← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6854

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت الخشت

الشوكاني

Полный текст (213 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكثيرا ما تجد في علم الكلام الذي يسمونه أصول الدين قاعدة قد تقررت بينهم واشتهرت وتلقنها الآخر من الأول وخطوها جسرا يدفعون بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فإذا كشفت عنها وجدتها في الأصل كلمة قالها بعض حكماء الكلام زاعما أنه يقتضي ذلك العقل ويستحسنه وليس إلا مجرد الدعوى على العقل وهو عنه برئ فإنه لم يقض بذلك العقل الذي خلقه الله في عباده بل قضى به عقل قد تدنس بالبدع وتكدر بالتعصب وابتلى بالجهل بما جاء به الشرع وجاء بعده من هو أشد بلاء منه واسخف عقلا وأقل علما وأبعد عن الشرع فجعل ذلك قاعدة عقلية ضرورية فدفع بها جميع ما جاء عن الشارع عرف هذا من عرفه وجهله من جهله ومن لم يعرف هذا فليتهم نفسه فيا لله العجيب من مزية يفتريها على العقل بعض من حرم علم الشرع ثم يأتي من بعده فيجعلها أصولا مقررة وقواعد محررة ويؤثرها على قول الله وقول الأنبياء وهكذا تجد في علم أصول الفقه قاعدة قد أخذها الآخر عن الأول وتلقنها الخلف عن السلف وبنوا عليها القناطر وجعلوها إماما لأدلة الكتاب والسنة يجيزون ما أجازته ويردون ما ردته وليست من قواعد اللغة الكلية ولا من القوانين الشرعية بل لا يستند لها إلا الخيال المختل والظن الفاسد والرأي البحت ومع هذا فهم يزعمون أن هذا العلم لا تقبل فيه إلا الأدلة القطعية دعوى ظاهرة البطلان واضحة الفساد فإن غالبها لا يوجد عليه دليل من الآحاد صحيح ولا حسن بل لا يوجد أحادي ضعيف وغالب ما يوجد الموضوعات التي لا يمترى من له حظ من العلم في كذبها كاستدلالهم بمثل حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وبمثل نحن نحكم بالظاهر ونحو هذه الأكاذيب فالمغرور من اغتر بهذه الدلس والمخدوع من خدع بها وترقى بها من

стр. 107

كونها موضوعة إلى كونها صحيحة ثم من كونها صحيحة إلى كونها قطعية فيا لله العجب من نفاق مثل هذه الأمور على كثير من أهل العلم وانقراض القرن بعد القرن والعصر بعد العصر وهي عندهم مسائل قطعية وقواعد مقررة والذنب لمن تكلم بها وذكرها في مؤلفاته ولم يقف حيث أوقفه الله من جهله بما جاء في الشريعة وهكذا ما وقع في كثير من أبواب الفقه من ذكر قواعد يطردونها في جميع المسائل ويظنون أنها من قواعد الشرع الثابتة بقطعيات الشريعة ومن كشف عن ذلك وجد أكثرها مبنيا عل محض الرأي الذي ليس عليه إثارة من علم ولا يرجع إلى شئ من الشرع ومن خفى عليه هذا فليعلم أن قصوره وعدم اشتغاله بالعلم هو الذي جنى عليه وغره بما لا يغتر به من عض على العلم بناجذه وكشف عن الأمور كما ينبغي فعلى من أراد الوصول إلى الحق والتمسك بشعار الإنصاف أن يكشف عن هذه الأمور فإنه إذا فعل ذلك هان عليه الخطب ولم يحل بينه وبين الحق ما ليس من الحق عدم الموضوعية في عرض حجج الخصوم ومن أسباب الوقوع في غر الإنصاف والتمسك بذيل من الاعتساف أن يأخذ طالب الحق أدلة المسائل من مجاميع الفقه التي يعتزى مؤلفها إلى مذهب من المذاهب فإن من كان كذلك يبالغ في إيراد أدلة مذهبه ويطيل ذيل الكلام عليها ويصرح تارة بأنها أدلة وتارة بأنها حجج وتارة بأنها صحيحة ثم يطفف لخصمه المخالف فيورد أدلته بصيغة التمريض ويعنونها بلفظ الشبه وما يؤذي هذا المعنى فإذا اقتصر طالب الحق على النظر في مثل هذه المؤلفات وقع في الباطل وهو يظنه الحق وخالف الحق وهو يظنه الباطل والذي أوقعه في ذلك

стр. 108

ُ ١١٥ اقتصاره في البحث والنظر على ذلك الكتاب الذي ألفه ذلك المعتصب وإحسان الظن به وغفوله عن أن مواطن الأدلة هي مجاميع الحديث كالأمهات وما يلتحق بها وأن هؤلاء هم أهل العلم وأربابه الذين يعرفون صحيحة من فاسده كما قدمنا الإشارة إلى هذا ولا بأس بأن ينظر طالب الحق في كتب العلماء المشهورين بالإنصاف الذين لم يتعصبوا لمذهب من المذاهب ولا انتسبوا إلى عالم من العلماء فإنه يستفيد بمطالعة مؤلفات المصنفين كيفية العمل عند التعارض ويهتدي إلى مواقع الترجيح ومواطن ما يحق الاجتهاد على الوجه المطابق وهكذا كتب الكلام وأصول الفقه فإن كل طائفة تصنع هذا الصنع في الغالب فتصف ما يوافق مذهبها بالحجج القواطع والأدلة الراجحة وتطفف للمخالف فتورد له ما لا يعجزون عن جوابه ودفعه ويتركون ما لا يتمكنون من دفعه وقد يذكرونه على وجه فيه مدخل للدفع ويلصقون به ما يفتح فيه أبواب المقال فليحذر المصنف من الركون على ما يورده المتذهبون لأنفسهم ولخصومهم من الحجج فإنه قد علق بكل طائفة من العداوة للأخرى ما يوجب عدم القبول من بعضهم في بعض وبالجملة فليبس المتعصب بأهل لأن يؤخذ الحق من مؤلفاته فإذا إذا لم ينتفع بالعلم ويهتدي بما علف منه فكيف يهتدي به غيره أو يتوصل بما جمعه إلى ما هو الحق فالمصاب بالعمى لا يقود الأعمى فإن فعل كانت ظلمات بعضها فوق بعضه والمريض لا يداوي من هو مصاب مثل مرضه ولو كان صادقا فيما يزعمه من اقتدار على المداواة كانت نفسه التي بين جنبيه أحق بذاك منه

стр. 109

تقليد المتعصبين من علماء الجرح والتعديل ومن جملة الأسباب المانعة من الإنصاف التقليد في علم الجرح والتعديل لمن فيه عصبية من المصنفين فيه كما يجده اللبيب كثيرا فإنه إذا تصدى لذلك بعض المصابين بالتقليد كان العدل عنده من يوافقه في مذهبه الذي يعتقده والمجروح من خالفه كائنا من كان ومن خفى عليه فلينظر ما في مصنفات الحفاظ بعد انتشار المذاهب وتقيد الناس بها وكذلك ما في كتب المؤرخين فإن الموافقة في المذهب حاملة على ترك التعرض لموجبات الجرح وكتم الأسباب المقتضية لذلك فإن وقع التعرض لشئ منها نادرا أكثر المصنف من التأويلات والمراوغات والتعسفات الموجبة لدفع كون ذلك الخارج خارجا وإن كان الكلام على أحوال المخالفات كان الأمر بالعكس من ذلك فالفضائل مغموطة والرذائل منشورة من غير تأويل ولا إحسان ظن وبالجملة فالاهتمام في الموافق بذكر المناقب دون المثالب وفي المخالف بالعكس من ذلك ولا أقول إنهم يتعمدون الكذب ويكتمون الحق فهم أعلى قدرا وأشد تورعا من ذلك ولكن رسخ في قلوبهم حب مذاهبهم فأحسنوا الظن بأهلها فتسبب عن ذلك ما ذكرنا ولم يشعروا بأن هذا الصنيع من أشد التعصب وأقبح الظلم بل ظنوا أن ذلك من نصرة الدين ورفع منار المحقين ووضع أمر المبطلين غفلة منهم وتقليدا وقد يقع ذلك بين أهل المذهب الواحد مع اتفاقهم في التقليد لإمام واحد واعتقادهم بمعتقد واحد فإذا تصدى أحدهم لتراجم أهل مذهبه أطال ذيل الكلام عند ذكر شيوخه وتلامذته بكل ما يقدر عليه وكذلك يوسع نطاق المقام عند ترجمته لمن عليه أي يد كانت فإذا ترجم غير شيوخه وتلامذته وأهل مودته طفف لهم تطفيفا وأوسعهم ظلما وحيفا وإذا كان هذا مع الاتفاق في المذهب والمعتقد فما ظنك بما يكون مع

стр. 110

الاختلاف في المذهب والاتفاق في التسمي باسم واحد إما باعتبار الاعتقاد أو باعتبار أمر آخر كأهل المذاهب الأربعة فإنهم اختلفوا في المذاهب مع اتفاقهم على أنهم أهل السنة واشتراك غالبهم في اعتقاد قول الأشعري فإن دائرة الأهوية حينئذ تتسع ومحبة العصبية تكثر كما تراه كثيرا في تراجم بعضهم لبعض خصوصا فيما بين الحنابلة ومن عداهم من أهل المذاهب الأربعة وكذلك فيما بين الحنفية ومن عداهم ومن نظر في ذلك بعين الإنصاف علم بالصواب دع عنك ما يقع مع الاختلاف في المذاهب والمعتقدات فإنه يبلغ الأمر إلى عداوة فوق عداوة أهل الملل المختلفة فطالب بالإنصاف لا يلتفت إلى شيء مما يقع من الجرح والتعديل بالمذاهب والنحل فيقبلون جميعا إلا أن يكون ما جاء به المتذهب مقويا لبدعته أو كان على مذهب لا يرى بالكذب فيه بأسا كما هو عند غلاة الرافضة وأما ما عدى الجرح والتعديل بالمذاهب والمعتقدات فإن كان المتكلم في ذلك بريئا عن المتذهب والتعصب كما يروى عن السلف قبل انتشار المذاهب فاحرص عليه واعمل به على اعتبار صحة الرواية وصدوره في الواقع وأما باعتبار كونه جارحا أو غير جارح فذلك مفوض إلى نظر المجتهد والذي ينبغي التعويل عليه أن القادح إن كان يرجع إلى أمر يتعلق بالرواية كالكذب فيها وضعت الحفظ والمجازفة فهذا هو القادح المعتبر وإن كان يرجع إلى شيء آخر فلا اعتداد به وإن كان المتكلم متلبسا بشيء من هذه المذاهب فهو مقبول في جرح من يجرحه من الموافقين له وتزكية من يزكيه من المخالفين له وأما ما جاء بما يقتضي تعديل الموافق وجرح المخالف فهذا مما ينبغي التوقف فيه حتى يعرف من طريق غيره أو يشتهر اشتهارا يقبله سامعه

стр. 111

المنافسة بين الأقران بلا تبصر ومن الأسباب المانعة من الإنصاف ما يقع من المنافسة بين المتقاربين في الفضائل أو في الرئاسة الدينية أو الدنيوية فإنه إذا نفخ الشيطان في أنفهما وترقت المنافسة بلغت إلى حد يحمل كل واحد منهما على أن يرد ما جاء به الآخر إذا تمكن من ذلك وإن كان صحيحا جاريا على منهج الصواب وقد رأينا وسمعنا من هذا القبيل عجائب صنع فيها جماعة من أهل العلم صنيع أهل الطاغوت وردوا ما جاء به بعضهم من الحق وقابلوه بالجدال الباطل والمراء القاتل وإني لأذكر أيام اشتغال الطلبة بالدرس علي في كثير من العلوم وكنت أجيب عن مسائل ترد علي يحررها الطلبة ويحررها غيرهم من أهل العلم من أمكنة قريبة وبعيدة فكان يتعصب على تلك الأجوبة جماعة من المشاركين لي في تدريس الطلبة في علوم الاجتهاد وغيرها وقد يسلكون مسلكا غير هذا فيقع منهم الإيهمام على العوام بمخالفة ذلك الكلام لما يقوله من يعتقدون قوله من الأموات فينشأ عن ذلك فتن عظيمة وحوادث جسيمة وكان بعض نبلائهم يكتب على بعض ما أكتبه ثم يهديه إلى السائل وإن كان في بلد بعيد من دون أن يقصده بسؤال ولا طلب منه تعقب ما أجبت به من المقال وقد أقف على شيء من ذلك فأجده في غاية من الإعتساف فأتعقبه تعقبا فيه كشف عواره وإيضاح بواره وقد ينضم إلى ذلك كلمات والاستشهاد بأبيات اقتضاها الشباب والنشاط واشتعال الغضب لما أراه من التعصب والمنافسة على ما ليس فيه اختيار فإن ورود سؤالات السائلين إلي من العامة والخاصة وانثيال المستفتين من كل جهة لم يكن بسعي مني ولا احتيال وكذلك اجتماع نبلاء الطلبة لدي وأخذهم عني وتعدد دروسهم عندي ليس لي فيه حيلة ولا هو من جهتي

стр. 112

فكان هذا الصنع منهم يحملني على مجاوبتهم بما لا يعجبني بعد الصحو من سكر الحداثة والقيام من رقدة الشباب لا لكونه غير حق أو ليس بصواب بل لكون فيه من سهام الملام وصوارم الخصام ما لا يناسب هذا المقام فإذا كان هذا في المشتركين في التدريس والأفتى وهما خارجان عن مناصب الدنيا لأنهما في ديارنا لا يقابلان بشيء من الدنيا لا من سلطان ولا من غيره من نوع الإنسان فما بالك بالرئاسات التي لها مدخل في الدين والدنيا أو التي هي خاصة بالدنيا متمحضة لها فإنه لا شك أن التنافس بين أهلها أهم من الرئاسات الدينية المحضة التي لم تشب بشيء من شوائب الدنيا فينبغي للمنصف أن لا يغفل عن هذا السبب فإن النفس قد تنقبض عن كلام من كان منافسا في رتبة معارضا في فضيلة وإن كان حقا وقد يحصل مع الناظر فيه زيادة على مجرد الانقباض فيتكلم بلسانه أو يحرر بقلمه ما فيه معارضة للحق ودفع للصواب فيكون مؤثرا لحمية الجاهلية وعصبية الطاغوت على الشريعة المطهرة وكفى بهذا فإنه من الخذلان البين نسأل الله الهداية إلى سبيل الرشاد التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد ومن أسباب التعصب الحائلة بين من أصيب بها وبين المتمسك بالإنصاف التباس ما هو من الرأي البحث بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد وكثيرا ما يقع ذلك في أصول الفقه فإنه قد اختلط فيها المعروف بالمنكر والصحيح بالفاسد والجيد بالرديء فربما يتكلم أهل العلم على مسائل من مسائل الرأي ويحررونها ويقررونها وليست منه في شي ولا تعلق لها به بوجه فيأتي الطالب لهذا العلم إلى تلك المسائل فيعتقد أنها منه فيرد

стр. 113

إليها المسائل الفروعية ويرجع إليها عند تعارض الأدلة ويعمل بها في كثير من المباحث زاعما أنها من أصول الفقه ذاهلا عن كونها من علم الرأي ولو علم بذلك لم يقع فيه ولا ركن إليه فيكون هذا وأمثاله قد وقعوا في التعصب وفارقوا مسلك الإنصاف ورجعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعرون بشيء من ذلك ولا يفطنون به بل يعتقدون أنهم متشبثون بالحق متمسكون بالدليل واقفون على الإنصاف خارجون عن التعصب وقل من يسلم من هذه الدقيقة وينجو من غبار هذه الأعاصير بل هم أقل من القليل وما أخطر ذلك وأعظم ضرره وأشد تأثيره وأكثر وقوعه وأسرع نفاقه على أهل الإنصاف وأرباب الاجتهاد فإن قلت إذا كان هذا السبب كما زعمت من الغموض والدقة ووقوع كثير من المنصفين فيه وهم لا يشعرون فما أحقه بالبيان وأولاه بالإيضاح وأجرده بالكشف حتى يتخلص عنه الواقعون فيه وينجوا منه المتهافتون إليه قلت اعلم أن ما كان من أصول الفقه راجعا إلى لغة العرب رجوعا ظاهرا مكشوفا كبناء العام على الخاص وحمل المطلق على المقيد ورد المجمل إلى المبين وما يقتضيه الأمر والنهي ونحو هذه الأمور فالواجب على المجتهد أن يبحث عن مواقع الألفاظ العربية وموارد كلام أهلها وما كانوا عليه في مثل ذلك فما وافقه فهو الأحق بالقبول والأولى بالرجوع إليه فإذا اختلف أهل الأصول في شيء من هذه المباحث كان الحق بيد من هو أسعد بلغة العرب هذا على فرض عدم وجود دليل شرعي يدل على ذلك فإن وجد فهو المقدر على كل شيء وإذا أردت الزيادة في البيان والتكثر من الإيضاح بضرب من التمثيل وطرق من التصوير فاعلم أنه قد وقع الخلاف في أنه هل يبنى العام على الخاص مطلقا أو مشروطا بشرط أن يكون الخاص متأخرا

стр. 114

ووقع الخلاف في أنه هل يحمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب أم لا ووقع الخلاف في معنى الأمر الحقيقي هل هو الوجوب أم غيره ووقع الخلاف في معنى النهي الحقيقي هل هو التحريم أو غيره فإذا أردت الوقوف على الحق في بحث من هذه الأبحاث فانظر في اللغة العربية واعمل على ما هو موافق لها مطابق لما كان عليه أهلها واجتنب ما خالفها فإن وجدت ما يدل على ذلك من أدلة الشرع كما تقف عليه في الأدلة الشرعية من كون الأمر يفيد الوجوب والنهي يفيد التحريم فالمسألة أصولية لكونها قاعدة كلية شرعية لكون دليلها شرعيا كما أن ما يستفاد من اللغة من القواعد الكلية أصولية لغوية فهذه المباحث وما يشابهها من مسائل النسخ ومسائل المفهوم والمنطوق الراجعة إلى لغة العرب المستفادة منها على وجه يكون قاعدة كلية هي مسائل الأصول والمرجع لها الذي يعرف به راجحها من مرجوحها هو العلم الذي هي مستفادة منه مأخوذة من موارده ومصادره وأما مباحث القياس فغالبها من بحث الرأي الذي لا يرجع إلى شيء مما تقوم به الحجة وبيان ذلك أنهم جعلوا للعلة مسالك عشرة لا تقوم الحجة بشيء منها إلا ما كان راجعا إلى الشرع كمسلك النص على العلة أو ما كان معلوما من لغة العرب كالإلحاق بمسلك إلغاء الفارق وكذلك قياس الأولى المسمى عند البعض بفحوى الخطاب وأما المباحث التي يذكرها أهل الأصول في مقاصده كما فعلوه في مقصد الكتاب ومقصد السنة والإجماع فما كان من تلك المباحث الكلية مستفادا من أدلة الشرع فهو أصولي شرعي وما كان مستفادا من مباحث اللغة فهو أصولي لغوي وما كان مستفادا من غير هذين فهو من علم الرأي الذي

стр. 115

كررنا عليك التحذير منه ومن المقاصد المذكورة في الكتب الأصولية التي هي من محض الرأي الاستحسان والاستصحاب والتلازم وأما المباحث المتعلقة بالاجتهاد والتقليد وشرع من قبلنا والكلام على أقوال أصحابه فهي شرعية فما انتهض عليه دليل الشرع منها فهو حق وما خالفه فباطل وأما المباحث المتعلقة بالترجيح فإن كان المرجح مستفادا من الشرع فهو شرعي وإن كان مستفادا من علم من العلوم المدونة فالاعتبار بذلك العلم فإن كان له مدخل في الترجيح كعلم اللغة فإنه مقبول وإن كان لا مدخل له إلا لمجرد الدعوى كعلم الرأي فإنه مردود وإذا تقرر هذا ظهر لك منه فائدتان الأولى إرشادك إلى أن بعض ما دون أهل الأصول في الكتب الأصولية ليس من الأصول في شيء بل هو من علم الرأي الذي هو عن الشرع وما يتوصل إليه به من العلوم بمعزل الثانية إرشادك إلى العلوم التي تستمد منها المسائل المدونة في الأصول لترجع إليها عند النظر في تلك المسائل حتى تكون على بصيرة ويصفو لك هذا العلم ويخلص عن مشوب الكذب فإن قلت إذا كان الأمر كما ذكرته فما تقول فيما يزعمه أهل الأصول من أنه لا يقبل في إثبات مسائله إلا الأدلة القطعية قلت هذه دعوى منهم يكذبها العمل ويدفعها ما دونوه في هذا العلم

стр. 116

من أدلة مسائله فإن قلت إذا كان استمداد هذا العلم عندهم من الكلام والعربية والأحكام كما صرحوا به فليس ذلك دعوى مجردة فإنهم قد صرحوا في علم الكلام بأنه لا يقبل في إثبات مسائله إلا الأدلة القطعية وصرحوا في الكلام على نقل اللغة أنها لا تثبت بالآحاد وإذا كان ما منه الاستمداد مثبتا ببراهين قطعية كان ما استمد منه مثله في ذلك قلت هذه دعوى على دعوى وظلمات بعضها فوق بعض أما علم الكلام فغالب مسائله مبنية على مجرد الدعاوي على العقل التي هي كسراب بقيعة إذا جاءه طالب الهداية لم يجد شيئا وقد قدمنا الإشارة إلى هذا وأما ما كان من مسائله مأخوذا من الشرع فهي مسائل شرعية ولا فرق بين شرعي وشرعي من هذه الحيثية وأما اللغة فقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل يشترط في إثباتها أن يكون النقل متواترا أم لا والحق بيد من لم يثبت هذا الشرط فإن سابق المشتغلين بنقل علم اللغة ولاحقهم قد رأيناهم يثبتونها لمجرد وجود الحرف في بيت من أبيات شعرائهم وكلمة من كلمات بلغائهم ومن أنكر هذا فهو مكابر لا يستحق تطويل الكلام معه

стр. 117

كيفية الوصول إلى مراتب العلم المختلفة • طبقات طلاب العلم • كيفية الوصول إلى المرتبة الأولى للعلم • كيفية الوصول إلى المرتبة الثانية • كيفية الوصول إلى المرتبة الثالثة • كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة

стр. 118

كيفية الوصول إلى مراتب العلم المختلفة إذ قد انتهى بنا الكلام في بيان الأسباب المانعة من الإنصاف إلى هذه الغاية وتغلغل بنا البحث إلى ذكر ما ذكرناه من تلك الدقائق التي ينبغي لكل عالم ومتعلم أن تكون نصب عينيه في إقدامه وإحجامه وأن تكون ثابتة في تصوره في جميع أحواله وما أحقها بذلك وأولاها بالحرص على ما هنالك فإنها فوائد لا توجد في كتاب وفرائد لا يخلو أكثرها عن قوة كثير من المرشدين المحققين وإن حال بينهم وبين إبرازها إلى الفعل حجاب فلنتكلم الآن على ما ينبغي لطالب العلم أن يتعلمه من العلوم طبقات طلاب العلم فأقول إنها لما كانت تتفاوت المطالب في هذا الشأن وتتباين المقاصد بتفاوت همم الطالبين وأغراض القاصدين فقد ترتفع همة البعض منهم فيقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع ومقدما لها يكون عند تحصيلها إماما مرجوعا إليه مستفادا منه مأخوذا بقوله مدرسا مفتيا مصنفا وقد تقصر همته عن هذه الغاية فتكون غاية مقصده ومعظم مطلبه ونهاية رغبته أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة الأولى من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم والقيام في مقام أكابر الأئمة ونحارير هذه الأمة وقد يكون نهاية ما يريده وغاية ما يطلبه أمرا دون أهل الطبقة الثانية وذلك كما يكون من جماعة يرغبون إلى إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه من دون قصد منهم إلى الاستقلال بل يعزمون

стр. 119

على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى الترجيح فهذه ثلاث طبقات للطلبة من المتشرعين الطالبين للاطلاع على ما جاء في الكتاب والسنة إما كلا أو بعضا بحسب اختلاف المقاصد وتفاوت المطالب وثم طبقة رابعة يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية والدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع فكانت الطبقات أربع وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهد الطبع عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم إذا غامرت في شرف مدوم … فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم وقال آخر مشيرا إلى هذا المعنى إذا لم تكن ملكا مطاعا … فكن عبدا لخالقه مطيعا وإن لم تملك الدنيا جميعا … كما تهواه فاتركها جميعا هما شيئان من ملك ونسك … ينيلان الفتى شرفا رفيعا وقال آخر فإما مكانا يضرب النجم دونه … سرادقه أو باكيا لحمام وقد ورد هذا المعنى كثيرا في النظم والنثر وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة وتقبله النفوس العلية

стр. 120

وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبا وأعلى مكسبا وأربع مرادا وأجل خطرا وأعظم قدرا وأعود نفعا وأتم فائدة وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة وأجلها وأكملها في حصول المقصود وهو الخير الأخروي فإن الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم فقال ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وأخبره عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ وأخبرنا رسول الله ﷺ بأن العلماء ورثة الأنبياء وناهيك بهذه المزية الجليلة والمنقبة النبيلة فأكرم بنفس تطلب غاية المطالب في أشرف المكاسب وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة ولا تساميه منقبة ولا تقاربه مكرمة فليس بعد ما يتصوره أهل الطبقة الأولى متصور فإن نالوه على الوجه الذي تصوروه فقد ظفروا من خير العاجلة والآجلة وشرف الدنيا والآخرة بما لا يظفر به إلا من صنع صنيعهم ونال نيلهم وبلغ مبالغهم وإن اخترمهم دونه مخترم وحال بينهم وبينه حائل فقد أعذروا وليس على من طلب جسميا ورام أمرا عظيما

стр. 121

إن منعته عنه الموانع وصرفته عنه الصوارف من بأس وما أحسن ما قاله الشريف الرضي الموسوي لا بد أن أركبها صعبة … وقاحة تحت علام وقاح اجهدها أو تنثني بالردا … دون الذي أملت أو بالنجاح أما فتى نال المنى فاشتفي … أو بطل ذاق الردى فاستراح وكنت في أيام الطلب وعصر الشباب قد نظمت قصيدة في هذا المعنى على هذا النمط أذكر منها الآن أبياتا هي قد أتعب السير رحالي وقد … آن لها بعد الوحى أن تراح فما يهاب العتب من فاز من … غاية أمنيته بالنجاح سعى فلما ظفرت بالمنى … يمينه ألقى العصى واستراح فيا أيها العالم الصعلوك قد ظفرت برتبة أرفع من رتب الملوك ونلت من المعالي أعلاها ومن المناقب والفضائل أولاها بالشرف وأولاها فإن كل المعالي الدنيوية وإن تناهت فليست باعتبار المعالي العلمية والشرف الحاصل بها في ورد ولا صدر فإنه يحصل للعالم أولا وبالذات الفوز بالنعيم الأخروي الدائم السرمدي الذي لا تعدل منه الدنيا بأسرها قيد شرط بل مقدار سوط ويحصل له ثانيا وبالعرض من شرف الدنيا ما يصغر عنده كل شرف ويتقاصر دونه كل مجد ويتضاءل لديه كل فخر وإن من فهم مقدار ما في العلوم من العلو كان عند نفسه أعز قدرا وأعلى محلا وأجل رتبة من الملوك

стр. 122

وإن كان متضايق المعيشة يركب نعليه ويلبس طمريه وقلت في هذا المعنى من أبيات قد كنت ذا طمرين أمرح في … العلا مرح الأغر بجانب الميدان ما كنت مضطهدا فأطلب رفعة … أو خاملا فأريد شهرة شاني فاحرص أيها الطالب على أن تكون من أهل الطبقة الأولى فإنك إذا ترقيت من البداية التصورية إلى العلة الغائية التي هي أول الفكر وآخر العمل كنت فرد العالم وواحد الدهر وقريع الناس وفخر العصر ورئيس القرن وأي شرف يسامي شرفك أو فخر يداني فخرك وأنت تأخذ دينك عن الله وعن رسوله لا تقلد في ذلك أحدا ولا تقتدي بقول رجل ولا تقف عند رأي ولا تخضع لغير الدليل ولا تعول على غير النقد هذه والله رتبة تسمو على السماء ومنزلة تتقاصر عندها النجوم فكيف بك إذا كنت مع هذه المزية مرجعا في دين الله ملجأ لعباد الله مترجما لكتاب الله وسنة رسول الله يدوم لك الأجر ويستمر لك النفع ويعود لك الخير وأنت بين أطباق الثرى وفي عداد الموتى بعد مئتين من السنين ولا يحول بينك وبين هذا المطلب الشريف ما تنازعك نفسك إليه من مطالب الدنيا التي تروقها وتود الظفر بها فإنه حاصلة لك على الوجه الذي تحب والسبيل الذي تريد بعد تحصيلك لما أرشدتك إليه من الرتبة العلمية وتكون إذ ذاك مخطوبا لا خاطبا ومطلوبا لا طالبا وعلى فرض أنها تكدي عليك المطالب وتعاند الأسباب فلست تعدم الكفاف الذي لا بد لك منه فما رأينا عالما ولا متعلما مات جوعا ولا أعوزه الحال حتى انكشفت عورته عريا أو لم يجد مكانا يكنه ومنزلا يسكنه وليس الدنيا إلا هذه الأمور وما عداها فضلات مشغلة للأحياء مهلكة للأموات أنا إن عشت لست أعدم قوتا … وإذا مت لست أعدم قبرا

стр. 123

وعلى العاقل أن يعلم أن لن يصيبه إلا ما كتبه الله له ولا يعدوه ما قدره له وأنه قد فرغ من أمر رزقه الذي فرضه الله له فلا العقود يصده ولا السعي واتعاب النفس يوجب الوصول إلى ما لم يأذن به الله وهذا معلوم من الشرع قد توافق عليه صريح الكتاب والسنة وتطابقت عليه الشرائع وإذا كان الأمر هكذا فما أحق هذا النوع العاقل من الحيوان الذي دارت رحى التكليف عليه ونيطت أسباب الخير والشر به أن يشتغل بطلب ما أمره الله بطلبه وتحصيل ما خلقه الله لتحصيله وهو الامتثال لما أمره به من طاعته والانتهاء مما نهاه عنه من معاصيه وإن أعظم ما يريده الله منه ويقربه إليه ويفوز به عنده أن يشغل نفسه ويستغرق أوقاته في طلب معرفة هذه الشريعة التي شرعها الله لعباده وينفق ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ونزلت به ملائكته فإن جميع ما يريده الله من عباده عاجلا وآجلا وما وعدهم به من خير وشر قد صار في هذه الشريعة فأكرم برجل تاقت نفسه عن أن يكون عبد بطنه إلى أن يكون عبد دينه حتى يناله على الوجه الأكمل ويعرفه على الوجه الذي أراده الله منه ويرشد إليه من عباده من أراد له الرشاد ويهدي به من استحق الهداية فانظر أعزك الله كم الفرق بين الرجلين وتأمل قدر مسافة التفاوت بين الأمرين هذا يستغرق جميع أوقاته وينفق كل ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه وملبسه وما لا بد منه قام أو قعد سعى أو وقف وهذا يقابله بسعي غير هذا السعي وعمل غير ذلك العمل فينفق ساعاته ويستغرق أوقاته في طلب ما جاء عن الله وعن رسوله من التكاليف التي كلف بها عباده وما أذن به من إبلاغه إليهم من أمور دنياهم وأخراهم لينتفع بذلك ثم ينفع به من يشاء الله من عباده ويبلغ إليهم حجة الله ويعرفهم شرائعه فلقد تعاظم الفرق بين النوعين وتفاوت تفاوتا بقصر التعبير عنه ويعجز

стр. 124

البيان له إلا على وجه الإجمال بأن يقال إن أحد النوعين قد التحق بالدواب والآخر بالملائكة لأن كل واحد منهما قد سعى سعيا شابه من التحق به فإن الدابة يستعملها مالكها في مصالحه ويقوم بطعامها وشرابها وما يحتاج إليه ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة وتأمله حق التأمل وجد عيش من شغل نفسه بالطاعة وفرغها للعلم ولم يلتفت إلى ما تدعو إليه الحاجة من أمر دنياه تجده أرفه وحاله أقوم وسروره أتم وتلك حكمة الله البالغة التي يتبين عندها أنه لن يعدو المرء ما قدر له ولن يفوته ما كان يدركه وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابت في الشريعة مصرح به في غير موطن منها قد أجراه الله على لسان الجبابرة من عباده وعتاة أمته حتى قال الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض خطبه ما معناه أيها الناس إن الله كفانا أمر الرزق وأمرنا بالعبادة فسعينا لما كفيناه وتركنا السعي للذي أمرنا به فليتنا أمرنا بطلب الرزق وكفينا العبادة حتى نكون كما أراده الله منا هذا معنى كلامه لا لفظه فلما بلغ كلامه هذا بعض السلف المعاصرين له قال إن الله لا يخرج الفاجر من هذه الديار وفي قلبه حكمة ينتفع بها العباد إلا أخرجها منه وإن هذا ما أخرجه من الحجاج فانظر هذا الجبار كيف لم يخف عليه هذا الأمر مع ما هو فيه من التجبر وسفك الدماء وهتك الحرم والتجرؤ على الله وعلى عباده وتعدي حدوده فما أحقه بأن لا يخفى على من هو ألين منه قلبا وأقل منه ظلما وأخف منه تجبرا وأقرب منه من خير وأبعد منه من شر وإن من تصور هذا الأمر حق التصور وتعقله كما ينبغي انتفع به انتفاعا عظيما ونال به من الفوائد جسيما والهداية بيد الهادي ﷻ وتقدست أسماؤه

стр. 125

وإن لحسن النية وإخلاص العمل تأثيرا عظيما في هذا المعنى فمن تعكست عليه بعض أموره من طلبة العلم أو أكلف عليه مطالبه وتضايقت مقاصده فليعلم أنه بذنبه أصيب وبعدم إخلاصه عوقب أو أنه أصيب بشيء من ذلك محنة له وابتلاء واختبارا لينظر كيف صبره واحتماله ثم يفيض عليه بعد ذلك من خزائن الخير ومخازن العطايا ما لم يكن بحسبان ولا يبلغ إليه تصوره فليعض على العلم بناجذه ويشد عليه يده ويشرح به صدره فإنه لا محالة واصل إلى المنزل الذي ذكرنا نائل للمرتبة التي بينا وما أحسن ما حكاه بعض أهل العلم عن الحكيم أفلاطون فإنه قال الفضائل مرة الأوائل حلوة العواقب والرذائل حلوة الأوائل مرة العواقب وقد صدق فإن من شغل أوائل عمره وعنفوان شبابه بطلب الفضائل لا بد أن يفطم نفسه عن بعض شهواتها ويحسبها عن الأمور التي يشتغل بها أترابه ومعارفه من الملاهي ومجالس الراحة وشهوات الشباب فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك اللذات والخلاعات وجد في نفسه بحكم الشباب وحداثة السن وميل الطبع ما هناك مرارة واحتاج إلى مجاهدة يرد بها جامع طبعه ومتفلت هواه ومتؤثب نشاطه ولا يتم له ذلك إلا بإلجام شهوته بلجام الصبر ورباطها بمربط العفة وكيف لا يجد مرارة الحبس للنفس من كان في زاوية من زوايا المساجد ومقصورة من مقاصر المدارس لا ينظر إلا في دفتر ولا يتكلم إلا في فن من الفنون ولا يتحدث إلا إلى عالم أو متعلم وأترابه ومعارفه من قرابته وجيرانه وذوي سنه وأهل نشأته وبلده يتقبلون في رافه العيش ورائق القصف وإذا انضم لذلك الطالب إلى هذه المرارة الحاصلة له بعزف النفس عن شهواتها مرارة أخرى هي اعواز الحال وضيق المكسب وحقارة الدخل فإنه لا بد أن يجد من المرارة المتضاعفة ما يعظم عنده موقعه لكنه يذهب عنه قليلا قليلا

стр. 126

فأول عقدة تنحل عنه من عقد هذه المرارة عندما يتصور ما يؤول به الأمر الأمر وينتهي إليه حاله من الوصول إلى ما قد وصل إليه من يجده في عصره من العلماء ثم تنحل عنه العقدة الثانية بفهم المباحث وحفظ المسائل وإدراك الدقائق فإنه عند ذلك يجد من اللذة والحلاوة ما يذهب بكل مرارة ثم إذا نال من المعارف حظا وأحرز منها نصيبا ودخل في عداد أهل العلم كان متقلبا في اللذات النفسانية التي هي اللذات بالحقيقة ولا يعدم عند ذلك من اللذات الجسمانية ما هو أفضل وأحلى من اللذات التي يتقلب فيها كل من كان من أترابه وهو إذا وازن بين نفسه الشريفة وبين فرد معارفه الذين لم يشتغلوا بما اشتغل به اغتبط بنفسه غاية الاغتباط ووجد من السرور والحبور ما لا يقادر قدره هذا باعتبار ما يجده من اللذة النفسانية عند أن يجد نفسه عالمة ونفس معارفه جاهلة ويزداد ذلك بما يحصل له من لوازم العلم من الجلالة والفخامة وبعد الصيت وعظم الشهرة ونبالة الذكر ورفعة المحل والرجوع إليه في مسائل الدين وتقديمه على غيره في مطالب الدنيا وخضوع من كان يزري عليه ويستخفف مكانه من بني عصره فإذا جمعهم مجلس من الدنيا كانوا له بمنزلة الخدم وإن كان على غاية من الإفلاس والعدم ثم إذا تناهى حاله وبلغ من الحظ في العلم إلى مكان علي انثال عليه الطلبة للعلوم وأقبل إليه المستفتون في أمر الدين واحتاج إليه ملوك الدنيا فضلا عن غيره فيكون عند هذا عيشه حلوا محضا وعمره مغمورا باللذات النفسانية والجسمانية ويرتفع أمره عن هذه الدرجة ارتفاع لا يقادر قدره إذا تصور ماله عند الله من عظيم المنزلة وعلي الرتبة وعظيم الجزاء الذي هو المقصود أولا وبالذات من علوم الدين

стр. 127

وكنت في أوائل أيام طلبي للعلم في سن البلوغ وبعدها بقليل تصورت ما ذكرت هنا فقلت سددت الأذن عن داعي … التصابي فلا داع لدي ولا مجيب وأنفقت الشبيبة غير وان … لمجد الشيب فليهن المشيب وقلت أحب رامز إلى هذا المعنى وأبدي رغبة لنجود نجد … وشوقا لا نتشاقى منه ريحا وما بسوى العقيق أقام قلبي … وأضحى بين أهليه طريحا وأما كون الرذائل حلوة الأوائل مرة العواقب فصدق هذا غير خاف على ذي لب فإن من أرسل عنان شبابه في البطالات وحل رباط نفسه فأجراها في ميادين اللذات أدرك من اللذة الجسمانية من ذلك بحسب ما يتفق له منها ولا سيما إذا كان ذا مال وجمال ولكنها تنقضي عنه اللذة وتفارقه هذه الحلاوة إذا تكامل عقلها ورجح فهمه وقوي فكره فإنه لا يدري عند ذلك ما يدهمه من المرارات التي منها الندامة على ما اقترفه من معاصي الله ثم الحسرة على ما فوته من العمر في غير طائل ثم على ما أنفقه من المال في غير حله ولم يفز من الجميع بشيء ولا ظفر من الكل بطائل وتزداد حسرته وتتعاظم كربته إذا قاس نفسه بنفس من أشتغل بطلب المعالي من أترابه في مقتبل شبابه فإنه لا يزال عند موازنة ذاته بذاته وصفاته بصفاته في حسرات متجددة وزفرات متصاعدة ولا سيما إذا كان بيته في العلم طويل الدعائم وسلفه من المتأهلين لتلك المعالي والمكارم فإنه حينئذ تذهب عنه سكرة البطالة وتنقشع عنه عماية الجهالة بكروب طويلة وهموم ثقيلة وقد فاته ما فات وحيل بين العير والنزوان وحال الجريض دون القريض وفي الصيف ضيعت اللبن فانظر أعزك الله أي الرجلين أربح صفقة وأكثر فائدة وأعظم عائدة فقد بين الصبح لذي عينين وعند الصباح يحمد القوم السرى

стр. 128

ولنعد الآن إلى بيان ما يحتاج إليه أهل تلك الطبقات من العلوم وما ينبغي له أن يشتغلوا به فنقول كيفية الوصول إلى المرتبة الأولى للعلم أما أهل الطبقة الأولى التي هي في أرفع مكان وأعز محل يرتقي إليه علماء الشريعة على حسب ما قدمنا بيانه فينبغي لمن تصور الوصول إليها وقصد الإدراك لها علم النحو أن يشرع بعلم النحو مبتدئا بالمختصرات كمنظومة الحريري المسماه بالملحة وشروحها فإذا فهم ذلك وأتقنه انتقل إلى كافية ابن الحاجب

стр. 129

وشروحها ومغنى اللبيب وشروحه هذا باعتبار هذه الديار اليمنية إذا كان طالب العلم فيها لأنه يجد شيوخ هذه المصنفات ولا يجد شيوخ غيرها من مصنفات النحو إلا باعتبار الوجادة لا باعتبار السماع فإذا كان ناشئا في أرض يشتغلون فيها بغير هذه المصنفات فعليه الاشتغال بما اشتغل به مشائخ تلك الأرض مبتدئا بما هو أقربها تناولا منتهيا إلى ما هو النهاية للمشتغلين بذلك الفن وذلك القطر فأعرف هذا وأعلم أن ما أسميه هاهنا إنما هو باعتبار ما يشتغل به الناس في الديار اليمنية فمن كان في غيرها فليأخذ عن شيوخها في كل فن مقدارا يوافق ما أذكره هنا وأعلم أنه لا يستغني طالب العلم المتصور المتبحر في علم الشريعة العازم على أن يكون من أهل الطبقة الأولى عن إتقان ما اشتمل عليه شرح الرضي على الكافية من المباحث اللطيفة والفوائد الشريفة وكذلك ما في مغنى اللبيب من المسائل الغريبة ويكون اشتغاله بسماع شروح المختصرات بعد أن تكون هذه المختصرات

стр. 130

محفوظة له حفظا يمليه عن ظهر قلب ويبديه من طرف لسانه وأقل الأحوال أن يحفظ مختصرا منها هو أكثرها مسائل وأنفعها فوائد ولا يفوته النظر في مثل الألفية لابن مالك وشروحها والتسهيل وشرحه والمفضل للزمخشري والكتاب لسيبويه فإنه يجد في هذه الكتب من لطائف المسائل النحوية ودقائق المباحث العربية ما لم يكن قد وجده في تلك وينبغي للطالب المذكور أن يطلع على مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه بعد أن يفهم النحو يفهم ما يبتدئ به من كتبه ليستعين بذلك على فهم ما يورده المصنفون في مطولات كتب النحو ومتوسطاتها من المباحث النحوية ويكفيه في ذلك مثل المختصر المعروف بإيساغوجي أو تهذيب

стр. 131

السعد وشرح من شروحهما وسيأتي بيان ما ينبغي الاشتغال به من فن المنطق إن شاء الله وليس المراد هنا إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات والتصديقات إجمالا لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من نحو أو صرف أو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكا على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه كما يقع كثيرا من الحدود والإلزامات فإن أهل العربية يتكلمون بذلك بكلام المناطقة فإذا كان الطالب عاطلا عن علم المنطق بالمرة فلم يفهم تلك المباحث كما ينبغي علم الصرف ثم بعد ثبوت الملكة له في النحو وإن لم يكن قد فرغ من سماع من سميناه يشرع في الاشتغال في علم الصرف كالشافية وشرحها والريحانية ولامية الأفعال ولا يكون عالما بعلم الصرف كما ينبغي إلا بعد أن تكون الشافية من محفوظاته لانتشار مسائل فن الصرف وطول ذيل قواعده وتشعب أبوابه ولا يفوته الاشتغال بشرح الرضى على الشافية بعد أن يشتغل بما هو

стр. 132

أخصر منه من شرحها كشرح الجاربردي ولطف الله الغياث فإن فيه من الفوائد الصرفيه ما لا يوجد في غيره علم المعاني والبيان ثم ينبغي له بعد ثبوت الملكة له نحوا وصرفا وإن لم يكن قد فرغ من سماع كتب الفنين أن يشرع في علم المعاني والبيان فيبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات الفن يشتمل على مهمات مسائله كالتلخيص وشرح السعد المختصر وما عليه من الحواشي وشرحه المطول وحواشيه فإنه إذا حفظ هذا المختصر وحقق الشرحين المذكورين وحواشيهما بلغ إلى مكان من الفن مكين فقد أحاطت هذه الجملة بما في مؤلفات المتقدمين من شراح المفتاح ونحوه وإذا ظفر بشيء من مؤلفات عبد القاهر الجرجاني والسكاكي في هذا الفن فليمعن النظر فيه فإنه يقف في تلك المؤلفات على فوائد

стр. 133

فن الوضع والمناظرة وينبغي له حال الاشتغال بهذا الفن أن يشتغل بفنون مختصرة قريبة المأخذ قليلة المباحث كفن الوضع وفن المناظرة ويكفيه في الأول رسالة الوضع وشرح من شروحها وفي الثاني أدب البحث العضديه وشرح من شروحها وقد تشعبت مسائل علم المناظرة في الأزمنة الأخيرة فوصل رجل من الأكراد من طلبة العلم ومعه رسالة وشرحها يذكر أنها لبعض علماء الهند ولم يعرف اسمه وفيها من الفوائد وشروحها والتفاصيل ما لا يوجد في الآداب العضدية وشروحها إلا ما هو بالنسبة إليه كالرموز وقد نقلها الناس عنه وانتشرت بين علماء صنعاء وهي في نحو ثلاثة كراريس مشتملة على مقدمة وتسعة مباحث ولا يستغني طالب هذا الفن عن إمعان النظر فيها وقد اشتغلت بهذه الرسالة وقابلتها معه على نسخته ولم يكن له من الفهم والاستعداد ما يبلغ به إلى أن تؤخذ عنه هذه الرسالة وشرحها رواية ولا دراية مع كونه كان من أهل الصلاح والإكباب على الطلب والرغبة في العلم وكما تشعبت مباحث علم المناظرة فقد تشعبت أيضا عند المتأخرين مباحث علم البديع فإن الموجود في كتب المتقدمين من أنواعه اللفظية والمعنوية دون أربعين نوعا وعند أهل البديعيات زيادة على مائة وخمسين نوعا

стр. 134

وأخبرني الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الرئيس من علماء الحرم المكي عند وفوده إلى صنعاء أنه قد أنهاها بعض المتأخرين إلى نحو سبع مائة نوع وأنه وقف على رسالة أو منظومة الشك مني لبعض المتأخرين تشتمل على ذلك وأنا بحمد الله قد استخرجت أنواعا من البديع وذكرت لها أسماء خارجة عن الأسماء التي ذكرها أهل هذا العلم وذكرت أبياتا اشتملت على ذلك المؤلفات المشتملة على بيان مفردات اللغة عموما وخصوصا ثم ينبغي له أن يكتب على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان مفرداتها كالصحاح والقاموس وشمس العلوم وضياء الحلوم

стр. 135

وديوان الأدب ونحو ذلك من المؤلفات المشتملة على بيان اللغة العربية عموما أو خصوصا كالمؤلفات المختصة بغريب القرآن والحدث علم المنطق ثم يشتغل بعد هذا بعلم المنطق فيحفظ مختصرا من مختصراته كالتهذيب أو الشمسية ثم يأخذ في سماع شروحها على أهل الفن فإن العلم بهذا الفن على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك وكمال استعداد عند ورود الحجج العقلية عليه وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث التي يوردها المؤلفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير من المؤلفين في الأصول والبيان والنحو فن أصول الفقه ثم يشتغل بفن أصول الفقه بعد أن يحفظ مختصرا من مختصراته المشتملة

стр. 136

على مهمات مسائله كمختصر المنتهى أو جمع الجوامع أو الغاية ثم يشتغل بسماع شروح هذه المختصرات كشرح العضد على المختصر وشرح المحلى على الجوامع وشرح ابن الإمام على الغاية وينبغي له أن يطول الباع في هذا الفن ويطلع على مؤلفات أهل المذاهب المختلفة كالتنقيح والتوضيح والتلويح والمنار

стр. 137

وتحرير ابن الهمام وليس في هذه المؤلفات مثل التحرير المذكور وشرحه ومن أنفع ما يستعان به على بلوغ درجة التحقيق في هذا الفن الاكباب على الحواشي التي ألفها المحققون على الشرح العضدي وعلى شرح الجمع علم الكلام أو أصول الدين ثم ينبغي له بعد إتقان فن أصول الفقه وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطولاته أن يشتغل بفن الكلام المسمى بأصول الدين ويأخذ من مؤلفات الأشعرية بنصيب ومن مؤلفات المعتزلة بنصيب ومن المؤلفات الماتريدية بنصيب ومن مؤلفات المتوسطين بين هذه الفرق كالزيدية بنصيب فإنه إذا فعل كل هذا عرف الاعتقادات كما ينبغي وأنصف كل فرقة بالترجيح أو التجريح على بصيرة وقابل كل قول بالقبول أو الرد على حقيقة ومن أحسن مؤلفات المعتزلة المجتبي ومن أحسن مؤلفات متأخري الأشعرية المواقف العضدية وشرحها للشريف والمقاصد السعدية وشرحها له وإياك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيد فيه والتقليل لفائدته فإنك إن عملت على ذلك وقبلت ما يقال في الفن قبل معرفته كنت مقلدا فيما لا يدري ما هو _ _ _ _ _ _ _ والكون في الطبقة الأولية بل أعرفه حق معرفته وأنت بعد ذلك مفوض فما تقوله من مدح أو قدح فإنه لا يقال لك حينئذ أنت تمدح ما لا تعرفه أو تقدح فيما لا تدري ما هو

стр. 138

على أنه يتعلق بذلك فائدة وزيادة بصيرة في علوم أخرى كعلم التفسير وعلم تفسير الحديث فإنك إذا بلغت إلى ذلك علمت ما في العلم بهذا الفن من الفائدة لا سيما عند قراءة كشاف الزمخشري ومن سلك مسلكه فإن في مباحثهم من التدقيقات الراجعة إلى علم الكلام ما لا يفهمها حق الفهم إلا من عرف الفن واطلع على مذاهب المعتزلة والأشعرية وسائر الفرق وإني أقول بعد هذا إنه لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة وإبراز الصفات كما جاءت ورد علم المتشابه إلى الله سبحانه وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم المبنية على شفى جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوي والافتراء على العقل بما يطابق الهوى ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الحديث والسنة فإنها حينئذ حديث خرافة ولعبة لاعب فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه وبالوعد والوعيد والجنة والنار والمبدأ والمعاد إلا ما جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن الله سبحانه وليس للمعقول وصول إلى تلك الأمور ومن زعم ذلك فقد كلف العقول ما أراحها الله منه ولم يتعبدها به بل غاية ما تدركه وجل ما تصل إليه هو ثبوت الخالق الباري وأن هذه المصنوعات لها صانع وهذه الموجودات لها موجد وما عدى ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب الله وعلى ألسن رسله فلا يستفاد من العقل بل من ذلك النقل الذي منه جاءت وإلينا به وصلت واعلم أني عند الاشتغال بعلم الكلام وممارسة تلك المذاهب والنحل لم أزدد بها إلا حيرة ولا استفدت منها إلا العلم بأن تلك المقالات خزعبلات فقلت إذ ذاك مشيرا إلى ما استفدته من هذا العلم وغاية ما حصلته من مبحاثي … ومن نظري من بعد طول التدبر

стр. 139

هو الوقف ما بين الطريقين حيرة … فما علم من لم يلق غير التحير على أنني قد خضت منه غماره … وما قنعت نفسي بدون التبحر وعند هذا رميت بتلك القواعد من حالق وطرحتها خلف الحائط ورجعت إلى الطريقة المربوطة بأدلة الكتاب والسنة المعمودة بالأعمدة التي هي أوثق ما يعتمد عليه عباد الله وهم الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء الأمة المقتدين بهم السالكين مسالكهم فطاحت الحيرة وانجابت ظلمة العماية وانقشعت وانكشفت ستور الغواية ولله الحمد على أني ولله الشكر لم أشتغل بهذا الفن إلا بعد رسوخ القدم في أدلة الكتاب والسنة فكنت إذا عرضت مسألة من مسائله مبنية على غير أساس رجعت إلى ما يدفعها من علم الشرع ويدمغ زائفها من أنوار الكتاب والسنة ولكنني كنت أقدر في نفسي أنه لو لم يكن لدي إلا تلك القواعد والمقالات فلا أجد حينئذ إلا حيرة ولا أمشي إلا في ظلمة ثم إذا ضربت بها وجه قائلها ودخلت إلى تلك المسائل من الباب الذي أمر الله بالدخول منه كنت حينئذ في راحة من تلك الحيرة وفي دعة من تلك الخزعبلات والحمد لله رب العالمين عدد ما حمده الحامدون بكل لسان في كل زمان علم التفسير ثم بعد إحراز هذه العلوم يشتغل بعلم التفسير فيأخذ عن الشيوخ ما يحتاج مثله إلى الأخذ كالكشاف ويكب على كتب التفسير على اختلاف أنواعها وتباين مقاديرها ويعتمد في تفسير كلام الله سبحانه ما ثبت عن رسول الله ﷺ ثم عن الصحابة فإنهم مع كونهم أعلم من غيرهم بمقاصد الشارع هم أيضا من أهل اللسان العربي فما وجده من تفاسير رسول الله ﷺ في الكتب المعتبرة كالأمهات وما يلتحق بها قدمه على غيره بل يتعين عليه الأخذ به ولا يحل له

стр. 140

مخالفته وأجمع مؤلف في ذلك وأنفعه وأكثره فائدة الدر المنثور للسيوطي وما ذكرنا من تقديم ما ورد عن الصحابة مقيد بما إذا لم يخالف ما يعلم من لغة العرب ولم تكن تلك المخالفة لأجل معنى شرعي فإن كانت لمعنى شرعي فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية وينبغي له أن يطول الباع في هذا العلم ويطالع مطولات التفاسير كمفاتيح الغيب للرازي فإن المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثير العدد يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده وقدر ملكته في العلوم ولا يغتر بما يزعمه بعض أهل العلم من أنه يكفي الاطلاع على تفسير آيات الكتاب العزيز كما وقع لكثير من التآليف في تفسير آيات مخصوصة مسميا لها بآيات الأحكام كالموزعي وصاحب الثمرات فإن القرآن جميعه حتى قصصه وأمثاله لا يخلو من فوائد متعلقة بالأحكام الشرعية ولطائف لا يأتي الحصر عليها لها مدخل في الدين يعرف هذا من يعرفه ويجهله من يجهله وينبغي أن يقدم على قراءة التفاسير الاطلاع على علوم الأداء وكل ما كان

стр. 141

له مدخل في التلاوة وسائر العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز وما أنفع الإتقان للسيوطي في مثل هذه الأمور ثم لا يهمل النظر في الكتب المدونة في القراءات وما يتعلق بها كالشاطبية وشرحها والطيبة وشروحها علم السنة إذا عرفت ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى فاعلم أن أعظم العلوم فائدة وأكثرها نفعا وأوسعها قدرا وأجلها خطرا علم السنة المطهرة فإنه الذي تكلفل ببيان الكتاب العزيز ثم استقل بما لا ينحصر من الأحكام ولست أقول إن الطالب يشتغل به في وقت معين ولا أقول إنه يقدمه على هذه العلوم المتقدمة أو يؤخره عنها بل أقول إنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يقيم لسانه بما يحتاج إليه من النحو أن يقبل على سماع الكتب التي جمع فيها أهل العلم متون الأحاديث مقطوعة الأسانيد كجامع الأصول والمشارق وكنز العمال والمنتقى لابن تيمية وبلوغ

стр. 142

المرام لابن حجر والعمدة ثم يسمع الكتب التي فيها الأسانيد كالأمهات الست ومسند أحمد وصحيح ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وسنن الدارقطني والبيهقي وبالجملة فما بلغت إليه قدرته ووجد في أهل عصره شيوخه من كتب السنة جد في سماعه واجتهد بحسب ما يمكنه ويكون هذا الاشتغال بهذا العلم الجليل مصاحبا لاشتغاله بجميع العلوم المتقدمة من البداية إلى النهاية فإذا قضى وطره من سماع كتب المتن والإسناد اشتغل بشروح هذه المؤلفات فيسمع منها ما تيسر له سماعه ويطالع ما لم يتيسر له سماعه ويستكثر من النظر في المؤلفات في علم الجرح والتعديل بل يتوسع في هذا

стр. 143

العلم بكل ممكن وأنفع ما ينتفع به مثل النبلاء وتاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ والميزان فإنه يجد في هذه المؤلفات من الاختلاف في المترجم له وذكر أسباب الجرح والتعديل ما لا يجده في غيرها كتهذيب الكمال وفروعه علم مصطلح الحديث وهذا بعد أن يشتغل بشيء من علم اصطلاح أهل الحديث كمؤلفات ابن الصلاح والألفية للعراقي وشروحها ولا يستغني عن المطولات بالمختصرات لا سيما إذا بالغ مؤلفوها في الاختصار كالنخبة وما هو مشابه لها علم التاريخ وينبغي له أن يشتغل بمطالعة الكتب المصنعة في تاريخ الدول وحوادث

стр. 144

العالم في كل سنة كما فعله الطبري في تاريخه وابن كثير في كامله وكما فعله كثير من المؤرخين على اختلاف مسالكهم في تخصيص التصنيف بدولة من الدول أو طائفة من طوائف أهل العلم والأدب أو فرقة من فرق أهل الرئاسات أو غير ذلك فإن للاطلاع على ذلك فائدة جليلة لا يعرفها إلا من عرف أحوال العالم وأتقن أهل كل عصر منهم وعلم بأوقات موالدهم ووفياتهم مؤشر الوصول إلى المرتبة الأولى فإذا أحاط الطالب بما ذكرناه من العلوم فقد صار حينئذ في الطبقة العالية من طبقات المجتهدين وكملت له جميع أنواع علوم الدين وصار قادرا على استخراج الأحكام من الأدلة متى شاء وكيف شاء ولكنه ينبغي له أن يطلع على علوم أخرى ليكمل له ما قد حازه من الشرف ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية علم الفقه فمن ذلك علم الفقه وأقل الأحوال أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة فإن معرفة ما يذهب إليه أهل المذاهب الإسلامية قد يحتاجه المجتهد لإفادة المتذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم وقد يحتاجه لدفع من يشنع عليه في اجتهاده كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير

стр. 145

فإنه إذا قال له قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته وقد وقعنا في كثير من هذه الأمور مع المقصرين وتخلصنا عن شغبهم بحكاية ما أنكروه علينا عن بعض من يعتقدونه من الأموات وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا كمؤلفات ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم فإن المجتهد يزداد بذلك علما إلى علمه وبصيرة إلى بصيرته وقوة في الاستدلال إلى قوته فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار المجتهدين وكثيرا ما يحصل للعالم من النكت واللطائف الصالحة للاستدلال بها ما لا يحصل للعالم الآخر وإن تقاربت معارفهما وتوازنت علومها بل قد يتيسر لمن هو أقل علما ما لا يتيسر لمن هو أكثر علما من الاستدلال والجواب والنقض والمعارضة وكما قيل ورأيان أحزم من واحد … ورأي الثلاثة لا ينقض وكما قيل
следующие страницы →