَّن يَفْعَله خُيَلَاء اللَّهُمَّ عاملنا بلطفك الْحسن الْجَمِيل بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ الْكَبِيرَة السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ لبس الْحَرِير وَالذَّهَب للرِّجَال فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَهَذَا عَام فِي الْجند وَغَيرهم لقَوْله ﷺ حرم لبس الْحَرِير وَالذَّهَب على ذُكُور أمتِي وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَن نَأْكُل فِيهَا وَعَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهَا أخرجه البُخَارِيّ فَمن اسْتحلَّ لبس الْحَرِير من الرِّجَال فَهُوَ كَافِر وَإِنَّمَا رخص فِيهِ الشَّارِع ﷺ لمن بِهِ حكة أَو جرب أَو غَيره وللمقاتلين عِنْد لِقَاء الْعَدو وَأما لبس الْحَرِير للزِّينَة فِي حق الرِّجَال فَحَرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين سَوَاء كَانَ قبَاء أَو قبطياً أَو كلوثة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْأَكْثَر حَرِيرًا كَانَ حَرَامًا وَكَذَلِكَ الذَّهَب لبسه حرَام على الرِّجَال سَوَاء كَانَ خَاتمًا أَو حياصة أَو سقط سيف حرَام لبسه وَعَمله وَقد

стр. 212

رأى النَّبِي ﷺ فِي يَد رجل خَاتمًا من ذهب فَنَزَعَهُ وَقَالَ يعمد أحدكُم إِلَى جَمْرَة من نَار فيجعلها فِي يَده وَكَذَلِكَ طراز الذَّهَب وكلوثة الزركش حرَام على الرِّجَال وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز إلباس الصَّبِي الْحَرِير وَالذَّهَب فَرخص فِيهِ قوم وَمنع آخَرُونَ لعُمُوم قَوْله ﷺ عَن الْحَرِير وَالذَّهَب هَذَانِ حرَام على ذُكُور أمتِي حل لإناثهم فَدخل الصَّبِي فِي النَّهْي وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَآخَرين ﵏ فنسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ إباق العَبْد روى مُسلم فِي صَحِيحه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أبق العَبْد لم تقبل لَهُ صَلَاة وَقَالَ ﷺ أَيّمَا عبد أبق فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة وروى ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة وَلَا يصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنَة العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى مَوْلَاهُ وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى والسكران حَتَّى يصحو وَعَن فضَالة بن عبيد مَرْفُوعا ثَلَاثَة لَا يسْأَل عَنْهُم رجل فَارق الْجَمَاعَة وَعصى إِمَامه وَعبد آبق وَمَات عَاصِيا وَامْرَأَة غَابَ عَنْهَا زَوجهَا وَقد كفاها المؤونة فتبرجت بعده أَي أظهرت محاسنها كَمَا يفعل أهل الْجَاهِلِيَّة وهم مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد ﷺ كَذَا ذكره الواحدي رَحمَه الله

стр. 213

الْكَبِيرَة الثَّامِنَة وَالْخَمْسُونَ الذّبْح لغير الله مثل من يَقُول بِسم الشَّيْطَان أَو الصَّنَم أَو باسم الشَّيْخ فلَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد الْميتَة والمنخنقة إِلَى قَوْله ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ وَقَالَ الْكَلْبِيّ مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ أَو يذبح لغير الله تَعَالَى وَقَالَ عَطاء يُنْهِي عَن ذَبَائِح كَانَت تذبحها قُرَيْش وَالْعرب على الْأَوْثَان وَقَوله ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ يَعْنِي وَإِن كل مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ من الْميتَة فسق أَو خُرُوج عَن الْحق وَالدّين ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ أَي يوسوس الشَّيْطَان لوَلِيِّه فيلقي فِي قلبه الْجِدَال بِالْبَاطِلِ وَهُوَ أَن الْمُشْركين جادلوا الْمُؤمنِينَ فِي الْميتَة قَالَ ابْن عَبَّاس أوحى الشَّيْطَان إِلَى أوليائه من الْأنس كَيفَ تَعْبدُونَ شَيْئا لَا تَأْكُلُونَ مَا يقتل وَأَنْتُم تَأْكُلُونَ مَا قتلتم فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة ﴿وَإِن أطعتموهم﴾ يَعْنِي فِي استحلال الْميتَة ﴿إِنَّكُم لمشركون﴾ قَالَ الزجاج وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن كل من أحل شَيْئا مِمَّا حرم الله أَو حرم شَيْئا مِمَّا أحل الله فَهُوَ مُشْتَرك فَإِن قيل كَيفَ أبحتم ذَبِيحَة الْمُسلم إِذا ترك التَّسْمِيَة وَالْآيَة كالنص فِي التَّحْرِيم قلت إِن الْمُفَسّرين فسروا مالم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْآيَة بالميتة وَلم يحملهُ أحد على ذَبِيحَة الْمُسلم إِذا ترك التَّسْمِيَة وَفِي الْآيَة أَشْيَاء تدل على أَن الْآيَة فِي تَحْرِيم الْميتَة وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ وَلَا يفسق آكل ذَبِيحَة الْمُسلم التارك للتسمية وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ والمناظرة إِنَّمَا كَانَت فِي الْميتَة بِإِجْمَاع من الْمُفَسّرين لَا فِي ذَبِيحَة تَارِك التَّسْمِيَة من الْمُسلمين وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ والشرك فِي استحلال الْميتَة لَا فِي استحلال الذَّبِيحَة الَّتِي لم يذكر اسْم الله عَلَيْهَا وَقد أخبرنَا أَبُو مَنْصُور بإسناده عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَأَلَ

стр. 214

رجل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَرَأَيْت الرجل منا يذبح وينسى أَن يُسَمِّي الله تَعَالَى فَقَالَ النَّبِي ﷺ اسْم الله على فَم كل مُسلم وَأخْبرنَا أَبُو مَنْصُور أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَكْفِيهِ اسْمه وَإِن نسي يُسَمِّي حِين يذبح فليسم وَيذكر الله ثمَّ ليَأْكُل وَأخْبرنَا عَمْرو بن أبي عَمْرو بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة ﵂ أَن قوماً قَالُوا يَا رَسُول الله إِن قوماً يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أذكر اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سموا عَلَيْهِ وكلوا هَذَا آخر كَلَام الواحدي ﵀ وَقد تقدم قَوْله ﷺ لعن الله من ذبح لغير الله الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ فِيمَن ادعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم عَن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ادعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فالجنة عَلَيْهِ حرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَمن رغب عَن أَبِيه فَهُوَ كَافِر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَفِيه أَيْضا من ادعى إِلَى غير أَبِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَعَن زيد بن شريك قَالَ رَأَيْت علياً ﵁ يخْطب على الْمِنْبَر فَسَمعته يَقُول وَالله مَا عندنَا من كتاب نقرؤه إِلَّا كتاب الله تَعَالَى وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة فنشرها فَإِذا فِيهَا أَسْنَان الْإِبِل وَشَيْء من الْجِرَاحَات وفيهَا قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة حرَام

стр. 215

مَا بَين عير إِلَى ثَوْر فَمن أحدث فِيهَا حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله يَوْم الْقِيَامَة مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً وَمن تولى غير موَالِيه فَعَلَيهِ مثل ذَلِك وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي ذَر أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَيْسَ منا رجلاً ادعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يُعلمهُ إِلَّا كفر وَمن ادعى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ منا وليتبوأ مَقْعَده من النَّار وَمن دَعَا رجلاً بالْكفْر أَو قَالَ يَا عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ أَي رَجَعَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ مُسلم فنسأل الله الْعَفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم الْكَبِيرَة السِّتُّونَ الجدل والمراء واللدد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد﴾ وَمِمَّا يذم من الْأَلْفَاظ المراء والجدال وَالْخُصُومَة قَالَ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ ﵀ المراء طعنك فِي كَلَام لإِظْهَار خلل فِيهِ لغير غَرَض سوى تحقير قَائِله وأظهار مزيتك عَلَيْهِ وَقَالَ وَأما الْجِدَال فعبارة عَن أَمر يتَعَلَّق بِإِظْهَار الْمذَاهب وتقريرها قَالَ وَأما الْخُصُومَة فلجاج فِي الْكَلَام ليستوفي بِهِ مَقْصُودا من مَال أَو غَيره وَتارَة يكون ابْتِدَاء وَتارَة يكون اعتراضاً والمراء لَا يكون إِلَّا اعتراضاً هَذَا كَلَام الْغَزالِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ ﵀ اعْلَم أَن الْجِدَال قد يكون بِحَق وَقد يكون بباطل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا يُجَادِل فِي آيَات الله إِلَّا الَّذين كفرُوا﴾

стр. 216

قَالَ فَإِن كَانَ الْجِدَال للوقوف على الْحق وَتَقْرِيره كَانَ مَحْمُودًا وَإِن كَانَ فِي مدافعة الْحق أَو كَانَ جدالاً بِغَيْر علم كَانَ مذموماً وعَلى هَذَا التَّفْصِيل تنزل النُّصُوص الْوَارِدَة فِي إِبَاحَته وذمه والمجادلة والجدال بِمَعْنى وَاحِد قَالَ بَعضهم مَا رَأَيْت شَيْئا أذهب للدين وَلَا أنقص للمروءة وَلَا أشغل للقلب من الْخُصُومَة (فَإِن قلت) لَا بُد للْإنْسَان من الْخُصُومَة لِاسْتِيفَاء حُقُوقه (فَالْجَوَاب) مَا أجَاب بِهِ الْغَزالِيّ ﵀ اعْلَم أَن الذَّم المتأكد إِنَّمَا هُوَ لمن خَاصم بِالْبَاطِلِ وَبِغير علم كوكيل القَاضِي فَإِنَّهُ يتوكل فِي الْخُصُومَة قبل أَن يعرف الْحق فِي أَي جَانب هُوَ فيخاصم بِغَيْر علم وَيدخل فِي الذَّم أَيْضا من يطْلب حَقه لِأَنَّهُ لَا يقْتَصر على قدر الْحَاجة بل يظْهر اللدد وَالْكذب والإيذاء والتسليط على خَصمه كَذَلِك من خلط بِالْخُصُومَةِ كَلِمَات تؤذي وَلَيْسَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَة فِي تَحْصِيل حَقه كَذَلِك من يحملهُ على الْخُصُومَة مَحْض العناد لقهر الْخصم وكسره فَهَذَا هُوَ المذموم وَأما الْمَظْلُوم الَّذِي ينصر حجَّته بطرِيق الشَّرْع من غير لدد وإسراف وَزِيَادَة لجاج على الْحَاجة من غير قصد عناد وَلَا إِيذَاء فَفعل هَذَا لَيْسَ حَرَامًا وَلَكِن الأولى تَركه مَا وجد إِلَيْهِ سَبِيلا لِأَن ضبط اللِّسَان فِي الْخُصُومَة على حد الاعتدال مُتَعَذر وَالْخُصُومَة توغر الصُّدُور وتهيج الْغَضَب وَإِذا هاج الْغَضَب حصل الحقد بَينهمَا حَتَّى يفرح كل وَاحِد مِنْهُمَا بمساءة الأخر ويحزن لمسرته وَيُطلق لِسَانه فِي عرضه فَمن خَاصم فقد تعرض لهَذِهِ الْآفَات وَأَقل مَا فِيهَا اشْتِغَال الْقلب حَتَّى أَنه يكون فِي صلَاته وخاطره مُتَعَلق بالمحاججة وَالْخُصُومَة فَلَا تبقى حَاله على الاسْتقَامَة وَالْخُصُومَة مبدأ الشَّرّ وَكَذَا الْجِدَال والمراء فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَلا يفتح عَلَيْهِ بَاب الْخُصُومَة إِلَّا لضَرُورَة لَا بُد مِنْهَا روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ

стр. 217

رَسُول الله ﷺ كفى بك إِثْمًا أَن لَا تزَال مخاصماً وَجَاء عَن عَليّ ﵁ قَالَ إِن الْخُصُومَة لَهَا قحم قلت القحم بِضَم الْقَاف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَهِي المهالك فصل عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من جادل فِي خُصُومَة بِغَيْر علم لم يزل فِي سخط حَتَّى ينْزع وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجِدَال ثمَّ تَلا مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلاً الْآيَة وَقَالَ ﷺ أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم زلَّة عَالم وجدال مُنَافِق فِي الْقُرْآن وَدُنْيا تقطع أَعْنَاقكُم رَوَاهُ ابْن عمر وَقَالَ النَّبِي ﷺ المراء فِي الْقُرْآن كفر فصل يكره التَّغْيِير فِي الْكَلَام بالتشدق وتكلف السجع بالفصاحة بالمقدمات الَّتِي يعتادها المتفاصحون فَكل ذَلِك من التَّكَلُّف لمذموم بل يَنْبَغِي أَن يقْصد فِي مخاطبته لفظاً يفهمهُ جلياً وَلَا يثقله روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله يبغض البليغ من الرِّجَال الَّذِي يَتَخَلَّل بِلِسَانِهِ كَمَا تتخلل الْبَقَرَة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وروينا فِيهِ أَيْضا عَن جَابر رَضِي

стр. 218

الله عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن من أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة أحاسنكم أَخْلَاقًا وَإِن من أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قَالُوا يَا رَسُول الله قد علمنَا الثرثارون والمتشدقون فَمَا المتفيهقون قَالَ المتكبرون قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن قَالَ والثرثار هُوَ كثير الْكَلَام والمتشدق من يَتَطَاوَل على النَّاس فِي الْكَلَام ويبذو عَلَيْهِم وَاعْلَم أَنه لَا يدْخل فِي الذَّم تَحْسِين أَلْفَاظ الْخطب والمواعظ إِذا لم يكن فِيهَا إفراط وأغراب إِلَّا أَن الْمَقْصُود مِنْهَا تهييج الْقُلُوب إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى ولحسن اللَّفْظ فِي هَذَا أثر ظَاهر وَالله أعلم الْكَبِيرَة الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ منع فضل المَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أصبح ماؤكم غوراً فَمن يأتيكم بِمَاء معِين﴾ قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ الْكلأ وَقَالَ ﵊ (من منع فضل مَائه وَفضل كلئه مَنعه الله فَضله يَوْم الْقِيَامَة) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل على فضل مَاء بفلاة يمنعهُ ابْن السَّبِيل وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا للدنيا فَإِن أعطَاهُ مِنْهَا وفى لَهُ وَإِن لم يُعْطه مِنْهَا لم يَفِ لَهُ وَرجل بَايع رجلاً بسلعة بعد الْعَصْر فَحلف لَهُ بِاللَّه لأخذتها بِكَذَا وَكَذَا

стр. 219

فَصدقهُ وَهُوَ على غير ذَلِك أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَزَاد البُخَارِيّ وَرجل منع فضل مَائه فَيَقُول الله الْيَوْم أمنعك فضلي كَمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك الْكَبِيرَة الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ نقص الْكَيْل والزراع وَمَا أشبه ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ يَعْنِي الَّذين ينقصُونَ النَّاس ويبخسون حُقُوقهم فِي الْكَيْل وَالْوَزْن قَوْله ﴿الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون﴾ يَعْنِي يستوفون حُقُوقهم مِنْهَا قَالَ الزجاج الْمَعْنى إِذا اكتالوا من النَّاس استوفوا عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ إِذا اتزنوا وَلم يذكر (إِذا اتزنوا) لِأَن الْكَيْل وَالْوَزْن بهما الشِّرَاء وَالْبيع فِيمَا يُكَال ويوزن فأحدهما يدل على الآخر ﴿وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون﴾ أَي ينقصُونَ فِي الْكَيْل وَالْوَزْن وَقَالَ السدي لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وَبهَا رجل يُقَال لَهُ أَبُو جُهَيْنَة لَهُ مكيالان يَكِيل بِأَحَدِهِمَا وَيَكْتَال بِالْآخرِ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خمس بِخمْس قَالُوا يَا رَسُول الله وماخمس بِخمْس قَالَ مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوهم وَمَا حكمُوا بِغَيْر مَا أنزل الله إِلَّا فَشَا فيهم الْفقر وَمَا ظَهرت فيهم الْفَاحِشَة إِلَّا أنزل الله بهم الطَّاعُون يَعْنِي كَثْرَة الْمَوْت وَلَا طَفَّفُوا الْكَيْل إِلَّا منعُوا النَّبَات وَأخذُوا بِالسِّنِينَ وَلَا منعُوا الزَّكَاة إِلَّا حبس عَنْهُم الْمَطَر ﴿أَلا يظن أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون﴾ قَالَ الزجاج الْمَعْنى لَو ظنُّوا أَنهم مبعوثون مَا نَقَصُوا فِي الْكَيْل وَالْوَزْن ليَوْم عَظِيم أَي يَوْم الْقِيَامَة يَوْم يقوم النَّاس من قُبُورهم لرب الْعَالمين أَي لأَمره ولجزائه وحسابه وهم يقومُونَ بَين يَدَيْهِ

стр. 220

لفصل الْقَضَاء وَعَن مَالك بن دِينَار قَالَ دخل عَليّ جَار لي وَقد نزل بِهِ الْمَوْت وَهُوَ يَقُول جبلين من نَار جبلين من نَار قَالَ قلت مَا تَقول قَالَ يَا أَبَا يحيى كَانَ لي مكيالان كنت أكيل بِأَحَدِهِمَا وأكتال بِالْآخرِ وَقَالَ مَالك بن دِينَار فَقُمْت فَجعلت أضْرب أَحدهمَا بِالْآخرِ فَقَالَ يَا أَبَا يحيى كلما ضربت أَحدهمَا بِالْآخرِ ازْدَادَ الْأَمر عظماً وَشدَّة فَمَاتَ فِي مَرضه والمطفف هُوَ الَّذِي ينقص الْكَيْل وَالْوَزْن مطففاً لِأَنَّهُ لَا يكَاد يسرق إِلَّا الشَّيْء الطفيف وَذَلِكَ ضرب من السّرقَة والخيانة وَأكل الْحَرَام ثمَّ وعد الله من فعل ذَلِك بويل وَهُوَ شدَّة الْعَذَاب وَقيل وَاد فِي جَهَنَّم لَو سيرت فِيهِ جبال الدُّنْيَا لذابت من شدَّة حره وَقَالَ بعض السلف أشهد على كل كيال أَو وزان بالنَّار لِأَنَّهُ لَا يكَاد يسلم إِلَّا من عصم الله وَقَالَ بَعضهم دخلت على مَرِيض وَقد نزل بِهِ الْمَوْت فَجعلت ألقنه الشَّهَادَة وَلسَانه لَا ينْطق بهَا فَلَمَّا أَفَاق قلت لَهُ يَا أخي مَالِي ألقنك الشَّهَادَة وَلِسَانك لَا ينْطق بهَا قَالَ يَا أخي لِسَان الْمِيزَان على لساني يَمْنعنِي من النُّطْق بهَا فَقلت لَهُ بِاللَّه أَكنت تزن نَاقِصا قَالَ لَا وَالله وَلَكِن مَا كنت أَقف مُدَّة لأختبر صِحَة ميزاني فَهَذَا حَال من لَا يعْتَبر صِحَة مِيزَانه فَكيف حَال من يزن نَاقِصا وَقَالَ نَافِع كَانَ ابْن عمر يمر بالبائع فَيَقُول اتَّقِ الله وأوف الْكَيْل وَالْوَزْن فَإِن المطففين يوقفون حَتَّى أَن الْعرق ليلجمهم إِلَى أَنْصَاف آذانهم وَكَذَا التَّاجِر إِذا شد يَده فِي الذِّرَاع وَقت البيع وأرخى وَقت الشِّرَاء وَكَانَ بعض السلف يَقُول ويل لمن يَبِيع بِحَبَّة يُعْطِيهَا نَاقِصَة جنَّة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وويح لمن يَشْتَرِي الويل بِحَبَّة يَأْخُذهَا زَائِدَة فنسأل الله الْعَفو والعافية من كل بلَاء ومحنة إِنَّه جواد كريم

стр. 221

الْكَبِيرَة الثَّالِثَة وَالسِّتُّونَ الْأَمْن من مكر الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ أَي أَخذهم عذابنا من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ قَالَ الْحسن من وسع الله عَلَيْهِ فَلم ير أَنه يمكر بِهِ فَلَا رَأْي لَهُ وَمن قتر عَلَيْهِ فَلم ير أَنه ينظر إِلَيْهِ فَلَا رَأْي لَهُ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون﴾ وَقَالَ مكر بالقوم وَرب الْكَعْبَة أعْطوا حَاجتهم ثمَّ أخذُوا وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا رَأَيْت الله يُعْطي العَبْد مَا يحب وَهُوَ مُقيم على مَعْصِيَته فَإِنَّمَا ذَلِك مِنْهُ اسْتِدْرَاج ثمَّ قَرَأَ ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون﴾ الإبلاس الْيَأْس من النجَاة عِنْد وُرُود الهلكة وَقَالَ ابْن عَبَّاس أيسو من كل خير وَقَالَ الزجاج المبلس الشَّديد الْحَسْرَة اليائس الحزين وَفِي الْأَثر أَنه لما مكر بإبليس وَكَانَ من الْمَلَائِكَة طفق جِبْرِيل وميكال يَبْكِيَانِ فَقَالَ الله لَهما مالكما تبكيان قَالَا يَا رب مَا نَأْمَن مكرك فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿هَكَذَا كونا لَا تأمنا مكري﴾ وَكَانَ النَّبِي ﷺ يكثر أَن يَقُول يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قُلُوبنَا على دينك فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أتخاف علينا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْقُلُوب بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبها كَيفَ يَشَاء

стр. 222

وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار وَإنَّهُ من أهل الْجنَّة وَيعْمل الرجل بِعَمَل أهل الْجنَّة وَإنَّهُ من أهل النَّار وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بالخواتيم وَقد قص الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز قصَّة بلعام وَأَنه سلب الْإِيمَان بعد الْعلم والمعرفة وَكَذَلِكَ برصيصا العابد مَاتَ على الْكفْر وَرُوِيَ أَنه كَانَ رجل بِمصْر مُلْتَزم الْمَسْجِد للأذان وَالصَّلَاة وَعَلِيهِ بهاء الْعِبَادَة وأنوار الطَّاعَة فرقي يَوْمًا المنارة على عَادَته للأذان وَكَانَت تَحت المنارة دَار لنصراني ذمِّي فَاطلع فِيهَا فَرَأى ابْنة صَاحب الدَّار وَكَانَت جميلَة فَافْتتنَ بهَا وَترك الْأَذَان وَنزل إِلَيْهَا فَقَالَت لَهُ مَا شَأْنك وَمَا تُرِيدُ فَقَالَ أَنْت أُرِيد قَالَت لَا أجيبك إِلَى رِيبَة قَالَ لَهَا أتزوجك قَالَت لَهُ أَنْت مُسلم وَأبي لَا يزوجني بك قَالَ أتنصر قَالَت لَهُ إِن فعلت أفعل فَتَنَصَّرَ ليتزوج بهَا وَأقَام مَعَهم فِي الدَّار فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء ذَلِك الْيَوْم رقى إِلَى سطح كَانَ فِي الدَّار فَسقط فَمَاتَ فَلَا هُوَ فَازَ بِدِينِهِ وَلَا هُوَ تمتع بهَا نَعُوذ بِاللَّه من مكره وَسُوء الْعَاقِبَة وَسُوء الخاتمة وَعَن سَالم عَن عبد الله قَالَ كَانَ كثيراً مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمَعْنَاهُ يصرفهَا أسْرع من ممر الريح على اخْتِلَاف فِي الْقبُول وَالرَّدّ والإرادة وَالْكَرَاهَة وَغير ذَلِك من الْأَوْصَاف وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ قَالَ مُجَاهِد الْمَعْنى يحول بَين الْمَرْء وعقله حَتَّى لَا يدْرِي مَا تصنع بنانه ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ أَي عقل وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَن يكون ذَلِك إِخْبَارًا من الله تَعَالَى إِنَّه أملك لقلوب الْعباد مِنْهُم وَأَنه يحول بَينهم وَبَينهَا إِن شَاءَ حَتَّى لَا يدْرك الْإِنْسَان شَيْئا إِلَّا بِمَشِيئَة الله وَقَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ يكثر أَن يَقُول يَا مُقَلِّب الْقُلُوب

стр. 223

ثَبت قلبِي على طَاعَتك فَقلت يَا رَسُول الله إِنَّك تكْثر أَن تَدْعُو بِهَذَا فَهَل تخشى قَالَ وَمَا يؤمنني يَا عَائِشَة وَقُلُوب الْعباد بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبها كَيفَ شَاءَ إِذا أَرَادَ أَن يقلب قلب عبد قلبه فَإِذا كَانَت الْهِدَايَة مَعْرُوفَة والاستقامة على مَشِيئَته مَوْقُوفَة وَالْعَاقبَة مغيبة والإرادة غير مغالبة فَلَا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وَجَمِيع قربك ذَلِك إِن كَانَ من كسبك فَإِنَّهُ من خلق رَبك وفضله الدَّار عَلَيْك فمهما افتخرت بذلك كنت مفتخرا بمتاع غَيْرك رُبمَا سلبه عَنْك فَعَاد قَلْبك من الْخَيْر أخلى من جَوف العير فكم من رَوْضَة أمست وزهرها يَانِع عميم أضحت وزهرها يَابِس هشيم إِذْ هبت عَلَيْهَا الريح الْعَقِيم كَذَلِك العَبْد يُمْسِي وَقَلبه بِطَاعَة الله مشرق سليم وَيُصْبِح وَهُوَ بِمَعْصِيَة الله مظلم سقيم ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَظِيم ابْن آدم الأقلام عَلَيْك تجْرِي وَأَنت فِي غَفلَة لَا تَدْرِي ابْن أدم دع المغاني والأوتار والمنازل والديار والتنافس فِي هَذِه الدَّار حَتَّى ترى مَا فعلت فِي أَمرك الأقدار قَالَ الربيع سُئِلَ الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة الله تَعَالَى يُنَادي مُنَاد من قبل الْعَرْش أَيْن فلَان أَيْن فلَان فَلَا يسمع أحد ذَلِك الصَّوْت إِلَّا وتضطرب فرائصه قَالَ فَيَقُول الله لذَلِك الشَّخْص أَنْت الْمَطْلُوب هَلُمَّ إِلَى الْعرض على خَالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فيشخص الْخلق بِأَبْصَارِهِمْ تجاه الْعَرْش وَيُوقف ذَلِك الشَّخْص بَين يَدي الله فيلقي الله عَلَيْهِ من نوره يستره عَن المخلوقين ثمَّ يَقُول لَهُ عَبدِي أما علمت أَنِّي كنت أشاهد عَمَلك فِي دَار الدُّنْيَا فَيَقُول بلَى يَا رب فَيَقُول الله تَعَالَى عَبدِي أما سَمِعت بنقمتي وعذابي لمن عَصَانِي فَيَقُول بلَى يَا رب فَيَقُول الله تَعَالَى أما سَمِعت

стр. 224

بجزائي وثوابي لمن أَطَاعَنِي فَيَقُول بلَى يَا رب فَيَقُول الله تَعَالَى يَا عَبدِي عَصَيْتنِي فَيَقُول يَا رب قد كَانَ ذَلِك فَيَقُول الله تَعَالَى عَبدِي فَمَا ظَنك الْيَوْم بِي فَيَقُول يَا رب أَن تَعْفُو عني فَيَقُول الله تَعَالَى عَبدِي تحققت أَنِّي أعفو عَنْك فَيَقُول نعم يَا رب لِأَنَّك رَأَيْتنِي على الْمعْصِيَة وسترتها عَليّ قَالَ فَيَقُول الله قد عَفَوْت عَنْك وغفرت لَك وحققت ظَنك خُذ كتابك بيمينك فَمَا كَانَ فِيهِ من حَسَنَة فقد قبلتها وَمَا كَانَ من سَيِّئَة فقد غفرتها لَك وَأَنا الْجواد الْكَرِيم إلهنا لَوْلَا محبتك للغفران مَا أمهلت من يبارزك بالعصيان وَلَوْلَا عفوك وكرمك مَا سكنت الْجنان اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عَنَّا اللَّهُمَّ انْظُر إِلَيْنَا نظر الرضى وأثبتنا فِي ديوَان أهل الصَّفَا ونجنا من ديوَان أهل الجفا اللَّهُمَّ حقق بالرجاء آمالنا وَحسن فِي جَمِيع الْأَحْوَال أَعمالنَا وَسَهل فِي بُلُوغ رضاك سبلنا وَخذ إِلَى الْخيرَات بنواصينا وآتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار الْكَبِيرَة الْخَامِسَة وَالسِّتُّونَ تَارِك الْجَمَاعَة فَيصَلي وَحده من غير عذر عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لقوم يتخلفون عَن الْجَمَاعَة (لقد هَمَمْت أَن آمُر رجل يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثمَّ أحرق على رجال يتخلفون عَن الْجَمَاعَة بُيُوتهم) رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ ﵊ لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجَمَاعَات أَو ليختمن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن من الغافلين رَوَاهُ مُسلم

стр. 225

وَقَالَ ﷺ (من ترك ثَلَاث جمع تهاوناً بهَا طبع الله على قلبه) أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ من ترك الْجُمُعَة من غير عذر وَلَا ضَرَر كتب منافقاً فِي ديوَان لَا يمحى وَلَا يُبدل وَعَن حَفْصَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ رواح الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم أَي على كل بَالغ فنسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم الْكَبِيرَة السَّادِسَة وَالسِّتُّونَ الْإِصْرَار على ترك صَلَاة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة من غير عذر قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة وَقد كَانُوا يدعونَ إِلَى السُّجُود وهم سَالِمُونَ﴾ قَالَ كَعْب الْأَحْبَار مَا نزلت هَذِه الْآيَة إِلَّا فِي الَّذين يتخلفون عَن الْجَمَاعَات وَقَالَ سعيد بن الْمسيب إِمَام التَّابِعين ﵀ كَانُوا يسمعُونَ حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح فَلَا يجيبون وهم سَالِمُونَ أصحاء

стр. 226

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد هَمَمْت أَن آمُر بحطب يحتطب ثمَّ آمُر بِالصَّلَاةِ فَيُؤذن لَهَا ثمَّ آمُر رجلاً فيؤم النَّاس ثمَّ أُخَالِف إِلَى رجال لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم بالنَّار وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة لقد هَمَمْت أَن آمُر فتيتي أَن يجمعوا لي حزماً من حطب ثمَّ آتِي قوماً يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم وَفِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح وَالْآيَة الَّتِي قبله وَعِيد شَدِيد لمن يتْرك صَلَاة الْجَمَاعَة من غير عذر فقد روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمع الْمُنَادِي فَلم يمنعهُ من إِتْيَانه عذر قيل وَمَا الْعذر يَا رَسُول الله قَالَ خوف أَو مرض لم تقبل مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صلى يَعْنِي فِي بَيته وروى التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سُئِلَ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلَا يُصَلِّي فِي جمَاعَة وَلَا يجمع فَقَالَ إِن مَاتَ هَذَا فَهُوَ فِي النَّار وروى مُسلم أَن رجلاً أعمى جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد فَهَل لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي فَرخص لَهُ فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ قَالَ نعم قَالَ فأجب وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَن ابْن أم مَكْتُوم جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ يَا رَسُول الله إِن الْمَدِينَة كَثِيرَة الْهَوَام وَالسِّبَاع وَأَنا ضَرِير الْبَصَر فَهَل لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ تسمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح قَالَ نعم قَالَ فأجب فحي هلا وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي ضَرِير شاسع الدَّار ولي قَائِد لَا يلائمني فَهَل لي رخصَة وَقَوله فحي هلا أَي تعال وَأَقْبل وروى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه على شَرط الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَمن سمع النداء فَلم يمنعهُ من اتِّبَاعه عذر فَلَا

стр. 227

صَلَاة لَهُ قَالُوا وَمَا الْعذر يَا رَسُول الله قَالَ خوف أَو مرض وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعن الله ثَلَاثَة من تقدم قوماً وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط ورجلاً سمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح ثمَّ لم يجب قَالَ أَبُو هُرَيْرَة لِأَن تمتلئ أذن ابْن آدم رصاصا مذابا خير من أَن يسمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح ثمَّ لَا يُجيب وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد قيل من جَار الْمَسْجِد قَالَ من يسمع الأذان قَالَ أَيْضا (من سمع النداء فَلم يَأْته لم تجَاوز صلَاته رَأسه إِلَّا من عذر) وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ من سره أَن يلقى الله غَدا مُسلما فليحافظ على هَذِه الصَّلَوَات الْخمس حَيْثُ يُنَادي بِهن فَإِن الله تَعَالَى شرع لنبيكم ﷺ سنَن الْهدى وَإِنَّهَا من سنَن الْهدى وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق أَو مَرِيض وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادي بَين الرجلَيْن حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ يَعْنِي يتكئ عَلَيْهِمَا من ضعفه حرصاً على فَضلهَا وخوفاً من الْإِثْم فِي تَركهَا فصل وَفضل صَلَاة الْجَمَاعَة عَظِيم كَمَا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ إِنَّهُم المصلون الصَّلَوَات الْخمس فِي الْجَمَاعَات وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ أَي خطاهم وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تطهر فِي بَيته ثمَّ مَشى إِلَى بَيت من بيُوت الله ليقضي فَرِيضَة من فَرَائض الله كَانَت خطواته أَحدهمَا تحط

стр. 228

خَطِيئَة وَالْأُخْرَى ترفع دَرَجَة فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صلى فِيهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ فِيهِ أَو يحدث فِيهِ وَقَالَ ﷺ أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء على المكاره وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط رَوَاهُ مُسلم الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالسِّتُّونَ الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار﴾ أَي غير مدْخل الضَّرَر على الْوَرَثَة وَهُوَ أَن يُوصي بدين لَيْسَ عَلَيْهِ يُرِيد بذلك ضَرَر الْوَرَثَة فَمنع الله مِنْهُ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَصِيَّة من الله وَالله عليم حَلِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد مَا أحل الله من فَرَائِضه فِي الْمِيرَاث وَمن يطع الله وَرَسُوله فِي شَأْن الْمَوَارِيث يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم وَمن يعْص الله وَرَسُوله قَالَ مُجَاهِد فِيمَا فرض الله من الْمَوَارِيث وَقَالَ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس من لم يرض بقسم الله ويتعد مَا قسم الله يدْخلهُ نَارا وَقَالَ الْكَلْبِيّ يَعْنِي يكفر بقسمة الله الْمَوَارِيث وَيَتَعَدَّى حُدُوده استحلالاً يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ

стр. 229

قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل أَو الْمَرْأَة ليعْمَل بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران فِي الْوَصِيَّة فَتجب لَهما النَّار) ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة هَذِه الْآيَة من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَجَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من فر بميراث وَارِث قطع الله مِيرَاثه من الْجنَّة وَقَالَ ﵊ إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث صَححهُ التِّرْمِذِيّ الْكَبِيرَة الثَّامِنَة وَالسِّتُّونَ الْمَكْر والخديعة قَالَ الله ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ الْمَكْر والخديعة فِي النَّار وَقَالَ ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة خب وَلَا بخيل وَلَا منان وَقَالَ الله تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ قَالَ الواحدي يعاملون عمل المخادع على خداعهم وَذَلِكَ أَنهم يُعْطون نوراً كَمَا يعْطى الْمُؤْمِنُونَ فَإِذا مضوا على الصِّرَاط أطفئ نورهم وبقوا فِي الظلمَة

стр. 230

وَقَالَ ﷺ وَفِي حَدِيث وَأهل النَّار خَمْسَة وَذكر مِنْهُم رجلاً لَا يصبح وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يخادعك عَن أهلك وَمَالك الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالسِّتُّونَ من جس على الْمُسلمين وَدلّ على عورتهم فِيهِ حَدِيث حَاطِب بن أبي بلتعة وَأَن عمر أَرَادَ قَتله بِمَا فعل فَمَنعه رَسُول الله ﷺ من قَتله لكَونه شهد بَدْرًا إِذا ترَتّب على جسه وَهن على الْإِسْلَام وَأَهله وَقتل أَو سبى أَو نهب أَو شَيْء من ذَلِك فَهَذَا مِمَّن سعى فِي الأَرْض فَسَادًا وَأهْلك الْحَرْث والنسل فَيتَعَيَّن قَتله وَحقّ عَلَيْهِ الْعَذَاب فنسأل الله الْعَفو والعافية وبالضرورة يدْرِي كل ذِي جس أَن النميمة إِذا كَانَت من أكبر الْمُحرمَات فنميمة الجاسوس أكبر وَأعظم نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك ونسأله الْعَفو والعافية إِنَّه لطيف خَبِير جواد كريم الْكَبِيرَة السبعون سب أحد من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى (من عادى لي ولياً فقد آذنته بِالْحَرْبِ) وَقَالَ ﷺ لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 231

وَقَالَ ﷺ الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي فَمن أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم وَمن آذاهم فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله وَمن آذَى الله أوشك أَن يَأْخُذهُ أخرجه التِّرْمِذِيّ فَفِي هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله بَيَان حَالَة من جعلهم غَرضا بعد رَسُول الله ﷺ وسبهم وافترى عَلَيْهِم وعابهم وكفرهم واجترأ عَلَيْهِم وَقَوله ﷺ (الله الله) كلمة تحذير وإنذار كَمَا يَقُول المحذر النَّار النَّار أَي احْذَرُوا النَّار وَقَوله (لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي) أَي لَا تتخذوهم غَرضا للسب والطعن كَمَا يُقَال اتخذ فلَان غَرضا لسبه أَي هدفاً للسب) وَقَوله (فَمن أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم) فَهَذَا من أجل الْفَضَائِل والمناقب لِأَن محبَّة الصَّحَابَة لكَوْنهم صحبوا رَسُول الله ﷺ ونصروه وآمنوا بِهِ وعزروه وواسوه بالأنفس وَالْأَمْوَال فَمن أحبهم فَإِنَّمَا أحب النَّبِي ﷺ فحب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح حب الْأَنْصَار من الْإِيمَان وبغضهم من النِّفَاق وَمَا ذَاك إِلَّا لسابقتهم ومجاهدتهم أَعدَاء الله بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ حب عَليّ ﵁ من الْإِيمَان وبغضه من النِّفَاق وَإِنَّمَا يعرف فَضَائِل الصَّحَابَة ﵃ من تدبر أَحْوَالهم وسيرهم وآثارهم فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَبعد مَوته من الْمُسَابقَة إِلَى الْإِيمَان والمجاهدة للْكفَّار وَنشر الدين وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وإعلاء كلمة الله وَرَسُوله وَتَعْلِيم فَرَائِضه وسننه ولولاهم مَا وصل إِلَيْنَا من الدين أصل وَلَا فرع وَلَا علمنَا من الْفَرَائِض وَالسّنَن سنة وَلَا فرضاً وَلَا علمنَا من الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار شَيْئا فَمن طعن فيهم أَو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من مِلَّة الْمُسلمين لِأَن الطعْن لَا يكون إِلَّا عَن اعْتِقَاد مساويهم وإضمار الحقد فيهم وإنكار مَا ذكره

стр. 232

الله تَعَالَى فِي كِتَابه من ثنائه عَلَيْهِم وَمَا لرَسُول الله ﷺ من ثنائه عَلَيْهِم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم وَلِأَنَّهُم أرْضى الْوَسَائِل من الْمَأْثُور والوسائط من الْمَنْقُول والطعن فِي الوسائط طعن فِي الأَصْل والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول هَذَا ظَاهر لمن تدبره وَسلم من النِّفَاق وَمن الزندقة والإلحاد فِي عقيدته وحسبك مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَار والْآثَار من ذَلِك كَقَوْل النَّبِي ﷺ إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحاباً فَجعل لي مِنْهُم وزراء وأنصار وأصهاراً فَمن سبهم فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرفاً وَلَا عدلاً وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ أنَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِنَّا نسب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من سب أَصْحَابِي فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أَصْحَابِي وَجعل لي أصحاباً وإخواناً وأصهاراً وَسَيَجِيءُ قوم بعدهمْ يعيبونهم وينقصونهم فَلَا تواكلوهم وَلَا تشاربوهم وَلَا تناكحوهم وَلَا تصلوا عَلَيْهِم وَلَا تصلوا مَعَهم وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فأمسكوا وَإِذا ذكر الْقدر فأمسكوا قَالَ الْعلمَاء مَعْنَاهُ من فحص عَن سر الْقدر فِي الْخلق وَهُوَ أَي الْإِمْسَاك عَلامَة الْإِيمَان وَالتَّسْلِيم لأمر الله وَكَذَلِكَ النُّجُوم وَمن اعْتقد أَنَّهَا فعالة أَو لَهَا تَأْثِير من غير إِرَادَة الله فَهُوَ مُشْرك وَكَذَلِكَ من ذم أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 233

بِشَيْء وتتبع عثراتهم وَذكر عَيْبا وأضافه إِلَيْهِم كَانَ منافقاً بل الْوَاجِب على الْمُسلم حب الله وَحب رَسُوله وَحب مَا جَاءَ بِهِ وَحب من يقوم بأَمْره وَحب من يَأْخُذ بهديه وَيعْمل بسنته وَحب آله وَأَصْحَابه وأزواجه وَأَوْلَاده وغلمانه وخدامه وَحب من يُحِبهُمْ وبغض من يبغضهم لِأَن أوثق عرى الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ﵁ من أحب أَبَا بكر فقد أَقَامَ منار الدين وَمن أحب عمر فقد أوضح السَّبِيل وَمن أحب عُثْمَان فقد استنار بِنور الله وَمن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى وَمن قَالَ الْخَيْر فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فقد برِئ من النِّفَاق فصل وَأما مَنَاقِب الصَّحَابَة وفضائلهم فَأكْثر من أَن تذكر وأجمعت عُلَمَاء السنة أَن أفضل الصَّحَابَة الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم وَأفضل الْعشْرَة أَبُو بكر ثمَّ عمر بن الْخطاب ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب ﵃ أَجْمَعِينَ وَلَا يشك فِي ذَلِك إِلَّا مُبْتَدع مُنَافِق خَبِيث وَقد نَص النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة حَيْثُ قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور الحَدِيث وَالْخُلَفَاء الراشدون هم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ أَجْمَعِينَ وَأنزل الله فِي فَضَائِل أبي بكر ﵁ آيَات من الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين﴾

стр. 234

الْآيَة لَا خلاف إِن ذَلِك فِيهِ فنعته بِالْفَضْلِ رضوَان الله عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار﴾ الْآيَة لَا خلاف أَيْضا أَن ذَلِك فِي أبي بكر ﵁ شهِدت لَهُ الربوبية بالصحبة وبشره بِالسَّكِينَةِ وحلاه بثاني اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ من يكون أفضل من ثَانِي اثْنَيْنِ الله ثالثهما وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون﴾ قَالَ جَعْفَر الصَّادِق لَا خلاف إِن الَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي صدق بِهِ أَبُو بكر ﵁ وَأي منقبة أبلغ من ذَلِك فيهم ﵃ أَجْمَعِينَ