Полный текст (234 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ بَيْنَمَا رجل يتبختر فِي مَشْيه إِذْ خسف الله بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﵊ يحْشر الجبارون المتكبرون يَوْم الْقِيَامَة أَمْثَال الذَّر يطؤهم النَّاس يَغْشَاهُم الذل من كل مَكَان وَقَالَ بعض السلف أول ذَنْب عصي الله بِهِ الْكبر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾ فَمن استكبر على الْحق لم يَنْفَعهُ إيمَانه كَمَا فعل إِبْلِيس وَعَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة أحد فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ وَقَالَ ﷺ قَالَ الله تَعَالَى العظمة إزَارِي والكبرياء رِدَائي فَمن نَازَعَنِي فيهمَا أَلقيته فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم الْمُنَازعَة المجاذبة وَقَالَ ﷺ اختصمت الْجنَّة وَالنَّار فَقَالَت الْجنَّة مَالِي مَا يدخلني إِلَّا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ وَقَالَت النَّار أُوثِرت بالجبارين والمتكبرين الحَدِيث وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحاً إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ أَي لَا تمل خدك معرضاً متكبراً والمرح التَّبَخْتُر
стр. 72
وَقَالَ سَلمَة بن الْأَكْوَع أكل رجل عِنْد رَسُول الله ﷺ بِشمَالِهِ قَالَ كل بيمينك قَالَ لَا أَسْتَطِيع فَقَالَ لَا اسْتَطَعْت مَا مَنعه إِلَّا الْكبر فَمَا رَفعهَا إِلَى فِيهِ بعد رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ ﵊ أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار كل عتل جواظ مستكبر العتل الغليظ الجافي والجواظ الجموع المنوع وَقيل الضخم المختال فِي مشيته وَقيل البطين عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل يختال فِي مشيته ويتعاظم فِي نَفسه إِلَّا لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان وَصَحَّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار أَمِير مسلط أَي ظَالِم وغني لَا يُؤَدِّي الزَّكَاة وفقير فخور وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب والمسبل هُوَ الَّذِي يسبل إزَاره أَو ثِيَابه أَو سراويله حَتَّى يكون إِلَى قَدَمَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ مَا أسبل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَهُوَ فِي النَّار وأشر الْكبر الَّذِي فِيهِ من يتكبر على الْعباد بِعِلْمِهِ ويتعاظم فِي نَفسه بفضيلته فَإِن هَذَا لم يَنْفَعهُ علمه فَإِن من طلب الْعلم للآخرة كَسره علمه وخشع قلبه واستكانت نَفسه وَكَانَ على نَفسه بالمرصاد فَلَا يفتر عَنْهَا بل يحاسبها كل وَقت ويتفقدها فَإِن غفل عَنْهَا جمحت عَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وأهلكته وَمن طلب الْعلم للفخر والرياسة وبطر على الْمُسلمين وتحامق عَلَيْهِم وازدراهم فَهَذَا من أكبر الْكبر وَلَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
стр. 73
الْكَبِيرَة الثَّامِنَة عشرَة شَهَادَة الزُّور
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يشْهدُونَ الزُّور﴾ الْآيَة وَفِي الْأَثر عدلت شَهَادَة الزُّور الشرك بِاللَّه تَعَالَى مرَّتَيْنِ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ وَفِي الحَدِيث لَا تَزُول قدما شَاهد الزُّور يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تجب لَهُ النَّار قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى شَاهد الزُّور قد ارْتكب عظائم (أَحدهَا) الْكَذِب والافتراء قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يهدي من هُوَ مُسْرِف كَذَّاب﴾ وَفِي الحَدِيث يطبع الْمُؤمن على كل شَيْء لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب (وَثَانِيها) إِنَّه ظلم الَّذِي شهد عَلَيْهِ حَتَّى أَخذ بِشَهَادَتِهِ مَاله وَعرضه وروحه (وَثَالِثهَا) إِنَّه ظلم الَّذِي شهد لَهُ بِأَن سَاق إِلَيْهِ المَال الْحَرَام فَأَخذه بِشَهَادَتِهِ فَوَجَبت لَهُ النَّار وَقَالَ ﷺ من قضيت لَهُ من مَال أَخِيه بِغَيْر حق فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من نَار (وَرَابِعهَا) أَنه أَبَاحَ مَا حرم الله تَعَالَى وَعَصَمَهُ من المَال وَالدَّم وَالْعرض قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين أَلا وَقَول
стр. 74
الزُّور أَلا وَشَهَادَة الزُّور فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا ليته سكت رَوَاهُ البُخَارِيّ فنسأل الله تَعَالَى السَّلامَة والعافية من كل بلَاء
الْكَبِيرَة التَّاسِعَة عشر شرب الْخمر
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ فقد نهى فِي هَذِه الْآيَة عَن الْخمر وحذر مِنْهَا وَقَالَ النَّبِي ﷺ اجتنبوا الْخمر فَإِنَّهَا أم الْخَبَائِث فَمن لم يجتنبها فقد عصى الله وَرَسُوله وَاسْتحق الْعَذَاب بِمَعْصِيَة الله وَرَسُوله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما نزل تَحْرِيم الْخمر مَشى الصَّحَابَة بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا حرمت الْخمر وَجعلت عدلاً للشرك
стр. 75
وَذهب عبد الله بن عَمْرو إِلَى أَن الْخمر أكبر الْكَبَائِر وَهِي بِلَا ريب أم الْخَبَائِث وَقد لعن شاربها فِي غير حَدِيث وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَمَات وَلم يتب مِنْهَا وَهُوَ مدمنها لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة رَوَاهُ مُسلم وروى مُسلم عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن على الله عهداً لمن شرب الْمُسكر أَن يسْقِيه الله من طِينَة الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار أَو عصارة أهل النَّار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من شرب الْخمْرَة فِي الدُّنْيَا يحرمها فِي الْآخِرَة
ذكر أَن مدمن الْخمر كعابد الوثن
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مدمن الْخمر كعابد الوثن
ذكر أَن مدمن الْخمر إِذا مَاتَ وَلم يتب لَا يدْخل الْجنَّة
روى النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة عَاق وَلَا مدمن خمر وَفِي رِوَايَة ثَلَاثَة قد حرم الله عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق لوَالِديهِ والديوث وَهُوَ الَّذِي يقر السوء فِي أَهله
ذكر أَن السَّكْرَان لَا يقبل الله مِنْهُ حَسَنَة
روى جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا تقبل لَهُم صَلَاة وَلَا ترفع لَهُم حَسَنَة إِلَى السَّمَاء العَبْد
стр. 76
الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه فَيَضَع يَده فِي أَيْديهم وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى عَنْهَا والسكران حَتَّى يصحو وَالْخمر مَا خامر الْعقل أَي غطاه سَوَاء كَانَ رطباً أَو يَابسا أومأكولا أَو مشروباً وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يقبل الله لشارب الْخمر صَلَاة مَا دَامَ فِي جسده شَيْء مِنْهَا وَفِي رِوَايَة من شرب الْخمر لم يقبل الله مِنْهُ شَيْئا وَمن سكر مِنْهَا لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحاً فَإِن تَابَ ثمَّ عَاد كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من مهل جَهَنَّم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من شرب الْخمر وَلم يسكر أعرض الله عَنهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَمن شرب الْخمر وسكر لم يقبل الله مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كعابد وثن وَكَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عصارة أهل النَّار الْقَيْح وَالدَّم وَقَالَ عبد الله بن أبي أوفى من مَاتَ مدمنا للخمر مَاتَ كعابد اللات والعزى قيل أَرَأَيْت مدمن الْخمر هُوَ الَّذِي لَا يستفيق من شربهَا قَالَ لَا وَلَكِن هُوَ الَّذِي يشْربهَا إِذا وجدهَا وَلَو بعد سِنِين
ذكر أَن من شرب الْخمر لَا يكون مُؤمنا حِين يشْربهَا
عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ لَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَالتَّوْبَة معروضة بعد أخرجه البُخَارِيّ وَفِي الحَدِيث من زنى أَو شرب الْخمر نزع الله
стр. 77
مِنْهُ الْإِيمَان كَمَا يخلع الْإِنْسَان الْقَمِيص من رَأسه وَفِيه من شرب الْخمر ممسياً أصبح مُشْركًا وَمن شربهَا مصبحاً أَمْسَى مُشْركًا وَفِيه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن رَائِحَة الْجنَّة لتوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَلَا يجد رِيحهَا عَاق وَلَا منان وَلَا مدمن خمر وَلَا عَابِد وثن وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا مُؤمن بِسحر وَلَا قَاطع رحم وَمن مَاتَ وَهُوَ يشرب الْخمر سقَاهُ الله من نهر الغوطة وَهُوَ مَاء يجْرِي من فروج المومسات أَي الزانيات يُؤْذِي أهل النَّار ريح فروجهن وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله بَعَثَنِي رَحْمَة وَهدى للْعَالمين بَعَثَنِي لأمحق المعازف والمزامير وَأمر الْجَاهِلِيَّة وَأقسم رَبِّي تَعَالَى بعزته لَا يشرب عبد من عَبِيدِي جرعة من الْخمر إِلَّا سقيته مثلهَا من حميم جَهَنَّم وَلَا يَدعهَا عبد من عَبِيدِي من مخافتي إِلَّا سقيته إِيَّاهَا فِي حظائر الْقُدس مَعَ خير الندماء
ذكر من لعن فِي الْخمر
روى أَبُو دَاوُد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعنت الْخمر بِعَينهَا وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وآكل ثمنهَا وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله لعن الْخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها وآكل ثمنهَا وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وساقيها ومستقيها
стр. 78
ذكر النَّهْي عَن عِيَادَة شربة الْخمر إِذا مرضوا وَكَذَلِكَ لَا يسلم عَلَيْهِم
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ (لَا تعودوا شراب الْخمر إِذا مرضوا) قَالَ البُخَارِيّ وَقَالَ ابْن عمر لَا تسلموا على شربة الْخمر وَقَالَ ﷺ لَا تجالسوا شراب الْخمر وَلَا تعودوا مرضاهم وَلَا تشهدوا جنائزهم وَإِن شَارِب الْخمر يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة مسوداً وَجهه مدلعاً لِسَانه على صَدره يسيل لعابه يقذره كل من رَآهُ وعرفه أَنه شَارِب خمر قَالَ بعض الْعلمَاء إِنَّمَا نهى عَن عيادتهم وَالسَّلَام عَلَيْهِم لِأَن شَارِب الْخمر فَاسق مَلْعُون قد لَعنه الله وَرَسُوله كَمَا تقدم فِي قَوْله لعن الله الْخُمُور وشاربها الحَدِيث فَإِن اشْتَرَاهَا وعصرها كَانَ ملعوناً مرَّتَيْنِ وَإِن سَقَاهَا لغيره كَانَ ملعوناً ثَلَاث مَرَّات فَلذَلِك نهى عَن عيادته وَالسَّلَام عَلَيْهِ إِلَّا أَن يَتُوب فَمن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ
ذكر أَن الْخمر لَا يحل التَّدَاوِي بهَا
عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت اشتكت ابْنة لي فنبذت لَهَا فِي كوز فَدخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يغلي فَقَالَ مَا هَذَا يَا أم سَلمَة فَذكرت لَهُ أَنِّي أداوي بِهِ ابْنَتي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل شِفَاء أمتِي فِيمَا حرم عَلَيْهَا
ذكر أَحَادِيث مُتَفَرِّقَة رويت فِي الْخمر
من ذَلِك مَا ذكره أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ بنبيذ فِي جرة لَهُ نشيش فَقَالَ اضربوا بِهَذَا الْحَائِط فَإِن هَذَا شرب من لَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ فِي صَدره آيَة من كتاب الله وصب عَلَيْهَا الْخمر يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كل حرف من تِلْكَ الْآيَة فَيَأْخُذ بناصيته حَتَّى يوقفه بَين
стр. 79
يَدي الله ﵎ فيخاصمه وَمن خاصمه الْقُرْآن خصم فالويل لمن كَانَ الْقُرْآن خَصمه يَوْم الْقِيَامَة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ مَا من قوم اجْتَمعُوا على مُسكر فِي الدُّنْيَا إِلَّا جمعهم الله فِي النَّار فَيقبل بَعضهم على بعض يتلاومون يَقُول أحدهم للْآخر يَا فلَان لَا جَزَاك الله عني خيراً فَأَنت الَّذِي أوردتني هَذَا المورد وَيَقُول لَهُ الآخر مثل ذَلِك وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا سقَاهُ الله من سم الأساودة شربة يتساقط لحم وَجهه فِي الْإِنَاء قبل أَن يشْربهَا فَإِذا شربهَا تساقط لَحْمه وَجلده يتَأَذَّى بِهِ أهل النَّار أَلا وشاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وآكل ثمنهَا شُرَكَاء فِي إثمها لَا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة وَلَا صوماً وَلَا حجاً حَتَّى يتوبوا فَإِن مَاتُوا قبل التَّوْبَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسقيهم بِكُل جرعة شَرِبُوهَا فِي الدُّنْيَا من صديد جَهَنَّم أَلا وكل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَيدخل فِي قَوْله ﷺ كل مُسكر خمر الحشيشة كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى رُوِيَ أَن شربة الْخمر إِذا أَتَوا على الصِّرَاط يتخطفهم الزَّبَانِيَة إِلَى نهر الخبال فيسقون بِكُل كأس شَرِبُوهَا من الْخمر شربة من نهر الخبال فَلَو أَن تِلْكَ الشربة تصب من السَّمَاء لأحرقت السَّمَاوَات من حرهَا نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا
ذكر الْآثَار عَن السلف فِي الْخمر
ذكر ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ إِذا مَاتَ شَارِب الْخمر فادفنوه ثمَّ اصلبوه على خَشَبَة ثمَّ انبشوا عَنهُ قَبره فَإِن لم تروا وَجهه مصروعا عَن الْقبْلَة وَإِلَّا فاتركوه مصلوباً وَعَن الفضيل بن عِيَاض أَنه حضر عِنْد تلميذ لَهُ حَضرته الْوَفَاة فَجعل يلقنه الشَّهَادَة وَلسَانه لَا ينْطق بهَا فكررها عَلَيْهِ فَقَالَ لَا أقولها وَأَنا بَرِيء مِنْهَا فَخرج الفضيل من عِنْده وَهُوَ يبكي ثمَّ رَآهُ بعد مُدَّة فِي مَنَامه وَهُوَ يسحب بِهِ إِلَى النَّار فَقَالَ لَهُ يَا مِسْكين بِمَ نزعت مِنْك الْمعرفَة فَقَالَ يَا أستاذ كَانَ بِي عِلّة فَأتيت بعض الْأَطِبَّاء فَقَالَ لي تشرب فِي كل سنة قدحاً من الْخمر وَإِن لم تفعل تبقى بك علتك فَكنت أشربها فِي كل سنة لأجل التَّدَاوِي فَهَذَا حَال من يشْربهَا للتداوي فَكيف حَال من يشْربهَا لغير ذَلِك نسْأَل الله الْعَفو والعافية من كل بلَاء
стр. 80
وَسُئِلَ بعض التائبين عَن سَبَب تَوْبَته فَقَالَ كنت أنبش الْقُبُور فَرَأَيْت فِيهَا أَمْوَاتًا مصروفين عَن الْقبْلَة فَسَأَلت أَهْليهمْ عَنْهُم فَقَالُوا كَانُوا يشربون الْخمر فِي الدُّنْيَا وماتوا من غير تَوْبَة وَقَالَ بعض الصَّالِحين مَاتَ لي ولد صَغِير فَلَمَّا دَفَنته رَأَيْته بعد مَوته فِي الْمَنَام وَقد شَاب رَأسه فَقلت يَا وَلَدي دفنتك وَأَنت صَغِير فَمَا الَّذِي شيبك فَقَالَ يَا أبتي دفن إِلَى جَانِبي رجل مِمَّن كَانَ يشرب الْخمر فِي الدُّنْيَا فزفرت جَهَنَّم لقدومه زفرَة لم يبْق مِنْهَا طِفْل إِلَّا شَاب رَأسه من شدَّة زفرتها نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا ونسأل الله الْعَفو والعافية مِمَّا يُوجب الْعَذَاب فِي الْآخِرَة فَالْوَاجِب على العَبْد أَن يَتُوب إِلَى الله تَعَالَى قبل أَن يُدْرِكهُ الْمَوْت وَهُوَ على أشر حَالَة فَيلقى فِي النَّار نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا
فصل
والحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرَام كَالْخمرِ يحد شاربها كَمَا يحد شَارِب الْخمر وَهِي أَخبث من الْخمر من جِهَة أَنَّهَا تفْسد الْعقل والمزاج حَتَّى يصير فِي الرجل تخنث ودياثة وَغير ذَلِك من الْفساد وَالْخمر أَخبث من جِهَة أَنَّهَا تُفْضِي إِلَى الْمُخَاصمَة والمقاتلة وَكِلَاهُمَا يصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَقد توقف بعض الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين فِي حَدهَا وَرَأى أَن أكلتها تعزر بِمَا دون الْحَد حَيْثُ ظَنّهَا تغير الْعقل من غير طرب بِمَنْزِلَة البنج وَلم يجد للْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمين فِيهَا كلَاما وَلَيْسَ كَذَلِك بل أكلتها ينشون ويشتهونها كشراب الْخمر وَأكْثر حَتَّى لَا يصبروا عَنْهَا وتصدهم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة إِذا أَكْثرُوا مِنْهَا مَعَ مَا فِيهَا من الدياثة والتخنث وَفَسَاد المزاج وَالْعقل وَغير ذَلِك لَكِن لما كَانَت جامدة مطعومة لَيست شراباً تنَازع الْعلمَاء فِي نجاستها على ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَغَيره فَقيل هِيَ نَجِسَة كَالْخمرِ المشروبة وَهَذَا هُوَ الاعتبار الصَّحِيح وَقيل لَا لجمودها وَقيل يفرق بَين جامدها ومائعها وَبِكُل حَال فَهِيَ دَاخِلَة فِيمَا حرم الله وَرَسُوله من الْخمر الْمُسكر لفظاً وَمعنى قَالَ أَبُو مُوسَى يَا رَسُول الله أَفْتِنَا فِي شرابين كُنَّا نصنعهما بِالْيمن البتع وَهُوَ من الْعَسَل ينْبذ
стр. 81
حَتَّى يشْتَد والمزر وَهُوَ من الذرة وَالشعِير ينْبذ حَتَّى يشْتَد قَالَ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد أعْطى جَوَامِع الْكَلم بخواتمه فَقَالَ ﷺ كل مُسكر حرَام رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ ﷺ مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام وَلم يفرق ﷺ بَين نوع وَنَوع لكَونه مَأْكُولا أَو مشروبا على أَن الْخمر قد يصطنع بهَا يَعْنِي الْخبز وَهَذِه الحشيشة قد تذاب بِالْمَاءِ وتشرب وَالْخمر يشرب ويؤكل والحشيشة تشرب وتؤكل وَإِنَّمَا لم يذكرهَا الْعلمَاء لِأَنَّهَا لم تكن على عهد السلف الْمَاضِي وَإِنَّمَا حدثت فِي مَجِيء التتار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَقد قيل فِي وصفهَا شعراً
فآكلها وزارعها حَلَالا
فَتلك على الشقي مصيبتان
فوَاللَّه مَا فَرح إِبْلِيس بِمثل فرحه بالحشيشة لِأَنَّهُ زينها للأنفس الخسيسة فاستحلوها واسترخصوها
قل لمن يَأْكُل الحشيشة جهلاً
عِشْت فِي أكلهَا بأقبح عيشه ... قيمَة الْمَرْء جَوْهَر فلماذا
يَا أَخا الْجَهْل بِعته بحشيشه
حِكَايَة
عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أَن شَابًّا جَاءَ إِلَيْهِ باكياً حَزينًا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي ارتكبت ذَنبا عَظِيما فَهَل لي من تَوْبَة قَالَ وَمَا ذَنْبك قَالَ ذَنبي عَظِيم قَالَ وَمَا هُوَ فتب إِلَى الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت أنبش الْقُبُور وَكنت أرى فِيهَا أموراً عَجِيبَة قَالَ وَمَا رَأَيْت قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نبشت لَيْلَة قبراً فَرَأَيْت صَاحبه قد حول وَجهه عَن الْقبْلَة فَخفت مِنْهُ وَأَرَدْت الْخُرُوج وَإِذا أَنا بقائل يَقُول فِي الْقَبْر أَلا تسْأَل عَن الْمَيِّت لماذا حول وَجهه عَن الْقبْلَة فَقلت لماذا حول قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ مستخفاً بِالصَّلَاةِ هَذَا جَزَاء مثله ثمَّ نبشت قبراً آخر فَرَأَيْت صَاحبه قد حول خنزيراً وَقد شد بالسلاسل والأغلال فِي عُنُقه فَخفت مِنْهُ وَأَرَدْت الْخُرُوج وَإِذا بقائل يَقُول لي أَلا تسْأَل عَن عمله ولماذا يعذب فَقلت لماذا فَقَالَ كَانَ يشرب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَمَات من غير تَوْبَة وَالثَّالِث يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
стр. 82
نبشت قبراً فَوجدت صَاحبه قد شد بِالْأَرْضِ بأوتار من نَار وَأخرج لِسَانه من قَفاهُ فَخفت وَرجعت وَأَرَدْت الْخُرُوج فنوديت أَلا تسْأَل عَن حَاله لماذا ابْتُلِيَ فَقلت لماذا فَقَالَ كَانَ لَا يتحرز من الْبَوْل وَكَانَ ينْقل الحَدِيث بَين النَّاس فَهَذَا جَزَاء مثله وَالرَّابِع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نبشت قبراً فَوجدت صَاحبه قد اشتعل نَارا فَخفت مِنْهُ وَأَرَدْت الْخُرُوج فَقيل أَلا تسْأَل عَنهُ وَعَن حَاله فَقلت وَمَا حَاله فَقَالَ كَانَ تَارِكًا للصَّلَاة وَالْخَامِس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نبشت قبراً فرأيته قد وسع على الْمَيِّت مد الْبَصَر وَفِيه نور سَاطِع وَالْمَيِّت نَائِم على سَرِير وَقد أشرق نوره وَعَلِيهِ ثِيَاب حَسَنَة فَأَخَذَتْنِي مِنْهُ هَيْبَة وَأَرَدْت الْخُرُوج فَقيل لي هلا تسْأَل عَن حَاله لماذا أكْرم بِهَذَا الْكَرَامَة فَقلت لماذا أكْرم فَقيل لي لِأَنَّهُ كَانَ شَابًّا طَائِعا نَشأ فِي طَاعَة الله وعبادته فَقَالَ عبد الْملك عِنْد ذَلِك إِن فِي هَذَا لعبرة للعاصين وَبشَارَة للطائعين فَالْوَاجِب على المبتلى بِهَذِهِ المعائب الْمُبَادرَة إِلَى التَّوْبَة وَالطَّاعَة جعلنَا الله وَإِيَّاكُم من الطائعين وجنبنا أَفعَال الْفَاسِقين إِنَّه جواد كريم
الْكَبِيرَة الْعشْرُونَ الْقمَار
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ وَالْميسر هُوَ الْقمَار بِأَيّ نوع كَانَ نرد أَو شطرنج أَو فصوص أَو كعاب أَو جوز أَو بيض أَو حَصى أَو غَيره وَهُوَ من أكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ الَّذِي نهى
стр. 83
الله عَنهُ بقوله وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وداخل فِي قَول النَّبِي ﷺ إِن رجَالًا يتخوضون فِي مَال الله بِغَيْر حق فَلهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ لصَاحبه تَعَالَى أقامرك فليتصدق فَإِذا كَانَ مُجَرّد القَوْل يُوجب الْكَفَّارَة أَو الصَّدَقَة فَمَا ظَنك بِالْفِعْلِ
فصل
اخْتلف الْعلمَاء فِي النَّرْد وَالشطْرَنْج إِذا خلياً عَن رهن اتَّفقُوا على تَحْرِيم اللعب بالنرد لما صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من لعب بالنرد شير فَكَأَنَّمَا صبغ يَده فِي لحم الْخِنْزِير وَدَمه أخرجه مُسلم وَقَالَ ﷺ من لعب بالنرد فقد عصى الله وَرَسُوله وَقَالَ ابْن عمر ﵁ اللعب بالنرد قمار كالدهن بودك الْخِنْزِير قَالَ وَأما الشطرنج فَأكْثر الْعلمَاء على تَحْرِيم اللعب بهَا سَوَاء كَانَ برهن أَو بِغَيْرِهِ أما بِالرَّهْنِ فَهُوَ قمار بِلَا خلاف وَأما الْكَلَام إِذا خلا عَن الرَّهْن فَهُوَ أَيْضا قمار حرَام عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَحكي إِبَاحَته فِي رِوَايَة عَن الشَّافِعِي إِذا كَانَ فِي خلْوَة وَلم يشغل عَن وَاجِب وَلَا عَن صَلَاة فِي وَقتهَا وَسُئِلَ النَّوَوِيّ ﵀ عَن اللعب بالشطرنج أحرام أم جَائِز فَأجَاب رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ حرَام عِنْد أَكثر أهل الْعلم وَسُئِلَ أَيْضا ﵀ عَن لعب الشطرنج هَل يجوز أم لَا وَهل يَأْثَم اللاعب بهَا أم لَا أجَاب ﵀ إِن فَوت بِهِ صَلَاة عَن وَقتهَا أَو لعب بهَا على عوض فَهُوَ حرَام وَإِلَّا فمكروه عِنْد الشَّافِعِي وَحرَام عِنْد غَيره وَهَذَا كَلَام النَّوَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَالدَّلِيل على تَحْرِيمه على قَول الْأَكْثَرين فِي قَول الله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَأَن تستقسموا بالأزلام﴾ قَالَ سُفْيَان ووكيع بن الْجراح هِيَ الشطرنج وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الشطرنج ميسر الْأَعَاجِم وَمر ﵁ على قوم يَلْعَبُونَ بهَا فَقَالَ مَا هَذِه
стр. 84
التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون لِأَن يمس أحدكُم جمراً حَتَّى يطفى خير لَهُ من أَن يمسسها ثمَّ قَالَ وَالله لغير هَذَا خلقْتُمْ وَقَالَ أَيْضا ﵁ صَاحب الشطرنج أكذب النَّاس يَقُول أحدهم قتلت وَمَا قتل وَمَات وَمَا مَاتَ وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يلْعَب بالشطرنج إِلَّا خاطئ وَقيل لإسحاق بن رَاهْوَيْةِ أَتَرَى فِي اللعب بالشطرنج بَأْس فَقَالَ الْبَأْس كُله فِيهِ فَقيل لَهُ إِن أهل الثغور يَلْعَبُونَ بهَا لأجل الْحَرْب فَقَالَ هُوَ فجور وَسُئِلَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن اللعب بالشطرنج فَقَالَ أدنى مَا يكون فِيهَا أَن اللاعب بهَا يعرض يَوْم الْقِيَامَة أَو قَالَ يحْشر يَوْم الْقِيَامَة مَعَ أَصْحَاب الْبَاطِل وَسُئِلَ ابْن عمر ﵄ عَن الشطرنج فَقَالَ هِيَ أشر من النَّرْد وَتقدم الْكَلَام عَن تَحْرِيمه وَسُئِلَ الإِمَام مَالك بن أنس ﵀ عَن الشطرنج فَقَالَ الشطرنج من النَّرْد بلغنَا عَن ابْن عَبَّاس أَنه ولي مَالا ليتيم فَوَجَدَهَا فِي تَرِكَة وَالِد الْيَتِيم فأحرقها وَلَو كَانَ اللعب بهَا حَلَالا لما جَازَ لَهُ أَن يحرقها لكَونهَا مَال الْيَتِيم وَلَكِن لما كَانَ اللعب بهَا حَرَامًا أحرقها فَتكون من جنس الْخمر إِذا وجد فِي مَال الْيَتِيم وَجَبت إراقته كَذَلِك الشطرنج وَهَذَا مَذْهَب حبر الْأمة ﵁ وَقيل لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ مَا تَقول فِي اللعب بالشطرنج فَقَالَ إِنَّهَا ملعونة وروى أَبُو بكر الْأَثْرَم فِي جَامعه عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن لله فِي كل يَوْم ثلثمِائة وَسِتِّينَ نظرة إِلَى خلقه لَيْسَ لصَاحب الشاه فِيهَا نصيب يَعْنِي لاعب الشطرنج لِأَنَّهُ يَقُول شاه مَاتَ وروى أَبُو بكر الأجري بإسناده عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا مررتم بهؤلاء الَّذين يَلْعَبُونَ بِهَذِهِ الأزلام النَّرْد وَالشطْرَنْج وَمَا كَانَ من اللَّهْو فَلَا تسلموا عَلَيْهِم فَإِنَّهُم إِذا اجْتَمعُوا وأكبوا عَلَيْهَا جَاءَهُم الشَّيْطَان بجُنُوده فأحدق بهم كلما ذهب وَاحِد مِنْهُم يصرف بَصَره عَنْهَا لكزه الشَّيْطَان بجُنُوده فَلَا يزالون يَلْعَبُونَ حَتَّى
стр. 85
يتفرقوا كالكلاب اجْتمعت على جيفة فَأكلت مِنْهَا حَتَّى مَلَأت بطونها ثمَّ تَفَرَّقت وَلِأَنَّهُم يكذبُون عَلَيْهَا فَيَقُولُونَ شاه مَاتَ وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة صَاحب الشاه يَعْنِي صَاحب الشطرنج أَلا ترَاهُ يَقُول قتلته وَالله مَاتَ وَالله افترى وَكذب على الله وَقَالَ مُجَاهِد مَا من ميت يَمُوت إِلَّا مثل لَهُ جُلَسَاؤُهُ الَّذين كَانَ يجالسهم فاحتضر رجل مِمَّن كَانَ يلْعَب بالشطرنج فَقيل لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ شاهك ثمَّ مَاتَ فغلب على لِسَانه مَا كَانَ يعتاده حَال حَيَاته فِي اللعب فَقَالَ عوض كلمة الْإِخْلَاص شاهك وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي إِنْسَان آخر مِمَّن كَانَ يُجَالس شراب الْخمر إِنَّه حِين حَضَره الْمَوْت فَجَاءَهُ إِنْسَان يلقنه الشَّهَادَة فَقَالَ لَهُ اشرب واسقني ثمَّ مَاتَ فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث مَرْوِيّ يَمُوت كل إِنْسَان على مَا عَاشَ عَلَيْهِ وَيبْعَث على مَا مَاتَ عَلَيْهِ فنسأل الله المنان بفضله أَن يتوفانا مُسلمين لَا مبدلين وَلَا مغيرين وَلَا ضَالِّينَ وَلَا زائغين إِنَّه جواد كريم
стр. 86
الْكَبِيرَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ قذف الْمُحْصنَات
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ بَين الله تَعَالَى فِي الْآيَة أَن من قذف امْرَأَة مُحصنَة حرَّة عفيفة عَن الزِّنَا والفاحشة إِنَّه مَلْعُون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَله عَذَاب عَظِيم وَعَلِيهِ فِي الدُّنْيَا الْحَد ثَمَانُون جلدَة وَتسقط شَهَادَته وَإِن كَانَ عدلاً وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات فَذكر مِنْهَا قذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات وَالْقَذْف أَن يَقُول لامْرَأَة أَجْنَبِيَّة حرَّة عفيفة مسلمة يَا زَانِيَة أَو يَا باغية أَو يَا قحبة أَو يَقُول لزَوجهَا يَا زوج القحبة أَو يَقُول لولدها يَا ولد الزَّانِيَة أَو يَا ابْن القحبة أَو يَقُول لبنتها يَا بنت الزَّانِيَة أَو يَا بنت القحبة فَإِن القحبة عبارَة عَن الزَّانِيَة فَإِذا قَالَ ذَلِك أحد من رجل أَو امْرَأَة لرجل أَو لامْرَأَة كمن قَالَ لرجل يَا زاني أَو قَالَ لصبي حر يَا علق أَو يَا منكوح وَجب عَلَيْهِ الْحَد ثَمَانُون جلدَة إِلَّا أَن يُقيم بَيِّنَة بذلك وَالْبَيِّنَة كَمَا قَالَ الله أَرْبَعَة شُهَدَاء يشْهدُونَ على صدقه فِيمَا قذف بِهِ تِلْكَ الْمَرْأَة أَو ذَاك الرجل فَإِن لم يقم بَيِّنَة جلد إِذا طالبته بذلك الَّتِي قَذفهَا أَو إِذا طَالبه بذلك الَّذِي قذفه وَكَذَلِكَ إِذا قذف مَمْلُوكه أَو جَارِيَته بِأَن قَالَ لمملوكه يَا زاني أَو لجاريته يَا زَانِيَة أَو يَا باغية أَو يَا قحبة لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من قذف مَمْلُوكه بِالزِّنَا أقيم عَلَيْهِ الْحَد يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أَن يكون كَمَا قَالَ وَكثير من
стр. 87
الْجُهَّال واقعون فِي هَذَا الْكَلَام الْفَاحِش الَّذِي عَلَيْهِم فِيهِ الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلِهَذَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ مَا يتَبَيَّن فِيهَا يزل بهَا فِي النَّار أبعد مِمَّا بَين الْمشرق وَالْمغْرب فَقَالَ لَهُ معَاذ بن جبل يَا رَسُول الله وَإِنَّا لمؤاخذون بِمَا نتكلم بِهِ فَقَالَ ثكلتك أمك يَا معَاذ وَهل يكب النَّاس فِي النَّار على وُجُوههم إِلَّا حصائد ألسنتهم وَفِي الحَدِيث من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيراً أَو ليصمت وَقَالَ الله ﵎ فِي كِتَابه الْعَزِيز ﴿مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد﴾ وَقَالَ عقبَة بن عَامر يَا رَسُول الله مَا النجَاة قَالَ أمسك عَلَيْك لسَانك وليسعك بَيْتك وابك على خطيئتك وَإِن أبعد النَّاس إِلَى الله الْقلب القاسي وَقَالَ ﷺ إِن أبْغض النَّاس إِلَى الله الْفَاحِش البذي الَّذِي يتَكَلَّم بالفحش ورديء الْكَلَام وقانا الله وَإِيَّاكُم شَرّ ألسنتنا بمنه وَكَرمه إِنَّه جواد كريم
стр. 88
الْكَبِيرَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ الْغلُول من الْغَنِيمَة
وَهِي من بَيت المَال وَمن الزَّكَاة قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب الخائنين﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم فَذكر الْغلُول فَعَظمهُ وَعظم أمره ثمَّ قَالَ لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته بعير لَهُ رُغَاء يَقُول يَا رَسُول الله أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته فرس لَهُ حَمْحَمَة فَيَقُول يَا رَسُول الله أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته شَاة لَهَا ثُغَاء يَقُول يَا رَسُول الله أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته نفس لَهَا صياح فَيَقُول يَا رَسُول الله أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته رقاع يخْفق فَيَقُول يَا رَسُول الله أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته صَامت فَيَقُول يَا رَسُول الله أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد أبلغتك أخرج هَذَا الحَدِيث مُسلم (قَوْله) على رقبته رقاع تخفق أَي ثِيَاب وقماش (قَوْله) على
стр. 89
رقبته صَامت أَي من ذهب أَو فضَّة فَمن أَخذ شَيْئا من هَذِه الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة من الْغَنِيمَة قبل أَن تقسم بَين الْغَانِمين أَو من بَيت المَال بِغَيْر إِذن الإِمَام أَو من الزَّكَاة الَّتِي تجمع للْفُقَرَاء جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة حامله على رقبته كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن ﴿وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَلقَوْل النَّبِي ﷺ أَدّوا الْخَيط والمخيط وَإِيَّاكُم والغلول بِأَنَّهُ عَار على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة وَلقَوْل النَّبِي ﷺ لما اسْتعْمل ابْن اللتبية على الصَّدَقَة وَقدم وَقَالَ هَذَا لكم وَهَذَا أهدي لي فَصَعدَ النَّبِي ﷺ الْمِنْبَر وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ إِلَى أَن قَالَ وَالله لَا يَأْخُذ أحد مِنْكُم شَيْئا بِغَيْر حَقه إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة يحملهُ فَلَا أعرف رجلاً مِنْكُم لَقِي الله يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَو بقرة لَهَا خوار أَو شَاة تَيْعر ثمَّ رفع يَده ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَل بلغت وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى خَيْبَر (فَفتح علينا) فَلم نغنم ذَهَبا وَلَا وَرقا غنمناً الْمَتَاع (الطَّعَام) وَالثيَاب ثمَّ انطلقنا إِلَى الْوَادي (يَعْنِي وَادي الْقرى) وَمَعَ رَسُول الله ﷺ عبد وهبه لَهُ رجل من بني جذام (يدعى رِفَاعَة بن يزِيد من بني الضبيب) فَلَمَّا نزل (الْوَادي) قَامَ عبد رَسُول الله ﷺ يحل رَحْله فَرمي بِسَهْم فَكَانَ فِيهِ حتفه فَقُلْنَا هَنِيئًا لَهُ بِالشَّهَادَةِ يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله كلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الشملة لتلتهب عَلَيْهِ نَارا أَخذهَا من الْغَنَائِم لم تصبها المقاسم قَالَ فَفَزعَ النَّاس فجَاء رجل بِشِرَاك أَو شراكين (فَقَالَ أصبت يَوْم خَيْبَر) فَقَالَ رَسُول الله
стр. 90
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شِرَاك أَو شراكان من نَار مُتَّفق عَلَيْهِ وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ كَانَ على ثقل رَسُول الله ﷺ رجل يُقَال لَهُ كركرة فَمَاتَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ هُوَ فِي النَّار فَذَهَبُوا ينظرُونَ إِلَيْهِ فوجدوا عباءة قد غلها وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَن رجلاً غل فِي غَزْوَة خَيْبَر فَامْتنعَ النَّبِي ﷺ من الصَّلَاة عَلَيْهِ وَقَالَ إِن صَاحبكُم غل فِي سَبِيل الله قَالَ ففتشنا مَتَاعه فَوَجَدنَا فِيهِ خرزاً من خرز الْيَهُود مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ مَا نعلم أَن النَّبِي ﷺ امْتنع من الصَّلَاة على أحد إِلَّا على الغال وَقَاتل نَفسه وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ هَدَايَا الْعمَّال غلُول وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة وَيَأْتِي بَعْضهَا فِي بَاب الظُّلم وَالظُّلم على ثَلَاثَة أَقسَام (أَحدهَا) أكل المَال بِالْبَاطِلِ (وَثَانِيها) ظلم الْعباد بِالْقَتْلِ وَالضَّرْب وَالْكَسْر والجراح (وَثَالِثهَا) ظلم الْعباد بالشتم واللعن والسب وَالْقَذْف وَقد خطب النَّبِي ﷺ بمنى فَقَالَ أَلا إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول فنسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم
стр. 91
الْكَبِيرَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ السّرقَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالاً من الله وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ قَالَ ابْن شهَاب نكل الله بِالْقطعِ فِي سَرقَة أَمْوَال النَّاس وَالله عَزِيز فِي انتقامه من السَّارِق حَكِيم فِيمَا أوجبه من قطع يَده وَقَالَ ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَكِن التَّوْبَة معروضة وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قطع فِي مجن قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يقطع يَد السَّارِق فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا وَفِي رِوَايَة قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تقطع يَد السَّارِق فِيمَا دون ثمن الْمِجَن قيل لعَائِشَة ﵂ وَمَا ثمن الْمِجَن قَالَت ربع دِينَار وَفِي رِوَايَة قَالَ اقْطَعُوا فِي ربع دِينَار وَلَا تقطعوا فِيمَا دون ذَلِك كَانَ ربع الدِّينَار يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة دَرَاهِم وَالدِّينَار اثْنَي عشر درهماً وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الله السَّارِق الَّذِي يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده وَيسْرق الْحَبل فتقطع يَده قَالَ الْأَعْمَش كَانُوا يرَوْنَ أَنه بيض الْحَدِيد وَالْحَبل كَانُوا يرَوْنَ أَن مِنْهَا مَا يُسَاوِي ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم
стр. 92
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَت مخزومية تستعير الْمَتَاع وتجحده فَأمر النَّبِي ﷺ بِقطع يَدهَا فَأتى أَهلهَا أُسَامَة بن زيد فكلموه فِيهَا فَكلم النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ يَا أُسَامَة لَا أَرَاك تشفع فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى ثمَّ قَامَ النَّبِي ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف قطعوه وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا فَقطع يَد المخزومية وَعَن عبد الرَّحْمَن بن جرير قَالَ سَأَلنَا فضَالة بن عبيد عَن تَعْلِيق يَد السَّارِق فِي عُنُقه أَمن السنة قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ بسارق فَقطع يَده ثمَّ أَمر بهَا فعلقت فِي عُنُقه قَالَ الْعلمَاء وَلَا تَنْفَع السَّارِق تَوْبَته إِلَّا أَن يرد مَا سَرقه فَإِن كَانَ مُفلسًا تحلل من صَاحب المَال وَالله أعلم
الْكَبِيرَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ قطع الطَّرِيق
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾
стр. 93
قَالَ الواحدي ﵀ معنى يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله يعصونهما وَلَا يطيعونهما كل من عصاك فَهُوَ محَارب لَك ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَي بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَة وَأخذ الْأَمْوَال وكل من أَخذ السِّلَاح على الْمُؤمنِينَ فَهُوَ محَارب لله وَرَسُوله وَهَذَا قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ (قَوْله تَعَالَى) أَن يقتلُوا إِلَى قَوْله أَو ينفوا من الأَرْض قَالَ الْوَالِبِي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ (أَو) أدخلت للتَّخْيِير وَمَعْنَاهَا الْإِبَاحَة إِن شَاءَ الإِمَام قتل وَإِن شَاءَ صلب وَإِن شَاءَ نفي وَهَذَا قَول الْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَقَالَ فِي رِوَايَة عَطِيَّة أَو لَيست للْإِبَاحَة إِنَّمَا هِيَ مرتبَة للْحكم باخْتلَاف الْجِنَايَات فَمن قتل وَأخذ المَال قتل وصلب وَمن أَخذ المَال وَلم يقتل قطع وَمن سفك الدِّمَاء وكف عَن الْأَمْوَال قتل وَمن أَخَاف السَّبِيل وَلم يقتل نفي من الأَرْض وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ وَقَالَ الشَّافِعِي أَيْضا يحد كل وَاحِد بِقدر فعله فَمن وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل والصلب قتل قبل صلبه كَرَاهِيَة تعذيبه ويصلب ثَلَاثًا ثمَّ ينزل وَمن وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل دون الصلب قتل وَدفع إِلَى أَهله يدفنونه وَمن وَجب عَلَيْهِ الْقطع دون الْقَتْل قطعت يَده الْيُمْنَى ثمَّ حسمت فَإِن عَاد وسرق ثَانِيًا قطعت رجله الْيُسْرَى فَإِن عَاد وسرق قطعت يَده الْيُسْرَى لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي السَّارِق إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا
стр. 94
رجله وَلِأَنَّهُ فعل أبي بكر وَعمر ﵄ وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة وَوجه كَونهَا الْيُسْرَى اتِّفَاق من صَار إِلَى قطع الرجل بعد الْيَد على أَنَّهَا الْيُسْرَى وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى من خلاف وَقَوله تَعَالَى أَو ينفوا من الأَرْض قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ أَن يهدر الإِمَام دَمه فَيَقُول من لقِيه فليقتله هَذَا فِيمَن يقدر عَلَيْهِ فَأَما من قبض عَلَيْهِ فنفيه من الأَرْض الْحَبْس والسجن لِأَنَّهُ إِذا حبس وَمنع من التقلب فِي الْبِلَاد فقد نفي مِنْهَا أنْشد ابْن قُتَيْبَة لبَعض المسجونين شعراً
خرجنَا من الدُّنْيَا وَنحن من أَهلهَا
فلسنا من الْأَحْيَاء فِيهَا وَلَا الْمَوْتَى ... إِذا جَاءَنَا السجان يَوْمًا لحَاجَة
عجبنا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا من الدُّنْيَا
قَالَ فبمجرد قطع الطَّرِيق وإخافة السَّبِيل قد ارْتكب الْكَبِيرَة فَكيف إِذا أَخذ المَال أَو جرح أَو قتل فقد فعل عدَّة كَبَائِر مَعَ مَا غالبهم عَلَيْهِ من ترك الصَّلَاة وإنفاق مَا يأخذونه فِي الْخمر وَالزِّنَا واللواطة وَغير ذَلِك نسْأَل الله الْعَافِيَة من كل بلَاء ومحنة إِنَّه جواد كريم غَفُور رَحِيم
стр. 95
الْكَبِيرَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ الْيَمين الْغمُوس
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ قَالَ الواحدي نزلت فِي رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي ﷺ فِي ضَيْعَة فهم الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَن يحلف فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فنكل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عَن الْيَمين وَأقر للْمُدَّعِي بِحقِّهِ وَعَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من حلف على يَمِين وَهُوَ فِيهَا فَاجر ليقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم لَقِي الله تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان فَقَالَ الْأَشْعَث فِي وَالله نزلت كَانَ بيني وَبَين رجل من الْيَهُود أَرض فجحدني فقدمته إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَلَك بَيِّنَة قلت لَا قَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِف قلت يَا رَسُول الله إِنَّه إِذن يحلف فَيذْهب بِمَالي فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمناً قَلِيلا﴾ أَي عرضاً يَسِيرا من الدُّنْيَا وَهُوَ مَا يحلفُونَ عَلَيْهِ كاذبين أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة أَي لَا نصيب لَهُم فِي الْآخِرَة وَلَا يكلمهم الله أَي بِكَلَام يسرهم وَلَا ينظر إِلَيْهِم نظراً يسرهم يَعْنِي نظر الرَّحْمَة وَلَا يزكيهم وَلَا يزيدهم خيراً وَلَا يثني عَلَيْهِم وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من حلف على مَال امْرِئ مُسلم بِغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان قَالَ عبد الله ثمَّ قَرَأَ علينا رَسُول الله ﷺ تَصْدِيقه من كتاب الله ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ إِلَى آخر الْآيَة أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ
стр. 96
كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من اقتطع حق امْرِئ مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة فَقَالَ رجل وَإِن كَانَ يَسِيرا يَا رَسُول الله قَالَ وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ حَفْص بن ميسرَة مَا أَشد هَذَا الحَدِيث فَقَالَ أَلَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ الْآيَة وَعَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم فَقَرَأَ بهَا رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ أَبُو ذَر خابوا وخسروا يَا رَسُول الله من هم قَالَ المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب وَقَالَ ﷺ الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَالْيَمِين الْغمُوس أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه والعموس هِيَ الَّتِي يتَعَمَّد الْكَذِب فِيهَا سميت غموساً لِأَنَّهَا تغمس الْحَالِف فِي الْإِثْم وَقيل تغمسه فِي النَّار
فصل
وَمن ذَلِك الْحلف بِغَيْر الله كالنبي والكعبة وَالْمَلَائِكَة وَالسَّمَاء وَالْمَاء والحياة وَالْأَمَانَة وَهِي من أَشد مَا هُنَا وَالروح وَالرَّأْس وحياة السُّلْطَان ونعمة السُّلْطَان وتربة فلَان عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ فَمن حلف فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح فَمن كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه أَو لِيَسْكُت
стр. 97
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تحلفُوا بالطواغي وَلَا بِآبَائِكُمْ رَوَاهُ مُسلم الطواغي جمع طاغية وَهِي الْأَصْنَام وَمِنْه الحَدِيث هَذِه طاغية دوس أَي صَنَمهمْ ومعبودهم وَعَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من حلف بالأمانة فَلَيْسَ منا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من حلف فَقَالَ إِنِّي بَرِيء من الْإِسْلَام فَإِن كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِن كَانَ صَادِقا فَلَنْ يرجع إِلَى الْإِسْلَام سالماً وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه سمع رجلاً يَقُول والكعبة فَقَالَ لَا تحلف بِغَيْر الله فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من حلف بِغَيْر الله فقد كفر وأشرك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شرطهم قَالَ وَفسّر بعض الْعلمَاء قَوْله كفر أَو أشرك على التَّغْلِيظ كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الرِّيَاء شرك وَقَالَ ﷺ من حلف فَقَالَ فِي حلفه وَاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إِلَّا الله وَقد كَانَ فِي الصَّحَابَة من هُوَ حَدِيث عهد بِالْحلف بهَا قبل إِسْلَامه فَرُبمَا سبق لِسَانه إِلَى الْحلف بهَا فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يُبَادر بقول لَا إِلَه إِلَّا الله ليكفر بذلك مَا سبق إِلَى لِسَانه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 98
الْكَبِيرَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ الظُّلم
بِأَكْل أَمْوَال النَّاس وَأَخذهَا ظلما وظلم النَّاس بِالضَّرْبِ والشتم والتعدي والاستطالة على الضُّعَفَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الله غافلاً عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يؤخرهم ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار مهطعين مقنعي رؤوسهم لَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم وأفئدتهم هَوَاء وأنذر النَّاس يَوْم يَأْتِيهم الْعَذَاب فَيَقُول الَّذين ظلمُوا رَبنَا أخرنا إِلَى أجل قريب نجب دعوتك وَنَتبع الرُّسُل أولم تَكُونُوا أقسمتم من قبل مَا لكم من زَوَال وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم وَتبين لكم كَيفَ فعلنَا بهم وضربنا لكم الْأَمْثَال﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَقَالَ ﷺ إِن الله ليملي للظالم حَتَّى إِذا أَخذه لم يفلته ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذْ أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد وَقَالَ ﷺ من كَانَت عِنْده مظْلمَة لِأَخِيهِ من عرض أَو شَيْء فليتحلله
стр. 99
الْيَوْم من قبل أَن لَا يكون دِينَار وَلَا دِرْهَم إِن كَانَ لَهُ عمل صَالح أَخذ مِنْهُ بِقدر مظلمته فَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات صَاحبه فَحمل عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ عَن ربه ﵎ أَنه قَالَ يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرماً فَلَا تظالموا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَدْرُونَ من الْمُفلس قَالُوا يَا رَسُول الله الْمُفلس فِينَا من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع فَقَالَ إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَحج فَيَأْتِي وَقد شتم هَذَا وَأخذ مَال هَذَا ونبش عَن عرض هَذَا وَضرب هَذَا وَسَفك دم هَذَا فَيُؤْخَذ لهَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من خطاياهم فَطرح عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا فِي الصِّحَاح وَتقدم حَدِيث إِن رجَالًا يتخوضون فِي مَال الله بِغَيْر حق فَلهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَتقدم قَوْله لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب وَفِي الصَّحِيح من ظلم قيد شبر من الأَرْض طوقه من سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة وَفِي بعض الْكتب يَقُول الله تَعَالَى اشْتَدَّ غَضَبي على من ظلم من لم يجد لَهُ ناصراً غَيْرِي وَأنْشد بَعضهم
لَا تظلمن إِذا مَا كنت مقتدراً
فالظلم يرجع عقباه إِلَى النَّدَم ... تنام عَيْنَاك والمظلوم منتبه
يَدْعُو عَلَيْك وَعين الله لم تنم
وَكَانَ بعض السلف يَقُول لَا تظلم الضُّعَفَاء فَتكون من أشرار الأقوياء وَقَالَ
стр. 100
أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن الحبارى لتَمُوت فِي وَكرها هزالاً من ظلم الظَّالِم وَقيل مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة يُنَادي مُنَاد من وَرَاء الجسر يَعْنِي الصِّرَاط يَا معشر الْجَبَابِرَة الطغاة وَيَا معشر المترفين الأشقياء إِن الله يحلف بعزته وجلاله أَن لَا يُجَاوز هَذَا الجسر الْيَوْم ظَالِم عَن جَابر قَالَ لما رجعت مهاجرة الْحَبَشَة عَام الْفَتْح إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا تخبروني بِأَعْجَب مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْض الْحَبَشَة فَقَالَ فتية كَانُوا مِنْهُم بلَى يَا رَسُول الله بَيْنَمَا نَحن يَوْمًا جُلُوس إِذْ مرت بِنَا عَجُوز من عجائزهم تحمل على رَأسهَا قلَّة من مَاء فمرت بفتى مِنْهُم فَجعل إِحْدَى يَدَيْهِ بَين كتفيها ثمَّ دَفعهَا فخرت الْمَرْأَة على ركبتيها وانكسرت قلتهَا فَلَمَّا قَامَت التفتت إِلَيْهِ ثمَّ قَالَت سَوف تعلم يَا غادر إِذا وضع الله الْكُرْسِيّ وَجمع الله الْأَوَّلين والآخرين وتكلمت الْأَيْدِي والأرجل بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ سَوف تعلم من أَمْرِي وأمرك عِنْده غَدا قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ صدقت كَيفَ يقدس الله قوماً لَا يُؤْخَذ من شديدهم لضعيفهم
إِذا مَا الظلوم استوطأ الظُّلم مركباً
ولج عتواً فِي قَبِيح اكتسابه ... فكله إِلَى صرف الزَّمَان وعدله
سيبدو لَهُ مَا لم يكن فِي حسابه
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خَمْسَة غضب الله عَلَيْهِم إِن شَاءَ أمضى غَضَبه عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا أَمر بهم فِي الْآخِرَة إِلَى النَّار أَمِير قوم يَأْخُذ حَقه من رَعيته وَلَا ينصفهم من نَفسه وَلَا يدْفع الظُّلم عَنْهُم وزعيم قوم يطيعونه وَلَا يُسَاوِي بَين الْقوي والضعيف وَيتَكَلَّم بالهوى وَرجل لَا يَأْمر أَهله وَولده بِطَاعَة الله وَلَا يعلمهُمْ أَمر دينهم وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ الْعَمَل وَلم يوفه أجرته وَرجل ظلم امْرَأَة صَدَاقهَا وَعَن عبد الله بن سَلام قَالَ إِن الله تَعَالَى لما خلق الْخلق واستووا على أَقْدَامهم
стр. 101
رفعوا رؤوسهم إِلَى السَّمَاء وَقَالُوا يَا رب مَعَ من أَنْت قَالَ مَعَ الْمَظْلُوم حَتَّى يُؤدى إِلَيْهِ حَقه وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ بنى جَبَّار من الْجَبَابِرَة قصراً وشيده فَجَاءَت عَجُوز فقيرة فبنت إِلَى جَانِبه كوخاً تأوي إِلَيْهِ فَركب الْجَبَّار يَوْمًا وَطَاف حول الْقصر فَرَأى الكوخ فَقَالَ لمن هَذَا فَقيل لامْرَأَة فقيرة تأوي إِلَيْهِ فَأمر بِهِ فهدم فَجَاءَت الْعَجُوز فرأته مهدوماً فَقَالَت من هَدمه فَقيل الْملك رَآهُ فهدمه فَرفعت الْعَجُوز رَأسهَا إِلَى السَّمَاء وَقَالَت يَا رب إِذا لم أكن أَنا حَاضِرَة فَأَيْنَ كنت أَنْت قَالَ فَأمر الله جِبْرِيل أَن يقلب الْقصر على من فِيهِ فقلبه وَقيل لما حبس خَالِد بن برمك وَولده قَالَ يَا أبتي بعد الْعِزّ صرنا فِي الْقَيْد وَالْحَبْس فَقَالَ يَا بني دَعْوَة الْمَظْلُوم سرت بلَيْل غفلنا عَنْهَا وَلم يغْفل الله عَنْهَا وَكَانَ يزِيد بن حَكِيم يَقُول مَا هبت أحداً قط هيبتي رجلاً ظلمته وَأَنا اعْلَم أَنه لَا نَاصِر لَهُ إِلَّا الله يَقُول لي حسبي الله الله بيني وَبَيْنك وَحبس الرشيد أَبَا الْعَتَاهِيَة الشَّاعِر فَكتب إِلَيْهِ من السجْن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ شعراً
أما وَالله إِن الظُّلم شوم
وَمَا زَالَ الْمُسِيء هُوَ الْمَظْلُوم ... ستعلم يَا ظلوم إِذا الْتَقَيْنَا
غَدا عِنْد المليك من الملوم
وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ يَجِيء الظَّالِم يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى إِذا كَانَ على جسر جَهَنَّم لقِيه الْمَظْلُوم وعرفه مَا ظلمه بِهِ فَمَا يبرح الَّذين ظلمُوا بالذين ظلمُوا حَتَّى ينزعوا مَا بأيدهم من الْحَسَنَات فَإِن لم يَجدوا لَهُم حَسَنَات حملُوا عَلَيْهِم من سيئاتهم مثل مَا ظلموهم حَتَّى يردوا إِلَى الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَعَن عبد الله بن أنيس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر الْعباد
стр. 102
يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غزلا بهما فيناديهم مُنَاد بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب أَنا الْملك الديَّان لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة أَو أحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار وَعِنْده مظْلمَة أَن أقصه حَتَّى اللَّطْمَة فَمَا فَوْقهَا وَلَا يظلم رَبك أحداً قُلْنَا يَا رَسُول الله كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي حُفَاة عُرَاة فَقَالَ بِالْحَسَنَاتِ والسيئات جَزَاء وَلَا يظلم رَبك أحداً وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من ضرب سَوْطًا ظلما اقْتصّ مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة وَمِمَّا ذكر أَن كسْرَى اتخذ مؤدباً لوَلَده يُعلمهُ ويؤدبه حَتَّى إِذا بلغ الْوَلَد الْغَايَة فِي الْفضل وَالْأَدب استحضره الْمُؤَدب يَوْمًا وضربه ضرباً شَدِيدا من غير جرم وَلَا سَبَب فحقد الْوَلَد على الْمعلم إِلَى أَن كبر وَمَات أَبوهُ فَتَوَلّى الْملك بعده فَاسْتَحْضر الْمعلم وَقَالَ لَهُ مَا حملك على أَن ضربتني فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا ضرباً وجيعاً من غير جرم وَلَا سَبَب فَقَالَ الْمعلم اعْلَم أَيهَا الْملك أَنَّك لما بلغت الْغَايَة فِي الْفضل وَالْأَدب علمت أَنَّك تنَال الْملك بعد أَبِيك فَأَرَدْت أَن أذيقك ألم الضَّرْب وألم الظُّلم حَتَّى لَا تظلم أحداً فَقَالَ جَزَاك الله خيراً ثمَّ أَمر لَهُ بجائزة وَصَرفه وَمن الظُّلم أَخذ مَال الْيَتِيم وَتقدم حَدِيث معَاذ بن جبل حِين قَالَ لَهُ رَسُول الله وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب وَفِي رِوَايَة أَن دُعَاء الْمَظْلُوم يرفع فَوق الْغَمَام وَيَقُول الرب ﵎ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأنصرنك وَلَو بعد حِين وأنشدوا شعراً
توق دَعَا الْمَظْلُوم إِن دعاءه
ليرْفَع فَوق السحب ثمَّ يُجَاب ... توق دَعَا من لَيْسَ بَين دُعَائِهِ
وَبَين إِلَه الْعَالمين حجاب ... وَلَا تحسبن الله مطرحاً لَهُ
وَلَا أَنه يخفى عَلَيْهِ خطاب
стр. 103
فقد صَحَّ أَن الله قَالَ وَعِزَّتِي
لأنصر الْمَظْلُوم وَهُوَ مثاب ... فَمن لم يصدق ذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ
جهول وَإِلَّا عقله فمصاب
فصل
وَمن أعظم الظُّلم المماطلة بِحَق عَلَيْهِ مَعَ قدرته على الْوَفَاء لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مطل الْغَنِيّ ظلم وَفِي رِوَايَة لي الْوَاجِد ظلم يحل عرضه وعقوبته أَي يحل شكايته وحبسه
فصل
وَمن الظُّلم أَن يظلم الْمَرْأَة حَقّهَا من صَدَاقهَا ونفقتها وكسوتها وَهُوَ دَاخل فِي قَوْله ﷺ لي الْوَاجِد ظلم يحل عرضه وعقوبته وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ يُؤْخَذ بيد العَبْد أَو الْأمة يَوْم الْقِيَامَة فينادى بِهِ على رُؤُوس الْخَلَائق هَذَا فلَان ابْن فلَان من كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حق فليأت إِلَى حَقه قَالَ فتفرح الْمَرْأَة أَن يكون لَهَا حق على أَبِيهَا أَو أَخِيهَا أَو زَوجهَا ثمَّ قَرَأَ فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون قَالَ فَيغْفر الله من حَقه مَا شَاءَ وَلَا يغْفر من حُقُوق النَّاس شَيْئا فينصب العَبْد للنَّاس ثمَّ يَقُول الله تَعَالَى لأَصْحَاب الْحُقُوق ائْتُوا إِلَى حقوقكم قَالَ فَيَقُول الله تَعَالَى للْمَلَائكَة خُذُوا من أَعماله الصَّالِحَة فأعطوا كل ذِي حق حَقه بِقدر طلبته فَإِن كَانَ وليا لله وَفضل لَهُ مِثْقَال ذرة ضاعفها الله تَعَالَى لَهُ حَتَّى يدْخلهُ الْجنَّة بهَا وَإِن كَانَ عبداً شقياً وَلم يفضل لَهُ شَيْء فَتَقول الْمَلَائِكَة رَبنَا فنيت حَسَنَاته وَبَقِي طالبوه فَيَقُول الله خُذُوا من سيئاتهم فأضيفوها إِلَى سيئاته ثمَّ صك لَهُ صكاً إِلَى النَّار وَيُؤَيّد ذَلِك مَا تقدم من قَول النَّبِي ﷺ أَتَدْرُونَ من الْمُفلس فَذكر أَن الْمُفلس من أمته من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَيَأْتِي وَقد شتم هَذَا وَضرب هَذَا وَأخذ مَال هَذَا فَيُؤْخَذ لهَذَا من حَسَنَاته وَلِهَذَا من حَسَنَاته فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من خطاياهم فطرحت عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار
стр. 104
فصل
وَمن الظُّلم أَن يسْتَأْجر أَجِيرا أَو إنْسَانا فِي عمل وَلَا يُعْطِيهِ أجرته لما ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى ثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة وَمن كنت خَصمه خصمته رجل أعْطى بِي غدر وَرجل بَاعَ حراً فَأكل ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ الْعَمَل وَلم يُعْطه أجرته وَكَذَلِكَ إِذا ظلم يَهُودِيّا أونصرانيا أَو نَقصه أَو كلفه فَوق طاقته أَو أَخذ مِنْهُ شَيْئا بِغَيْر طيب نَفسه فَهُوَ دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى أَنا حجيجه أَو قَالَ أَنا خَصمه يَوْم الْقِيَامَة وَمن ذَلِك أَن يحلف على دين فِي ذمَّته كَاذِبًا فَاجِرًا لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من اقتطع حق امْرِئ مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة قيل يَا رَسُول الله وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا قَالَ وَإِن قَضِيبًا من أَرَاك
فخف الْقصاص غَدا إِذا وفيت مَا
كسبت يداك الْيَوْم بالقسطاس ... فِي موقف مَا فِيهِ إِلَّا شاخص
أَو مهطع أَو مقنع للراس ... أعضاؤهم فِيهِ الشُّهُود وسجنهم
نَار وحاكمهم شَدِيد الْبَأْس ... أَن تمطل الْيَوْم الْحُقُوق مَعَ الْغنى
فغداً تؤديها مَعَ الإفلاس
وَقد رُوِيَ أَنه لَا أكره للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة من أَن يرى من يعرفهُ خشيَة أَن يُطَالِبهُ بمظلمة ظلمه بهَا فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء وَقَالَ ﷺ من كَانَت عِنْده مظْلمَة لِأَخِيهِ من عرضه أَو من شَيْء فليتحلل مِنْهُ الْيَوْم من قبل أَن لَا يكون دِينَار وَلَا دِرْهَم إِن كَانَ لَهُ عمل صَالح أَخذ مِنْهُ بِقدر مظلمته وَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات صَاحبه فَحمل عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار وروى عبد الله بن أبي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ إِلَى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
стр. 105
أول من يخْتَصم يَوْم الْقِيَامَة الرجل وَامْرَأَته وَالله مَا يتَكَلَّم لسانها وَلَكِن يداها ورجلاها يَشْهَدَانِ عَلَيْهَا بِمَا كَانَت تعنت لزَوجهَا فِي الدُّنْيَا وَيشْهد على الرجل يَده وَرجله بِمَا كَانَ يولي زَوجته من خير أَو شَرّ ثمَّ يدعى بِالرجلِ وخدمه مثل ذَلِك فَمَا يُؤْخَذ مِنْهُم دوانيق وَلَا قراريط وَلَكِن حَسَنَات هَذَا الظَّالِم تدفع إِلَى هَذَا الْمَظْلُوم وسيئات هَذَا الْمَظْلُوم تحمل على هَذَا الظَّالِم ثمَّ يُؤْتى بالجبارين فِي مَقَامِع من حَدِيد فَيُقَال سوقوهم إِلَى النَّار وَكَانَ شُرَيْح القَاضِي يَقُول سَيعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَتَّى من انتقصوا أَن الظَّالِم ينْتَظر الْعقَاب والمظلوم ينْتَظر النَّصْر وَالثَّوَاب وَرُوِيَ أَنه إِذا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ خيراً سلط الله عَلَيْهِ من يَظْلمه وَدخل طَاوس الْيَمَانِيّ على هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ اتَّقِ الله يَوْم الْأَذَان قَالَ هِشَام وَمَا يَوْم الْأَذَان قَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة الله على الظَّالِمين﴾ فَصعِقَ هِشَام فَقَالَ طَاوس هَذَا ذل ذَا الصفة فَكيف بذل المعاينة يَا رَاضِيا باسم الظَّالِم كم عَلَيْك من الْمَظَالِم السجْن جَهَنَّم وَالْحق الْحَاكِم
فصل
فِي الحذر من الدُّخُول على الظلمَة ومخالطتهم ومعونتهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فتمسكم النَّار﴾ والركون هَهُنَا السّكُون إِلَى الشَّيْء والميل إِلَيْهِ بالمحبة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَا تميلوا كل الْميل فِي الْمحبَّة ولين الْكَلَام والمودة وَقَالَ السدي وَابْن زيد لَا تداهنوا الظلمَة وَقَالَ عِكْرِمَة هُوَ أَن يطيعهم ويودهم وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة لَا ترضوا بأعمالهم فتمسكم النَّار فيصيبكم لفحها وَمَا لكم من دون الله من أَوْلِيَاء وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ مَا لكم من مَانع يمنعكم من عَذَاب الله ثمَّ لَا تنْصرُونَ لَا تمْنَعُونَ من عَذَابه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم﴾ أَي أشباههم وأمثالهم وأتباعهم وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَيكون أُمَرَاء يَغْشَاهُم غواش أَو حواش من النَّاس يظْلمُونَ ويكذبون فَمن دخل عَلَيْهِم
стр. 106
وَصدقهمْ بكذبهم وَأَعَانَهُمْ على ظلمهم فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ وَمن لم يدْخل عَلَيْهِم وَلم يُعِنْهُمْ على ظلمهم فَهُوَ مني وَأَنا مِنْهُ وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ من أعَان ظَالِما سلط عَلَيْهِ وَقَالَ سعيد بن الْمسيب ﵀ لَا تملأوا أعينكُم من أعوان الظلمَة إِلَّا بإنكار من قُلُوبكُمْ لِئَلَّا تحبط أَعمالكُم الصَّالِحَة وَقَالَ مَكْحُول الدِّمَشْقِي يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة أَيْن الظلمَة وأعوانهم فَمَا يبْقى أحد مد لَهُم حبراً أَو حبر لَهُم دَوَاة أَو بري لَهُم قَلما فَمَا فَوق ذَلِك إِلَّا حضر مَعَهم فَيجْمَعُونَ فِي تَابُوت من نَار فيلقون فِي جَهَنَّم وَجَاء رجل خياط إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ إِنِّي رجل أخيط ثِيَاب السُّلْطَان هَل أَنا من أعوان الظلمَة فَقَالَ سُفْيَان بل أَنْت من الظلمَة أنفسهم وَلَكِن أعوان الظلمَة من يَبِيع مِنْك الإبرة والخيوط وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أول من يدْخل النَّار يَوْم الْقِيَامَة السواطون الَّذين يكون مَعَهم الأسواط يضْربُونَ بهَا النَّاس بَين يَدي الظلمَة وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ الجلاوزة وَالشّرط كلاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة الجلاوزة أعوان الظلمَة وَقد رُوِيَ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ مُوسَى ﵇ أَن مر بني إسرائيل أَن لَا يَتْلُوا من ذكري فَإِنِّي أذكر من ذَكرنِي وَأَن ذكري إيَّاهُم أَن ألعنهم وَفِي رِوَايَة فَإِنِّي أذكر من ذَكرنِي مِنْهُم باللعنة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يقف أحدكُم فِي موقف يضْرب فِيهِ رجل مظلوم فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حضر ذَلِك الْمَكَان إِذا لم يدفعوا عَنهُ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَتَى رجل فِي قَبره فَقيل لَهُ إِنَّا
стр. 107
ضاربوك مائَة ضَرْبَة فَلم يزل يتشفع إِلَيْهِم حَتَّى صَارُوا إِلَى ضَرْبَة وَاحِدَة فضربوه فالتهب الْقَبْر عَلَيْهِ نَارا فَقَالَ لم ضربتموني هَذِه الضَّرْبَة فَقَالُوا إِنَّك صليت صَلَاة بِغَيْر طهُور ومررت بِرَجُل مظلوم فَلم تنصره فَهَذَا حَال من لم ينصر الْمَظْلُوم مَعَ الْقُدْرَة على نَصره فَكيف حَال الظَّالِم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما فَقَالَ يَا رَسُول الله أنصره إِذا كَانَ مَظْلُوما فَكيف أنصره إِذا كَانَ ظَالِما قَالَ تَمنعهُ من الظُّلم فَإِن ذَلِك نَصره وَمِمَّا حُكيَ قَالَ بعض العارفين رَأَيْت فِي الْمَنَام رجلاً مِمَّن يخْدم الظلمَة والمكاسين بعد مَوته بِمدَّة فِي حَالَة قبيحة فَقلت لَهُ مَا حالك قَالَ شَرّ حَال فَقلت إِلَى أَيْن صرت قَالَ إِلَى عَذَاب الله قلت فَمَا حَال الظلمَة عِنْده قَالَ شَرّ حَال أما سَمِعت قَول الله ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَمِمَّا حُكيَ قَالَ بَعضهم رَأَيْت رجلاً مَقْطُوع الْيَد من الْكَتف وَهُوَ يُنَادي من رَآنِي فَلَا يظلمن أحداً فتقدمت إِلَيْهِ فَقلت لَهُ يَا أخي مَا قصتك قَالَ يَا أخي قصَّة عَجِيبَة وَذَلِكَ أَنِّي كنت من أعوان الظلمَة فَرَأَيْت يَوْمًا صياداً وَقد اصطاد سَمَكَة كَبِيرَة فأعجبتني فَجئْت إِلَيْهِ فَقلت أَعْطِنِي هَذِه السَّمَكَة فَقَالَ لَا أعطيكها أَنا آخذ بِثمنِهَا قوتاً لِعِيَالِي فضربته وأخذتها مِنْهُ قهراً ومضيت بهَا قَالَ فَبينا أَنا أَمْشِي بهَا حاملها إِذْ عضت على إبهامي عضة قَوِيَّة فَلَمَّا جِئْت بهَا إِلَى بَيْتِي وألقيتها من يَدي ضربت على إبهامي وآلمتني ألماً شَدِيدا حَتَّى لم أنم من شدَّة الْوَجْه والألم وورمت يَدي فَلَمَّا أَصبَحت أتيت الطَّبِيب وشكوت إِلَيْهِ الْأَلَم فَقَالَ هَذِه بَدْء الآكلة أقطعها وَإِلَّا تقطع يدك فَقطعت إبهامي ثمَّ ضربت على يَدي فَلم أطق النوم وَلَا الْقَرار من شدَّة الْأَلَم فَقيل لي إقطع كفك فقطعته وانتشر الْأَلَم إِلَى الساعد وآلمني ألماً شَدِيدا وَلم أطق الْقَرار وَجعلت أستغيث من شدَّة الْأَلَم فَقيل لي اقطعها إِلَى الْمرْفق فقطعتها
стр. 108
فانتشر الْأَلَم إِلَى الْعَضُد وَضربت على عضدي أَشد من الْأَلَم الأول فَقيل اقْطَعْ يدك من كتفك وَإِلَّا سرى إِلَى جسدك كُله فقطعتها فَقَالَ لي بعض النَّاس مَا سَبَب ألمك فَذكرت قصَّة السَّمَكَة فَقَالَ لي لَو كنت رجعت فِي أول مَا أَصَابَك الْأَلَم إِلَى صَاحب السَّمَكَة واستحللت مِنْهُ وأرضيته لما قطعت من أعضائك عضوا فَاذْهَبْ الْآن إِلَيْهِ واطلب رِضَاهُ قبل أَن يصل الْأَلَم إِلَى بدنك قَالَ فَلم أزل أطلبه فِي الْبَلَد حَتَّى وجدته فَوَقَعت على رجلَيْهِ أقبلها وأبكي وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا عَفَوْت عني فَقَالَ لي وَمن أَنْت قلت أَنا الَّذِي أخذت مِنْك السَّمَكَة غصباً وَذكرت مَا جرى وأريته يَدي فَبكى حِين رَآهَا ثمَّ قَالَ يَا أخي قد أحللتك مِنْهَا لما قد رَأَيْته بك من هَذَا الْبلَاء فَقلت يَا سَيِّدي بِاللَّه هَل كنت قد دَعَوْت عَليّ لما أَخَذتهَا قَالَ نعم قلت اللَّهُمَّ إِن هَذَا تقوى عَليّ بقوته على ضعْفي على مَا رزقتني ظلما فأرني قدرتك فِيهِ فَقلت يَا سَيِّدي قد أَرَاك الله قدرته فِي وَأَنا تائب إِلَى الله عَمَّا كنت عَلَيْهِ من خدمَة الظلمَة وَلَا عدت أَقف لَهُم على بَاب وَلَا أكون من أعوانهم مَا دمت حَيا إِن شَاءَ الله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
موعظة
إخْوَانِي كم أخرج الْمَوْت نفساً من دارها لم يدارها وَكم أنزل أجساداً بجارها لم يجارها وَكم أجْرى الْعُيُون كالعيون بعد قَرَارهَا شعر
يَا معرضاً بوصال عَيْش ناعم
ستصد عَنهُ طَائِعا أَو كَارِهًا ... إِن الْحَوَادِث تزعج الْأَحْرَار عَن
أوطانها وَالطير عَن أوكارها
أَيْن من ملك المغارب والمشارق وَعمر النواحي وغرس الحدائق ونال الْأَمَانِي وَركب الْعَوَاتِق صَاح بِهِ من دَاره غراب بَين ناعق وطرقه فِي لهوه أقطع طَارق وزجرت عَلَيْهِ رعود وصواعق وَحل بِهِ مَا شيب بعض المفارق وقلاه الحبيب الَّذِي لم يُفَارق وهجره الصديق والرفيق الصَّادِق وَنقل من جوَار المخلوقين إِلَى جوَار الْخَالِق نازله وَالله الْمَوْت فَلم يحاشه وأذله بالقهر بعد عز جاشه وأبدله خشن التُّرَاب بعد لين فرَاشه ومزقه الدُّود فِي قَبره كتمزيق
стр. 109
قماشه وَبَقِي فِي ضنك شَدِيد من معاشه وَبعد عَن الصديق فَكَأَنَّهُ لم يماشه مَا نَفعه وَالله الِاحْتِرَاز وَلَا ردَّتْ عَنهُ الرِّكَاز بل ضره من الزَّاد الإعواز وَصَارَ وَالله عِبْرَة للمجتاز وَقطع شاسعاً من السبل الأوفاز وَبَقِي رهيناً لَا يدْرِي أهلك أم فَازَ وَهَذَا لَك بعد أَيَّام وَمَا أَنْت فِيهِ الْآن أَحْلَام ودنياك لَا تصلح وَمَا سَمِعت ستراه غَدا على التَّمام وَيَقَع لي وَلَك وَيحك أما يُؤثر فِيك هَذَا الْكَلَام
الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ المكاس
وَهُوَ دَاخل فِي قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ والمكاس من أكبر أعوان الظلمَة بل هُوَ من الظلمَة أنفسهم فَإِنَّهُ يَأْخُذ مَا لَا يسْتَحق وَيُعْطِيه لمن لَا يسْتَحق وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ المكاس لَا يدْخل الْجنَّة وَقَالَ ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة صَاحب مكس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهُ يتقلد مظالم الْعباد وَمن أَيْن للمكاس يَوْم الْقِيَامَة أَن يُؤَدِّي للنَّاس مَا أَخذ مِنْهُم إِنَّمَا يَأْخُذُونَ من حَسَنَاته إِن كَانَ لَهُ حَسَنَات وَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي ﷺ أَتَدْرُونَ من الْمُفلس قَالُوا يَا رَسُول الله الْمُفلس فِينَا من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع قَالَ إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي بِصَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَحج وَيَأْتِي وَقد شتم هَذَا وَضرب هَذَا وَأخذ مَال هَذَا فَيُؤْخَذ لهَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من سيئاتهم فطرحت عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار
стр. 110
وَفِي حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي طهرت نَفسهَا بِالرَّجمِ لقد تابت تَوْبَة لَو تابها صَاحب مكس لغفر لَهُ أَو لقبلت مِنْهُ والمكاس من فِيهِ شبه من قَاطع الطَّرِيق وَهُوَ من اللُّصُوص وجابي المكس وكاتبه وَشَاهده وَآخذه من جندي وَشَيخ وَصَاحب رِوَايَة شُرَكَاء فِي الْوزر آكلون للسحت وَالْحرَام وَصَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من السُّحت النَّار أولى بِهِ والسحت كل حرَام قَبِيح الذكر يلْزم مِنْهُ الْعَار وَذكره الواحدي ﵀ فِي تَفْسِير قَول الله تَعَالَى قل لَا يَسْتَوِي الْخَبيث وَالطّيب وَعَن جَابر أَن رجلاً قَالَ يَا رَسُول الله إِن الْخمر كَانَت تجارتي وَإِنِّي جمعت من بيعهَا مَالا فَهَل يَنْفَعنِي ذَلِك المَال إِن عملت فِيهِ بِطَاعَة الله تَعَالَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أنفقته فِي حج أَو جِهَاد أَو صَدَقَة لم يعدل عِنْد الله جنَاح بعوضة إِن الله لَا يقبل إِلَّا الطيب فَأنْزل الله تَعَالَى تَصْدِيقًا لقَوْل رَسُول الله ﷺ ﴿قل لَا يَسْتَوِي الْخَبيث وَالطّيب وَلَو أعْجبك كَثْرَة الْخَبيث﴾ قَالَ عَطاء وَالْحسن الْحَلَال وَالْحرَام فنسأل الله الْعَفو والعافية
موعظة
أَيْن من حصن الْحُصُون المشيدة واحترس وَعمر الحدائق فَبَالغ وغرس وَنصب لنَفسِهِ سَرِير الْعِزّ وَجلسَ وَبلغ الْمُنْتَهى وَرَأى الملتمس وَظن فِي نَفسه الْبَقَاء وَلَكِن خَابَ الظَّن فِي النَّفس أزعجه وَالله هازم اللَّذَّات واختلس ونازله بالقهر فأنزله عَن الْفرس وَوجه بِهِ إِلَى دَار الْبلَاء فانطمس وَتَركه فِي ظلام ظلمَة من الْجَهْل والدنس فالعاقل من أباد أَيَّامه فَإِن العواقب فِي خلس ينظر
следующие страницы →