← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6853

آداب النفوس للمحاسبي

الحارث المحاسبي

Полный текст (163 стр.). Показаны 141–163 · переход к 146.

стр. 141

وَقَالَ اجْعَل نَفسك تَابعا فِي طَرِيق الْهدى وَلَا تجعلها قائدا الى طَرِيق الْهوى وَقَالَ احذر شَهْوَة لَا تبقى وندامة لَا تفنى وَقَالَ أنيسك الْيَوْم هُوَ انيسك غَدا فِي قبرك وعملك الْيَوْم هُوَ عَمَلك غداص فَانْظُر من أنيسك وَمَا عَمَلك وَقَالَ احفظ الله عِنْد هَوَاك يحفظك عِنْد لقاك تعوذ بِاللَّه من عمل ظَاهره طَاعَة وباطنه مَعْصِيّة وَقَالَ مَا ترك الْحق لأَهله سُرُورًا وَلَا أبقى الْبَاطِل لأَهله من الاخرة نَصِيبا وَقَالَ من علم مَا بَين يَدَيْهِ هان عَلَيْهِ مَا فِي يَدَيْهِ إِذا اكملت معرفَة الرجل بالدنيا تعجب من أبنائها وَإِذا عمي عَن معرفَة الاخرة تعجب من ابنائها وَقَالَ من عرف الدُّنْيَا قاطعها وَمن لم يعرفهَا انْقَطع اليها وَمن عرف الاخرة انْقَطع اليها وَمن لم يعرفهَا قاطعها وَقَالَ اقل الشَّهَوَات لَك نفعا فِي الدُّنْيَا أضرها عَلَيْك فِي الاخرة وَأَقل شهوات الاخرة مُؤنَة عَلَيْك فِي الدُّنْيَا أردهَا عَلَيْك فِي الْآخِرَة

стр. 142

وَقَالَ مَا أيسر الامر على من أحتسب بِنَفسِهِ عَن مُنَافَسَة اهل الْعِزّ فِي عزهم فقد هدي الى المرتقى الَّذِي ارْتقى مِنْهُ المحبون لقرب الله عزوجل وَقَالَ اخْتِيَار العَبْد للعبودية شِفَاء وَبرد على الْفُؤَاد وجلاء لِلْبَصَرِ وَقَالَ طلب العَبْد للحرية بلَاء يعشى مِنْهُ الْبَصَر وَقَالَ الْعَامِل النَّاظر عمله على الْمحبَّة وَالْعَامِل السَّامع غير النَّاظر عمله على الاستثقال فاعمل عمل من سمع ففهم وَنظر فأبصر وَلَا تعْمل عمل من سمع وَلم ينظر وَقَالَ رب نعْمَة تصير عُقُوبَة ونقمة وَرب عُقُوبَة تصير نعْمَة وَقَالَ إِذا أردْت أَن تحب شَيْئا فَأكْثر ذكره فَإِن الذّكر وَالنِّسْيَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ الْحَسَنَة الصادقة المشكورة يُثَاب عَلَيْهَا صَاحبهَا فِي الاخرة وَيُزَاد مِنْهَا فِي الدُّنْيَا يُزَاد للشكر ويثاب للصدق

стр. 143

وَقَالَ من انفع الْعِبَادَة ان يُعَامل العَبْد نَفسه باستصغار الدُّنْيَا عِنْدهَا وَقَالَ وَمن أحسن الْعِبَادَة ان يمتلئ قلب العَبْد من حب الطَّاعَة فَإِذا فاض عملت الْجَوَارِح على قدر مَا رَأَتْ من الْقلب فَرُبمَا كَانَت الْجَوَارِح فِي الْعِبَادَة وَالْقلب فِي البطالة قلت وَكَيف عبَادَة الْقلب دون الْجَوَارِح وَكَيف يفِيض الْقلب بِالْعبَادَة الى الْجَوَارِح قَالَ أَن يصير وعَاء للهم والحزن والافتقار وَالْخَوْف والندامة والتواضع والاضطرار الى الله والنصح لَهُ وَحب مَا يحب الله وبغض مَا يبغض الله فَإِذا عَامل الله على هَذَا بِقَلْبِه هَاجَتْ الْجَوَارِح بِمثل مَا رَأَتْ من الْقلب فانبعث على الطَّاعَة وَإِنَّمَا يكون ذَلِك من الْقلب إِذا خالط سويداءه مَا تَأتي بِهِ الْقِيَامَة وَالْبَاب الاخر ان يمتلئ قلبه من معرفَة نعم الله وسروره بِاللَّه وأنسه بِعبَادة الله وشوقه الى محاب الله وحبه للشكر لله ورجائه مغْفرَة الله فَإِذا عَامل الله بِهَذَا من قلبه اشتاق الى عبَادَة الْجَوَارِح مَعَه فَيكون عَاملا وَفِي عمله أنس وسرور وحلاوة

стр. 144

وَقَالَ وَمن أشرف الْعِبَادَة ان تراقب الله بِمَا يحب الله فَإِذا فترت عَن ذَلِك راقبته فِيمَا يكره ملتمسا الْعود الى الْحَالة الاولى الَّتِي كنت عَلَيْهَا حَرِيصًا على ذَلِك فَيحدث لَك حِينَئِذٍ اليها حنين شَدِيد فَإِنَّهُ إِذا رآك كَذَلِك تحن وتحرص رد عَلَيْك مَا سلبك قَالَ وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّتِي قبلهَا وَفِي جَمِيع الاعمال على الْعَامِل ان يعقل مَا على الْقلب وَمَا على جوارح فَيبْدَأ بِمَا على الْقلب ثمَّ بِمَا على الْجَوَارِح فَإِن الْقلب هُوَ الاصل والجوارح أَغْصَان وَلَا تقوم الاغصان إِلَّا بالاصل قَالَ وَمن أحسن الاخلاق ان تكون سجية العَبْد التَّوَاضُع وَمن أحسن الفعال الاحسان الى من أَسَاءَ إِلَيْك وَقَالَ اجْتهد وَلَا تيأس وَلَا تقل عِنْد ذكر الصَّالِحين لَوْلَا ذُنُوبِي لرجوت طَريقَة الصَّالِحين فيفترك ذكر ذنوبك عَن الْعَمَل فَإِن صَاحب الْحمل الثقيل أولى ان يجْتَهد فِي إِسْقَاط مَا قد حمل من المخف الَّذِي لَيْسَ على ظَهره شَيْء وَقَالَ إِن اردت ان ينظر الله اليك بِالرَّحْمَةِ فَانْظُر انت الى الصَّالِحين بالغبطة والى العاصين بالرأفة

стр. 145

وَقَالَ إِذا وَقع فِي قلب العَبْد الاهتمام بِالنَّفسِ اشْتَدَّ خَوفه عَلَيْهَا وَعظم رجاؤه للنَّاس واذا خلا قلبه من هم نَفسه حسن ظَنّه بهَا وَعظم رجاؤه لَهَا وَخَافَ على النَّاس وَقَالَ من طَالَتْ فكرته فِي اربعة اشياء اورثته الْحزن والهم وَهِي تُؤدِّي بَعْضهَا الى بعض وكل خصْلَة مِنْهَا كَافِيَة اذا فَكرت فِي علم الله فِيك واين اسْمك فِي ام الْكتاب وَبِمَ يخْتم لَك وَذكرت ذنوبك وَقَالَ من طَالَتْ فكرته فِي اربعة اشياء اورثته الْخَوْف والخشية وَهِي تُؤدِّي بَعْضهَا الى بعض وكل وَاحِدَة مِنْهَا كَافِيَة من فكر فِي الْمَوْت وَسُرْعَة انْقِضَاء الاجل والمصير الى الْقَبْر وَالْوُقُوف لِلْحسابِ وَالنَّار الَّتِي لَا صَبر لأحد عَلَيْهَا وَقَالَ لَا تنَازع الله فِي محبته فَتكون قد عاملته بالغلبة وَقَالَ لَا تُؤثر على الله احدا فيكلك الى من آثَرته عَلَيْهِ وَقَالَ الى مَتى تعد الشّغل عونا وَقَالَ ان لم تتْرك مَا يرديك اقبل عَلَيْك من يغويك وَقَالَ اذا اردت ان تقسم صَدَقَة اَوْ مَعْرُوفا فِي النَّاس اَوْ فِي سواك

стр. 146

قريب مِنْك فَإِنَّمَا تبدأ اقربهم مِنْك منزلا واشدهم الى صدقتك فقرا ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَلم تذكر بصدقتك من بعد مِنْك اَوْ اسْتغنى عَن صدقتك فَقرب يَا أخي منزلتك من الله واكشف لَهُ عَن فقرك اليه ينلك معروفه فِي اول من ينَال فَافْهَم يَا اخي ان كنت تفهم وَقَالَ لَو كَانَ لَك عبيد اردت عتق بَعضهم الْيَسْ كنت تبدأ بأعدلهم سيرة وانصحهم لَك واخدمهم وَقَالَ انك ان لم تتْرك مَا يكرههُ الله لم يذكرك فِيمَن يُحِبهُ وَقَالَ ابذل الله مَا اغناك عَنهُ يبْذل لَك لَا غنى بك عَنهُ وَقَالَ من كَانَ يحب الْقرب من الله فليترك مَا يباعد من الله تَعَالَى وَقَالَ اجْعَل بَصرك بَين يَديك فَإِن الَّذِي وَرَاءَك قد جزته وَقَالَ انك لَو رَأَيْت من بَاعَ نصِيبه من الْآخِرَة بِنَصِيب غَيره من الدُّنْيَا لعجبت مِنْهُ فبع انت نصيب غَيْرك من الدُّنْيَا بنصيبك من الْجنَّة فَإِن الَّذِي يبْقى مِنْك انما هُوَ رزق غَيْرك وَقَالَ لَا تطلب المحمدة مِمَّن يَمُوت فلتلحقك المذمة مِمَّن لَا يَمُوت وَقَالَ اترك خوف الدُّنْيَا تأمن الْآخِرَة واطلب أَمن الْآخِرَة بخوف الدُّنْيَا

стр. 147

وَقَالَ اذا عرضت لَك شَهْوَة فاذكر الْعَاقِبَة فكم من شَهْوَة ذهبت عَنْك لذتها وَبقيت عَلَيْك حسرتها وَقَالَ ان الَّذِي يفْسد عَلَيْك الْآخِرَة هُوَ الَّذِي لَا تحْتَاج اليه فِي الدُّنْيَا فَمَا راحتك اليه وَقَالَ لَو رَأَيْت رجلا بَين جمَاعَة وكل وَاحِد يكيده بألوان المكايد ثمَّ لم تره يتَضَرَّع ويستكين وَيَنْقَطِع الى من يَرْجُو نجاته لسفهت رَأْيه وعقله فَلَا تكونن انت هُوَ وَقَالَ مَا وجد اُحْدُ من صَاحبه رَائِحَة اطيب رَائِحَة اطيب من رَائِحَة حسن الْخلق وَقَالَ ان لَك فِي خِصَال ثَلَاث شغلا عَمَّا سواهَا فِي مراقبتك رَبك ومحاسبتك نَفسك ومذاكرتك ذَنْبك وَقَالَ اصرف عَنْك عوارض الشَّهَوَات بالحزن والندامة على الشَّهَوَات الْمَاضِيَة الَّتِي قد انْقَضتْ عَنْك لذتها وَبقيت عَلَيْك تبعاتها والق عَن قَلْبك الْهم تَصْدِيق بوعد الله تَعَالَى والزم قَلْبك الْخَوْف حذر الْوَعيد لله تَعَالَى وتواضع لَهُ افتقارا الى رَحمته واستصغارا لنَفسك عِنْد ذكر عَظمته وانف عَنْك التزين للنَّاس ايثارا لمحبته واستوجب اسْم الشُّكْر لَهُ على احسانه اليك بالمحبة مِنْك لعبادته واستوجب اسْم الْخَوْف مِنْهُ بِالْكَرَاهَةِ مِنْك لمعاصيه واستوجب نعْمَة مَعْرفَته بحبك لمراقبته واستوجب اسْم الْحبّ لمراقبته بالانس بِهِ دون خلقه

стр. 148

وَقَالَ ان للنَّاس منَازِل ودرجات فَمن نظر بعيني قلبه ابصر درجاتهم ومنازلهم فِي طَرِيق الْآخِرَة كَمَا ابصر بعيني رَأسه منَازِل ودرجات اهل الدُّنْيَا وَلَا يسْتَحق اُحْدُ منزلَة من منَازِل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِمَعْرِِفَة قلبه وَلَا بِذكر لِسَانه وَلَكِن بِعَمَل اهلها وَالْقِيَام بشروطها وكما لَا ينفع الْفَقِير مَعْرفَته بيسار الْمُوسر وَمَا يملك من النَّعيم والوان الاطعمة والافرشة واللباس كَذَلِك لَا تنفعك معرفتك بأعمال الصَّالِحين وانت غير عَامل بِمثل عَمَلهم بل هُوَ حجَّة عَلَيْك وَالله نسْأَل التَّوْفِيق برحمته

стр. 149

من عُيُون الْمعرفَة اختبار النَّفس يرْوى عَن حَكِيم انه سُئِلَ عَن امتحان النَّفس فِي الصدْق حَتَّى يعلم العَبْد اصادقة هِيَ ام غير صَادِقَة فَقَالَ اذا علم العَبْد ان احسد حَاسِد لَهُ واعدى عَدو لَهُ نَالَ بِعِلْمِهِ ثَنَاء وجاها فِي النَّاس وَيكون مَسْتُورا على النَّاس عمله وَيلْزمهُ هُوَ بِعَمَلِهِ الْخَالِص رِيَاء عِنْد النَّاس وَسُقُوط مَنْزِلَته عِنْدهم فَإِن سخت نَفسه بذلك واحبت انفاذ الْعَمَل فَهُوَ عَلامَة الصدْق حَتَّى يرد عَلَيْهِ من ذمّ النَّاس لَهُ واقامة جاه حاسده وعدوه مَا يعلم بُطْلَانه فَإِن لم تحدث النَّفس عِنْد ذَلِك خواطر الندامة وَمَضَت على محبتها للْعَمَل فَبَارك الله فِيهَا وَهُوَ وَالله الصدْق بِعَيْنِه وَهُوَ عَامل لله حَقًا وَعَمله لما بعد الْمَوْت مخلصا كَيفَ يكون شكر النعم قلت اخبرني عَن قَول النَّاس شكر النِّعْمَة مَعْرفَتهَا قَالَ شكرها مَعْرفَتهَا على قدر موقعها من قلبه بتعظيمها وتعظيم

стр. 150

احسان الْمُنعم عَلَيْهِ بهَا وَلَا يكون مُعظما لَهَا حَتَّى يكون رَاغِبًا فِيهَا وَلَا يكون رَاغِبًا فِيهَا حَتَّى يعرف حَاجته اليها وَلَا يعقل حَاجته اليها الا بتدبر عواقب الامور وَسُرْعَة الْمصير اليها وَشدَّة حَاجته الى مَا يقدم عَلَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِك تعظم النِّعْمَة عِنْده من الْمُنعم عَلَيْهِ بهَا وَيعرف امتنانه واحسانه اليه فِيهَا فَعِنْدَ ذَلِك يَشْتَهِي الزِّيَادَة مِنْهَا واذا علم الله ﵎ ذَلِك مِنْهُ زَاده مِنْهَا وَفِي الْجُمْلَة انه من رزق شَيْئا يَرْجُو بِهِ مرضاة ربه والنجاة من النَّار عظم فِي عينه وَتَشَوُّقِ الْقلب الى الْمُعْطِي وَلَا يكون شاكرا لنعم الدُّنْيَا كلهَا حَتَّى يكون شاكرا لنعم الْآخِرَة وَلَا لما تحب نَفسه حَتَّى يكون شاكرا لما يحب الله وَلَا يكون شاكرا للنَّاس وَلَيْسَ بشاكر لله الِاعْتِبَار بِمَا قبل الْولادَة وَمَا بعد الْمَوْت من علم انه لَا يملك من نَفسه الا كَمَا كَانَ يملك قبل ان يُولد وكما يملك بعد ان يَمُوت فقد انْزِلْ نَفسه منزلَة الضعْف والفقر فِي التَّوَاضُع والاستكانة وَمن لم ينزل نَفسه ذَلِك الْمنزل وَلم يعلم ان ذَلِك كَذَلِك علما يَقِينا فقد اسْتحق طَريقَة الْجَاهِلين واستوجب عُقُوبَة المستدرجين

стр. 151

استحي من الله وَحده وَقَالَ اذا حملت وعَاء من اوعية الشَّرّ فَإنَّك ترتعد خوفًا ان يَبْدُو للنَّاس شَيْء مِمَّا فِيهِ من الشَّرّ فَمَتَى يصلح مَا بَيْنك وَبَين الله هَيْهَات اذكر الْمَوْت كَالْعَبْدِ السوء الَّذِي لَا يستحيي من مَوْلَاهُ وَلَا يرجع عَن مساويه وَلَا يعرف احسانه اليه الا عِنْد الْحساب وَالْعِقَاب وَاذْكُر الْمَوْت وَمَا بعد الْمَوْت وَقَالَ مَا ظَنك بِمن يكره ان يطلع النَّاس مِنْهُ على مَا يكره الله وَلَا يستحيي ان يطلع الله مِنْهُ على مَا يكره سوءة لمن كَانَ هَكَذَا وعجبا لَهُ حَيْثُ يتْرك ويضيع الفرص ويركب من الاشياء مَا كره الله ثمَّ يتَقرَّب الى الله بِمَا لم يفرضه عَلَيْهِ وَيتَعَاطَى النَّوَافِل من الْحَج وَالْعمْرَة وَيَأْمُر وَينْهى وَيَدْعُو النَّاس بِزَعْمِهِ الى الله ويأبق مِنْهُ وَيَأْمُر وَلَا يعْمل وَينْهى وَلَا يَنْتَهِي اترى من كَانَ هَكَذَا عرف الله اَوْ يعْتد بنظره اليه اَوْ صدق فِي ان عِنْد الله ثَوابًا للمطيعين وعقابا للعاصين سوءة لمن كَانَ هَكَذَا حَقِيقَة التَّوَاضُع قلت اخبرني عَن قَول الْقَائِل التَّوَاضُع هُوَ ان تكون اذا خرجت من بَيْتك فَكل من استقبلك رَأَيْت ان لَهُ عَلَيْك الْفضل فَإِذا كَانَ الرجل يَدعِي

стр. 152

هَذَا ويقربه بِلِسَانِهِ غير أَنه اذا صَار الى احْتِمَال شُرُوطه ومحنه لم يتحملها الا بالكره من نَفسه ايكون هَذَا متواضعا قَالَ اذا كَانَت تِلْكَ الشُّرُوط من الْحُقُوق الْوَاجِبَة فَلم يقبلهَا الا بالكر من نَفسه فَلم يبلغ هَذَا دَرَجَة المتواضعين وان كَانَت شُرُوطًا دون الْحُقُوق الْوَاجِبَة مِمَّا لَا يحرج العَبْد ترك قبُولهَا من اُحْدُ وَكَانَ طيبا بِقبُول الْوَاجِب مِنْهَا فَهُوَ طَرِيق المتواضعين وعَلى منهاجهم اصلح مَا بَيْنك وَبَين الله ويروى عَن بعض الْحُكَمَاء انه كتب الى اخ لَهُ اوصيك يَا أخي بإصلاح مَا بَيْنك وَبَين الله وايثار محبته على هَوَاك والاقبال على عمل من اليه معاملتك وَقَبله حَاجَتك وَاعْلَم ان ايامك قَليلَة ونفسك وَاحِدَة فَإِن فنيت ايامك فَلَا رَجْعَة لَك فِيهَا وَلَا عوض لَك مِنْهَا وان عطبت نَفسك فَلَا نفس لَك سواهَا وَهل تَدْرِي يَا أخي مَا اصلاح مَا بَيْنك وَبَين الله الا يَأْتِيهِ مِنْك شَيْء الا كَانَ فِيهِ لَهُ رضى وَلَا يَأْتِيك مِنْهُ شَيْء الا كَانَ لَك بِهِ رضى فَإِن ضعفت عَن الرضى بِكُل مَا يَأْتِيك من حكم الله وامره

стр. 153

فَلَا تضعفن عَن الصَّبْر فَإِن لَهُ الرِّضَا بِحَال عَبده مَا دَامَ العَبْد رَاضِيا بِحكمِهِ وَله الرضى بصبر عَبده على امْرَهْ وَحِكْمَة مَا دَامَ العَبْد صَابِرًا على ذَلِك فَلهُ فيهمَا الرضى جَمِيعًا واما عَمَلك فالوفاء بعهده وَالشُّكْر على نعمه واما حَاجَتك فمغفرته وعفوه فان الله سُبْحَانَهُ خلق آدم وَذريته وَخلق الْجنَّة ثَوابًا لأهل طَاعَته وَرَحمته وَخلق النَّار عقَابا لأهل مَعْصِيَته وَسخطه فنعوذ بِاللَّه من سخطه وعقابه فتعاهد يَا أخي ايامك فى ليلك ونهارك وَجَمِيع احوالك مَا انت فِيهِ وَمَا انت عَلَيْهِ وتعاهد ضميرك فنقه وخلصه وَسلمهُ حَتَّى يكون نقيا مِمَّا تخَاف عَلَيْهِ الْعقَاب فَارغًا لما تؤمل من الثَّوَاب فَإنَّك غير غَائِب عَن الله طرفَة عين يراك ويحصي عَلَيْك مَثَاقِيل الذَّر وموازين الْخَرْدَل ليجزيك بذلك يَوْم الْقِيَامَة ان خيرا فَخير وان شرا فشر فَلَا يغيبن عَنْك ذكره فَإِن حَاجَتك اليه اذ لَا حَاجَة لَهُ اليك وَاعْلَم يَا أخي ان اصل كل قَول الْعَمَل وَاصل كل عمل الْعلم وَاصل كل ذَلِك التَّوْفِيق مَعَ صِحَة تركيب الْعقل وَكَثْرَة الْفِكر فَإِن قدرت الا تكون بِشَيْء اعْلَم مِنْك بِاللَّه فافعل فَإِن القَوْل وَالْعلم وَالْعَمَل

стр. 154

وَغير ذَلِك هُوَ المُرَاد بِهِ ﵎ وان افضل النَّاس اقربهم من الله واقربهم مِنْهُ اعلمهم بِهِ وَقد بلغنَا ان النَّبِي ﷺ قَالَ يتفاضل النَّاس بالمعرفة وَقَالَ ابْن مَسْعُود ذهب عمر بِتِسْعَة اعشار الْعلم وانما يَعْنِي بذلك الْعلم بِاللَّه وَاعْلَم يَا أخي أَن النَّاس انما يخلصون فِي اعمالهم على قدر معرفتهم بِهِ ويتواضعون لله على قدر معرفتهم بِهِ ويشكرون الله على نعمه على قدر معرفتهم بِهِ ويرجون الله وَيَخَافُونَ على قدر معرفتهم بِهِ ويحسنون الظَّن على قدر معرفتهم بِهِ ويصبرون على طَاعَته وَعَن مَعْصِيَته وعَلى كتمان طَاعَته وعَلى المصائب الَّتِي تنزل بهَا احكامه على قدر معرفتهم بِهِ وَيُحِبُّونَ مَا احب ويبغضون مَا ابغض على قدر معرفتهم بِهِ فَمن فَاتَتْهُ الْمعرفَة بِاللَّه دخله النَّقْص فِي جَمِيع مَا ذكرنَا على حسب مَا فَاتَهُ من الْمعرفَة وعَلى حسب مَا رزق مِنْهَا فَكَذَلِك حَظه من الْخَيْر وَالشَّر فالتمسها يَا اخي من مليكها التمَاس من لَا يستأهل ان يعطاها فَإِن الْعلمَاء قد صَارُوا إِلَيْهِ من الْعلم على قدر مَا احسنوا من الطّلب وَوضع الْأَشْيَاء موَاضعهَا فَإِذا اصبحت واردت شَيْئا من الْخَيْر فَانْظُر كَيفَ شكرك على مَا انْعمْ بِهِ عَلَيْك رَبك فِي ليلتك وَكَيف توبتك مِمَّا يُتَاب مِنْهُ فقد قَالَ ﵎ ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ وَقَالَ ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾

стр. 155

واذا دخلت فِي شَيْء من الْخَيْر فَانْظُر مِمَّن كَانَ بدؤه وعَلى من إِتْمَامه وانه لَو قيل لَك من احب اليك ان تعْمل لَهُ لَقلت الله فليحقق ضمير قَلْبك مَا عبر واقر بِهِ لسَانك وَاعْلَم يَا اخي ان اهل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بَين سرُور وهموم فَأهل سرُور الْآخِرَة اهل الْجنَّة وَإِن افضل سرورهم النّظر إِلَى الله وَأَن افضل سرُور الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا سروره بربه وَبِأَنَّهُ عَبده وتصديق ذَلِك انه بمراقبته ومناجاته وَبِكُل مَا يعْمل لَهُ وعلامة انسه بِعَمَلِهِ وجود حلاوة الْعَمَل لَهُ وَشدَّة الْحبّ لخدمته ومحال ان يسْتَأْنس الْعَامِل بِعَمَلِهِ وَهُوَ غير مستأنس بِمن يعْمل لَهُ اَوْ غير خَائِف مِنْهُ وَاعْلَم يَا أخي لَو ان الَّذِي تطلب وتعالجه من نَفسك من الطَّاعَة والاستقامة لله كنت تعالجه من جَمِيع انفس ولد آدم لَكَانَ فِي الله قَلِيلا فَكيف وَهِي نفيسة وَاحِدَة فِي ايام قَليلَة فَالْزَمْ يَا أخي الْمُحَافظَة والمداومة على التعاهد فِي المراقبة فَلَو كَانَت الدُّنْيَا كلهَا لَك فبذلتها ونفسك مَعهَا شكرا لما انْعمْ عَلَيْك من معرفَة وانه رَبك وانت عَبده وانه هُوَ امرك بعبوديته ونهاك عَن عبودية غَيره لَكَانَ ذَلِك كُله قَلِيلا حَقِيرًا فِي جنب نعْمَته عَلَيْك فِي ذَلِك فَلَا تضيعها بشغل مَا لَا حَاجَة لَك فِيهِ فَإِنَّهُ لَا غنى بك عَن معرفَة إحسانه إِلَيْك كَمَا لَا غنى بك عَن اساءة فَإِن العَبْد بَين ذَنْب ونعمه وَبَين شكر واستغفار وَالْحَمْد لله على مَا أنعم علينا وَعلمنَا وَكَانَ فضل الله علينا عَظِيما

стр. 156

حقائق التَّوَكُّل ويروى عَن بعض الْحُكَمَاء انه قَالَ احْمَد الله اليكم حمد من لَا يعرف احسانا الا مِنْهُ وَلَا يعرف معبودا غَيره واسأله توكل المنقطعين بِصدق الِانْقِطَاع اليه اما بعد فَإِن الله تَعَالَى خص اهل ولَايَته بغبطة الِانْقِطَاع اليه ليعرفهم تَوَاتر نعمه ودوام احسانه وفضله فَانْصَرَفت هموم الدُّنْيَا من قُلُوبهم وَعظم شغل الْآخِرَة فِي صُدُورهمْ لما سكنها من هَيْبَة رَبهم فألزموا قُلُوبهم ذل الْعُبُودِيَّة وطرحوا انفسهم فِي محجة التَّوَكُّل على الله وَاعْلَم يَا أخي انك لَا تكون متوكلا على الله الا بِقطع كل مُؤَمل دون الله وَكَيف لَا تسخو نَفسك بِقطع كل علاقَة من قَلْبك وتفرغ قَلْبك للاقبال على الله وَصدق التَّوَكُّل عَلَيْهِ وَالله حسب من توكل عَلَيْهِ والمتوكل الصَّادِق فِي توكله لَا يجد قلبه يخضع لمخلوق لَان قلبه مَمْلُوء بالثقة بِضَمَان الله والمتوكل الصَّادِق فِي توكله الْقَلِيل من عطايا الله عَظِيم عِنْده عِنْد صغر

стр. 157

قدره لمعرفته بعظيم قدر الله فَهُوَ سَاكن الى روح الْيَقِين وَهِي الْمنزلَة الَّتِي يغبطه بهَا اهل الْحِرْص على الدُّنْيَا فَمن سكن قلبه الى انه لَيْسَ نعْمَة فِي السَّمَاء والارض الا وَهِي لله استراح قلبه من عَذَاب الْحِرْص اما سمعته يَقُول ﴿هَل من خَالق غير الله يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ فَإِذا الزمت الثِّقَة قَلْبك فَإِنَّمَا انت نَاظر الى الله لَان الْملك لله دون خلقه وبقدر تَركك الثِّقَة يعظم حرصك على الدُّنْيَا فَخَالف حرصك على الدُّنْيَا بالقنوع بِمَا قسم لَك فَإنَّك تسرع فِي عَدَاوَة الْحِرْص على الدُّنْيَا لَان الْحِرْص لَا يُعْطي وَلَا يمْنَع والمتوكل على الله اسْتغنى بالمعطي الْمَانِع عَمَّن لَيْسَ بمانع وَلَا معط فَهُوَ غَنِي بِاللَّه عَمَّن سواهُ فَقير الى الله قد سكن قلبه عَن الِاضْطِرَاب فَلَيْسَ لمخلوق فِي قلبه خطر فَمن وثق بِغَيْر الله لَا يُغْنِيه فَمن وثق بِغَيْر الله لَا يُغْنِيه والمتوكل لزم التَّقْوَى فَجعل الله لَهُ مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَلم يقل من حَيْثُ يحْتَسب وَقَالَ وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه ان الله بَالغ امْرَهْ قد جعل الله لكل شَيْء قدرا فالمتوكل توكل على الله فِي حاجاته كلهَا من امور آخرته ودنياه

стр. 158

وَقطع رَجَاءَهُ مِمَّن سواهُ وَلم ير نَفسه موضعا لاختيار نَفسه لَان الله حَسبه وَمن كَانَ كَذَلِك فقد سكن الى روح الْيَقِين وَهَذِه الْمنزلَة الَّتِي لَا منزلَة ارْفَعْ مِنْهَا فِي سُكُون الْقلب الى الله والطمأنينة بموعود الله لِأَنَّهُ قد جعل الله حَسبه من جَمِيع خلقه وَمن كَانَ الله حَسبه فَلَا يجد فقد شَيْء لَان الله قد ضمن لَهُ وَهُوَ بَالغ امْرَهْ وَاعْلَم انك والخلق جَمِيعًا مضطرون الى الله فِي كل حَال وَفِي كل حَرَكَة وكل سُكُون لِأَنَّهُ الْغَنِيّ وَحده وَمن وثق بِغَيْر الله فقد راى ان ملكا اكبر من ملك الله وَمن وثق بِاللَّه اسْتغنى بِهِ لَان الله حَسبه وَفِي الله خلف من جَمِيع الْخلق وَلَيْسَ فِي اُحْدُ من الْخلق خلف من الله لَان الله هُوَ الْغَنِيّ وَحده فَإِذا علمت ان الله حسب من توكل عَلَيْهِ فَكيف لَا تطلب الْكِفَايَة بالتوكل على الله أَلَسْت تعلم ان الرَّزَّاق قد قسم بَين عباده مَعَايشهمْ وَقد فضل بَعضهم على بعض فِي الرزق وَقد فرغ مِمَّا قضى وَقدر من ذَلِك فَكيف تعنى بعد علمك بِطَلَب مَا قد فرغ لَك من مِقْدَاره الا تسمع الى قَول الله ﴿وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله﴾ فَكيف تطلب كشف الضّر من غير الله اَوْ تطلب الْمَنْفَعَة من عِنْد غير الله

стр. 159

وَكَيف لَا يكون الْغَالِب على قَلْبك طلب كشف الضّر وَطلب النَّفْع من عِنْده وَحده اذ علمت ان ذَلِك كُله انما هُوَ بِيَدِهِ وَحده وَكَيف تخَاف فَوت شَيْء من الْخَيْر يُريدهُ الله بك وان لم يردهُ بك فَمن يعطيك ذَلِك اَوْ ينيلك اياه والمتوكل على الله لَا يلْتَفت الى الدُّنْيَا لانه لَا يَرَاهَا لنَفسِهِ خطرا وَلَا يَرَاهَا وَنَفسه وَجَمِيع مَا فِيهَا الا لله وَيَسْتَوِي عِنْده ركُوب الْبَحْر وَالْمَشْي فِي الْبر والانس والوحشيه وَالْعَمَل وَالْجُلُوس لَان الله تَعَالَى كَاف من توكل عَلَيْهِ اولا تسمع لقَوْله تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ فالمتوكل على الله اكْتفى بِعِلْمِهِ بِاللَّه عَن الِاشْتِغَال بِغَيْرِهِ لانه علم ان الَّذِي يُوصل اليه الْمَنَافِع هُوَ الله وَحده لَا شريك لَهُ وايضا اذا سكن قَلْبك الى الله لم تخف غَيره لَان الله حسب من توكل عَلَيْهِ وَمن عَلامَة المتَوَكل انه يُؤثر الصدْق حَيْثُ يضرّهُ على الْكَذِب حَيْثُ يَنْفَعهُ لانه لم يَصح لمن توكل عَلَيْهِ ان يخَاف غَيره وَكَذَلِكَ اذا امْر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر لم يخْشَى الا الله لَان رجاؤه من الله اكثر من خَوفه من توعد المخلوقين لَان المتَوَكل على الله اخْرُج من قلبه كل مخوف ومحذور ومحزون دون الله حَتَّى اتَّصل خَوفه ورجاؤه بِاللَّه وَاعْلَم ان المعاون انما تحضر عِنْد اخراج الْعَالم من قَلْبك فتنحاش عِنْد ذَلِك

стр. 160

الى مسالك الْعِزّ والغنى بِاللَّه لِأَنَّك تعلم انه لَا مَانع وَلَا معطي وَلَا ضار وَلَا نَافِع الا الله وَحده وَلَا ترغب عَن الله بجهلك فتخضع لمن دونه عِنْد تخويف الشَّيْطَان فيستولي عَلَيْك عِنْد ذَلِك اولا تسمع قَوْله ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا﴾ فَمَا يَضرك من مواعيد الشَّيْطَان مَعَ ضَمَان الرَّحْمَن وَاعْلَم انك لَا تكون متوكلا على الله تَعَالَى حَتَّى تسلك منهاج الْمُضِيّ اليه على السّكُون والاطمئنانية الى الله وَحَتَّى تعبد الله رَاضِيا بِمَا صيرك اليه لانك لَا تعرف غَيره فأذا صرت الى هَذِه الْمنزلَة غلبت على قَلْبك عَظمَة الله وجلاله واحتقرت دءوب الْمَلَائِكَة الَّذين لَا يفترون لَان الْخلق كلهم مقصرون عَن حَقه عَلَيْهِم ﷻ وَاعْلَم ان الله سُبْحَانَهُ خص المتوكلين عَلَيْهِ بمنازل السَّلامَة وحجب عَنْهُم كل ندامة فهم ينظرُونَ الى الله فِيمَا يأملون قد حجب قُلُوبهم عَمَّا سواهُ لما يرجون من احسانه واستغنوا بِذكرِهِ عَن ذكر غَيره وَاعْلَم انك لَا تكون متوكلا حَتَّى تصفو من كل ملك لنَفسك مَعَ ملك

стр. 161

الدُّنْيَا وَحَتَّى لَا تثق الا فِي الله وَحده لَا شريك لَهُ وَحَتَّى ترى مؤنتك على الله وَحده فَلَا يذْهبن بك الطمع الى غير الله الا ترى ان الَّذِي طمعت فِيمَا فِي يَدَيْهِ الْيَسْ هُوَ فِي ملك الله هَل فِي السَّمَاء حاجز يحجزك عَن الله فَاعْلَم انك لَا تقدر ان تفرض رزقك كَمَا لَا تقدر ان تفرض الْمَوْت اما سَمِعت الله يَقُول ﴿الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فاسكن يَا أخي الى مَوْعُود الله تَعَالَى فِي رزقه كَمَا تسكن الى انك ميت واقطع الِاشْتِغَال بِذكر الاسباب من قَلْبك وَاعْلَم ان الله يرزقك لسَبَب وَبِغير سَبَب وكل سَبَب فَهُوَ ثَابت لَا تعلم مَتى يَأْتِيك رزقك كَمَا لَا تعلم مَتى يَأْتِيك الْمَوْت الا ترى ان الله وَعدك ان يرزقك وغيب رزقك عَنْك بِالْقضَاءِ وَله وَقت ينزل فِيهِ فَلَو احتلت بِكُل حِيلَة ان يَأْتِيك قبل وقته لم تقدر على ذَلِك حَتَّى ينزل فِي وقته أما سَمِعت الله يَقُول ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾

стр. 162

وَاعْلَم ان الواثق بِاللَّه نفى عَن قلبه التُّهْمَة لله وان كنت فِي ظلّ سَبَب فَلَا يميلن قَلْبك الى السَّبَب وَليكن قَلْبك مَعَ الله وَاعْلَم ان القهرمان لَا ينْفق الا بِإِذن السَّيِّد فاعقد قَلْبك لسيدك لانه ان اعطاك لم يقدر اهل الارض ان يمنعوك وان مَنعك لم يقدر اهل الارض ان يعطوك لَان سُلْطَانه عَظِيم وبتوكلك عَلَيْهِ يَكْفِيك فالمتوكل سَاكن الْقلب الى الْمَضْمُون فَمن قطع تعلق الْقلب بالاسباب لم ير شَيْئا الا الله لَان قدر الله جَار على المتَوَكل وَغَيره الا تسمع الى قَوْله تَعَالَى ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها وَإِيَّاكُم وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وَقد علم المتَوَكل علما يَقِينا وَسكن قلبه الى ذَلِك ان مَا قسم لَهُ وَقدر لَو كَانَ فِي مهب الرّيح لأدركه وان مَا لم يقسم لَهُ وَلم يقدر لَو كَانَ بَين يَدَيْهِ وَجهد اهل السَّمَوَات والارض ان يوصلوا اليه مثل ذرة اَوْ خردلة لم يقدروا على ذَلِك وَقد قَالَ ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق نَحن نرزقهم وَإِيَّاكُم﴾ وَقَالَ ﴿وعَلى الله فتوكلوا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَلم يحِق لَهُم ايمانا الا بتوكلهم عَلَيْهِ وَقَالُوا ﴿على الله توكلنا﴾ وَقَالُوا ﴿وَمَا لنا أَلا نتوكل على الله وَقد هدَانَا سبلنا﴾

стр. 163

فالتوكل مَحْض الايمان لانه فَرِيضَة على الْعباد وَلَا يكون الايمان الا بتوكل والتوكل يزِيد وَينْقص كَمَا ان الايمان يزِيد وَينْقص وَالنَّاس يتفاضلون فِي التَّوَكُّل والايمان على قدر الْيَقِين