← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6854

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت الخشت

الشوكاني

Полный текст (213 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

له مدخل في التلاوة وسائر العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز وما أنفع الإتقان للسيوطي في مثل هذه الأمور ثم لا يهمل النظر في الكتب المدونة في القراءات وما يتعلق بها كالشاطبية وشرحها والطيبة وشروحها علم السنة إذا عرفت ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى فاعلم أن أعظم العلوم فائدة وأكثرها نفعا وأوسعها قدرا وأجلها خطرا علم السنة المطهرة فإنه الذي تكلفل ببيان الكتاب العزيز ثم استقل بما لا ينحصر من الأحكام ولست أقول إن الطالب يشتغل به في وقت معين ولا أقول إنه يقدمه على هذه العلوم المتقدمة أو يؤخره عنها بل أقول إنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يقيم لسانه بما يحتاج إليه من النحو أن يقبل على سماع الكتب التي جمع فيها أهل العلم متون الأحاديث مقطوعة الأسانيد كجامع الأصول والمشارق وكنز العمال والمنتقى لابن تيمية وبلوغ

стр. 142

المرام لابن حجر والعمدة ثم يسمع الكتب التي فيها الأسانيد كالأمهات الست ومسند أحمد وصحيح ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وسنن الدارقطني والبيهقي وبالجملة فما بلغت إليه قدرته ووجد في أهل عصره شيوخه من كتب السنة جد في سماعه واجتهد بحسب ما يمكنه ويكون هذا الاشتغال بهذا العلم الجليل مصاحبا لاشتغاله بجميع العلوم المتقدمة من البداية إلى النهاية فإذا قضى وطره من سماع كتب المتن والإسناد اشتغل بشروح هذه المؤلفات فيسمع منها ما تيسر له سماعه ويطالع ما لم يتيسر له سماعه ويستكثر من النظر في المؤلفات في علم الجرح والتعديل بل يتوسع في هذا

стр. 143

العلم بكل ممكن وأنفع ما ينتفع به مثل النبلاء وتاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ والميزان فإنه يجد في هذه المؤلفات من الاختلاف في المترجم له وذكر أسباب الجرح والتعديل ما لا يجده في غيرها كتهذيب الكمال وفروعه علم مصطلح الحديث وهذا بعد أن يشتغل بشيء من علم اصطلاح أهل الحديث كمؤلفات ابن الصلاح والألفية للعراقي وشروحها ولا يستغني عن المطولات بالمختصرات لا سيما إذا بالغ مؤلفوها في الاختصار كالنخبة وما هو مشابه لها علم التاريخ وينبغي له أن يشتغل بمطالعة الكتب المصنعة في تاريخ الدول وحوادث

стр. 144

العالم في كل سنة كما فعله الطبري في تاريخه وابن كثير في كامله وكما فعله كثير من المؤرخين على اختلاف مسالكهم في تخصيص التصنيف بدولة من الدول أو طائفة من طوائف أهل العلم والأدب أو فرقة من فرق أهل الرئاسات أو غير ذلك فإن للاطلاع على ذلك فائدة جليلة لا يعرفها إلا من عرف أحوال العالم وأتقن أهل كل عصر منهم وعلم بأوقات موالدهم ووفياتهم مؤشر الوصول إلى المرتبة الأولى فإذا أحاط الطالب بما ذكرناه من العلوم فقد صار حينئذ في الطبقة العالية من طبقات المجتهدين وكملت له جميع أنواع علوم الدين وصار قادرا على استخراج الأحكام من الأدلة متى شاء وكيف شاء ولكنه ينبغي له أن يطلع على علوم أخرى ليكمل له ما قد حازه من الشرف ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية علم الفقه فمن ذلك علم الفقه وأقل الأحوال أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة فإن معرفة ما يذهب إليه أهل المذاهب الإسلامية قد يحتاجه المجتهد لإفادة المتذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم وقد يحتاجه لدفع من يشنع عليه في اجتهاده كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير

стр. 145

فإنه إذا قال له قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته وقد وقعنا في كثير من هذه الأمور مع المقصرين وتخلصنا عن شغبهم بحكاية ما أنكروه علينا عن بعض من يعتقدونه من الأموات وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا كمؤلفات ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم فإن المجتهد يزداد بذلك علما إلى علمه وبصيرة إلى بصيرته وقوة في الاستدلال إلى قوته فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار المجتهدين وكثيرا ما يحصل للعالم من النكت واللطائف الصالحة للاستدلال بها ما لا يحصل للعالم الآخر وإن تقاربت معارفهما وتوازنت علومها بل قد يتيسر لمن هو أقل علما ما لا يتيسر لمن هو أكثر علما من الاستدلال والجواب والنقض والمعارضة وكما قيل ورأيان أحزم من واحد … ورأي الثلاثة لا ينقض وكما قيل

стр. 146

ولكن تأخذ الأفهام منه … على قدر القرائح والعلوم ولا سيما مؤلفات أهل الإنصاف الذين لا يتعصبون لمذهب من المذاهب ولا يقصدون إلا تقرير الحق وتبيين الصواب فإن المجتهد الطالب للحق ينتفع بها ويستعين بأهلها فينظر فيما قد حرروه من الأدلة وقدروه من المباحث ويعمل فكره في ذلك فيأخذ ما يرتضيه ويزيد عليه ما بلغت إليه قدرته ووصلت إليه ملكته غير تارك للبحث عن تصحيح ما قد صححوه وتضعيف ما قد ضعفوه على الوجه المعتبر من لوازم الإنصاف والاجتهاد ومن حق الإنصاف ولازم الاجتهاد أن لا يحسن الظن أو يسيئه بفرد من أفراد أهل العلم على وجه يوجب قبول ما جاء به أو رده من غير إعمال فكر وإمعان نظر وكشف وبحث فإن هذا شأن المقلدين وصنيع المتعصبين وإن غرته نفسه بأنه من المنصفين وأن لا يغتر بالكثرة فإن المجتهد هو الذي لا ينظر إلى من قال بل إلى ما قال فإن وجد نفسه تنازعه إلى الدخول في قول الأكثرين والخروج عن قول الأقلين أو إلى متابعة من له جلالة قدر ونبالة ذكر وسعة دائرة علم لا لأمر سوى ذلك فيعلم أنه قد بقي فيه عرق من عروق العصبية وشعبة من شعب التقليد وأنه لم يوف الاجتهاد حقه وبالجملة فالمجتهد على التحقيق وهو من يأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها على الوجه الذي قدمناه ويفرض نفسه موجودا في زمن النبوة وعند نزول الوحي وإن كان في آخر الزمان وكأنه لم يسبقه عالم ولا تقدمه مجتهد فإن الخطابات الشرعية تتناوله كما تناولت الصحابة من غير فرق وحينئذ يهون الخطب وتذهب الروعة التي نزلت بقلبه من الجمهور وتزول

стр. 147

الهيبة التي تداخل قلوب المقصرين أهمية الاطلاع على أشعار المبدعين ومما يزيد من أراد هذه الطبقة العلية علوا ويفيده قوة إدراك وصحة فهم وسيلان ذهن الإطلاع على أشعار فحول الشعراء ومجيديهم والمشهورين منهم باستخراج لطائف المعنى ومطربات النكات مع ما تحصل له بذلك من الاقتدار على النظم والتصرف في فنونه فقد يحتاج العالم إلى النظم لجواب ما يرد عليه من الأسئلة المنظومة أو المطارحات الواردة إليه من أهل العلم وربما ينظم في فن من الفنون لغرض من الأغراض الصحيحة فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه ونقصا في كماله النظر في بلاغات مبدعي الإنشاء وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة والإحسان المتصرفين في رسالاتهم وحكاياتهم بأفصح لسان وأبين بيان فإنه ينتفع بذلك إذا احتاج إلى الإنشاء أو جاوب صديقا أو كاتب حبيبا لأنه ينبغي أن يكون كلامه على قدر علمه وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر كان كلامه ساقطا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ وما أقبح بالعالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه في علم من علومه ويتضاحك منه من له أدنى إلمام بمستحسن الكلام ورائق النظام

стр. 148

علم العروض والقوافي ويستعين على بلوغ ما يليق به ويطابق رتبته بمثل علم العروض والقوافي وأنفع ما في ذلك منظومة الجزولي وشروحها وبمثل المؤلفات المدونة لذلك وأنفع ما ينتفع به المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير أهمية الاطلاع على العلوم الفلسفية ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرف من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح ويزيد القلب سرورا والنفس انشراحا كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب وبالجملة فالعلم بكل فن خير من الجهل به بكثير ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها كما قدمنا لك شعبة من التقليد وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك واختر لنفسك ما يحلو وليس يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب والسنة فإنه ربما يتزلزل وتحول ثقته

стр. 149

فإذا قدمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت واستكثر من الفنون ما أردت وتبحر في الدقائق ما استطعت وجاوب من خالفك وعذلك وشنع عليك بقول القائل أتانا أن سهلا ذم جهلا … علوما ليس يعرفهن سهل علوما لو دراها ما قلاها … ولكن الرضى بالجهل سهل وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ولا يتصوره بوجه من الوجوه وقد رأينا كثيرا ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع ويقتدي به بالدليل فإنه سمع مسألة من فن من الفنون التي لا يعرفها كعلم المنطق والكلام والهيئة ونحو ذلك نفر منه طبعه ونفر عنه غيره وهو لا يدري ما تلك المسألة ولا يعقلها قط ولا يفهم شيئا منها فما أحق من كان هكذا بالسكوت والاعتراف بالقصور والوقوف حيث أوقفه الله والتمسك في الجواب إذا سئل عن ذلك بقوله لا أدري فإن كان ولا بد متكلما ومادحا أو قادحا فلا يكون متكلما بالجهل وعائبا لما لا يفهمه بل يقدم بين يدي ذلك الاشتغال بذلك الفن حتى يعرفه حق المعرفة ثم يقول بعد ذلك ما شاء ولقد وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعا عظيما وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي البحت ومن لا اشتغال له بالدليل فإنه إذا اشتغل من يشتغل منهم بفن من الفنون كالمشتغلين بعلم المنطق

стр. 150

جعلوا كلامهم ومذكراتهم في قواعد فنهم ويعتقدون لعدم اشتغالهم بغيره أن من لا يجاريهم في مباحثه ليس من أهل العلم ولا هو معدود منهم وإن كان بالمحل العالي من علوم الشرع فحينئذ لا يبالون بمقاله ويوردون عليه ما لا يدري ما هو ويسخرون منه فيكون في ذلك من المهانة على علماء الشريعة ما لا يقادر قدره وأما إذا كان العالم المتشرع المتصدر للهداية إلى المسالك الشرعية والمناهج الإنصافية عالما بذلك فإنه يجري معهم في فنهم فيكبر في عيونهم ثم يعطف عليهم فيبن لهم بطلان ما يعتقدونه بمسلك من المسالك التي يعرفونها فإن ذلك لا يصعب على مثله ثم بعد ذلك يوضح لهم أدلة الشرع فيقبلون منه أحسن قبول ويقتدون به أتم قدوة وأما العالم الذي لا يعرف ما يقولون فغاية ما يجري بينه وبينهم خصام وسباب ومشاتمة هو يرميهم بالاشتغال بالعلوم الكفرية ولا يدري ما هي تلك العلوم وهم يرمونه بالبلادة وعدم الفهم والجهل بعلم العقل ولا يدرون ما لديه من علم الشرع أنصاف المثقفين في زمن الشوكاني ولقد أهدت لها هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب من زعانف هم سقط المتاع وفقعة القاع وأبناء الرعاع لابسوا طلبة العلم بعض الملابسة وشاركوهم بجامع الخلطة والعشرة في مثل النظر في مختصرات النحو حتى صاروا ممن يتمكن من إعراب أواخر الكلم ثم طاحت بهم الطوائح ورمت بهم الروامي إلى مطالعة تجريد الطوسي وبعض شروحه وفهموا بعض

стр. 151

مباحثه فظنوا أنهم قد ظفروا بما لم يظفر به أرسطو طاليس ولا جالينوس دع مثل الكندي والفارابي وابن سينا فإنهم عندهم في عداد المقصرين وأما مثل الرازي وطبقته فليسوا من أهل العلم في ورد ولا صدر وأما سائر العلماء المتبحرين في علم الشرع وغيره من أهل العصر وغيرهم فهم عند هؤلاء النوكاء الرقعاء لا يفهمون شيئا ولا يعقلون فقبح الله تلك الوجوه فإنها صارت عارا وشنارا على أهل العلم وصار

стр. 152

دخول مثل هؤلاء الذين دنسوا عرض العلم وجهموا وجهه وأهانوا شرفه من أعظم المصائب التي أصابت أهله وأكبر المحن التي امتحن بها حملته فإنه يسمعهم السامع يثلبون أعراض الأحياء والأموات من المشهورين بالعلم الذين قد اشتهرت مصنفاتهم وانتشرت معارفهم فيزهد في العلم ويخاف من أن يعرض نفسه للوقيعة من مثل هؤلاء الجهلة وعلى أنهم لا يعرفون شيئا إلا ما ذكرت لك ولا يفهمون علما من العلوم لا بالكنة ولا بالوجه فما أحق هؤلاء بالمنع لهم عن مجالس العلم والأخذ على أيديهم من الدخول في مداخل أهله والتشبه بهم في شيء من الأمور وإلزامهم بملازمة حرف آبائهم وصناعات أهلهم والوقوف في الأسواق لمباشرة الأعمال التي يباشرها سلفهم فليس في مفارقتهم لها إلا ما جلبوه من الشر على العلم وأهله ولكنهم قد تحذلقوا وجعلوا لأنفسهم حصنا حصينا وسورا منيعا فتظهروا بشيء من الرفض وتلبسوا بثيابه فإذا أراد من له غيرة على العلم المعاقبة لهم وإعزاز دين الإسلام بإهانتهم قالوا للعامة إنهم أصيبوا بسبب التشيع وأهينوا بما اختاروه لأنفسهم من محبة أهل البيت ﵃ وقد علم الله وكل من له فهم أنهم ليسوا من ذلك في قبيل ولا دبير بل ليس عندهم إلا التهاون بالشريعة الإسلامية والتلاعب بالدين والطعن على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فضلا عن غيرهم من المتمسكين بالشرع وكل عارف إذا سمع كلامهم وتدبر أبحاثهم يتضوع له منها روائح الزندقة بل قد يقف على ما هو صريح الكفر الذي لا يبقى معه ريب ولقد كان القضاة من أهل المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية والمغربية وغيرها يحكمون بإراقة دم من ظهر منه دون ما يظهر من هؤلاء حسبما تحكيه كتب التاريخ وقد أصابوا أصاب الله بهم فإعزاز دين الله هو في الانتقام من أعدائه المتنقصين به وما يصنع العالم في مثل أرضنا هذه في مثل هؤلاء المخذولين فإنه إن قام

стр. 153

عليهم وأفتى بما يستحقونه ويوجبه عليهم الشرع حال بينه وبينهم حوائل منها عدم اعتياد مثل هذه البلاد لمثل سفك دماء المتزندقين ومنها عدم نفوذ أفهام المنفذين لأحكام الشرع حتى يعرفوا الدقائق الكفرية الموجبة للخروج من الإسلام القاضية بسفك دم من صدرت عنه وكيف يفهم ذلك غالب القضاة وهم يعجزون عن فهم شروط الوضوء وفرائضه وسننه بل يقصرون عن فهم مباحث أبواب قضاء الحاجة فهل تراهم يفهمون ما يقوله لهم المفتي بسفك دم المتزندق من أنه كفر بكذا استحق سفك دمه بكذا هيهات هيهات فإنهم أبلد من ذاك وأسوأ فهما من البلوغ إليه ومنها وهو أعظمها ما عرفناك به من تظهرهم بالرفض وادعائهم أنهم لم يصابوا بذنب سواه ولا نالهم ما نالهم إلا بسببه فإن هذه الدعوى سريعة النفاق تدخل إلى أذهان غالب الناس وتقبلها عقولهم بأيسر عمل للاشتراك في الجنس وإن لم يكن على التواطئ بل على التشكيك وكفاك من شر سماعه وبعد هذا فإني أرجو الله أن يمكن منهم فتجري عليهم الأحكام الشرعية وينفذ فيهم ما يقتضيه مر الحق ونص الدليل وقد علم الله سبحانه أني أجد من الحسرة والتلهف ما لا يقادر قدره ولا يمكن التعبير عنه لأنه ليس بتغاض عن مبتدع ولا بمجرد سكوت عن انتهاك حرمة من حرمات الشرع بل هو سكوت عن الكفر وإغماض عن متظهر بالزندقة يتكلم فيما بملء فيه ويبدي منها ما تبكي له عيون الإسلام وأهله فتارة يتهاون بالقرآن وتارة يتهاون بالأنبياء وتارة يتهاون بحملة الدين وحينا يزري على علماء المسلمين ولكن بعبارات لا يفهمها المقصرون ورموز لا يهتدي إليها المشتغلون بأبواب الفقه مع خلط تلك العبارات بشيء من الرفض يفهمه المقصر والكامل فإذا نظره المقصرون في كلامهم لم يفهموا منه إلا ما فيه من الرفض ولا يفهمون شيئا مما عداه وإذا أخبرهم العالم بما اشتمل عليه ذلك الكلام من الكفر والزندقة لم تقبله

стр. 154

أفهامهم لأمرين أحدهما الجهل بالعلوم التي يتوصلون بها إلى فهم ذلك والثاني اعتقادهم أن ذلك المتكلم شيعي وأن هذا العالم الذي أنكره إنما قام عليه لأجل الشيعة لكونهم يعتقدون في كل من اشتغل بعلوم الاجتهاد أنه يخالف الشيعة طبيعة راسخة فيهم وأمر ورثوه عن أسلافهم وداء قبلوه من كل مخذول ومحنة تعاظم بسببها البلاء على الشريعة وعلى أهلها فبهذه الأسباب علمت أن قيامي عليهم لا يجدى إلا ثوران فتنة وظهور محنة وقد يكون سببا لتظهرهم بزيادة على ما يتظهرون به من تلك الأمور الفظيعة والكفريات الشنيعة اللهم إني أشهدك وأنت خير الشاهدين أني أول حاكم بسفك دم من صدر منه ذلك وأول مفت بقتل من فعل شيئا منه أو قال به عند أول بارقة من بوارق العدل وفي إخفاء رائحة من روائح الإنصاف ولست أقول أن جميع من أشرت إليهم هم على الصفة التي ذكرتها الموجبة لإراقة الدم وإزهاق الروح بل يتظهر بذلك بعض مخذوليهم ويشتغل به أناس من شياطينهم والبقية وإن كانوا بما يصدر منهم نقمة على العلم وأهله فإنهم ينفرون الناس عن علم الشرع ويهونونه في صدورهم ويستصغرون علوم الدين بأسرها ويجذبون من يطمعون فيه إلى جهالاتهم وضلالاتهم فهم مستحقون للحيلولة بينهم وبين كل سبب يتوصلون به إلى العلم على كل تقدير كما أشرنا إليه سابقا مع إنزال بعض ما فيه إهانة لهم بهم ومسهم بسوط إذلال ليكون في ذلك إعزاز للدين ورفع لمناره وغسل لما قد لوثوا به أهله من القدر الذي يلقونه عليهم وينجسونهم به والله المرجو فعنده الخير كله وهو أغير على دينه وهو أكرم عليه من أن يهان أو يضام أهله وفيهم أفراد قليلون يصلحون بتعلم العلم ويتشبهون بأهله ويجرون على

стр. 155

نمط من يتعلمون منه ويأخذون عنه إن خيرا فخير وإن شر فشر ولكن ما أقل من يكون هكذا منهم المؤهلون لتلقي العلم فإن قلت وما هذه الأهلية التي يكون صاحبها محلا لوضع العلم فيه وتعليمه إياه قلت هي شرف المحتد وكرم النجار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له تعلق بالعلم والصلاح ومعالم الدين أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب وقد أشار إلى هذا النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه في الصحيح فقال الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا فاعتبر ﷺ الخيار في الجاهلية وليس ذلك لأمر يتعلق بالدين فإنه لا دين لأهل الجاهلية بل المراد بخيار أهل من كان منهم من أهل الشرف وفي البيوت الرفيعة فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور ويحول بيته وبين الرذائل ويوجب عليه إذا دخل في أمر أن يكون منه في أعلى محل وأرفع رتبة فمتعلم العلم منهم يكون في أهله على أتم وصف وأحسن حال غير شامخ بأنفه ولا متباه بما حصله ولا مترفع على الناس بما نال منه وأما من كان من سقط المتاع وسفساف أهل المهن كأهل الحياكة

стр. 156

العصارة والقضابة ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة فإن نفسه لا تفارق الدناءة ولا تجانب السقوط ولا تأبى المهانة ولا تنفر عن الضيم فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور منها العجب والزهو والخيلاء لأنه يرى نفسه بعد أن كان في أوضع مكان وأخس رتبة قاعدا في أعلا محل وأرفع موضع فإن منزلة العلم وأهله هي المنزلة التي لا تساميها منزلة وإن علت ولا تساويها رتبة وإن ارتفعت فبينما ذلك الطالب قاعد بين أهل حرفته من أهل الحياكة أو الحجامة أو الجزارة أو نحوهم في أخس بقعة وأعظم مهانة إذ صار بين العلماء المتعلمين الذين هم في أعلا منازل الدنيا والدين فمبجرد ذلك يحصل له من العجب والتطاول على الناس والترفع عليهم ما يعظم به الضرر على أهل العلم فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم ومع ما ينضم إلى ذلك من السخف الذي نشأ عليه وتلقاه من سلفه وسقوط النفس وضعف العقل ونذالة الهمة ومثل تأمر الصبي لما ينشأ عليه من أخلاق آبائه لا ينكره أحد ولهذا يقول ﷺ فيما صح عنه في الصحيح كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا كان الصغير ينطبع بطابع الكفر بسبب أبويه فما بالك بسائر الأخلاق التي يجدهما عليها

стр. 157

ومما يقع فيه هذا الطالب الناشئ بين أهل الوضاعة المرتضع من ثدي الرقاعة أنه بحكم الطبع وألف المنشأ لا يرى في الناس إلا أهل حرفته وبني مهنته فيعود من حيث بدا ويرجع من الباب الذي خرج منه فيكون في ذلك من الإهانة للعلم والإزراء على أهله والوضع بجانبه ما لا يقادر قدره لأن هذا يراه الناس تارة في المدارس قاعدا بين أيدي شيوخ العلم مشاركا للمتعلمين وتارة يرونه في دكاكين الحجامين وحوانيت العطارين ومن جرى هذا المجرى من المحترفين ومما يقع فيه أنه بحكم الطبع الذي استفاده من المنشأ وتطبع به من أبويه ومن يماثلهما وإن دخل في مداخل العلم وتزيا بزي أهله فهم أبغض الناس إليه وأحقرهم لديه لا يقيموا له وزنا ولا يعترف لهم بفضيلة بل يكون ديدنه وهجيراه ومعنى كلامه وفحواه هو التهاوم بهم وتحقير ما عظمه الله من أمرهم والإغراء بين أماثلهم والتعرض للمفاضلة بين فضائلهم وإدخال الشحناء بينهم بكل ممكن ومن نكر هذا فعليه بالاستقراء والتتبع فإنه سيجد ما وجدناه ويقف على صحة ما حكيناه ولا يخرج من هؤلاء إلا النادر القليل ولا يكون ذلك إلا لعرق ينزعه إلى الشرف ويجذبه إلى الخير في سلفه القديم وإن جهله من لم يعرفه وبالجملة فهذا ما تفيده التجربة وتشير إليه بعض الأدلة الشرعية وإذا صح قوله ﷺ واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر ففيه أعظم عبرة للمعتبرين من الحاملين لعلوم الدين وقد عزاه بعض أهل العلم إلى ابن ماجه ولا استحضره حال الرقم فيما هو في حفظ من أحاديث كتاب سنن ابن ماجه فلينظر ثم كشفت عنه فوجدته في سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ

стр. 158

طلبوا العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب وفي إسناده حفص بن سليمان البزاز وفيه مقال وأما من كان أهلا للعم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفا إلى شرفه ويكتسب به من حسن السمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما يزيد عمله علوا وعرفانه تعظيما فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومن يمشي على طريقهم من عامل العلماء وصالح الأمة ويعرف للعلم حقه ويعظمه بما ينبغي من تعظيمه فلا يكدره بالمطامع ولا يشوبه بالخضوع لأهل الدنيا ولا يجهمه بالتوصل به إلى ما في يد الأغنياء فيكون عنده مخدوما لا خادما ومقصودا لا قاصدا وبين هذه الطائفتين طائفة ثالثه ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء جعل العلم مكسبا من مكاسب الدنيا ومعيشة من معايش أهله لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم كما نشاهده في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة أو ما هو شبيه بهذه الأمور فإن من كان طالبا للوصول إلى شئ من هذه الأمور ذهب إلى مدارس العلم يتعلم ما يتأهل به لما يطلبه وهو لا يتصور البلوغ إلى الثمرة المستفادة من العلم والغاية الحاصلة لطالبه فيكون ذهنه كليلا وفهمه عليلا ونفسه خائرة ونيته خاسرة بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه فيخدم في مدة طلبه واشتغاله أهل المناصب ومن يرجو منهم الإعانة على بلوغ مراده أكثر مما يخدم العلم ويتردد إلى أبوابهم ويتعثر في مجالسهم ويذوق به من الإهانة ما فيه أعظم مرارة ويتجرع من الغصص

стр. 159

ما يصغر قدر الدنيا بالنسبة إليه فإذا نال ذلك المنصب ضرب بالدفاتر وجه الحائط وألقاها خلف الصور لعدم الباعث عليها من جهة نفسه والمنشط على العلم والمرغب فيه فهذا هو شبيه بمن يتعلم مهنة من المهن ويتدرب في حرفة من الحرف فيقصد أهلها حتى يدركها ويكون فيها أستاذا ثم يذهب إلى دكان من الدكاكين فيعتاش بتلك الحرفة وليس هو من أهل العلم في ورد ولا صدر ولا ينبغي أن يكون معدودا منهم وإن ارتسم في ذهنه منه رسوم فهو من أزهد الناس فيها وأجفاهم لها وأقلهم احتفالا بها ولا فائدة في تعلمه راجعة إلى الدين قط بل غاية ما استفاده منه العلم وأهله تعريضه وتعريضهم للإهانة عند أهل الدنيا وإيقاعه وإيقاعهم في يد من لا يعرف للعلم قدرا ولا يرفع له ذكرا ولا يقيم له وزنا كما يشاهد من المتعلقين بالأعمال الدولية فإنهم يتلاعبون بطلبة المناصب الدنيوية غاية التلاعب ويعرضونهم للإهانة مرة بعد أخرى ويتلذذون بذلك ويبتهجون لأنهم يظنون أنها قد ارتفعت طبقتهم عن طبقات أهل العلم وحكموا تارة فيهم بالولاية وتارة بالعزل وتمرغوا على عتابتهم مرة بعد مرة فبهذه الوسيلة دخل على أهل العلم بما يصنعه هؤلاء من هذه الهنات الوضيعة والفعلات الشنيعة ما تبكي عيون العلم وأهله وتقوم عليه النواعي ويغضب له كل من له حمية دينة وهمة علية ولو علم أولئك المغرورون لم يبتهجوا بمن قصدهم من هؤلاء النوكاء فإنهم ليسوا من أهل العلم ولا بينهم وبينهم علاقة ولا فرق بينهم وبين من يطلب الأعمال الدولية التي لا تعلق لها بالعلم ومن هذه الحيثية تنازل منصب العلم وتهاون الناس به لأنهم يرون رجلا قد لبس لباس أهل العلم وتزين بزيهم وحضر مجالسهم ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ومن لهم قدرة على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزير أو أمير فتصاغر لهم وتذلل وتهاون وتحقر حتى يصير في عداد خدمهم

стр. 160

ومن هو في أبوابهم ثم أعطوه منصبا من المناصب فعمل ما يريدونه منهم وإن خالف الشرع واعتمد على ما يرسمونه له وإن كان طاغوتا بحتا فيظن من لا علم عنده بحقائق الأمور أن أهل العلم كلهم هكذا وأنهم ينسلخون من العلم إذا ظفروا بمنصب من المناصب هذا الانسلاخ ويمسخون هذا المسخ ويعود أمرهم إلى هذا المعاد فيزهد في العلم وأهله وتنفر عنه نفسه وتقل فيه رغبته ويؤثر الحرف الدنيوية عليه ليربح السلامة من المهانة التي رآها نازلة بهذا المشؤوم الجالب على نفسه وعلى أهل العلم ما جلب من الذل والصغار وإذا كان ما جناه هؤلاء النكاء على العلم وأهله بالغا إلى هذا الحد عند سائر الناس فما ظنك بما يعتقده فيهم من يطلبونه من المناصب بعد أن شاهد منهم ما يشاهد من الخضوع والذلة والانسلاخ عن الشرع إلى ما يريدونه منه وبذل الأموال لهم على ذلك ومهاداتهم بأفخر الهدايا والوقوف على ما يطلبونه منه على أي صفة تراد منهم وينظم إلى هذا خلوهم عن العلم وجهلهم لأهله الذين هم أهلهم فيظنون أن هؤلاء الذين قصدوهم وتعثروا على أبوابهم هم رؤوس أهله لما يشاهدونه عليهم من الهيئة واللباس الفاخر الذي لا يجدونه عند المشتغلين بالعلم فهل تراهم بعد هذا يميلون إلى ما يقوله أهل العلم وينزجرون بما يوردونه عليهم من الزواجر الشرعية المتضمنة لإنكار ما هو منكر والأمر بما هو معروف والتخويف لهم عن مجاوزة حدود الله هيهات أن يصغوا لهذا سمعا أو يفتحوا له طرفا فإلى الله المشتكى وعليه المعول فهذا أمر وقع فيه أهل العصور الأول فألأول وما أحق أهل العلم الحاملين لحجيج الله المرشدين لعباده إلى شرائعه أن يطردوا هؤلاء عن مجالسهم ويبعدونهم عن مواطن تعليمهم وأن لا يبذلوا العلم إلا لمن يقدره حق قدره وينزله منزلته ويطلبه لذاته ويرغب فيه

стр. 161

لشرفه ويعتقد أنه أشرف مطلب من مطالب الدين والدنيا وأنه يصغر عنده الملك فضلا عما هو دونه تولي أهل العلم للمناصب ولا أقول إن أهل العلم العارفين به المطلعين على أسراره يمنعون أنفسهم من المناصب الدينية وكيف أقول بهذا وهذه المناصب إذا لم تربط بهم ضاعت وإذا لم يدخل فيها الأخبار تتابع فيها الأشرار وإذا لم يقم بها أهل العلم قام بها أهل الجهل وإذا أدبر عنها أهل الورع أقبل إليها أهل الجور وكيف أقول هذا وأهل العلم هم المأمورون بالحكم بين الناس بالحق والعدل والقسط وما أنزل الله وما أراهم الله القيام بين الناس بحججه والتبليغ لأحكامه وتذكيرهم بما أمر الله بالتذكير به وإرشادهم إلى ما أرشدهم الله إليه ولأهل القضاء والإفتاء ونحوها من هذه الأمور أوفر نصيب وأكبر حظ ولكني أقول إنه ينبغي لطالب العلم أن يطلبه كما ينبغي ويتعلمه على الوجه الذي يريده الله منه معتقدا أنه أعلى أمور الدين والدنيا راجيا أن ينفع به عباد الله بعد الوصول إلى الفائدة منه ومن جملة النفع إذا احتاج إليه الملوك وأهل الدنيا أن يلي منصبا من المناصب فطلبوا منه ذلك وعولوا عليه في الإجابة معترفين بحق العلم منقادين إلى ما يوجبه الشرع معظمين لما أوجب الله تعظيمه وكان قد بلغ إلى منزلة في العلم تصلح لذلك المنصب وشهد له أهل العلم بكمال التأهيل وإحراز عدته فهذا إذا كان الحال هكذا لا يحل له أن يمتنع من الإجابة أو يأتي من قبول ذلك فإنه إذا فعل ذلك كان تاركا لما أوجبه الله عليه من القيام بحجته ونشر أحكامه وإرشاد عباده إلى

стр. 162

معالمه ونهيهم عن تجاوز حدوده ولا شك أن ذلك من أوجب الواجبات على أهل العلم وأهم المهمات ولو جاز ذلك لمن طلب منهم وعول عليه لجاز لغيره من أهل العلم أن يصنع كصنعه ويسلك مسلكه فتتعطل معاهد الشرع وتذهب رسومه ويتخذ الناس رؤوسا جهالا يقضون بغير علم فيضلون ويضلون وذلك من علامات القيامة وأشراط الساعة كما ورد به الخبر الصحيح كيفية الوصول إلى المرتبة الثانية للعلم وإذا عرفت ما ينبغي لأهل الطبقة الأولى من العلوم فلنتكلم الآن على ما ينبغي لأهل الطبقة الثانية من الطبقات المذكورة سابقا وهي طبقة من يريد أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة الأولى من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم والقيام في مقام أكابر الأئمة المرجوع إليهم كما يتصوره أهل الطبقة الأولى فتقول صاحب هذه الطبقة الثانية هو من يطلب ما يصدق عليه مسمى الاجتهاد ويسوغ به العمل بأدلة الشرع وهو يكفي بأن يأخذ من كل فن من فنون الاجتهاد بنصيب يعلم به ذلك الفن علما يستغني به عن الحاجة إليه أو يهتدي به إلى المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه علم النحو فيشرع بتعلم علم النحو حتى تثبت له فيه ملكة يقتدر بها على معرفة أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء وأقل ما يحصل له ذلك بحفظ مختصر من

стр. 163

المختصرات المشتملة على مهمات مسائل النحو والمتضمنة لتقرير مباحثه على الوجه المعتبر كالكافية لابن الحاجب وقراءة شرح من شروحها المختصرة وأحسنها بالنسبة إلى الشروح المختصرة شرح الجامي فإنه ينتفع به الطالب انتفاعا لا يجده في غيره من مختصرات الشروح علم الصرف ثم يحفظ مختصرا في الصرف كالشافية لابن الحاجب وقراءة شرح من شروحها المختصرة وأحسنها شرح الجاربردي علم المعاني والبيان ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات علم المعاني والبيان كالتلخيص للقزويني وقراءة شرح من شروحه المختصرة كشرح السعد المختصر علم أصول الفقه ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات الأصول الفقهية وقراءة شرح من

стр. 164

شروحه وأنفع ما ينتفع به الطالب الغاية للحسين بن القاسم وشرحها له فإنهما مع المبالغة في الاختصار قد اشتملا على ما حوته غالب المطولات الكبار علم التفسير ثم يشتغل بقراءة تفسير من التفاسير المختلفة كتفسير القاضي البيضاوي مع مراجعة ما يمكنه مراجعته من التفاسير علم الحديث ثم يشتغل بسماع ما لابد من سماعه من كتب الحديث وهي الست الأمهات فإن عجز عن ذلك اشتغل بسماع ما هو مشتمل على ما فيها من المتون كجامع الأصول ثم لا يدع البحث عن ما هو موجود من أحاديث الأحكام في غيرها بحسب ما تبلغ إليه طاقته ويبحث عن الأحاديث الخارجة عن الصحيح في المواطن التي هي مظنة للكلام عليها من الشروح والتخريجات علوم أخرى ويكون مع هذا عند ممارسته لعلم اللغة على وجه يهتدي به في البحث عن

стр. 165

الألفاظ العربية واستخراجها من مواطنها وعنده من علم إصلاح الحديث وعلم الجرح والتعديل ما يهتدي به إلى معرفة ما يتكلم به الحفاظ على أسانيد الأحاديث ومتونها مؤشر الوصول إلى المرتبة الثانية فمن علم بهذه العلوم علما متوسطا يوجب ثبوت مطلق الملكة في كل واحد منها صار مجتهدا مستغنيا عن غيره ممنوعا من العمل بغير دليل وعليه أن يبحث عند كل حادثة يحتاج إليها في دينه عن أقوال أهل العلم وكيفية استدلالهم في تلك الحادثة وما قالوه وما رد عليهم به فإنه ينتفع بذلك انتفاعا كاملا ويضم إلى علمه علوما وإلى فهمه فهوما وهو وإن قصر عن أهل الطبقة الأولى فليس بمحتاج فيما يتعلق به من أمر الدين إلى زيادة على هذا المقدار ويختلف الانتفاع بالعلوم باختلاف القرائح والفهوم فقد ينتفع من هو كامل الذكاء صادق الفهم قوي الإدراك بالقليل ما لا يقتدر على الانتفاع بما هو أكثر منه كثير من جامد الفهم راكدي الفطنة كيفية الوصول إلى المرتبة الثالثة للعلم وأما أهل الطبقة الثالثة وهم الذين يرغبون في إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه من دون قصد منهم إلى الاستقلال بل

стр. 166

يعزمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى الترجيح علم الإعراب فينبغي تعلم شيئا من علم الإعراب حتى يعرف به إعراب أواخر الكلمة ويكفيه في مثل ذلك حفظ منظومة الحريري المسماة الملحة وقراءة شروحها على أهل الفن وتدربه في إعراب ما يطلع عليه من الكلام المنظوم والمنثور ويحفى السؤال عن إعراب ما أشكل عليه حتى تثبت له بمجموع ذلك ملكه يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء وإلا لم يعلم بوجوده العلل النحوية ولا عرف الحجج العربية علم مصطلح الحديث ثم يتعلم اصطلاح علم الحديث ويكفيه في مثل ذلك مثل النخبة وشرحها علم السنة ثم بعد هذا يكب على سماع المختصرات في الحديث مثل بلوغ المرام والعمدة والمنتقى وإن تمكن من سماع جامع الأصول أو شئ من مختصراته فعل فإذا أشكل عليه معنى حديث نظرا في الشروح أو كتب اللغة وإن أشكل

стр. 167

عليه الراجحة من المتعارضات أو التبس عليه هل الحديث مما يجوز العمل به أم لا شأن علماء هذا الشأن الموثوق بعرفانه وأنصافهم ويعمل على ما يرشدونه إليه استفتاء وعملا بالدليل لا تقليدا وعملا بالرأي علم التفسير ويشتغل بسماع تفسير من التفاسير التي لا يحتاج إلى تحقيق وتدقيق كتفسير البغوي وتفسير السيوطي المسمى الدر المنثور ماذا يفعل الطالب عند حدوث إشكال أو صعوبة وإذا أشكل عليه بحث من المبادئ أو تعارضت عليه التفاسير ولا يهتد إلى الراجح أو التبس عليه أمر يرجع إلى تصحيح شئ مما يجده في كتب التفسير رجع إلى أهل العلم لذلك الفن سائلا له عن الرواية لا عن الرأي وقد كان من هذه الطبقة الصحابة والتابعين وتابعيه الذين يقولون فيهم النبي ﷺ خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فإنهم كانوا يسألون أهل العلم منه عن حكم ما يعرض لهم مما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم فيروون لهم في ذلك ما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ فيعلمون بروايتهم

стр. 168

لا برأيهم من دون تقليد ولا التزام رأي كما يعرف ذلك من يعرفه وقد أوضحت هذا إيضاحا كثيرا في كتابي الذي سميته القول المفيد في حكم التقليد فليرجع إليه كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة للعلم وأما الطبقة الرابعة الذين يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور إلى علم الشرع كما يفعله من يريد أن يكون مدركا لصناعة من الصناعات التي لها تعلق بالعلم وذلك كمن يريد أن يكون شارعا ومنشئا أو حاسبا فإنه ينبغي له أن يتعلم ما يتوصل به إلى ذلك المطلب كيف تصبح شاعرا فمن أراد أن يكون شاعرا تعلم من علم النحو والمعاني والبيان ما يفهم به مقاصد أهل هذه العلوم ويستكثر من الاطلاع على علم البديع والإحاطة بأنواعه والبحث عن نكته وأسراره وعلم العروض والقوافي ويمارس أشعار العرب ويحفظ ما يمكنه حفظه منها ثم أشعار أهل الطبقة

стр. 169

الأولى من أهل الإسلام كجرير والفرزدق وطبقتهما ثم أشعار مثل بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد وأعيان من جاء بعدهم كأبي تمام والبحتري والمتنبي

стр. 170

ثم أشعار المشهورين بالجودة من أهل العصور المتأخرة ويستعين على فهم ما استعصب عليه بكتب اللغة ويكب على الكتب المشتملة على تراجم أهل الأدب كيتيمة الدهر وذيولها وقلائد العقيان وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب كالريحانة والنفحة كيف تصبح منشئا وكما يحتاج إلى ما ذكرناه من أراد أن يكون شاعرا فهو يحتاج إليه أيضا من أراد أن يكون منشئا مع احتياجه إلى الإطلاع على المثل السائر لابن الأثير والكامل للمبرد والأمالي للقالي ومجاميع

стр. 171

خطب البلغاء ورسائلهم خصوصا مثل ما هو مدون من بلاغات الجاحظ والفاضل والعماد وأمثالهم فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع كيف تصبح محاسبا ومن أراد أن يكون محاسبا اشتغل بعلم الحساب ومؤلفاته معروفة كيف تصبح عالما بالفلسفة وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم الرياضي وهو علم يعرف به أحوال الكم المتصل والمنفصل والعلم الطبيعي وهو العلم الباحث عن أحوال عالم الكون والفساد والعلم الإلهي وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدأ والمعاد وهكذا علم الهندسة وهو العلم الباحث عن مقادير

стр. 172

الأشياء كما وكيفا ومبادئ الأشكال فمن جمع هذه العلوم الأربعة أعني الرياضي والطبيعي والإلهي والهندسي صار فيلسوفا والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع وأن كل باب غير هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة كيف تصبح طبيبا ومن كان مريدا لعلم الطب فعليه بمطالعة كتب جالينوس فإنها أنفع شئ في هذا الفن باتفاق من جاء بعده من المشتغلين بهذه الصناعة إلا النادر القليل وقد انتقى منها جماعة من المتأخرين ستة عشر كتابا وشرحوها شروحا مفيدة فإن تعذر عليه ذلك فأكمل ما وقفت عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركبات والعلاجات كتاب القانون لابن سينا وكامل الصناعة المشهور ب الملكي لعلي بن العباس

стр. 173

ومن أنفع المختصرات في هذا الفن الذخيرة لثابت بن قرة فإنها قد تضمنت من العلاجات النافعة والأدوية المجربة مع اختصارها ما هو قائم مقام كثير من المطرلات ومن أنفع ما في هذا الفن باعتبار خواص الأدوية المفردة وبعض المركبات تذكرة الشيخ داود الأنطاكي ولو كمل بالمعالجات لكان مغنيا عن غيره ولكنه انقطع بعد أن شرع في الكلام على معالجات العلل على حروف أبجد فوصل إلى حرف الطاء ثم انقطع الكتاب ومن أنفع الكتب في هذا الفن الموجز وشروحه وبالجملة فمن كان قاصدا إلى علم من العلوم كان عليه أن يتوصل إليه بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها المحررة أحسن تحرير المهذبة أبلغ تهذيب وقد قدمنا في كل فن ما فيه إرشاد إلى أحسن المؤلفات فيه كيف تكون عالما بمذهب من المذاهب

стр. 174

وكثيرا ما يقصد الطالب الذي لم يتدرب بأخلاق المنصفين ويتهذب بإرشاد المحققين الاطلاع على مذهب من المذاهب المشهورة ولم تكن له في غيره رغبة ولا عنده لما سواه نشاط فأقرب الطريق إلى إدراك مقصده ونيل مأربه أن يبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات أهل ذلك المذهب كالكنز في مذهب الحنفية والمنهاج في مذهب الشافعية فإذا صار ذلك المختصر محفوظا له متقنا على وجه يستغني به عن حمل الكتاب شرع في تفهم معانيه وتدبر مسائله على شيخ من شيوخ ذلك الفن حتى يكون جامعا بين حفظ ذلك المختصر وفهم معانيه مع كونه مكررا لدرسه متدبرا لمعانيه الوقت بعد الوقت حتى يرسخ حفظه رسوخا يأمن معه من التفلت ثم يشتغل بدرس شرح مختصر من شروحه على شيخ من الشيوخ ثم يترقى إلى ما هو أكثر منه فوائد وأكمل مسائل ثم يكب على مطالعة مؤلفات المحققين من أهل ذلك الفن فيضم ما وجده من المسائل خارجا عن ذلك المختصر قد صار محفوظا له إليه على وجه يستحضره عند الحاجة إليه ولكنه إذا لم يكن لديه من العلم إلا ما قد صار عنده من فقه ذلك المذهب فلا ريب أنه يكون عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع

стр. 175

فعليه أن يبتدئ بتهذيب فهمه وتلقيح فكره بشيء من مختصرات النحو ومجاميع الأدب حتى تثبت له الفقاهة الصورية وأما الفقاهة الحقيقية فلا يتصف بها إلا المجتهد بلا خلاف بين المحققين

стр. 176

مباحث ضرورية لطالب الحق • جلب المصالح ودفع المفاسد • الدلائل العامة والكليات • أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرينة • التحايل على أحكام الشريعة • الإجماع - القياس • الاجتهاد - الاستحسان • مفاسد أصابت دين الإسلام • الاعتقادات الفاسدة في بعض الأموات • تعدد المذاهب • مفاسد بعض أدعياء التصوف

стр. 177

وإذا عرفت ما ينبغي لكل طبقة من تلك الطبقات من المعارف العلمية فلنكمل لك الفائدة بذكر مباحث ينتفع بها طالب الحق ومريد الإنصاف انتفاعا عاما ويرتقي بها إلى مكان يستغني به عن كثير من الجزئيات جلب المصالح ودفع المفاسد فمنها أن يعلم أن هذه الشريعة المطهرة السمحة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد ومن تتبع الوقائع الكائنة من الأنبياء والقصص المحكية في كتب الله المنزلة علم ذلك علما لا يشوبه شك ولا تخالطه شبهة وقد وقع ذلك من نبيا ﷺ وقوعا لا ينكره من له أدنى علم بالشريعة المطهرة فإنه ﷺ لما تبين له نفاق بعض المنافقين واستحقاقه للقتل بحكم الشريعة قال لا يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه فترك قتله لجلب مصلحة هي أتم نفعا للإسلام وأكثر عائدة على أهله ودفع مفسدة هي أعظم من المفسدة الكائنة بترك قتله وبيان ذلك أنه إذا تحدث الناس بمثل هذا الحديث وشاع بينهم شيوعا لا يتبين عنده السبب كان ذلك من أعظم المنفرات لأهل الشرك عن الدخول في الدين لأنه يصد أسماعهم ذلك الحديث فيظنون عنده أن ما يعتقدونه من السلامة من القتل بالدخول في الإسلام غير صحيح فيهربون منه هربا شديدا ويبعدون عنه بعدا عظيما وهكذا وقع منه ﷺ التأثير لجماعة ممن لم تثبت قدمه في الإسلام بغنائم حنين كأبي سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فكان يعطي الواحد من هؤلاء وأمثالهم المائة من الإبل وما يقوم مقام ذلك والمهاجرون والأنصار الذين هم المقاتلة المستحقون للغنيمة ينظرون إلى التأثير ووقع في أنفسهم ما وقع حتى قال قائلهم يرحم الله رسول الله

стр. 178

يعطي هؤلاء وسيوفنا تقطر من الدماء فلما علموا بما أراده ﷺ من المصلحة العائدة على الإسلام وأهله بتأليف مثل هؤلاء وتأثيرهم بالغنيمة قبلوه أتم قبول وطابت أنفسهم أكمل طيبة وهكذا وقع منه ﷺ العزم على مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ظنا منه بأن في ذلك جلب مصلحة ودفع مفسدة فلما تبين له أن الترك أجلب للمصلحة وأدفع للمفسدة صار إليه وهكذا وقع منه ﷺ النهي عن تلقيح النخل فلما تبين له ما في ذلك من المصلحة لأهله أذن لهم به وهكذا وقع منه الأذن بالعرايا لما شكى عليه الفقراء ما يلحقهم من المفسدة بالمنع من شراء الرطب بالتمر مع عظم الخطر فيما هو مظنة بالربا وكم يعد العاد من هذه الأمور وبالجملة فكل ما وقع من النسخ والتخصيص والتقييد في هذه الشريعة المطهرة فسببه جلب المصالح أو دفع المفاسد فإن كل عالم بعلم أن نسخ الحكم بحكم آخر يخالفه لم يكن إلا لما في الناسخ

стр. 179

من جلب مصلحة أو دفع مفسدة زائدة على ما في الأولى من النفع والدفع وهكذا بالتقييد كما وقع في قوله تعالى ﴿غير أولى الضرر﴾ وقوله ﴿من الفجر﴾ ونحو ذلك كثير جدا وقد كان دينه ﷺ وهجيره الإرشاد إلى التيسير دون التعسير وإلى التبشير دون التنفير فكان يقول يسروا ولا تعسروا ولا تنفروا وكان ﷺ يرشد إلى الألفة واجتماع الأمر وينفر عن الفرقة والاختلاف لما في الألفة والاجتماع من الجلب للمصالح والدفع للمفاسد وفي الفرقة والاختلاف من عكس ذلك فالعالم المرتاض بما جاءنا عن الشارع الذي بعثه الله تعالى متمما لمكارم الأخلاق إذا أخذ نفسه في تعليم العباد وإرشادهم إلى الحق وجذبهم عن الباطل ودفعهم عن البدع والأخذ بحجزهم عن كل مزلقة من المزالق مدحضة من المداحض بالأخلاق النبوية والشمائل المصطفوية الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة فيسر ولم يعسر وبشر ولم ينفر وأرشد إلى ائتلاف القلوب واجتماعها ونهى عن التفرق والاختلاف وجعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم كان من أنفع دعاة المسلمين وأنجع الحاملين لحجج رب العالمين وانجذبت له القلوب ومالت إليه الأنفس وتذلل له الصعب وتسهل عليه الوعر وانقلب له المتعصب منصفا والمبتدع متسننا ورغب في الخير من لم يكن يرغب فيه

стр. 180

ومال إلى الكتاب والسنة من كان يميل عنهما وتردى بأثواب الرواية من كان متجلببا بالرأي ومشى في رياض الاجتهاد واقتطف من طيب ثمراته واستنشق من عابق رياحينه ما كان معتقلا في سجن التقليد مكبلا بالقيل والقال مكتوفا بآراء الرجال فإن قلت ما ذكرته من انبناء الشريعة المطهرة على جلب المصالح ودفع المفاسد ماذا تريد به هل يلاحظ ذلك النفع والدفع مطلقا أو في حالة من الحالات قلت لا أريد ما قدمته إلا أن ما لم يرد فيه نص يخصه ولا اشتمل عليه عموم ولا تناوله إطلاق فحق على العالم المرشد للعباد الطالب للحق أن يستحضر ذلك ويرشد إليه ويهتم به ويدعو إليه وأما مواقع النصوص وموارد أدلة الكتاب والسنة ومواطن قيام الحجج فلا جلب نفع ولا دفع ضر أولى من ذلك وأقرب منه إلى الخير وأولى منه بالبركة فهو في الحقيقة مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة وإن قصرت بعض العقول عن إدراك ذلك والإحاطة بكنهه والوقوف على حقيقته فمن قصورها أتيت ومن ضعف إدراكها دهيت ومن تدبر ذلك كل التدبر وتأمله بحق التأمل لم يخف عليه فإن كل جزئي من جزئيات الشريعة التي قام الدليل على طلبها والتعبد بها للكل أو البعض مطلقا أو مقيدا لا بد أن يشتمل على جلب مصلحة أو مصالح عرفها من عرفها وجهلها من جهلها وكل جزئي من جزئيات الشريعة الواردة بالنهي عن أمر أو أمور لا بد أن يكون المنهي عنه مشتملا على مفسدة أو مفاسد تندفع بالنهي عنها ولمزيد التتبع وكثرة التدبر في ذلك مدخلية جليلة لا سيما مع استحضار الاستعانة بالله والتوكل عليه والتفويض إليه
следующие страницы →