Полный текст (163 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْعِزّ عَام فِي الْخلق وخاص فِي الْقُرَّاء
والعز فِي الْخلق عَام فِي العبيد والاماء والفقراء والاغنياء والضعفاء والاقوياء والقراء وَالْعُلَمَاء وكل وَاحِد مِنْهُم يظْهر مِنْهُ على قدر مَا يُمكنهُ اظهاره وَمن لم يُمكنهُ الاظهار عَامل النَّاس بِهِ سرا فِي نَفسه لانه مَا دَامَ فِي الانسان لَا يتْرك حَظه مِنْهُ سرا وَلَا عَلَانيَة
اما ترَاهُ كَيفَ يتغيظ فِي نَفسه على غَيره وَكَيف يحسده ويدور حوله يطْلب عوراته وَكَيف يحكم فِيهِ بِحكم الْهوى
وَلَو ملك من ذَلِك فِي الظَّاهِر مَا ملك فِي الْبَاطِن لأظهر مثل الَّذِي اضمر من ذَلِك فِي الْبَاطِن
واقبح امْرَهْ وافسده لَهُ واشده فضيحة اذا كَانَ فِي القارىء لانه لَا يكَاد يتعزز على غَيره بِسَبَب من الاسباب الا بِأَسْبَاب الدّين والا رَأَيْت فِيهِ اثر ذَلِك
فسبحان الله مَاذَا يلقى الْقُرَّاء خَاصَّة من الْعِزّ وَمن اعوانه
يدلك على ذَلِك سرعَة حقدهم وَكَثْرَة غضبهم لانفسهم من طَرِيق الاعزاز لَهَا وَمَا يَجدونَ على النَّاس فِيهِ مِمَّا لَا خطر لَهُ وَذَلِكَ كُله من دَاء الْعِزّ وحركته امْر لم يجز لاهل الْجنَّة وَلَا للْمَلَائكَة وَلَا لِلنَّبِيِّينَ يُرِيد القارىء ان يجوزه لنَفسِهِ وان يَجعله فَوق رَأسه
стр. 72
وانما كَانَ يَنْبَغِي للصادق فِي قِرَاءَته الْعَمَل فِي اطفاء الْعِزّ من قلبه من اول امْرَهْ وان يَجعله تَحت قَدَمَيْهِ وَلَو ان رجلا صلى الْغَدَاة ثمَّ اقبل على نَفسه واصلح خصْلَة من خِصَال الْعِزّ لَيْسَ الْعِزّ كُله وَآخر تصدق بِوَزْن نَفسه ذَهَبا على اكباد جائعة من وَجه طيب لَكَانَ الاول اغبط وَكَانَت النِّعْمَة عَلَيْهِ اكبر وَالشُّكْر عَلَيْهِ اكثر عِنْد اهل الْمعرفَة وَالْعلم
فَكيف اذا اصبح وَهُوَ لم تكن لَهُ همة الا الْعِنَايَة بالعز لنَفسِهِ لتجربته لَهُ ومعرفته لَهُ
وَآخر اصبح وَلم تكن همته وَلَا محبته الا الْعِنَايَة بِنَفْي الْعِزّ من قلبه وَلُزُوم التَّوَاضُع وذل النَّفس لتجربته لنُور التَّوَاضُع ومعرفته بفوائده
فهنيئا لمن شغله مثل شغله مَا انفعه من شغل وارضاه عِنْد مليكه واروحه للقلب
فَاعْتبر برجلَيْن امرا بالعبودية واحدهما احب ان يَجْعَل نَفسه عبدا كَمَا امْر واحب الآخر ان يَجْعَل نَفسه ملكا أَي هذَيْن اولى بالجائزة من الْمولى وايهما يستأهل الْعقُوبَة الموجعة
وَسَائِل علاج الْعِزّ
قلت قد وصفت من فَسَاد الْعِزّ وضرره وشره مَا قد وصفت فَصف
стр. 73
لي طَرِيق التَّحَرُّز والامتناع مِنْهُ فَإِن الْمَرِيض اذا عرف داءه احب ان يعرف دواءه وَهَكَذَا من احب ان يعرف عيب نَفسه يحب ان يعرف الَّذِي يصلح بِهِ عَيبه
فَقَالَ إِن ابْن آدم تكلّف نزُول الطير من جو السَّمَاء فأنزله
وتكلف خُرُوج الْحُوت من قَعْر الْبَحْر فَأخْرجهُ
وتكلف إِخْرَاج الذَّهَب وَالْفِضَّة من بطن الأَرْض فأخرجها
وتكلف اخذ الدَّوَابّ والأنعام والوحوش وَالسِّبَاع من البراري والغياض فَأَخذهَا وذللها وسخرها
وتكلف اخذ الأفاعي والحيات فَأَخذهَا
وتكلف معالجة الشَّيَاطِين فعالجها
وتكلف معرفَة النُّجُوم فِي السَّمَاء وأسماءها ومجاريها ومطالعها وَمَغَارِبهَا وتكلف منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر ومجاريهما ومطالعهما ومغاربهما
وتكلف معرفَة الْوَلَد اذا لم يكن من ابيه فَعرف ذَلِك كُله لما تكلفه
وتكلف مرض الْمَرِيض واسباب علله بِالنّظرِ الى بَوْله من غير ان ينظر اليه فَعرف داءه وَعرف دواءه فَعرف كل ذَلِك
وتكلف تعلم سير الْمُلُوك الْمَاضِيَة من الْقُرُون الأولى فكتبها ودرسها
وكل مَا تكلّف من ذَلِك فَإِنَّمَا حمل نَفسه على تكلفه لطلب الزِّيَادَة من الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِي هَذَا من امْر دينه الَّذِي كلفه شَيْء
стр. 74
وكلف تَقْوِيم نفس وَاحِدَة فَلم يقم بتقويمها وَلَيْسَ عَلَيْهِ من فَسَاد غَيرهَا شَيْء لم يُكَلف إِلَّا بإصلاح فَسَاد نَفسه وَحدهَا فَلم يقم بإصلاح فَسَادهَا فجهل بعض الصّلاح وَعلم بَعْضًا فَمَا جهل فَهُوَ جَاهِل بِهِ لَا يتَكَلَّف علمه وَمَا علمه من فَسَادهَا فَهُوَ مضيع لاصلاحه
وَلم يُكَلف اُحْدُ ان يَصُوم وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُزكي وَلَا يحجّ وَلَا يتَوَضَّأ وَلَا يغْتَسل عَن اُحْدُ انما كلف نَفسه لَيْسَ لَاحَدَّ من صَلَاح اُحْدُ شَيْئا وانما صَلَاح كل امرىء وتقواه لنَفسِهِ وَفِي مِيزَانه لَيْسَ فِي ميزَان غَيره مِنْهُ شَيْء
وَهَكَذَا النِّيَّة فِي الاعمال لَا تَنْفَع نيتي عَمَلك وَلَا تَنْفَع نيتك عَمَلي اذا كَانَت صَحِيحَة وَلَا تضره اذا كَانَت سقيمة وانما الْمَنْفَعَة والمضرة على صَاحب النِّيَّة وَصَاحب الْعَمَل وانما هِيَ نفس وَاحِدَة فَإِذا صَار الى أَمر نفيسته لم يعرف خَيرهَا من شَرها وَلَا اقبالها من ادبارها
يعْمل الْخَيْر فَلَا يدْرِي مقبل هُوَ فِيهِ ام مُدبر الا بِظَاهِر الْعَمَل وَالدَّعْوَى وَلَا يدْرِي أَي شَيْء يعمله للدنيا اَوْ للآخرة لَيْسَ يُمَيّز بَين الامرين وَلَا يفاتش الهمة فِيهِ والمحبة لَهُ وَلَا الخشية فِيهِ وَلَا يتَوَقَّف وَلَا يحسن أَن يطالع ضَمِيره فَهُوَ يفْسد الْخَيْر بِالشَّرِّ وَلَا يشْعر
هُوَ فِي ظَاهِرَة مقبل وَهُوَ فِي بَاطِنه مُدبر وَهُوَ فِي ظَاهره آبق الى الله وَهُوَ فِي بَاطِنه آبق من الله
فسبحان الله مَاذَا تكلّف الْمِسْكِين من معرفَة مَا لم يُكَلف فشغل
стр. 75
عنايته فِيهِ وشغل فهمه بِهِ وَأما الَّذِي جهل فضيع من مَعْرفَته فَهُوَ مَا قد كلف وَأخذ عَلَيْهِ فِيهِ المواثيق
يدْخل عَلَيْهِ الشَّرّ وَالْفساد فَلَا يدْرِي من ايْنَ دخل وانى اتاه وَكَيف هُوَ وَمَا السَّبِيل الى التَّخَلُّص مِنْهُ فَبَقيَ عِنْد ذَلِك تائها حيران وَقد عالج مَا فِي الْهَوَاء وَمَا فِي قَعْر الْبحار فَعرفهُ لما شغل عنايته بِهِ لِمَعْنى دُنْيَاهُ الَّذِي قد تكفل الله لَهُ مِنْهَا بِمَا قدر لَهُ وَضمن لَهُ الْوَفَاء بهَا أقبل عَلَيْهَا أَو أدبر عَنْهَا
فغلب الْمِسْكِين الْخلق وغلبته نَفسه وَلَو عني بِمَعْرِِفَة فَسَاد نَفسه وصلاحها وَخَيرهَا وشرها وَخَافَ التّلف عَلَيْهَا كَمَا عني بِمَعْرِِفَة مَا ذكرنَا من امْر دُنْيَاهُ الْمَضْمُونَة لَهُ لعرف من فَسَادهَا وصلاحها مثل مَا عرف من ذَلِك وَقدر مِنْهُ على مَا قدر من ذَلِك وَلكنه رَضِي ان يسْلك طَرِيق الدّين بالجهالة وَلم يرض ان يسْلك طَرِيق الدُّنْيَا الا بِعلم وبصيرة وَمَتى شِئْت رَأَيْته فِي طَرِيق الدُّنْيَا وَهُوَ يحْسب أَنه فِي طَرِيق الْآخِرَة
وَمَعَ ذَلِك فَإِن بعض المدبرين عَن الله تَعَالَى المعرضين عَنهُ قد تسموا عُلَمَاء ونصبوا أنفسهم للدلالة على الله وهم حيارى متصنعة مدخولون متشبهة يَحْسبهُم الْجَاهِل أدلاء وهم عمى حيارى فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَاعْلَم أَن الْعِزّ والتعزز لَيْسَ بغائب قادم عَلَيْك فتريد التَّحَرُّز مِنْهُ والامتناع
стр. 76
عَلَيْهِ وَلكنه شَيْء قد حل بك وَنزل وَتمكن من الْمنزل واستوى وَجلسَ فِي صدر الْمجْلس وَأخذ مِنْك خيرك وَغلب أخير مَوضِع فِيك واتكأ على متكئه واستخدم أعوانه بِمَا يُوَافق هَوَاهُ فِي اقبالهم وادبارهم
وَلَا اكثر عَلَيْك من صِفَات فروع دوائه فتمل وَتعرض وَلَكِن ادلك على الاصل الَّذِي اذا عالجته أَتَى على الاغصان كلهَا وَهُوَ الاياس من جَمِيع المخلوقين أَن يضروا أَو ينفعوا أَو يُعْطوا أَو يمنعوا أَو يحيوا أَو يميتوا فألزمه قَلْبك فَإِنَّهُ أصل الاصول وَرَأس الامر وسنامه
فَإِن كنت مرِيدا صَادِقا تحب النّظر فِي عواقب الامور فأغلق على نَفسك بَاب الطمع وَافْتَحْ لَهَا بَاب الاياس وَانْفَرَدَ لذَلِك بإرادتك كلهَا وتجرد فِي طلبه كَالَّذي لَيْسَ لَهُ من حوائج الدُّنْيَا كلهَا الا حَاجَة وَاحِدَة
وتعزم عزما صَحِيحا على ان تهب نَفسك لله فِي بَقِيَّة عمرك ان كنت ترَاهُ لذَلِك أَهلا مَا أغناه عَن اهل السَّمَوَات وَأهل الارضين وَمَا أَشد اضطرارهم اليه
فَاجْعَلْ يَا أخي نَفسك كَهَيئَةِ الاسير فِي ايدي أهل زَمَانك أَيَّام حياتك فِي اتِّبَاع مرضاة الله والتخلص من بلية الْعِزّ فَإِن الاسير مَمْلُوك لَا يملك وَلَا يطْمع ان يظلم احدا وَلَا ينتصر من ظَالِم ثمَّ تَجِد حلاوة طعم ذكر الله ولذاذة الْمُنَاجَاة فِي عبَادَة الله
وانما قلت لَك اسْتِخْرَاج الْعِزّ وقطعه عَن قَلْبك باليأس من النَّاس لانه يردك الى الله ورجوعك الى الله سُكُون قَلْبك عَلَيْهِ وَفِي سُكُون قَلْبك
стр. 77
عَلَيْهِ الازدياد من طَاعَته والوصول الى خاصية عِبَادَته وَفِي الْوُصُول الى خاصية عِبَادَته النُّزُول عِنْد دَرَجَة العبيد وَفِي النُّزُول عِنْد دَرَجَة العبيد اصابة شرف الْعُبُودِيَّة وَمن اصابة شرف الْعُبُودِيَّة اكْتِسَاب الْقلب المذلة لله فأعزك بِطَاعَتِهِ وخضعت لَهُ فشرفك بِعِبَادَتِهِ قَالَ الله
﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ وَقَالَ فِي المذموم من الْعِزّ ﴿كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار﴾
قلت وَكَيف يُمَيّز بَين العزين
قَالَ اما المذموم مِنْهُمَا فينبو عَن طَاعَة الله والمحمود مِنْهُمَا يزيدك تذللا فِي طَاعَة الله
وَاعْلَم ان الامر اذا انْتهى فِي الضّيق اتَّسع وَمَا هُوَ الا قطع الطمع وَاسْتِعْمَال الاياس فَإِذا انت قد صرت فِي وَادي الرّوح والراحة والفرح فتنعمت مَعَ اهل هَذِه الدَّرَجَات بِذكر الله والتلذذ بحلاوة الْمُنَاجَاة والبكاء من خَشيته ذقت حلاوة الْيَقِين وَفَرح الرِّضَا وراحة التَّفْوِيض وخفة محمله ثمَّ صرت تنظر الى من يتعذب ويجول فِي سُلْطَان الْعِزّ وَملكه
فهنيئا لَك حِينَئِذٍ تصبح وتمسي لَيْسَ لَك هم وَلَا حزن الا فِيمَا انت
стр. 78
وَارِد عَلَيْهِ من امْر آخرتك وَالله ينظر الى همتك وارادتك فِي وَاد وَالنَّاس فِي وَاد غَيره
فقه التجارب والعناية بِالنَّفسِ
وَاعْلَم انه من كَانَ من اهل الْعِنَايَة بِنَفسِهِ ورزق فهم التجربة بلغ معرفَة الْخَيْر وَالشَّر وَعرف من ايْنَ وَكَيف وَعبر وَوصف وَفهم وفطن ونطق بالحكمة وَكَانَ مَا يسمع من الموعظة زِيَادَة لَهُ فِي فهمه ومعرفته وَوَصفه ودقائق فطنته وسر حَاجته
وَمن كَانَ من اهل الْعِنَايَة وَلم يرْزق فهم التجربة عرف من معرفَة الْخَيْر وَالشَّر على قدر عنايته وَوصف عَن صفتهَا وعبارتها وَمن ايْنَ وَكَيف وَضعف عَن النُّطْق بالحكمة وَكَانَت الموعظة زِيَادَة لَهُ فِي معرفَة خَيره وشره
وَمن لم يرْزق الْفَهم وَلَيْسَت لَهُ عناية فَهُوَ لَا ينْطق بِلِسَانِهِ عِنْد الْكَلَام وَلَا يعقل بِقَلْبِه عِنْد السماع
ويروى ان الْحِكْمَة تَقول من طلبني فَلم يقدر عَليّ فليعمل بِأَحْسَن مَا يعلم وليدع اشر مَا يعلم
وَقَالَ الامور مَنَافِعهَا مُتَفَاوِتَة وضررها متفاوت فمنفعة بَعْضهَا
стр. 79
اكثر من بعض وضرر بَعْضهَا اكثر من بعض ونجد اكثر النَّاس انما عنايتهم بإصلاح مَا هُوَ اقل ضَرَرا فهم فِي اصلاح ذَلِك اكثر من اصلاح مَا هُوَ اكثر ضَرَرا وطلبهم لما هُوَ اقل مَنْفَعَة اكثر من طَلَبهمْ لما هُوَ اكثر مَنْفَعَة
وَبَعض الامور تَركهَا اشد على العَبْد من بعض وَصَاحب الارادة لَا يَنْبَغِي ان يغلط فِي هَذَا وَلَكِن يفاتش اموره كلهَا مفاتشة شَدِيدَة بالعناية وغائص الْفَهم ودقائق لطائف الفطن حَتَّى يعلم مَا هُوَ اشد عَلَيْهِ فِي التّرْك وَيعلم مَا هُوَ اسْلَمْ لَهُ وانفع لَهُ فَيجْعَل جده وجديده ومعرفته وَعلمه وفهمه وكياسته وعنايته وفطنته فِيمَا هُوَ اشد عَلَيْهِ فِي التّرْك واكثر ضَرَرا عَلَيْهِ
وَالنَّاس فِي ذَلِك مُخْتَلفُونَ فَرب رجل يهون عَلَيْهِ ترك شَيْء يشْتَد على غَيره ويشتد عَلَيْهِ ترك شَيْء يهون على غَيره تَركه ويشتد عَلَيْهِ طلب مَا يهون على غَيره ويهون عَلَيْهِ طلب مَا يشْتَد على غَيره لانه حبب الى هَذَا من الاشياء مَا لم يحبب الى غَيره وبغض اليه من الاشياء مَا لم يبغض الى غَيره
وَرُبمَا كَانَ امران ضاران كِلَاهُمَا واحدهما اكثر ضَرَرا من الآخر ومؤنه تَركه لَيست بأشد على صَاحبه من تَركه الآخر وَلَكِن الْمعرفَة تقصر بِالْعَبدِ عَن حسن المأخذ لَهُ والترفق فِيهِ فَهُوَ لما هُوَ اشد عَلَيْهِ تَركه واقل ضَرَرا اقوى واترك لَهُ مِمَّا هُوَ اكثر ضَرَرا واهون عَلَيْهِ تَركه وَهُوَ عَن ذَلِك اضعف وأعجز عَنهُ
وَلَا يعرف هَذَا الا من يقلب الامور تقليبا ويفاتشها تفتيشا فَينْظر هَذَا الَّذِي يُؤْتى مِنْهُ مَا سَببه ثمَّ لم ير على نَفسه من ترك ذَلِك السَّبَب كَبِير
стр. 80
مُؤنَة فَيَقُول لَا اترك هَذَا وَلَكِن اترك هَذَا الَّذِي يشْتَد على نَفسِي تَركه وَلَيْسَ فَسَاد هَذَا الامر الَّذِي قد عزم على تَركه وَهُوَ اشد عَلَيْهِ كفساد هَذَا الامر الَّذِي لم يعزم على تَركه
стр. 81
الْغَفْلَة واليقظة
خَصَائِص الْغَفْلَة واليقظة
قلت فَمَا الَّذِي بطأ بالخاصة والعامة عَمَّا هُوَ اكثر لَهُم ضَرَرا واشد عَلَيْهِم
قَالَ قد اخبرتك ان النَّاس فِيهِ مُخْتَلفُونَ فَرب شَيْء هُوَ اسْلَمْ من شَيْء آخر وَرب شَيْء هُوَ اضر عَلَيْهِم من الآخر
واما انا فَلَا اعرف خصْلَة اكثر فِي النَّاس وَلَا اغلب عَلَيْهِم وَلَا اكثر ضَرَرا وَلَا اشد عَلَيْهِم تركا على الْخَاص وَالْعَام والعالم والمتعلم وَالْجَاهِل من الْغَفْلَة
وَأَشد الْغَفْلَة الَّذِي أَنْت عَنهُ غافل وَبِه جَاهِل
وَأَشد ذَلِك على النَّاس وَأكْثر عِنْدِي فيهم الاعجاب
стр. 82
انْظُر هَل ترى احدا هُوَ عِنْد نَفسه جَاهِل فِي امْر الْآخِرَة وَأمر الدُّنْيَا
انْظُر هَل ترى احدا يتَعَرَّض لشَيْء لَا يُعلمهُ وَلَيْسَ هُوَ حرفته الا يَقُول انا بِهِ عَالم وانما اتي هَذَا الْجَاهِل المغتر الْمُدَّعِي لعلم الْآخِرَة من قلَّة قدر الْآخِرَة فِي قلبه وَقلة تَعْظِيم حرمات الله
وَانْظُر هَل ترى احدا عِنْد هَذَا الغافل المغتر الْجَاهِل ارْفَعْ عِنْد نَفسه مِنْهُ وَاعْلَم مِنْهُ فَيقر بذلك على نَفسه الا مَا لَا يجد مِنْهُ بدا وَلَا يَسْتَطِيع دَفعه
قلت فَمَا الَّذِي ترجو ان يكون اصلح لَهُم وانفع
قَالَ التيقظ اصل كل خير كَمَا ان الْغَفْلَة اصل كل شَرّ فَمَا اكثر من يكون عِنْد نَفسه متيقظا وَهُوَ غافل وَمَا احب اليه التغافل عَن التيقظ وآنسه بالغفلة
وَاعْلَم ان أبين عَلَامَات التيقظ الْهم والحزن ثمَّ حسن الاستعداد لما اهتم لَهُ وحزن عَلَيْهِ
وابين عَلَامَات الْغَفْلَة البطر والمرح لانهما يسهيان وينسيان التيقظ وَفِي ترك التيقظ ترك الاستعداد لما بعد الْمَوْت
قلت فَمَا التيقظ وَمَا الْغَفْلَة
стр. 83
قَالَ التيقظ تقريب الاجل ومراقبة الْمَوْت والفكر فِيمَا يصير اليه العَبْد من بعد الْمَوْت وَمن هَذَا يفتح لَك بَاب الْعَمَل فتبتدر اليه قبل ان يبتدر اليك الْمَوْت وتستغنم كل سَاعَة من حياتك قبل انْقِضَاء الاجل
فَإِن رزق العَبْد الدَّوَام عَلَيْهِ نبع من ذَلِك ينابيع الْخَيْر ان شَاءَ الله
واما الْغَفْلَة فطول الامل ونسيان ذكر الْمعَاد الا بالخاطر وَلَا يَدُوم عَلَيْهِ العَبْد
وَلَا يَدُوم عَلَيْهَا العَبْد الا رمى بِالْخَيرِ وَرَاء ظَهره وَمِنْهَا يتَوَلَّد التسويف والوقوع فِي بَحر الآثام
كَيفَ تكون الْقُوَّة على الْيَقَظَة وَترك الْغَفْلَة
قلت فَهَل من شَيْء يقويني على التيقظ وَترك الْغَفْلَة
قَالَ نعم اخلاص الدُّعَاء ومصاحبة من يُرِيد مَا تُرِيدُ ومفارقة من لَا يُرِيد مَا تُرِيدُ فَإِن صُحْبَة من لَا يُرِيد مَا تُرِيدُ تَضُرك وانت لَا تشعر وصحبة من يُرِيد مَا تُرِيدُ تنفعك وَلَا تَضُرك وان كنت لَا تشعر
وانما النَّاس يُؤْتونَ من ثَلَاثَة اشياء من الْغَفْلَة وَالْغَلَبَة والجهالة وَرب رجل تَجْتَمِع فِيهِ الثَّلَاث خِصَال وان قلت اني لَا اعْلَم من ابرئه مِنْهَا لَكُنْت صَادِقا
وَقَالَ كن مِمَّن يحب على الْخَيْر وَيُحب عَلَيْهِ وَلَا تكن مِمَّن يُرِيد
стр. 84
ان يحب على الْخَيْر
وَقَالَ كل شَيْء لَيْسَ فِيهِ نفع وَلَا مرفق فَلَا تمكن فِيهِ النِّيَّة وكل شَيْء فِيهِ نفع ومرفق لَا يجوز الا بنية
وَقَالَ عجبت مِمَّن ضعفت نِيَّته فِي حَسَنَاته وَصحت نِيَّته فِي شهواته وَلَا يكون ذَلِك كَذَلِك الا من المخدوعين المموه عَلَيْهِم اَوْ من الخادعين المموهين
وَقَالَ من صحّح خَصْلَتَيْنِ فقد استحكم اموره كلهَا من صحّح لم وَلم يَقُول لم لم اعْمَلْ وَلم عملت وَلم لَا أعمل وَمن ضيع أَو جهل فعلى حسب ذَلِك
وَقَالَ اعزل من اخلاقك ثَمَانِي خِصَال التَّكَلُّف فِي القَوْل وَالْعَمَل والمراء والمداهنة والجريرة والخب وَالْخداع والمزاح والتغيظ
стр. 85
وَقَالَ التغافل عَمَّا يكره الله قسوة فِي الْقلب وَفِي قساوة الْقلب ذهَاب حلاوة الاعمال وَفِي ذهَاب حلاوة الاعمال قلَّة الطَّاعَات وَفِي قلَّة الطَّاعَات قلَّة الشُّكْر وَفِي ترك الشُّكْر فَسَاد مَا عملت وحرمان مَا طلبت وَانْقِطَاع الزِّيَادَة
وَقَالَ انك فِي زمَان اسْلَمْ النَّاس فِيهِ جَائِع مستوحش من النَّاس محزون مهموم
وَقَالَ الْجُوع يكسر النَّفس والشبع يهيج البطر وَفِي الْجُوع قُوَّة الْهم والحزن وَفِي الْهم والحزن قُوَّة على الْجُوع والهم والحزن يقْطَعَانِ الشَّهْوَة وَالرَّغْبَة
وَقَالَ الانسان محارف للتفريط مُعْتَاد للبغي شغوف بالتسويف مجبول على الْملَل وَالنِّسْيَان وَهُوَ مَوْصُوف بِعَدَمِ الْعَزْم مطبوع على الامل منعوت بالجزع عِنْد الشدَّة وبقلة الشُّكْر عِنْد النِّعْمَة مولوع بالانخداع والاغترار
وَقَالَ معرفتك بعيبك وعيب غَيْرك سَوَاء فَمن لم يعرف عيب غَيره يعرف عيب نَفسه فَإِذا ظهر لَك من عُيُوب النَّاس مَا خَفِي عَلَيْك من عيبك استدللت بعيوب النَّاس على عيبك واذا ظهر لَك من عيبك مَا خَفِي عَلَيْك مثله من عُيُوب غَيْرك فَلَا توقع ذَلِك بغيرك حَتَّى يظْهر لَك مِنْهُ مثل مَا ظهر لَك من نَفسك وتجسس عَلَيْهَا وفاتشها وواقفها وحاسبها وخذها بأَدَاء مَا عَلَيْهَا أَشد الاخذ وَلَا تَطْلُبن ذَلِك من غَيرهَا
стр. 86
فَإِذا ظهر لَك من غَيرهَا شَيْء فَأمكن طلب الْعذر لَهُ فأطلبه واما نَفسك فَلَا تَطْلُبن لَهَا عذرا وان اعتذرت فَلَا تقبلن مِنْهَا
وَقَالَ اعمال الْبر كلهَا على وَجْهَيْن سر وَعَلَانِيَة فَمن لم يقدر على تَصْحِيح السِّرّ فِيمَا يعْمل من السِّرّ كَانَ للتصحيح فِيمَا يعْمل من الْعَلَانِيَة ابعد وَمن قوي على تَصْحِيحه فِي الْعَلَانِيَة كَانَ فِيمَا يسر من أَعماله أقوى
وَهَكَذَا فِي الْقَلِيل وَالْكثير من لم يقدر على تَصْحِيح النِّيَّة فِي الْقَلِيل من الْعَمَل كَانَ فِي الْكثير مِنْهُ أبعد
وَقَالَ الرِّيَاء على وَجْهَيْن رجل قد عمل اعمالا من الْبر فنال بهَا ثَنَاء وجاها وَقدرا وَهُوَ يُرِيد فِيمَا يسْتَقْبل من الاعمال الاخلاص فَمن لم يقدر على ترك الرِّيَاء فِيمَا يسْتَقْبل كَانَ فِيمَا عمل ونال بِهِ الجاه وَالْقدر والمحمدة من النَّاس من الاخلاص أبعد
وَهَكَذَا فِي كل شَيْء ترك مَا لم تملكه أيسر من ترك مَا قد ملكته
стр. 87
النِّيَّة بَين الصدْق والغفلة
قلت فَمن احق النَّاس بِصدق النِّيَّة
قَالَ اشدهم لَهَا حبا
قلت فَمن أبعد النَّاس من صدق النِّيَّة
قَالَ ازهدهم فِيهَا وازهد الزاهدين فِيهَا انساهم لَهَا وانسى النَّاس لَهَا اجهلهم بهَا
وَقَالَ اول عَلَامَات الرِّيَاء رضَا الرجل بِجَهَالَة صدق النِّيَّة فِي اعماله واول عَلَامَات صدق الرجل عنايته بِمَعْرِِفَة صدق النِّيَّة واخلاص الْعَمَل
وَقَالَ النَّبِي ﷺ الْعَمَل بِالنِّيَّةِ
وَقَالَ اخوف مَا اخاف عَلَيْكُم الشَّهْوَة الْخفية
فَمَا بَال العَبْد يتَعَلَّم كَيفَ يعْمل ويتحمل مُؤنَة الْعَمَل فَيعْمل بِمَا قد علم وَلَا يتَعَلَّم كَيفَ يَنْوِي فيتعلم من الْعلم مَا يعْمل بِهِ وَمَا لَا يعْمل وَلَا يتَعَلَّم صدق النِّيَّة لَا فِيمَا يعْمل بِهِ وَلَا فِيمَا لَا يعْمل
يعِيش مَا عَاشَ وَيَمُوت اذا مَاتَ وَلم ينتبه لذَلِك وَالرَّسُول ﷺ وَمن بعده الائمة واهل الْعلم والمعرفة يحذرون من الرِّيَاء حَتَّى ان بَعضهم قَالَ ادخل الْبَيْت المظلم فأصلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ لَعَلَّهَا تخلص لي وَقَالَ الثَّوْريّ مَا كنت اعْتد بِعَمَل يرَاهُ النَّاس
стр. 88
وَلَو كتبنَا فِي هَذَا الْكتاب مثل هَذَا لاحتجنا الى دفاتر
فَالَّذِي قد عرف من الرِّيَاء مَا جَهله غَيره وعني بِهِ واهتم لَهُ فِي ليله ونهاره وَلَعَلَّ مَا يخدع فِيهِ ويغلب عَلَيْهِ اكثر من الَّذِي يصير الى مَا يُرِيد مِنْهُ فَكيف بالجاهل بِهِ المعرض عَنهُ
стр. 89
عُلُوم النجَاة
جماع مَا يجب من الْعلم
وَثَلَاثَة ابواب من الْعلم على النَّاس ان يعرفوا مَا خَفِي مِنْهَا وَمَا ظهر بَابَانِ فِيمَا بَينهم وَبَين الله تَعَالَى وَبَاب بَينهم وَبَين النَّاس
فَأَما الَّذِي بَينهم وَبَين النَّاس فالنصح لقَوْل النَّبِي ﷺ الدّين النَّصِيحَة فِيمَا خَفِي من الاشياء وَفِيمَا ظهر وَمَا قل وَمَا كثر للقريب والبعيد والعدو وَالصديق
وَالَّذِي بَينهم وَبَين الله تَعَالَى بَاب النِّيَّة وتصحيحها والارادة فِي الاعمال فِيمَا خَفِي وَمَا ظهر وَمَا قل وَمَا كثر لقَوْل النَّبِي ﷺ الاعمال بِالنِّيَّةِ
وَالْبَاب الثَّانِي معرفَة الرجل نَفسه
стр. 90
حَقِيقَة النصح
واما بَاب النصح فَتكون نِيَّته وَسيرَته ومذهبه فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ان امور الامة كلهَا لَو اجريت على مَا فِي ضَمِيره وسريرته لاحب انها رشدت امورها واطاعت رَبهَا وَصَارَ الى كل وَاحِد مِنْهُم حَظه من الْحق وَالْعدْل
فَإِن كَانَت هَذِه سيرته فِي خاصته وعَلى هَذَا نِيَّته فِي الْعَامَّة رَجَوْت انه فِي كل امْر جليل ونعمة عَظِيمَة لَا يعلم قدرهَا الا الله تَعَالَى
وان خَالَفت سيرته فِي خاصته وعامته هَذَا الْوَصْف فَلَا حَظّ لَهُ فِي النصح الْخَاص وَلَا الْعَام وَكَانَ مَا يَدعِي انه يضمر وَيَنْوِي فِي سَرِيرَته من نصح الْخَاصَّة والعامة مردودا عَلَيْهِ غير مَقْبُول مِنْهُ
وَلَا نَعْرِف فِي ابواب الْعلم حَدِيثا اجْمَعْ فِي الاشياء كلهَا من هَذَا الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﷺ الدّين النَّصِيحَة وَلَا اقْربْ وَلَا اقصد قصدا وَلَا احسن فِي اعمال الْبر كلهَا حسنا وَلَا بطرِيق الصَّالِحين اشد اتبَاعا من هَذَا الحَدِيث وَلَا احوط فِي الْحق وَالْعدْل وَلَا ارضى عِنْد الْخَاصَّة والعامة وَهُوَ ان تحب للنَّاس مَا تحب لنَفسك وَتكره للنَّاس مَا تكرههُ لَهَا
والنصح اصله من اعمال الْقُلُوب وفروعه من اعمال الْجَوَارِح فَرُبمَا اجري بِالْقَلْبِ ولربما لم يجر الا بِاللِّسَانِ وَرُبمَا لم يجر الا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان والجوارح
стр. 91
آدَاب لَا بُد مِنْهَا
وَقَالَ ان الشَّيْء يغلب الشَّيْء وَالشَّيْء يشغل عَن الشَّيْء وَالشَّيْء ينسي الشَّيْء وَالشَّيْء يهيج الشَّيْء وَالشَّيْء يزِيد الشَّيْء والمحاسب نَفسه قد عرف هَذَا وادناه التيقظ واعلاه النسْيَان
وَاعْلَم ان الشَّرّ شَهْوَة وَالْخَيْر كَرَاهِيَة والشهوة سَابِقَة على الْكَرَاهِيَة وغالبة عَلَيْهَا حَتَّى يَجِيء الْعلم والصدق فيزيلان الشَّهْوَة ويجعلان الْكَرَاهَة مَكَانهَا فَمن لم يفقه وَلم يفهم هَذَا حِين يسمعهُ لم يحسن مُرَاجعَة سَرِيرَته وَلَا يَجِيء على اصلاحها حَتَّى يتعلمه مِمَّن يُحسنهُ وَيحسن وَصفه وَلَوْلَا كَثْرَة القَوْل فِيهِ لكتبناه
وَقَالَ نعم الصاحبان الْهم والحزن بِأَمْر الْآخِرَة وَنعم الشّغل
стр. 92
المحاسبة وَصَاحب الْهم والحزن والمحاسبة يَجْعَل السَّاعَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هم وَلَا حزن وَلَا محاسبة سَاعَة بطالة واقل قَلِيل الْغَفْلَة عِنْده كأكثر الذُّنُوب عِنْد غَيره
وَمن عَلامَة الْيَقِين فِي العَبْد ادامة الْحزن فِيهِ
يَا أخي وَلَو لم يحزن العَبْد الا لما يكون فِيمَا يسْتَقْبل من الاعمال من الْجفَاء والسهو والغفلة وَقلة الصدْق فِي فَرْضه ونافلته مثل الَّذِي قد عمل وَلما يجد فِيهَا من قلَّة الْحيَاء والمراقبة لَكَانَ جَدِيرًا ان يحزن ويهتم
وَلَو لم يحزن ويهتم الا لانه لَو جَاءَ من الاعمال بِمثل اعمال الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والانس وَالْعَالمِينَ كلهم لم يكن عِنْده علم فِي ذَلِك انه فِي المقبول اَوْ فِي الْمَرْدُود وَلَا يدْرِي ايقبل من ذَلِك كُله مِثْقَال ذرة اَوْ يرد عَلَيْهِ لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ ان يحزن
وَلَو لم يحزن الا لانه لَو قيل لَهُ اختر من عمرك أَي سَاعَة شِئْت لم تعص الله فِيهَا لسَبَب من الاسباب لما كَانَ يجد ذَلِك لقد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ان يحزن
وَلَو لم يحزن الا لانه لَو قيل لَهُ هَل تعرف سَاعَة وَاحِدَة من عمرك اديت الى الله سُبْحَانَهُ فِيهَا جَمِيع مَا اوجبه عَلَيْك كَمَا اوجبه لقَالَ مَا اعرفها لقد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ان يحزن
النَّفس واختبارها فِي الْمعرفَة والسلوك
قلت كَيفَ احاسب نَفسِي فِي مَعْرفَتهَا
стр. 93
قَالَ ان الاشياء تعرف بالدلالات والعلامات والامثال وسأضرب لَك فِي ذَلِك مثلا يكون علما لما سَأَلت عَنهُ
ان مثل النَّاس فِي جُمْلَتهمْ وَفِي تفرقهم بعد الْمعرفَة بهم والخبرة لَهُم وتفاوتهم وتفاضلهم مثل سفط مَوْضُوع فِي طَرِيق فِيهِ قَوَارِير مَمْلُوءَة موكاة الرُّءُوس يمر بِهِ النَّاس لَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ فَعرض لَهُ من النَّاس عَارض من الْمَارَّة فَقَالَ لاكشفن عَن هَذَا السفط فلأنظرن مَا فِيهِ فكشف عَنهُ فراى قَوَارِير مَمْلُوءَة لَا يدْرِي مَا فِيهَا فَحل اوكيتهن كُلهنَّ فَبَدَا لَهُ من هَذِه رَائِحَة الْمسك وَمن هَذِه رَائِحَة العنبر وَمن هَذِه رَائِحَة البان وَمن هَذِه رَائِحَة الخلوف وَمن هَذِه رَائِحَة الغالية وَمن هَذِه رَائِحَة الياسمين وَمن هَذِه رَائِحَة الْورْد وَسَائِر الطّيب والادهان
وَمن هَذِه رَائِحَة الكبريت وَمن هَذِه رَائِحَة النفط وَمن هَذِه رَائِحَة القطران وَمَا لَا طَاقَة لَهُ بِالْقيامِ عِنْدهَا من شدَّة نَتن رِيحهَا
فَالنَّاس فِي جُمْلَتهمْ مثل السفط والقوارير وهم فِي معرفتهم والبحث عَن اخلاقهم متفرقون على قدر الْقَوَارِير
وَمثل السفط ايضا فِي جملَته مثلك انت وَحدك والقوارير اخلاقك وآدابك وريحها الطّيب خير اخلاقك وآدابك الْحَسَنَة المرغوب فِيهَا والرائحة المنتنة شَرّ اخلاقك وآدابك السَّيئَة القبيحة
وَلَا تعرف النَّفس حَتَّى تمتحن وتختبر
فاختبر نَفسك حَتَّى تعلم مَا فِيهَا وان اردت ذَلِك فعاملها بالموافقة لَهَا والمفاتشة لهمتها فِي وَقت الهمة وَأحد اليها النّظر حَتَّى تعرف حلمك فِي الْوَقْت الَّذِي عرض لَك فِيهِ سَفِيه فسفه عَلَيْك لَيْسَ فِي الْوَقْت الَّذِي وَافق هَوَاك
стр. 94
واعرف تواضعك فِي وَقت مَا جفاك جَاف واكرمك مكرم فَإِن فيهمَا الْفِتْنَة فَإِن العَبْد رُبمَا اظهر التَّوَاضُع عِنْد الْكَرَامَة لِيَزْدَادَ مِنْهَا وَرُبمَا تواضع عِنْد الْجفَاء ليثبت لَهُ بالتواضع عِنْد ذَلِك منزلَة بَين النَّاس فتوقف عِنْد ذَلِك كُله وفاتش الهمة
واعرف صمتك عِنْد الْخَوْف من سُقُوط جاهك عِنْد من لَك عِنْده الجاه وَالْقدر
واعرف صدقك عِنْد الْحَالة الَّتِي يتصنع ويتزين فِي مثلهَا المتزينون والمتصنعون
واعرف نصحك عِنْد حبك لنَفسك ولصديقك وعدوك حَتَّى تعلم هَل تحب لغيرك مَا تحب لنَفسك ام لَا
واعرف صبرك عِنْد ترك شَهْوَة قد ملكهَا هَل تَسْتَطِيع تَركهَا على ذَلِك ام لَا
واعرف ورعك عِنْد الْحَالة الَّتِي اسْتَمْكَنت مِنْهَا هَل تَسْتَطِيع الْوُقُوف عِنْدهَا اذا التبست عَلَيْك ام لَا
стр. 95
واعرف عقلك عِنْد ترك مَا لَا نفع لَك فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الاخرة وَلَا ثَوَاب لَك فِيهِ عِنْد الله تَعَالَى هَل تَسْتَطِيع ترك ذَلِك ام لَا
واعرف امانتك عِنْد هَوَاك فِي الْوَقْت الَّذِي تهواه هَل تضبط اداء امانتك فِي ذَلِك الْوَقْت ام لَا
واعرف طمعك فِي وَقت هيجان رغبتك هَل تَسْتَطِيع عِنْد ذَلِك الاياس ام لَا
فَإِن كنت فِي هَذِه الْحَالَات والاوقات مَحْمُودًا فَمَا احسن خيرك وَاحْمَدْ الله واسأله الزِّيَادَة من فَضله وامض فَإنَّك على سَبِيل الاسْتقَامَة وَطَرِيق الْمحبَّة ومحجة الايمان
وان كنت فِي هَذِه الْحَالَات مذموما فأخلاقك وسيرتك اولى بك ان تصلحها فَإِن فِيك فَسَادًا عَظِيما وَلست على سَبِيل الاسْتقَامَة وَلَا على طَرِيق الْمحبَّة وَلَا محجة الايمان
فَاتق الله وراجع مفاتشة نَفسك واصلاح فَسَادهَا
قلت يَجِيء مني فِي بعض احوالي مَا امقت نَفسِي عَلَيْهِ وتشتد عَلَيْهِ ندامتي
قَالَ مَقَتك لَهَا من معرفتك بهَا وندامتك عَلَيْهَا دواؤها فَإِذا نظرت الى عَثْرَة غَيْرك فاذكر عثرتك ومقتك لنَفسك وَلَو ان مصلحَة النَّفس ومنفعتها كَانَت فِيمَا تهوى اَوْ تشْتَهي لَكَانَ النَّاس كلهم صالحين وَلَكِن جعل صَلَاحهَا فِيمَا تكره وفسادها فِيمَا تحب وتشتهي
стр. 96
اما انها لَا تكره الصّلاح وَالْخَيْر وَلَكِن تكره الْمَكْرُوه الَّذِي بِهِ تنَال الصّلاح وَالْخَيْر وَلَو امكنها دَرَجَة الابرار بأعمال الْفجار لقبلتها فَأَما الشَّرّ فَإِنَّهَا تحبه وتحب خصاله وطرائقه وكل شَيْء مِنْهُ
وَمن محاسبتك لَهَا ان تَخْلُو بهَا وَترد عَلَيْهَا فعالها فَتَقول يَا نفس انك لَا تقدرين ان تخادعي الله وَلَا تغالبيه فَلَا تقبلي مخادعة الشَّيْطَان وَلَا مغالبته وَلَا تبتغي هَوَاك فيرديك ويهلكك
واني لست احملك على مَا لَا طَاقَة لَك بِهِ وَلَا علم لَك فِيهِ واني اراك تحب لنَفسك مَا تمقت عَلَيْهِ غَيْرك وَتكره لنَفسك مَا تحب عَلَيْهِ غَيْرك
قمة الخداع النَّفْسِيّ وَحَقِيقَة التوسل بالصالحين
اراك تحب اهل التَّوَاضُع والصدق والامانة حَتَّى لَو رَأَيْت قُبُورهم وآثارهم لاحببتها فِيمَا تزْعم وَتكره خصالهم الَّتِي بهَا نالوا الْحبّ مِنْك حَتَّى لَو قدرت ان تكون فِي اعدى عَدوك بعد ان تَزُول عَنْك لَكَانَ ذَلِك منيتك
стр. 97
فإمَّا ان تكون تُرِيدُ مخادعة الله اذ علمت انه يطلع مِنْك على ذَلِك واما ان تكون لَا تحسن ان تطلب الْخَيْر
يَا أخي ان الجائع يحب الْخبز وان العطشان يحب المَاء وَلَو جعل الْخبز وَالْمَاء بَين ايديهما على مائدة اَوْ علق فِي اعناقهما مَا نفعهما علمهما بِأَن الْخبز وَالْمَاء مَعَهُمَا وَلَا ينفعهما قربهما مِنْهُمَا دون ان يأكلا من الطَّعَام ويشربا من الشَّرَاب
وَهَكَذَا انت لَا ينفعك علمك بِالْخَيرِ وَلَا قربه مِنْك وَلَا حبك لَهُ حَتَّى يكون فِيك وَتَكون من اهله بل لَا ازعم انك تحبه وَلَكِنَّك مخدوع اَوْ مخادع فِي دعواك انك تحبه
يَا أخي هَل رَأَيْت عطشان استمكن من المَاء الْبَارِد فَلم يشربه الا مُدع للعطش لَيْسَ بعطشان
أَو هَل رَأَيْت جوعان وجد طَعَاما قد امكنه فَلم يَأْكُلهُ الا مُدع للجوع لَيْسَ بجوعان
فَمَا ابين ابطال دعواك فِيمَا تزْعم انك تحب الْخَيْر واهله اذا قست مَا تحب من الدُّنْيَا بِمَا تحب من الْآخِرَة لاني اراك اذا احببت شَيْئا من الدُّنْيَا احببت الا يكون لَهُ مَالك غَيْرك هَذَا هُوَ الْحبّ الصَّادِق بِعَيْنِه فَإِذا احببت شَيْئا من اعمال الصَّالِحين فِيمَا تزْعم فَلَيْسَ شَيْء اثقل عَلَيْك من ان تكون انت صَاحبه وَلَو كنت محبا لَهُ لاحببت الا يكون اُحْدُ سَبَقَك وَلَا يملك مِنْهُ اكثر من الَّذِي تملك
يَا أخي اما آن لَك ان تمل وتشبع من الْكَذِب والاغترار بِاللَّه تَعَالَى اما آن لَك ان تحب ان يكون اسْمك يَوْمًا وَاحِدًا من جَمِيع عمرك مَعَ
стр. 98
اسماء الصَّالِحين المتواضعين المخلصين الناصحين الشَّاكِرِينَ الراضين الصابرين الْمُسلمين الواثقين المتوكلين المفوضين الْخَائِفِينَ المشتاقين العارفين الْعَالمين الموقنين
بِحَق اقول لَك لَو مَاتَ اُحْدُ من الْعجب كَانَ يَنْبَغِي لَك ان تَمُوت مَكَانك اذا نظرت فِيمَا انت فِيهِ من ايثارك للدنيا واقبالك عَلَيْهَا مَعَ استيقانك بِأَنَّهَا لَا شَيْء ورضاك بترك طَرِيق الصَّالِحين واهل الْخَيْر وصحبة مُحَمَّد ﷺ ومجاورته فِي الْجنَّة
فَلَو كَانَت صحبته فِي الدُّنْيَا ثمَّ تركت الدُّنْيَا كلهَا واثرت صحبته لَكَانَ الَّذِي تركت حَقِيرًا عِنْد الَّذِي نلْت فَكيف الصُّحْبَة فِي الْجنَّة مَعَ دوَام الْملك فِي جوَار الله وَجوَار احبابه مَعَ الَّذين انْعمْ الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن اولئك رَفِيقًا فِي الْحبرَة وَالنعْمَة وَالسُّرُور الدَّائِم الابدي
فراجع نَفسك يَا أخي وَانْظُر مَا فِي هَذِه المخادعة وَمَا الَّذِي قد غلبك وَغلب يقينك اَوْ مَا هَذِه الخدعة الَّتِي دخلت عَلَيْك
وفكر فِيمَا تصير اليه من موازنة عَمَلك وسؤال الله اياك عَن مَثَاقِيل الذَّر والخردل وَمَا فَوق ذَلِك وَدون ذَلِك
وفكر فِي سرعَة انْقِضَاء الاجل وَعَلَيْك بقصر الامل فَلَا تُفَارِقهُ وَلَا يفارقك طرفَة عين لَا فِي ليل وَلَا فِي نَهَار
يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لَا تدهش وَلَا يذهب عقلك تَعَجبا من امرك
فراجع امرك وَانْظُر مَا يُرَاد مِنْك فَإِنَّمَا يُرَاد مِنْك اذا عملت
стр. 99
عملا ان تُرِيدُ بِهِ وَجه الله اَوْ لَا تعمله فَهَل تكون اقل من هَذَا هَذَا فِي ذوفلك واما فرائضك فَإنَّك غير مَعْذُور فِي تَضْييع مِثْقَال ذرة مِنْهَا حَتَّى تعْمل بِمَا امرت بِهِ وتنتهي عَمَّا نهيت عَنهُ وَمَا كلفت امرا لَا تُطِيقهُ وَمَا كلفت مَا لم يُكَلف بِهِ غَيْرك
وَيُرَاد مِنْك مَعَ ذَلِك ان تُرِيدُ للنَّاس الْخَيْر وان لم ترد لَهُم الْخَيْر فَلَا ترد لَهُم الشَّرّ فَهَل تكون اقل من هَذَا اَوْ ترْضى لنَفسك ان النَّاس يُرِيدُونَ لَك الْخَيْر وانت تُرِيدُ لَهُم الشَّرّ
وَيُرَاد مِنْك الا تجْعَل نَفسك فَوق النَّاس فِي نَفسك لَا بقلبك وَلَا بلسانك افتكون اقل من هَذَا وَقد دعيت انت وَالنَّاس الى هَذَا لَا انت وَحدك
المخادعون المتاجرون بِالدّينِ
وَقَالَ اخبرني ان انت خَالَفت هَذَا الامر واردت بعملك غير الله واردت ان ترفع نَفسك فَوق النَّاس اَوْ لم تحب لَهُم مَا تحب لنَفسك اتدرك اَوْ تنَال مَا تَأمل من ذَلِك
اولست تعلم انك ابعد مَا تكون من الله اذا كنت كَذَلِك
وَمَعَ هَذَا لَا اراك تطلب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فتنتفع بهَا وترتفق بهَا فِي ايامك هَذِه وانما تطلب بذلك الثَّنَاء والجاه وَالْقدر وَقد اخْتَرْت سيرة
стр. 100
تستوجب بهَا البغض من خالفك وتستوجب البغض ايضا مِمَّن وَافَقَك عَلَيْهَا لَو ظهر من امرك مَا خَفِي وَلَا بُد من ان يظْهر يَوْمًا مَا
وَقَالَ الصَّبْر مَا ترك للنَّاس عذرا وَلَا حجَّة فَمن لم يلق الله بِمَا امْرَهْ بحلاوة الرِّضَا فليلقه بِالصبرِ وكراهته وَمن لم يلق الله ببغض مَا نَهَاهُ عَنهُ فَلَا يلقاه بالحب لَهُ بل بِالصبرِ فَمَا ترك الصَّبْر للنَّاس حجَّة
وَقَالَ من الْقَلِيل مَا يعْتَبر بِهِ الْكثير وان اهل الدُّنْيَا اذا ارادوا ان يعملوا شَيْئا بدأوا بِالطَّلَبِ فطلبوا اداة مَا يعْمل بِهِ ذَلِك الْعَمَل والا فَلَا سَبِيل لَهُم الى ذَلِك الْعَمَل الْبَتَّةَ
وَلَو اجْتمع اهل الدُّنْيَا كلهم وَمَعَهُمْ اداة كل صناعَة هَل قدرُوا ان يثقبوا ابرة الا بأداتها الَّتِي هِيَ اداتها وَهَكَذَا جَمِيع الاشياء
هَل رَأَيْت بيطارا قطّ قدر على صناعته بأداة خياط
اَوْ قدر الْخياط على صناعته بأداة البيطار
وَهَكَذَا كل عمل لَا يقدر الْحداد على عمله بأداة النجار وَلَا النجار بأداة الاسكاف
وَهَكَذَا اعمال الْآخِرَة لَا يقدر عَلَيْهَا الا بأداتها وأصل أَدَاة أَعمال الْآخِرَة الْعلم والمعرفة وَالِاعْتِبَار فَإِنَّهَا من دلالات الاداة
стр. 101
حب الدُّنْيَا رَأس كل بلَاء
ويروى عَن النَّبِي ﷺ حبك الشَّيْء يعمي ويصم
ويروى عَن عِيسَى ﵇ انه قَالَ حب الدُّنْيَا راس كل خَطِيئَة
وانفع مَا عالج بِهِ الْمُؤمن فِي امْر دينه قطع حب الدُّنْيَا من قلبه فَإِذا فعل ذَلِك هان عَلَيْهِ ترك الدُّنْيَا وَسَهل عَلَيْهِ طلب الْآخِرَة وَلَا يقدر على قطعه الا بأداته اما اني لَا اقول اداته الْفقر وَقلة الشَّيْء وَكَثْرَة الصّيام وَالصَّلَاة وَالْحج وَالْجهَاد وَلَكِن اصل اداته الْفِكر وَقصر الامل ومراجعة التَّوْبَة وَالطَّهَارَة واخراج الْعِزّ من الْقلب وَلُزُوم التَّوَاضُع وَعمارَة الْقلب بالتقوى وادامة الْحزن وَكَثْرَة الْهم بِمَا هُوَ وَارِد عَلَيْهِ
وَمَا اكثر من يعْمل هَذِه الاعمال الَّتِي وَصفنَا وَحب الدُّنْيَا فِي قلبه زَائِد وَكثير من النَّاس من لَا يكثر من هَذِه الاعمال وحبه للدنيا فِي نقص لانه اخذه من وَجهه وَجهه ان يلْزم نَفسه الْفِكر وَيقصر عَلَيْهِ من الامل وَلَكِن الاشياء من حَيْثُ اباحها الله فَيَضَعهَا حَيْثُ امْرَهْ الله وَيلْزم قلبه ذكر قرب مفارقتها ومفارقة مَا فِيهِ وَمَا يصير اليه من الشدائد من الْقَبْر وَالْوُقُوف بَين يَدي الله وَطول الْحساب وَلَا يدْرِي فِي أَي الصِّنْفَيْنِ عدده
стр. 102
وَلَا فِي أَي الزمرتين اسْمه افي الَّذين يحشرون الى الْجنَّة زمرا ام فِي الَّذين يحشرون الى جَهَنَّم وردا
وتفكر فِي ذنُوبه الَّتِي لَو اخذ اهل الدُّنْيَا بذنب مِنْهَا لهلكوا وَطول خُلُود اهل النَّار فِي النَّار
واشد من ذَلِك غضب الله على اهل النَّار
وَلما يخَاف ان يفوتهُ من رضى الله عَن اهل الْجنَّة
ويقل الْفِكر فِي الدُّنْيَا وَفِي نعيمها فَإِن الْقلب مَعَ الْفِكر يحيا ان كَانَت الفكرة فِي الْآخِرَة وَيَمُوت ان كَانَت الفكرة فِي الدُّنْيَا
وَقَالَ وَمَا على العَبْد ان يعزم على ان يَجْعَل حَظه من بَقِيَّة عمره فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ من جاه اَوْ ثَنَاء اَوْ محمدة من النَّاس اَوْ قدر عِنْدهم وَمَا كَانَ من فضول النِّعْمَة فِيهَا فيعزم على ان يَجْعَل ذَلِك كُله لأعدى عَدو لَهُ ولأحسد حَاسِد لَهُ لَا يقسم على اقاربه واصدقائه مِنْهَا شَيْئا بعد ان يَرْجُو ان يكون ذَلِك كُله فكاكه من النَّار حَتَّى لَو دعى اليه وَحبس فِي الْحَبْس الضّيق ليقبله لم يقبله وَاخْتَارَ الْحَبْس عَلَيْهِ ولحذره وَنَفر مِنْهُ كَمَا كَانَ يَطْلُبهُ قبل ذَلِك
فلعمري لَو لم يكن فِيهِ الا مَا يَرْجُو ان يدْرك بِهِ صَلَاح مَا افسد فِيمَا مضى من عمره فليصلحه وليتخلص مِمَّا مضى وَيجْعَل الْحزن والهم وَقلة ملاقاة النَّاس عدَّة لَهُ مَعَ الدُّعَاء والتضرع وَيجْعَل الْمَوْت نصب عَيْنَيْهِ
стр. 103
ويستعين بِسُرْعَة الْخُرُوج من الدُّنْيَا فَمَا اهون عِنْد من نزل منزلا وَهُوَ يُرِيد الارتحال مِنْهُ تَركه لجاره وَمَا اقل شفقته عَلَيْهِ وَمَا اشفق من نزل منزلا وَهُوَ يُرِيد الْمقَام فِيهِ واحرص على عِمَارَته
جماع صَلَاح النُّفُوس
وَقَالَ ان الناسك ان لم يقبل الْحِكْمَة وَلَا الموعظة وَلَا النَّصِيحَة من الْعَدو وَالصديق وَالسَّفِيه والحليم فنسكه نسك الْمُلُوك
قلت ذكرت شَيْئا ينسي شَيْئا فَمثل أَي شَيْء هَذَا من الاشياء
قَالَ مثل الشِّبَع فَإِنَّهُ يهيج الشَّهْوَة وَيُورث الْقَسْوَة والبطر والثقل وَالنَّوْم
وَمثل كَثْرَة الْكَلَام فَإِنَّهُ يقسي الْقلب ويقل الْبَهَاء والمهابة ويعقم الْحِكْمَة وَيكثر السقط
وَمثل طول الامل فَإِنَّهُ ينسي الْآخِرَة وَيذكر الدُّنْيَا ويحسنها ويحببهما اليك وَيُورث الْحَسَد والتسويف وَيُقَوِّي الْهوى وَيكثر الشَّهَوَات
وَفِي هَذَا مَا تستدل بِهِ على اضداده فَإِذا فَكرت فِيهِ عرفت من الاشياء مَا يُورث الْخَيْر وَمَا يُورث الشَّرّ وكل شغل يشغل عَن غَيره من الاشغال لَان الْقلب وَاحِد لَا يُمكنهُ ان يشْتَغل الا بِشَيْء وَاحِد
стр. 104
الارادة والصدق والهوى
اتِّفَاق الْهوى والصدق على عمل الْبر
قلت الصدْق والهوى متفقان على عمل الْبر
قَالَ ان الله قَادر على ان يسخر الْهوى للصدق وان كَانَ فقليل وَالَّذِي يعرف هَذَا الْقَلِيل فِي النَّاس هم قَلِيل وَالَّذِي يجهله كثير لَان الارادة للْعَمَل قبل الْعَمَل والهوى والشهوة مِمَّا يَلِي الْعَمَل وَالنِّيَّة والصدق من ورائهما
فَكلما اراد العَبْد اَوْ هم بِالْعَمَلِ من قريب اَوْ بعيد ابتدر الْهوى والشهوة وَالنِّيَّة الصادقة فيهمَا الى الْقلب بِذكر مَا يُرْجَى وَمَا يؤمل من مثل ذَلِك الْعَمَل من حاجات الدُّنْيَا وشهواتها ومنافعها ومرافقها ولذاتها وَمَا يؤنس بِمثلِهِ من الاشياء وَمَا حسن موقعه من النَّاس وَذكرهمْ لَهُ بالثناء والمحمدة وَالْقدر والجاه والرفعة والرئاسة
والارادة الصادقة بعد غَائِبَة وَمَا دَامَت غَائِبَة فالقلب يقبل هَذِه
стр. 105
الاشياء لَا يرد مِنْهَا شَيْئا لانه لَا بُد ان يكون للقلب امل فِي هَذَا الْعَمَل الَّذِي اراده وهم بِهِ والانسان اكثر شَيْء نِسْيَانا واكثر النسْيَان فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن هَذِه الاشياء الَّتِي جَاءَت بهَا النَّفس والهوى الى الْقلب مِمَّا ذكرنَا من الثَّنَاء والمحمدة والرفق وَالْقدر والجاه والرئاسة والمنزلة كلهَا مِمَّا يتحلى بِهِ الْقلب ويشتهيه ويرغب فِيهِ فَلذَلِك تكْثر الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان للارادة الصادقة
وَلَو كَانَ مَكَان الَّذِي يستحليه الْقلب ويشتهيه مرَارَة وكراهية لما كَانَ يقبل النسْيَان والغفلة وَلَكِن حَيْثُ جَاءَت الْمُوَافقَة سكن الْقلب الى هَذِه الْخلال
فَمن شَاءَ الله ان ينعم عَلَيْهِ حَتَّى تكون الارادة الصادقة امام الْهوى وشهوة النَّفس وَحَتَّى يُرِيد بِالْعَمَلِ وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة فَفِي هَذَا يكون شغل الْقلب عِنْد ذَلِك وَفِيمَا يؤمل فِيهِ من رضى الله وثوابه وَمَا جَاءَت بِهِ النَّفس والهوى مِمَّا ذَكرْنَاهُ لم يقبله الْقلب ورده عَلَيْهِم فَفِي هَذَا اعظم النعم وعَلى صَاحبه اكثر الشُّكْر
سبق الْهوى على الارادة الصادقة فِي الْعَمَل
وان كَانَت النَّفس والهوى والشهوة سابقات على الارادة الصادقة فَلَا بُد لصَاحِبهَا من الْوُقُوف وَالنَّظَر والفكر حَتَّى ينقي قلبه مِمَّا عرضت بِهِ النَّفس والهوى والشهوة وَيجْعَل ارادة الله مَكَان ذَلِك وامامه فيقبله
стр. 106
الْقلب سَاءَهُ اَوْ سره ثمَّ يتحفظ ويتعاهد حَتَّى يخْتم الْعَمَل الَّذِي افتتحه بالارادة الصادقة بِمثل ذَلِك وَبعد فَرَاغه من الْعَمَل مَا دَامَ الرّوح فِي جسده
وَاعْلَم ان احكام هَذَا اعز واشد من نقل الصخر وركوب الاسنة الا من رزقه الله احكام ذَلِك والعناية بِهِ مَخَافَة تلف نَفسه واحباط عمله لَان الْعَدو ملح مجد محتال لَهُ فِي ادخال الْآفَات الَّتِي تفْسد الاعمال فَهُوَ يرصده قبل دُخُوله فِي الْعَمَل وَبَعْدَمَا يدْخل فِيهِ وَبعد مَا يخرج مِنْهُ
عرُوض الْهوى بعد تَقْدِيم الْإِرَادَة الصادقة
فَإِن قدم الْإِرَادَة وَالنِّيَّة الصادقة الصَّحِيحَة الَّتِي بِلَا سقم فِيهَا وَدخل بهَا الْعَمَل وَنفى الْهوى وَدفع النَّفس وَخَالف الشَّهْوَة وجاهد الْعَدو فَإِن صده بعد دُخُوله فِي الْعَمَل فَعرض لَهُ بِمَا ذكرنَا من الْآفَات الَّتِي تفْسد الاعمال فَإِن قبلهَا حَتَّى يخْتم الْعَمَل بقبولها فسد عَلَيْهِ أَصله الصَّحِيح الَّذِي كَانَ قد أصل وَدخل بهَا فِي الْعَمَل
وَإِن هُوَ لم يقبل مَا عرض لَهُ بِهِ فِي الْعَمَل ونفاه وَدفعه لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا
وَإِن هُوَ قبله ثمَّ انتبه قبل ان يفرغ من الْعَمَل فندم وَرجع وتيقظ وأزال الْغَفْلَة ثمَّ ختم الْعَمَل بالندم لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا
стр. 107
وَإِن هُوَ ختم الْعَمَل بِالصّدقِ وَالصِّحَّة فَإِنَّهُ يُطَالِبهُ فِي ذَلِك الْعَمَل ليفسده عَلَيْهِ وَلَو بعد حِين
فَيَنْبَغِي للْعَبد أَن يَتَّقِي الله وَأَن يخلص لَهُ الْعَمَل وَيقدم لَهُ النِّيَّة أَمَام كل عمل وَبعد كل عمل الى الْمَمَات حَتَّى تكون أَعماله كلهَا لله وَحده وَلَا يطْلب الثَّوَاب إِلَّا من الله وَحده ويجاهد هَذَا الْعَدو الْمُسَلط وَيُخَالف هَذَا الْهوى ويكابد هَذِه النَّفس وَيَتَّقِي هَذِه الشَّهْوَة الهائجة فِي قلبه وَيعلم من يُعَامل وَلمن يعْمل لَهُ وثواب من يطْلب
وَيعْمل الْعَمَل بهيجان الرَّغْبَة فِي ثَوَاب الله تَعَالَى وهيجان الرهبة من عِقَاب الله تَعَالَى وانه إِن عمل على ذَلِك عمل الْعَمَل بِشَهْوَة وخفة ومحبة لما قد هاج من رغبته ورهبته فأزال عَنهُ مَا ذكرنَا من الْآفَات الَّتِي تفْسد الْأَعْمَال
فَإِذا عمل على ذَلِك فَكَأَنَّمَا جمع لَهُ الْهوى والصدق جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي إِذا كَانَ هَكَذَا مُوَافقَة الْهوى أَو مُخَالفَته وَمَا عَلَيْهِ من مُخَالفَة الْهوى إِذا سلم من شَره وَكَانَ ذَلِك لَا يضرّهُ فَكَأَنَّمَا وَافقه
فَلَا بُد أَن يُوقف العَبْد وَيسْأل عَمَّا عمل وَلمن عمل وماذا أَرَادَ بِمَا عمل
стр. 108
الرِّيَاء والاخلاص وأحكامهما
والارادة إرادتان إِحْدَاهمَا الدُّنْيَا والاخرى للآخرة
فالصدق والاخلاص إِنَّمَا هُوَ إِذا أَرَادَ العَبْد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَلَيْسَ فِيهِ شئ من مَعَاني الدُّنْيَا
والرياء إِنَّمَا هُوَ أَن تكون الارادة كلهَا للدنيا
فَمِنْهُ مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ فِي أصل الْعَمَل المحمدة وَالثنَاء
وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِهِ فِي اصل عمله وَجه الله وَالدَّار الاخرة وَيُحب ان يحمد بِعَمَلِهِ ويثنى عَلَيْهِ
وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَحده وَالدَّار الْآخِرَة فَإِذا دخل فِي الْعَمَل على ذَلِك الْإِخْلَاص عرض لَهُ بعض مَا ذكرنَا من الْآفَات فقبلها وَأحب أَن يحمد على عمله وان يتَّخذ بِهِ منزلَة عِنْد أحد من المخلوقين
وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَالدَّار الاخرة وَيخْتم عمله بذلك وَيُطَالب بالآفات بعد الْفَرَاغ من الْعَمَل وَلَو بعد حِين حَتَّى يخبر بذلك الْعَمَل يُرِيد ان يحمد عَلَيْهِ ويتخذ بِهِ الجاه والمنزلة عِنْد المخلوقين فَهَذَا اسهل من جَمِيع مَا ذكرنَا
وَالنَّاس فِي هَذَا مُخْتَلفُونَ
ففرقة تَقول هَذَا من الذُّنُوب وَلَا يفْسد الْعَمَل لِأَن الْعَمَل قد مضى وَختم بِالصِّحَّةِ فَلَا يفْسد بعد الخاتمة وَمَا لحق العَبْد بعد ذَلِك فَقبله من هَذِه الْآفَات فَللَّه فِي ذَلِك على العَبْد مقَام ومطالبة وَالْعَمَل لَا يبطل
стр. 109
وَقَالَت فرقة يبطل الْعَمَل وَلَو بعد حِين إِذا قبل الآفة واحب المحمدة وَأدْخل المخلوقين فِي عمله وَأحب عِنْدهم الثَّنَاء والمنزلة والجاه
الْعَمَل الْخَالِي من ذكر الْإِرَادَة الصادقة
قلت فَأَخْبرنِي إِذا هم العَبْد بِعَمَل الْبر وَعَمله وَفرغ مِنْهُ وَلم يذكر قبل عمله وَلَا بعد إِرَادَة الاخرة وَكَانَ نَاسِيا سَاهِيا عَنْهَا أَلَيْسَ هَذَا عمل بِلَا نِيَّة وَلَا صدق
قَالَ بلَى
قلت وَكَيف يكون عمل من أَعمال الْبر مِمَّا يُرَاد الله بِمثلِهِ بِلَا نِيَّة وَلَا صدق وَقد عمله العَبْد
قَالَ إِذا لم يكن الصدْق وَلم يقدم النِّيَّة فَلَيْسَ بشئ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا الاعمال بِالنِّيَّةِ فَإِن قلت إِنِّي نسيت النِّيَّة وسهوت عَنْهَا فَهَذَا إِقْرَار وَلَيْسَ لَك حجَّة وَإِنَّمَا أنساك النِّيَّة الدُّنْيَا وإرادتك الْغَالِبَة لَهَا
اوليس بليه آدم كَانَت من النسْيَان وَقلة الْعَزْم أَولا تسمع الى قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي وَلم نجد لَهُ عزما﴾
وَأَنا أَقُول إِن الْعَمَل لَا يكون عملا كَمَا أَمر الله أَن يعْمل إِلَّا بِصدق
стр. 110
نِيَّة وَصِحَّة إِرَادَة وتقديمهما أَمَام كل عمل فَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْعَمَل كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ الاعمال بِالنِّيَّةِ
وجوب الْعِنَايَة بجواهر الاعمال بأسمائها
وَأعلم أَن وقوفك عِنْد افْتِتَاح الْعَمَل وَذكر الصدْق وَتَصْحِيح النِّيَّة والارادة ونفورك من الرِّيَاء وذكرك الْجنَّة وَالنَّار لَيْسَ يزِيد فِي صدقك وَلَا ينقص من ريائك حَتَّى تسْتَعْمل التَّقْوَى وَتقدم النِّيَّة وَتصدق فِي الارادة
فَلَا تفتر فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن الانسان يحب اسْم الْخَيْر ويكر نفس الْخَيْر وَيكرهُ اسْم الشَّرّ وَيُحب نفس الشَّرّ
فَمَا أحب الى الانسان اسْم الصدْق وَمَا أثقل عَلَيْهِ نفس الصدْق مَا اشد بغض الانسان لاسم الرِّيَاء وَمَا أحبه إِلَيْهِ وأخفه عَلَيْهِ واشد اسْتِعْمَاله لَهُ
فَلَا تتساهل فِي ذَلِك الْوَقْت عَن ذكر النِّيَّة فَإِن الصدْق وَالنِّيَّة اسمان
следующие страницы →