← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تغير الفتوى ليس أمرًا محدثًا إن تغير الفتوى ليس أمرًا محدثًا، بل إن رسول الله ﷺ الذي علمنا القياس وغيره من الأصول هو الذي دلَّنا على هذه المسألة بقوله وعمله ﷺ فعن عبد الله بن واقد، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لِعَمْرَةَ، فقالت: صدق سمعت عائشة تقول: دَفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله: إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويَجْمُلُون منها الْوَدَكَ فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: إنما نَهَيْتُكُمْ من أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» (١). بأبي هو وأمي، ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه بقوله أو فعله أو بهما معًا. ولقد سار على دربه ﷺ الخلفاء والسلف، فمن أمثلة تغير الفتوى عند المتقدمين: • منْعُ أميرِ المؤمنين عمرَ ﵁ المؤلفةَ قلوبُهم من سهمهم، لما رأى عزة الدين وتمكين الله للمسلمين زمنَ خلافته المباركة؛ وإلغاؤه للنفي في حد الزاني خوفًا من لحوقه بدار الكفر. • وأمر أميرِ المؤمنين عثمانَ ﵁ بالتقاط ضالَّة الإبل وبيعها وحفظ ثمنها لصاحبها، وكان الأصلُ النهيَ عن التقاطِها، وذلك لما رأى فساد الذمم وتغيُّر الناس.

стр. 37

• وتضمين أميرِ المؤمنين علي ﵁ للصانع بعدما كانت يده يد أمانة، وذلك لحماية المستصنِع من تعدِّي بعض الصنَّاع ولأن أمور الناس لم تَصلُح إلا بذلك. • وقد كان العمل مستقرًّا عند أكثر السلف على تحريم تعاطي الأجر على تعليم القرآن، ثم أذِن فيه مَن بعدَهم، خوفًا من ضياع القرآن لما قلَّ المتطوعون. إن الأمثلة على هذه المسألة كثيرة يضيق المقام عن استيعابها. * * *

стр. 38

أقوالٌ لأهل العلم عن تغير الفتوى إليك الآن، بعضَ النقولِ عن أهل العلم التي تبين اتفاقهم - على تنوع مذاهبهم - على مبدأ تغير الفتوى: • قال الشيخ علاء الدين الحَصْكَفِيّ ﵀ (١) في صدر شرحه على «التنوير»: «وأما نحن [أي متأخرة الحنفية] فعلينا اتباعُ ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أفتَوا في حياتهم. فإن قلتَ قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح! قلتُ: يُعمَل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو الأرفق، وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه. ولا يخلو الوجود ممن يميز هذا حقيقة لا ظنًّا. وعلى من لا يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته» (٢). • وجاء في «دُرَر الحُكَّام»: «وقد جوز المتأخرون من الفقهاء الاستئجار فيها [القُرُبات كتعليم القرآن] بخلاف المتقدمين فقد قالوا بعدم جوازه، لأن المتعلمين كانوا يكافئون المعلمين في الزمن القديم من دون شرط، ولا قيد عملا بالآية الكريمة ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وأما اليوم فذهب ذلك واشتغل الحفاظ بمعاشهم وقل من يُعلِّم حِسبةً، ولا يتفرغون له أيضا فإنَّ حاجتهم تمنعهم

стр. 39

من ذلك، فلو لم يُفتَح لهم بابُ التعليم بالأجر لذهب القرآن؛ فأفتوا بجواز ذلك ورأوه حسنًا وقالوا: الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان (الزَّيْلَعِيّ): اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف (١) ومحمد (٢) أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء مَن بعدَهم من المجتهدين من أهل التخريج والترجيح فأفتَوا بصحته على تعليم القرآن للضرورة، فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصحَّ الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن، وفيه ضياعُ الدين لاحتياجِ المعلمين إلى الاكتساب، وأفتى من بعدهم أيضًا من أمثالهم بصحته على الأذان والإمامة، لأنها من شعائر الدين فجوَّزوا الاستئجار عليهما للضرورة أيضا. فهذا ما أفتى به المتأخرون عن أبي حنيفة وأصحابه لعلمهم بأن أبا حنيفة وأصحابه لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك ورجَعوا عن قولهم الأول» (٣).

стр. 40

• وقال الزَّرقا ﵀ (١): «ومن تغير الفتوى بتغير الزمان قول الحنفية: الأصل في المرأة إذا قبضت مُعجَّل صداقها أن تُلزَم بمتابعة زوجها حيث شاء. ولكن المتأخرين من أهل المذهب لاحظوا فساد الأخلاق وغَلَبة الجَوْر على النساء، فأفتوا بأن المرأة لا تُجبَر على السفر مع زوجها إلى مكان إذا لم يكن وطنا لها، وذلك لفساد الزمان والأخلاق. وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب» (٢). • ولقد ألَّفَ ابن عَابِدِين ﵀ (٣) كتابه «نَشْرُ العَرْف في بِنَاء بعضِ الأحْكَام على العُرْف» لبيان ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين لتغير الحال والزمان. • وقال ابن فَرْحُون ﵀ (٤): «إن جري هذه الأحكام التى مدرَكها العوائد، مع تغير

стр. 41

تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس ذلك تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد» (١). • وقال القَرَافِيّ ﵀ (٢): «فإن الأحكام المُرَتَّبة على العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها فتأمل ذلك» (٣). • وحكي عن الإمام ابن أبي زيد القَيْرَوانِيّ ﵀ (٤) صاحب «الرسالة» المشهورة في فقه المالكية، أن حائطًا انهدم من داره، وكان يخاف على نفسه من بعض الفئات، فاتخذ كلبًا للحراسة، وربطه في الدار، فلما قيل له: إن مالكًا يكره ذلك، قال لمن كلَّمَه: لو أدرك مالكٌ زمانك لاتخذ أسدًا ضاريًا!

стр. 42

• والمتأخرون من علماء الشافعية اعتبروا المقْصِد العرفي في الأيمان والمعاملات بخلاف اعتماد المتقدمين لمقتضى اللغة، واختلفت عندهم فتاوى الخُرَاسَانِيين عن غيرهم لاختلاف العُرف، واختلفت فتاوى المتقدمين عن المتأخرين. كما أنه يمكن القول بأن اختلاف العوائد والأحوال بين الأمصار الإسلامية كان من أسباب تجديد الشافعي ﵀ لمذهبه. • وقال ابن القَيِّم ﵀: «قلت: وكذلك الفاسق إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز؛ فالواجب شيء والواقع شيء. والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسَب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو مُنِعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطِّلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبَطَلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار» (١). قلت: إن مسألة الشهادة هي من وسائل تحقيق العدالة التي هي مقصود القضاء الأعظم والتي من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ... ﴾ [الحديد: ٢٥] وإنَّ هذا المقصود الأعظم يُبتغَى في سبيلِ تحقيقِه كلُّ وسيلة لا تخالف الشرع، وإن لم ينطق بها، ولا عمل بها السلف.

стр. 43

وقبل أن أختِم الكلام عن إثبات أصل تغير الفتوى، أسوق كلام العلامة ابن القَيِّم ﵀ في هذا الشأن، فإنه - في تقديري- أبدع ما في هذا الباب، قال: «فَصْلٌ في تغير الفتوى واختلافها بحسَب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد؛ والشريعة مبنية على مصالح العباد. هذا فَصْلٌ عظيم النفع جدًّا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل، فالشريعة: عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دَِلالة وأصدقَها» (١). أسأل الله أن يكون الحق قد اتضح في هذه المسألة، والآن نعرض إلى ضوابطها. * * *

стр. 44

ضوابط تغير الفتوى ١ - الضابط الأول: هو ما قدَّمنا بذكره قبل إثبات المسألة من أن المقصود هو تغير الفتوى الشرعية لا حكم الله. ٢ - الضابط الثاني: ليس كل شيء قابلًا للتغير. يقول في هذا الشأن ابن القَيِّم ﵀: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسَب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. النوع الثاني: ما يتغير بحسَب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسَب المصلحة» (١). ٣ - الضابط الثالث: أن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ليس لمجرد تغير الزمان والمكان، وإلا كان ذلك طعنًا في شمولية الشريعة الخاتِمة لكل مكان وزمان إلى قيام الساعة، بل المقصود أن الزمان والمكان أوعِيَة لما فيهما من الحوادث والوقائع والأحوال والعادات والأعراف، والتي يؤَثِّر تغيرها على الفتوى في مرحلة تحقيق المناط. ٤ - الضابط الرابع: تتغير الفتوى عند وجود المقتضي وانتفاء المانع وليس بالتشهي أو للترخص. من أمثلة ذلك:

стр. 45

أ- وجود سببٍ حادثٍ يؤثر على الفتوى: فلقد ترك رسول الله ﷺ جمع القرآن في مصحف واحد، فلما مات الكثير من القُرَّاء على عهد أبي بكر ﵁ في حروب الردة، خاف عمرُ ﵁ ومِن بعدِه بقيةُ الأصحاب من ضياع القرآن فعَمَدوا إلى جمعه، فكان موت القراء سببًا للجمع الذي تركه رسول الله ﷺ . وإذا أردنا أن نقترب أكثر من موضوع رسالتنا، نقول: إن تقدم الطب الشرعي قد مكَّن القضاء من إثبات الحقوق لأصحابها وإقامة العدل في كثير من القضايا، وإن الطب الشرعي لم يكن بشكله المعاصر موجودًا أيام رسول الله ﷺ ، فلم يعتبِرْه من أدوات الإثبات في القضاء، ولم ينطق الوحي تصريحًا بجعله من أدلة الإثبات. ولكنَّ القضاء الإسلامي في زماننا ينبغي أن يضع هذه الوسيلة لإقامة العدل موضع الانتفاع، لاسيما إن كانت دقتها تصل في بعض الأحوال إلى مِائة بالمِائة، وهو ما لا يتحقق حتى مع شَهادة العدول. وهذه الوسائل، وإن قَصُرت عن إثبات الحدود التي تُدرأ بالشبهات - في غير ما جرى عليه عمل الصحابة - فلا أقل من أن تستعمل في التعزير الرادع ورفع المظالم وإقامة العدل بين الناس. ب- وجود العارض أو زواله: كما امتنع رسول الله ﷺ عن هدم الكعبة وإدخال الحِجر فيها لحَداثة عهد قريشٍ بجاهلية، ثم فعل ذلك عبد الله بن الزبير ﵁ زمنَ خلافته لتمكُّن الإسلام. ج- تغير الآلات والوسائل: فإن الشريعة في أبواب المعاملات جاءت بقواعدَ عامةٍ - في الأكثر- ولم تُسهِب في تحديد الوسائل حتى تبقى مرنةً صالحةً لكل زمانٍ ومكانٍ. وإن الوسائل في الحياة المعاصرة قد تغيرت كثيرًا، لذا وجب أن نُعِد الدبابة والطائرة

стр. 46

لإرهاب العدو بدل السيف والرمح؛ وأن نستخدم البصمة الوراثية - عند القدرة - في إثبات الأبوة بدل القيافة أو على الأقل نقدمها عليها؛ ويجب أن نعيد تحديد مفهوم القبض والحيازة في البيع والشراء، مع الثورة في مجالات الاتصالات، وانتشار المعاملات المالية التي تتم عن طريق الاتصالات الحديثة، ومنها الشبكة المعلوماتية. د- تزاحم المأمورات والمنهيات على المحَل الواحد أو الواقعة الواحدة: فإن متقدمي الحنفية كانوا يحرمون أخذ الأجرة على تعليم القرآن حيث وجد المتطوعون وأرادوا أن يكون هذا العملُ خالصًا لوجه الله تكريمًا وإعزازًا لكتاب الله. ثم قل المتطوعون وانقطعت أرزاقهم من بيت المال، فخاف خلَفُهم على القرآن، فأجازوا ما قد منعوا منه سابقًا، وما كان منعهم الأول ولا إجازتهم الثانية إلا حمايةً لكتاب الله. هـ- اختلاف العوائد والأعراف: وهذا بشأن الأحكام المترتبة على هذه العوائد كما تقدم بذلك النقل عن ابن فَرْحُون والقَرَافِيّ وغيرهما. وهذا يُحتاج إليه أكثر ما يكون في أبواب الأيمان والنذور والمعاملات لفهم كلام الناس وعقودهم، فمن نذر أن يطعم عشرة مساكين لحمًا، ثم أطعمهم سمكًا، يقال: إن كان العرف في بلده تسمية السمك لحمًا جاز وإلا فلا. و- ظهور الخطأ في الفتوى السابقة: وهنا نرجح فتوى أخرى لأئمة متبوعين وافقوا في فتواهم الصواب، وذلك كظهور خطأ استمرار الحمل لأربع أو ست سنوات أو وصول المائع إلى الجَوْف عن طريق الأذن أو الدِّمَاغ. وإنه من فضل الله على هذه الأمة أنها لم تجتمع على ضلالة، بل لا تجد فتوى خالفت الصواب لبعض الأئمة المتبوعين إلا وجدت غيرها لإمام آخر قد وافقته.

стр. 47

والواجب ألا يدفعنا التعصب لإمام أو مذهب إلى رد الحق، سيما إذا شهد له دليل الحس، فإن أهل السنة لا يُهمِلون الحس أو الدليل الحسي. ولعل التوقف عند هذه الكُلِّيَّة وبيانَها مما يُفيد قبل الشروع في تفاصيل بحثنا. أهل السنة لا يهملون دليل الحس: وفي ذلك يقول الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀ في «درء التعارض»: «والأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث مقالات: القول بالحس بحسْب، وهو مذهب الدهرية فإنهم قالوا بما يدركه الحس ولم يقولوا بمعقول ولا خبر؛ وقال قوم بالحس والمعقول بحسب ولم يقولوا بالخبر وهو مذهب الفلاسفة لأنهم لا يثبتون النبوة؛ وقال أهل المقالة الثالثة بالحس والنظر والأثر وهم جماعة المسلمين وهو قول علمائنا وبه نقول» (١). ويقول الإمام ابن حَزْم ﵀ (٢): «قد ذكرنا فيما خلا من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا أنه لا طريق إلى العلم أصلا إلا من وجهين أحدهما ما أوجبته بديهة العقل وأوائل الحس والثاني مقدمات راجعة إلى بديهة العقل وأوائل الحس» (٣). بل إن أهل السنة يؤولون ظواهر النصوص التي تخالف أدلة الحس، قال الإمام ابن

стр. 48

قُدامة ﵀ (١) بشأن التخصيص بدليل الحس: «الأول دليل الحس وبه خصص قوله ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس» (٢). وقال الإمام الغَزالِيّ ﵀ (٣): «والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة: الأول دليل الحس وبه خُصِّص قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شيء» (٤). بل إن أهل السنة يأخذون بدليل الحس في الحكم على صحة الأخبار، وفي ذلك يقول

стр. 49

الإمام ابن القَيِّم ﵀ في المَنَار المُنِيف: «ومنها تكذيب الحس له [أي للخبر] كحديث «الباذنجان لما أكل له» و «الباذنجان شفاءٌ من كل داء» قبَّح الله واضعهما فإن هذا لو قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه. ولو أُكِل الباذنجان للحُمَّى والسَّوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم. وكذلك حديث «إذا عَطَس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه» وهذا وإن صحح بعض الناس سنده فالحس يشهد بوضعه لأنا نشاهد العُطاسَ والكذبُ يعمل عمله ولو عَطَس مائة ألفِ رجلٍ عند حديث يروى عن النبي ﷺ لم يحكم بصحته بالعُطاس ولو عَطَسوا عند شهادة زور لم تصدق» (١).

стр. 50

* * * كيف تتغير الفتوى بتغير المعارف والصناعة الطبية ؟ كما ذكرنا، إن لتغير الفتوى ضوابطَ تجب مراعاتها. وهنا نبين المقصود من تغير الفتوى بتغير المعارف الطبية. ولنبدأ ببيان أن تطور المعارف والصناعة الطبية لا ينقض، ولا يتصور أن ينقض، نصّا صريحًا صحيحًا أو إجماعًا منعقدًا معتبرًا؛ وذلك أن آيات الله الكونية والشرعية لا تتعارض ولا تتناقض، بل تتعاضد وتتوافق، والأدلة على ذلك لا تحصى، وليس المقام يتسع لسردها (١). وكذلك، فإن الإجماع المنعقد المعتبر لا يمكن أن يظهر خطؤه، فإنه لا تزال طائفة من أمة محمد على الحق ظاهرة. ولكن نقل الإجماع لا يعني الإجماع إذا ثبت وجود المخالف، وقد يشتهر القول حتى يظنه البعض إجماعًا وهو ليس كذلك، كما هو معروف عند أهل الفقه والأصول. إذًا فماذا نعني بتغير الفتوى بتغير المعارف الطبية؟ قد يختلف أهل العلم في المسألة الواحدة على أقوال فنرجح منها ما ظهر عليه الدليل من الواقع، وليس هذا بعيب فإنهم كانوا ينتصرون لأقوالهم بالتدليل والتعليل، والأخير قد يكون من الواقع والمُشاهَد. مثال ذلك اختلافهم حول أقل وأكثر الحمل والنفاس والحيض والطهر وهل تحيض الحامل وهل يكون الولد من ماءين، فنرجح ما ثبت طبيًّا صوابه على ما ثبت خطؤه، فإن تطور العلوم الطبية أثبت بعض الخطأ في تقديرات بعض فقهائنا - رحمهم الله تعالى -

стр. 51

فلقد بذلوا وسعهم في تحقيق مناط الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع الناس ومعالجة قضاياهم في ضوء الكتاب والسنة، فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء، إلا أن الكتاب والسنة معصومان، وتقديرات الفقهاء - وهم بشر - غير معصومة، فلا عيب إذًا أن يخطئوا تبعًا لخطأ أطباء عصرهم، لأنهم سألوا «أهل الذكر» في الطب بأزمنتهم كما كان ينبغي عليهم؛ ولكن يكون عيبًا أن يُثبَت الخطأ ونَسْتكبرَ عن تصحيحه، فإن القول مثلًا بأن أكثر الحمل عامان كما هو مذهب الحنفية (١) أو أربعةٌ كما هو مذهب الشافعية (٢) أمر قد تحقق خطؤه مع تقدم العلوم الطبية (٣). مثل هذه الأقوال وغيرها ينبغي - في تقديري - الرجوع عنها، لأنها لم تكن بتوقيف من الشارع، وإن حاول البعض الانتصار لما رجحه بما فهمه من أدلة الوحي. لقد كانت آراؤهم في أغلب هذه الأمور مبنيةً على استقراءٍ وملاحظةٍ منهم للواقع ثبَت من غير شك خطؤها. كذلك، فإن تغير المعارف والصناعة الطبية قد يحدثان تغيرًا في أبواب الوسائل. فكما قدمنا، عمل الأولون بالقِيافة في إثبات النسب، بل وبالقُرعة أحيانًا، لتشوف الإسلام إلى إثباته، فالواجب علينا أن نعمل الآن بالبصمة الوراثية، وهي أدق بلا نزاع من القيافة والقرعة. وليس هذا عدوانًا على الشريعة ولا عيبًا فيها بل عين مقتضاها وجري على قواعدها وعلى عمل الأولين الذين اجتهدوا لإثبات الحقوق بكل ما لديهم من وسائل.

стр. 52

وكذلك، فإن بعض ما كان متعذرًا في الأزمنة السابقة سار ميسورًا، ومن ذلك استيفاء القِصاص عن طريق الجراحين، فإنه يوسع دائرة الممكن في الاستيفاء. وربما يؤدي تطور الطب إلى بعض النوازل التي تحتاج إعادة النظر في بعض ما استقر في كتب الفقه كعلامات الموت مثلًا، فمع وجود أجهزة الإنعاش الحديثة ظهرت قضية موت الدِّمَاغ، فهل ينضاف الموت الدِّمَاغي إلى علامات الموت المبثوثة في كتب الفقه؟ وفي بحثنا أيضًا نبين تلك المسائل التي قد يُظَن أو يُشاع أن الفتوى تغيرت فيها بسبب تقدم العلوم الطبية وليس الأمر كذلك، وكذلك نبين ما إذا كان تقدم العلوم الطبية عديم الأثر على المسألة محَل الخلاف أو لا يحسِم مادته. أي المعلومات الطبية نقبل ؟ بقِي أن الأطباء يختلفون في تقديراتهم، وأن الفقهاء ينبغي أن يستوثقوا لفتواهم سيما في الأمور العامة، وإن كان ذلك لازمًا في وقائع الأعيان كذلك. ومن العجيب أن تجد بعض الفقهاء يتساهلون في قبول قول هذا الطبيب أو ذاك، والطب الآن يجعل رأي الخبير من الأدلة الضعيفة. إن الفقه قد سبق الطب بقرون في ترتيب درجات قوة الدليل، فالقرآن والسنة مقدمان على غيرهما، والنص المجمع عليه مقدم على المختلف فيه، وعبارة النص مقدمة على دَِلالته (مفهوم الموافقة)، وتلك مقدمة على إشارته - عند غير الحنفية (١) - ثم تأتي دَِلالة الاقتضاء. ومفهوم المخالفة - عند من يعمل به - أنواع بعضها فوق بعض (٢).

стр. 53

إن هذا التفصيل من جانب فقهائنا في درجات قوة الدليل قابله غياب شبه كامل لمثله عند الأطباء حتى زماننا هذا الذي بدأ الأطباء فيه يميزون بين أنواع الأدلة، ويرتبونها حسَب قوتها، فتراهم يقسمونها - على اختلاف في التقسيم - إلى أربع درجات، يجعلون رأي الخبير (١) في الدرجة الرابعة والأدنى منها. وهذا هو الرأي المبني على مُسلَّمات تشريحية أو وظيفية. أما الرأي غير المدعوم بشيءٍ، فليس دليلًا أصلًا. ثم في الدرجة الثالثة تأتي الأدلة المبنية على دراسات الحالة الاستعادية المقارَنة (٢)، والتي تؤخذ فيها عينة من المرضى وتقابل بعينة من الأصحاء مساوية في العوامل الأخرى سوى عين المرض المزمع دراسته. وفي هذه الدرجة أيضًا دراسات مجموعات الحالات المتشابهة (٣) التي يتم فيها جمع بيانات عينة واسعة من المرضى بذات المرض والتأمُّل فيها وتحليلها من غير مقابلة مع عينة ضبط. وفي الدرجة الثانية، الأدلة المبنية على دراسات كتائبية متابَعة (٤)، والتي تتم فيها متابعة عينة من الناس، والتربص بحصول مرضٍ أو تغيرِ حالٍ فيها، ثم مقارنةُ الفريق الأول الذي مرِض بالثاني الذي لم يمرَض. وفي الدرجة الأولى من القوة، تلك الأدلة المنبنية على دراسات التجارب العشوائية المقارنة (٥) الجيدة (٦).

стр. 54

أو التحليل البَعدِيِّ (١) لمجموعة من تلك الدراسات الجيدة (٢). ومن المهم للفقيه أن يعلمه، أن الدليل في الطب كالفقه لا يؤخذ بمَعزِل عن بقية الأمور التي تشكل مجتمعة الدافع وراء التوصية (الحُكم) بفعل شيء أو تركه. ومن هذه الأمور، ثمن العلاج وآثاره الجانبية وقَبول المنظومة القيمية للمجتمع أو المجموعة المستهدَفة بهذا النوع من التدخل الطبي أو ذاك أو بهذه التوصيات أو تلك (٣). إن هذا العرضَ السريعَ لما عليه الطب الحديث الآن رجوت منه إيقافَ القارئ على أن الطب كالفقه في العديد من الجوانب، وإن كان الفقيه لا يقنع بدَِلالة ضعيفة في بناء الحكم، أو أخرى مُعارَضة بما هو أقوى منها، فليسْع إلى الاستيثاق لحكمه بطلب المعلومة الطبية الصحيحة المستنِدة إلى الدليل القوي، لا مجرد قول فُلانٍ من الأطباء. ولكنْ، كيف يمكن ذلك للفقيه؟ وهل تشترط له الدراية بالطب؟ ألا يكفيه الفقه على تشعبه وسعته؟ إن الجواب هو أن الفقيه ينبغي أن يدرك واقع المسألة بعينها التي يفتي فيها ويستفرغ الوُسْع في الإحاطة بها. وهو إذ يسأل الأطباء، ينبغي أن يكون عنده

стр. 55

بعض الإدراك للقضية محَل البحث. وربما سأل الطبيب عن مدى الاتفاق والاختلاف حول ما يقرره كرأيٍ للطب، وكيف ثبَت للأطباء ما يدَّعونه. وربما يتخصص بعض الفقهاء في هذا النوع من الفقه المتعلق بالممارسات الطبية، فيكونوا حلقة وصل بين أهل الفقه وأهل الطب. إن هذا الأمر يكون مهمًا جدًا عند دراسة النوازل والحكم عليها. * * *

стр. 56

من الذي يتصدى لتغيير الفتوى ؟ هنا ينبغي أن نؤكد على أن تغيير الفتوى لا يقوم به إلا الراسخون من أهل العلم، فهم أهل الفهم والإدراك، وليست الفتوى كلأ مباحًا للمختص وغيره؛ فإن بعض أصحاب الأقلام قد يتجرؤون على هذا الحِمى فيلغون فيه، فتسمع من بعضهم أن المرأة لا تحتاج أن تعتد من زوجها، وذلك لأن استبراء رحمها بالتحاليل الطبية صار ممكنًا. وهذا قول من لا أثارة له في العلم ولا نصيب، فإن هؤلاء قد ظنوا أن كل الغرض من الاعتداد هو استبراء الرحم، وغابت عنهم أشياء أخرى. ولو كان الأمر كذلك لما فُرِّق بين عدة الأمة والحرة والمطلقة والمتوفى عنها زوجها. أو لم يقل الله تعالى في صدر سورة الطلاق: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أوليس في العدة فرصة ليراجع الزوجان قرارهما ويثوبا إلى رشدهما إن كان القرار قد اتخذ عن طيش وتسرع؟ إن مقام الفتوى لمقام شريف، وإن الحكم بتغيرها بتغير الحال لهو من أرفع منازل هذا المقام. وإنني، إذ أَختار وأُرجِّح في بحثي هذا، لست أزعم أني من أصحاب هذا الشرف، ولكن لا بد للباحث من رأي، وليس رأيي فتوىً مني لنفسي أو غيري، حتى يكون الأخذ عن الراسخين في العلم، أو المجامع الفقهية في كبريات المسائل التي تحتاج إلى الاجتهاد الجماعي. وإني لأرجو أن يتبين للقارئ مقصودي من تغير الفتاوى من خلال مطالعته لبقية البحث. * * *

стр. 57

الباب الأول: مسائل من أبواب العبادات وفيه ثلاثة فصول: الأول: الطهارة الثاني: الجنائز الثالث: الصيام

стр. 58

الفصل الأول: الطهارة وفيه أربعة مباحث: الأول: الختان الثاني: الماء المشمس الثالث: الحيض الرابع: النفاس

стр. 59

المبحث الأول: ختان البنات وفيه عدة مطالب: المطلب الأول: حكم الختان. المطلب الثاني: ختان البنات ورأي الطب. المطلب الثالث: حد الختان. المطلب الرابع: حكم العدوان على فرج المرأة. المطلب الخامس: هل تضمن الخاتنة. المطلب السادس: هل يقطع من كل النساء؟ المطلب السابع: من الذي سيتولى ختن الأولاد والبنات؟ المطلب الثامن: متى يكون القطع؟ المطلب التاسع: موانع ختان الإناث ومضاعفاته. المطلب العاشر: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن الختان

стр. 60

المبحث الأول: ختان البنات جرت عادة كثير من الشعوب الإسلامية على ختان الإناث، ولكن هذه السنة ليست بذلك الشيوع بين المسلمين كختان الذكور. ولقد وردت أحاديثُ وآثارٌ وآراءٌ لأهل العلم تدل على مشروعية ختان الإناث بل وفضله أو سنيته، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه. ثم إنه في الآونة الأخيرة ظهر الكثير من الخلاف حول هذه الممارسة لما ذكره البعض من ضررها الذي أثبته الطب فيما يزعمون. ونحن نناقش هذه المزاعم ونحلل نتائج الدراسات الطبية المعنية بإثباتها ونبين أقوال أهل العلم في حكم ختان الإناث وحَدِّه، ونُعنى بتوضيح حد الختان الشرعي والتفريق بينه وبين الختان البدعي الذي ندعو المخلصين أن يكونوا أول من يحاربه، كما نبين ضرورة تنظيم هذه الممارسة. ثم نختم بخلاصة عن أثر المعارف الطبية الحديثة على الترجيح بين أقوال أهل العلم في حكم الختان وحَدِّه. * * * تعريف الختان: يراد به (١) موضع الخَتْن في الرجل والمرأة. وهو في حق الرجل: قطع جلدة القُلْفَة وهي جلدة فوق الحَشَفة. وخَتَنَه: أي قطع الجلدة الزائدة على الحَشَفة. وفي حق المرأة: قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة، ويؤخذ منه

стр. 61

الجلدة المستعلية دون أصلها (١). تاريخ الختان (البنات خاصة): هو عادة قديمة مارسها البشر من قبل الإسلام وبعده، ولعلها من بقايا سنن الأنبياء التي فرط بعض الناس فيها وأفرط آخرون. جاء في الموسوعة البريطانية (٢) أن شعوب أستراليا القديمة وبعض شعوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى المسلمين قد مارسوا تلك العادة، والتي عرفتها الموسوعة بأنها قطع البظر أو شيء منه (٣)، ومن أسوأ ممارساتها الختان الفرعوني (٤). وسنبين أن هذا كله ليس الختان الذي حض عليه الإسلام، بل إن منه ما يعده الإسلام جريمة توجب القِصاص أو الدِّيَة. ويمارس الأنواع البدعية من الختان مسلمون ونصارى وغيرهم، سيما من شعوب أفريقيا، كما هو واضح من خريطة توزيع الممارسة على موقع منظمة الصحة العالمية (٥).

стр. 62

المطلب الأول: حكم الختان اختلف الفقهاء في حكم الختان، فقد اتفقوا على مشروعيته للجنسين، ثم اختلفوا فيما فوق ذلك، فذهب البعض، كالشافعية في المشهور، إلى وجوبه على الجنسين، والبعض إلى وجوبه على الرجال دون النساء، والبعض إلى استحبابه في حقهما، وأقل ما قيل فيه للنساء أنه مكرمة، وللرجال أنه سنة. * الآثار الواردة في الختان: وفي الختان أحاديث كثيرة، بعضها لا يخلو من مقال، وهذا عرض لها مع أقوال بعض أهل العلم فيها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب» (١). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم» (٢). وقد قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣].

стр. 63

٣ - وورد في الحديث قوله ﷺ لرجل أسلم: «ألقِ عنك شعر الكُفْر واخْتَتِنْ» (١). ٤ - وجاء في الختان أيضًا قوله ﷺ : «إذا التقى الخِتانان وجَبَ الغُسْلُ» (٢) وفيه دليل على أن النساء كن يختتن (٣)، ولا يَرِد على هذا الاستدلال أن استعمال لفظ الختانين هو من قبيل قولهم القمرين للشمس والقمر والعمرين لأبي بكر وعمر، وأن لفظة الختانين ذكرت تغليبًا، وذلك لأن في روايات الصحيح «إذا جَلَسَ بين شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٤). وعليه، فإن ما جاء في أي من الأحاديث عن الختان من غير تفصيل يشمل الرجل والمرأة جميعًا. ٥ - وعن سعيد بن جُبَيْر ﵀ قال: «سئل ابن عباس ﵁: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون، قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدْرِك (٥)» (٦).

стр. 64

٦ - وجاء في حديث أم عطية ﵂، وكانت تختن البنات، فقال لها رسول الله ﷺ : «اخفِضي ولا تُنْهِكي (١)؛ فإنه أنْضَر للوَجْه وأَحظَى عند الزوج» (٢). وفي بعض روايات الحديث لفظ: «أشمِّي» بدل: «اخفضي» (٣). وهذا أصرح الأحاديث الدالة على مشروعية، بل واستحباب الختان للنساء. ٧ - وعن ابن عباس ﵁ مرفوعًا: «الخِتان سُنَّة للرجال مَكْرُمَةٌ للنِّسَاء» رواه البَيْهَقِيّ (٤)، وضَعَّفَ المرفوع (٥).

стр. 65

٨ - وعن أم علقمة مولاة عائشة ﵂: «أن بنات أخي عائشة ﵂ خُفِضْن فألِمْنَ ذلك، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن من يُلَهِّيهِن؟ قالت: بَلى» (١). ٩ - روى ابن المُنذِر (٢) ﵀ عن أبي بَرْزَة ﵁ قال: «سألنا رسول الله ﷺ عن رجل أقْلَف يحج بَيْت الله، قال: لا، حتى يَخْتَتِن» (٣). وضعفه ابن المُنذِر ﵀ وغيره. وهناك آثارٌ أخرى تركنا ذكرها لضعفها. ولا شك أن من الأحاديث ما هو في الصحيح، وإن كان غير صريح في الأمر بالختان للنساء أو الحض عليه، ومنها ما وقع الخلاف بين أهل العلم فيه، وهذا القسم أصرح في إثبات مشروعية الختان للنساء. إلا أن أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان - وهي في الصحيح - لا معنى لحملها على الرجال دون النساء، وقد ثبَت أن الختان يشمل الرجال والنساء كما هو واضح من حديث مسِّ الختانِ الختانَ. والذي لا يُشَكُّ فيه من مطالعة الآثار أن الختان كان شائعًا على عهده ﷺ .

стр. 66

عرض أقوال الفقهاء في حكم الختان: ١ - السادة الحنفية: قال الزَّيْلَعِيّ (١) ﵀: «والأصل أن الختان سنة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإسلام وخصائصه، حتى لو اجتمع أهل مصر أو قرية على تركه يحاربهم الإمام فلا يترك إلا لضرورة ... وختان المرأة ليس بسنة، وإنما هو مكرمة للرجال لأنه ألذ في الجماع، وقيل سنة» (٢). ٢ - السادة المالكية: جاء في «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيّ (٣) رحمهما الله (المتن): «وحكمه [أي الختان] السنية في الذكور وهو قطع الجلدة الساترة والاستحباب (٤) في النساء ويُسمَّى الخفاض» (٥).

стр. 67

٣ - السادة الشافعية: جاء في «أسْنَى المَطَالِب»: «والختان واجب (١) (وإنما يجب بالبلوغ)، والعقل واحتمال الختان لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وكان من ملته الختان، ففي «الصحيحين»: (أنه اختتن وعمره ثمانون سنة)، وفي «صَحِيح ابن حِبَّان»، والحاكم: (مائة وعشرون سنة وقيل سبعون سنة) ولأنه ﷺ أمر بالختان رجلا أسلم رواه أبو داود. قالوا ولأنه قطع عضوٍ لا يُخلف فلا يكون إلا واجبا كقطع اليد، والرجل ولأنه جرح يخاف منه، فلو لم يجب لم يَجُز، بخلاف ختان الصبي والمجنون ومن لا يحتمِله (٢)، لأن الأوَّلَيْن ليسا من أهل الوجوب، والثالث يتضرر به» (٣). وقال النَّوَوِيّ ﵀ في «المَجْمُوع»: «الختان واجب على الرجال والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف، كذا حكاه الخَطّابي (٤)، وممن أوجبه أحمد (٥).

стр. 68

وقال مالك (١) وأبو حنيفة: سنة في حق الجميع، وحكاه الرَّافِعِيّ (٢) وجْهًا لنا، وحكى وجها ثالثًا أنه يجب على الرجل وسنة في المرأة، وهذان الوجهان شاذان، والمذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور: أنه واجب على الرجال والنساء» (٣).

стр. 69

٤ - السادة الحنابلة: جاء في «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١) ﵀ «ويجب الختان وعنه [أي أحمد] على غير امرأة، وعنه يستحب، قال شيخنا [ابن تَيمِيَّة]: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة» (٢). وقال ابن قُدامة ﵀: «فأما الختان فواجب على الرجال، ومَكرُمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم. قال أحمد: الرجل أشد، وذلك أن الرجل إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مُدَلاة على الكَمَرَة [الكمرة: الحشفة وزنًا ومعنىً]، ولا ينقى ما ثمَّ، والمرأةُ أهون» (٣). * * *

стр. 70

• الترجيح: الذي يظهر، في حق الرجال، أن الراجح هو وجوب الختان، وذلك لقوله ﷺ للرجل الذي أسلم: «ألقِ عنك شَعر الكُفْرِ واخْتَتِن» (١) أمر يقتضي الوجوب، ولم يوجد صارف. وأما في حق المرأة، فلعل الراجح هو استحبابه. أما المشروعية فمتفق عليها، وقد أقره ﷺ كما جاء في حديث أم عطية، وكانت تختن البنات فقال لها ﷺ : «اخفِضي ولا تُنْهِكي؛ فإنه أنْضَر للوجه وأحظَى عند الزوج» (٢) وفي مثل قوله ﷺ : «إذا الْتَقَى الخِتَانان فقد وَجَبَ الغُسْل» (٣). بيان كون ختان النساء معروفًا شائعًا على عهده ﷺ ولم ينكره (٤) ولم يصح عنه ﷺ في ختان النساء خاصة شيء آخر.

стр. 71

ولعل القول بأنه مستحب يترجح لدخول المرأة في الندب إلى خصال الفطرة ومنها الختان كما جاء في الصحيح. وكما ذكرنا، فإنه لا دليل على قصر ذلك على الرجل، وقد كان لفظ الختان مشتركًا بين الرجال والنساء على عهده ﷺ . وكذلك يترجح جانب الفعل على الترك لكون الختان فيه ما فيه من الألم وكشف العورة، فلو لم تكن فيه فائدة راجحة لما أقره رسول الله ﷺ . ولكن ليس هناك ما يستدل به على الوجوب، فإن كون الختان فيه من الألم وكشف العورة ما فيه مع إقرار رسول الله ﷺ له ليس دليلًا على الوجوب، وإنما يصلُح دليلًا على تقديم جانب الفعل على الترك - كما قدمت -، فيكون مستحبًّا أو واجبًا والاستحباب هو المتيقَّن. ولا يقال إن العورة المغلظة لا ينبغي أن تكشف إلا لواجب، فإن التداوي عند الأكثرين ليس واجبًا ويؤذَن فيه بكشف العورة، بما فيها المغلظة للمصلحة. أما قول الإمام النَّوَوِيّ ﵀: «وقاله [أي الاستدلال بكشف العورة] قبلهم أبو العباس بن سُرَيج (١) ﵀ وأورد عليه كشفها للمداواة التي لا تجب. والجواب أن كشفها لا يجوز لكل مداواة وإنما يجوز في موضع يقول أهل العرف إن المصلحة في المداواة راجحة على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة» (٢). فالجواب على هذا الجواب أن في الختان من المصلحة ما يترجح على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة.

стр. 72

وأمره ﷺ لأم عطية بالخفض ليس أمرًا للنساء بطلبه، كما هو متقرر في الأصول. وكذلك فإنه لم ينقلها من الترك إلى الفعل، بل من المبالغة في الفعل إلى الاعتدال فيه. وكذلك فإن أمره للرجل الذي أسلم لا يدخل النساء فيه وذلك لأنه وإن كان الأصل أن «النِّساء شقائقُ الرجال» وأن المرأة تدخل في خطاب الرجل والعكس، إلا أن هذا عندما لا يكون هناك سببٌ للتفريق، وهنا يختلف الأمر بين الرجل والمرأة، ومن ذلك أن قُلْفَة الرجل قد يجتمع في آخرها بول يؤثر في طهارته وليس الأمر كذلك عند المرأة، لذا ناسب أن يكون التأكيد أكثر على ختان الذكور (١) وهو ملاحظ في الآثار وأقوال أهل العلم وكذلك عمل الأمة. بقي التنبيه على أنه لم يقل عالمٌ واحد من علماء المسلمين المتقدمين بالمنع من الختان أو عدم مشروعيته، ولكنْ ظهر هذا القول بين بعض المعاصرين، ومنهم شيخ الجامع الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي (٢) ومفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة (٣) وغيرهما واحتجوا بالآتي: • أن الختان لم يثبت فيه شيء في الكتاب أو السنة. والجواب على ذلك بما تقدم من الآثار التي تفيد إقراره ﷺ للختان. وكذلك

стр. 73

يجاب بدخول ختان الإناث في أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان ولم تقصره على الذكور. أما ما ذكروه من قول ابن المُنذِر: «ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سند يتبع» (١) فإنه لا يُتخيَّل أن يكون ابن المُنذِر يريد بذلك أصل الختان للذكور والإناث - كما هو واضح من كلام له آخر (٢) - مع ما جاء فيه من الأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحيحين وغيرهما، وإنما أراد طريقته ووقته. • أن النبي لم يختن بناته. وهذا قول من غير دليل، فمن أين لهم بهذا العلم؟ والأصل أن العرب كانت تختن الإناث ويعدون ذلك مكرمة وإذا بالغ أحدهم في سب آخر قال له يا ابن القَلْفاء (٣). فكيف يُزعم أن رسول الله ﷺ لم يحرص على تلك المكرمة لبناته. فلو كان جاءه وحي من السماء بضرره، فكيف لا يحرص على بيان ذلك لأمته ويختص بناته بنصحه دون باقي المسلمات وهو أب (٤) لهن جميعًا. • أن الفقهاء جعلوه مكرمة أي أنهم لا يرونه واجبًا أو سنة.

стр. 74

والجواب على هذا أن كثيرًا من الفقهاء - كما تقدم - قالوا بوجوبه، بل إنه قول أتباع واحد من المذاهب الأربعة المتبوعة، وهم الشافعية. وذهب بعض الحنفية إلى سنيته وهو قول عند الحنابلة وعندهم قول بالوجوب كذلك، والمالكية قالوا بالاستحباب والأقوى عند الحنفية والحنابلة أنه مكرمة، ولم يقل أحد منهم أنه ممنوع أو غير مشروع أو خلاف الأولى. إن إهمال كل هذه الأقوال وإيراد قول من قال بأنه مكرمة على أنه الرأي الأوحد لا يحسن بأهل العلم ولا يليق. وكذلك فإن هؤلاء السادات من أهل العلم لا يقولون بالوجوب والاستحباب وتتفق كلمتهم على المشروعية، وليس للختان أصل في الشريعة، كما ذكر بعض مانعيه من المعاصرين. وهذا جواب شيخ الجامع الأزهر السابق، الشيخ جاد الحق ﵀، قال: «إن الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض فى حق النساء مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه فقال الإمامان أبو حنيفة ومالك: هو مسنون فى حقهما وليس بواجب وجوب فرض ولكن يأثم بتركه تاركه، وقال الإمام الشافعي: هو فرض على الذكور والإناث، وقال الإمام أحمد: هو واجب فى حق الرجال، وفى النساء عنه روايتان أظهرهما الوجوب، وهو في حق النساء قطع الجلدة التي فوق مخرج البول دون مبالغة في قطعها، ودون استئصالها، وسمي هذا خفاضًا، وقد استدل الفقهاء على خفاض النساء بحديث أم عطية ﵂ قالت: إن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ : «لا تنهكي فإن ذلك أحظى للزوج وأسرى للوجه» ومعنى «لا تنهكي» لا تبالغي في القطع والخفض، ويؤكد هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا نساء الأنصار اختفضن أي (اختتن) ولا تنهكن أي لا تبالغن فى الخفاض» (١) وهذا الحديث جاء

стр. 75

مرفوعًا برواية أخرى عن عبد الله بن عمر ﵁ وهذه الروايات وغيرها تحمل دعوة الرسول ﷺ إلى ختان البنات، ونهيه عن الاستئصال، وقد علل هذا في إيجاز وإعجاز حيث أوتي جوامع الكلم. وهذا التوجيه النبوي إنما هو لضبط ميزان الحس الجنسي عند الفتاة، فأمر بخفض الجزء الذي يعلو مخرج البول لضبط الاشتهاء والإبقاء على لذات النساء واستمتاعهن مع أزواجهن، ونهى عن إبادة مصدر هذا الحس واستئصاله، وبذلك يكون الاعتدال، فلم يعدم المرأة مصدر الاستمتاع والاستجابة، ولم يبقها دون خفض، فيدفعها إلى الاستهتار وعدم القدرة على التحكم فى نفسها عند الإثارة. لما كان ذلك، كان المستفاد من النصوص الشرعية ومن أقوال الفقهاء على النحو المبين والثابت فى كتب السنة والفقه، أن الختان للرجال والنساء من صفات الفطرة التى دعا إليها الإسلام، وحث على الالتزام بها على ما يشير إليه تعليم رسول الله ﷺ كيفية الختان وتعبيره فى بعض الروايات بالخفض مما يدل على القدر المطلوب فى ختانهن .. » (١). • أن له أضرارًا جسيمة على المختونات. وقد كتب الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية بهذا الصدد مقالًا بـ «صحيفة الأهرام» يبرر فيه قوله بالمنع من الختان، ننقل بعض أجزائه: قال: « ... وفي سنة ١٩٥١ م يرسل معالي وزير الصحة المصري إلى فضيلة العلامة الشيخ محمود شلتوت عضو هيئة كبار العلماء، وأستاذ الشريعة بالأزهر الشريف (والإمام الأكبر فيما بعد) يسأله عن قضية الختان، خاصة ختان الإناث، فيجيبه بجواب في ٢٨ ـ ٥ ـ ١٩٥١ م ينشره في «مجلة الأزهر» مجلد ٢٣ عدد المحرم سنة ١٣٧١ هـ في صفحة ٢١، ويقول بكل وضوح: والشريعة تقرر مبدأ عاما، وهو أنه متى ثبت بطريق البحث الدقيق لا بطريق الآراء الوقتية التي تلقى تلبية لنزعة خاصة أو مجاراة قوم
следующие страницы →