← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم الدكتور صلاح الصاوي هذا الكتاب أطروحة علمية قدمت لنيل درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، خطها يراع فقيه شاب، آتاه الله تخصصا في العلوم الكونية ونبوغا في العلوم الشرعية، وقد أكرمني الله بالإشراف على هذه الرسالة، فأفدت منه أكثر مما أفاد مني! وكنت أقول لنفسي: نحن أمام مشروع فقيه متميز، وإن امتد به العمر وانقطع لمواصلة الطلب ليملأن أكناف الأرض عليها، ولتعلمن نبأه بعد حين! وموضوع هذا الكتاب أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء، وهو موضوع جدير بأن يكون موضع عناية مثله، وهو من جمع بين الفقه والطب، والتطور المعارف الطبية أثرها المحتوم على تغير كثير من أحكام القضاة وفتاوى المفتين، فإن الحكم على الشي ء فرع عن تصوره، وعلى قدر دقة تصور النازلة تكون دقة الفتوى فيها والحكم عليها، وقد طوف في هذا البحث في آفاق شتى منها ما ظهر فيه أثر هذا التطور بصورة جلية ومنها ما كان دون ذلك، وقد أفاد في ذلك كله وأجاد، فأسأل الله أن يهيء له من أمره رشدا، وأن يحملنا وإياه في أحمد الأمور عنده وأجملها عاقبة، وأن ينفع بقلمه العباد والبلاد، اللهم آمين الأستاذ الدكتور صلاح الصاوي الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ورئيس الجامعة الإسلامية بأمريكا الشمالية (مشكاة)

стр. 2

المقدمة بسم الله والحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا؛ من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ عن ربه فأتم البلاغ، وبين لنا شرائع ديننا في شتى مناحي الحياة، حتى غبطنا على بيانه أهل الكتاب. فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع ملته إلى يوم الدين. أما بعد، فإن التَّداخُل بين علمَي الفقه والطب أمر يتفق عليه العارفون بهما؛ وذلك لأن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان ونفسه، والبدن والنفس مَحَلٌّ للتكاليف الشرعية؛ ولذلك كثر ذكرُ الفقهاء لمسائلَ من علم الطب وإحالتُهم على الأطباء، بل وسؤالُهم إياهم لتحقيق مَناط الأحكام الشرعية. ولما كان علم الطب متغيرًا، لزم أن تتغير الفتاوى والآراء الفقهية المبنية على المعارف الطبية. ولعل تغير الآراء الفقهيه بتغير المعارف الطبية هو أوضح مثال على تغير تلك الآراء الفقهية - وليس الأحكام الشرعية - بتغير الزمان والمكان والحال. من أجل ذلك، يُحتاج إلى الكثير من البحوث الفقهية المتخصصة في هذا الباب. وفي هذا البحث محاولة لمراجعة أهم الفتاوى الفقهية المبنية على المعارف الطبية أو المتأثرة بها. وليس هناك مسألة مما تعرض له الفقهاء قد أطبقَت الأمة على الخطأ فيها، أو تَعارَضَ بشأنها نصُّ الوحي مع قطعيِّ العلم، ولذا فإننا عند مراجعة الآراء الفقهية في ضوء المعارف الطبية الحديثة، لا نَزيد على أن نختار من آراء الفقهاء ما هو الأرجح، حَسَب تلك المعارف الحديثة، وإن كان خلاف الأشهرِ أو قولِ الجمهور.

стр. 3

وكذلك فإن هناك مادة علمية ثرية للعديد من البحوث في المسائل المستجدة التي لم يتعرض لها فقهاؤنا بالتفصيل لكونها من النوازل التي أدى إليها تطور الطب، ولكن هذا البحث لن يتناول من هذه النوازل إلا ما كان منها ذا تأثير على تَغيُّر الفتوى في بعض مسائل الفقه. * * *

стр. 4

أهمية البحث والدراسة في الموضوع في زمننا إن التغير في العلوم الطبية كان بطيئًا حتى بدايات القرن العشرين الميلادي، حيث بدأ تطور العلوم والمعارف الطبية تتسارع خطاه، إلى أن وصلت تلك العلوم إلى مرحلة الازدهار الحالية. وإن فقهاءنا المتقدمين ﵏ لم يكن تحت تصرفهم من العلوم الطبية ما هو عندنا، لذلك فقد اختلفت فتاواهم بشأن العديد من الأحكام الفقهية المتعلقة بالطب ومعارفه، كتحديد أدنى الحمل وأقصاه ونوع الخنثى والمنافذ للجَوْف وغير ذلك من المسائل. وكان من أهم أسباب اختلافهم اضطراب أطباء أزمنتهم بشأن هذه الأمور. أما الآن، فإن الكثير من المعارف والممارسات الطبية صار مبناها على التجربة واليقين، لا الظن والتخمين، ومن ثَمَّ فقد صارت مراجعة هذه الأقوال الفقهية المبثوثةِ في كتب الفقهِ، والتي تتعلقُ بالطب وعلومه، مما تدعو إليه الحاجة. إن مراجعة وتصحيح الآراء الفقهية المنبنية على معارف طبية قديمة منقوصة أمر مهم لنا في تعبدنا لربنا، وتحاكمنا لشريعتنا؛ وكذلك فهو مهم للتأكيد على عصمة الوحي وبيان أن ما كان من خطأ في بعض هذه الآراء لم يكن أبدًا ناتجًا عن خطأ في أحد مصدريه، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . * * *

стр. 5

سبب اختياري للموضوع لما كنت قد درست الفقه والطب، رأيت أنه يحسن أن أجعل رسالتي في مرحلة الدكتوراه للمساعدة في سد ثغرة في هذا الباب العظيم من أبواب الفقه، وقررت أن أتتبع فيها مسائل الفقه التي قد يؤثر تطور العلوم الطبية على الترجيح فيها. ولست أزعُم الاستيعاب لكل تلك المسائل، فإن هذا ما لا تتسع له رسالة واحدة، ولكنني حاولت أن أتناول بعض القضايا الأهم في أبواب الفقه كافة، من عبادات وعادات ومعاملات وقضاء. ولقد رأيت أن أضع لرسالتي هذه عنوان: «أَثَرُ تَطَوُّرِ الْمَعَارِفِ الطِّبِّيَّةِ عَلَى تَغَيُّرِ الْفَتْوَى والْقَضَاءِ» * * *

стр. 6

بعض ما كتب مما له تعلق بالفقه والطب معًا لم يتم بحث المسائل الفقهية التي يؤثر تطور الطب عليها بما فيه الكفاية، ولم تُولَ هذه القضيةُ، بعد، العنايةَ التي تستحقها، وإن كان قد كتب العديد من الكتب التي تناولت المسائل الفقهية ذات التعلق بالطب وعلومه؛ أذكر منها: ١ - «أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة» للدكتور محمد نعيم ياسين. ٢ - «بحوث في الفقه الطبي والصحة النفسية من منظور إسلامي» للدكتور عبد الستار أبي غدة. ٣ - «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» للدكاترة عمر سليمان الأشْقَر ومحمد عثمان شبير وعبد الناصر أبو البصل وعارف علي عارف وعباس أحمد محمد الباز. ٤ - «أخلاقيات الطبيب المسلم» للدكتور سعد بن ناصر الشثرى. ٥ - «الطبيب المسلم وأخلاقيات المهنة» للدكتور هشام الخطيب وزملائه. ٦ - «الطبيب: أدبه وفقهه» للدكتورين السباعي والبار. ٧ - «الأحكام الشرعية للأعمال الطبية» للدكتور أحمد شرف الدين. ٨ - «الموسوعة الطبية الفقهية» للدكتور أحمد محمد كنعان. ٩ - «الوجيز في الطب الإسلامي» للدكتور هشام إبراهيم الخطيب. ١٠ - «أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها» للدكتور محمد بن محمد مختار الشنقيطي. ١١ - «الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء» للدكتور محمد خالد منصور.

стр. 7

١٢ - «المسائل الطبية المستجدة» للدكتور محمد بن عبد الجواد النتشة. ١٣ - «مستجدات طبية معاصرة من منظور فقهي» للدكتورين مصلح بن عبد الحي النجار وإياد أحمد إبراهيم. ١٤ - «بحوث فقهية في مسائل طبية معاصرة» للدكتور علي محمد يوسف المحمدي. ١٥ - «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للدكتورين علي القره داغي وعلي يوسف المحمدي. ١٦ - «المسؤولية الطبية وأخلاقيات الطبيب» و «التداوي بالمحرمات» و «مداواة الرجل للمرأة ومداواة الكافر للمسلم» و «الختان» و «الموقف الفقهي والأخلاقي من قضية زرع الأعضاء» و «حكم التداوي» و «الإيدز ومشاكله الاجتماعية والفقهية» و «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» وكلها للدكتور محمد علي البار. ١٧ - «الأحكام والفتاوى الشرعية لكثير من المسائل الطبية» للدكتور علي بن سليمان الرميخان. ١٨ - «الجناية العمد للطبيب» للدكتور محمد يسري إبراهيم. ١٩ - «مدى مشروعية الانتفاع بأعضاء الآدمي حيا أو ميتا في الفقه الإسلامي» للدكتور عبد المطلب عبد الرزاق حمدان. ٢٠ - «موت الدِّمَاغ بين الطب والإسلام» لندى محمد نعيم الدقر. ٢١ - «أحكام الجنين» لعمر بن محمد غانم.

стр. 8

٢٢ - «أحكام المرأة الحامل» ليحيى عبد الرحمن الخطيب. ٢٣ - «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» للدكتور عبد العزيز القصار. ٢٤ - «أحكام المرأة الحامل وحملها» للدكتور عبد الرشيد قاسم. ٢٥ - «التلقيح الصناعي بين أقوال الأطباء وآراء الفقهاء» للدكتور أحمد لطفي أحمد. ٢٦ - «موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي» للأستاذ شريف الطباخ والدكتور أحمد جلال. ٢٧ - «أثر التقنية الحديثة على الخلاف الفقهي» رسالة دكتوراه للدكتور هشام آل الشيخ. وفيها جملة من المسائل الفقهية المتعلقة بالطب. ٢٨ - «أثر المستجدات الطبية في باب الطهارة» لزايد نواف الدويري. إن هذه البحوث والكتب، سوى الأخيرين، كان جل ما فيها إما متعلقًا بفقه العمل الطبي أو ببعض النوازل في مجال الطب التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي. أما عملي فسيكون في المسائل الفقهية التي تعرض لها المتقدمون بالبحث ولكن أخطأ بعضهم فيها بسبب قصور المعارف الطبية في أزمنتهم، أو تلك المسائل التي لم يخطئ فيها أحد، وإنما وجبت مراجعتها لتغير الواقع بسبب تطور الطب، وذلك كتوسيع دائرة الاستيفاء في القِصاص واستيعاب الطب الشرعي في أنظمة القضاء الإسلامي؛ وهو من باب تحقيق المناط. * * *

стр. 9

منهجي وأسلوبي في البحث • لقد انتهجت في رسالتي مَنهَج الوصف عند عرض المعلومات الطبية، مع التوثيق، وفي بعض المواضع الخلافية في الطب، نَهَجت طريقة التحليل. • وعند عرض الآراء الفقهية، سرت على منهج التحليل بمراحله المختلفة من التفسير والنقد والاستنباط، وذلك ببيان الآراء المختلفة والعرض التفسيري لما يتعلق بها من النصوص ووجوه الاستدلال الأخرى، مع النقد والاستنباط ثم الترجيح. • ولكون الرسالة مقارنة، فقد اعتمدت منهج الاستقراء الجزئي في حصر الآراء المختلفة، ثم سرت على المنهج الحواري الجدلي بعرض ومقابلة الآراء الفقهية المختلفة ثم ترجيح الأقوى دليلا من حيث الخبر ثم النظر. • ولقد أوردت الخلاف بين المذاهب الأربعة المتفق على شرف مكانتها عند أهل السنة، وذكرت قول السادة الظاهرية عند الحاجة، وكذلك أقوالًا من خارج المذاهب لمجتهدين من غير أتباعها؛ ولكن أكثر الاعتماد كان على أقوال السادة الأئمة من المذاهب الأربعة. ورَغم كوني على مذهب الإمام أحمد، فقد حرَصت، كباحثٍ، على التجرد والإنْصَاف، وألا يكون التعصب إلا للوحي ومُبلِّغه ﷺ . وليس شيءٌ إلا أخضعته للنقد والأخذ والرد إلا نصٌ محكمٌ صحيحٌ أو إجماعٌ ثابتٌ صريحٌ أو أوائلُ العقلِ والحسِّ التي لا يختلف عليها ذوو الحِجا. • من حيث مراعاةُ التوثيق، فقد التزمت بالرجوع إلى المصادر الأصلية المعتمدة في نقل الأقوال عند أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها: كـ «المَبسُوط» و «بَدَائع الصَّنَائع» و «تَبْيين الحَقَائق» و «فَتْح القَدِير» و «رَدّ المُحتار» في الفقه الحنفي؛ و «المُدَوَّنَة» و «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» و «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» و «مَوَاهِب الجَلِيل» و «مِنَح الجَلِيل» في الفقه

стр. 10

المالكي؛ و «الأم» و «المَجْمُوع» و «أسْنَى المَطَالِب» و «نهاية المُحْتاج» و «تُحْفَة المُحْتاج» و «مغني المُحْتاج» و «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» وحاشيتان لقَلْيُوبِيّ وعَمِيرَة» في الفقه الشافعي؛ و «مُخْتَصَر الخِرَقِيّ» و «المُقنِع» و «المُغْنِي» و «الفُرُوع» (لابن مُفْلِح) و «الإنْصَاف» و «كشَّاف القِنَاع» و «مُنْتَهَى الإرَادَات» في الفقه الحنبلي؛ و «المُحَلَّى» في الفقه الظاهري، على أنني لم أتقيد بالنقل من كتب الفتوى دون غيرها؛ لأن المطلوب في بحث كهذا تحرير نسبة الآراء إلى أصحابها، وهذا متحصل من كتب الفتوى وغيرها من المصادر المعتمدة. • واعتنيت بعزو الأحاديث والآثار إلى مصادرها الأصلية، بما في ذلك العزو إلى الكتاب والباب تسهيلًا على القارئ. وذلك مع العناية ببيان درجتها إن كانت خارج الصحيحين. وهذا وإن كان مهمًّا في كل دراسة، فأهميته أظهر في دراسة تناقش أثر التطور العلمي على الفتوى والقضاء في الإسلام، حتى لا تُحَمَّل الشريعةُ أخطاءَ غيرِ المعصومين أو الأخبارَ الواهية وتلك التي لا أصل لها. • واعتمدت في نقل المعارف الطبية على المصادر الموثوقة عند الأطباء، وإن كان أكثرها من المراجع الأجنبية؛ لأن الغربيين هم رواد هذا العلم وتلك الصنعة في زماننا، بعد أن تأخر المسلمون ورضُوا باستهلاك العلوم والتقنية دون صناعتها؛ وإلى الله المُشتَكى. • ومن حيث الأسلوب، فقد اجتهدت في مراعاة الإيجاز مع الوضوح والسلامة من الأخطاء وحسن البيان بقدر الإمكان، وذلك من غير أن يطغى الشكل على المضمون. • وأوردت نصوص الوحي مَشكولة حماية لجنابها الشريف من اللَّحْنِ. أما غيرها، فشَكَلت ما يحتاج إلى ضبط في النطق، أو ما كان في شكله تسهيلًا للقراءة، فإن كان هناك وجوهٌ، جعلت العلامة الأصح - وإن لم تكن الأشهر في استعمال المتأخرين - هي الأقرب إلى الحرف، متى تيسر ذلك من غير تكرار الكلمة؛ مثال: تُهَمَة. فتح الهاء هو الأشهر في استعمال الأولين، والسكون وجه صحيح.

стр. 11

• اجتهدت في العمل بالراجح والأقوى من قواعد الإملاء، فحيث كان هناك وجهان اخترت أرجحهما، كما في كتابة الهمزة المضمومة المسبوقة بغير الكسر في مثل (مسؤول)، فالراجح كتابتها على الواو، وإن جاز أن تكتب على النبرة (مسئول) إن كان ما قبلها متصلًا بها. أما عندما يكون الرجحان غير ظاهر، كما في ترك الفراغ بين واو العطف وما بعدها أو علامات الترقيم وما قبلها، فربما عملت بما يترجح لدي من عدم ترك الفراغ بين واو العطف وما بعدها، ولكن، بالنسبة لعلامات الترقيم، قد يلاحظ القارئ، عدم اضطراد العمل بقواعد ثابتة في العلامات غير المتفق عليها. والمرجو أن يحصل توافق بين أصحاب اللسان العربي على حد أدنى من توحيد المعايير، سيما فيما يخص علامات الترقيم. بقي أنني لم أغير في النقول إلا بزيادةِ حركات الضبط وعلامات الترقيم لفائدة القارئ. • إنه وإن كانت سنة العلماء أحب إلينا، فإن العرف المعاصر في الكتابة، والأيسر عند الكتابة على الحاسوب، هو وضع الخط تحت ما يحتاج إلى التنبيه لا فوقه، وعلى هذا العرف سرت في الرسالة. ووضعت الخط في التراجم تحت الكنية أو الاسم أو اللقب الذي عُرِف به صاحب الترجمة. • استعملت ألفاظ العلماء مثل (لنا وقلت) تشبهًا بهم من باب قول الشاعر: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح وكذلك، فإن توحيد الأسلوب بين الأول والآخر من هذه الأمة يحافظ على قدرة أجيالها على التواصل. أما استعمال ضمائر الجمع، فإن العلماء قد استعملوها تواضعًا، لا تعاظمًا؛ فبدل نسبة القول إلى أنفسهم، نسبوه إلى أصحاب مذهبهم، أو القائلين بقولهم.

стр. 12

• عمِلت مَسرَدًا للألفاظ والعبارات المهمة: واخترت ألا يكون آليًّا، وألا يشمل كل مواضع ذكر اللفظ المعني، بل تلك المواضع التي كان ذكر اللفظ فيها أصالةً لا تبعًا؛ وفي هذا المسرد ذكر بعض العبارات ذات الأهمية كذلك. • إن الضابط التعبدي في الدراسة لم يغب عني، فبخلاف البحوث الأخرى في العلوم الإنسانية، فإن هذا البحث في الفقه المقارن. والفقه المقارن أحد فروع العلوم الإنسانية من جهة كون الشريعة إنسانية في مقاصدها، ولكنه يختلف عنها من جهة كونها ربانية في مصدرها. إن الباحث في هذا العلم الشريف ينبغي له مراعاة المنهجية العلمية في البحث من غير إغفال الجانب العقدي التعبدي، والذي يتجلى في أن المقصود الأعظم من هذه العلوم وتلك البحوث هو نيل رضا الله، ثم يأتي مقصود الإسهام في إسعاد البشرية مع بقية المقاصد الأخرى. ومن تجليات ذلك أيضًا، أن النقد لا يرد على نصوص الوحي متى عرفت صحة نسبتها إلى مشكاته، ولكن المنهج التحليلي بمعنى التفسير والاستنباط هو الذي يتعامل به مع النصوص. أما آراء العلماء، فتجري عليها المرحلتان السابقتان مع مرحلة النقد ما لم يكن رأيهم إجماعًا صحيحًا، فلا يرد عليه إذًا النقد أو الطعن. • وفي الجملة، فقد جمعت المسائل ذات التعلق بموضوع الرسالة، ثم عرضت آراء الفقهاء فيها وناقشتها ورجحت أسعدها حظًّا بالدليل، ثم بينت تغير المعارف الطبية بشأنها وأثر ذلك على قَبول أو رد بعض الاجتهادات الفقهية أو الترجيح بينها. * * *

стр. 13

خطة الرسالة لقد كسرتُ الرسالةَ على مقدمةٍ وتمهيدٍ وأربعةِ أبوابٍ وخاتمةٍ لخصت فيها أهم نتائجِ البحثِ. أما المقدمة، ففيها بيان موضوع البحث وسبب اختياري له وطريقة عملي فيه وتقسيمه وكذلك ذكر ما كتب من قبله مما له تعلق بذات الموضوع. وفي التمهيد، بينت التداخل بين علمي الفقه والطب، ثم ناقشت المسألة التي يرتكز عليها البحث، وهي مشروعيةُ بل وجوبُ تغيرِ الفتوى بتغير الواقع الذي يحكم فيه الفقيه أو المُعطَياتِ التي يعتمدُ عليها. * وفي الباب الأول ذكر بعض المسائل الفقهية التي تغيرت الفتوى فيها بتطور الطب في أبواب العبادات. وجعلت هذا الباب مقسمًا إلى ثلاثةِ فصول: ١ - الأولُ في الطهارة: وفيه مسائلُ. ١ - الختان للجنسين. ٢ - الماء المشمس. ٣ - الحيض وصفته وأقله وأكثره وبدايته ونهايته وهل تحيض الحامل، والطهر وأقله وأكثره. ٤ - النفاس وصفته وبدايته وأكثره ومتى يسمى الدم مع السقط نفاسًا والمرأة تلد التؤام بينهما فترة طويلة هل تنفس بعدهما كليهما. ٢ - الثاني في الجنائز: وفيه مسائل: ١ - علامات الموت وموت الدِّمَاغ.

стр. 14

٢ - المنع من انتهاك حرمة الميت وأثرُ ذلك على ما قد يُفعل بالمسلم عند موته أحيانًا من التشريح أو شقِّ البطن لدواعي نقل الجثة أو لمعرفة سبب الوفاة أو غير ذلك. ٣ - الثالث في الصيام. وفيه مسائل مبطلات الصيام. * أما الباب الثاني ففيه ذكر بعض المسائل التي تغيرت الفتوى فيها بتطور الطب في أبواب العادات وقسمته إلى ثلاثة فصول: ١ - الأول في الأطعمة والأشربة. وفيه مسائل: ١ - حكم الجَلالة وإطعامِ الميتةِ والنجاساتِ للحيوانات. ٢ - حكم التدخين. ٢ - الثاني في الاستمناء. ٣ - الثالث في التداوي. وفيه مسائل: ١ - حكم التداوي. ٢ - حكم مداواة المصاب بالحياة النباتية المستمرة. * وفي الباب الثالث ذكر بعض المسائل التي تغيرت الفتوى فيها بتطور الطب في أبواب المعاملات، وقسمته على فصلين: ١ - الأول في النكاح والعدد. وفيه مسائل في الحمل والعدد: ١ - أقل الحمل. ٢ - أكثر الحمل. ٣ - الحمل من ماءين.

стр. 15

٤ - مسائل في عدَّةِ من انقَطَع حيضُها قبل سنِّ الإياس أو تَباعَدَ؛ وعدة المُستحاضة. ٢ - الثاني في الحجر والفرائض. وفيه مسائل: ١ - البلوغ وأماراته. ٢ - الخنثى وأنواعه. * وفي الباب الرابع أتعرض إلى القضاء ودور الطب الشرعي فيه. وفيه فصلان: ١ - الأول في القضاء. وفيه مناقشة أدلة الإثبات في القضاء الإسلامي ودور الطب الشرعي في الإثبات مع الإقرار والشهادة واليمين وغيرها من البينات والقرائن القاطعة؛ وفيه مثال تطبيقي على حجية الدليل المادي، واخترت لذلك مسألة تحديد النسب عن طريق الأحماض الأمينية. ٢ - الثاني في الجراح والقِصاص والحدود. وفيه مسائل: ١ - استيفاء القِصاص عن طريق الأطباء الجراحين، وأثر ذلك على الاستيفاء. ٢ - أثر تطور علم الأجنة على خلاف الفقهاء في وقت نفخ الروح وما يترتب عليه من أحكام الإجهاض. * ثم ختمت بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائج البحث. * وجعلت الفهارس سبعة: ١ - أولها للآيات القرآنية.

стр. 16

٢ - وثانيها لأطراف الأحاديث النبوية. ٣ - وثالثها للأعلام. ٤ - ورابعها للألفاظ والعبارات. ٥ - والخامس للمراجع. ٦ - والسادس للصور والجداول. ٧ - والسابع للموضوعات. والحَمدُ للهِ على مَنِّه وفَضلِه. وصلى اللهُ وسلَّم على سيِّدِنا محمَّدٍ وآلِه وصّحبِه * * *

стр. 17

التمهيد

стр. 18

التداخل بين الفقه والطب للوقوف على حقيقة وحجم التداخل بين الفقه والطب، أبدأ بتعريفهما. تعريف الفقه: الفقه: هو في اللغة: الفهم، ثم خُصَّ به علمُ الشريعة لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب اسم النجم على الثريا (١). وفي معجم «مقاييس اللغة»: «الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به» (٢). وفي الاصطلاح: عرفه الإمام أبو حنيفة (٣) بأنه «معرفة النفس ما لها وما عليها» (٤). وهو بذلك يشمل: العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات. وعرفه المُناوِيّ (٥): بأنه «العلم

стр. 19

بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد» (١). وعرفه الأكثرون بأنه «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية» (٢). وإذا كنا بصدد تعريف هذا العلم المخصوص، فلعل تعريف الجمهور هو الأقوى، ولقد ذكروا العمليَّة للتفريق بين أحكام الفقه والعقيدة؛ غير أن الأدلة فيها التفصيلية وغير ذلك، كالاستدلال بكليات الشريعة ومقاصدها والقواعد الفقهية الكلية والضوابط المختصة بأبواب بعينها، فإن المطالع لكتب الفقه يدرك كثرة تعويل العلماء على كل ذلك. وإن كانت هذه بدورها مستنبَطةً من الأدلة التفصيلية. والمقصود بالعلم الذي يمتاز به الفقيه - كما أشار إليه تعريف المُناوِيّ - هو ما يستفاد عن طريق الاستنباط، الذي يتأتى له لوقوفه على تلك المعاني الخفية التي لا يدركها أكثر الناس (٣). وفي «المنثور»: «وقال ابن سراقة في كتابه في الأصول: حقيقة الفقه عندي الاستنباط، قال الله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]؛ وكذلك قال ابن السَّمْعَانِيِّ في القواطع: هو استنباط حكم المُشكِل من الواضح. قال رسول الله ﷺ : «رُبَّ حامِلِ فِقهٍ غَيرِ فَقيهٍ» أي غير مستنبِط، ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلالٌ واستنباطٌ منها. قال وما أشبه الفقيهَ بغواصٍ في بحر

стр. 20

دُرٍّ كلما غاص في بحر فِطنته استخرج دُرًّا وغيره يستخرج آجُرًّا» (١). وهذا الذي ذكرنا لا ينافي أن العلم بوجوب الصلاة من الفقه في الاصطلاح الخاص على الصحيح. لكن الفقه أوسع من ذلك في التعريف العام ونصوص الوحي وفهم السلف، فهو يشمل المعارف الإسلامية جملة، بل ويشمل الممارسة العملية (٢) بالقلب والجوارح، فهي المقصودة، ولذا جاء في حديث رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٣). ومعلومٌ أنه لا يحوز الخير حتى يعمل بما علِم مخلصًا لله تعالى. أما المقصود من حديثنا عن التداخل بين الفقه والطب فهو الفقه حسَب التعريف الخاص. تعريف الطب: الطِّب، هو كما قال ابن طرخان (٤) في تعريفه: «الطِّب: بكسر الطَّاء، في لغة العرب يقال على معانٍ: منها الإِصلاح، يقال: طبَّبته إذا أَصلحته. ويقال: لفلان طِب بالأمور، أي: لطف وسياسة ... قال الشاعر: وَإِذَا تَغَيَّرَ مِنْ تَمِيمٍ أَمْرُهَا كُنتَ الطَّبِيبَ لَهَا بِرَأْيٍ ثاقِبِ

стр. 21

ومنها (الحِذْق) لاحتياجه إلى حذقٍ قويٍّ ... قال الجَوْهَريّ ﵀ (١): وكلُّ حاذقٍ طَبِيبٌ عند العرب. قال أبو عبيدة (٢): أصل الطب: الحِذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل طبٌّ وطبيب إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض. قال غيره: ورجل طبيب أي: حاذقٌ، وسُمِّيَ طبيبًا لحِذقه وفِطنته. وأما في اصطلاح علماء الطب فهو: علمٌ يعرف منه أحوالُ بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة، لتُحفَظ الصحة حاصلة، وتُستَردَّ زائلةً» (٣). ومن أجمل ما وصف به الطب ما ذكره العز بن عبد السلام (٤) ﵀ حيث قال: «فإن

стр. 22

الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، وجلب ما أمكن جلبه من ذلك. فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع، فإن تساوت الرتب تخيَّر وإن تفاوتت استعمل الترجيح» (١). وقال الدكتور محمد علي البار (٢) في تعريف الطب في الاصطلاح: «الطب هو علاج الجسم والنفس. يقال طَبَّه طِبَّا إذا داواه. وقال ابن سينا (٣) في «أُرجُوزَتِه»: «الطِبُّ حفظ صحة، بُرء مرض». وقال في «القانون»: «الطِبُّ علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة، ليَحفَظَ الصحة حاصلةً، ويسترِدَّها زائلةً». وقال ابن رُشْد (٤) الفقيه الطبيب صاحب «بِدَايَة المُجْتَهِد ونهاية المقتصد» في الفقه

стр. 23

و «الكليات» (١) في الطب: «الطِبُّ علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يعرض له من صحة وفساد». ونسب إلى جالينوس أنه قال: «الطب علم بأحوال بدن الإنسان يُحْفَظ به حاصلُ الصحة ويُستَرَدُّ زائلُها» (٢). قلت: الطب هو التصرف بما فيه عافية الإنسان في بدنه وعقله ونفسه، بتعاطي أسبابها الطبيعية؛ والعلم بذلك هو علم الطب. ولعله يظهر من هذه التعريفات السابقة لزوم التداخل بين علمي الفقه والطب، فإن موضوع (٣) علم الطب هو بدن الإنسان ونفسه، وهذا البدن وتلك النفس مَحَلٌّ للتكاليف الشرعية وأحكامُ الأخيرةِ هي موضوعُ علم الفقه. لذلك، ولكون الفقه والطب معنيين بصلاح وعافية ذلك الكائن البشري - كما أشارت إليه عبارة العز بن عبد السلام -، حصل بينهما من التداخل ما يعرفه المشتغلون بأيهما. وأنا أضرب بعض الأمثلة لذلك التداخل وحاجة كل منهما للآخر:

стр. 24

حاجة الطب إلى الفقه الطب يحتاج إلى الفقه لكونه من جملة حركة الإنسان في الكون التي جاء الإسلام ليحكمها ويهديها إلى سبيل الرشاد. فالعَلاقة بين الطبيب والمريض أو أوليائه وكذلك بين الطبيب وبقية فريقِ العملِ الطبيِّ، وآدابُ المهنة وضوابطها، وما يجوز التداوي به وما يحرم، وما يجوز من الجراحات وما لا يجوز ... إلخ، كلُّ ذلك محكوم بالفقه. فالفقه إذًا حاكم على جميع أطراف المعاملات الطبية، وكذلك العمل الطبي نفسه. وليس ذلك يعني أن صناعة المعرفة الطبية مقيدةٌ بالفقه، أو أنها لا تُستمَدُّ إلا من الوحي. كلا فإن هذا وإن جاز في بعض الأزمنة وفي بعض الأديان اعتقاده، فإنه لم يكن يومًا من دين الإسلام في شيء، ولقد وضح ذلك رسول الله ﷺ أبلغ توضيح وأجلاه حيث قال: «أنتُم أعْلَمُ بأمُورِ دُنْيَاكُم» (١). إن البحث العلمي ونتائجه هما العمدة في المعارف والصناعة الطبية لدى المسلمين. والفقه حاكم على وسائل البحث العلمي لا على نتائجه (٢)، فإن الفقه يمنع قتل الأجنة لاستعمالها في بحوث الخلايا الجذعية، ولكنه لا يعارض نتائج البحث أو فكرته بل يحض عليه حتى يعُده من الواجبات الشرعية؛ قال الإمام النَّوَوِيّ ﵀ (٣): «وأما العلوم

стр. 25

العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب والحساب المُحْتاج إليه» (١). بل إنك تجد إمامًا جليلا كالشافعي ﵀ (٢) يقول: «لم أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب» (٣). وبعد انتهاء البحث العلمي يكون الفقه حاكمًا على تطبيقاته حتى يكون استعماله فيما هو نافع وفيه صلاح الإنسان. وإنه لم يثبت بحمد الله أن شيئًا من قطعيات الوحي يعارض أيًّا من حقائق البحث العلمي. ونحن نجزم أن ذلك لن يكون، فآيات الله لا تتعارض.

стр. 26

حاجة الفقه إلى الطب الفقه محتاج إلى الطب، ومن أمثلة ذلك: • الحكم على حِل الأشياء وحرمتها قد يتوقف على معرفة نفعها أو ضررها، فالإسلامُ مبنيةٌ شريعتُه على جلب المصالح وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها. ومن أمثلة ذلك قولُ الشافعي: عن الماء المُشَمَّس: «ولا أكره الماءَ المشَمَّس إلا مِن جهة الطب» (١). • الحكم في مسائل الحيض والنفاس والحمل وغيرها يحتاج إلى الرجوع لأهل الخبرة والاختصاص، فمن المتقرر أن ما لا ضابط له في الشرع أو اللغة يرجع فيه إلى العرف والوجود (٢). والوجود يضبطه الخبير به، وهذا هو الطبيب متى تعلق الأمر ببدن الإنسان. • ويحتاج الفقيه إلى الاطلاع على المعارف والصناعة الطبية لإمكانية الحكم على شتى الممارسات الطبية، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. • وكذلك يحتاج الفقه والفقيه إلى الطب لمعرفة حال الإنسان من الصحة والمرض، وهل هو مرض موت أم غيره، واختلال العقل، ونوع الخنثى، وبلوغ الطفل، ووجود العيوب التي يفسخ بها النكاح. فمن ذلك قولهم عن انتفاع العلوم الشرعية بالطبية: «أما منفعة الطب فيها [أي العلوم الشرعية] فإنه يُرجَع للطبيب في الأمراض؛ إذا أخبر المريضَ بأن الماء يضره تيمَّم» (٣).

стр. 27

• وفي قضايا الجروح والشجاج يُحتاج إلى الأطباء والجرائحيين في الاستيفاء ومعرفة مدى احتمال السِّراية والحَيف وغير ذلك. • كما يحتاج القضاء إلى الطب الشرعي في إثبات الجرائم وتحديد هُوِيَّة الجناة وكذلك تحديد النسب ... إلخ. والحق أنه من سعادة البشر أن يتقن الفقهاء والأطباء عملهم ويتعاونوا، فيصلح الله بهم جميعًا أديان الناس وأبدانهم. * * *

стр. 28

مسألة تغير الفتوى بين يدي هذه الرسالة كان لابد أن أتعرض إلى الأصل الذي بُنِيت عليه، وهو مسألة جواز بل وجوب تغير الفتوى بتغير الواقع، ومن ذلك واقع المعارف والصناعة الطبية. إن هذه المسألة لهي من أكثر المسائل تعقيدًا، وقد وقع فيها - كما في غيرها - كثير من الإفراط والتفريط، فجماعة جاوزوا بها الحد وطاروا بها كل مَطِير، يريدون أن يَدلِفوا منها إلى تغيير الدين، أو قل تحريفه؛ بينما فريق آخر نظر إليها مرتابًا، لاسيما مع التجاوزات التي ترتكب باسمها، فأنكرها وردها. وأنا في الصفحات القادمة أبدأ ببيان مشروعية بل وجوب أصل المسألة، ثم أتعرض للضوابط التي تمنع من الانحراف بها واتخاذها مَطِيَّة لتحريف الدين، وبعدها أبين المقصود من تغير الفتوى بتغير المعارف والصناعة الطبية على وجه الخصوص. تعريف الفتوى والقضاء: الفَتْوَى: هي الإخبار عن حكم الله، على وجه الإعلام، في الوقائع وغيرها. أما القَضَاء: فهو الإخبار عن حكم الله، على وجه الإلزام، في الحكم بين المتخاصمين (١). فالفتوى ليست ملزمة بعكس القضاء، فكان القضاء أوسع من هذه الجهة لكونه إخبارًا يتبعه إلزام. والفتوى أوسع من أكثر من جهة، فهي متعدية يخاطب بها الخلق الكثير، وتكون في أبواب المعاملات والعبادات بل والعقائد. وبالنسبة إلى موضوع رسالتنا، فالفتوى والقضاء قريبان، ولا أثر للفرق بينهما على العَلاقة بينهما وبين المعارف والصناعة الطبية.

стр. 29

المقصود الفتوى لا الحكم الشرعي إن من علمائنا من قال - كما سيأتي - بثبات الحكم واستحالة تغيره، ومنهم من قال بتغير الأحكام، وفي الصفحات الآتية نبين أن الخلاف بينهم في الألفاظ لا في المفاهيم، وكذلك نؤكد على أن ما نقصِده من التغير هو تغير الفتوى دون الحكم الشرعي كما يُعرِّفه الأصوليون. وذلك لأن الحكم الشرعي -كما يعرفه الأصوليون- هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (١). ويُعرِّفه الفقهاء بأنه أثر خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (٢). وهذا - على تعريف الأصوليين - لا يمكن أن يتصور تغيره بعد انقطاع الوحي، وكذلك فالصواب أنه لا يتغير على تعريف الفقهاء، فلكل خطاب أثر ثابت في الواقعة المعينة، أدركه الفقيه أم لا. أما الفتوى، فإنها إخبار المفتي عما اعتقد أنه حكم الله في المسألة المعينة أو الواقع المعين (٣).

стр. 30

إن عمل المفتي يتضمن تخريج وتنقيح وتحقيق المناط (١)، والأخير هو تنزيل الحكم المعين على الواقع الذي يناسبه، فإن عمر ﵁ قد علم أن من حكم الله إعطاء المؤلفة قلوبهم، ولكنه منع أقوامًا كانوا يُعطَوْن من سهم المؤلفة قلوبهم من قبل؛ وذلك لأنه رأى أن المسلمين لا يحتاجون إلى تأليف قلوب هؤلاء الناس لما أعز الله دينه وأظهره. هو إذًا لم يغير الحكم وإنما قرر أن مناطه لا يتحقق في الواقع الجديد، فغير الفتوى، فصار هذا الذي يُعطَى بالأمس لا يعطى اليوم. فإن احتاج المسلمون لتأليف قلوبهم بعد ذلك فحكم الله باقٍ ليس يتغير. أما القول بتغيير الأحكام الشرعية، بمعناها الاصطلاحي عند الأصوليين، فلا أصل له ولا دليل عليه، وإن كان البعض استخدمه يريد به الفتوى كما ذكرت مجَلَّة الأحكام العَدْلِيَّة حيث جاء فيها «لا يُنْكَر تَغَيُّر الأحكامِ بتغيُّر الزَّمان» (٢). وعندما يتضح أن مقصود من قال بتغير الأحكام هو تغير الفتوى، أو الحكم في اصطلاح بعض الفُرُوعيين - مع شيء من التجوز - والذي يعرف عند الأصوليين بأثر الحكم، أو الحكم بمعناه

стр. 31

اللغوي، والذي يشمل حكم الفقيه - وهو فتواه - أو تلك الأحكام التي مردها إلى العرف والعادة والمصلحة، أو حكم الوقائع عند اختلاف الملابسات المحيطة بها. أقول: عند ظهور ذلك، فساعتها يمكن أن يقال لا مُشاحَّة في الاصطلاح، سيما أن هذا الاصطلاح قد استعمله جهابذة العلماء كالشاطبي (١) (٢) وغيره. ويكون توجيه ذلك إذًا ما ذكرنا من قصدِهم بالحكمِ الشرعيِّ مجموعَ الخطابِ والمتعَلَّقَاتِ به. إننا على يقين أن الحكم بمعناه الأصولي لا يتغير، إذ كيف يتغير خطاب الله (٣) ومن يملك هذا؟ أو لا يكون هذا هو النسخ؟ وهل لأحد أن ينسخ شيئًا مما جاء به محمد ﷺ ؟ أو

стр. 32

لا يكون ذلك تحريفًا كتحريف أهل الكتاب لكتبهم، حيث زعموا أن أحبارهم ورهبانهم قد يغيرون من أحكام دينهم ما يرون، وهم في ذلك مؤيدون بروح القدس!؟ ألم يعِبِ الله عليهم هذا حيث قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ولقد بيَّن رسول الله ﷺ لعَدِيِّ بن حاتم ﵁ أن ذلك كان باتباعهم إياهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال (١). ثم ألا يكون ذلك عين ما نهى عنه رسول الله ﷺ حيث قال: «من أحْدَثَ في أَمْرِنا هذا ما ليس مِنْه فَهُو رَدٌّ» (٢). علمنا إذًا أن الأحكام الشرعية لا تتغير ولا تتبدل، ولكن فتوى المفتي التي تتضمن اختيار الحكم الأمثل للواقعة قد تتغير، فإن تحقيق المناط هو من الاجتهاد الذي لا يتوقف إلى أن تفنى الدنيا كما صرح بذلك الشاطبي ﵀ حيث قال: «الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف وذلك عند قيام الساعة، والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهذا الذي لا خلاف فيه بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدرَكه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محَله» (٣). وإن الواقع المعين قد تناسبه أحكامٌ مختلفةٌ مِن وجوهٍ، فيختار المجتهد أنسبها له. وقد يتنازعه أصلان أو حكمان فيُلحِقه الحاكم بأقربهما إليه في المعنى والمبنى، وإن كان اعتبار المعنى مقدمًا عند التعارض استحسانًا.

стр. 33

وللتمثيل على ذلك، فإن بعض أهل العلم قد فهم من حديث ابن عباس عن إمضاء عمر ﵁ ثلاث الطلقات بثلاث، أنه ﵁ قد نظر فوجد الناس قد تَتَايعوا في طلاق الثلاث، وهو عمل محرم، فأراد - كونه وليَّ الأمر - أن يعاقبهم على ذلك، فأمضاه عليهم الثلاثَ بثلاثٍ. ولم يذكر لنا التاريخ أن ضررًا عظيمًا حصَل جرَّاء ذلك في زمنه ﵁. ولكنْ، تطاول الزمان وتغير الناس وانتشرت مشكلة التحليل، لطيش الناس وسفههم وإسراعهم إلى التلفظ بالطلاق، فنظر الإمامان ابن تَيمِيَّة (١) وابن القَيِّم (٢) - رحمهما الله - إلى هذا الحال ورأيا أن الأصلح لواقع الناس هو الرجوع إلى الأصل وإيقاع الثلاث بواحدة. يقول ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك الواقع: «فَصْلٌ [وجه تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال] إذا عُرِف هذا، فهذه المسألة

стр. 34

[وقوع الطلقات الثلاث بثلاث] مما تغيرت الفتوى بها بحسَب الأزمنة كما عَرَفْت، لما رأته الصحابة من المصلحة، لأنهم رأوا مفسدة تتايُعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع. ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول ﷺ فاعله مفتوحا بوجهٍ ما، بل كانوا أشد خلق الله في المنع منه، وتوعَّد عمر فاعله بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره. وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبْح ما يرتكبه المحللون مما هو رَمَدٌ بل عمىً في عين الدين وشجىً في حلوق المؤمنين، من قبائح تُشمِت أعداء الدين به، وتمنع كثيرا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رَسمَه، وغيرت منه اسمه، وضَمَّخ التَّيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل» (١). وليس المراد من إيرادنا هذا النص قضية وقوع الثلاث بواحدة أو ثلاث، فهذه مسألةٌ دون تحريرِ الراجح فيها تسويدُ المجلدات (٢)، ولا مرادنا أن عين هذه المسألة أصلح مثالٍ على ما نحن فيه، فهي نفسُها محَلُّ نزاع، ولكنَّ الناظرَ بإنصافٍ في كلام الإمام ابن القَيِّم ﵀ يرى نظرة الفقيه المدرك أن شرع الله مبناه على المصلحة، ثم هو يراعي نظرة غير المسلمين إلى الإسلام، وانصدادَ بعضهم عن الدخول في الدين من أجل تفشي مشكلة التحليل بين المسلمين.

стр. 35

وإن من جنس ذلك في أيامنا ما يأخذه غير المسلمين أو العلمانيون على النظام القضائي الإسلامي المعاصر لإهماله - في بعض التطبيقات - الطِّبَّ الشرعي مهما قويَت دِلالته. والأخذ به ليس تحريفًا لطرق الإثبات في القضاء، بل ردُّ العادة والعرف والحال الجديد إلى الأصل الشرعي الذي يناسب ذلك كله، والذي يقضي بألا نطرح اليقين من أجل الظن، وأن الإعمال أولى من الإهمال، سيما عندما يكون المقصودُ إقامةَ العدل وتحري الحقيقة. ونختِم هذه الفِقْرة بقول الإمام الشاطبي ﵀ في «الموافقات»: «إن اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب، لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبديٌّ لو فُرِض بقاءُ الدنيا إلى ما لانهاية، والتكليف كذلك، لم يُحتَج في الشرع إلى مزيد. ومعنى الاختلافِ أن العوائدَ إذا اختلفت رجَعَت كل عادةٍ إلى أصل شرعي يحكم بها ... فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق» (١). * * *

стр. 36

تغير الفتوى ليس أمرًا محدثًا إن تغير الفتوى ليس أمرًا محدثًا، بل إن رسول الله ﷺ الذي علمنا القياس وغيره من الأصول هو الذي دلَّنا على هذه المسألة بقوله وعمله ﷺ فعن عبد الله بن واقد، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لِعَمْرَةَ، فقالت: صدق سمعت عائشة تقول: دَفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله: إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويَجْمُلُون منها الْوَدَكَ فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: إنما نَهَيْتُكُمْ من أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» (١). بأبي هو وأمي، ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه بقوله أو فعله أو بهما معًا. ولقد سار على دربه ﷺ الخلفاء والسلف، فمن أمثلة تغير الفتوى عند المتقدمين: • منْعُ أميرِ المؤمنين عمرَ ﵁ المؤلفةَ قلوبُهم من سهمهم، لما رأى عزة الدين وتمكين الله للمسلمين زمنَ خلافته المباركة؛ وإلغاؤه للنفي في حد الزاني خوفًا من لحوقه بدار الكفر. • وأمر أميرِ المؤمنين عثمانَ ﵁ بالتقاط ضالَّة الإبل وبيعها وحفظ ثمنها لصاحبها، وكان الأصلُ النهيَ عن التقاطِها، وذلك لما رأى فساد الذمم وتغيُّر الناس.

стр. 37

• وتضمين أميرِ المؤمنين علي ﵁ للصانع بعدما كانت يده يد أمانة، وذلك لحماية المستصنِع من تعدِّي بعض الصنَّاع ولأن أمور الناس لم تَصلُح إلا بذلك. • وقد كان العمل مستقرًّا عند أكثر السلف على تحريم تعاطي الأجر على تعليم القرآن، ثم أذِن فيه مَن بعدَهم، خوفًا من ضياع القرآن لما قلَّ المتطوعون. إن الأمثلة على هذه المسألة كثيرة يضيق المقام عن استيعابها. * * *

стр. 38

أقوالٌ لأهل العلم عن تغير الفتوى إليك الآن، بعضَ النقولِ عن أهل العلم التي تبين اتفاقهم - على تنوع مذاهبهم - على مبدأ تغير الفتوى: • قال الشيخ علاء الدين الحَصْكَفِيّ ﵀ (١) في صدر شرحه على «التنوير»: «وأما نحن [أي متأخرة الحنفية] فعلينا اتباعُ ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أفتَوا في حياتهم. فإن قلتَ قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح! قلتُ: يُعمَل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو الأرفق، وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه. ولا يخلو الوجود ممن يميز هذا حقيقة لا ظنًّا. وعلى من لا يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته» (٢). • وجاء في «دُرَر الحُكَّام»: «وقد جوز المتأخرون من الفقهاء الاستئجار فيها [القُرُبات كتعليم القرآن] بخلاف المتقدمين فقد قالوا بعدم جوازه، لأن المتعلمين كانوا يكافئون المعلمين في الزمن القديم من دون شرط، ولا قيد عملا بالآية الكريمة ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وأما اليوم فذهب ذلك واشتغل الحفاظ بمعاشهم وقل من يُعلِّم حِسبةً، ولا يتفرغون له أيضا فإنَّ حاجتهم تمنعهم

стр. 39

من ذلك، فلو لم يُفتَح لهم بابُ التعليم بالأجر لذهب القرآن؛ فأفتوا بجواز ذلك ورأوه حسنًا وقالوا: الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان (الزَّيْلَعِيّ): اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف (١) ومحمد (٢) أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء مَن بعدَهم من المجتهدين من أهل التخريج والترجيح فأفتَوا بصحته على تعليم القرآن للضرورة، فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصحَّ الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن، وفيه ضياعُ الدين لاحتياجِ المعلمين إلى الاكتساب، وأفتى من بعدهم أيضًا من أمثالهم بصحته على الأذان والإمامة، لأنها من شعائر الدين فجوَّزوا الاستئجار عليهما للضرورة أيضا. فهذا ما أفتى به المتأخرون عن أبي حنيفة وأصحابه لعلمهم بأن أبا حنيفة وأصحابه لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك ورجَعوا عن قولهم الأول» (٣).

стр. 40

• وقال الزَّرقا ﵀ (١): «ومن تغير الفتوى بتغير الزمان قول الحنفية: الأصل في المرأة إذا قبضت مُعجَّل صداقها أن تُلزَم بمتابعة زوجها حيث شاء. ولكن المتأخرين من أهل المذهب لاحظوا فساد الأخلاق وغَلَبة الجَوْر على النساء، فأفتوا بأن المرأة لا تُجبَر على السفر مع زوجها إلى مكان إذا لم يكن وطنا لها، وذلك لفساد الزمان والأخلاق. وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب» (٢). • ولقد ألَّفَ ابن عَابِدِين ﵀ (٣) كتابه «نَشْرُ العَرْف في بِنَاء بعضِ الأحْكَام على العُرْف» لبيان ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين لتغير الحال والزمان. • وقال ابن فَرْحُون ﵀ (٤): «إن جري هذه الأحكام التى مدرَكها العوائد، مع تغير
следующие страницы →