Полный текст (163 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
البلوي والاختبار
الْقُرْآن يُقرر الِابْتِلَاء بالدنيا كلهَا
وَاعْلَم أَيقَن أَن الدُّنْيَا كلهَا كثيرها وقليلها حلوها ومرها وأولها وَآخِرهَا وكل شَيْء من أمرهَا بلوى من الله تَعَالَى للْعَبد واختبار
وبلواها وان كثرت وتشعبت وَاخْتلفت فَهُوَ مَجْمُوع كُله فِي خلتين فِي الشُّكْر وَالصَّبْر فإمَّا ان يشْكر على نعْمَة اَوْ يصبر على مُصِيبَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا جعلنَا مَا على الأَرْض زِينَة لَهَا لنبلوهم أَيهمْ أحسن عملا﴾
وَقَالَ ﴿وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم وَلَكِن ليبلو بَعْضكُم بِبَعْض﴾
وَقَالَ ﴿وَرفع بَعْضكُم فَوق بعض دَرَجَات ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾
стр. 37
وَقَالَ ﴿وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ﴾
وَقَالَ ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾
وَقَالَ ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلو أخباركم﴾
واكثر من ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى
وانما كَانَت بلوى آدم ﵇ أقل من آيَة فِي كتاب الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ وَهُوَ كُله لَك بلوى
اكثر الْفِتْنَة فِي النَّاس
وان اكثر مَا بلي بِهِ العَبْد من اهل الدُّنْيَا النَّاس وافتن النَّاس لَك واكثرهم لشغلك انما هُوَ بمعارفك مِنْهُم واشغل معارفك لَك واكثرهم عَلَيْك فتْنَة من انت بَين ظهرانيهم ينظرُونَ اليك وَتنظر اليهم ويكلمونك وتكلمهم
فَإنَّك من لم يعرفك من أهل زَمَانك وَلم تعرفه وَلم تسمع بِهِ كَأَنَّك
стр. 38
لم تبتل بهم وَكَأَنَّهُم لم يبتلوا بك وَكَأَنَّهُم لم يَكُونُوا من هَذِه الدُّنْيَا الَّتِي انت فِيهَا
فأرجع فِي صبرك إِلَى الله واستعن بِهِ وَانْقطع اليه واستانس بِذكرِهِ وأقلل من الخلطاء مَا استطت بل اترك الْقَلِيل أَيْضا تسلم لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبك بَصيرًا﴾ فاهرب من الْفِتْنَة
فَرجع صبرك الى معارفك وَمن انت بَين ظهرانيهم فنظرك اليهم فتْنَة ونظرهم اليك فتْنَة وكلامك مَعَهم فتْنَة وَكَلَامهم مَعَك فتننة وجفاؤك لَهُم فتْنَة وجفاؤهم لَك فتْنَة وكرامتهم لَك فتْنَة وكرامتك لَهُم فتْنَة لَك
وَاعْتبر من ذَلِك بِموضع تمر فِيهِ فِيهِ معارفك وَمَوْضِع تمر فِيهِ لَيْسَ فِيهِ اُحْدُ يعرفك
وَهَكَذَا شهوات الْمطعم والملبس وشهوات الْعين مَا يحل النّظر اليه وَمَا لَا يحل النّظر اليه مِمَّا كَانَ من ذَلِك فِي غير الْبَلدة الَّتِي انت فِيهَا فَأَنت مِنْهَا سليم وفتنتها مصروفة عَنْك ان شَاءَ الله تَعَالَى لَان مؤنتها سَاقِطَة وَهَكَذَا انت فِي جَمِيع امورك
стр. 39
الِابْتِلَاء فِي الْعَمَل
وعملك الَّذِي تعْمل انما هُوَ فتْنَة انت فِيهِ تُرِيدُ ان توقي اعين النَّاس واكثرهم من يعرفك بِالْخَيرِ فأعمالك لَك فتْنَة
ان حججْت فَكنت خَالِيا لَيْسَ مَعَك من يعرفك بِالْخَيرِ وتعرفه كَانَ اسْلَمْ لَك والا فَهُوَ فتْنَة فَانْظُر كَيفَ تسلم مِنْهَا
وان خرجت من بَلْدَة انت فِيهَا مَعْرُوف بِالْخَيرِ فَخرجت مِنْهَا وهم لَا يعلمُونَ ايْنَ تُرِيدُ فَهُوَ اسْلَمْ لَك وان علمُوا فَهُوَ فتْنَة فَانْظُر كَيفَ تسلم مِنْهَا
وَكَذَلِكَ الْغَزْو وبلوى اهل الْغَزْو وَمَا ينوبهم فِي مغازيهم من الْفِتْنَة والبلية اعظم من بلية غَيرهم من الَّذين يعْملُونَ اعمال الْبر وهم قبل ان يدخلُوا فِي هَذِه الاشياء فِي عَافِيَة فَإِذا دخلوها جَاءَت الْفِتْنَة من التحاسد بَعضهم لبَعض وطمعهم فِيمَا يرجون من السِّهَام وطمعهم فِي الحملان وَمَا يَجْعَل للنَّاس فِي سَبِيل الْغَزْو
وَلَقَد سَمِعت رجلا من الْمَذْكُورين من اهل الْغَزْو وَمِمَّنْ لَهُ غناء عِنْد لِقَاء الْعَدو وَاسم عَظِيم فِي المطوعة يَقُول الْخَيل قد خرجت وَلم
стр. 40
يقْض لي الْخُرُوج فِيهَا أما السَّلامَة فَأحب ان يسلمُوا وَلَكِنِّي أكره أَن يغنموا وَلَيْسَ أَنا فيهم
وَلَقَد رَأَيْت من يغار على مَا يقوى بِهِ بعض الْغُزَاة حَيْثُ لم يُعْط هُوَ وَأعْطِي غَيره كَمَا يغار الرجل على بعض حرمه وَلَقَد رَأَيْت من غزا وَلم يغنم ود ان لم يكن غزا
وَلَا يُؤمن يَا أخي على كل من دخل فِي عمل من أَعمال الدُّنْيَا والاخرة جَمِيعًا إِذا لحقتهم فِي عَمَلهم الْآفَات الَّتِي تفْسد الاعمال ان يدْخل عَلَيْهِم الشَّيْطَان فِيهَا من الْعُيُوب والفتن مثل هَذَا وَأكْثر من هَذَا
فليحذر الرجل على كل عمل يعمله من أَعمال الدُّنْيَا والاخرة وليراقب الله فِيهِ ويعامله بضمير خَالص ويحذر اطلَاع الله على فَسَاد ضَمِيره ويحذر اطلَاع المخلوقين على عمله فَإِن كناس الحشوس أكْرم من هَذَا الصَّائِم وَهَذَا الْمُصَلِّي وَهَذَا الْقَائِم وَهَذَا الْغَازِي الَّذِي يكره ان ينَال الْمُسلمُونَ من غَنَائِم الرّوم والجالس فِي بَيته بِبَغْدَاد يحب ان يغنموا مِنْهُم
فاحذر رَحِمك الله من قرب مِنْك وَقربت مِنْهُ فَإِن الَّذين بعدوا مِنْك وبعدت مِنْهُم سلمُوا مِنْك وسلمت مِنْهُم
يود أَقوام غَدا انهم لم يَكُونُوا سمعُوا بآذانهم كثيرا من أَعْمَالهم الَّتِي هِيَ
стр. 41
فِي رَأْي الْعين يُرْجَى لصَاحِبهَا عَلَيْهَا الثَّوَاب الجزيل والدرجات الرفيعة ويغيطون من لم يكن عمل مثل مَا عمِلُوا كثيرا من حسناتهم وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحسبون
كَيفَ يهْلك العَبْد بأعمال الْبر
يُقَال إِنَّهَا أَعمال من الْبر كَانُوا يرَوْنَ انها منجيتهم فَكَانَت هِيَ مهلكتهم لما مازجها من الرِّيَاء وَحب المحمدة من المخلوقين واتخاذ الْمنَازل بالطاعات وَإِقَامَة الجاه وَحب الْقدر والميل الى ثَوَاب المخلوقين
فَلَمَّا وردوا على الله وجدوه قد أحبط أَعْمَالهم وهم لَا يَشْعُرُونَ لأَنهم كَانُوا قد تعجلوا ثَوَاب اعمالهم من المخلوقين فِي الدُّنْيَا فافتضحوا وفضيحة مَا هُنَاكَ بَاقِيَة وَلم يَجدوا من ثَوَاب اعمالهم إِلَّا كَمَا وجد صَاحب السراب وَصَاحب الرماد
فَلَيْسَ اسْم الْأَعْمَال يُرَاد وَلَا تَزْيِين ظَاهرهَا وَلَكِن تقوى الله وَمَا يقرب اليه زلفى فليت بَين العَبْد وَبَين كل عمل يباعد من تقوى الله وَمن الله بعد المشرقين
قَالَ الْعَدو الْخَبيث ثمَّ لآتينهم من بَين ايديهم وَمن خَلفهم وَعَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم فَلَو لم يكن فِي
стр. 42
الْكتاب من صِفَات إِبْلِيس إِلَّا هَذَا قد كَانَ يَنْبَغِي للنَّاس أَن يحذروه
وَلَو نظرت فِي اكثر النَّاس لوجدت أَن أَكْثَرهم إِنَّمَا يُؤْتى من قبل الْبر وَقلة الْعِنَايَة بتصفية الاعمال وَمَا قد استحلت النَّفس من حب المحمدة من المخلوقين
وَقد يُؤْتى قوم كثير من قبل الآثام إِلَّا أَن عَلامَة الْفِتْنَة فِي النَّاس جَمِيعًا مُخْتَلفَة وَأكْثر النَّاس إِنَّمَا يعْرفُونَ من قد فتن بالآثام وَلَا يعْرفُونَ من فتن بِالْبرِّ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس من أهل النُّور والفطن والفراسة والتوسم والكياسة
وَذَلِكَ ان الَّذِي يعْمل بأعمال الْبر وَهُوَ يحب فتنتها أَكثر من الَّذِي يخَاف فتنتها وَالَّذِي يجهل فتنتها اكثر من الَّذِي يعلم فتنتها
وَمن النَّاس من يعلم فتن الاعمال ومبطلاتها ثمَّ يغلبه الْهوى وَمِنْهُم من يعلم وتقل عنايته فيغفل
وَاعْلَم ان الَّذِي يعْمل وَقد علم الافات الَّتِي تفْسد الاعمال وَمَعَهُ الْعِنَايَة بِنَفسِهِ وَعَمله وَمَعَهُ التيقظ وَإِزَالَة الْغَفْلَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُشفق خَائِف من الافات مَا يكَاد يسلم إِلَّا من عصم الله تَعَالَى فَكيف الَّذِي يجهل ويغفل ويغلبه الْهوى وَيُحب دُخُول الافة
стр. 43
شُمُول الْفِتْنَة وخطرها
وَقد طلبت الدُّنْيَا فِي زَمَاننَا خَاصَّة بِكُل جِهَة بِالْبرِّ والاثم جَمِيعًا افتتانا فاحذر فتْنَة الْبر والاثم جَمِيعًا لِئَلَّا ينزل بك مَا نزل بغيرك فِي التّرْك والطلب
فلتكن همتك فِي النّظر فِي مرْآة الْفِكر كالهمة بِالْعَمَلِ وَأكْثر من ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ شهوات الذُّنُوب والسيئات وشهوات المطاعم والمشارب والملابس وَالْبناء والمراكب والمناكح وَالذَّهَب وَالْفِضَّة بأغلب على اصحابها من شهوات الجاه وَحب الرِّئَاسَة وَإِقَامَة الْقدر واتخاذ الْمنزلَة وَقبُول الامر وَالنَّهْي وَقَضَاء الْحَوَائِج وَحب الْعَدَالَة عِنْد الْجِيرَان والاصحاب والاخوان والمدحة على اصحاب الْبر فِي حسناتهم
وَقد تَجِد الرجل يغلب شَهْوَة الذَّنب فَيتْرك الذُّنُوب وَيصير الى اعمال الْبر فيضعف عِنْد تصفيتها وتغلبه شَهْوَة مَا فِيهَا فَيعْمل حَسَنَات كَثِيرَة بِقُوَّة واقتدار عَلَيْهَا وظمأ شَدِيد وسهر فَلَا يقدر على ان يغلب شَهْوَته على تصفيتها فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مِمَّا قد نزل بِنَا وَمَا اعظم خطرنا
стр. 44
وَمَا أَغْفَلنَا عَن عَظِيم الْخطر
أحذر خداع الشَّيْطَان وَهوى نَفسك
ثمَّ اعْلَم أَنِّي لست أزهدك فِي طلب اعمال الْبر لِأَن كل عمل لَا تعمله الْيَوْم لَا تَجِد ثَوَابه غَدا وَلَكِنِّي احذرك خداع الشَّيْطَان وَهوى نَفسك الأمارة بالسوء
وَفضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾
وَقَالَ ﴿إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا إِنَّمَا يَدْعُو حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير﴾
وَقَالَ ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم وَقَالَ﴾
стр. 45
﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلت لي نَفسِي﴾ وَقَالَ ﴿فطوعت لَهُ نَفسه قتل أَخِيه فَقتله فَأصْبح من الخاسرين﴾ وَقَالَ ﴿بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر جميل﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ وَقَالَ ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ ﴿وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا﴾ وَقَالَ ﴿وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم﴾
مَعَ اشياء كَثِيرَة فِي ذكر عَدَاوَة إِبْلِيس وذم النَّفس والهوى
стр. 46
كَيفَ يعرف الانسان سَلَامَته من الافات
قلت ارى من النَّاس أَشْيَاء يعاب مثلهَا واحب ان أسلم من التَّعْبِير والازدراء وَالْعَيْب فَلَا أدرى اسلمت مِنْهُ نَفسِي أم لَا
فَقَالَ إِن الانسان عِنْد معرفَة عيب نَفسه أبله وَعند معرفَة عيب غَيره جهبيذ فيحتقر عيب اهل كل صناعَة وَأهل كل عمل من اعمال الدُّنْيَا والاخرة ويحتقر عيب من هُوَ فِي مثل مرتبته ويستعظم ذَلِك من كل من رَآهُ مِنْهُ فَإِذا اتى على عيب نَفسه جازه الى عيوبهم كَأَنَّهُ أعمى عَنهُ لم يره
وَهُوَ يطْلب الْعذر لنَفسِهِ وَلَا يَطْلُبهُ لغيره فَهُوَ فِي طلب عذرها جهبيذ وَفِي طلب عذر غَيرهَا ابله وَهُوَ يضمر عِنْد ذَلِك لصَاحبه مَا يكره أَن يضمر لَهُ غَيره لَو رأى مِنْهُ مثل ذَلِك الْعَيْب
فَإِذا رَأَيْت عَيْبا أَو زلَّة أَو عَثْرَة من غَيْرك فَاجْعَلْ نَفسك مَكَانَهُ ثمَّ انْظُر الَّذِي كنت تحب ان يستقبلك بِهِ لَو رأى مِنْك مثل الَّذِي رَأَيْت مِنْهُ وأضمر ذَلِك لَهُ فِي نَفسك فَإِنَّهُ يحب مِنْك مثل مَا كنت تحبه مِنْهُ
وَهَكَذَا إِذا رَأَيْت مَا يستحسن فَأَرَدْت ان تعرف علم السَّلامَة من
стр. 47
الْحَسَد لَهُ
وبالحري أَن يكون أخف النَّاس عَلَيْك عِنْد الزلة من يطْلب لزلتك عذرا ومخرجا فَإِذا لم يجد للْعُذْر موضعا سَاءَهُ ذَلِك وأخفى مَكَانَهُ وَعند حسنتك يسر فَإِن لم يسر لم تسؤه
فَهَكَذَا فَكُن لَهُم عِنْد الزلة وَعند الْحَسَنَة فَإِذا كنت كَذَلِك فَلَا تحب إِزَالَة نعْمَة أنعمها الله على أحد فِي دين وَلَا فِي دنيا وَلَا تحب أَن يُقيم أحد على مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَلَا تحب ان يهْلك ستره عِنْد زلته فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك بقلبك زَالَ عَن قَلْبك الْحَسَد عَن الدّين وَالدُّنْيَا جَمِيعًا
وَمَتى غلبت عَلَيْك الْمُسَابقَة الى ضميرك بِسوء الْمحْضر فَلَا تغلبن على مشاهدته بِحسن الْمُرَاجَعَة من جَمِيع أمورك
علم السَّلامَة بالمراجعة والتفتيش
وَأعلم أَنَّك مَسْبُوق الى ضميرك بِالْحَسَدِ وَسُوء الظَّن والحقد فَاجْعَلْ الْمُرَاجَعَة شغلا لَازِما وَكن وقافا كَمَا قَالَ الاول الْمُؤمن وقاف وَلَيْسَ كحاطب ليل
فقف وطالع زَوَايَا ضميرك بِعَين حَدِيدَة النّظر نافذه الْبَصَر فَإِذا
стр. 48
رَأَيْت أمرا محموداص فاحمد الله وامض وَإِذا رَأَيْت مَكْرُوها داركته بِحسن الْمُرَاجَعَة واستقصيت فِيهِ فَإِن الَّذِي دخل بَيْتك وَلم يستأذنك سَوف يختبئ فِيهِ وَإِن كَانَ مظلما فَأَنت لَا تشعر إِلَّا أَن يكون مَعَك سراج من الْعلم مضئ وَاضح وَيكون مَعَك من الْعِنَايَة بِأَخْذِهِ وَالْإِنْكَار لما دخل فِيهِ مَا لَا صَبر لَهُ عَلَيْهِ وَلَا طَاقَة لَهُ بِهِ
وَلَو قد جربت لعرفت ان الَّذِي أَقُول لَك كَمَا أَقُول
يدْخل دَاخل مَنْزِلك بِغَيْر إذنك وَهُوَ دَاخل لَا يُؤمن أَن يخرب الْمَدْخُول عَلَيْهِ فَإِن رأى الدَّاخِل مِنْك توانيا وتهاونا كَانَ هُوَ الْمُقِيم بالمنزل الْمُدبر لَهُ فاستولى على حر بَيْتك وعَلى حرمتك وَإِن رأى مِنْك إنكارا فِيهِ ضعف اختفى لَك ليمس سهوتك وغفلتك فَإِذا وجد فرْصَة خرب عَلَيْك مَا كنت اصلحت وَهدم مَا بنيت فَافْهَم إِن كنت تفهم وَاقْبَلْ النصح من الناصحين إِن كنت تقبل
فَلَو رحلت فِيمَا اخذت المطايا فبلغت حَيْثُ تبلغ من الْبعد وأنفقت فِي سَبِيل ذَلِك حر بَيْتك كَانَ الَّذِي أخذت اكثر من الَّذِي انفقت وتعبت فَإنَّك تَجِد الْخَيْر الْكثير فِي ميزانك يَوْم الْقِيَامَة بِصدق الْمُرَاجَعَة ومبادرتها قبل أَن تبرد عَنْك حلاوتها فَإِنَّهَا موهبة عَظِيمَة من مواهب الله تَعَالَى اكرم
стр. 49
بهَا اهل خاصته وَعظم النِّعْمَة عَلَيْهِم فِيهَا فَإِن عظم النِّعْمَة على قدر الْحَاجة
فَانْظُر هَل راجعت نَفسك وامرك الا وَقد وجدت فِيهِ مَوضِع مرمة ومصلحة اَوْ وجدت مفسودا بِعَيْنِه فَلَو لم تلْحقهُ بالمراجعة لَكَانَ ذَاهِبًا الى يَوْم الْقِيَامَة
الْمُرَاجَعَة اساس السلوك الصَّحِيح
وَاعْلَم اني انما اكثر عَلَيْك وعَلى نَفسِي من ذكر الْمُرَاجَعَة لما قد استبان لي من الِاضْطِرَار وَالْحَاجة اليها فَلَو قد تعلّقت بِشَيْء من الْخَيْر فِيهَا يكون ونسبتها والا فَلَا وَمَا تَركك لَهَا الا كالمستأنس لعَدوه وَالْمُسلم نَفسه اليه فَهَلَكت وانت لَا تشعر
وان كنت متهاونا بِمَا اقول لَك فَإِن اكثر حَاجَتك اليها فِي صَلَاة الْفَرِيضَة ثمَّ بعْدهَا وهلم جرا فِي جَمِيع امورك
وَلَو كنت مِمَّن يتفقد امْرَهْ لعَلِمت مَاذَا دخل عَلَيْك من الندامة وَالْحَسْرَة حَيْثُ فارقتك الْمُرَاجَعَة فِي صَلَاة الْفَرِيضَة فَلم تدر مَاذَا قَرَأَ امامك وَلم تدر أَفِي فرض كنت ام فِي نَافِلَة فِي صَلَاة كنت ام فِي غَيرهَا وانت فِي رَأْي الْعين مِمَّن يُنَاجِي ربه
стр. 50
قد اصغيت بأذنيك الى امامك وتخشعت بوقوفك وفرغت قَلْبك لاستماع مَا يقرا امامك من كَلَام رَبك فِي صَلَاة فريضتك الَّتِي لَيْسَ شَيْء اوجب عَلَيْك مِنْهَا فَرَجَعت مِنْهَا وَقد ظهر مِنْك مَا وَصفنَا وانت كمن لم يشهدها لقلَّة ضبطك بالمراجعة لنَفسك فِيهَا
وَلَعَلَّ الَّذِي حضرت مِنْهَا بقلبك اَوْ عقلته فَلم تسه عَنهُ لَو قيل لَك اتحب ان يكون ذَلِك مِنْك كَمَا كنت سَاهِيا وَلَك مائَة الف دِينَار لَقلت لَا
فاعتن الْآن بتعاهد هَذِه الْمُرَاجَعَة على قدر مَا عرفت من حَاجَتك اليها فَإِنَّمَا لَك من عمرك تيقظك وتيقظك مُرَاجعَة مَا فِيهِ منفعك وقربتك والمصير اليه بِالْعقلِ وَمَا سوى ذَلِك غَفلَة وسهو يؤديان الى شَهْوَة فِيهَا غليان قَلْبك وَفِي ذَلِك مُوَافقَة نَفسك الامارة بالسوء والهوى المضل عَن سَبِيل الله الْعَادِل بأَهْله عَن طَرِيق محبته وَفِي ذَلِك توثب الْعَدو الْخَبيث الَّذِي لَا يألوك خبالا الَّذِي يجْرِي مِنْك مجْرى الدَّم الَّذِي يراك هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا تراهم
قَالَ مَالك بن دِينَار قُلُوب الابرار تغلي بأعمال الْبر وَقُلُوب الْفجار تغلي بأعمال الْفُجُور فتعاهد أَمرك بالمراجعة فَإِن دأبت مَكْرُوها
стр. 51
أصلحته وتحولت عَنهُ وَإِن رَأَيْت غير ذَلِك حمدت الله وَكَانَت عنايتك بذلك زِيَادَة لَك أَو قربَة
وَإِذا رَأَيْت لَك عناية بالمراجعة فَاعْلَم أَنَّهَا نعْمَة وقربة من أعظم نعم الله واحق من أَحْسَنت صحبته نعم الله الَّتِي مِفْتَاح خزائنها ﵀ فالتمس الزِّيَادَة مِنْهَا بالشكر عَلَيْهَا وأحق من أَسَأْت صحبته نَفسك الامارة بالسوء والاساءة اليها مخالفتها فَإِن فِي مخالفتها مُوَافقَة مرضاة الله
التهاون فِي الْيَسِير يُوقع فِي الْكَبِير
قلت فَمن أهل الارادة
من لم يتخط عَيْبا وَلَا عَورَة الى نَافِلَة
فَمَا حفظ اللِّسَان
الصمت
فَمَا الِاحْتِيَاط فِي التحفظ عِنْد الْكَلَام
стр. 52
قَالَ ترك ذكر عيب من غَيْرك ترجو على ذكره إِذا ذكر بِهِ الثَّوَاب لكيلا يخْرجك ذَلِك الى ذكر عيب من غَيْرك تخَاف على ذكره الْعقَاب وَخذ نَفسك بِهَذَا الْبَاب اشد الاخذ واحمل عَلَيْهِ من النَّاس من استرشدك وَأَرَادَ مثل الَّذِي تُرِيدُ
فَإِن العَبْد إِنَّمَا يُؤْتى من قبل التهاون باليسير وَهُوَ الَّذِي يُوقع فِي الاثم الْكَبِير والتهاون باليسير هُوَ الاساس الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ الْكثير فَيكون أَوله كَانَ تحفظا ثمَّ صَار انبساطا ثمَّ صَار من الانبساط الى ذكر الْيَسِير ثمَّ صَار من الْيَسِير الى مَا هُوَ اكثر مِنْهُ فَلَا تشعر حَتَّى ترى نَفسك حَيْثُ كنت تكره ان ترى فِيهِ غَيْرك فَفِي ترك الْيَسِير ترك الْيَسِير وَالْكثير
وَأقوى النَّاس على ذَلِك واصدقهم عزما هُوَ الَّذِي إِذا عزم امضى عزمه وَلم يلو وأضعف النَّاس فِي ذَلِك أضعفهم عزما وَهُوَ الَّذِي يعزم ثمَّ يحل عزمه وَلَا يكَاد يمْضِي عزما
فَهَذَا الَّذِي يتلاعب بِهِ الشَّيْطَان والهوى وَالنَّفس لَيْسَ لَهُ عِنْدهم قدر لِكَثْرَة معرفتهم يتناقص عزمه وَقلة اسْتِعْمَاله وأولو الْعَزْم من النَّاس افاضل الْخلق من كل طبقَة
الْقَرِيب من التَّوْبَة والبعيد مِنْهَا
صدق النَّدَم وعلامته
قلت فَمن أرجا النَّاس لقبُول التَّوْبَة مِنْهُم
قَالَ اشدهم خوفًا وأصدقهم ندامة على مَا كَانَ مِنْهُ وَمَا شَاهده الله واطلع عَلَيْهِ من زلله وخطله وَطول غفلته ودوام إعراضه وَأَحْسَنهمْ تحفظا فِيمَا يسْتَقْبل وَإِن اسْتَووا فِي ذَلِك فاشدهم اجْتِهَادًا فِي الْعَمَل
لِأَن عَلامَة صدق النَّدَم على مَا مضى من الذُّنُوب شدَّة التحفظ فِيمَا بَقِي من الْعُمر ومواثبة الطَّاعَة بالجد وَالِاجْتِهَاد واستقلال كثير الطَّاعَة واستكثار قَلِيل النِّعْمَة مَعَ رقة الْقلب وصفائه وطهارته ودوام الْحزن فِيهِ وَكَثْرَة الْبكاء والتفويض الى الله تَعَالَى فِي جَمِيع الامور والتبري إِلَيْهِ من الْحول وَالْقُوَّة ثمَّ الصَّبْر بعد ذَلِك على أَحْكَام الله وَالرِّضَا عَنهُ فِي جَمِيعهَا وَالتَّسْلِيم لاموره كلهَا
стр. 53
الْخَطَأ فِي طَرِيق التَّوْبَة ونتائجه
وَقَالَ لي قد علمت من أَيْن غَلطت أَحْسَنت الظَّن بِنَفْسِك فتاقت الى دَرَجَات الْمُحْسِنِينَ بِخِلَاف سيرتهم من غير إِنْكَار مِنْك عَلَيْهَا لمساويء أعمالا وَلَا دفع لما ادَّعَتْهُ من اعمال الصَّادِقين
وأسأت الظَّن بغيرك فانزلتهم فِي دَرَجَة المسيئين إغفالا مِنْك لشأنك وتفرغت للنَّظَر فِي عُيُوب غَيْرك
فَلَمَّا كَانَ ذَلِك مِنْك كَذَلِك عوقبت بِأَن غارت عُيُون الرأفة وَالرَّحْمَة من قَلْبك وانفجرت إِلَيْهِ أَنهَار الغلظة وَالْقَسْوَة فَأَحْبَبْت أَن تنظر الى النَّاس بالإزراء عَلَيْهِم والاحتقار لَهُم وَقلة الرَّحْمَة وَأَرَدْت أَن ينْظرُوا اليك بالتعظيم والمهابة وَالرَّحْمَة فَمن وَافَقَك مِنْهُم على ذَلِك نَالَ مِنْك قربا ومحبة ونلت أَنْت من الله تَعَالَى بعدا وسخطا وَمن خالفك فِيهِ ازْدَادَ مِنْك بعدا وبغضا وازددت انت من الله بعدا وسخطا
وأطلت فِي ذَلِك كُله أملك فطاب لَك الْمسير فِي طَرِيق التسويف ومدارج الحيرات فاشتدت رَغْبَة نَفسك واستمكن الْحِرْص من قَلْبك فعظمت لذَلِك فِي الدُّنْيَا رغبتك وشحت فجمحت الى شهواتها واحتوشت قَلْبك لذاتها فحال ذَلِك بَيْنك وَبَين ان تَجِد حلاوة سلوك طَرِيق الاخرة
стр. 54
فقلبك حيران على سَبِيل حيرة قد اشتبهت عَلَيْك سبل النجَاة وشقق حجاب الذُّنُوب فأنست لقربها وطاب لَك شم رِيحهَا فوصلت بذلك الى مَحْض الْمعْصِيَة فادعيت مَا لَيْسَ لَك وتناولت مَا يبعد مرامه من مثلك
ثمَّ أخرجك ذَلِك الى ان تَكَلَّمت لغير الله وَنظرت الى مَا لَيْسَ لَك وعملت لغير الله فَكنت مخدوعا مسبوعا عِنْد حسن ظَنك بِنَفْسِك وانت لَا تشعر ومستدرجاص من حَيْثُ لَا تعلم فَكَانَ مِيرَاث عَمَلك الْخبث والجريرة والغش والخديعة والخيانة والمداهنة وَالْمَكْرُوه وَترك النَّصِيحَة وانت فِي ذَلِك كُله مظهر لمباينة ذَلِك
فَمن كَانَت هَذِه سيرته فَلَا يُنكر ان يَبْدُو لَهُ من الله مَا لم يكن يحْتَسب
فَلَو كَانَ لَك يَا مِسْكين أدنى تخوف لبكيت على نَفسك بكاء الثكلى الْمحبَّة لمن أثكلت ونحت عَلَيْهَا نياحة الْمَوْتَى حِين غشيك شُؤْم الذُّنُوب
وَلَو بَكَى عَلَيْك أهل السَّمَوَات واهل الارض لَكُنْت مستوجبا لذَلِك لعظم مصيبتك
وَلَو عزاك عَلَيْهَا جَمِيع الْخلق تَعْزِيَة المحروب المسلوب لَكُنْت مُسْتَحقّا لذَلِك لِأَنَّك قد حرمت دينك وسلبت معرفتك بشؤم الذُّنُوب فركبك
стр. 55
ذل الْمعْصِيَة وَأثبت اسْمك فِي ديوَان العاصين واستوحش مِنْك أهل التَّقْوَى إِلَّا من كَانَ فِي مثالك
فاخذ الَّذين أَرَادوا الله وَحده فِي طَرِيق الْمحبَّة لَهُ وسلكوا سَبِيل النجَاة إِلَيْهِ وَأخذت فِي غير طريقهم فملت حِين خَالَفت طريقهم الى غَيره فَبَقيت متحيرا وَعَن وجع الاصابة متبلدا
ويمثل هَذِه الاسباب الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا طريقتك يسْتَدلّ على خسران الْقِيَامَة وَبِاللَّهِ نَعُوذ واياه نسْأَل عفوا وتقريبا مَعَ الْمُحْسِنِينَ انه لطيف خَبِير
стр. 56
الْمعرفَة بِلَا عمل وَسِيلَة للْعَمَل
قلت اما تخَاف ان تكون هَذِه الْمعرفَة حجَّة عَلَيْك والاشتغال بوصفها خدعة من الشَّيْطَان طَوِيلَة وصدا عَن نَفعهَا
فَقَالَ واسواتاه من غَفلَة واصفها عَن محاستها وَمن رام رمي فَلم يخطىء حَيْثُ اراد فَأَما الامن فمحرم واما الْخَوْف فَفرض على من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وبالوعد والوعيد
وَقد علمت ان الْقَصْد الى نفس الْمحبَّة والعناية بهَا ابلغ لصَاحِبهَا واكثر لَهُ فِي الْمَنْفَعَة مِنْهُ بِوَصْف الْمحبَّة لَان طللب نفس الْمَنْفَعَة غير طلب وصف الْمَنْفَعَة وانما اشتغلت بِالْوَصْفِ اضطرارا حَيْثُ رايت نَفسِي خَارِجا مِنْهُمَا جَمِيعًا فاعتنيت بِمَعْرِِفَة وصفهَا وَالْهِدَايَة اليها رَجَاء ان
стр. 57
يوصلني ذَلِك الى نفس الْمَنْفَعَة وَالْهِدَايَة اليها وَالله الْمُسْتَعَان على مَا نقُول وَمَا نضمر
خُلَاصَة المعارف
وان العَبْد بَين تسع مخاوف
فأولاها ان يخَاف وَيَدْعُو الله ويتضرع إِلَيْهِ الا يكله الى حَسَنَاته الَّتِي يتعزز بهَا فِي عباد الله ظلما وعدوانا
وَالثَّانيَِة ان يخَاف من كفران النعم الَّتِي قد غلب عَلَيْهِ البطر بهَا فأشغله عَن الشُّكْر عَلَيْهَا
وَالثَّالِثَة خوف الاستدراج بِالنعَم وتواترها
وَالرَّابِعَة خوف الله ان يَبْدُو لَهُ غَدا من الله مَا لم يكن يحْتَسب فِي طاعاته الَّتِي يَرْجُو ثَوَابهَا وَلم يعدها من ذنُوبه
وَالْخَامِسَة الذُّنُوب الَّتِي عَملهَا واستيقن بهَا فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى
وَالسَّادِسَة تبعات النَّاس قبله
وَالسَّابِعَة انه لَا يدْرِي مَا يحدث لَهُ فِي بَقِيَّة عمره
стр. 58
وَالثَّامِنَة ان يخَاف تَعْجِيل الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا والنكال فِيهَا قبل الْفَوْت
والتاسعة الْخَوْف من علم الله تَعَالَى فِيهِ وَفِي أَي الدَّاريْنِ اثْبتْ اسْمه فِي ام الْكتاب
فاحذر الذُّنُوب فَإِن شؤمها قريب وظلمتها شَدِيدَة وَاحْذَرْ الْحَسَنَات الَّتِي تبَاعد بَيْنك وَبَين طَرِيق الصَّالِحين فَمَا اقْربْ القارىء المتعبد بِغَيْر معرفَة ان يتكبر على عباد الله ويمن على الله بِالْحَسَنَاتِ الَّتِي لَو وَكله اليها كَانَ فِيهَا هَلَاكه وَمَا اقربه من ان يطْلب النَّاس بِمَا اراده الله مِنْهُم من الطَّاعَة لَهُ والاجلال والاعظام وَالْقدر الْعَظِيم
وَلَا يُؤمن على القارىء غير الْفَقِيه ان يسيء اليهم وَيطْلب مِنْهُم الاقرار بالاحسان ويعطيهم من نَفسه مَا اراد الله مِنْهُ
ان الله تَعَالَى اراد مِنْهُ ان يتزين لَهُ ويتعبد لَهُ ويخلص لَهُ الْعَمَل وَحده فَأعْطى هُوَ للمخلوقين ذَلِك من نَفسه
стр. 59
الْمَدْح والذم
الْفرق بَين الرِّيَاء وَحب الْمَدْح وَكَرَاهَة الذَّم
قلت الرجل يَقُول انه مِمَّن لَا يُرِيد بِعَمَلِهِ جَزَاء وَلَا شكُورًا وَهُوَ مَعْرُوف بأعمال الْبر بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَََقَة وَالصِّيَام وَغير ذَلِك وَقد مدحه قوم فسره ذَلِك جدا وَفَرح بِهِ وذمه آخَرُونَ فساءه ذَلِك جدا وَكَرِهَهُ حَتَّى عرف من نَفسه التَّغَيُّر لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا كَيفَ يعرف هَذَا نِيَّته وَحب المحمدة وكراهية المذمة ثَابت فِي قلبه والمرائي يحب الثَّنَاء وَيكرهُ المذمة
قَالَ انه لَا يجب على النَّاس ان يكرهوا الثَّنَاء الْحسن والمحمدة وَلَا يجب عَلَيْهِم ان يُحِبُّوا المذمة عمِلُوا الْحَسَنَات اَوْ لم يعملوا اذا لم يكن ذَلِك مِنْهُم من معنى فَاسد لِأَن الْمرَائِي وان كَانَ يُرِيد الْعَمَل على ان يحب المحمدة وَيكرهُ المذمة فَإِن الصَّادِق لَا يجب عَلَيْهِ ان يكره الثَّنَاء وَيُحب المذمة
وان اكثر الصَّادِقين قد مدحوا واثني عَلَيْهِم وَلم يضرهم ذَلِك شَيْئا
وانما الْفرق بييننهما ان الْمرَائِي ارادته وأمله فِي عمله جاه الدُّنْيَا والمنزلة عِنْد اهلها فأفسد عمله بنيته وارادته نَالَ الَّذِي اراد من ذَلِك اَوْ لم ينله حمدوه على عمله اَوْ لم يحمدوه ذموه اَوْ لم يذموه
стр. 60
وَغير الْمرَائِي انما كره المذمة لحَال مَا فِيهَا من الْكَرَاهِيَة مثل السُّقُوط من اعين النَّاس والبغضة والمقت من الْمُؤمنِينَ واشباه ذَلِك وَالثنَاء الْحسن وَالْقَوْل الْجَمِيل احبه لموْضِع ستر الله وَلما جَاءَ من الرَّجَاء فِي الثَّنَاء الْحسن وَالْقَوْل الْجَمِيل والمحبة من النَّاس ومودتهم لَهُ وَكَانَ اعْتِقَاد نِيَّته وعزمه فِي اول امْرَهْ وَآخره الا يُرِيد بذلك إِلَّا وَجه الله وَحده وَالدَّار الْآخِرَة حمدوه اَوْ ذموه احبوه اَوْ ابغضوه
الْخَوْف من تحول النِّيَّة
وَرُبمَا كَانَ اعْتِقَاد الرجل عِنْد عمله ارادة الْآخِرَة ثمَّ ينْتَقل قَلِيلا قَلِيلا الى ارادة الدُّنْيَا وَذَلِكَ انه شَيْء خَفِي والعامة تقل معرفتهم بِهِ وعنايتهم بذلك وتكثر غفلتهم وسهوتهم عَنهُ وَقد كَانَ يَنْبَغِي ان تكون عناية الْمُؤمن بذلك اكثر من عنايته بِمَا يعْمل من الاعمال الظَّاهِرَة لَان اعمال الْجَوَارِح لَا يُمكنهُ ان يقلبها وَلَا يغيرها عَن حَالهَا وَالنِّيَّة لَا يَأْمَن عَلَيْهَا الْفساد وان كَانَت صَادِقَة صَحِيحَة ان تتحول من احسن مَا كَانَت عَلَيْهِ الى اقبح مَا تكون عَلَيْهِ وافسده لعمل صَاحبهَا
стр. 61
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ الاعمال بِالنِّيَّةِ وانما لامرىء مَا نوى
فالاعمال بِالنِّيَّةِ تكون وَعَن النِّيَّة تكون فَالْعَبْد احوج الى معرفَة النِّيَّة وَمَعْرِفَة فَسَادهَا اذ كَانَت الاعمال انما تصح بتصحيحها وتفسد بفسادها وان جَمِيع مَا نذكرهُ انما هُوَ وصف للْعَمَل وللحقيقة وَالصِّحَّة عَلَامَات غير هَذَا
وان الاعمال كلهَا عملان عمل تمكن فِيهِ النِّيَّة وَعمل لَا تمكن فِيهِ النِّيَّة وَالْعَمَل لغير طَاعَة الله اَوْ على غير سنة رَسُول الله ﷺ لَا تمكن فِيهِ النِّيَّة وَالَّذِي تمكن فِيهِ النِّيَّة عمل فِي طَاعَة الله على السَّبِيل وَالسّنة وَالنَّاس فِيهِ صنفان
صنف يعْرفُونَ النِّيَّة وصنف لَا يعْرفُونَ النِّيَّة
وَالَّذين يعرفونها صنفان
صنف يقنعهم النّظر فِيهَا بالجزاف والاماني وصنف لَا يأتمنون انفسهم عَلَيْهَا وَلَا يعنون الا بِمَا يَصح لَهُم من ذَلِك عِنْد الْمِيزَان وَهُوَ المحنة محنة نَفسك
وجوب الدقة فِي مراقبة الْقلب
وَمن النَّاس من يرى أَنه يكره المحمدة وَالثنَاء اشفاقا على عمله وخوفا
стр. 62
من فتنته فَلَا يعبأ بِمَا يخيل إِلَيْهِ من ذَلِك ويظن لِأَن كَثْرَة مَا يظنّ النَّاس من ذَلِك لَيْسَ كَمَا يظنون حَتَّى ينْظرُوا الى تَحْقِيق صدقه عِنْد الْبَيَان
فَليُرَاجع العَبْد نَفسه اذا اثْنَي عَلَيْهِ اَوْ مدح اَوْ ذموه اَوْ نسبوه الى مَا يكره فَإِن كَانَ مَا اعجبه من الثَّنَاء والمدحة انما أعجبه لِمَعْنى مَا قُلْنَا من السّتْر والرجاء فِي الثَّنَاء الْحسن وَالْقَوْل الْجَمِيل لمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا﴾ قَالَ الثَّنَاء وَقَالَ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قَالَ الثَّنَاء الْحسن وَقَوله ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ قَالَ الثَّنَاء الْحسن
وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الرجل يعْمل الْعَمَل يُرِيد بِهِ وَجه الله فيحمده عَلَيْهِ النَّاس ويثنون عَلَيْهِ بِهِ فَقَالَ تِلْكَ عَاجل بشرى الْمُؤمن وَقَوله ﷺ فِي العَبْد اذا احبه الله لم يُخرجهُ من الدُّنْيَا حَتَّى يملا مسامعه مِمَّا يحب وَقَوله انتم شُهَدَاء الله فِي الارض واشباه ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة
فَإِن كَانَ سروره بِمَا ذكر بِهِ من الْخَيْر شكرا لستر الله عَلَيْهِ وحمدا
стр. 63
مِنْهُ لله اذ جعله الله مِمَّن يذكر بعلامة الْخَيْر فَلَيْسَ ذَلِك بسرور فَاسد وَلكنه شكر وَطلب لامزيد
وعلامة سَلامَة نِيَّته فِي ذَلِك ان يزْدَاد لله تواضعا ولآلائه شكرا وَفِي طَاعَته اجْتِهَادًا وَمَعَ ذَلِك يَنْبَغِي ان يرد نَفسه الى طَرِيق المخافة من الاستدراج وَيكون مَا خَفِي من عمله احب إِلَيْهِ مِمَّا ظهر مَخَافَة مَا يلْحق اهل الصّلاح من الْفِتْنَة فِيمَا يَسْتَمِعُون من المدحة وَالثنَاء وَلما جَاءَ من النَّهْي وَالْكَرَاهَة والتزكية والمدحة ان يسمع صَاحبه وَذَلِكَ مثل قَوْله ﷺ من مدح اخاه فِي وَجهه فَكَأَنَّمَا أَمر على حلقه مُوسَى رميضا وَمثل قَوْله ﵇ لَو سَمعك مَا أَفْلح وَمثل قَوْله ﷺ عقرت الرجل عقرك الله وَهَذَا نَحوه كثير
فَإِذا كَانَ مذْهبه وَنِيَّته شكر الله على ستره وَحمد الله على نعْمَته وَيكون مَا سبق من السرُور الى قلبه فِي ثَنَاء اذا سَمعه رَجَاء الْقدْوَة بِهِ اذا كَانَ مِمَّن يصلح ان يقْتَدى بِهِ لقَوْل الله ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ يَقُول أَئِمَّة فِي الْخَيْر يقْتَدى بِنَا
فَإِن كَانَ كَذَلِك رَجَوْت الا يضرّهُ ذَلِك وَلَا يفْسد عَلَيْهِ عمله
وَقد ذكر عَن مطرف انه قَالَ مَا سَمِعت ثَنَاء اَوْ مِدْحَة الا تصاغرت الي نَفسِي
стр. 64
وَقَالَ زِيَاد بن ابي مُسلم لَيْسَ اُحْدُ مسمع ثَنَاء اَوْ مِدْحَة الا ترَاءى لَهُ شَيْطَان وَلَكِن الْمُؤمن يُرَاجع فَقَالَ ابْن الْمُبَارك صدق كِلَاهُمَا
اما مَا ذكر زِيَاد فَذَلِك قلب الْعَوام واما مَا ذكر مطرف فَذَلِك قلب الْخَواص
وان كَانَ مذْهبه وَنِيَّته اذا سمع ذَلِك وسر بِهِ طلب الرّفْعَة والمنزلة عِنْد النَّاس فَمَا أَسْوَأ حَاله فِي احباط عمله
مَذْهَب الصَّالِحين وَأهل الرِّيَاء فِي الْمَدْح والذم
وَأما الْمرَائِي فَهُوَ الَّذِي يكون مذْهبه وَنِيَّته فِي أول عمله وَآخره طلب الثَّنَاء والمحمدة والرفعة والتكرمة عِنْد النَّاس واحراز الْمَنَافِع بِهِ فَذَلِك الَّذِي جَاءَهُ الويل وَالثُّبُور فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
فَإِن كَانَ يعرف معرفَة حق أَن مَا أعجبه لهَذَا الْمَعْنى وَلم يُعجبهُ ذَلِك لما نَالَ من الجاه عِنْدهم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ
وعلامته أَن يزْدَاد تواضعا وَيحدث خوفًا من الاستدراج وَمَا يخفى من عمله فَهُوَ أحب مِمَّا يظهره لِأَنَّهُ طمع فِي طَريقَة الصَّالِحين فعلى قدر ذَلِك يَنْبَغِي أَن يرغب فِي أَعْمَالهم وَمَا نالوا بِهِ اسْم الصّلاح وصاروا من أَهله مَعَ مَا يلْزمه من الْخَوْف من الْفِتْنَة مِمَّا يلْزم أهل الثَّنَاء والمحمدة اذا اثْنَي عَلَيْهِم اَوْ مدحوا مثل قَوْله ﵇ عقرت الرجل
стр. 65
وَمثل قَوْله لَو سَمعك مَا افلح وَقَوله قطعت عنق اخيك وَقَوله اياكم والمدح فَإِنَّهُ الذّبْح وَقَوله اذا رَأَيْتُمْ المداحين فاحثوا فِي وجوهم التُّرَاب وَقَوله لَو مَشى رجل الى رجل بسكين مرهف كَانَ خيرا لَهُ من ان يثني عَلَيْهِ فِي وَجهه وَمثل هَذَا كثير
وَصَاحب المدحة الْخَوْف عَلَيْهِ اكثر من الرَّجَاء لِأَن الْخَوْف لَا يضرّهُ والرجاء لَا تؤمن فتنته
وعلامة اصحاب الجاه فِي الدُّنْيَا واصحاب الرِّيَاء المحبين لذَلِك انهم اذا سمعُوا الثَّنَاء والمحمدة احبوا ذَلِك وازدادوا عزة وإعجابا بِأَنْفسِهِم وغفلة عَن الاستدراج وتمادوا وتمنوا وطمعوا ان مَا ظهر عَلَيْهِم من اعمالهم كَانَ احب اليهم مَا خَفِي وَلم يخَافُوا من فتْنَة وَلَا من آفَة
وَكَذَلِكَ اذا كره المذمة انما كرهها لِأَنَّهُ احب ان يكون مَكَانهَا مِدْحَة وثناء لينال بذلك الجاه وَالْقدر والمنزلة والرفعة عِنْد النَّاس فَهِيَ كَرَاهِيَة سقيمة مذمومة وصاحبها مغرور مخدوع
وان كَانَ انما هِيَ حب مِنْهُ لستر الله عَلَيْهِ وكراهية هتك السّتْر عَنهُ لِأَنَّهُ لم يمقته النَّاس حَتَّى جَاءَهُ المقت من عِنْد الله قبل مقت النَّاس فَإِن كَانَت الْكَرَاهِيَة انما هِيَ من هَذِه الْجِهَة فَإِن هَذَا يكرههُ الصَّادِق وَغير الصَّادِق فَلَا يلام عَلَيْهِ
وعلامته التضرع والاستكانة والمراجعة وَالنَّظَر فِي التَّخَلُّص الى طَرِيق محبَّة الله تَعَالَى وسبيل الاسْتقَامَة ومحجة الايمان وَالْجد فِيهِ
стр. 66
زِيَادَة بَيَان لعلامات الْفَرِيقَيْنِ
وَأبين من ذَلِك ان كل من زعم انه يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَلَا يُرِيد من اُحْدُ على عمل يعمله من الاعمال الصَّالِحَات جَزَاء وَلَا شكُورًا ثمَّ عرفه النَّاس بِعَمَلِهِ وَذكر بِهِ وَصَارَ مَعْرُوفا عِنْدهم ونال مِنْهُم الرّفْعَة فَإِن كَانَ يعرف من نَفسه أَنه عرض عَلَيْهَا ان يتَحَوَّل اسْمه وَمَا نَالَ بِعَمَلِهِ من النَّاس من الثَّنَاء والمحمدة الى غَيره وَيبقى هُوَ عِنْد النَّاس كمن لَا يعرف لَهُ عمل من اعمال الْبر ذكر وَلَا غَيره فَكَانَ هَذَا احب إِلَيْهِ فَأمره مرجو
وان كره ان يتَحَوَّل ذكره الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الى غَيره وَيبقى هُوَ كمن لَا يعرف لَهُ عمل من اعمال الْبر فدعواهه حِينَئِذٍ بَاطِلَة
لِأَن الَّذِي يَقُوله انه يُريدهُ بِعَمَلِهِ وَلَا يُرِيد غَيره فَإِذا تحول ذكره الى غَيره لم يحول الَّذِي عمل لَهُ الْعَمَل الثَّوَاب الى غَيره وَلم ينقصهُ من ثَوَابه شَيْئا وَلَعَلَّه ان يكون اكثر لَهُ عِنْده واقرب مثوى
وَالَّذِي كَانَ يزْعم انه لَا يريدهم بِهِ كره ان يَزُول عَنهُ الِاسْم الَّذِي ثبتَتْ لَهُ عِنْدهم بِهِ الْمنزلَة وَكره ان يبْقى عِنْد من زعم انه لَا يريدهم بِلَا ذكر عمل يعرفونه بِهِ
وَمثل هَذَا ينظر ان كَانَت لَهُ خصْلَة عِنْد النَّاس من خِصَال الْبر فنسبوه اليها ويظنون انه صَاحبهَا غَلطا مِنْهُم بهَا وجهالة فكره ان يعرفوا ذَلِك اَوْ يطلعوا عَلَيْهِ وَكره ان يعرفوا انه لَيْسَ مِمَّن يعْمل بِتِلْكَ الْخصْلَة اَوْ لَهُ عمل من الْبر وَعند النَّاس ان مَا يعمله من الْبر اكثر فَيكْرَه ان يطلع النَّاس عَلَيْهِ فَلَا يعبأ بمحبة نَفسه عِنْد الَّذِي يعْمل من اعمال الْبر فَإِنَّهُ مِمَّن يحب ان يحمد بِمَا لم يفعل
стр. 67
وَلَا يُمكن ان يكون وَاحِد يحب ان يحمد بِمَا لم يفعل وَلَا يحب ان يحمد بِمَا قد فعل حَتَّى يحبهما جَمِيعًا
كَذَلِك ان صحب رجلا مَعْرُوفا بالصلاح وَالْعِبَادَة عِنْد النَّاس اَوْ لَهُ سَبَب قد نَالَ بِهِ ذكرا من غَيره فكره ان يسْقط ذَلِك عِنْد النَّاس وَلم يعبأ بمحبة نَفسه عِنْدَمَا يعْمل من أَعمال الْبر فَإِنَّهُ مِمَّن يحب ان يحمد بانتسابه الى غَيره وَلَا يُمكن ان يحب الذّكر بِعَمَل غَيره وَلَا يحب ان يذكر بِعَمَل نَفسه الَّذِي يعمله حَتَّى يحبهما جَمِيعًا فَإِن وجد نَفسه فِي هَذِه الْمَوَاضِع صَادِقَة على مَا يجب عَلَيْهَا فِيهِ الصدْق فأرجو أَن يكون من أهل الصدْق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 68
الْيَقِين والعز
صدق الْيَقِين
واما الْيَقِين فَعِنْدَ الْعَمَل والصدق فِيهِ مُشَاهدَة الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَلَيْسَ بِكَثْرَة النَّفَقَة وَلَا بِكَثْرَة الْكَلَام وَلَا يحْتَاج فِيهِ الى تَحْرِيك الشفتين وَلَكِن بالايمان وبالعقل وبالمعرفة وَحسن التَّدْبِير فِي ظَاهر امْر العَبْد وباطنه
فتعرف الصدْق وتعرف ضِدّه من الْكَذِب وتعرف الْخَيْر وتعرف ضِدّه من الشَّرّ فتعمل فِي اثبات الصدْق وَنفي ضِدّه وَتعلم الاصل من الْفَرْع فَيكون الشّغل فِي اثبات الصدْق من وَجه الاصل وَانْتِفَاء ضِدّه من وَجه الاصل فَإِن الاصل يَأْتِي على الْفُرُوع
وَمَا دَامَ العَبْد يشْتَغل بالفرع عَن الاصل فَلَيْسَ لشغله فنَاء مَا دَامَ الاصل ثَابتا كلما ذهب فرع اخلف فرعا آخر بدله
стр. 69
الْعِزّ فِي النَّفس أصل مرض الْقُلُوب
وَحب الْعِزّ اصل وَمِنْه مخرج حب الرِّئَاسَة والجاه عِنْد النَّاس وَمِنْه الْكبر وَالْفَخْر وَمِنْه الْغَضَب والحسد وَمِنْه الحقد وَالْحمية والعصبية وَالنَّفس عاشقة لَهُ وَهُوَ قُرَّة عينهَا وَهُوَ احب اليها من ام وَاحِد لواحدها
وَبَلغنِي انه آخر مَا يبْقى فِي قُلُوب تاركي الدُّنْيَا للآخرة وَذَلِكَ لصعوبة تمكنه من النَّفس
فَالْعَمَل الصَّالح من غير المريد المستحكم من اهل الْقِرَاءَة سلاحه الَّذِي يقوى بِهِ سُلْطَانه هُوَ الْعِزّ فِي النَّفس وَالْفَخْر بِالْعَمَلِ والازراء على النَّاس
وَقد رَأينَا من يعْمل اعمال الصَّالِحين من الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالصَّدَََقَة وَالْحج وَالْجهَاد وعزه فِي نَفسه زَائِد نعم وَقد رَأينَا من يتواضع لطمع زِيَادَة فِي الْعِزّ
وَلَا اعْلَم أَنِّي رَأَيْت احدا من اهل النّسك خَالِيا مِنْهُ يَعْنِي من الْعِزّ
فَإِن كَانَ يجد بَقَاء حلاوة طعمه لم يفلح مَعهَا عابدا كَانَ اَوْ زاهدا
وَكَيف يكون زاهدا والزهد لَا يأوي مَعَه فِي مأوى وَاحِد
стр. 70
فَمن عالج نفي الْعِزّ من نَفسه ووفقه الله لذَلِك فنال نَفْيه سهل عَلَيْهِ الْمسير فِي طَريقَة محبَّة الله ومحجة الايمان وسبيل الاسْتقَامَة ومدارج الصَّالِحين وَهَان عَلَيْهِ معالجة الصدْق فِي عمله واطمأنت نَفسه الى التذلل والتواضع وطاب لَهُ طَرِيق الْعدْل
لانه لَا يقدر ان يحب للنَّاس مَا يحب لنَفسِهِ وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على كظم الغيظ وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على قبُول الْحق وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على التَّوَاضُع الَّذِي هُوَ شرف التَّقْوَى وحليتها وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر ان يَدُوم على الصدْق وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على ترك الْحَسَد وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على ترك الحقد وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على ترك العصبية وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على سَلامَة الْقلب وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على النصح وَفِيه الْعِزّ وَلَا يسلم من الازراء على النَّاس وَفِيه الْعِزّ
فَمَا اكثر ضَرَره واعظم فَسَاده واظهر امْرَهْ واقل رشده وابين غيه عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَمَا اغفل النَّاس عَنهُ واقل معرفتهم بِهِ واشد متابعتهم لَهُ
فالهوى حكمه وَالْكبر اخوه وعضده والجور سيرته وَالْغَضَب سُلْطَانه والرياء عون من اعوانه لَهُ يكْسب واليه يُؤَدِّي وَالْعجب اضعف عون لَهُ والحسد امير جُنُوده والغل صَاحب مشورته
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْكبر والحسد يأكلان الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب وَقَالَ بَعضهم الغل والحسد
стр. 71
الْعِزّ عَام فِي الْخلق وخاص فِي الْقُرَّاء
والعز فِي الْخلق عَام فِي العبيد والاماء والفقراء والاغنياء والضعفاء والاقوياء والقراء وَالْعُلَمَاء وكل وَاحِد مِنْهُم يظْهر مِنْهُ على قدر مَا يُمكنهُ اظهاره وَمن لم يُمكنهُ الاظهار عَامل النَّاس بِهِ سرا فِي نَفسه لانه مَا دَامَ فِي الانسان لَا يتْرك حَظه مِنْهُ سرا وَلَا عَلَانيَة
اما ترَاهُ كَيفَ يتغيظ فِي نَفسه على غَيره وَكَيف يحسده ويدور حوله يطْلب عوراته وَكَيف يحكم فِيهِ بِحكم الْهوى
وَلَو ملك من ذَلِك فِي الظَّاهِر مَا ملك فِي الْبَاطِن لأظهر مثل الَّذِي اضمر من ذَلِك فِي الْبَاطِن
واقبح امْرَهْ وافسده لَهُ واشده فضيحة اذا كَانَ فِي القارىء لانه لَا يكَاد يتعزز على غَيره بِسَبَب من الاسباب الا بِأَسْبَاب الدّين والا رَأَيْت فِيهِ اثر ذَلِك
فسبحان الله مَاذَا يلقى الْقُرَّاء خَاصَّة من الْعِزّ وَمن اعوانه
يدلك على ذَلِك سرعَة حقدهم وَكَثْرَة غضبهم لانفسهم من طَرِيق الاعزاز لَهَا وَمَا يَجدونَ على النَّاس فِيهِ مِمَّا لَا خطر لَهُ وَذَلِكَ كُله من دَاء الْعِزّ وحركته امْر لم يجز لاهل الْجنَّة وَلَا للْمَلَائكَة وَلَا لِلنَّبِيِّينَ يُرِيد القارىء ان يجوزه لنَفسِهِ وان يَجعله فَوق رَأسه
стр. 72
وانما كَانَ يَنْبَغِي للصادق فِي قِرَاءَته الْعَمَل فِي اطفاء الْعِزّ من قلبه من اول امْرَهْ وان يَجعله تَحت قَدَمَيْهِ وَلَو ان رجلا صلى الْغَدَاة ثمَّ اقبل على نَفسه واصلح خصْلَة من خِصَال الْعِزّ لَيْسَ الْعِزّ كُله وَآخر تصدق بِوَزْن نَفسه ذَهَبا على اكباد جائعة من وَجه طيب لَكَانَ الاول اغبط وَكَانَت النِّعْمَة عَلَيْهِ اكبر وَالشُّكْر عَلَيْهِ اكثر عِنْد اهل الْمعرفَة وَالْعلم
فَكيف اذا اصبح وَهُوَ لم تكن لَهُ همة الا الْعِنَايَة بالعز لنَفسِهِ لتجربته لَهُ ومعرفته لَهُ
وَآخر اصبح وَلم تكن همته وَلَا محبته الا الْعِنَايَة بِنَفْي الْعِزّ من قلبه وَلُزُوم التَّوَاضُع وذل النَّفس لتجربته لنُور التَّوَاضُع ومعرفته بفوائده
فهنيئا لمن شغله مثل شغله مَا انفعه من شغل وارضاه عِنْد مليكه واروحه للقلب
فَاعْتبر برجلَيْن امرا بالعبودية واحدهما احب ان يَجْعَل نَفسه عبدا كَمَا امْر واحب الآخر ان يَجْعَل نَفسه ملكا أَي هذَيْن اولى بالجائزة من الْمولى وايهما يستأهل الْعقُوبَة الموجعة
وَسَائِل علاج الْعِزّ
قلت قد وصفت من فَسَاد الْعِزّ وضرره وشره مَا قد وصفت فَصف
стр. 73
لي طَرِيق التَّحَرُّز والامتناع مِنْهُ فَإِن الْمَرِيض اذا عرف داءه احب ان يعرف دواءه وَهَكَذَا من احب ان يعرف عيب نَفسه يحب ان يعرف الَّذِي يصلح بِهِ عَيبه
فَقَالَ إِن ابْن آدم تكلّف نزُول الطير من جو السَّمَاء فأنزله
وتكلف خُرُوج الْحُوت من قَعْر الْبَحْر فَأخْرجهُ
وتكلف إِخْرَاج الذَّهَب وَالْفِضَّة من بطن الأَرْض فأخرجها
وتكلف اخذ الدَّوَابّ والأنعام والوحوش وَالسِّبَاع من البراري والغياض فَأَخذهَا وذللها وسخرها
وتكلف اخذ الأفاعي والحيات فَأَخذهَا
وتكلف معالجة الشَّيَاطِين فعالجها
وتكلف معرفَة النُّجُوم فِي السَّمَاء وأسماءها ومجاريها ومطالعها وَمَغَارِبهَا وتكلف منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر ومجاريهما ومطالعهما ومغاربهما
وتكلف معرفَة الْوَلَد اذا لم يكن من ابيه فَعرف ذَلِك كُله لما تكلفه
وتكلف مرض الْمَرِيض واسباب علله بِالنّظرِ الى بَوْله من غير ان ينظر اليه فَعرف داءه وَعرف دواءه فَعرف كل ذَلِك
وتكلف تعلم سير الْمُلُوك الْمَاضِيَة من الْقُرُون الأولى فكتبها ودرسها
وكل مَا تكلّف من ذَلِك فَإِنَّمَا حمل نَفسه على تكلفه لطلب الزِّيَادَة من الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِي هَذَا من امْر دينه الَّذِي كلفه شَيْء
стр. 74
وكلف تَقْوِيم نفس وَاحِدَة فَلم يقم بتقويمها وَلَيْسَ عَلَيْهِ من فَسَاد غَيرهَا شَيْء لم يُكَلف إِلَّا بإصلاح فَسَاد نَفسه وَحدهَا فَلم يقم بإصلاح فَسَادهَا فجهل بعض الصّلاح وَعلم بَعْضًا فَمَا جهل فَهُوَ جَاهِل بِهِ لَا يتَكَلَّف علمه وَمَا علمه من فَسَادهَا فَهُوَ مضيع لاصلاحه
وَلم يُكَلف اُحْدُ ان يَصُوم وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُزكي وَلَا يحجّ وَلَا يتَوَضَّأ وَلَا يغْتَسل عَن اُحْدُ انما كلف نَفسه لَيْسَ لَاحَدَّ من صَلَاح اُحْدُ شَيْئا وانما صَلَاح كل امرىء وتقواه لنَفسِهِ وَفِي مِيزَانه لَيْسَ فِي ميزَان غَيره مِنْهُ شَيْء
وَهَكَذَا النِّيَّة فِي الاعمال لَا تَنْفَع نيتي عَمَلك وَلَا تَنْفَع نيتك عَمَلي اذا كَانَت صَحِيحَة وَلَا تضره اذا كَانَت سقيمة وانما الْمَنْفَعَة والمضرة على صَاحب النِّيَّة وَصَاحب الْعَمَل وانما هِيَ نفس وَاحِدَة فَإِذا صَار الى أَمر نفيسته لم يعرف خَيرهَا من شَرها وَلَا اقبالها من ادبارها
يعْمل الْخَيْر فَلَا يدْرِي مقبل هُوَ فِيهِ ام مُدبر الا بِظَاهِر الْعَمَل وَالدَّعْوَى وَلَا يدْرِي أَي شَيْء يعمله للدنيا اَوْ للآخرة لَيْسَ يُمَيّز بَين الامرين وَلَا يفاتش الهمة فِيهِ والمحبة لَهُ وَلَا الخشية فِيهِ وَلَا يتَوَقَّف وَلَا يحسن أَن يطالع ضَمِيره فَهُوَ يفْسد الْخَيْر بِالشَّرِّ وَلَا يشْعر
هُوَ فِي ظَاهِرَة مقبل وَهُوَ فِي بَاطِنه مُدبر وَهُوَ فِي ظَاهره آبق الى الله وَهُوَ فِي بَاطِنه آبق من الله
فسبحان الله مَاذَا تكلّف الْمِسْكِين من معرفَة مَا لم يُكَلف فشغل
стр. 75
عنايته فِيهِ وشغل فهمه بِهِ وَأما الَّذِي جهل فضيع من مَعْرفَته فَهُوَ مَا قد كلف وَأخذ عَلَيْهِ فِيهِ المواثيق
يدْخل عَلَيْهِ الشَّرّ وَالْفساد فَلَا يدْرِي من ايْنَ دخل وانى اتاه وَكَيف هُوَ وَمَا السَّبِيل الى التَّخَلُّص مِنْهُ فَبَقيَ عِنْد ذَلِك تائها حيران وَقد عالج مَا فِي الْهَوَاء وَمَا فِي قَعْر الْبحار فَعرفهُ لما شغل عنايته بِهِ لِمَعْنى دُنْيَاهُ الَّذِي قد تكفل الله لَهُ مِنْهَا بِمَا قدر لَهُ وَضمن لَهُ الْوَفَاء بهَا أقبل عَلَيْهَا أَو أدبر عَنْهَا
فغلب الْمِسْكِين الْخلق وغلبته نَفسه وَلَو عني بِمَعْرِِفَة فَسَاد نَفسه وصلاحها وَخَيرهَا وشرها وَخَافَ التّلف عَلَيْهَا كَمَا عني بِمَعْرِِفَة مَا ذكرنَا من امْر دُنْيَاهُ الْمَضْمُونَة لَهُ لعرف من فَسَادهَا وصلاحها مثل مَا عرف من ذَلِك وَقدر مِنْهُ على مَا قدر من ذَلِك وَلكنه رَضِي ان يسْلك طَرِيق الدّين بالجهالة وَلم يرض ان يسْلك طَرِيق الدُّنْيَا الا بِعلم وبصيرة وَمَتى شِئْت رَأَيْته فِي طَرِيق الدُّنْيَا وَهُوَ يحْسب أَنه فِي طَرِيق الْآخِرَة
وَمَعَ ذَلِك فَإِن بعض المدبرين عَن الله تَعَالَى المعرضين عَنهُ قد تسموا عُلَمَاء ونصبوا أنفسهم للدلالة على الله وهم حيارى متصنعة مدخولون متشبهة يَحْسبهُم الْجَاهِل أدلاء وهم عمى حيارى فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَاعْلَم أَن الْعِزّ والتعزز لَيْسَ بغائب قادم عَلَيْك فتريد التَّحَرُّز مِنْهُ والامتناع
следующие страницы →