← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6853

آداب النفوس للمحاسبي

الحارث المحاسبي

Полный текст (163 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الْقلب سَاءَهُ اَوْ سره ثمَّ يتحفظ ويتعاهد حَتَّى يخْتم الْعَمَل الَّذِي افتتحه بالارادة الصادقة بِمثل ذَلِك وَبعد فَرَاغه من الْعَمَل مَا دَامَ الرّوح فِي جسده وَاعْلَم ان احكام هَذَا اعز واشد من نقل الصخر وركوب الاسنة الا من رزقه الله احكام ذَلِك والعناية بِهِ مَخَافَة تلف نَفسه واحباط عمله لَان الْعَدو ملح مجد محتال لَهُ فِي ادخال الْآفَات الَّتِي تفْسد الاعمال فَهُوَ يرصده قبل دُخُوله فِي الْعَمَل وَبَعْدَمَا يدْخل فِيهِ وَبعد مَا يخرج مِنْهُ عرُوض الْهوى بعد تَقْدِيم الْإِرَادَة الصادقة فَإِن قدم الْإِرَادَة وَالنِّيَّة الصادقة الصَّحِيحَة الَّتِي بِلَا سقم فِيهَا وَدخل بهَا الْعَمَل وَنفى الْهوى وَدفع النَّفس وَخَالف الشَّهْوَة وجاهد الْعَدو فَإِن صده بعد دُخُوله فِي الْعَمَل فَعرض لَهُ بِمَا ذكرنَا من الْآفَات الَّتِي تفْسد الاعمال فَإِن قبلهَا حَتَّى يخْتم الْعَمَل بقبولها فسد عَلَيْهِ أَصله الصَّحِيح الَّذِي كَانَ قد أصل وَدخل بهَا فِي الْعَمَل وَإِن هُوَ لم يقبل مَا عرض لَهُ بِهِ فِي الْعَمَل ونفاه وَدفعه لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا وَإِن هُوَ قبله ثمَّ انتبه قبل ان يفرغ من الْعَمَل فندم وَرجع وتيقظ وأزال الْغَفْلَة ثمَّ ختم الْعَمَل بالندم لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا

стр. 107

وَإِن هُوَ ختم الْعَمَل بِالصّدقِ وَالصِّحَّة فَإِنَّهُ يُطَالِبهُ فِي ذَلِك الْعَمَل ليفسده عَلَيْهِ وَلَو بعد حِين فَيَنْبَغِي للْعَبد أَن يَتَّقِي الله وَأَن يخلص لَهُ الْعَمَل وَيقدم لَهُ النِّيَّة أَمَام كل عمل وَبعد كل عمل الى الْمَمَات حَتَّى تكون أَعماله كلهَا لله وَحده وَلَا يطْلب الثَّوَاب إِلَّا من الله وَحده ويجاهد هَذَا الْعَدو الْمُسَلط وَيُخَالف هَذَا الْهوى ويكابد هَذِه النَّفس وَيَتَّقِي هَذِه الشَّهْوَة الهائجة فِي قلبه وَيعلم من يُعَامل وَلمن يعْمل لَهُ وثواب من يطْلب وَيعْمل الْعَمَل بهيجان الرَّغْبَة فِي ثَوَاب الله تَعَالَى وهيجان الرهبة من عِقَاب الله تَعَالَى وانه إِن عمل على ذَلِك عمل الْعَمَل بِشَهْوَة وخفة ومحبة لما قد هاج من رغبته ورهبته فأزال عَنهُ مَا ذكرنَا من الْآفَات الَّتِي تفْسد الْأَعْمَال فَإِذا عمل على ذَلِك فَكَأَنَّمَا جمع لَهُ الْهوى والصدق جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي إِذا كَانَ هَكَذَا مُوَافقَة الْهوى أَو مُخَالفَته وَمَا عَلَيْهِ من مُخَالفَة الْهوى إِذا سلم من شَره وَكَانَ ذَلِك لَا يضرّهُ فَكَأَنَّمَا وَافقه فَلَا بُد أَن يُوقف العَبْد وَيسْأل عَمَّا عمل وَلمن عمل وماذا أَرَادَ بِمَا عمل

стр. 108

الرِّيَاء والاخلاص وأحكامهما والارادة إرادتان إِحْدَاهمَا الدُّنْيَا والاخرى للآخرة فالصدق والاخلاص إِنَّمَا هُوَ إِذا أَرَادَ العَبْد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَلَيْسَ فِيهِ شئ من مَعَاني الدُّنْيَا والرياء إِنَّمَا هُوَ أَن تكون الارادة كلهَا للدنيا فَمِنْهُ مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ فِي أصل الْعَمَل المحمدة وَالثنَاء وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِهِ فِي اصل عمله وَجه الله وَالدَّار الاخرة وَيُحب ان يحمد بِعَمَلِهِ ويثنى عَلَيْهِ وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَحده وَالدَّار الْآخِرَة فَإِذا دخل فِي الْعَمَل على ذَلِك الْإِخْلَاص عرض لَهُ بعض مَا ذكرنَا من الْآفَات فقبلها وَأحب أَن يحمد على عمله وان يتَّخذ بِهِ منزلَة عِنْد أحد من المخلوقين وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَالدَّار الاخرة وَيخْتم عمله بذلك وَيُطَالب بالآفات بعد الْفَرَاغ من الْعَمَل وَلَو بعد حِين حَتَّى يخبر بذلك الْعَمَل يُرِيد ان يحمد عَلَيْهِ ويتخذ بِهِ الجاه والمنزلة عِنْد المخلوقين فَهَذَا اسهل من جَمِيع مَا ذكرنَا وَالنَّاس فِي هَذَا مُخْتَلفُونَ ففرقة تَقول هَذَا من الذُّنُوب وَلَا يفْسد الْعَمَل لِأَن الْعَمَل قد مضى وَختم بِالصِّحَّةِ فَلَا يفْسد بعد الخاتمة وَمَا لحق العَبْد بعد ذَلِك فَقبله من هَذِه الْآفَات فَللَّه فِي ذَلِك على العَبْد مقَام ومطالبة وَالْعَمَل لَا يبطل

стр. 109

وَقَالَت فرقة يبطل الْعَمَل وَلَو بعد حِين إِذا قبل الآفة واحب المحمدة وَأدْخل المخلوقين فِي عمله وَأحب عِنْدهم الثَّنَاء والمنزلة والجاه الْعَمَل الْخَالِي من ذكر الْإِرَادَة الصادقة قلت فَأَخْبرنِي إِذا هم العَبْد بِعَمَل الْبر وَعَمله وَفرغ مِنْهُ وَلم يذكر قبل عمله وَلَا بعد إِرَادَة الاخرة وَكَانَ نَاسِيا سَاهِيا عَنْهَا أَلَيْسَ هَذَا عمل بِلَا نِيَّة وَلَا صدق قَالَ بلَى قلت وَكَيف يكون عمل من أَعمال الْبر مِمَّا يُرَاد الله بِمثلِهِ بِلَا نِيَّة وَلَا صدق وَقد عمله العَبْد قَالَ إِذا لم يكن الصدْق وَلم يقدم النِّيَّة فَلَيْسَ بشئ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا الاعمال بِالنِّيَّةِ فَإِن قلت إِنِّي نسيت النِّيَّة وسهوت عَنْهَا فَهَذَا إِقْرَار وَلَيْسَ لَك حجَّة وَإِنَّمَا أنساك النِّيَّة الدُّنْيَا وإرادتك الْغَالِبَة لَهَا اوليس بليه آدم كَانَت من النسْيَان وَقلة الْعَزْم أَولا تسمع الى قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي وَلم نجد لَهُ عزما﴾ وَأَنا أَقُول إِن الْعَمَل لَا يكون عملا كَمَا أَمر الله أَن يعْمل إِلَّا بِصدق

стр. 110

نِيَّة وَصِحَّة إِرَادَة وتقديمهما أَمَام كل عمل فَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْعَمَل كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ الاعمال بِالنِّيَّةِ وجوب الْعِنَايَة بجواهر الاعمال بأسمائها وَأعلم أَن وقوفك عِنْد افْتِتَاح الْعَمَل وَذكر الصدْق وَتَصْحِيح النِّيَّة والارادة ونفورك من الرِّيَاء وذكرك الْجنَّة وَالنَّار لَيْسَ يزِيد فِي صدقك وَلَا ينقص من ريائك حَتَّى تسْتَعْمل التَّقْوَى وَتقدم النِّيَّة وَتصدق فِي الارادة فَلَا تفتر فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن الانسان يحب اسْم الْخَيْر ويكر نفس الْخَيْر وَيكرهُ اسْم الشَّرّ وَيُحب نفس الشَّرّ فَمَا أحب الى الانسان اسْم الصدْق وَمَا أثقل عَلَيْهِ نفس الصدْق مَا اشد بغض الانسان لاسم الرِّيَاء وَمَا أحبه إِلَيْهِ وأخفه عَلَيْهِ واشد اسْتِعْمَاله لَهُ فَلَا تتساهل فِي ذَلِك الْوَقْت عَن ذكر النِّيَّة فَإِن الصدْق وَالنِّيَّة اسمان

стр. 111

ونفسهما الارادة الصادقة وَإِن النَّفس والهوى يجتثان ثَمَرَة الْعَمَل بحلاوتهما وَاعْلَم أَن لذتك فِيمَا تَجِد من حلاوة طعم الْحَلْوَى وَغير ذَلِك إِنَّمَا تجدها عِنْد أكلك إِذا أكلتها وحلاوة الْهوى والشهوة فِي الْفِكر إِذا تابعته على مَا تُرِيدُ لَيْسَ لَهُ طَعَام وَلَا شراب إِنَّمَا لذته من الاشياء ان يُتَابع فِي فكره وَأَصله وَاعْلَم أَن لَذَّة الرِّيَاء وحلاوته لَذَّة تخالط الْقُلُوب وتجري فِي الْعُرُوق فاحذر ذَلِك فِي ابْتِدَاء اول الْعَمَل وفاتش الهمة وتقص تَصْحِيح الارادة وَكن فِي ذَلِك كُله مراقبا لله وَحده معرفَة الصدْق فِي نقل الارادة من الرِّيَاء إِلَى الصِّحَّة قلت إِذا اردت أَن اعْمَلْ الْعَمَل وقفت قبل الِافْتِتَاح فراجعت نيتي وإرادتي فَرَأَيْت الرِّيَاء قد سبق الصدْق وَرَأَيْت الصدْق غَائِبا عني فَأَرَدْت أَن انقل الاراة بحقيقتها الى الصدْق وَالصِّحَّة وَحسن النِّيَّة وَأَن اتقِي الْهوى بحليته وريائه وشهوته فَمَتَى أعلم أَنِّي قد فعلت ذَلِك واتيت مِنْهُ على مَا أردْت وَقد ذكرت أَن ذكر النِّيَّة والصدق لَا يَنْفَعنِي حَتَّى يكون بتحقيق الارادة قَالَ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب وَاحِد ثمَّ قَالَ رُبمَا اجْتمع اسمهما

стр. 112

وَلَا يجْتَمع انفسهما فَإِذا لم ترد النَّفس وتشتهي مَا كنت انت تُرِيدُ وتشتهي من إِرَادَة الله تَعَالَى بذلك الْعَمَل وَالدَّار الْآخِرَة فقد علمت أَن هَذَا قد حضر وَذَاكَ قد غَابَ كَمَا كنت تعلم ان الرِّيَاء حَاضر وَالنِّيَّة غَائِبَة وَإِن اشْتبهَ عَلَيْك الَّذِي وصفت لَك فانقض الامر كَأَنَّك لَا تُرِيدُ أَن تعمله الْبَتَّةَ واصدق فِيهِ فَإِن علمت أَنَّك قد صدقت بنقضك لَهُ فابتدئه من الرَّأْس فَإِن وجدت من نَفسك الرِّضَا والسكون بِنَقْض الْعَمَل وَالتّرْك لَهُ فَاعْلَم أَنه عَلامَة حُضُور الصدْق وغيبة الْهوى والرياء وَإِن وجدت كَرَاهِيَة والنقض وَالتّرْك فَاعْلَم أَن الْهوى بعد فِيهِ قلت اضْرِب لي فِيهِ مثلا يكون أبين من هَذَا قَالَ مثل رجل هم أَن يتَّخذ طَعَاما يَدْعُو اليه اقواما فراجع نَفسه وعزمه فَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو فلَانا لشئ كَانَ وَافقه مِنْهُ وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الآخر يُرِيد ضربا من الاستطالة وَأَن يستخدمه ويخضع لَهُ وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الآخر ليستعين بِهِ على ظلم وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الآخر ليصيب مِنْهُ عرضا من الدُّنْيَا وَإِذا هُوَ يُرِيد ان يَدْعُو الاخر فيحمده ويثني عَلَيْهِ ويبسط ذكره وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الاخر ليجالسه ويزاوره ويدع مجالسة ومزاورة غَيره وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الاخر لحسن لِقَاء يلقاه بِهِ وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا لَيْسَ لله فِيهِ شئ وَإِنَّمَا هُوَ كُله للدنيا

стр. 113

فَلَمَّا استبان لَهُ من نَفسه هَذَا وَلم تكن إِرَادَته وَجه الله وَمَا يَرْجُو من ثَوَاب الله على طعامهم قَالَ فِي نَفسه لما تبين لَهُ ذَلِك لَا وَلَكِنِّي اترك الارادة الاولى واحضر إِرَادَة ثَانِيَة أُرِيد بهَا وَجه الله تَعَالَى وَحده وَالدَّار الاخرة ثمَّ قَالَ فلعلي اخدع فِي هَذَا وَأَنا لَا اشعر وَلَكِنِّي أَدْعُو مَكَان هَؤُلَاءِ قوما اخرين اقدم فيهم النِّيَّة والارادة الصَّحِيحَة امام الطَّعَام أَو لَا ادعو احدا فَإِن رأى نَفسه عِنْد ذَلِك تنازعه الى ان يَدعُوهُم فكراهية النَّفس لترك دعوتهم ومحبتها لدعوتهم عَلامَة انه غير صَادِق وَأَنه مخدوع وَإِن سكنت الى التّرْك ورضيت بِهِ فَهُوَ من عَلامَة الْخَيْر فَيَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ ان يعمله وان يمْضِي فِيهِ فَإِن شَاءَ دعاهم وَإِن شَاءَ دَعَا غَيرهم بنية جَدِيدَة كَثْرَة الْخَطَأ وخفاء الخداع فِي هَذَا الْبَاب وَإِن الخداع والغلط وَالْخَطَأ والعمد وَالنِّسْيَان والفتن والبلايا فِي هَذَا الْبَاب من إخلاص الْعَمَل وَصدق الارادة وَتقدم النِّيَّة شَدِيد وَالْبَلَاء فِيهِ كثير ولشدته أعطي العَبْد على الْعَمَل الْقَلِيل بالاخلاص الثَّوَاب الْكثير

стр. 114

وآفاته اكثر من ان يضبطها الْكتاب وَصِحَّته أعز من ان يبلغهَا الآمن المخدوع المغتر بِظَاهِر الْكتاب وَظَاهر الْعلم وَإِنَّمَا يدْرك ذَلِك كُله ويعرفه اهل الْعِنَايَة بانفسهم الَّذين خَافُوا على اعمالهم ان تبطل وخافوا على انفسهم ان تتْلف وَلَا يَنْبَغِي لعاقل ان يفتر عَن مفاتشة همته ومحاسبة نَفسه ونقاء ضَمِيره ومراقبة الله عِنْد كل عمل يُرِيد ان يعمله وَإِلَّا فَهُوَ مخدوع وَالله نسْأَل التَّوْفِيق والفهم والعزم الصَّحِيح والارادة الصادقة وَأعلم ان السَّهْو والغفلة عَن هَذَا الْعلم الَّذِي بِهِ تصفو الاعمال جهل شَدِيد واغترار وَقلة عناية بِالنَّفسِ وَقلة مبالاة باطلاع الله تَعَالَى على فَسَاد الْعَمَل وَمن بَين هَذِه الصِّفَات المذمومة الَّتِي ذَكرنَاهَا نتجت الهلكة وَنحن نسْأَل الله سُبْحَانَهُ الرشاد والسداد والعون على الْقيام بِمَا قد علمنَا وَالشُّكْر على مَا قد فهمنا ونسأله ان يزيدنا من فَضله إِنَّا اليه راغبون وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

стр. 115

دَلَائِل وعلامات بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يرْوى عَن بعض الْحُكَمَاء انه قَالَ إِذا ظن بك النَّاس انك تعْمل عملا من الْخَيْر وَلست تعمله ى اَوْ كنت تعْمل عملا من الْخَيْر وظنوا انك تعْمل اكثر مِنْهُ ورفضت ان يطلعوا على حَقِيقَة عَمَلك فَأَنت مِمَّن يحب أَن يحمد بِمَا لم يفعل وان احببت ان يطلعوا عَلَيْهِ فَأَنت تحب ان تحمد بِمَا قد فعلت وَقَالَ عَلامَة حب الله حب جَمِيع مَا احب الله وعلامة الْخَوْف من الله ترك جَمِيع مَا كره الله وعلامة الْحيَاء من الله الا تنسى الْوُرُود على الله وان تكون مراقبا لله فِي جَمِيع امورك على قدر قرب الله تَعَالَى مِنْك واطلاعه عَلَيْك وَمن عَلامَة حسن الظَّن بِاللَّه شدَّة الِاجْتِهَاد فِي طَاعَة الله وعلامة الناصح لله شدَّة الاقبال على الله وَفهم كِتَابه وَالْعَمَل بِهِ

стр. 116

وَاتِّبَاع سنَن نبيه ﷺ وان يحب ان يطاع فَلَا يعْصى وان يذكر فَلَا ينسى وعلامة النصح للنَّاس ان تحب لَهُم مَا تحب لنَفسك من طَاعَة الله تَعَالَى وان تكره لَهُم مَا تكره لنَفسك من مَعْصِيّة الله تَعَالَى وعلامة الصَّبْر الا تَشْكُو من جَمِيع المصائب الى اُحْدُ من المخلوقين شَيْئا وَالصَّبْر هُوَ الصَّبْر على الطَّاعَة وَالصَّبْر عَن الْمعْصِيَة وَالصَّبْر على كتمان الْمُصِيبَة وَهُوَ من كنوز الْبر وَالصَّبْر على كتمان الطَّاعَة وَالصَّبْر حبس النَّفس عَن ذَلِك كُله وَمن عَلامَة الرِّضَا عَن الله الرِّضَا بِقَضَاء الله وَهُوَ سُكُون الْقلب الى احكام الله والتفويض الى الله قبل الرِّضَا وَالرِّضَا بعد التَّفْوِيض وَمن عَلامَة صدق الرَّجَاء شدَّة الطّلب وَالْجد وَالِاجْتِهَاد ليدرك مَا رجا وَمن عَلامَة معرفَة النَّفس سوء الظَّن بهَا

стр. 117

وَمن عَلامَة الشُّكْر معرفَة النِّعْمَة بِالْقَلْبِ انها من الله لَا من غَيره وَالْحَمْد عَلَيْهَا بِاللِّسَانِ والا يستعان بهَا على شَيْء مِمَّا يكره الْمُنعم قلت فَمَا تَصْدِيق معرفتي هَذِه قَالَ الْقيام بالمكافأة بهَا وان كَانَت لأنكأ وَلَكِن اعطاء المجهود فِي شكرها وَمن عَلامَة معرفَة الدُّنْيَا التّرْك لَهَا والزهد فِيهَا والوحشة مِنْهَا وَمِمَّنْ ركن اليها واحبها وآثرها عظم قدرهَا وَمن عَلامَة معرفَة الْآخِرَة هيجان الرَّغْبَة فِيهَا وَشدَّة الشوق اليها والانس بِكَثْرَة ذكرهَا ومؤانسة من صدق فِي الْعَمَل لَهَا وَمن عَلامَة الْعقل حسن التَّدْبِير وَوضع الاشياء موَاضعهَا من القَوْل وَالْفِعْل وتصديق ذَلِك ايثار الاكثر على الاقل وَمن عَلامَة الْعدْل الا تجْعَل الحكم حكمين فتحكم لنَفسك بِحكم وَلِلنَّاسِ بآخر حَتَّى يكون الحكم فِي نَفسك وَفِي غَيرهَا حكما وَاحِدًا وانصاف النَّاس من نَفسك وَمن عَلامَة التَّوَاضُع الا يَدْعُوك اُحْدُ الى حق الا قبلته وَلم ترده وَلَا ترى احدا من الْمُسلمين الا رَأَيْت نَفسك دونه وَالنَّاس يتفاضلون فِي الْمعرفَة بالايثار وَالرِّضَا وَالشُّكْر وَالْحب والثقة

стр. 118

وَالْخَوْف وَالْيَقِين وَالصَّبْر وادنى الدَّرَجَات الصَّبْر واكثرها كلهَا الْيَقِين وَمن عَلامَة حسن الْخلق احْتِمَال الاذى فِي ذَات الله وكظم الغيظ وَكَثْرَة الْمُوَافقَة لاهل الْحق على الْحق وَالْمَغْفِرَة والتجافي عَن الزلة وَمن عَلامَة سوء الْخلق كَثْرَة الْخلاف وَقلة الِاحْتِمَال وَمن عَلامَة الالفة قلَّة الْخلاف وبذل الْمَعْرُوف وعلامة الصدْق ارادة الله وَحده بِالْعَمَلِ وَالْقَوْل وَترك التزين وَحب ثَوَاب المخلوقين والصدق فِي الْمنطق واطيب الْعَيْش القناعة وَالْعلم خشيَة الله وَهِي ايثار الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَمَعْرِفَة الطَّرِيق الى الله وَصَلَاح الْقلب الرأفة والرقة وَفَسَاد الْقلب الْقَسْوَة والغلظة والذ الْعَيْش الانس بِاللَّه والانس اجْتِمَاع الهمة

стр. 119

واشر الشَّرّ الَّذِي لَا خير فِيهِ وَلَا قوام لخير مَعَه الْكبر وَخير الْخَيْر الَّذِي لَا شَرّ فِيهِ التَّوَاضُع وَهُوَ ان تضع نَفسك دون النَّاس وَالْكبر ان ترفعها فَوق النَّاس وَمَا خير لعبد آثر على التَّوَاضُع شَيْئا والحزم الْفِرَار من كل مَوضِع فِيهِ محنة وَالصَّبْر مُخَالفَة الْمحبَّة وَلَا يصعب مَعَ قُوَّة الصَّبْر شَيْء من الْعِبَادَة حَتَّى ترْتَفع من دَرَجَة الصَّبْر الى دَرَجَة الْخَوْف ثمَّ من دَرَجَة الْخَوْف الى دَرَجَة الْمحبَّة وكما لَا يطيب لعبد شَيْء اعطيه من الدُّنْيَا الا بالقنوع كَذَلِك لَا يطيب لَهُ عمل الْآخِرَة الا بالخوف والمحبة فَإِذا صَار العَبْد الى ذَلِك سَقَطت عَنهُ مُؤنَة الصَّبْر وتنعم بالخوف والشوق

стр. 120

نعيم الْخَوْف والشوق الْمعرفَة ونعيم الْخَوْف قلت فَبِأَي شَيْء ينْتَقل من دَرَجَة الصَّبْر الى دَرَجَة النَّعيم قَالَ بِحسن الْمعرفَة قلت مِمَّا حسن الْمعرفَة قَالَ افتقار الْقلب الى الله واقترابه مِنْهُ وَمن دَار الْآخِرَة حَتَّى كَأَنَّهُمَا رَأْي الْعين وَيجْعَل الذُّنُوب الَّتِي سلفت مِنْهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله نصب عَيْنَيْهِ وَيجْعَل النِّعْمَة الَّتِي قد انْعمْ الله عَلَيْهِ بهَا وَالَّتِي لَا يحصيها وَلَا يقدر على شكرها فِي اقرار قلبه بذلك واجلال الله وتعظيمه وَقدرته ووعيده واهوال الْقِيَامَة وَمَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا من البرزخ وَالْمَوْت فَإِذا اسْتَقر ذَلِك فِي قلبه وَسكن الْقلب الى ذَلِك كَذَلِك انار الْقلب وَعمر بعد الخراب واضاء بعد الظلمَة ثمَّ لانت المفاصل عِنْد ذَلِك

стр. 121

وتوثبت الْجَوَارِح الى الطَّاعَات فَعِنْدَ ذَلِك تسْقط مُؤنَة الصَّبْر وَيصير فِي دَرَجَة الْخَوْف والمحبة لِلْعِبَادَةِ وَعند ذَلِك يجد حلاوة مَا هُوَ فِيهِ فَتلك الْعِبَادَة بِحسن الْمعرفَة فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يعرض لَهُ من دواعي الدُّنْيَا ووساوس النَّفس مَا ان مَال اليه قطعه عَن تِلْكَ الْحَلَاوَة ورده الى دَرَجَة الصَّبْر ولساعة وَاحِدَة من تِلْكَ السَّاعَات خير من ايام كَثِيرَة من ايام الصَّبْر لَان فِيهَا الْخَوْف وفيهَا الْحبّ وفيهَا الشُّكْر وفيهَا النَّدَم وَهُوَ التَّوْبَة وتعظيم مَا عظم الله وتصغير الدُّنْيَا والانس بِاللَّه فَلَا يلْحق صَاحب هَذِه الدرجَة صَاحب الصَّوْم الْكثير وَالصَّلَاة الْكَثِيرَة وَالْحج والغزو وَهَكَذَا الْعَمَل اذا كَانَ بالمعرفة القوية كَيفَ غفل النَّاس عَن هَذِه الدرجَة قلت فَأَيْنَ المريدون عَن هَذِه الدرجَة وَلم لَا يكون اهتمامهم وعنايتهم بهَا اكثر من عنايتهم بغَيْرهَا من الدَّرَجَات فَقَالَ هَذِه الدرجَة فِي الدَّرَجَات كالجوهرة فِي الاشياء وكاللؤلؤة الفائقة فِي الف لؤلؤة وَالْجِنْس وَاحِد وانما قل اهل هَذِه الدرجَة وعزوا لَان من الاشياء مَا صعوبته فِي المسلك اليه فَإِذا صرت اليه صرت الى سهولة ورخاء وانس وَمن الاشياء مَا سهولته وشهوته فِي طَرِيقه وصعوبته وشدته فِي نفس ذَلِك الشَّيْء اذا صرت اليه

стр. 122

والعامة يعنون بالشَّيْء الَّذِي فِيهِ السهولة فَإِذا صَارُوا الى الشدَّة والمرارة كاعوا وتحيروا وخسروا وَقد كَانُوا قبل ذَلِك يسرعون اليه لما فِيهِ من السهولة اولا تراهم يطْلبُونَ الْعلم فَإِذا صَارُوا الى اسْتِعْمَال الْعلم والورع لَا ترى من يَسْتَعْمِلهُ وَلَا من يُريدهُ الا الْوَاحِد بعد الْوَاحِد اولا اولا تراهم يتعلمون السّير وفضائل الْجِهَاد فَإِذا صَارُوا الى شُرُوط الْجِهَاد لَا ترى من يقوم بِعَمَلِهِ هَذِه الدرجَة شَدِيدَة فِي الطَّرِيق اليها وَلَا ترى فِي طريقها الا الْوَاحِد بعد الْوَاحِد من الْكثير فَلذَلِك قل اهل هَذِه الدرجَة وَكثر طلاب غَيرهَا من الدَّرَجَات لانها هِيَ الدرجَة الَّتِي استعبدت الْعباد وَهِي دَرَجَة الصدْق وَصَارَ علمهَا مَهْجُورًا وَصَارَ النَّاس انما يُرِيدُونَ من الْعَمَل مَا خف محمله وَقلت فِيهِ مفاتشة الهمة ونقاء الضَّمِير والتوقف ومحاسبة النَّفس وَمُخَالفَة الْهوى ومجاهدة الْعَدو وَاعْلَم ان رضَا العَبْد بالحالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مُقيم ضعف وبلية نزلت بِهِ

стр. 123

الْمُحب مسارع الى القربات وَقَالَ الْمُحب يُنَازع الى الْقرْبَة ابدا مَا عَاشَ والخائف يتَعَرَّض للنجاة فَلَمَّا استيقن بالرحيل صَار مخادعا لنَفسِهِ ومؤثرا لما قدم على مَا خلف وَلَا اعْلَم فِي النَّاس شَيْئا اقل من الْغَضَب لله وَالرِّضَا لله وَالْحب لله والبغض لله واقل من ذَلِك الرِّضَا عَن الله تَعَالَى وَالتَّسْلِيم لأَمره وتفويض الامور الى الله واكثر سَلامَة النَّاس من الشَّرّ بِالصبرِ واكثر طَلَبهمْ للخير بِمَا وَافق الْهوى والانسان فِي اكثر النعم مُخَالف الشُّكْر واقرب خِصَال الْخَيْر من الله اثقلها على العَبْد وَلَو قبلهَا بشكر كَانَ اقربها الى الله احبها اليه فَهَذَا العَبْد يَرْجُو رَحْمَة الله باليسير من الْبر كَمَا يرجوه بالكثير من الْبر سَوَاء وَيخَاف سخط الله باليسير من الذُّنُوب كَمَا يخَاف سخطه بالكثير من الذُّنُوب سَوَاء وَلَا يكون حسن الرَّغْبَة فِي كثير من الْحَسَنَات الا كَانَ فِي الْقَلِيل كَذَلِك وَقَالَ اذا اردت ان تصلح من امرك شَيْئا فَاشْتَدَّ عَلَيْك فَخَل عَن جَمِيع اعمال الْبر من التَّطَوُّع كلهَا وَاجعَل شغلك كُله فِيهِ فَإنَّك تعان عَلَيْهِ ان شَاءَ الله

стр. 124

مَرَاتِب الْعَمَل لله وَقَالَ النَّاس يعْملُونَ على اربعة وُجُوه فأشرفها وافضلها قوم عمِلُوا لله على التَّعْظِيم لَهُ فحسنت اعمالهم وكرمت فعالهم على وَجه عَظمته فِي صُدُورهمْ وَعظم قدره فِي قُلُوبهم فَلم يكن شَيْء احب اليهم وَلَا الذ عِنْدهم من شَيْء يَتَقَرَّبُون بِهِ اليه وَآخَرُونَ عمِلُوا على وَجه الرَّغْبَة والحرص على جواره فَلم تكن لَهُم همة الا ترك مَا نَهَاهُم عَنهُ لعَظيم ثَوَابه وخافوا فَوَات خير مَا عِنْده من عَظِيم مَا اعد من الثَّوَاب لاهل ولَايَته وَآخَرُونَ عمِلُوا مَخَافَة مِنْهُ وَمن عِقَابه فَكَانَت همتهم فِي الرهبة من الْعقَاب قد حَالَتْ بَينهم وَبَين الرَّغْبَة فِي الثَّوَاب وَكَانَت الاعمال مِنْهُم على وَجه الْفِرَار من الْعقَاب وَلَيْسَ يخْطر الثَّوَاب على قُلُوبهم لعظم الْعقَاب فِي صُدُورهمْ وَيَقُولُونَ فِي انفسهم ان بلغتنا اعمالنا الى الْخَلَاص من الْعقَاب لقد ظفرنا بالفوز الْعَظِيم فَخرجت الرَّغْبَة من قُلُوبهم من كَثْرَة الرهبة فَمَا تخطر الْجنَّة بقلوبهم من عظم الْعقَاب فِي صُدُورهمْ

стр. 125

وَآخَرُونَ عمِلُوا على وَجه الْحيَاء من الله سُبْحَانَهُ استحيوه فِي ليلهم ونهارهم اذا غلقت الابواب وارخيت الستور عَلَيْهِم لما ايقنوه انه هُوَ الَّذِي يَلِي عرضهمْ ومساءلتهم فاستحيوا من كل قَبِيح يَعْمَلُونَهُ فِي سرائرهم حَتَّى كَأَنَّهُمْ ينظرُونَ اليه وَلما استيقنوا بنظره اليهم قَالُوا سَوَاء علينا نظر الينا اَوْ نَظرنَا اليه وايقنوا انه اقْربْ اليهم من حَبل الوريد فَلَمَّا ايقنوا بذلك حَال يقينهم بَينهم وَبَين مَثَاقِيل الذَّر وموازين الْخَرْدَل مِمَّا يكره المطلع عَلَيْهِم وَكَانَ الْحَائِل بَينهم وَبَين اعْتِقَاد الْقلب على شَيْء مِمَّا يكره سيدهم معرفتهم بِأَنَّهُ مطلع فِي ضمائرهم وَينظر اليهم فِي كل حَرَكَة تكون مِنْهُم وكل سُكُون وكل خطرة وكل طرفَة عين وكل همة وكل ارادة وكل نِيَّة وكل محبَّة وكل شَهْوَة واما نَحن فَلم يهيجنا على عَملنَا التَّعْظِيم لَهُ وَلم تهيجنا رغبتنا فِي عَظِيم الثَّوَاب فنتقرب بِحسن الفعال وَلم تدعنا الرهبة من الْعقَاب الى ترك مساوىء الاعمال وَلم يحل الْحيَاء مِنْهُ بَيْننَا وَبَين قَبِيح الاعمال فِيمَا بَيْننَا وَبَينه فنسأل الله المنان الَّذِي من عَلَيْهِم ان يمن علينا بِمَا من بِهِ عَلَيْهِم وان يهب لنا مثل فعالهم فَإِنَّهُ فعال لما يُرِيد وَقَالَ الصدْق عِنْد العَبْد على قدر ارادته وَالشُّكْر عِنْده على قدر موقع النِّعْمَة مِنْهُ

стр. 126

السلوك السلَفِي ذكر الْآخِرَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يرْوى عَن بعض الْحُكَمَاء انه كتب الى اخ لَهُ سَلام عَلَيْك اما بعد فاذكر مَا انت عَنهُ زائل وَعَلِيهِ قادم واليه صائر كذكر من نظر فَاعْتبر واخذ حذره فازدجر وتعوذ بِاللَّه من موت الْقلب عَن شدَّة الْعِنَايَة للسداد والرشاد وَحسن الاستعداد للمعاد فَلَو فكر الْعباد وَعَلمُوا انهم لَا يسعهم ان يردوا على الله الا بِمَا لَهُ فِيهِ رضَا علمُوا اَوْ جهلوا والا يطلع الله على ضمائرهم فَيرى فِيهَا شَيْئا مِمَّا يكره وان يَكُونُوا نادمين على مَا كَانَ مِنْهُم مَا لم يكن فِيهِ رِضَاهُ مِمَّا علمُوا اَوْ جهلوا اذن لاجتهد من كَانَ يخَاف الله مِنْهُم بِالْغَيْبِ ان يكون مجهولهم مَعْلُوما ومعلومهم مَعْمُولا بِهِ وان يَكُونُوا نادمين على مَا فَاتَ مِنْهُم من ذَلِك وَاعْلَم يَا أخي ان الله سُبْحَانَهُ جعل نجاة الْعباد برحمته فِي الْمعرفَة ثمَّ فِي الارادة ثمَّ فِي ترك مَا امرهم بِتَرْكِهِ ثمَّ فِي الْعَمَل بِمَا امرهم بِهِ ثمَّ فِي شكر نعمه الَّتِي انْعمْ بهَا عَلَيْهِم قَدِيما وحديثا ظَاهرا وَبَاطنا

стр. 127

معرفَة الله فَأول مَا اراد الله تَعَالَى من الْعباد ان يعرفوه عَن الْوُجُوه الَّتِي تعرف اليهم مِنْهَا فَإِنَّهُ قد تعرف اليهم من خلقه لِلْخلقِ وتدبيره فِي الْخلق وَمن قدرته على الْخلق وتكفله بأرزاق الْخلق واماتته الْخلق واحيائه الْخلق أَلا لَهُ الْخلق والامر تبَارك الله احسن الْخَالِقِينَ ارادة الله بِالْعَمَلِ واراد مِنْهُم بعد الْمعرفَة ان يريدوه بِكُل مَا عمِلُوا من اعمال الْبر وَلَا يرَوا غَيره وَلَا يطْلبُونَ الثَّوَاب الا مِنْهُ فَلَو كَانَ يُمكن ان يكون قبل الْمعرفَة شَيْء لكَانَتْ الارادة قبل الْمعرفَة وَلَو اسْتغنى عَن الْمعرفَة بِشَيْء لاستغنت الارادة عَن الْمعرفَة فالمعرفة قبل كل شَيْء وَاصل كل شَيْء ثمَّ الارادة وَهِي مِنْهَا وَهِي تَحْقِيق التّرْك وَتَحْقِيق الْعَمَل والاخذ والاعطاء وَالْحب والكره فِي الاعمال كلهَا وَهِي ولية عقد مَنَافِع اهل الاعمال فِي اعمالهم شكر النعم وَالشُّكْر على قدر الْمعرفَة فمفتاح النعم وأفضلها كلهَا وأولها هِيَ

стр. 128

نعْمَة الْمعرفَة وَلَا أعلم بعد نعْمَة الْمعرفَة أعظم قدرا من نعْمَة الْعقل ونعمة الْإِرَادَة نعْمَة يعصر مبلغ شكرها وَآخر النعم نعْمَة الْحِكْمَة فنسأل الله خَاتِمَة خير ونسأله أَن يعرفنا جَمِيع نعمه وَأَن يوزعنا الشُّكْر على ذَلِك فقد ينَال العَبْد بالمعرفة والارادة من الْخَيْر والقرب من الله مَا لَا يَنَالهُ صَاحب الْعَمَل الْكثير معرفَة مَا يحب الله وَمَا يكره وَإنَّهُ لَيْسَ شئ أولى بِالْعَبدِ بعد معرفَة الله من معرفَة مَا يكره الله وَهُوَ الَّذِي نَهَاهُ عَنهُ وَتقدم فِيهِ بالوعيد والزجر والتحذير ثمَّ معرفَة مَا أحب الله وَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَرغب فِيهِ فأبلغ الاعمال إِلَى رضوَان الله مُفَارقَة مَا يكره الله ثمَّ مُبَاشرَة مَا يحب الله تَعَالَى وَمَا رغب فِيهِ فَانْظُر يَا أخي إِذا اصبحت فَلَا يكن شئ أهم اليك من أَن تميت خصْلَة

стр. 129

تهواها نَفسك مِمَّا يكره الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يحيا لَك مَكَانهَا خصْلَة مِمَّا يحب الله وَلَك بعد ذَلِك التَّضْعِيف من النُّور الساطع فِي قَلْبك والفهم وَاعْلَم يَا أخي ان الدُّنْيَا مِنْهَا حَلَال مُبَاح وَمِنْهَا شُبُهَات وَمِنْهَا حرَام فَإِذا كَانَ فِي قلب العَبْد عقدَة متمكنة من عقد حب الْحَلَال الْمُبَاح لم تَنْقَطِع عَنهُ مواد نوازع الشُّبُهَات والمكروهات وَإِذا كَانَ فِي قلبه عقدَة متمكنة من عقد حب الشُّبُهَات والمكروهات لم تَنْقَطِع عَنهُ مواد نوازع الْحَرَام وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ من وَقع فِي الشُّبُهَات فَأوشك ان يواقع الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك ان يَقع فِيهِ فَكل من تمكنت الشُّبُهَات من قلبه وَاطْمَأَنَّ إِلَى اخذها وَقع فِي الْحَرَام لَان الشُّبُهَات اقْربْ الى الْحَرَام مِنْهَا الى الْحَلَال قلت فَكيف يصنع النَّاس بمرافقهم وحوائجهم فَقَالَ إِنِّي لم أَنْهَك عَن كسبك وحوائجك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا وَإِنَّمَا أحذرك أَخذ مَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا ونهيك عَن اعْتِقَاد الْحبّ لما تحْتَاج اليه مِنْهَا حَتَّى تكون تأخذها من الْمُبَاح وَهِي راغمة وَأَنت عَالم بهَا وبصغر قدرهَا عِنْد خَالِقهَا إِذْ يَقُول لنَبيه ﷺ ﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى﴾

стр. 130

وَإِذ يَقُول نبيه ﷺ لَو عدلت الدُّنْيَا عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شربة مَاء وَاعْلَم ان المعتقد لحبها وَهُوَ عَالم بهَا لَا يُؤمن عَلَيْهِ أَن تستولي على قلبه فتملكه فَيَأْخُذ بعد الْحَلَال الشُّبُهَات وَبعد الشُّبُهَات الْحَرَام وَاعْلَم أَن المعتقد لحبها وَغير المعتقد يأتيان على حاجتهما واعتقاد حب الدُّنْيَا من الْحَلَال وَهن فِي قُلُوب العارفين وَلَا يزِيد ذَلِك فِي رزق المعتقد وَلَا ينقص من رزق الَّذِي لَا يعْتَقد الْمحبَّة وَاعْلَم ان الْعباد إِنَّمَا أمروا بالاشتغال بِالْعلمِ من الْجَهْل وبالعمل بالاخلاص وَلَا تنَال هَذِه الدرجَة حَتَّى تكون بِحَالَة لَو قدرت ان تتْرك مَا تحْتَاج اليه مِنْهَا لتركته آفَة حب الجاه عِنْد المخلوقين وَأما الشّبَه الاخرى الَّتِي يكرهها الله فطمعك فِي الْقدر والجاه وَالثنَاء عِنْد المخلوقين وخوفك من سُقُوط منزلتك عِنْد المخلوقين وَذَلِكَ مِمَّا يسْقط منزلتك عِنْد الله فاهل الْمعرفَة بِاللَّه وَأهل الْإِرَادَة يكْرهُونَ أَن يراهم الله سُبْحَانَهُ وَقد اعتقدوا من ذَلِك شَيْئا حملتهم الْمعرفَة بالاجلال لله وإيثار محبته على أَلا ينظر اليهم سيدهم

стр. 131

وَفِيهِمْ شئ مِمَّا يكرههُ فِي مبلغ علمهمْ فهم يكْرهُونَ مَا يكره الله فِي غَيرهم فَكيف يرضون بِهِ فِي انفسهم أَبَت معرفَة الله أَن يساكنها شئ من مكارة الله وأبت الارادة ان تشتغل بِغَيْر مَا احب الله قد شغلتهم الْمعرفَة بالفكر فِي كَثْرَة نعم الله عَلَيْهِم وعجزهم عَن أَدَاء شكرها مَعَ عجزهم عَن إحصاء عَددهَا وباستكثار ذنوبهم وَكَثْرَة ذكرهم للحياء من الله أَن يسْأَلُوا الْجنَّة فَلَيْسَ تخطر الْجنَّة لَهُم على بَال قد حَال بَينهم وَبَين مسألتها الْحيَاء من الله وَالْخَوْف مِنْهُ ومصيبتهم فِي انفسهم مِمَّا يخَافُونَ من فَوت رضوَان الله عَنْهُم وَسخطه عَلَيْهِم أعظم فِي انفسهم وأوجع لقُلُوبِهِمْ من فَوت الْجنَّة وَخَوف النَّار وَمن الَّذِي يَجدونَ مِمَّا يلقِي الشَّيْطَان من الخطرات وعوارض الدُّنْيَا وَحب التزين لأَهْلهَا عِنْد عِبَادَتهم وطاعتهم وَكَثْرَة فَسَاد النِّيَّة والآفات الَّتِي تعارضها فهم بذلك مغموصون مكروبون مَخَافَة ان يراهم الله وَقد تزينوا لأحد غَيره فَلَا تكن يَا أخي بِشَيْء أعنى مِنْك بالمعرفة والارادة فَإِن الْخَيْر تبع لَهما وهما عَلامَة نظر الله لعَبْدِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق السّمع عَن الله وَالْعقل عَن الله ثمَّ أوصيك يَا أخي بعد مراقبة الله عِنْد همتك إِذا هَمَمْت وَعند كل

стр. 132

حَرَكَة تكون مِنْك وكل سُكُون أَن تستمع من الله وتعقل عَنهُ فَإِن فِي هَذَا الْقُرْآن الَّذِي انْزِلْ علينا تبيان كل شَيْء وَعلم كل شَيْء فَعَلَيْك بتدبره وتأمله فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وأعمل نَفسك فِي فهمه وَالْعَمَل بِهِ أَولا تسمع الى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تكون فِي شَأْن وَمَا تتلو مِنْهُ من قُرْآن وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر﴾ فَلَا تغفل عَن مراقبة من لَا يغرب عَنهُ أَصْغَر من مِثْقَال ذرة وَلَا تشبع وَلَا تمل مِنْهَا فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يغْفل عَنْهَا ينظر اليك ويطلع على ضميرك ويحصي عَلَيْك مَثَاقِيل الذَّر وموازين الْخَرْدَل حَتَّى يجْزِيك بذلك أَولا تسمع الى قَول الله ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ كَمَال المراقبة وَاعْلَم يَا أخي أَنه لَا يكَاد يحسن الشَّيْء إِلَّا بِشَيْء قبله وَشَيْء بعده فَأَما مَا تحسن بِهِ المراقبة قبلهَا فالانقطاع الى الله وَلُزُوم طَاعَته بالمراقبة لَهُ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَأما مَا يحسن بِهِ الِانْقِطَاع الى الله قبل الِانْقِطَاع فَأَرْبَعَة أَشْيَاء

стр. 133

التَّوْبَة وإيثار مَا يحب الله على مَا يكره وَأَن تكون بِهِ انس مِنْك بخلقه وَلَا تفرح بِمَا زادك من الدُّنْيَا وَلَا تحزن على مَا نقصك مِنْهَا وَهِي دَرَجَة اهل الْوَرع والقنوع وَالَّذِي يقويك على ذَلِك التَّصْدِيق بوعد الله تَعَالَى والثقة بضمانه والترجي بِمَا يَكْفِيك مِنْهَا وَلُزُوم سرعَة الِانْتِقَال عَن الدُّنْيَا وَأما إِيثَار مَا يحب الله على مَا يكره فسبحانه لَيْسَ أحد أَحَق وَلَا اولى بذلك مِنْهُ تبَارك اسْمه وَهُوَ إِيثَار محبته على هَوَاك وَهُوَ فرض على المدبرين عَنهُ والاباق أَن يرجِعوا اليه ويعاملوه وَكَيف لَا يؤثره من تعود الْقرب مِنْهُ والانقطاع اليه أما الانس بِهِ فَهُوَ أَن تكون بِهِ أَشد انسا مِنْك بخلقه فَمن عرفه وَعرف لطفه وَكَثْرَة اياديه وَحكمه وبره وَعطفه وتفضله أنس بِهِ وَكَيف يراقب العَبْد من لَا يعرفهُ وَكَيف يَنْقَطِع الى من لَا يَثِق بِهِ وَلَا يأنس بِهِ

стр. 134

وَأما الَّذِي يحسن الشَّيْء بعده فالشكر وَأشْهد انك لَو عقلت مَا تقْرَأ وَكنت مرِيدا لهَذِهِ الْمنزلَة لنظرت اليه بِعَين المحزونين الْخَائِفِينَ أَلا يقبلك وَأَن يستقذر إرادتك وسيرتك وَأَن يردك عَن بَابه وَأَن تقدم عَلَيْهِ وانت كَذَلِك الِاعْتِبَار واستعن فِي امرك كُله بِالِاعْتِبَارِ فَإِن الامر لَا يزَال مَسْتُورا مِنْك اَوْ غَائِبا عَنْك فَإِذا نظرت إِلَيْهِ نظر الْمُعْتَبر كَاد ان يقوم لَك الِاعْتِبَار مقَام الْمخبر المعاين لما قد غَابَ عَنْك ومقام الكاشف لَك عَن المستور عَنْك حَتَّى تنظر الى زين الامور وشينها وحسنها وقبيحها وتعرف من ايْنَ صَار الْحسن حسنا والقبيح قبيحا فتتبع من ذَلِك مَا فِيهِ نجاتك وتجتنب مَا فِيهِ هلكتك وتعرف النَّاس بِالِاعْتِبَارِ على مَنَازِلهمْ فِي لحن القَوْل ولحن الْفِعْل وتعرفهم وتعرف مَنَازِلهمْ ومذاهبهم بِنور الِاعْتِبَار ومواهب الالهام إِن شَاءَ الله تَعَالَى الاقتصاد والحزم وَعَلَيْك يَا أخي بالاقتصاد والحزم فِي أمورك كلهَا فَإِن الاقتصاد أرجا

стр. 135

للثبات وَأسلم من الْآفَات والحزم ينفع أَهله عِنْد الشدَّة وَلَا يضرهم عِنْد الرخَاء فَاسْتَكْثر من الْمعرفَة مَا قدرت فَلَيْسَتْ الْمعرفَة كالعمل للْعَمَل حد يَنْتَهِي اليه وَلَيْسَ للمعرفة حد تَنْتَهِي اليه لِأَنَّك تُرِيدُ بالمعرفة استكمال امْر الله وَإِقَامَة حَقه وَلَا يبلغ ذَلِك أحد لِأَنَّهُ أجل وَأعظم من أَن يبلغ الآدميون كنه حَقه غير أَنهم يتباينون فِيهِ بِزِيَادَة الْمعرفَة ونقصانها مَعَ الْمعرفَة والانس وَالروح والفرح والراحة لزيادتها نعْمَة من الله ونقصانها عُقُوبَة من الله بذنب اَوْ تَضْييع شكر إحذر صغائر الذُّنُوب وارغب فِي صغائر الْخَيْر وَاحْذَرْ مَا يكره الله من عَمَلك ونيتك وسرك وعلانيتك فِي الصَّغِير كَمَا تحذره فِي الْكَبِير وَإِن كل شَيْء يفْسد عَلَيْك مِثْقَال ذرة قَدمته لله يفْسد عَلَيْك مائَة الف دِينَار وَالدُّنْيَا كلهَا مثل مَا افسد عَلَيْك مِثْقَال ذرة فَسَادًا سَوَاء لَا فضل بَينهمَا ثمَّ هَكَذَا فِي سَائِر الاعمال يَأْتِي الْفساد على كثرتها كَمَا يَأْتِي على قلتهَا سَوَاء وارغب فِي الصَّغِير من الْخَيْر كَمَا ترغب فِي الْكَبِير رَغْبَة وَاحِدَة

стр. 136

لِأَنَّهُ يقبل الْقَلِيل من العَبْد كَمَا يقبل الْكثير قبولا وَاحِدًا سَوَاء وَهَكَذَا فِي سَائِر الاعمال وَكفى بِقبُول الله الصَّغِير من عَبده لعَبْدِهِ فوزا مَعَ ان أَعمال بني آدم كلهَا صغَارًا إِلَّا مَا قبل الله مِنْهَا فَإِذا قبل مِنْهَا شَيْئا صَار عَظِيما وَإِن كَانَ قبل ذَلِك صَغِيرا وَاعْلَم ان صغارها أسلم من كِبَارهَا فِي الرِّيَاء والاعجاب والامتنان فانتبه لذَلِك وَلَا تغفل عَنهُ وَاعْلَم ان لَك فِي عَمَلك إِرَادَة وأملا فَانْظُر إرادتك فِي أعمالك كلهَا كإرادة أهل الشُّكْر وَالرِّضَا وأملك فِيهِ كأول المسرفين على انفسهم فَلَيْسَ شَيْء احب الى أهل الرِّضَا من شَيْء يرضى الله بِهِ وَلَا شَيْء أحب الى أهل الشُّكْر من شَيْء يشكرون الله عَلَيْهِ وَلَا شَيْء اولى بِأَهْل الاسراف على انفسهم من شَيْء يرجون بِهِ عَفْو الله وَأعلم أَنِّي لست من قلَّة الْعَمَل اخاف عَلَيْك وعَلى مثلك وَلَكِن أَخَاف عَلَيْك من قلَّة الْمعرفَة وَضعف الارادة لَا أجدني اخاف عَلَيْك وعَلى مثلك من قلَّة التَّطَوُّع وَلست اخاف من الْوَرع أَلا تنظر فِيهِ كَمَا ينظر غَيْرك أَو لَا تتْرك شهوات أحلهَا الله لَك توثر بهَا عَلَيْك غَيْرك إِلَّا أَنِّي أَخَاف عَلَيْك ان تنَازع فِي أَمر يكرههُ الله وَلَا ينفعك قد خَفِي عَن النَّاس وَهُوَ عِنْد الله ظَاهر فَيفْسد عَلَيْك جَمِيع مَا أردْت اَوْ ترى ان لَك فضلا على غَيْرك فيحبط ذَلِك جَمِيع مَا كنت فِيهِ

стр. 137

وأخاف عَلَيْك أَلا تقوم بصيانها كَمَا قُمْت بعلمها فيهدم ذَلِك جَمِيع مَا كنت فِيهِ وَمَا بنيت عَلَيْهِ اَوْ لَا تُؤدِّي مَا يجب عَلَيْك من الشُّكْر فِيهَا فيلزمك من الذَّم فِي كفران النعم أَكثر مِمَّا رَجَوْت من الْحَمد فِيهَا أَو تكون تدل على الله بعملك فيسقطك ذَلِك من عين الله أَو تمن بِهِ على أحد اَوْ تؤذي بِسَبَبِهِ احدا فقد علمت مَا قَالَ الله فِي ذَلِك ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى كَالَّذي ينْفق مَاله رئاء النَّاس وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَمثله كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل فَتَركه صَلدًا﴾ وَرُبمَا يعزم على الْعلم الَّذِي أَرَادَهُ فَلَا يجده كَمَا وجده بِغَيْر عزم عزم عَلَيْهِ كَمَال الْعَزْم قلت فَمَا بَال الرجل يَأْتِيهِ الامر مِمَّا يحب من غير طلب وَلَا عزم عَلَيْهِ حَتَّى رُبمَا أَخَاف من عزمه ان يكون عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا يكون لَهُ قَالَ هَذَا من الَّذِي قُلْنَا لَا يصلح الشَّيْء إِلَّا بِشَيْء قبله وَشَيْء بعده فَإِذا لم يكن عزم بِمَعْرِِفَة كَانَ عاقبته نَحْو الَّذِي ذكرت

стр. 138

ومعرفته أَن يكون بدؤه بالافتقار الى الله وَلَا يكون كالتألي على الله والتوكل أَن ينْفَرد بإشعار قلبه فِي تَفْوِيض الْمقدرَة الى الله والتبري من الْحول وَالْقُوَّة أَولا تسمع الى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَهَذَا زِيَادَة على التَّوَكُّل امْر أَمرك الله بِهِ وَقَوله تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ والمشورة من الْحَاجة لَا من الْغنى أَمر الله نبيه ﷺ أَن يَسْتَعِين بِمن لَيْسَ هُوَ مثله وَأَن تبقى سنته سنة لمن هُوَ بعده فَكيف بِمن هُوَ مثلي وَمثلك إِذا سَهَا عَن الله فِيمَا لَا يَسعهُ إِلَّا التضرع اليه أَولا تسمع الى قَوْله فِي قصَّة يَعْقُوب ﴿إِن الحكم إِلَّا لله عَلَيْهِ توكلت﴾ فَكَانَ عَاقِبَة يَعْقُوب تَمام مَا أَرَادَ وَقَول يُوسُف ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن﴾ وَتمّ لَهُ أمره حِين أخرج نَفسه من الْقُدْرَة واقر بالافتقار وفوض الامر الى ربه

стр. 139

وَقَول الآخر ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ فَسَأَلُوهُ وَلم يفرضوا اليه امرهم لَا قبل الْمَسْأَلَة وَلَا بعْدهَا قَالَ ﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ وَلم يتمم لَهُم امرهم وَقَول الاخر أَيْضا ﴿لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ ثمَّ انْظُر الى قَول آدم حِين تقدم على حمل الامانة بِغَيْر افتقار وَلَا استكانة فَلم يتمم لَهُ امْرَهْ وعير بِالْجَهْلِ وَالظُّلم وماذا يُغني الْعَزْم من الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ الامر

стр. 140

من فرائد الْحِكْمَة قَالَ وَمن لَا يكون عَالما بِمَا ورد عَلَيْهِ من الله يُوشك أَلا يكون عَالما بِمَا ورد على الله تَعَالَى مِنْهُ اعْلَم يَا أخي انه من اطاع الله وَلم يخفه فقد أطاعه فِي الْعَمَل وَعَصَاهُ فِي ترك الْخَوْف فَكيف بِمن يعصيه وَلَا يخافه وَقَالَ لَو أَنَّك لم تَأْخُذ من الدُّنْيَا إِلَّا قوتك غير انك لم ترد الله بِهِ قطع بك وَلَو تركت قوتك من الدُّنْيَا وَلم ترد الله بِهِ قطع بك وَقَالَ لَو عقلت عَن الله امرين لنظرت اليه بعظيم الشُّكْر لَهُ حَيْثُ لم يَجْعَل دعاءه الى الْجنَّة فِي ترك مَا تحْتَاج اليه من الدُّنْيَا وَلم يَجْعَل دعاءه الى النَّار فِي حَاجَتك مِنْهَا وَقَالَ اعرف النِّعْمَة تكن من أَهلهَا فَإِن الْبَهِيمَة لَا تَجِد رَائِحَة الْمسك وَإِن حشى بِهِ منخراها وَقَالَ كن من أَبنَاء الْحق يحبك الْحق

стр. 141

وَقَالَ اجْعَل نَفسك تَابعا فِي طَرِيق الْهدى وَلَا تجعلها قائدا الى طَرِيق الْهوى وَقَالَ احذر شَهْوَة لَا تبقى وندامة لَا تفنى وَقَالَ أنيسك الْيَوْم هُوَ انيسك غَدا فِي قبرك وعملك الْيَوْم هُوَ عَمَلك غداص فَانْظُر من أنيسك وَمَا عَمَلك وَقَالَ احفظ الله عِنْد هَوَاك يحفظك عِنْد لقاك تعوذ بِاللَّه من عمل ظَاهره طَاعَة وباطنه مَعْصِيّة وَقَالَ مَا ترك الْحق لأَهله سُرُورًا وَلَا أبقى الْبَاطِل لأَهله من الاخرة نَصِيبا وَقَالَ من علم مَا بَين يَدَيْهِ هان عَلَيْهِ مَا فِي يَدَيْهِ إِذا اكملت معرفَة الرجل بالدنيا تعجب من أبنائها وَإِذا عمي عَن معرفَة الاخرة تعجب من ابنائها وَقَالَ من عرف الدُّنْيَا قاطعها وَمن لم يعرفهَا انْقَطع اليها وَمن عرف الاخرة انْقَطع اليها وَمن لم يعرفهَا قاطعها وَقَالَ اقل الشَّهَوَات لَك نفعا فِي الدُّنْيَا أضرها عَلَيْك فِي الاخرة وَأَقل شهوات الاخرة مُؤنَة عَلَيْك فِي الدُّنْيَا أردهَا عَلَيْك فِي الْآخِرَة

стр. 142

وَقَالَ مَا أيسر الامر على من أحتسب بِنَفسِهِ عَن مُنَافَسَة اهل الْعِزّ فِي عزهم فقد هدي الى المرتقى الَّذِي ارْتقى مِنْهُ المحبون لقرب الله عزوجل وَقَالَ اخْتِيَار العَبْد للعبودية شِفَاء وَبرد على الْفُؤَاد وجلاء لِلْبَصَرِ وَقَالَ طلب العَبْد للحرية بلَاء يعشى مِنْهُ الْبَصَر وَقَالَ الْعَامِل النَّاظر عمله على الْمحبَّة وَالْعَامِل السَّامع غير النَّاظر عمله على الاستثقال فاعمل عمل من سمع ففهم وَنظر فأبصر وَلَا تعْمل عمل من سمع وَلم ينظر وَقَالَ رب نعْمَة تصير عُقُوبَة ونقمة وَرب عُقُوبَة تصير نعْمَة وَقَالَ إِذا أردْت أَن تحب شَيْئا فَأكْثر ذكره فَإِن الذّكر وَالنِّسْيَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ الْحَسَنَة الصادقة المشكورة يُثَاب عَلَيْهَا صَاحبهَا فِي الاخرة وَيُزَاد مِنْهَا فِي الدُّنْيَا يُزَاد للشكر ويثاب للصدق

стр. 143

وَقَالَ من انفع الْعِبَادَة ان يُعَامل العَبْد نَفسه باستصغار الدُّنْيَا عِنْدهَا وَقَالَ وَمن أحسن الْعِبَادَة ان يمتلئ قلب العَبْد من حب الطَّاعَة فَإِذا فاض عملت الْجَوَارِح على قدر مَا رَأَتْ من الْقلب فَرُبمَا كَانَت الْجَوَارِح فِي الْعِبَادَة وَالْقلب فِي البطالة قلت وَكَيف عبَادَة الْقلب دون الْجَوَارِح وَكَيف يفِيض الْقلب بِالْعبَادَة الى الْجَوَارِح قَالَ أَن يصير وعَاء للهم والحزن والافتقار وَالْخَوْف والندامة والتواضع والاضطرار الى الله والنصح لَهُ وَحب مَا يحب الله وبغض مَا يبغض الله فَإِذا عَامل الله على هَذَا بِقَلْبِه هَاجَتْ الْجَوَارِح بِمثل مَا رَأَتْ من الْقلب فانبعث على الطَّاعَة وَإِنَّمَا يكون ذَلِك من الْقلب إِذا خالط سويداءه مَا تَأتي بِهِ الْقِيَامَة وَالْبَاب الاخر ان يمتلئ قلبه من معرفَة نعم الله وسروره بِاللَّه وأنسه بِعبَادة الله وشوقه الى محاب الله وحبه للشكر لله ورجائه مغْفرَة الله فَإِذا عَامل الله بِهَذَا من قلبه اشتاق الى عبَادَة الْجَوَارِح مَعَه فَيكون عَاملا وَفِي عمله أنس وسرور وحلاوة

стр. 144

وَقَالَ وَمن أشرف الْعِبَادَة ان تراقب الله بِمَا يحب الله فَإِذا فترت عَن ذَلِك راقبته فِيمَا يكره ملتمسا الْعود الى الْحَالة الاولى الَّتِي كنت عَلَيْهَا حَرِيصًا على ذَلِك فَيحدث لَك حِينَئِذٍ اليها حنين شَدِيد فَإِنَّهُ إِذا رآك كَذَلِك تحن وتحرص رد عَلَيْك مَا سلبك قَالَ وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّتِي قبلهَا وَفِي جَمِيع الاعمال على الْعَامِل ان يعقل مَا على الْقلب وَمَا على جوارح فَيبْدَأ بِمَا على الْقلب ثمَّ بِمَا على الْجَوَارِح فَإِن الْقلب هُوَ الاصل والجوارح أَغْصَان وَلَا تقوم الاغصان إِلَّا بالاصل قَالَ وَمن أحسن الاخلاق ان تكون سجية العَبْد التَّوَاضُع وَمن أحسن الفعال الاحسان الى من أَسَاءَ إِلَيْك وَقَالَ اجْتهد وَلَا تيأس وَلَا تقل عِنْد ذكر الصَّالِحين لَوْلَا ذُنُوبِي لرجوت طَريقَة الصَّالِحين فيفترك ذكر ذنوبك عَن الْعَمَل فَإِن صَاحب الْحمل الثقيل أولى ان يجْتَهد فِي إِسْقَاط مَا قد حمل من المخف الَّذِي لَيْسَ على ظَهره شَيْء وَقَالَ إِن اردت ان ينظر الله اليك بِالرَّحْمَةِ فَانْظُر انت الى الصَّالِحين بالغبطة والى العاصين بالرأفة

стр. 145

وَقَالَ إِذا وَقع فِي قلب العَبْد الاهتمام بِالنَّفسِ اشْتَدَّ خَوفه عَلَيْهَا وَعظم رجاؤه للنَّاس واذا خلا قلبه من هم نَفسه حسن ظَنّه بهَا وَعظم رجاؤه لَهَا وَخَافَ على النَّاس وَقَالَ من طَالَتْ فكرته فِي اربعة اشياء اورثته الْحزن والهم وَهِي تُؤدِّي بَعْضهَا الى بعض وكل خصْلَة مِنْهَا كَافِيَة اذا فَكرت فِي علم الله فِيك واين اسْمك فِي ام الْكتاب وَبِمَ يخْتم لَك وَذكرت ذنوبك وَقَالَ من طَالَتْ فكرته فِي اربعة اشياء اورثته الْخَوْف والخشية وَهِي تُؤدِّي بَعْضهَا الى بعض وكل وَاحِدَة مِنْهَا كَافِيَة من فكر فِي الْمَوْت وَسُرْعَة انْقِضَاء الاجل والمصير الى الْقَبْر وَالْوُقُوف لِلْحسابِ وَالنَّار الَّتِي لَا صَبر لأحد عَلَيْهَا وَقَالَ لَا تنَازع الله فِي محبته فَتكون قد عاملته بالغلبة وَقَالَ لَا تُؤثر على الله احدا فيكلك الى من آثَرته عَلَيْهِ وَقَالَ الى مَتى تعد الشّغل عونا وَقَالَ ان لم تتْرك مَا يرديك اقبل عَلَيْك من يغويك وَقَالَ اذا اردت ان تقسم صَدَقَة اَوْ مَعْرُوفا فِي النَّاس اَوْ فِي سواك
следующие страницы →