← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6848

الكبائر للذهبي

شمس الدين الذهبي

Полный текст (234 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بِكُل من دَعَا مَعَ الله إِلَهًا آخر وَبِكُل جَبَّار عنيد وبالمصورين وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة وَلَا جنب وَقَالَ الْخطابِيّ رَحْمَة الله تَعَالَى قَوْله ﷺ لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة وَلَا جنب يُرِيد الْمَلَائِكَة الَّذين ينزلون بِالرَّحْمَةِ وَالْبركَة دون الْمَلَائِكَة الَّذين هم الْحفظَة فَإِنَّهُم لَا يفارقون الْجنب وَغير الْجنب وَقد قيل إِنَّه لم يرد الْجنب الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة فَأخر الاغتسال إِلَى أَوَان حُضُور الصَّلَاة وَلكنه الَّذِي يجنب وَلَا يغْتَسل ويتهاون بِالْغسْلِ ويتخذه عَادَة فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ يطوف على نِسَائِهِ بِغسْل وَاحِد وَفِي هَذَا تَأْخِير الاغتسال عَن أول وَقت وُجُوبه وَقَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ ينَام وَهُوَ جنب وَلَا يمس مَاء وَأما الْكَلْب فَهُوَ أَن يقتني كَلْبا لَا لزرع وَلَا لضرع وَلَا صيد فَأَما إِذا اضْطر إِلَيْهِ فَلَا حرج للْحَاجة إِلَيْهِ فِي بعض الْأُمُور أَو لحراسة دَاره إِذا اضْطر إِلَيْهِ فَلَا حرج عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله وَأما الصُّور فَهِيَ كل مُصَور من ذَوَات الْأَرْوَاح سَوَاء كَانَت لَهَا أشخاص منتصبة أَو كَانَت منقوشة فِي سقف أَو جِدَار أَو مَوْضُوعَة فِي نمط أَو منسوجة فِي ثوب أَو مَكَان فَإِن قَضِيَّة الْعُمُوم تَأتي عَلَيْهِ فليجتنب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَيجب إِتْلَاف الصُّور لمن قدر على إتلافها وإزالتها روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن حَيَّان بن حُصَيْن قَالَ قَالَ لي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَلا أَبْعَثك

стр. 177

على مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن لَا تدع صُورَة إِلَّا طمستها وَلَا قبراً مشرفاً إِلَّا سويته فنسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ اللَّطْم والنياحة وشق الثَّوْب وَحلق الرَّأْس ونتفه وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور عِنْد الْمُصِيبَة روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ منا من لطم الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وروينا فِي صَحِيحهمَا عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ برِئ من الصالقة والحالقة والشاقة الصالقة الَّتِي ترفع صَوتهَا بالنياحة والحالقة الَّتِي تحلق شعرهَا وتنتفه عِنْد الْمُصِيبَة والشاقة الَّتِي تشق ثِيَابهَا عِنْد الْمُصِيبَة وكل هَذَا حرَام بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَكَذَلِكَ يحرم نشر الشّعْر وَلَطم الخدود وخمش الْوَجْه وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وَعَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَت أَخذ علينا رَسُول الله ﷺ فِي الْبيعَة أَن لَا ننوح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر الطعْن فِي الْأَنْسَاب والنياحة على الْمَيِّت رَوَاهُ مُسلم وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ النائحة والمستمعة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَن أبي بردة قَالَ وجع أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَغشيَ عَلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة من أَهله فَأَقْبَلت تصيح برنة فَلم يسْتَطع أَن يرد عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا بَرِيء مِمَّا برِئ مِنْهُ رَسُول الله ﷺ أَن رَسُول

стр. 178

الله ﷺ برِئ من الصالقة والحالقة والشاقة وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تعدد عَلَيْهِ فَتَقول واكذا واكذا فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَنْت كَذَا أَنْت كَذَا أخرجه البُخَارِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ مَا من ميت يَمُوت فَيقوم باكيهم فَيَقُول واسيداه واجبلاه واكذا واكذا وَنَحْو ذَلِك إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه أهكذا أَنْت أخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ ﷺ النائحة إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب وَقَالَ ﷺ إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صَوت عِنْد نَغمَة وَلَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة خَمش فِي وُجُوه وشق فِي جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان وَقَالَ الْحسن صوتان ملعونان مزمار عِنْد نَغمَة وَرَنَّة عِنْد مُصِيبَة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن هَذِه النوائح يجعلن صفين فِي النَّار فينبحن فِي أهل النَّار كَمَا تنبح الْكلاب وَعَن الْأَوْزَاعِيّ أَن عمر بن الْخطاب سمع صَوت بكاء فَدخل وَمَعَهُ غَيره فَمَال عَلَيْهِنَّ ضرباً حَتَّى بلغ النائحة فضربها حَتَّى سقط خمارها وَقَالَ اضْرِب فَإِنَّهَا نائحة وَلَا حُرْمَة لَهَا إِنَّهَا لَا تبْكي بشجوكم إِنَّهَا تهريق دموعها لأخذ دراهمكم وَإِنَّهَا تؤذي مَوْتَاكُم فِي قُبُورهم وأحياءكم فِي دُورهمْ لِأَنَّهَا تنهى عَن الصَّبْر وَقد أَمر الله بِهِ وتأمر بالجزع وَقد نهى الله عَنهُ وَأعلم أَن النِّيَاحَة رفع صَوت بالندب تعديد النائحة بصوتها محَاسِن الْمَيِّت وَقيل هُوَ الْبكاء عَلَيْهِ مَعَ ذكر محاسنه

стр. 179

قَالَ الْعلمَاء وَيحرم رفع الصَّوْت بإفراط بالبكاء وَأما الْبكاء على الْمَيِّت من غير ندب وَلَا نياحة فَلَيْسَ بِحرَام روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ عَاد سعد بن عبَادَة وَمَعَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود ﵃ فَبكى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رأى الْقَوْم بكاء رَسُول الله ﷺ بكوا فَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ أَن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا بحزن الْقلب وَلَكِن يعذب بِهَذَا أَو يرحم وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه وروينا فِي صَحِيحهمَا عَن أُسَامَة بن زيد أَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ سعد مَا هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَذِه رَحْمَة جعلهَا الله فِي قُلُوب عباده وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ دخل على ابْنه إِبْرَاهِيم وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَجعلت عينا رَسُول الله ﷺ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ يَا ابْن عَوْف إِنَّهَا رَحْمَة ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى فَقَالَ إِن الْعين لتدمع وَالْقلب يحزن وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا وَأَنا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ وَأما الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ على ظَاهرهَا وإطلاقها بل هِيَ مؤولة وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيلهَا على أَقْوَال أظهرها وَالله أعلم أَنَّهَا مَحْمُولَة على أَن يكون لَهُ سَبَب فِي الْبكاء إِمَّا أَن يكون قد أوصاهم بِهِ أَو غير ذَلِك قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَيجوز قبل الْمَوْت وَبعده وَلَكِن قبله أولى للْحَدِيث الصَّحِيح فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية وَقد نَص الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب أَنه يكره الْبكاء بعد الْمَوْت كَرَاهَة تَنْزِيه وَلَا يحرم وتأولوا حَدِيث فَلَا تبكين باكية على الْكَرَاهَة وَالله أعلم فصل وَإِنَّمَا كَانَ للنائحة هَذَا الْعَذَاب واللعنة لِأَنَّهَا تَأمر بالجزع وتنهى عَن الصَّبْر وَالله وَرَسُوله قد أَمر بِالصبرِ والاحتساب ونهيا عَن الْجزع والسخط قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِن الله مَعَ الصابرين﴾

стр. 180

قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس يَقُول إِنِّي مَعكُمْ أَنْصُركُمْ وَلَا أخذلكم قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم﴾ أَي لنعاملنكم مُعَاملَة المبتلى لِأَن الله يعلم عَاقِبَة الْأُمُور فَلَا يحْتَاج إِلَى الِابْتِلَاء ليعلم الْعَاقِبَة وَلكنه يعاملهم مُعَاملَة من يَبْتَلِي فَمن صَبر أثابه على صبره وَمن لم يصبر لم يسْتَحق الثَّوَاب وَقَول الله بِشَيْء من الْخَوْف والجوع قَالَ ابْن عَبَّاس يَعْنِي خوف الْعَدو والجوع يَعْنِي المجاعة والقحط وَنقص من الْأَمْوَال يَعْنِي الخسران وَالنُّقْصَان فِي المَال وهلاك الْمَوَاشِي والأنفس بِالْمَوْتِ وَالْقَتْل وَالْمَرَض والشيب والثمرات يَعْنِي الْحَوَائِج وَأَن لَا تخرج الثَّمَرَة كَمَا كَانَت تخرج ثمَّ ختم الْآيَة بتبشير الصابرين ليدل على أَن من صَبر على هَذِه المصائب كَانَ على وعد الثَّوَاب من الله تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَبشر الصابرين﴾ ثمَّ نعتهم فَقَالَ الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة أَي نالتهم نكبة مِمَّا ذكر وَلَا يُقَال فِيمَا أُصِيب بِخَير مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله عبيد الله فيصنع بِنَا مَا يَشَاء وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون بِالْهَلَاكِ وبالفناء وَمعنى الرُّجُوع إِلَى الله الرُّجُوع إِلَى انْفِرَاده بالحكم إِذْ قد ملك فِي الدُّنْيَا قوماً الحكم فَإِذا زَالَ حكم الْعباد رَجَعَ الْأَمر إِلَى الله وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من مُصِيبَة يصاب بهَا الْمُؤمن إِلَّا كفر الله بهَا عَنهُ حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها رَوَاهُ مُسلم وَعَن عَلْقَمَة بن مرْثَد بن سابط عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أُصِيب بمصيبة فليذكر مصيبته بِي فَإِنَّهَا أعظم المصائب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ ولد العَبْد يَقُول الله للْمَلَائكَة قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول الله تَعَالَى ابْنُوا لعبدي بَيْتا فِي الْجنَّة وسموه بَيت الْحَمد وَعَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى مَا لعبدي عِنْدِي جَزَاء إِذا قبضت صَفيه من أهل

стр. 181

الدُّنْيَا ثمَّ احتسب إِلَّا الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ ﵊ من سَعَادَة بني آدم رِضَاهُ بِمَا قضى الله وَمن شقاة ابْن آدم سخطه بِمَا قضى الله تَعَالَى وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ إِذا قبض ملك الْمَوْت ﵇ روح الْمُؤمن قَامَ على الْبَاب وَلأَهل الْبَيْت ضجة فَمنهمْ الصاكة وَجههَا وَمِنْهُم الناشرة شعرهَا وَمِنْهُم الداعية بويلها فَيَقُول ملك الْمَوْت ﵇ مِم هَذَا الْجزع ومم هَذَا الْفَزع فوَاللَّه مَا انتقصت لأحد مِنْكُم عمراً وَلَا ذهبت لأحد مِنْكُم برزق وَلَا ظلمت لأحد مِنْكُم شَيْئا فَإِن كَانَت شكايتكم وسخطكم عَليّ فَإِنِّي وَالله مَأْمُور وَإِن كَانَ على ميتكم فَإِنَّهُ مقهور وَإِن كَانَ على ربكُم فَأنْتم بِهِ كافرون وَإِن لي بكم عودة بعد عودة حَتَّى لَا أُبْقِي مِنْكُم أحداً قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو يرَوْنَ مَكَانَهُ ويسمعون كَلَامه لذهلوا عَن ميتهم ولبكوا على أنفسهم فصل فِي التَّعْزِيَة عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من عزى مصاباً فَلهُ مثل أجره رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَعَن أبي بردة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لفاطمة ﵂ من عزى ثَكْلَى كسي برداً من الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لفاطمة ﵂ مَا أخرجك يَا فَاطِمَة من بَيْتك قَالَت أتيت أهل هَذَا الْبَيْت فَتَرَحَّمت إِلَيْهِم ميتهم وعزيتهم بِهِ وَعَن عَمْرو بن حزم عَن النَّبِي ﷺ مَا من مُؤمن يعزي أَخَاهُ بمصيبة إِلَّا كَسَاه الله من حلل الْكَرَامَة يَوْم الْقِيَامَة

стр. 182

وَاعْلَم رَحِمك الله أَن التَّعْزِيَة هِيَ التصبير وَذكر مَا يسلي صَاحب الْمَيِّت ويخفف حزنه ويهون مصيبته وَهِي مُسْتَحبَّة لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهِي أَيْضا دَاخِلَة فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَهَذَا من أحسن مَا يسْتَدلّ بِهِ فِي التَّعْزِيَة وَاعْلَم أَن التَّعْزِيَة هِيَ الْأَمر بِالصبرِ مُسْتَحبّ قبل الدفن وَبعده قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي من حِين يَمُوت الْمَيِّت وَتبقى بعد الدفن إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ أَصْحَابنَا وَتكره التَّعْزِيَة بعد ثَلَاثَة أَيَّام لِأَن التَّعْزِيَة تسكن قلب الْمُصَاب وَالْغَالِب سُكُون قلبه بعد الثَّلَاثَة فَلَا يجدد لَهُ الْحزن هَكَذَا قَالَه الجماهير من أَصْحَابنَا وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس من أَصْحَابنَا لَا بَأْس بالتعزية بعد ثَلَاثَة أَيَّام بل تبقى أبداً وَإِن طَال الزَّمَان قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ وَالْمُخْتَار أَنَّهَا لَا تفعل بعد ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا فِي صُورَتَيْنِ استثناهما أَصْحَابنَا وهما إِذا كَانَ المعزي أَو صَاحب الْمُصِيبَة غَائِبا حَال الدفن وَاتفقَ رُجُوعه بعد ثَلَاثَة أَيَّام والتعزية بعد الدفن أفضل مِنْهَا قبله لِأَن أهل الْمَيِّت مشغولون بتجهيزه وَلِأَن وحشتهم بعد دَفنه لفراقه أَكثر هَذَا إِذا لم ير مِنْهُم جزعاً فَإِن رَآهُ قدم التَّعْزِيَة ليسكنهم وَالله أعلم وَيكرهُ الْجُلُوس للتعزية يَعْنِي أَن يجْتَمع أهل الْمَيِّت فِي بَيت ليقصدهم من أَرَادَ التَّعْزِيَة وَلَفظ التَّعْزِيَة مَشْهُور وَأحسن مَا يعزى بِهِ مَا روينَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أُسَامَة بن زيد ﵁ قَالَ أرْسلت إِحْدَى بَنَات رَسُول الله ﷺ للرسول تَدعُوهُ وَتُخْبِرهُ أَن ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت فَقَالَ ﵊ للرسول ارْجع إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا إِن لله مَا أَخذ وَله مَا أعطي وكل شَيْء عِنْده بِأَجل مُسَمّى فَمُرْهَا فَلتَصْبِر ولتحتسب وَذكر تَمام الحَدِيث قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ فَهَذَا الحَدِيث من أعظم قَوَاعِد الْإِسْلَام الْمُشْتَملَة على مهمات كَثِيرَة من أصُول الدين وفروعه والآداب وَالصَّبْر على النَّوَازِل كلهَا والهموم والأسقام وَغير ذَلِك من الْأَغْرَاض وَمعنى قَوْله ﷺ إِن لله مَا أَخذ أَن الْعَالم كُله ملك لله لم يَأْخُذ مَا هُوَ لكم بل هُوَ أَخذ مَا هُوَ لَهُ عنْدكُمْ فِي معنى الْعَارِية وَقَوله وَله مَا أعطى

стр. 183

مَا وهبه لكم لَيْسَ خَارِجا عَن ملكه بل هُوَ لَهُ سُبْحَانَهُ يفعل فِيهِ مَا يَشَاء وكل شَيْء عِنْده بِأَجل مُسَمّى فَلَا تجزعوا فَإِن من قَبضه فقد انْقَضى أَجله الْمُسَمّى فمحال تَأْخِيره أَو تَقْدِيمه عَنهُ فَإِذا علمْتُم هَذَا كُله فَاصْبِرُوا واحتسبوا مَا نزل بكم وَالله أعلم وَعَن مُعَاوِيَة بن أياس عَن أَبِيه ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه فقد رجلاً من أَصْحَابه فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا يَا رَسُول الله ابْنه الَّذِي رَأَيْته هلك فَلَقِيَهُ النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ عَن ابْنه فَأخْبرهُ أَنه هلك فَعَزاهُ عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا فلَان إيما كَانَ أحب إِلَيْك أَن تمتع بِهِ عمرك أَو لَا تَأتي غَدا بَابا من أَبْوَاب الْجنَّة إِلَّا وجدته قد سَبَقَك إِلَيْهِ يَفْتَحهُ لَك فَقَالَ يَا نَبِي الله يسبقني إِلَى الْجنَّة يفتحها لي وَهُوَ أحب إِلَيّ قَالَ فَذَلِك لَك فَقيل يَا رَسُول الله هَذَا لَهُ خَاصَّة أم للْمُسلمين عَامَّة قَالَ بل للْمُسلمين عَامَّة وَعَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ أَنه خرج إِلَى البقيع فَأتى امْرَأَة جاثية على قبر تبْكي فَقَالَ لَهَا يَا أمة الله اتقي الله واصبري قَالَت يَا عبد الله إبي أَنا الحرى الثكلى قَالَ يَا أمة الله اتقِي الله واصبري قَالَت يَا عبد الله لَو كنت مصاباً عذرتني قَالَ يَا أمة الله اتقي الله واصبري قَالَت يَا عبد الله قد أسمعتني فَانْصَرف قَالَ فَانْصَرف عَنْهَا رَسُول الله ﷺ وبصر بهَا رجل من الْمُسلمين فَأَتَاهَا فَسَأَلَهَا مَا قَالَ لَك الرجل فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ وَبِمَا ردَّتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا أتعرفينه قَالَت لَا وَالله قَالَ وَيحك ذَلِك رَسُول الله ﷺ فبادرت تسْعَى حَتَّى أَدْرَكته فَقَالَت يَا رَسُول الله أَصْبِر قَالَ (إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) أَي إِنَّمَا يجمل الصَّبْر عِنْد مفاجأة الْمُصِيبَة وَأما فِيمَا بعد فَيَقَع السلو طبعاً وَفِي صَحِيح مُسلم مَاتَ ابْن

стр. 184

لأبي طَلْحَة من أم سليم فَقَالَت لأَهله لَا تحدثُوا أَبَا طَلْحَة حَتَّى أكون أَنا أحدثه فجَاء أَبُو طَلْحَة فقربت إِلَيْهِ عشَاء فَأكل وَشرب ثمَّ تصنعت لَهُ أحسن مَا كَانَت تتصنع قبل ذَلِك فَوَقع بهَا فَلَمَّا رَأَتْ أَنه قد شبع وَأصَاب مِنْهَا قَالَت يَا أَبَا طَلْحَة أَرَأَيْت لَو أَن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بَيت فطلبوا عاريتهم ألهم أَن يمنعوهم قَالَ لَا قَالَت أم سليم فاحتسب ابْنك قَالَ فَغَضب أَبُو طَلْحَة فَقَالَ تَرَكتنِي حَتَّى إِذا تلطخت أخبرتيني بِابْني وَالله لَا تغلبيني على الصَّبْر فَانْطَلق حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ فأخبره بِمَا كَانَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بَارك الله لَكمَا فِي ليلتكما فَذكر الحَدِيث وَفِي الحَدِيث مَا أعطي أحد عَطاء خيراً وأوسع من الصَّبْر وَقَالَ عَليّ ﵁ للأشعث بن قيس إِنَّك إِن صبرت إِيمَانًا واحتساباً وَإِلَّا سلوت كَمَا تسلو الْبَهَائِم وَكتب حَكِيم إِلَى رجل قد أُصِيب بمصيبة إِنَّك قد ذهب مِنْك مَا رزئت بِهِ فَلَا يذْهبن عَنْك مَا عرضت عَنهُ وَهُوَ الْأجر وَقَالَ آخر الْعَاقِل يصنع أول يَوْم من أَيَّام الْمُصِيبَة مَا يَفْعَله الْجَاهِل بعد خَمْسَة أَيَّام قلت قد علم أَن ممر الزَّمَان يسلي الْمُصَاب فَلذَلِك أَمر الشَّارِع بِالصبرِ عِنْد الصدمة الأولى وَبلغ الشَّافِعِي ﵁ أَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ﵀ مَاتَ لَهُ ابْن فجزع عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن جزعاً شَدِيدا فَبعث إِلَيْهِ الشَّافِعِي ﵀ يَقُول يَا أخي عز نَفسك بِمَا تعزي بِهِ غَيْرك واستقبح من فعلك مَا تستقبحه من فعل غَيْرك وَاعْلَم أَن أمضى المصائب فقد سرُور وحرمان أجر فَكيف إِذا اجْتمعَا مَعَ اكْتِسَاب وزر فَتَنَاول حظك يَا أخي إِذا قرب مِنْك قبل أَن تطلبه وَقد نأى عَنْك ألهمك الله عِنْد المصائب صبراً وأحرز لنا وَلَك بِالصبرِ أجراً وَكتب إِلَيْهِ يَقُول إِنِّي معزيك لَا أَنِّي على ثِقَة من الْحَيَاة وَلَكِن سنة الدين ... فَمَا المعزي بباق بعد ميته وَلَا المعزى وَلَو عاشا إِلَى حِين

стр. 185

وَكتب رجل إِلَى بعض إخوانه يعزيه بِابْنِهِ أما بعد فَإِن الْوَلَد على وَالِده مَا عَاشَ حزن وفتنه فَإِذا قدمه فَصَلَاة وَرَحْمَة فَلَا تحزن على مَا فاتك من حزنه وفتنته وَلَا تضيع مَا عوضك الله تَعَالَى من صلَاته وَرَحمته وَقَالَ مُوسَى بن الْمهْدي لإِبْرَاهِيم بن سَلمَة وَعَزاهُ بِابْنِهِ أسرك وَهُوَ بلية وفتنة وأحزنك وَهُوَ صَلَاة وَرَحْمَة وعزى رجل رجلاً فَقَالَ إِن من كَانَ لَك فِي الْآخِرَة أجراً خير مِمَّن كَانَ فِي الدُّنْيَا سُرُورًا وفرحاً وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه دفن ابْنا لَهُ ثمَّ ضحك عِنْد الْقَبْر فَقيل لَهُ أتضحك عِنْد الْقَبْر فَقَالَ أردْت أَن أرْغم الشَّيْطَان وَعَن ابْن جريج ﵀ قَالَ من لم يتَعَرَّض مصيبته بِالْأَجْرِ والاحتساب سلا كَمَا تسلو الْبَهَائِم وَعَن حميد الْأَعْرَج قَالَ رَأَيْت سعيد بن جُبَير ﵀ يَقُول فِي ابْنه وَنظر إِلَيْهِ إِنِّي أعلم خير خلة فِيك قيل وَمَا هِيَ قَالَ بِمَوْت فأحتسبه وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ إِن رجلاً حزن على ولد لَهُ وشكا ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ الْحسن كَانَ ابْنك يغيب عَنْك قَالَ نعم كَانَ غيبته أَكثر من حُضُوره قَالَ فَاتْرُكْهُ غَائِبا فَإِنَّهُ لم يغب عَنْك غيبَة إِلَّا لَك فِيهَا أجر أعظم من هَذِه فَقَالَ يَا أَبَا سعيد هونت عَليّ وجدي على ابْني وَدخل عمر بن عبد الْعَزِيز على ابْنه فِي وَجَعه فَقَالَ يَا يني كَيفَ تجدك قَالَ أجدني فِي الْحق قَالَ يَا بني لِأَن تكون فِي ميزاني أحب إِلَيّ من أَن أكون فِي ميزانك قَالَ يَا أَبَت لِأَن يكون مَا تحب أحب إِلَيّ من أَن يكون مَا أحب وَمَات ابْن الإِمَام الشَّافِعِي فَأَنْشد يَقُول ... وَمَا الدَّهْر إِلَّا هَكَذَا فاصطبر لَهُ ... رزية مَال أَو فِرَاق حبيب ...

стр. 186

وَوَقعت فِي رجل عُرْوَة الآكلة فقطعها من السَّاق وَلم يمسِكهُ أحد وَهُوَ شيخ كَبِير وَلم يدع ورده تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا إِنَّه قَالَ (لقد لَقينَا من سفرنا هَذَا نصباً) وتمثل بِهَذِهِ الأبيات لعمري مَا أهويت كفي لريبة وَلَا نقلتني نَحْو فَاحِشَة رجْلي ... وَلَا قادني سَمْعِي وَلَا بَصرِي لَهَا وَلَا دلَّنِي رَأْيِي عَلَيْهَا وَلَا عَقْلِي ... وَأعلم أَنِّي لم تصبني مُصِيبَة من الدَّهْر إِلَّا قد أَصَابَت فَتى قبلي وَقَالَ ﵁ اللَّهُمَّ إِن كنت ابْتليت فقد عافيت وَإِن كنت أخذت فقد أبقيت أخذت عضواً وأبقيت أَعْضَاء وَأخذت ابناًً وأبقيت أَبنَاء وَقدم على الْوَلِيد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة رجل أعمى من بني عبس فَسَأَلَهُ عَن عَيْنَيْهِ فَقَالَ بت لَيْلَة فِي بطن وَاد وَلم أعلم فِي الأَرْض عبسياً يزِيد مَاله على مَالِي فطرقنا سيل فَذهب مَا كَانَ لي من مَال وَأهل وَولد غير بعير وَصبي وَكَانَ الْبَعِير صعباً فند (أَي شرد) فاتبعته فَمَا جَاوَزت الصَّبِي إِلَّا بِيَسِير حَتَّى سَمِعت صَوته فَرَجَعت فَإِذا رَأس الصَّبِي فِي بَطْنه فَقتله ثمَّ اتبعت الْبَعِير لأَخذه فنفحني بِرجلِهِ فَأصَاب وَجْهي فحطمه وأذهب عَيْني فَأَصْبَحت لَا أهل لي وَلَا مَال وَلَا ولد وَلَا بعير فَقَالَ الْوَلِيد انْطَلقُوا بِهِ إِلَى عُرْوَة ليعلم أَن فِي الأَرْض من هُوَ أَشد مِنْهُ بلَاء وَذكر أَن عُثْمَان ﵁ لما ضرب جعل يَقُول والدماء تسيل على لحيته لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين اللَّهُمَّ إِنِّي أستعين بك عَلَيْهِم وأستعينك على جَمِيع أموري وَأَسْأَلك الصَّبْر على مَا ابتليتني وَقَالَ الْمَدَائِنِي رَأَيْت بالبادية امْرَأَة لم أر جلداً أَنْضَرُ مِنْهَا وَلَا أحسن وَجها مِنْهَا فَقلت تالله إِن فعل هَذَا بك الِاعْتِدَال وَالسُّرُور فَقَالَت كلا وَالله إِنِّي لبدع أحزان وَخلف هموم وسأخبرك كَانَ لي زوج وَكَانَ لي مِنْهُ ابنان فذبح أَبوهُمَا شَاة فِي يَوْم الْأَضْحَى وَالصبيان يلعبان فَقَالَ الْأَكْبَر للأصغر أَتُرِيدُ أَن أريك كَيفَ ذبح أبي الشَّاة قَالَ نعم فذبحه فَلَمَّا نظر إِلَى الدَّم جزع فَفَزعَ

стр. 187

نَحْو الْجَبَل فَأَكله الذِّئْب فَخرج أَبوهُ فِي طلبه فتاه أَبوهُ فَمَاتَ عطشاً فأفردني الدَّهْر فَقلت لَهَا وَكَيف أَنْت وَالصَّبْر فَقَالَت لَو دَامَ لي لدمت لَهُ وَلكنه كَانَ جرحاً فاندمل وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من كَانَ لَهُ فرطان من أمتِي دخل الْجنَّة يَعْنِي وَلدين قَالَت عَائِشَة ﵂ بِأبي أَنْت وَأمي فَمن كَانَ لَهُ فرط قَالَ ﷺ وَمن كَانَ لَهُ فرط يَا موفقة قلت فَمن لم يكن لَهُ فرط من أمتك قَالَ أَنا فرط أمتِي لم يصابوا بمثلي وَعَن أبي عُبَيْدَة ﵁ عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قدم ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصناً من النَّار فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء قدمت اثْنَيْنِ قَالَ (واثنين) قَالَ أبي بن كَعْب سيد الْقُرَّاء قدمت وَاحِدًا قَالَ ﷺ (وواحدا وَلَكِن ذَلِك فِي أول صدمة) وَعَن وَكِيع قَالَ كَانَ لإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ ابْن وَكَانَ لَهُ عشرَة سنة قد حفظ الْقُرْآن وتفقه من الْفِقْه والْحَدِيث شَيْئا كثيراً فَمَاتَ فَجئْت أعزيه قَالَ لي كنت أشتهي موت ابْني هَذَا قلت يَا أَبَا إسحاق أَنْت عَالم الدُّنْيَا تَقول مثل هَذَا قد أَنْجَب وَحفظ الْقُرْآن وتفقه الْفِقْه والْحَدِيث قَالَ نعم رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت كَأَن صبياناً فِي أَيْديهم قلال مَاء يستقبلون النَّاس يسقونهم وَكَأن الْيَوْم يَوْم حَار شَدِيد حره قَالَ فَقلت لأَحَدهم اسْقِنِي من هَذَا المَاء قَالَ فَنظر إِلَيّ وَقَالَ لي لَيْسَ أَنْت أبي فَقلت وَمن أَنْتُم نَحن الصبيان الَّذين متْنا فِي الْإِسْلَام وخلفنا آبَاءَنَا نستقبلهم فنسقيهم المَاء قَالَ فَلهَذَا تمنيت مَوته

стр. 188

وروى مُسلم عَن أبي حسان قَالَ قلت لأبي هُرَيْرَة ﵁ حَدثنَا بِحَدِيث تطيب بِهِ أَنْفُسنَا عَن مَوتَانا قَالَ نعم صغارهم دعاميص الْجنَّة يتلَقَّى أحدهم أَبَاهُ أَو قَالَ أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذ بِثَوْبِهِ أَو قَالَ بِيَدِهِ فَلَا يَنْتَهِي حَتَّى يدْخلهُ الْجنَّة وَعَن مَالك بن دِينَار رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ كنت فِي أول أَمْرِي مكباً على اللَّهْو وَشرب الْخمر فاشتريت جَارِيَة وتسريت بهَا وَولدت لي بِنْتا فأحببتها حباً شَدِيدا إِلَى أَن دبت ومشت فَكنت إِذا جَلَست لشرب الْخمر جَاءَت وجذبتني عَلَيْهِ فأهرقته بَين يَدي فَلَمَّا بلغت من الْعُمر سنتَيْن مَاتَت فأكمدني حزنها قَالَ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان بت وَأَنا ثمل من الْخمر فَرَأَيْت فِي النوم كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت وَخرجت من قَبْرِي وَإِذا بتنين قد تَبِعنِي يُرِيد أكلي والتنين الْحَيَّة الْعَظِيمَة قَالَ فهربت مِنْهُ فَتَبِعَنِي وَصَارَ كلما أسرعت يهرع خَلْفي وَأَنا خَائِف مِنْهُ فمررت فِي طريقي على شيخ نقي الثِّيَاب ضَعِيف فَقلت يَا شيخ بِاللَّه أجرني من هَذَا التنين الَّذِي يُرِيد أكلي وإهلاكي فَقَالَ يَا وَلَدي أَنا شيخ كَبِير وَهَذَا أقوى مني وَلَا طَاقَة لي بِهِ وَلَكِن مر وأسرع فَلَعَلَّ الله أَن ينجيك مِنْهُ قَالَ فأسرعت فِي الْهَرَب وَهُوَ ورائي فَأَشْرَفت على طَبَقَات النَّار وَهِي تَفُور فكدت أَن أهوي فِيهَا وَإِذا قَائِل يَقُول لست من أَهلِي فَرَجَعت هَارِبا والتنين فِي أثري فَأَشْرَفت على جبل مستنير وَفِيه طاقات وَعَلَيْهَا أَبْوَاب وستور وَإِذا بقائل يَقُول أدركوا هَذَا البائس قبل أَن يُدْرِكهُ عدوه فتحت الْأَبْوَاب وَرفعت الستور وأشرقت عَليّ مِنْهَا أَطْفَال بِوُجُوه كالأقمار وَإِذا ابْنَتي مَعَهم فَلَمَّا رأتني نزلت إِلَى كفة من نور وَضربت بِيَدِهَا الْيُمْنَى إِلَى التنين فولى هَارِبا وَجَلَست فِي حجري وَقَالَت يَا أَبَت ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن

стр. 189

تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق فَقلت يَا بنية وَأَنْتُم تعرفُون الْقُرْآن قَالَت نَحن أعرف بِهِ مِنْكُم قلت يَا بنية مَا تَصْنَعُونَ هَهُنَا قَالَت نَحن من مَاتَ من أَطْفَال الْمُسلمين أسكنا هَهُنَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ننتظركم تقدمون علينا فَقلت يَا بنية مَا هَذَا التنين الَّذِي يطاردني وَيُرِيد إهلاكي قَالَت يَا أَبَت ذَلِك عَمَلك السوء قويته فَأَرَادَ إهلاكك فَقلت وَمن ذَلِك الشَّيْخ الضَّعِيف الَّذِي رَأَيْته قَالَت ذَلِك عَمَلك الصَّالح أضعفته حَتَّى لم يكن لَهُ طَاقَة بعملك السوء فتب إِلَى الله وَلَا تكن من الهالكين قَالَ ثمَّ ارْتَفَعت عني واستيقظت فتبت إِلَى الله من سَاعَتِي فَانْظُر رَحِمك الله إِلَى بركَة الذُّرِّيَّة إِذا مَاتُوا صغَارًا ذُكُورا كَانُوا أَو إِنَاثًا وَإِنَّمَا يحصل للْوَالِدين النَّفْع بهما فِي الْآخِرَة إِذا صَبَرُوا واحتسبوا وَقَالُوا الْحَمد لله إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَيحصل لَهُم مَا وعد الله تَعَالَى بقوله الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله أَي نَحن وَأَمْوَالنَا يصنع بِنَا مَا يَشَاء وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون إِقْرَار بِالْهَلَاكِ والفناء وَعَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أصَاب عبداً مُصِيبَة إِلَّا بِإِحْدَى خلتين إِمَّا بذنب لم يكن الله ليغفر لَهُ إِلَّا بِتِلْكَ الْمُصِيبَة أَو بِدَرَجَة لم يكن الله يبلغهُ إِيَّاهَا إِلَّا بِتِلْكَ الْمُصِيبَة وَقَالَ سعيد بن جُبَير لقد أَعْطَيْت هَذِه الْأمة عِنْد الْمُصِيبَة مَا لم تعط الْأَنْبِيَاء قبلهم (إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون) وَلَو أَعْطيته الْأَنْبِيَاء ﵈ لأعطيه يَعْقُوب ﵇ إِذْ يَقُول يَا أسفي على يُوسُف وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَالَ عِنْد الْمُصِيبَة (إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون) اللَّهُمَّ أجرني فِي مصيبتي واخلف لي خيراً مِنْهَا إِلَّا آجره الله وأخلف لَهُ خيراً مِنْهَا قَالَت فَلَمَّا توفي أَبُو سلم قَالَت من خير من أبي سَلمَة ثمَّ قلتهَا فأخلفني الله رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ مُسلم وَعَن الشّعبِيّ أَن شريحاً قَالَ إِنِّي لأصاب الْمُصِيبَة فَأَحْمَد الله عَلَيْهَا أَربع مَرَّات

стр. 190

أَحْمَده إِذْ لم يكن أعظم مِنْهَا وأحمده إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْر عَلَيْهَا وأحمده إِذْ وفقني للاسترجاع لما أَرْجُو من الثَّوَاب وأحمده إِذْ لم يَجْعَلهَا فِي ديني وَقَوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة﴾ الصَّلَوَات من الله الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون يُرِيد الَّذين اهتدوا للترجيع وَقيل إِلَى الْجنَّة وَالثَّوَاب وَعَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ نعم العدلان وَنعم العلاوة أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة نعم العدلان وَأُولَئِكَ هم المهتدون نعم العلاوة وَأما إِذا سخط صَاحب الْمُصِيبَة ودعا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور أَو لطم خدا أَو شق جيباً أَو نشر شعراً أَو حَلقَة أَو قِطْعَة أَو نتفه فَلهُ السخط من الله تَعَالَى وَعَلِيهِ اللَّعْنَة رجلاً كَانَ أَو امْرَأَة وَقد رُوِيَ أَيْضا أَن الضَّرْب على الْفَخْذ عِنْد الْمُصِيبَة يحبط الْأجر وَقد رُوِيَ أَن من أَصَابَته مُصِيبَة فخرق عَلَيْهَا ثوباً أَو لطم خدا أَو شق جيباً أَو نتف شعراً فَكَأَنَّمَا رمحاً يُرِيد أَن يحارب ربه وَقد تقدم أَن الله لَا يعذب ببكاء الْعين وَلَا بحزن الْقلب وَلَكِن يعذب بِهَذَا يَعْنِي مَا يَقُوله صَاحب الْمُصِيبَة بِلِسَانِهِ يَعْنِي من الندب والنياحة وَقد تقدم أَن الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ إِذا قَالَت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الْمَيِّت وَقيل لَهُ أَنْت عضدها أَنْت ناصرها أَنْت كاسيها فالنواح حرَام لِأَنَّهُ مهيج للحزن ودافع عَن الصَّبْر وَفِيه مُخَالفَة التَّسْلِيم للْقَضَاء والإذعان لأمر الله تَعَالَى حِكَايَة قَالَ صَالح المري كنت ذَات لَيْلَة جُمُعَة بَين الْمَقَابِر فَنمت وَإِذا بالقبور قد شققت وَخرج الْأَمْوَات مِنْهَا وجلسوا حلقاً حلقاً وَنزلت عَلَيْهِم أطباق مغطية وَإِذا فيهم شَاب يعذب بأنواع الْعَذَاب من بَينهم قَالَ فتقدمت إِلَيْهِ وَقلت يَا شَاب مَا شَأْنك تعذب من بَين هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَقَالَ يَا صَالح بِاللَّه عَلَيْك بلغ مَا آمُرك بِهِ وأد الْأَمَانَة وَارْحَمْ غربتي لَعَلَّ الله أَن يَجْعَل لي على يَديك مخرجاً إِنِّي لما مت ولي وَالِدَة جمعت النوادب والنوائح يندبن عَليّ

стр. 191

وينحن كل يَوْم فَأَنا معذب بذلك النَّار عَن يَمِيني وَعَن شمَالي وَخَلْفِي وأمامي لسوء مقَال أُمِّي فَلَا جزاها الله عني خيراً ثمَّ بكى حَتَّى بَكَيْت لبكائه ثمَّ قَالَ يَا صَالح بِاللَّه عَلَيْك اذْهَبْ إِلَيْهَا فَهِيَ فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ وَعلم لي الْمَكَان وَقل لَهَا لم تعذبي ولدك يَا أُمَّاهُ ربيتني وَمن الأسواء وقيتني فَلَمَّا مت فِي الْعَذَاب رميتني يَا أُمَّاهُ لَو رأيتيني الأغلال فِي عنقِي والقيد فِي قدمي وملائكة الْعَذَاب تضربني وتنهرني فَلَو رَأَيْت سوء حَالي لرحمتيني وَإِن لم تتركي مَا أَنْت عَلَيْهِ من الندب والنياحة الله بيني وَبَيْنك يَوْم تشقق سَمَاء عَن سَمَاء ويبرز الْخَلَائق لفصل الْقَضَاء قَالَ صَالح فَاسْتَيْقَظت فَزعًا وَمَكَثت فِي مَكَاني قلقاً إِلَى الْفجْر فَلَمَّا أَصبَحت دخلت الْبَلَد وَلم يكن لي هم إِلَّا الدَّار الَّتِي لأم الصَّبِي الشَّاب فاستدللت عَلَيْهَا فأتيتها فَإِذا بِالْبَابِ مسود وَصَوت النوادب والنوائح خَارج من الدَّار فطرقت الْبَاب فَخرجت إِلَيّ عَجُوز فَقَالَت مَا تُرِيدُ يَا هَذَا فَقلت أُرِيد أم الشَّاب الَّذِي مَاتَ فَقَالَت وَمَا تصنع بهَا هِيَ مَشْغُولَة بحزنها فَقلت أرسليها إِلَيّ معي رِسَالَة من وَلَدهَا فَدخلت فَأَخْبَرتهَا فَخرجت أم وَعَلَيْهَا ثِيَاب سود ووجهها قد اسود من كَثْرَة الْبكاء واللطم فَقَالَت لي من أَنْت قلت أَنا صَالح المري جرى لي البارحة فِي الْمَقَابِر مَعَ ولدك كَذَا وَكَذَا رَأَيْته فِي الْعَذَاب وَهُوَ يَقُول يَا أُمِّي ربيتيني وَمن الأسواء وقيتيني فَلَمَّا مت فِي الْعَذَاب رميتيني وَإِن لم تتركي مَا أَنْت عَلَيْهِ الله بيني وَبَيْنك يَوْم تشقق سَمَاء عَن سَمَاء فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك غشي عَلَيْهَا وَسَقَطت إِلَى الأَرْض فَلَمَّا أفاقت بَكت بكاء شَدِيدا وَقَالَت يَا وَلَدي يعز عَليّ وَلَو علمت ذَلِك بحالك مَا فعلت وَأَنا تائبة إِلَى الله تَعَالَى من ذَلِك ثمَّ دخلت وصرفت النوائح ولبست غير تِلْكَ الثِّيَاب وأخرجت إِلَيّ كيساً فِيهِ دَرَاهِم كَثِيرَة وَقَالَت يَا صَالح تصدق بِهَذِهِ عَن وَلَدي قَالَ صَالح فودعتها ودعوت لَهَا وانصرفت وتصدقت عَن وَلَدهَا بِتِلْكَ الدَّرَاهِم فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْجُمُعَة الْأُخْرَى أتيت الْمَقَابِر على عادتي فَنمت فَرَأَيْت أهل الْقُبُور قد خَرجُوا من قُبُورهم وجلسوا على عَادَتهم وأتتهم الأطباق وَإِذ ذَاك الشَّاب ضَاحِك فَرح

стр. 192

مسرور فَجَاءَهُ أَيْضا طبق فَأَخذه فَلَمَّا رَآنِي جَاءَ إِلَيّ فَقَالَ يَا صَالح جَزَاك الله عني خيراً خفف الله عني الْعَذَاب وَذَلِكَ بترك أُمِّي مَا كَانَت تفعل وَجَاءَنِي مَا تَصَدَّقت بِهِ عني قَالَ صَالح فَقلت وَمَا هَذِه الأطباق فَقَالَ هَذِه هَدَايَا الْأَحْيَاء لأمواتهم من الصَّدَقَة وَالْقِرَاءَة وَالدُّعَاء ينزل عَلَيْهِم كل لَيْلَة جُمُعَة يُقَال لَهُ هَذِه هَدِيَّة فلَان إِلَيْك فَارْجِع إِلَى أُمِّي وأقرئها مني السَّلَام وَقل لَهَا جزاها الله عني خيراً قد وصل إِلَيّ مَا تَصَدَّقت بِهِ عني وَأَنت عِنْدِي عَن قريب فاستعدي قَالَ صَالح ثمَّ استيقظت وأتيت بعد أَيَّام إِلَى دَار أم الشَّاب وَإِذا بنعش مَوْضُوع على الْبَاب فَقلت لمن هَذَا فَقَالُوا لأم الشَّاب فَحَضَرت الصَّلَاة عَلَيْهَا ودفنت إِلَى جَانب وَلَدهَا بِتِلْكَ الْمقْبرَة فدعوت لَهما وانصرفت فنسأل الله أَن يتوفانا مُسلمين ويلحقنا بالصالحين ويعصمنا من النَّار إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم الْكَبِيرَة الْخَمْسُونَ الْبَغي قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله أوحى إِلَيّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يَبْغِي أحد على أحد وَلَا يفخر أحد على أحد رَوَاهُ مُسلم وَفِي الْأَثر لَو بغى جبل على جبل لجعل الله الْبَاغِي مِنْهُمَا دكا وَقَالَ ﷺ مَا من ذَنْب أَجْدَر أَن يَجْعَل الله لصَاحبه الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يدخره لَهُ فِي الْآخِرَة من الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم

стр. 193

وَقد خسف الله بقارون الأَرْض حِين بغى على قومه فقد أخبر الله تَعَالَى عَنهُ بقوله ﴿إِن قَارون كَانَ من قوم مُوسَى فبغى عَلَيْهِم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ الْآيَة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي بغي قَارون أَقْوَال (أَحدهَا) أَنه جعل للبغية جعلاً على أَن تقذف مُوسَى ﵇ بِنَفسِهَا فَفعلت فَاسْتَحْلَفَهَا مُوسَى على مَا قَالَت فأخبرته بِقِصَّتِهَا مَعَ قَارون وَكَانَ هَذَا بغيه قَالَه ابْن عَبَّاس (وَالثَّانِي) أَنه بغى بالْكفْر بِاللَّه قَالَه الضَّحَّاك (وَالثَّالِث) بالْكفْر قَالَه قَتَادَة (وَالرَّابِع) أَنه أَطَالَ ثِيَابه شبْرًا قَالَه عَطاء الْخُرَاسَانِي أَنه كَانَ يخْدم فِرْعَوْن فاعتدى على بني إسرائيل فظلمهم حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ قَوْله فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض الْآيَة لما أَمر قَارون البغية بِقَذْف مُوسَى على مَا سبق شَرحه غضب مُوسَى فَدَعَا عَلَيْهِ فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنِّي قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا فَقَالَ مُوسَى يَا أَرض خذيه فَأَخَذته حَتَّى غيبت سَرِيره فَلَمَّا رأى قَارون ذَلِك نَاشد مُوسَى بالرحم فَقَالَ يَا أَرض خذيه فَأَخَذته حَتَّى غيبت قَدَمَيْهِ فَمَا زَالَ يَقُول يَا أَرض خذيه حَتَّى غيبته فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا مُوسَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَو اسْتَغَاثَ بِي لأغثته قَالَ ابْن عَبَّاس فخسفت بِهِ الأَرْض إِلَى الأَرْض السُّفْلى قَالَ سَمُرَة بن جُنْدُب إِنَّه كل يَوْم يخسف بِهِ قامة قَالَ مقَاتل فَلَمَّا هلك قَارون قَالَ بَنو إسرائيل إِنَّمَا أهلكه مُوسَى ليَأْخُذ مَاله وداره فَخسفَ الله بداره وَمَاله بعد ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَة ينصرونه من دون الله أَي يمنعونه من الله وَمَا كَانَ من المنتصرين أَي من الممتنعين مِمَّا أنزل الله وَالله أعلم اللَّهُمَّ إِنَّك إِذا قبلت سلمت وَإِذا أَعرَضت أسلمت وَإِذا وفقت ألهمت وَإِذا خذلت اتهمت اللَّهُمَّ اذْهَبْ ظلمَة ذنوبنا بِنور معرفتك وهداك واجعلنا مِمَّن أَقبلت عَلَيْهِ فَأَعْرض عَمَّن سواك واغفر لنا ولوالدينا وَسَائِر الْمُسلمين آمين

стр. 194

الْكَبِيرَة الْحَادِيَة وَالْخَمْسُونَ الاستطالة على الضَّعِيف والمملوك وَالْجَارِيَة وَالزَّوْجَة وَالدَّابَّة لِأَن الله تَعَالَى قد أَمر بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم بقوله تَعَالَى ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً وبذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب والصاحب بالجنب وَابْن السَّبِيل وَمَا ملكت أَيْمَانكُم إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً فخوراً﴾ قَالَ الواحدي فِي قَوْله تَعَالَى واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المهرجاني بِإِسْنَادِهِ عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ كنت رَدِيف النَّبِي ﷺ على حمَار فَقَالَ يَا معَاذ قلت لبيْك وَسَعْديك يَا رَسُول الله قَالَ هَل تَدْرِي مَا حق الله على الْعباد وَمَا حق الْعباد على الله قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِن حق الله على الْعباد أَن يعبدوه وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَحقّ الْعباد على الله أَن لَا يعذب من لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ أَتَى النَّبِي ﷺ أَعْرَابِي فَقَالَ يَا نَبِي الله أوصني قَالَ لَا تشرك بِاللَّه شَيْئا وَإِن قطعت وَحرقت وَلَا تدع الصَّلَاة لوَقْتهَا فَإِنَّهَا ذمَّة الله وَلَا تشرب الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ

стр. 195

قَوْله وبالوالدين إحساناً يُرِيد الْبر بهما مَعَ اللطف ولين الْجَانِب وَلَا يغلظ لَهما الْجَواب وَلَا يحد النظر إِلَيْهِمَا وَلَا يرفع صَوته عَلَيْهِمَا بل يكون بَين أَيْدِيهِمَا مثل العَبْد بَين يَدي السَّيِّد تذللاً لَهما قَوْله وبذي الْقُرْبَى قَالَ يصلهم ويتعطف عَلَيْهِم واليتامى يرفق بهم ويدنيهم وَيمْسَح رؤوسهم وَالْمَسَاكِين ببذل يسير ورد جميل وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى يَعْنِي الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة فَلهُ حق الْقَرَابَة وَحقّ الْجوَار وَحقّ الْإِسْلَام وَالْجَار الْجنب هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة يُقَال رجل جنب إِذا كَانَ غَرِيبا متباعداً أَهله وَقوم أجانب والجنابة الْبعد عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْجَار ليتعلق بالجار يَوْم الْقِيَامَة يَقُول يَا رب أوسعت على أخي هَذَا واقترب عَليّ أمسي طاوياً ويمسي هَذَا شبعان سَله لم أغلق بَابه عني وحرمني مَا قد أوسعت بِهِ عَلَيْهِ والصاحب بالجنب قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد هُوَ الرفيق فِي السفر لَهُ حق الْجوَار وَحقّ الصُّحْبَة وَابْن السَّبِيل هُوَ الضَّعِيف يجب إقراؤه إِلَى أَن يبلغ حَيْثُ يُرِيد وَقَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ عَابِر السَّبِيل تؤويه وتطعمه حَتَّى يرحل عَنْك وَمَا ملكت أَيْمَانكُم يُرِيد الْمَمْلُوك يحسن رزقه وَيَعْفُو عَنهُ فِيمَا يُخطئ قَوْله إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً فخوراً قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد بالمختال الْعَظِيم فِي نَفسه الَّذِي لَا يقوم بِحُقُوق الله والفخور هُوَ الَّذِي يفخر على عباد الله بِمَا خوله الله من كرامته وَمَا أعطَاهُ من نعمه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رجل شَاب مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يمشي فِي حلَّة مختالاً فخوراً إِذْ ابتلعته الأَرْض فَهُوَ يتجلجل فِيهَا حَتَّى تقوم السَّاعَة وَعَن أُسَامَة قَالَ سَمِعت

стр. 196

ابْن عمر يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة هَذَا مَا ذكره الواحدي وَكَانَ رَسُول الله ﷺ عِنْد خُرُوجه من الدُّنْيَا فِي آخر مَرضه يُوصي بِالصَّلَاةِ وبالإحسان إِلَى الْمَمْلُوك وَيَقُول الله الله الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم وَفِي الحَدِيث حسن الملكة يمن وَسُوء الملكة شُؤْم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة سيء الملكة قَالَ أَبُو مَسْعُود ﵁ كنت أضْرب مَمْلُوكا لي بِالسَّوْطِ فَسمِعت صَوتا من ورائي اعْلَم أَبَا مَسْعُود أَن الله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا الْغُلَام قَالَ قلت يَا رَسُول الله لَا أضْرب مَمْلُوكا لي بعده أبداً وَفِي رِوَايَة سقط السَّوْط من يَدي من هَيْبَة رَسُول الله ﷺ وَفِي رِوَايَة فَقلت هُوَ حر لوجه الله فَقَالَ أما إِنَّك لَو لم تفعل لَلَفَحَتْك النَّار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ مُسلم وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ضرب غُلَاما لَهُ حداً لم يَأْته أَو لطمه فكفارته أَن يعتقهُ وَمن حَدِيث حَكِيم بن حزَام قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يعذب الَّذين يُعَذبُونَ النَّاس فِي الدُّنْيَا وَفِي الحَدِيث من ضرب بِسَوْط ظلما اقْتصّ مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة وَقيل لرَسُول الله ﷺ كم نعفو عَن الْخَادِم قَالَ فِي الْيَوْم سبعين مرة وَكَانَ فِي يَد النَّبِي ﷺ يَوْمًا سواك فَدَعَا خَادِمًا لَهُ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَوْلَا

стр. 197

الْقصاص لضربتك بِهَذَا السِّوَاك وَكَانَ لأبي هُرَيْرَة ﵁ جَارِيَة زنجية فَرفع يَوْمًا عَلَيْهَا السَّوْط فَقَالَ لَوْلَا الْقصاص لأغشيتكيه وَلَكِن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك اذهبي فَأَنت حرَّة لوجه الله وَجَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي قلت لأمتي يَا زَانِيَة قَالَ وَهل رَأَيْت عَلَيْهَا ذَلِك قَالَت لَا أما أَنَّهَا ستستقيد مِنْك يَوْم الْقِيَامَة فَرَجَعت إِلَى جاريتها فأعطتها سَوْطًا وَقَالَت اجلديني فَأَبت الْجَارِيَة فأعتقتها ثمَّ رجعت إِلَى النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرته بِعتْقِهَا فَقَالَ عَسى أَي عَسى أَن يكفر عتقك لَهَا مَا قذفتها بِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قذف مَمْلُوكه وَهُوَ بَرِيء مِمَّا قَالَه جلد يَوْم الْقِيَامَة حدا إِلَّا أَن يكون كَمَا قَالَ وَفِي الحَدِيث للمملوك طَعَامه وَكسوته وَلَا يُكَلف مَا لَا يُطيق وَكَانَ ﷺ يوصيهم عِنْد خُرُوجه من الدُّنْيَا وَيَقُول الله الله فِي الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تكتسون وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ من الْعَمَل مَا لَا يُطِيقُونَ فَإِن كلفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ وَلَا تعذبوا خلق الله فَإِنَّهُ ملككم إيَّاهُم وَلَو شَاءَ لملكهم إيَّاكُمْ وَدخل جمَاعَة على سلمَان الْفَارِسِي ﵁ وَهُوَ أَمِير على الْمَدَائِن فوجدوه يعجن عجين أَهله فَقَالُوا لَهُ أَلا تتْرك الْجَارِيَة تعجن فَقَالَ ﵁ إِنَّا

стр. 198

أرسلناها فِي عمل فكرهنا أَن نجمع عَلَيْهَا عملاً آخر وَقَالَ بعض السلف لَا تضرب الْمَمْلُوك فِي كل ذَنْب وَلَكِن احفظ لَهُ ذَلِك فَإِذا عصى الله فَاضْرِبْهُ على مَعْصِيّة الله وَذكره الذُّنُوب الَّتِي بَيْنك وَبَينه فصل وَمن أعظم الْإِسَاءَة إِلَى الْمَمْلُوك وَالْجَارِيَة التَّفْرِيق بَينه وَبَين وَلَده أَو بَينه وَبَين أَخِيه لما جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق الله بَينه وَبَين أحبته يَوْم الْقِيَامَة قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه وهب لي رَسُول الله ﷺ غلامين أَخَوَيْنِ فَبِعْت أَحدهمَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رده رده وَمن ذَلِك أَن يجوع الْمَمْلُوك وَالْجَارِيَة وَالدَّابَّة يَقُول رَسُول الله ﷺ كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملك قوته وَمن ذَلِك أَن يضْرب الدَّابَّة ضرباً وجيعاً أَو يحبسها وَلَا يقوم بكفايتها أَو يحملهَا فَوق طاقتها فقد رُوِيَ فِي تَفْسِير قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ الْآيَة قيل يُؤْتى بهم وَالنَّاس وقُوف يَوْم الْقِيَامَة فَيَقْضِي بَينهم حَتَّى أَنه ليؤخذ للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء حَتَّى يُقَاد للذرة من الذرة ثمَّ يُقَال لَهُم كونُوا تُرَابا فهنالك يَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا وَهَذَا من الدَّلِيل على الْقَضَاء بَين الْبَهَائِم وَبَينهَا وَبَين بني آدم حَتَّى إِن الْإِنْسَان لَو ضرب دَابَّة بِغَيْر حق أَو جوعها أَو عطشها أَو كلفها فَوق طاقتها فَإِنَّهَا تقتص مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة بِقدر مَا ظلمها أَو جوعها وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عذبت امْرَأَة فِي هرة ربطتها حَتَّى مَاتَت جوعا لَا هِيَ أطعمتها وسقتها إِذْ حبستها وَلَا تركتهَا تَأْكُل من خشَاش الأَرْض أَي من حشراتها وَفِي الصَّحِيح أَنه ﷺ رأى امْرَأَة معلقَة فِي النَّار والهرة تخدشها فِي وَجههَا

стр. 199

وصدرها وَهِي تعذبها كَمَا عذبتها فِي الدُّنْيَا بِالْحَبْسِ والجوع وَهَذَا عَام فِي سَائِر الْحَيَوَان وَكَذَلِكَ إِذا حملهَا فَوق طاقتها تقتص مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رجل يَسُوق بقرة إِذْ ركبهَا فضربها فَقَالَت إِنَّا لم نخلق لهَذَا إِنَّمَا خلقنَا للحرث فَهَذِهِ بقرة أنطقها الله فِي الدُّنْيَا تدافع عَن نَفسهَا بِأَنَّهَا لَا تؤذى وَلَا تسْتَعْمل فِي غير مَا خلقت لَهُ فَمن كلفها غير طاقتها أَو ضربهَا بِغَيْر حق فَيوم الْقِيَامَة تقتص مِنْهُ بِقدر ضربه وتعذيبه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي ركبت مرة حماراً فضربته مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَرفع رَأسه وَنظر إِلَيّ وَقَالَ يَا أَبَا سُلَيْمَان هُوَ الْقصاص يَوْم الْقِيَامَة فَإِن شِئْت فأقلل وَإِن شِئْت فَأكْثر قَالَ فَقلت لَا أضْرب شَيْئا بعده أبداً وَمر ابْن عمر بصبيان من قُرَيْش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه وَقد جعلُوا لصَاحبه كل خاطئة من نبلهم فَلَمَّا رَأَوْا ابْن عمر تفَرقُوا فَقَالَ من فعل هَذَا لعن الله من فعل هَذَا إِن رَسُول الله ﷺ لعن من اتخذ شَيْئا فِيهِ الروح غَرضا وَالْغَرَض كالهدف وَمَا يرْمى إِلَيْهِ وَنهى رَسُول الله ﷺ أَن تصبر الْبَهَائِم يَعْنِي أَن تحبس للْقَتْل وَإِن كَانَ مِمَّا أذن الشَّرْع بقتْله كالحية وَالْعَقْرَب والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور قَتله بِأول دفْعَة وَلَا يعذبه لقَوْله ﵊ إِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته وَكَذَلِكَ لَا يحرقه بالنَّار لما ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 200

قَالَ إِنِّي كنت أَمرتكُم أَن تحرقوا فلَانا وَفُلَانًا بالنَّار وَإِن النَّار لَا يعذب بهَا إِلَّا الله فَإِن وجدتموهما فاقتلوهما قَالَ ابْن مَسْعُود كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سَفَره فَانْطَلق لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حمرَة مَعهَا فرخان فأخذنا فرخيها فَجَاءَت الْحمرَة فَجعلت ترفرف فجَاء النَّبِي ﷺ وَقَالَ من فجع هَذِه بِوَلَدِهَا ردوا عَلَيْهَا ولديها وَرَأى رَسُول الله ﷺ قَرْيَة نمل أَي مَكَان نمل قد أحرقناها فَقَالَ من حرق هَذِه قُلْنَا نَحن فَقَالَ ﵊ أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يعذب بالنَّار إِلَّا رَبهَا وَفِيه من النَّهْي عَن الْقَتْل والتعذيب بالنَّار حَتَّى فِي القملة والبرغوث وَغَيرهمَا فصل وَيكرهُ قتل الْحَيَوَان عَبَثا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من قتل عصفوراً عَبَثا عج إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ يَا رب سل هَذَا لم قتلني عَبَثا وَلم يقتلني لمَنْفَعَة وَيكرهُ صيد الطير أَيَّام فِرَاخه لما رُوِيَ ذَلِك فِي الْأَثر وَيكرهُ ذبح الْحَيَوَان بَين يَدي أمه لما رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم ﵀ قَالَ ذبح رجل عجلاً بَين يَدي أمه فأيبس الله يَده فصل فِي فضل عتق الْمَمْلُوك عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة أعتق الله بِكُل عُضْو من أَعْضَائِهِ عضواً من أَعْضَائِهِ من النَّار حَتَّى يعْتق فرجه بفرجه أخرجه البُخَارِيّ وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَيّمَا امْرِئ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما كَانَ فكاكا لَهُ من النَّار يجزى كل عُضْو مِنْهُ عضواً مِنْهُ وَأَيّمَا امْرِئ مُسلم أعتق امْرَأتَيْنِ مسلمتين كَانَتَا فكاكه من النَّار يجزى كل عضوين مِنْهُمَا عضواً مِنْهُ وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة إِلَّا كَانَت فكاكها من النَّار يجزى كل عُضْو مِنْهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا من حزبك المفلحين وعبادك الصَّالِحين

стр. 201

الْكَبِيرَة الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ أَذَى الْجَار ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَالله لَا يُؤمن وَالله لَا يُؤمن قيل من يَا رَسُول الله قَالَ من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه أَي غوائله وشروره وَفِي رِوَايَة لَا يدْخل الْجنَّة من لَا يُؤمن جَاره بوائقه وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أعظم الذَّنب عِنْد الله فَذكر ثَلَاث خلال أَن تجْعَل لله نداً وَهُوَ خلقك وَأَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك وَأَن تَزني بحليلة جَارك وَفِي الحَدِيث من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يؤذ جَاره وَالْجِيرَان ثَلَاثَة جَار مُسلم قريب لَهُ حق الْجوَار وَحقّ الْإِسْلَام وَحقّ الْقَرَابَة وجار مُسلم لَهُ حق الْجوَار وَحقّ الْإِسْلَام وَالْجَار الْكَافِر لَهُ حق الْجوَار وَكَانَ ابْن عمر ﵄ لَهُ جَار يَهُودِيّ فَكَانَ إِذا ذبح الشَّاة يَقُول احملوا إِلَى جارنا الْيَهُودِيّ مِنْهَا وَرُوِيَ أَن الْجَار الْفَقِير يتَعَلَّق بالجار الْغَنِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول يَا رب سل هَذَا لم مَنَعَنِي معروفه وأغلق عني بَابه وَيَنْبَغِي للْجَار أَن يحمل أَذَى الْجَار فَهُوَ من جملَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول دلَّنِي على عمل إِذا قُمْت بِهِ دخلت الْجنَّة فَقَالَ

стр. 202

كن محسناً فَقَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ أعلم أَنِّي محسن قَالَ سل جيرانك فَإِن قَالُوا أَنَّك محسن فَأَنت محسن وَإِن قَالُوا أَنَّك مسيء فَأَنت مسيء ذكره الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أغلق بَابه عَن جَاره مَخَافَة على أَهله وَمَاله فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَلَيْسَ بِمُؤْمِن من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه وَقيل لِأَن يَزْنِي الرجل بِعشْرَة نسْوَة أيسر من أَن يَزْنِي بِامْرَأَة جَاره وَلِأَن يسرق الرجل من عشرَة أَبْيَات أيسر من أَن يسرق من بَيت جَاره وَفِي سنَن أبي دَاوُد من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ يشكوه جَاره فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فاصبر فَأَتَاهُ مريتن أَو ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فاطرح متاعك على الطَّرِيق فَفعل فَجعل النَّاس يَمرونَ بِهِ ويسألونه عَن حَاله فيخبرهم خَبره مَعَ جَاره فَجعلُوا يلعنون جَاره وَيَقُولُونَ فعل الله بِهِ وَفعل وَيدعونَ عَلَيْهِ فجَاء إِلَيْهِ جَاره وَقَالَ يَا أخي ارْجع إِلَى مَنْزِلك فَإنَّك لن ترى مَا تكره أبداً وَأَن يحْتَمل أَذَى جَاره وَإِن كَانَ ذِمِّيا فقد رُوِيَ عَن سهل بن عبد الله التسترِي ﵀ أَنه كَانَ لَهُ جَار ذمِّي وَكَانَ قد انبثق من كنيفه إِلَى بَيت فِي دَار سهل بثق فَكَانَ سهل يضع كل يَوْم الْجَفْنَة تَحت ذَلِك البثق فيجتمع مَا يسْقط

стр. 203

فِيهِ من كنيف الْمَجُوسِيّ ويطرحه بِاللَّيْلِ حَيْثُ لَا يرَاهُ أحد فَمَكثَ ﵀ على هَذِه الْحَال زَمَانا طَويلا إِلَى أَن حضرت سهلاً الْوَفَاة فاستدعى جَاره الْمَجُوسِيّ وَقَالَ لَهُ أدخل ذَلِك الْبَيْت وَانْظُر مَا فِيهِ فَدخل فَرَأى ذَلِك البثق والقذر يسْقط مِنْهُ فِي الْجَفْنَة فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي أرى قَالَ سهل هَذَا مُنْذُ زمَان طَوِيل يسْقط من دَارك إِلَى هَذَا الْبَيْت وَأَنا أتلقاه بِالنَّهَارِ وألقيه بِاللَّيْلِ وَلَوْلَا أَنه حضرني أَجلي وَأَنا أَخَاف أَن لَا تتسع أَخْلَاق غَيْرِي لذَلِك وَإِلَّا لم أخْبرك فافعل مَا ترى فَقَالَ الْمَجُوسِيّ أَيهَا الشَّيْخ أَنْت تعاملني بِهَذِهِ الْمُعَامَلَة مُنْذُ زمَان طَوِيل وأنامقيم على كفري مد يدك فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ مَاتَ سهل ﵀ فنسأل الله أَن يهدينا وَإِيَّاكُم لأحسن الْأَخْلَاق والأعمال الْأَقْوَال وَأَن يحسن عاقبتنا إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم الْكَبِيرَة الثَّالِثَة وَالْخَمْسُونَ أَذَى الْمُسلمين وشتمهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مُبينًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيراً مِنْهُم وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن خيراً مِنْهُنَّ وَلَا تلمزوا أَنفسكُم وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ بئس الِاسْم الفسوق بعد الْإِيمَان وَمن لم يتب فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تجسسوا وَلَا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا﴾

стр. 204

وَقَالَ ﷺ إِن من شَرّ النَّاس منزلَة عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة من ودعه النَّاس أَو تَركه النَّاس اتقاء فحشه وَقَالَ ﷺ عباد الله إِن الله وضع الْحَرج إِلَّا من افْترض بِعرْض أَخِيه فَذَلِك الَّذِي حرج أَو هلك وَفِي الحَدِيث كل الْمُسلم على الْمُسلم حرَام دَمه وَمَاله وَعرضه وَقَالَ ﵊ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره بِحَسب امْرِئ من الشَّرّ أَن يحقر أَخَاهُ الْمُسلم وَفِيه أَيْضا سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله إِن فُلَانَة تصلي اللَّيْل وتصوم النَّهَار وتؤذي جِيرَانهَا بلسانها فَقَالَ لَا خير فِيهَا هِيَ فِي النَّار صَححهُ الْحَاكِم وَفِي الحَدِيث أَيْضا اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساوءهم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من دَعَا رجلاً بالْكفْر أَو قَالَ يَا عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ وَقَالَ ﵊ مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي بِقوم لَهُم أظفار من النحاس يخمشون بهَا وُجُوههم وصدورهم فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين يَأْكُلُون لُحُوم النَّاس ويقعون فِي أعراضهم فصل فِي التَّرْهِيب من الْإِفْسَاد والتحريش بَين الْمُؤمنِينَ وَبَين الْبَهَائِم وَالدَّوَاب صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الشَّيْطَان قد أيس أَن يعبده المصلون

стр. 205

فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلَكِن فِي التحريش بَينهم فَكل من حرش بَين اثْنَيْنِ من بني آدم وَنقل بَينهمَا مَا يُؤْذِي أَحدهمَا فَهُوَ نمام من حزب الشَّيْطَان من أشر النَّاس كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَلا أخْبركُم بشراركم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ شِرَاركُمْ المشاءون بالنميمة المفسدون بَين الْأَحِبَّة الباغون للبرءاء الْعَنَت والعنت الْمَشَقَّة وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة نمام والنمام هُوَ الَّذِي ينْقل الحَدِيث بَين النَّاس وَبَين اثْنَيْنِ بِمَا يُؤْذِي أَحدهمَا أَو يوحش قلبه على صَاحبه أَو صديقه بِأَن يَقُول لَهُ قَالَ عَنْك فلَان كَذَا وَكَذَا وَفعل كَذَا وَكَذَا إِلَّا أَن يكون فِي ذَلِك مصلحَة أَو فَائِدَة كتحذيره من شَرّ يحدث أَو يَتَرَتَّب وَأما التحريش بَين الْبَهَائِم وَالدَّوَاب وَالطير وَغَيرهمَا فَحَرَام كمناقرة الديوك ونطاح الكباش وتحريش الْكلاب بَعْضهَا على بعض وَمَا أشبه ذَلِك وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ عَاص لله وَرَسُوله وَمن ذَلِك إِفْسَاد قلب الْمَرْأَة على زَوجهَا وَالْعَبْد على سَيّده لما رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَلْعُون من خبب امْرَأَة على زَوجهَا أَو عبداً على سَيّده نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك فصل فِي التَّرْغِيب فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف أَو إصْلَاح بَين النَّاس وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجراً عَظِيما﴾ قَالَ مُجَاهِد هَذِه الْآيَة عَامَّة بَين النَّاس يُرِيد أَنه لَا خير فِيمَا يَتَنَاجَى فِيهِ النَّاس ويخوضون فِيهِ من الحَدِيث إِلَّا مَا كَانَ من أَعمال الْخَيْر وَهُوَ قَوْله ﴿إِلَّا من أَمر بِصَدقَة﴾ ثمَّ حذف المصاف أَو مَعْرُوف قَالَ ابْن عَبَّاس بصلَة الرَّحِم وبطاعة الله وَيُقَال لأعمال الْبر كلهَا مَعْرُوف لِأَن الْعُقُول تعرفها قَوْله تَعَالَى ﴿أَو إصْلَاح بَين النَّاس﴾

стр. 206

هَذَا مِمَّا حث عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَلا أدلك على صَدَقَة هِيَ خير لَك من حمر النعم قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تصلح بَين النَّاس إِذا تفاسدوا وتقرب بَينهم إِذا تباعدوا وروت أم حَبِيبَة ﵂ إِن النَّبِي ﷺ قَالَ كَلَام ابْن آدم كُله عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا مَا كَانَ من أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر أَو ذكر لله وَرُوِيَ أَن رجلاً قَالَ لِسُفْيَان مَا أَشد هَذَا الحَدِيث قَالَ سُفْيَان ألم تسمع إِلَى قَول الله تَعَالَى ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف﴾ الْآيَة فَهَذَا هُوَ بِعَيْنِه ثمَّ علم سُبْحَانَهُ أَن ذَلِك إِنَّمَا ينفع من ابْتغى بِهِ مَا عِنْد الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجراً عَظِيما﴾ أَي ثَوابًا لَا حد لَهُ وَفِي الحَدِيث لَيْسَ الْكذَّاب الَّذِي يصلح بَين النَّاس فينمي خيراً أَو يَقُول خيراً رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَت أم كُلْثُوم وَلم أسمعهُ ﷺ يرخص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء فِي الْحَرْب والإصلاح بَين النَّاس وَحَدِيث الرجل زَوجته وَحَدِيث الْمَرْأَة زَوجهَا وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ بلغه أَن بني عَمْرو بن عَوْف كَانَ بَينهم شَرّ فَخرج رَسُول الله ﷺ يصلح بَينهم فِي أنَاس مَعَه من أَصْحَابه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا عمل شَيْء أفضل من مشي إِلَى الصَّلَاة أَو إصْلَاح ذَات الْبَين وَحلف جَائِز بَين الْمُسلمين

стр. 207

وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أصلح بَين اثْنَيْنِ أصلح الله أمره وَأَعْطَاهُ بِكُل كلمة تكلم بهَا عتق رَقَبَة وَرجع مغفورا لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق اللَّهُمَّ عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ الْكَبِيرَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ أذية عباد الله والتطول عَلَيْهِم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثما مُبينًا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى قَالَ من عادى لي ولياً فقد آذنته بِالْحَرْبِ وَفِي رِوَايَة فقد بارزني بالمحاربة أَي أعلمته أَنِّي محَارب لَهُ وَفِي الحَدِيث أَن أَبَا سُفْيَان أَتَى على سلمَان وصهيب وبلال فِي نفر فَقَالُوا مَا أخذت سيوف الله من عَدو الله مأخذها فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أتقولون هَذَا لشيخ قُرَيْش وسيدهم فَأتى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ يَا أَبَا بكر لَعَلَّك أغضبتهم لقد أغضبت رَبك فَأَتَاهُم أَبُو بكر ﵁ فَقَالَ يَا أخوتاه أغضبتكم قَالُوا لَا يغْفر الله لَك يَا أخي وَقَوْلهمْ مأخذها أَي لم تستوف حَقّهَا مِنْهُ فصل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واصبر نَفسك مَعَ الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه﴾

стр. 208

الْآيَات وَهَذِه الْآيَات فِي تَفْضِيل الْفُقَرَاء وَسبب نُزُولهَا أَن النَّبِي ﷺ أول من آمن بِهِ الْفُقَرَاء وَكَذَلِكَ كل نَبِي أرسل أول من آمن بِهِ الْفُقَرَاء فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يجلس مَعَ فُقَرَاء أَصْحَابه مثل سلمَان وصهيب وبلال وعمار بن يَاسر ﵃ فَأَرَادَ الْمُشْركُونَ أَن يحتالوا عَلَيْهِ فِي طرد الْفُقَرَاء لما سمعُوا أَن عَلامَة الرُّسُل أَن يكون أول أتباعهم الْفُقَرَاء فجَاء بعض رُؤَسَاء الْمُشْركين فَقَالُوا يَا مُحَمَّد اطرد الْفُقَرَاء عَنْك فَإِن نفوسنا تأنف أَن تجالسهم فَلَو طردتهم عَنْك لآمن بك أشرف النَّاس ورؤساؤهم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه﴾ فَلَمَّا أيس الْمُشْركُونَ من طردهم قَالُوا يَا مُحَمَّد إِن لم تطردهم فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا وَلَهُم يَوْمًا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿واصبر نَفسك مَعَ الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه وَلَا تعد عَيْنَاك عَنْهُم تُرِيدُ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي لَا تتعداهم وَلَا تتجاوز بنظرك رَغْبَة عَنْهُم وطلبا لصحبة أَبنَاء الدُّنْيَا ﴿وَقل الْحق من ربكُم فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ ثمَّ ضرب لَهُم مثل الْغَنِيّ وَالْفَقِير بقوله ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مثلاً رجلَيْنِ﴾ ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعظم الْفُقَرَاء ويكرمهم وَلما هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة هَاجرُوا مَعَه فَكَانُوا فِي صفة الْمَسْجِد مقيمين متبتلين فسموا أَصْحَاب الصفة فَكَانَ ينتمي إِلَيْهِم من يُهَاجر من الْفُقَرَاء

стр. 209

حَتَّى كَثُرُوا ﵃ هَؤُلَاءِ شاهدوا مَا أعد الله لأوليائه من الْإِحْسَان وعاينوه بِنور الْإِيمَان فَلم يعلقوا قُلُوبهم بِشَيْء من الأكوان بل قَالُوا إياك نعْبد وَلَك نخضع ونسجد وَبِك نهتدي ونسترشد وَعَلَيْك نتوكل ونعتمد وبذكرك نتنعم ونفرح وَفِي ميدان ودك نرتع ونسرح وَلَك نعمل ونكدح وَعَن بابك أبداً لَا نَبْرَح فَحِينَئِذٍ عمر لَهُم سَبيله وخاطب فيهم رَسُوله فَقَالَ ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ﴾ الْآيَة أَي وَلَا تطرد قوماً أَمْسوا على ذكر رَبهم يَتَقَلَّبُونَ وَإِن أَصْبحُوا فلبابه يَنْقَلِبُون لَا تطرد قوماً الْمَسَاجِد مأواهم وَالله مطلوبهم ومولاهم والجوع طعامهم والسهر إِذا نَام النَّاس أدامهم والفقر والفاقة شعارهم والمسكنة وَالْحيَاء دثارهم ربطوا خيل عزمهم على بَاب مَوْلَاهُم وبسطوا وُجُوههم فِي محاريب نَجوَاهُمْ فالفقر عَام وخاص فالعام الْحَاجة إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا وصف كل مَخْلُوق مُؤمن وَكَافِر وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله﴾ الْآيَة وَالْخَاص وصف أَوْلِيَاء الله وأحبائه خلو الْيَدَيْنِ من الدُّنْيَا وخلو الْقلب من التَّعَلُّق بهَا اشتغالاً بِاللَّه وشوقاً إِلَيْهِ وأنساً بالفراغ وَالْخلْوَة مَعَ الله اللَّهُمَّ أذقنا حلاوة مناجاتك وَأَن تسلك بِنَا طَرِيق مرضاتك واقطع عَنَّا كل مَا يبعدنا من حضرتك وَيسر لنا مَا يسرته لأهل محبتك واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين الْكَبِيرَة الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ إسبال الْإِزَار وَالثَّوْب واللباس والسراويل تعززاً وعجباً وفخراً وخيلاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحاً إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾

стр. 210

وَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَهُوَ فِي النَّار وَقَالَ ﵊ لَا ينظر الله إِلَى من جر إزَاره بطراً وَقَالَ ﵊ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب وَفِي الحَدِيث أَيْضا بَيْنَمَا رجل يمشي فِي حلَّة تعجبه نَفسه مرجل رَأسه يختال فِي مَشْيه إِذْ خسف بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﵊ من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﷺ الإسبال فِي الْإِزَار والعمامة من جر شَيْئا مِنْهَا خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﵊ إزرة الْمُؤمن إِلَى نصف سَاقيه وَلَا حرج عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الْكَعْبَيْنِ مَا كَانَ أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّار وَهَذَا عَام فِي السَّرَاوِيل وَالثَّوْب والجبة والقباء والفرجية وَغَيرهَا من اللبَاس فنسأل الله الْعَافِيَة وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ بَيْنَمَا رجل يُصَلِّي مسبلاً إزَاره قَالَ لَهُ رَسُول الله اذْهَبْ فَتَوَضَّأ ثمَّ جَاءَ فَقَالَ اذْهَبْ فَتَوَضَّأ فَقَالَ

стр. 211

لَهُ رجل يَا رَسُول الله مَالك أَمرته أَن يتَوَضَّأ ثمَّ سكت عَنهُ فَقَالَ إِنَّه كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسبل إزَاره وَلَا يقبل الله صَلَاة رجل مسبلاً إزَاره وَلما قَالَ ﷺ من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ يَا رَسُول الله إِن إزَارِي يسترخي إِلَّا أَن أتعاهده فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِنَّك لست مِمَّن يَفْعَله خُيَلَاء اللَّهُمَّ عاملنا بلطفك الْحسن الْجَمِيل بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ الْكَبِيرَة السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ لبس الْحَرِير وَالذَّهَب للرِّجَال فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَهَذَا عَام فِي الْجند وَغَيرهم لقَوْله ﷺ حرم لبس الْحَرِير وَالذَّهَب على ذُكُور أمتِي وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَن نَأْكُل فِيهَا وَعَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهَا أخرجه البُخَارِيّ فَمن اسْتحلَّ لبس الْحَرِير من الرِّجَال فَهُوَ كَافِر وَإِنَّمَا رخص فِيهِ الشَّارِع ﷺ لمن بِهِ حكة أَو جرب أَو غَيره وللمقاتلين عِنْد لِقَاء الْعَدو وَأما لبس الْحَرِير للزِّينَة فِي حق الرِّجَال فَحَرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين سَوَاء كَانَ قبَاء أَو قبطياً أَو كلوثة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْأَكْثَر حَرِيرًا كَانَ حَرَامًا وَكَذَلِكَ الذَّهَب لبسه حرَام على الرِّجَال سَوَاء كَانَ خَاتمًا أَو حياصة أَو سقط سيف حرَام لبسه وَعَمله وَقد

стр. 212

رأى النَّبِي ﷺ فِي يَد رجل خَاتمًا من ذهب فَنَزَعَهُ وَقَالَ يعمد أحدكُم إِلَى جَمْرَة من نَار فيجعلها فِي يَده وَكَذَلِكَ طراز الذَّهَب وكلوثة الزركش حرَام على الرِّجَال وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز إلباس الصَّبِي الْحَرِير وَالذَّهَب فَرخص فِيهِ قوم وَمنع آخَرُونَ لعُمُوم قَوْله ﷺ عَن الْحَرِير وَالذَّهَب هَذَانِ حرَام على ذُكُور أمتِي حل لإناثهم فَدخل الصَّبِي فِي النَّهْي وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَآخَرين ﵏ فنسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ إباق العَبْد روى مُسلم فِي صَحِيحه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أبق العَبْد لم تقبل لَهُ صَلَاة وَقَالَ ﷺ أَيّمَا عبد أبق فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة وروى ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة وَلَا يصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنَة العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى مَوْلَاهُ وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى والسكران حَتَّى يصحو وَعَن فضَالة بن عبيد مَرْفُوعا ثَلَاثَة لَا يسْأَل عَنْهُم رجل فَارق الْجَمَاعَة وَعصى إِمَامه وَعبد آبق وَمَات عَاصِيا وَامْرَأَة غَابَ عَنْهَا زَوجهَا وَقد كفاها المؤونة فتبرجت بعده أَي أظهرت محاسنها كَمَا يفعل أهل الْجَاهِلِيَّة وهم مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد ﷺ كَذَا ذكره الواحدي رَحمَه الله

стр. 213

الْكَبِيرَة الثَّامِنَة وَالْخَمْسُونَ الذّبْح لغير الله مثل من يَقُول بِسم الشَّيْطَان أَو الصَّنَم أَو باسم الشَّيْخ فلَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد الْميتَة والمنخنقة إِلَى قَوْله ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ وَقَالَ الْكَلْبِيّ مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ أَو يذبح لغير الله تَعَالَى وَقَالَ عَطاء يُنْهِي عَن ذَبَائِح كَانَت تذبحها قُرَيْش وَالْعرب على الْأَوْثَان وَقَوله ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ يَعْنِي وَإِن كل مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ من الْميتَة فسق أَو خُرُوج عَن الْحق وَالدّين ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ أَي يوسوس الشَّيْطَان لوَلِيِّه فيلقي فِي قلبه الْجِدَال بِالْبَاطِلِ وَهُوَ أَن الْمُشْركين جادلوا الْمُؤمنِينَ فِي الْميتَة قَالَ ابْن عَبَّاس أوحى الشَّيْطَان إِلَى أوليائه من الْأنس كَيفَ تَعْبدُونَ شَيْئا لَا تَأْكُلُونَ مَا يقتل وَأَنْتُم تَأْكُلُونَ مَا قتلتم فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة ﴿وَإِن أطعتموهم﴾ يَعْنِي فِي استحلال الْميتَة ﴿إِنَّكُم لمشركون﴾ قَالَ الزجاج وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن كل من أحل شَيْئا مِمَّا حرم الله أَو حرم شَيْئا مِمَّا أحل الله فَهُوَ مُشْتَرك فَإِن قيل كَيفَ أبحتم ذَبِيحَة الْمُسلم إِذا ترك التَّسْمِيَة وَالْآيَة كالنص فِي التَّحْرِيم قلت إِن الْمُفَسّرين فسروا مالم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْآيَة بالميتة وَلم يحملهُ أحد على ذَبِيحَة الْمُسلم إِذا ترك التَّسْمِيَة وَفِي الْآيَة أَشْيَاء تدل على أَن الْآيَة فِي تَحْرِيم الْميتَة وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ وَلَا يفسق آكل ذَبِيحَة الْمُسلم التارك للتسمية وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ والمناظرة إِنَّمَا كَانَت فِي الْميتَة بِإِجْمَاع من الْمُفَسّرين لَا فِي ذَبِيحَة تَارِك التَّسْمِيَة من الْمُسلمين وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ والشرك فِي استحلال الْميتَة لَا فِي استحلال الذَّبِيحَة الَّتِي لم يذكر اسْم الله عَلَيْهَا وَقد أخبرنَا أَبُو مَنْصُور بإسناده عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَأَلَ

стр. 214

رجل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَرَأَيْت الرجل منا يذبح وينسى أَن يُسَمِّي الله تَعَالَى فَقَالَ النَّبِي ﷺ اسْم الله على فَم كل مُسلم وَأخْبرنَا أَبُو مَنْصُور أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَكْفِيهِ اسْمه وَإِن نسي يُسَمِّي حِين يذبح فليسم وَيذكر الله ثمَّ ليَأْكُل وَأخْبرنَا عَمْرو بن أبي عَمْرو بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة ﵂ أَن قوماً قَالُوا يَا رَسُول الله إِن قوماً يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أذكر اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سموا عَلَيْهِ وكلوا هَذَا آخر كَلَام الواحدي ﵀ وَقد تقدم قَوْله ﷺ لعن الله من ذبح لغير الله الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ فِيمَن ادعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم عَن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ادعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فالجنة عَلَيْهِ حرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَمن رغب عَن أَبِيه فَهُوَ كَافِر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَفِيه أَيْضا من ادعى إِلَى غير أَبِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَعَن زيد بن شريك قَالَ رَأَيْت علياً ﵁ يخْطب على الْمِنْبَر فَسَمعته يَقُول وَالله مَا عندنَا من كتاب نقرؤه إِلَّا كتاب الله تَعَالَى وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة فنشرها فَإِذا فِيهَا أَسْنَان الْإِبِل وَشَيْء من الْجِرَاحَات وفيهَا قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة حرَام

стр. 215

مَا بَين عير إِلَى ثَوْر فَمن أحدث فِيهَا حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله يَوْم الْقِيَامَة مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً وَمن تولى غير موَالِيه فَعَلَيهِ مثل ذَلِك وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي ذَر أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَيْسَ منا رجلاً ادعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يُعلمهُ إِلَّا كفر وَمن ادعى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ منا وليتبوأ مَقْعَده من النَّار وَمن دَعَا رجلاً بالْكفْر أَو قَالَ يَا عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ أَي رَجَعَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ مُسلم فنسأل الله الْعَفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم الْكَبِيرَة السِّتُّونَ الجدل والمراء واللدد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد﴾ وَمِمَّا يذم من الْأَلْفَاظ المراء والجدال وَالْخُصُومَة قَالَ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ ﵀ المراء طعنك فِي كَلَام لإِظْهَار خلل فِيهِ لغير غَرَض سوى تحقير قَائِله وأظهار مزيتك عَلَيْهِ وَقَالَ وَأما الْجِدَال فعبارة عَن أَمر يتَعَلَّق بِإِظْهَار الْمذَاهب وتقريرها قَالَ وَأما الْخُصُومَة فلجاج فِي الْكَلَام ليستوفي بِهِ مَقْصُودا من مَال أَو غَيره وَتارَة يكون ابْتِدَاء وَتارَة يكون اعتراضاً والمراء لَا يكون إِلَّا اعتراضاً هَذَا كَلَام الْغَزالِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ ﵀ اعْلَم أَن الْجِدَال قد يكون بِحَق وَقد يكون بباطل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا يُجَادِل فِي آيَات الله إِلَّا الَّذين كفرُوا﴾
следующие страницы →