Полный текст (213 стр.). Показаны 176–213 · переход к 181.
стр. 176
مباحث ضرورية لطالب الحق
• جلب المصالح ودفع المفاسد
• الدلائل العامة والكليات
• أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرينة
• التحايل على أحكام الشريعة
• الإجماع - القياس
• الاجتهاد - الاستحسان
• مفاسد أصابت دين الإسلام
• الاعتقادات الفاسدة في بعض الأموات
• تعدد المذاهب
• مفاسد بعض أدعياء التصوف
стр. 177
وإذا عرفت ما ينبغي لكل طبقة من تلك الطبقات من المعارف العلمية فلنكمل لك الفائدة بذكر مباحث ينتفع بها طالب الحق ومريد الإنصاف انتفاعا عاما ويرتقي بها إلى مكان يستغني به عن كثير من الجزئيات
جلب المصالح ودفع المفاسد
فمنها أن يعلم أن هذه الشريعة المطهرة السمحة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد ومن تتبع الوقائع الكائنة من الأنبياء والقصص المحكية في كتب الله المنزلة علم ذلك علما لا يشوبه شك ولا تخالطه شبهة
وقد وقع ذلك من نبيا ﷺ وقوعا لا ينكره من له أدنى علم بالشريعة المطهرة فإنه ﷺ لما تبين له نفاق بعض المنافقين واستحقاقه للقتل بحكم الشريعة قال لا يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه
فترك قتله لجلب مصلحة هي أتم نفعا للإسلام وأكثر عائدة على أهله ودفع مفسدة هي أعظم من المفسدة الكائنة بترك قتله
وبيان ذلك أنه إذا تحدث الناس بمثل هذا الحديث وشاع بينهم شيوعا لا يتبين عنده السبب كان ذلك من أعظم المنفرات لأهل الشرك عن الدخول في الدين لأنه يصد أسماعهم ذلك الحديث فيظنون عنده أن ما يعتقدونه من السلامة من القتل بالدخول في الإسلام غير صحيح فيهربون منه هربا شديدا ويبعدون عنه بعدا عظيما
وهكذا وقع منه ﷺ التأثير لجماعة ممن لم تثبت قدمه في الإسلام بغنائم حنين كأبي سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فكان يعطي الواحد من هؤلاء وأمثالهم المائة من الإبل وما يقوم مقام ذلك والمهاجرون والأنصار الذين هم المقاتلة المستحقون للغنيمة ينظرون إلى التأثير ووقع في أنفسهم ما وقع حتى قال قائلهم يرحم الله رسول الله
стр. 178
يعطي هؤلاء وسيوفنا تقطر من الدماء فلما علموا بما أراده ﷺ من المصلحة العائدة على الإسلام وأهله بتأليف مثل هؤلاء وتأثيرهم بالغنيمة قبلوه أتم قبول وطابت أنفسهم أكمل طيبة
وهكذا وقع منه ﷺ العزم على مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ظنا منه بأن في ذلك جلب مصلحة ودفع مفسدة فلما تبين له أن الترك أجلب للمصلحة وأدفع للمفسدة صار إليه
وهكذا وقع منه ﷺ النهي عن تلقيح النخل فلما تبين له ما في ذلك من المصلحة لأهله أذن لهم به
وهكذا وقع منه الأذن بالعرايا لما شكى عليه الفقراء ما يلحقهم من المفسدة بالمنع من شراء الرطب بالتمر مع عظم الخطر فيما هو مظنة بالربا
وكم يعد العاد من هذه الأمور
وبالجملة فكل ما وقع من النسخ والتخصيص والتقييد في هذه الشريعة المطهرة فسببه جلب المصالح أو دفع المفاسد
فإن كل عالم بعلم أن نسخ الحكم بحكم آخر يخالفه لم يكن إلا لما في الناسخ
стр. 179
من جلب مصلحة أو دفع مفسدة زائدة على ما في الأولى من النفع والدفع
وهكذا بالتقييد كما وقع في قوله تعالى ﴿غير أولى الضرر﴾ وقوله ﴿من الفجر﴾ ونحو ذلك كثير جدا
وقد كان دينه ﷺ وهجيره الإرشاد إلى التيسير دون التعسير وإلى التبشير دون التنفير فكان يقول يسروا ولا تعسروا ولا تنفروا
وكان ﷺ يرشد إلى الألفة واجتماع الأمر وينفر عن الفرقة والاختلاف لما في الألفة والاجتماع من الجلب للمصالح والدفع للمفاسد وفي الفرقة والاختلاف من عكس ذلك
فالعالم المرتاض بما جاءنا عن الشارع الذي بعثه الله تعالى متمما لمكارم الأخلاق إذا أخذ نفسه في تعليم العباد وإرشادهم إلى الحق وجذبهم عن الباطل ودفعهم عن البدع والأخذ بحجزهم عن كل مزلقة من المزالق مدحضة من المداحض بالأخلاق النبوية والشمائل المصطفوية الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة فيسر ولم يعسر وبشر ولم ينفر وأرشد إلى ائتلاف القلوب واجتماعها ونهى عن التفرق والاختلاف وجعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم كان من أنفع دعاة المسلمين وأنجع الحاملين لحجج رب العالمين وانجذبت له القلوب ومالت إليه الأنفس وتذلل له الصعب وتسهل عليه الوعر وانقلب له المتعصب منصفا والمبتدع متسننا ورغب في الخير من لم يكن يرغب فيه
стр. 180
ومال إلى الكتاب والسنة من كان يميل عنهما وتردى بأثواب الرواية من كان متجلببا بالرأي ومشى في رياض الاجتهاد واقتطف من طيب ثمراته واستنشق من عابق رياحينه ما كان معتقلا في سجن التقليد مكبلا بالقيل والقال مكتوفا بآراء الرجال
فإن قلت ما ذكرته من انبناء الشريعة المطهرة على جلب المصالح ودفع المفاسد ماذا تريد به هل يلاحظ ذلك النفع والدفع مطلقا أو في حالة من الحالات
قلت لا أريد ما قدمته إلا أن ما لم يرد فيه نص يخصه ولا اشتمل عليه عموم ولا تناوله إطلاق فحق على العالم المرشد للعباد الطالب للحق أن يستحضر ذلك ويرشد إليه ويهتم به ويدعو إليه
وأما مواقع النصوص وموارد أدلة الكتاب والسنة ومواطن قيام الحجج فلا جلب نفع ولا دفع ضر أولى من ذلك وأقرب منه إلى الخير وأولى منه بالبركة فهو في الحقيقة مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة وإن قصرت بعض العقول عن إدراك ذلك والإحاطة بكنهه والوقوف على حقيقته فمن قصورها أتيت ومن ضعف إدراكها دهيت
ومن تدبر ذلك كل التدبر وتأمله بحق التأمل لم يخف عليه فإن كل جزئي من جزئيات الشريعة التي قام الدليل على طلبها والتعبد بها للكل أو البعض مطلقا أو مقيدا لا بد أن يشتمل على جلب مصلحة أو مصالح عرفها من عرفها وجهلها من جهلها وكل جزئي من جزئيات الشريعة الواردة بالنهي عن أمر أو أمور لا بد أن يكون المنهي عنه مشتملا على مفسدة أو مفاسد تندفع بالنهي عنها
ولمزيد التتبع وكثرة التدبر في ذلك مدخلية جليلة لا سيما مع استحضار الاستعانة بالله والتوكل عليه والتفويض إليه
стр. 181
الدلائل العامة والكليات
ومما يستعين به طالب الحق ومريد الإنصاف على ما يريده من ربط المسائل بالدلائل والخروج من آراء الرجال المتلاعبة بأهلها من يمين إلى شمال أن يتدبر الدلائل العامة ويتفكر فيما يندرج تحتها من المسائل بوجه من وجوه الدلالة المعتبرة فإنه إذا تمرن في ذلك وتدرب صار مستحضرا لدليل كل ما يسأل عنه من الأحكام الشرعية كائنا ما كان وعرف معنى قوله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾
ومن أمعن النظر فيما وقع منه ﷺ من استخراج الأحكام الشرعية من كتاب الله تعالى زاده ذلك بصيرة كما ثبت عنه أنه لما سئل عن الحمر الأهلية فقال لم أجد فيها إلا هذه الآية القائلة ﴿من يعلم مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ فإن في هذا وأمثاله أعظم عبرة للمعتبرين وأجل بصيرة للمتبصرين وأوضح قدرة للمعتدين من العلماء المجتهدين وثبت أنه ﷺ قال لعمرو ابن العاص صليت بصحابك وأنت جنب يا عمرو فقال سمعت الله يقول ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ فقرره النبي ﷺ وضحك ولم يقل شيئا
وهذا باب واسع يطول تعداده
وهكذا التفكر في الكليات الصادرة عمن أعطى جوامع الكلم وأفصح
стр. 182
من نطق بالضاد كقوله ﷺ إنما الأعمال بالنيات فإن هذا اللفظ الموجز والعبارة المختصرة صالحة للاستدلال بها على كل جزء من جزئيات الشرع فتدخل ما حصلت فيه النية في عداد الأعمال المقبولة ويخرج ما لم تحصل فيه النية إلى حيز الأعمال المردودة وتصير بها المباحات قربات وعبادات أقل أحوالها الاندراج تحت حقائق المندوبات ويبطل كثير من الصور والحاكية لما هو من العبادات بعقد النية وعدم وجودها لا على الوجه المعتبر
وكقوله ﷺ كل بدعة ضلالة ومن غشنا فليس منا والحلال بين والحرام بين وكل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد
стр. 183
فإن كل فرد من أفراد هذه العبارات وأمثالها صالح لجعله قضية كبرى للشكل الأول فلا يبقى فرد من الأفراد إلا وأمكن إدراجه تحت هذه الكلية باجتلاب قضية صغرى سهلة الحصول نقول مثلا هذا أمر ليس عليه أمر النبي ﷺ وكل أمر ليس عليه أمره رد فهذا رد
فلا يبقى فعل ولا قول ولا اعتقاد لم يأت به الشرع إلا وأمكن الاستدلال على رده بهذا الحديث الصحيح
وهكذا العمل في سائر الكليات والمتحلى بالمعارف العلمية يستغني بمجرد الإشارة والإيقاظ لأن المواد قد حصلت له بما حصله من العلوم ومارسه من المعارف فربما يغفل عن إخراج ما في القوة إلى الفعل فإذا نبه على ذلك تنبه وكان العمل سهلا والانتفاع بالعلوم يسيرا
أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرابة
ومن جملة ما ينبغي تصوره ويعينه استحضاره أن يعلم أن هذه الشريعة المباركة هي ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي والترغيبات والتنفيرات وسائر ماله مدخل في التكليف من غير قصد إلى التعمية والألغاز ولا إرادة لغير ما يفيده الظاهر ويدل عليه التركيب ويفهمه أهل اللسان العربي
فمن زعم أن حرفا من حروف الكتاب والسنة لا يراد به المعنى الحقيقي والمدلول الواضح فقد زعم على الله ورسوله زعما يخالف اللفظ الذي جاءنا عنهما فإن كان ذلك لمسوغ شرعي تتوقف عليه الصحة الشرعية أو
стр. 184
العقلية التي يتفق العقلاء عليها لا مجرد ما يدعيه أهل المذاهب والنحل على العقل مطابقا لما قد حببه إليهم التعصب فأدناه من عقولهم البعد عن الإنصاف فلا بأس بذلك وإلا فدعوى التجوز مردوده مضروب بها في وجه صاحبها
فاحرص على هذا فإنه وإن وقع الاتفاق على أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة وقرينة كما صرح به في الأصول وغيرها فالعلم في كتب التفسير والحديث والفقه يخالف هذا لمن تدبره وأعمل فكره ولم يغتر بالظواهر ولا جمد على قبول ما يقال من دون بحث عن موارده ومصادره
وكثيرا ما يجد المتعصبين يحأمون عن مذاهبم ويؤثرونها على نصوص الكتاب والسنة فإذا جاءهم نص لا يجدون عنه متحولا وأعياهم رده وأعجزهم دفعه أدعو أنه مجاز واذكروا للتجوز علاقة هي من البعد بمكان وقرينة ليس لها في ذلك المقام وجود ولا تدعو إليها حاجة وأعانهم على هذه الترهات استكثارهم من تعداد أنواع القرائن والعلاقات حتى جعلوا من جملة ما هو من العلاقات المسوغة للتجوز التضاد
فانظر هذا التلاعب وتدبر هذه الأبواب التي فتحوها على أدلة الكتاب والسنة وقبلها عنهم من لم يمعن النظر ويطيل التدبر فجعلها علما وقبلها على كتاب الله وسنة رسوله وأصلها دعوة افتراها على أهل اللغة متعصب قد آثر مذهبه على الكتاب والسنة لم يستطع التصريح بترجيح المذهب على الدليل فدقق الفكر وأعمق النظر عنادا الله تعالى وبغيا على شريعته وخداعا لعباده فقال هذا الدليل وإن كان معناها الحقيقي يخالف ما نذهب إليه فهو هنا مجاز والعلاقة كذا والقرينة كذا ولا علاقة ولا قرينة فيأتي بعد عصر هذا المتعصب من لا يبحث عن المقاصد ولا يتدبر المسالك كما ينبغي فيجعل تلك العلاقة التي افتراها ذلك المتعصب من جملة العلائق المسوغة للتجوز ولهذا صارت العلاقات قريبا من ثلاثين علاقة ثم لما كان منه
стр. 185
جملة أنواع القرائن العرفية والعقلية افترى كل متعصب على العقل والعرف ما شاء وصنع في مواطن الخلاف ما أرد والله المستعان
التحايل على أحكام الشريعة
ومن جملة ما يستعين به على الحق ويأمن معه من الدخول في الباطل وهو لا يشعر أن يقرر عند نفسه أن هذه الشريعة لما كانت من عند عالم الغيب والشهادة الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ويعلم ما تكن الصدور وتخفيه الضمائر ويحول بين المرء وقلبه كانت المخادعة بالحيل الباطلة والتخلص مما طلبه بالوسائل الفاسدة من أعظم المعاصي له وأقبح التجرؤ عليه
وجميع هذه الحيل التي دونها أهل الرأي هي ضد لما شرعه وعناد له ومراوغة لأحكامه ومجادلة باطلة لما جاء في كتابه وسنة رسوله
ومن تفكر في الأمر كما ينبغي وتدبره كما يجب اقشعر له جلده وقف عنده شعره فإن هذا الذي وضع للعباد هذه الحيل كأنه يقول لهم هذا الحكم الذي أوجبه الله عليكم أو حرمه قد وجدت لكم عنه مخلصا ومنه متحولا بذهني الدقيق وفكري العميق هو كذا وكذا
فهذا المخذول قد بلغ من التجرؤ على الله تعالى مبلغا يتقاصر عنه الوصف لأنه ذهب يعانده ويضاد ما تعبدنا به بمجرد رأيه الفايل وتخليه الباطل مقرا على نفسه بقبيح صنعه وأنه جاء بما يريح العباد من الحكم الشرعي
فإن كان مع هذا معتقدا أن ذلك التحيل الذي جاء به يحلل الحرام ويحرم الحلال فهو مع كذبه على الله وافترائه على شريعته قد ضم إلى ذلك ما يستلزم أنه يدعي لنفسه أن يشرع للعباد من عند نفسه غير ما شرعه لهم وذلك لا يكون إلا لله سبحانه فإن كان هذا المخذول يدعي لنفسه الإلوهية مع
стр. 186
الله سبحانه فحسبك من شر سماعه
وإن كان لا يدعي لنفسه ذلك فيقال له ما بالك تصنع هذا الصنع وأي أمر ألجأك إليه وأوقعك فيه
قال فإن رأيت الله قد صنع مثل هذا في مثل قصة أيوب وصنعه رسول الله ﷺ في المريض الذي زنى
فيقال له ما أنت وهذا لأكثر الله في أهل العلم من أمثالك ومن أنت حتى تجعل لنفسك ما جعله الله لنفسه فلو كان هذا الأمر الفظيع سائغا لأحد من عباد الله لكان لهم أن يشرعوا كما شرع وينسخوا من أحكام الدين ما شاوا كما نسخ
ثم أي جامع بين هذه أو بين ما شرعه الله من ذلك فإنه مجرد خروج من مأثم وتحلل من يمين قد شرع الله تعالى فيها إتيان الذي هو خير كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة حتى ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ حلف على ذلك فقال والله لا أحلف على شئ فأرى غيره خيرا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني
فأين هذا مما يصنعه أسراء التقليد من الكذب على الله تعالى وعلى شريعته وعلى عباده
стр. 187
أما الكذب على الله فلكونهم زعموا عليه أنه أذن لهم وسوغه لهم وهو كذب بحت وزور محض وإن كانوا لا يعتقدون ذلك بل جعلوه من عند أنفسهم جرأة وعنادا ومكرا وخداعا فالأمر أشد والقضية أعظم
وأما كذبهم على الشريعة فلكونهم جعلوا ما نصبوه من الحيل الملعونة والذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية من جملة الشريعة ومن مسائلها ودونوه في كتب العبادات والمعاملات
وأما الكذب على عباده فلكونهم ذهبوا إليهم فخدعوهم وماكروهم بأن ما أوجبه الله من كذا ليس بواجب وما حرمه من كذا ليس بمحرم إذا فعلوا كذا أو قالوا كذا
وما أشبه هذا بما كان يصنعه رؤساء الجاهلية لأهلها من التلاعب بهم كما يتلاعب الصبيان والمجانين وكما يصنعه المجان وأهل الدعاية فإن تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكذلك ما كان يفعلونه من النسئ وما كانوا عليه من الميسر والأنصاب والأزلام وما كانوا يعتمدونه من يطوف بالبيت الحرام من تلك الأفعال التي هي أشبه بأفعال المجانين كالتعري وما يشاكله لا مقصد لرؤساء الجاهلية بهذه الأمور التي كانوا يفعلونها ويأمرون العباد بها إلا مجرد ارتفاع الذكر وإظهار اقتدارهم على تنفيذ ما يريدونه وقبول الناس لما يأمرونهم به وإن كانت أمور متكررة وبلايا متعددة وأعمالا شاقة
فتدبر هذا وتأمله لتكون على حذر من نفاق ما جاءوا به من الحيل الباطلة عندك وإلا كنت كالبهيمة التي لا تمنع ظهرها من راكب ولا تستعصى على مستعمل
وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على هذا وكفاك بما قصة الله سبحانه علينا من حيلة أهل السبت وقد أورد البخاري في كتاب الحيل من صحيحه
стр. 188
ما يشفى ويكفى ولبعض المتأخرين في هذا مصنف حافل استوعب فيه جميع الأدلة وهي معلومة لعلماء الكتاب والسنة
ولكننا اقتصرنا ههنا على بيان الأسباب التي تنشأ عنها الحيل والمفاسد التي تتأثر عنها ليكون ذلك أوقع للمصنف وأوقع في نفسه كما هو دأبنا في هذا المختصر فإنا نشير إلى القضية التي ينبغي اجتنابها بكلمات لا تنبو عنها مسامع المنصفين ولا تنكرها قلوبهم ولا تبعد عنها أفهامهم وإذا حصل المقصود بالاختصار لم تبق للتطويل حاجة وقد ينفع القليل نفعا لا يبلغه الكثير على أنا لم نكن بصدد نشر الأدلة وإيراد ألفاظها فإنها معروفة مدونة بل نحن بصدد الإرشاد إلى الإنصاف بعبارات تشتمل على معان قد تحتجب عن كثير من الأذهان وتبعد عن غالب الأفهام
стр. 189
عدم الاغترار بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسميات وحقائقها
ومن جملة ما ينبغي له استحضاره أن لا يغتر بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسميات وحقائقها فقد يسمى الشئ باسم شرعي وهو ليس من الشرع في شئ بل هو طاغوت بحت
وذلك كما يقع من بعض من نزعه عرق إلى ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث الإناث فإنهم يخرجون أموالهم أو أكثرها أو أحسنها إلى الذكور من أولادهم بصورة الهبة والنذر والوصية أو الوقف فيأتي من لا يبحث عن الحقائق فينزل ذلك منزلة التصرفات الشرعية اغترارا منه بأن الشارع سوغ للناس الهبة والنذر والوصية غير ملتفت إلى أن هذا لم يكن له من ذلك إلا مجرد الاسم الذي أحدثه فاعله ولا اعتبار بالأسماء بل الاعتبار بالمسميات
فالهبة الشرعية هي التي أرشد إليها النبي ﷺ لما سأله بشير والد النعمان عن تخصيص ولده النعمان بشيء من مال وطلب منه أن يشهد على ذلك فقال لا أشهد على جور ووقع منه الأمر بالتسوية بين الأولاد وهو حديث صحيح له طرق متعددة
فالهبة المشتملة على التفصيل المخالف لفرائض الله ليست بهبة شرعية بل جور مضاد لما شرعه الله فإطلاق اسم الهبة عليها مخادعة لله ولعباده فلا ينفذ من ذلك شئ بل هو باطل رده لكونه ليس على أمر النبي ﷺ
стр. 190
وهكذا من خصص بعض ورثته بنذر يخالف ما شرعه الله من الفرائض
فهذا ليس هو النذر الذي شرعه الله بل هو نذر طاغوتي فإن النذر الذي شرعه الله سبحانه هو الذي يقول فيه النبي ﷺ النذر ما ابتغى به وجه الله ويقول لا نذر في معصية الله كما هو ثابت في الصحيح
وهذا الناذر أخرج بعض ماله إلى بعض ورثته مخالفا لما فرضه الله تعالى من المواريث ثم سمى ذلك البعض نذرا وهو لم يبتغ به وجه الله ولا أطاعه به بل ابتغى به وجه الشيطان الذي وسوس له بأن يخالف الشرع وأطاعه بمعصية الله
وهكذا من أخرج بعض ماله على تلك الصفة بالوصية فإن هذه الوصية المتضمنة للمفاضلة بين الورثة ليست الوصية التي شرعها الله تعالى لعباده بل وصية طاغوتية فإن الوصية الشرعية هي التي يقول فيها النبي ﷺ إن الله قد أعطى كل حق حقه ولا وصية لوارث
ويقول فيها الرب ﵎ ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾ ويقول فيها ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح
стр. 191
بينهم فلا إثم عليه﴾ والمراد بالإصلاح إبطال ما جاء من الفساد في وصيته وقد ورد عن النبي ﷺ أن الضرار في الوصية من أسباب النار وأنه يحبط عبادة العمر كما أخرج ذلك جماعة وصححه من صححه
فمن جاءته من هذه الوصايا المشتملة عل الضرار بوجه من الوجوه فأنفذها من الثلث مستدلا على ذلك بمثل حديث الثلث والثلث كثير وبمثل ما ورد من سائر الآيات والأحاديث القاضية بالوصية على الإطلاق فقد غلط بينا فإن هذه الوصية التي قال فيها النبي ﷺ الثلث والثلث كثير هي وصية قربة كما في القصة المشهورة الثابتة في الأمهات أن سعد بن أبي وقاص استأذن رسول الله ﷺ أن يتصدق بجميع ماله فمازال ينازله حتى قال له الثلث والثلث كثير
وهكذا ما ورد من قوله ﷺ إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم فإنه قيده بقوله في آخره زيادة في حسناتكم ولا يزيد في الحسنات إلا ما كان قربة وأما وصايا الضرار المتضمنة لمخالفته ما شرعه الله فهي زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات
فتبين لك أن هذه الوصية التي أذن بها النبي ﷺ
стр. 192
ليست وصية الضرار فإن تلك قد أخرجها الله من عموم مشروعية الوصية بقوله ﴿غير مضار﴾ وأخرجها النبي ﷺ بما تقدم من الوعيد الشديد لمن يضار في وصيته ويمنع الوصية للوارث حتى ثبت في بعض الروايات بلفظ لا تجوز وصية لوارث وقد أوضحته في أبحاث متعددة من مصنفاتي وليس المراد ههنا إلا إرشاد طالب إنصاف إلى عدم الاغترار بما يفعله المتلاعبون بأحكام الشرع من تسمية أمور تصدر عنهم من الطاغوت بأسماء شرعية مخادعة لأنفسهم واستدراجا لمن لا فهم عنده ولا بحث عن الحقائق
وهذه الذريعة الشيطانية قد عمت وطمت خصوصا أهل البادية فإنه بقى في أنفسهم ما كانت عليه الجاهلية الأولى من عدم توريث الإناث ومن لاحظ له عندهم من الورثة وإن كانوا ذكورا فأرادوا الاقتداء بهم ولكنهم لما كانوا مخبوطين بسوط الشرع مقهورين بسيفه نصبوا هذه الوسائل الملعونة فقالوا نذرنا وهبنا أو وصينا وساعدهم على ذلك طائفة من المقصرين الذين لا يعقلون الصواب ولا يفهمون ربط المسببات بأسبابها فحرروا لهم تحريرات على أبلغ ما يفيد النفوذ والصحة طمعا فيما يتعجلونه من الحطام الذي هو من أقبح أنواع السحت فإن ما يأخذونه على ذلك هو حرام كما ثبت عن الشارع من تحريم حلوان الكاهن وأجر البغي وما يأخذه من يعلم كتاب الله ونحو ذلك من الأمور
ولا يشك من يفهم الحجج الشرعية أن سبب تحريم ذلك هو كونه على تحليل حرام أو تحريم حلال وهذا الذي يكتب هذه المكاتيب الطاغوتية المتضمنة لمخالفة ما شرعه الله من لعباده من المواريث وقدره لهم في كتابه وقيده بعدم الضرار هو أولى بتحريم ما يأخذه من أولئك
стр. 193
وقد يقوم شيطان من شياطين المقلدة ومخذول من مخذولي المشتغلين بالرأي فيجادل عن هذه الوصايا والنذر ورد الهبات ونحوها وينزلها منزلة الوصايا والنذور والهبات الشرعية ويورد ما قاله من يقلده ممن يستعظم الناس كلامه ويقتدون بمذهبه ويحكى لهم ما صرح به في هذه الأبواب ونحوها من مصنفاته غير متعقل الفرق بين هذه الطواغيت وبين تلك الأمور الشرعية ولا فاهم للمغايرة الكلية ولا متأمل للأسباب التي تصدر عنها تلك الأمور وأن أهل العلم بأسرهم إنما تكلموا في مصنفاتهم على الأمور الشرعية لا الأمور الجاهلية وأن مجرد الاسم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال كما لو سميت الخمر ماء أو الماء خمرا فإنه لو كان الحكم يدور على التسمية لكان الخمر المسمى ماء حلالا وكان الماء المسمى خمرا حراما
وهذا خرق للشرع وهتك للدين ومن اغتر فليس من النوع الإنساني بل من النوع البهيمي ولا ينبغي الكلام نعه بل يقال له هذا الذي فيه النزاع ليس هو ما تكلم عليه من تقلده وتقتدي به بل هو شئ آخر يضاده ويخالفه لأن أهل الشرع إنما يتكلمون على الأمور الشرعية وهذا ليس شرعي بل طاغوتي فإن فهم هذا استراح منه وإن لم يفهمه ففي السكوت راحة من تحمل كرب مخاطبة السفهاء
ولقد وقعنا مع جماعة من مقصري القضاة والمفتين في هذه المسألة في أمور عظيمة وخطوب جسيمة وفتن كبيرة لا يتسع المقام لبسطها والحق منصور والباطل مخذول ولله الحمد
وأعظم ما يتمسكون به من التغرير على العوام والتزوير على الملوك ومن يقدر على القيام بنصرهم استكثارهم من قولهم هذا خالف المذهب فعل كذا قال كذا ولم يخالف في الواقع إلا الطاغوت ولا نصر إلا الشرع
فليحذر طالب العلم من الاغترار بمثل ذلك والروعة منه فإن العاقبة للمتقين والله ناصر المحقين والأعمال بالنيات ولقد تلطف المحبون لهذه الطواغيت والمساعدون لهم على كتبها لما صممت على إبطالها وأبطلها
стр. 194
كل من ترد عليه من فاض أو غيره بعد أن وقع بيني وبينهم ما أشرت إليه سابقا فكان من جملة ما عدلوا إليه من الذرائع والوسائل الإقرار للذكور أو لمن يحبون بديون ونفقات ومكتسبات ولم ينفق ذلك علي ولا التفت إليه بل كشفت عن أصل كل إقرار فما كان صادرا عن هذه المقاصد الفاسدة أبطلته
ومن جملة ما تلطف به من له أولاد ذكورا وإناثا أن يعمدوا إلى أولاد أولادهم الذكور فينذرون عليهم ويوصون لهم ويقولون إنهم فعلوا ذلك لغير وارث ولم يفعلوا ذلك إلا لقصد تقليل نصيب بناتهم وتوفير نصيب الذكور
وقد تتبعت هذا فما وجدت أحدا يوصي لأولاده أولاده أو ينذر عليهم إلا ومعه بنات أو له ميل إلى بعض الأولاد دون بعض ولا يفعلون ذلك لمقصد صالح إلا في أندر الحالات وأقلها
ومن جملة هذه الوصايا الطاغوتية والنذور الشيطانية ما يفعله كثير من الناس من النذور والوصايا على قبول الأموات فإنه لا مقصد لهم بذلك إلا استجلاب الخير واستدفاع الشر من صاحب القبر وهو قد صار بين أطباق الثرى يعجز عن نفع نفسه فضلا عن نفع غيره
فلا يصح شئ من ذلك بل يتوجه على أهل الولايات صرفه في مصالح المسلمين ويعرفون الناس بقبح ما يصنعونه من ذلك وأنه من الأمور التي لا يحل اعتقادها وأن الضر والنفع واستجلاب الخير واستدفاع الشر بيد الله ليس لغيره فيه حكم ولا له عليه اقتدار
فإن رجعوا عن ذلك وتابوا وإلا انتقل صاحب الولاية معهم إلى ما هو أشد من ذلك ولا يدعهم حتى يتوبوا
وهكذا ما يقع من الأوقاف على القبور فإنها من الحبس الشيطانية والدلس الطاغوتية ولا يحل تقرير شئ منها ولا السكوت عنه بل صرفها
стр. 195
في مصالح المسلمين من أهم الأمور وأوجبها فإن في عدم إنكارها وإبطالها مفسدة عظيمة تنشأ عنها الاعتقادات الباطلة المفضية بصاحبها إلى نوع من أنواع الشرك وهو لا يشعر
الإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان
ومن جملة ما ينبغي لطالب الحق أن يتصوره ويحذر من قبوله بدون كشف عنه ما يجعله كثير من أهل العلم دليلا يستدلون به على إثبات الأحكام الشرعية على العباد وهو الإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان
الإجماع
فأما الإجماع فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي على فرض إمكانه لعدم ورود دليل يدل على حجيته
وأوضحت انه ليس بممكن لاتساع البلاد الإسلامية وكثرة الحاملين للعلم وخمول كثير منهم في كل عصر من الأعصار منذ قام الإسلام إلى هذه الغاية وتعذر الاستقراء التام لما عند كل واحد منهم وأن الأعمار الطويلة لا تتسع لذلك فضلا عن الأعمار القصيرة
فإن المدينة الواسعة قد يعجز من هو من أهلها أن يعرف ما عند كل فرد من أفراد علمائها بل قد يعجز عن معرفة كل عالم فيها كما هو مشاهد محسوس معلوم لكل فرد فكيف بالمدائن المتباينة فكيف بجميع الأقطار الإسلامية
стр. 196
بدوها وحضرها ومداينها وقراها
فقد يوجد في زاوية من الزوايا التي لا يؤبه لها ولا يرفع الرأس إليها من يقل نظيره من المشاهير في الأمصار الواسعة ومع هذه فهذا المذاهب قد طبقت الأقطار وصارت عند المنتمين إلى الإسلام قدوة يقتدون بها لا يخرج عنها ويجتهد رأيه ويعمل بما قام عليه الدليل إلا الفرد بعد الفرد والواحد بعد الواحد وهم على غاية الكتم لما عندهم والتستر بما لديهم خوفا من المتمذهبين لأنهم قد جعلوا المذهب الذي هم عليه حجة شرعية على كل فرد من أفراد العباد لا يخرج عنه خارج ولا يخالفه مخالف إلا مزقوا عرضه وأهانوه وأخافوه والدولة في كل أرض معهم وفي أيديهم والملوك معهم لأنهم من جنسهم في القصور والبعد عن الحقائق وإذا وجد النادر من الملوك والشاذ من السلاطين له من الإدراك والفهم للحقائق ما يعرف به الحق والمحقين فهو تحت حكم المقلدة وطوع أمرهم لأنهم جنده ورعيته
فإذا خالفهم خالفوه فيظن عند ذلك ذهاب ملكه وخروج الأمر من يده
وإذا كان الحال هكذا فكيف يمكن الوقوف على ما عند كل عالم من علماء الإسلام هذا باعتبار الأحياء وهو في أهل العصور المنقرضة من الأموات أشد بعدا وأعظم تعذرا فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا ما يوجد في المصنفات وما كل من يعتد به في الإجماع يشتغل بالتصنيف بل المشتغلون بذلك منهم هم القليل النادر ومع هذا فمن اشتغل منهم بالتصنيف لا يحظى بانتشار مؤلفاته منهم إلا أقلهم وهذا معلوم لكل أحد لا يكاد يلتبس
ولا شك أن من الملوك من يصر على أمر مخالف للشرع فلا يستطيع أحد من أهل العلم أن ينكر عليه أو يظهر مخالفته تقية ومحاذرة ورغبة في السلامة وفرارا من المحنة وبالجملة فالدنيا مؤثرة في كل عصر وإذا عجز الملك عن إظهار مذهبه على فرض أنه من أهل الإدراك والحال أن بيده السيف والسوط فما ظنك بعالم المستضعف لم يكن بيده إلا أقلامه ومحبرته
стр. 197
ومما أحكيه لك مما أدركته في أيام الحداثة ومن الصبا أن الإمام المهدي العباس بن الحسين رحمه الله تعالى أحد ملوك اليمن ووالد إمامنا الإمام المنصور حفظه الله كان له إدراك تام وفهم ثاقب واتصل بمقامه من أكابر العلماء المنصفين العالمين بالأدلة جماعة فأظهر في الصلاة سنن كانت متروكة لترك المتمذهبين لها فقامت قيامة جماعة من المتفيهقين المقلدين وأثاروا حفائظ جماعة من شياطين البدوان الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا يدرون من الدين إلا رسمه فتجمعوا في بواديهم وقالوا قد خرج الإمام من مذهب الشيعة إلى مذهب السنة ومن الاقتداء بعلي بن أبي طالب إلى الاقتداء بمعاوية كما لقنهم هذه المقالة شياطين المقلدة ثم خرجوا عليه في جند يعجز عن مقاومتهم فما وسعه إلا مصانعتهم بالمال والإعلان بترك تلك السنن التي هي أوضح من شمس النهار
وأحكي لك أيضا حادثة أشنع من هذه كائنة في عام تحرير هذه الأحرف هي أني لم أزل منذ اتصلت بخليفة عصرنا حفظه الله مرغبا له في العدل في الرعية على الوجه الذي ورد الشرع به ورفع المظالم المخالفة لقطعيات الشريعة كالمكس ونحوه والاقتصار على ما ورد به الشرع وعدم مجاوزته في شيء فألهمه الله سبحانه إلى الإجابة إلى ذلك بعد طول مداراة وترغيب
فجعلت مكتوبا محكيا عنه مضمونه أنه قد أمر عماله في العدل في الرعية ورفع كل مظلمة والاقتصار على ما ورد به الشرع في كل شيء وأن من لم
стр. 198
يمتثل هذا الأمر كان على القاضي في ذلك القطر أن ينهى أمره إلى حضرة الإمام حتى يحل به من العقوبة ما يردعه ويردع أمثاله
وفي هذا المكتوب التشديد في الربا والسياسة الشيطانية والأخذ على قضاة الأقطار أن يبعثوا من يعلم الناس أمر دينهم من الصلاة والصيام والحج والزكاة والتوحيد على الوجه المطابق لمراد الله
وقرر الإمام ذلك وأنفذه وأظهره في الناس فقامت شياطين المقلدة وفراعين البدوان وخونة الوزراء في وجه هذا الأمر قياما يبكي له الإسلام ويموت كمدا عنده الأعلام فجعلوا هذا المعروف منكرا وما كان الأمر السابق عليه من المنكر معروفا
وليس العجب ممن له حظ في المظالم ونصيب من المكس وقسط من السحت فقد يفعل ذلك من يؤثر الدنيا ويبيع الآجل بالعاجل ولكن العجب من جماعة لا حظ لهم في شيء من ذلك ولهم حظ من العلم ونصيب من الورع متكئين على أرائكهم عاكفين على دفاترهم صاروا ينكرون من هذا الأمر ما يعلمون أنه مخالفة لقطعيات الشريعة مع علمهم بحكم من خالفها واعترافهم بأن هذا هو الحق الذي اتفقت عليه الكتب المنزلة والرسل المرسلة لكنهم يتركون تدبير الشرع ويعودون لتدبير الدولة وما يصلحهم ويصلح لهم حتى كأنهم من أهل الولايات ومن القابضين للجبايات وظهر ما عندهم وتكلموا به للناس حتى اعتقد من لا حقيقة لديه من العامة ومن يلتحق بهم ومن أصحاب الدولة ومن شابههم أني أرشدت إلى خطأ وأمرت بمنكر فاجتمع من جميع ما قدمت ذكره تشوش خاطر الإمام ومن له رغبة في شرائع الإسلام
فتوقف الأمر ولم ينفذه من يقدر على التنفيذ ممن له رغبة فيه ووجد أعداء الله من الظلمة المجال فبالغوا في المخالفة والمدافعة والمحاولة والمصاولة
فاسمع هذه الأعجوبة واعتبر بها وأني لا أشك أن الله سبحانه منفذ
стр. 199
شرعه وناصر من نصره وخاذل من خذله ومتم نوره على رغم أنف من أباه ولكن للباطل صولة وللشيطان جولة حتى يقر الحق في قراره ويتم من العدل ورفع الظلم ما أمر الله به ومن رام أن ينصر باطلا أو يدفع حقا فهو مركوس من غير فرق بين رئيس ومرؤوس وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وعند عزائم الرحمن يندفع كيد الشيطان
القياس
وأما القياس فاعلم أنه قد رسمه أهل الأصول بأنه مساواة أصل للفرع في علة حكمه ثم شرطوه بشروط وقيدوه بقيود هي معلومة عند من يعرف الفن لكنهم توسعوا في هذه المساواة وأثبتوها بأمور هي مجرد خيال ليس على ثبوته إشارة من علم
وبيانه أنهم جعلوا مسالك العلة أنواعا فأكثر ما قيل أنها عشرة ثم جميع هذه المسالك إلا القليل هي بحث الرأي ومحصل الدعاوي المجردة
فعليك أن تضع قدمك موضع المنع وتقوم في مقام الإنكار حتى يوجب عليك المصير إلى شيء منها ما لا يقدر على دفعه ولا يشك في صحته كمسلك النص على العلة ومسلك القطع بانتفاء الفارق ومثل هذا فحوى الخطاب وما شابه هذه الأمور وإياك أن تثبت أحكام الله بخيالات تقع لك أو لعالم مثلك من سابق الأمة أو لاحقها فإن عليك من الوزر والوبال ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب
وبالجملة فالقياس الذي يذكره أهل الأصول ليس بدليل شرعي تقوم به الحجة على أحد من عباد الله ولا جاء دليل شرعي يدل على حجيته وإن زعم ذلك من لا خبرة له بالأدلة الشرعية ولا بكيفية الاستدلال بها يعرف هذا من يعرفه وينكره من ينكره
وأما ما كانت العلة فيه منصوصة فالدليل هو ذلك النص على العلة لأن
стр. 200
الشارع كأنه صرح باعتبارها إذا وجدت في شيء من المسائل من غير فرق بين كونه أصلا أو فرعا
وهكذا ما وقع القطع فيه بنفي الفارق فإنه بهذا اقدر قد صار الأمران اللذان لا فارق بينهما شيئا واحدا ما دل على أحدهما دل على الآخر من دون أصلا أو فرعا وهكذا ما وقع القطع فيه بنفي الفارق فأنه بهذا القدر قد صار الأمران اللذان لا فارق بينهما شيئا واحدا ما دل على أحدهما دل على الآخر من دون تعدية ولا اعتماد أصلية ولا فرعية
وأما فحوى الخطاب ولحنه فهذان هما راجعان إلى المفهوم والمنطوق وإن سماهما بعض أهل العلم بقياس الفحوى وبحث العمل بالمفهوم خارج عما نحن بصدده وقد جاءت لغة العرب الحاكية لما كانوا يفهمونه ويتحاورون به ويعملون عليه أن مثل هذا المفهوم كان معتبرا لديهم مأخوذا به عندهم
ولهذا قال من قال من العلماء إنه منطوق لا مفهوم
ولقد تلاعب كثير من أهل الرأي بالكتاب والسنة تلاعبا لا يخفى إلا على من لا يعرف الإنصاف بهذه الذريعة القياسية وعولوا على ما هو منه أوهن من بيت العنكبوت وقدموه على آيات قرآنية وأحاديث نبوية
وما هذه بأول فاقرة جاء بها الشيطان وحسنها لنوع الإنسان وذاد بها عباد الله عن شرائعه
ومن أنكر هذا فلينظر المصنفات في الفقه ويتتبع مسائلها المبنية على مجرد القياس المبني على غير أساس مع وجود أدلة نيرة وبراهين مرضية
ومن هذا الباب دخل أهل الرأي وإليه خرجوا من أبواب الأدلة الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ
فكن رجلا رجله في الثرى … وهامه همته في الثريا
وكل من له فهم لا يغرب عنه أن الله تعالى لم يتعبد عباده بمجرد قول عالم من العلماء أنه قد أفاده مسلك تخريج المناط أو تنقيح الناط أو الشبه أو الدوران أو نحو هذا الهذيان هذا على فرض أنه لم يوجد في الكتاب والسنة
стр. 201
ما يخالف هذا المسلك الذي لا يسلكه المتورعون ولا يمشي عليه المتدينون فكيف إذا كان الدليل المخالف له واضح المنار ظاهر الاشتهار قريب الديار لمن سافر إليه من أهل الاعتبار
والكلام في هذا البحث طويل الذيول وقد أفرده جماعة من أهل العلم بالتصنيف وليس المراد هنا إلا مجرد التنبيه لطاب العلم وإني وإن حذرته عن العمل بهذا القياس فلا أحذره عن العلم به وتطويل الباع في معرفته والإحاطة بما جاء به المصنفون من أهل الأصول في مباحثه فإنه لا يعرف صحة ما قلته إلا من عرفه حق معرفته وقد يعرف الشيء ليجتنب ويحذر ويعرف الشر لا للشر
الاستحسان
وأما الاستحسان فاعلم أنهم رسموه بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عله التعبير عنه
وأنت لا يخفى عليك إن بقي لك نصيب من فهم وحظ من إنصاف أن الله ﵎ لم يتعبد أحدا من عباده بدليل يستدل به أحد من علماء الأمة ويمكنه التعبير عنه وإبرازه من القول إلى الفعل إلا إذا كان صحيحا تقوم به الحجة فكيف يتعبدهم بما انقدح في نفس فرد من أفرادهم على وجه لا يمكنه التعبير عنه ولا إبرازه إلى الخارج
فإن هذا الذي انقدح في نفسه لا ندري ما هو ولا كيف هو فكيف يكون حجة على أحد من الناس وقد عجز صاحبه عن بيانه وعسرت عليه ترجمته
فبالله العجب من هذا الهذيان وكيف استجاز قائله أن يحكم عليه وأنه دليل شرعي ويفترى على الشرع ما ليس منه وعلى الله سبحانه ما لم يقله
وبالجملة تبيان فساد هذا لا يحتاج إلى إيضاح وإفهام البشر وإن بلغت في الضعف أي مبلغ وقاربت أفهام الدواب فهي لا تطلب البرهان على بطلان
стр. 202
هذا الهذيان ولو احتاج محتاج إلى الاستدلال على بطلان هذا الباطل لزمه أن يدفع فرية كل مفتر على الله ولله در الإمام الشافعي حيث يقول من استحسن فقد شرع
الاجتهاد
وأما الاجتهاد فقد رسموه بأنه استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن يحكم شرعي
ولا شك أن هذا الظن الكائن بعد الاستفراغ وإن تعبد الله به ذلك المستفرغ لكونه فرضه عند فقد الدليل كما تقدم البحث عن هذا والاستدلال عليه لكن الشأن في كون هذا الظن حجة على أحد من عباد الله ممن لم يقع له هذا الظن ولا تقدم له استفراغ الوسع فإن الحجة الشرعية ليست ظنون بعض المكلفين بالشرع المتعبدين به على البعض الآخر ولا جاء في الشريعة حرف واحد مما يفيد هذا ويدل عليه بل صرح الكتاب العزيز بالنهي عن اتباع الظن وأنه لا يغني من الحق شيئا وأن بعضه إثم وهذه الأدلة الكلية توجب على الإنسان أن لا يعمل بظنه في شئ كائنا ما كان إلا ما خصصه الشرع فكيف بظن غيره
فيا معشر المقلدة اسمعوا وعوا فإنكم إنما تتبعون ظنونا خطرت لقوم الحجة من الله بما في كتابه وسنة نبيه قائمة عليهم كما هي قائمة عليكم وهم متعبدون بها كتعبدكم بها فما لكم ولهم وماذا عليكم من ظنونهم فقد أسفر الصبح لذي عينين وارتفع ما على قلوب قوم من الرين إن بقي للهداية مجال ولاستماع الصواب احتمال وقد كررت الكلام في المقام بما لا يحتاج معه إلى التطويل هنا
стр. 203
مفاسد أصابت دين الإسلام
وأعلم أن المفاسد الماحقة لبركة الله والمفرقة لكلمة المسلمين كثيرة جدا والإحاطة بها تتعسر وقد ذكرنا هنا ما حضر عند التحرير وأعظم ما أصيب به دين الإسلام من الدواهي الكبار والمفاسد التي لا يوقف لها في الضرر على مقدار أمران
تعدد المذاهب
أحدها هذه المذاهب التي ذهبت ببهجة الإسلام وغيرت رونقه وجهمت وجهه وقد قدمنا في هذا ما يستغنى عن الزيادة إن بقي له فهم يرجع به إلى الحق ويخرج به من الباطل
الاعتقادات الفاسدة في بعض الأموات
والأمر الثاني هذه الاعتقادات التي حدثت لهذه الأمة في صالحي الأموات حتى صار الرجل يقرن من يعتقده من الأموات بمن يقلده منهم
فيقول إمامه في المذهب فلان وشيخه في الاعتقاد والمحبة فلان
وهذا يقوله ظاهرا وهو لو كوشف ونطق بما في ضميره لقال وشيخه الذي يعول عليه في زعمه عند الشدائد في قضاء حاجاته ونيل مطالبه فلان
وصمى صام من خلف وأمام فإن هذه الداهية الدهياء والمصيبة الصماء العمياء فقد كان أوائل المقلدة يعتمدون على أئمتهم في المسائل الشرعية ويعولون على آرائهم ويقفون عند اختياراتهم ويدعون نصوص الكتاب والسنة ولكنهم ا ينزلون حوائجهم بغير الله ولا يناجون سواه ولا يرجون غيره ولا يعولون إلا عليه ولا يطلبون إلا منه
فهم وإن خلطوا صومهم وصلاتهم وحجهم وزكاتهم وسائر عباداتهم ومعاملاتهم بآراء الرجال وقلدوا في كثير من تفاصيلها ما لم يأذن الله بتقليده
стр. 204
وأخذوا دينهم على الوجه الذي لم يأمر الله به ولا ارتضاه لهم لكنهم لم يخلطوا في معنى لا إله إلا الله ولا تلاعبوا بالتوحيد ولا دخلوا في أدوار الشرك ومضايق الجحود وبلايا الجاهلية وما كانوا عليه
وأما هؤلاء فعمدوا إلى جماعة من الأموات الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون فقصدوهم في المهمات وعكفوا على قبورهم ونذروا لهم النذور ونحروا لهم النحاير وفزعوا إليهم عند المهمات
فتارة يطلبون منهم من الحاجات ما لا يقدر عليه إلا الله وخصوهم بالنداء وأفردوهم بالطلب وتارة ينادونهم مع الله ويصرخون بأسمائهم مع اسم الله سبحانه فيأتون بكلمات تقشعر لها جلود من يعلم معنى لا إله إلا الله ويعرف مدلول قل هو الله أحد وتلاعب بهم الشيطان في ذلك ونقلهم من مرتبة إلى مرتبة ومن منزلة إلى منزلة حتى استعظموا من جانب هؤلاء الأموات الذي خلقهم الله ورزقهم وأحياهم وأماتهم ما لا يستعظمونه من جانب بارئ البرية وخالق الخالق يستعظمون جل اسمه وتعالى قدره ولا إله غيره
وأفضى ذلك إلى أن أحدهم يحلف بالله تعالى فاجرا ولا يحلف بمن يعتقده من الأموات ويقدم على المعصية في المساجد التي هي بيوت الله ولا يقدم عليها عند قبر من يعتقده
وتزايد الشر وعظمت المحنة وتفاقمت المصيبة حتى صار كثير منهم ينسبون ما أصابهم من الخير في الأنفس والأموال والأهل إلى ذلك الميت وما أصابهم من الشر في ذلك إليه وقد صارت تحت أطباق الثرى وغيب عن أعين البشر وصار مشغولا عاجزا عن جر نفع إليه أو دفع ضر عنه منتظرا لما ينتظر له مثله من الأموات لا يدري ما نزل به من هؤلاء النوكاء ولا يشعر بما ألصقوه به ولو علم بذلك لجالدهم بالسيف ودفعهم بما يقدر عليه
стр. 205
ومن أعظم الذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية أنهم بالغوا في التأنق فين عمارة قبور من يعتقدونه من الصالحين ونصبوا عليها القباب وجعلوا على أبوابها الحجاب ووضعوا عليها من الستور العالية والآلات الرائعة ما يبهر الناظر إليه ويدخل الروعة في قلبه ويدعوه إلى التعظيم كما جبلت عليه طبائع العوام من دخول المهابة في قلوبهم والروعة في عقولهم بما يتعاطاه المريدون لذلك كما يفعله غالب ملوك الدنيا من المبالغة في تزيين منازلهم وتعظيمها والتألق في بنائها والاستكثار من الحجاب والخدم والصياح والجلبة وارتباط الأسود ونحوها من الحيوانات ولبس فاخر الثياب قاصدين بذلك تربية المهابة لهم والمخافة منهم وصنع هؤلاء القبوريون كصنعهم ففعلوا في الأموات من جوالب التعظيم وأسباب الهيبة ما يكون له من التأثير في قلوب من يزورهم من العامة ما لا يقادر قدره ثم يزيد ذلك قليلا قليلا حتى يحصل لهم من الاعتقاد في أولئك الأموات ما يقدح في إسلامهم ويخدش في توحيدهم
ولو اتبع الناس ما أرشد إليه الشارع من تسوية القبور كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي الهياج قال قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته فانظر كيف بعث رسول الله ﷺ أميرا لهدم القبور المشرفة وطمس التماثيل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ثم بعث علي أيام خلافته أميرا على ذلك هو أبو الهياج
وأخرج أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى أن يجصص القبور وأن يبني عليه
стр. 206
وأن يكتب عليه وأن يوطئ وأخرجه مسلم في صحيحه بدون ذكر الكتابة قال الحاكم النهي عن الكتابة على شرط مسلم وهي صحيحة غريبة قال والعمل من أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك يعني يقررون كتابة الاسم من دون إنكار انتهى
وأقول لا حجة في أحد خالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ كائنا من كان قل عددهم أو كثر فليس لهم أن يشرعوا للناس غير ما شرعه الله بل يحملون على الخطأ وعدم العناية بأمر الشرع والتساهل في أمر الدين
وما هذا بأول باب من أبواب الشرع أهمله الناس وخالفوا فيه السنن الواضحة والشرائع الثابتة ولا سميا بعد أن استعلى الجهل على العلم وغلبت آراء الرجال ما جاء في الكتاب والسنة وصار التقليد والتمذهب هو المعروف عند الجمهور وغيره المنكر
ولا اعتبار بسكوت أهل العلم الذين هم أهله فإنهم مغلوبون مكثورون مخبوطون بسوط العامة الذين منهم السلاطين وجنودهم كما قدمنا الإشارة إلى
стр. 207
هذا وأطباق أهل المشرق والمغرب على الكتابة هو كأطباقهم على رفع القبور وتجصيصها ووضع القباب عليها وجعلها مساجد فخالفوا ما تقدم عنه ﷺ مع مخالفتهم لما ثبت في الصحيح عنه ثبوتا لا يخالفه فيه مخالف من أن النبي ﷺ قال لا تجعلوا قبري مسجدا لا تجعلوا قبرى وثنا لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا وكان هذا القول من آخر ما قاله في مرض موته كما ثبت أن آخر ما قاله ﷺ الأمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب وتنفيذ جيش أسامة ثم كان الواقع من أمته بعد هذا التأكيد أنهم بنوا على قبره الشريف قبة ومازال ملوك الإسلام يبالغون في تحسينها وتزيينها ورفع سمكها ووضعوا القباب ورفعوا القبور وكانوا يفعلون هذا بأهل الصلاح ثم تزايد الشر وصاروا يفعلون ذلك لمن له رئاسة دنيوية وإن كان من أفجر الفجرة وقد يوصي الميت في وصيته بذلك
وأعجب من هذا كله تصريح جماعة من أهل الفقه بأنه لا بأس بذلك إذا كان الميت فاضلا ودونوه في مصنفاتهم التي هي مدارس الطلبة وضربوا ما ذكرناه من الأدلة في وجه من جاء به ورموا بها خلف الحائط ولم يردعهم دين ولا وزعهم حياء وقابلوا بما أسلفنا بقولهم أنه قد استحسن
стр. 208
رفع هذه القباب وتزيين هذه القبور بعض السلف
فلا كثر الله في أهل العلم من أمثال من استحسن مخالفة الشرع من السلف الذين صرتم تقولون عليهم بما لم يقولوه فإنه إذا صح ما تزعمونه من أنه استحسن ذلك بعض السلف فلا حجة في استحسان من استحسن مخالفة الشرع كائنا من كان فإنه أو مبتدع ومخالف للشرع وعاص لله ولرسوله وللشريعة المطهرة
ولقد تزلزل بهذا السبب أقدام كثير من العباد عن الإسلام وذهب بهذه الذريعة إيمان جماهير من الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون
فإنها لو كانت القبور على الصفة التي شرعها الله وعلمها الأمة رسول الله لم يحدث من هذه الاعتقادات الفاسدة شئ ولا يشك عاقل أن أعظم ما أدخل فاسد الاعتقاد في صدور كثير من العباد هو هذا الأمر مع سكوت العلماء عن البيان الذي أمرهم الله به ومجاملتهم للعامة إما مع علمهم بما في هذا الأمر من الخطر أو مع غلبة العادات الطارئة عليهم لما عندهم من العلم حتى ذهب ذلك بما يعلمونه ومحق بركته وأبطل ثمرته
ومما أحكيه لك أنه كان يبلغني وأنا في الطلب للعلم والاشتغال به ما يصنعه أهل القطر التهامي من الاجتماع لزيارة جمعة من المعتقدين لديهم وما يحدث منهم عند ذلك من النهيق الذي لا يعود صاحبه إلى الإسلام سالما مع عدم إنكار من بتلك الديار من العلماء بل كان الكثير منهم يحضرون تلك المجامع ويشهدون تلك الزيارات فتكون المنكرات وما يحدث من أنواع الشرك بمرأى منهم ومسمع فكتب رسالة إلى العلماء من أهل تلك الديار على يد رجل من أهل العلم الراحلين إلى هنالك فلما عاد أخبرني بما حصل من الاستنكار منهم لما كتبته إليهم وعدم الاعتداد به والالتفات إليه فقضيت من ذلك العجب
ثم لما ولى القضاء ببعض البيادر التهامية بعض علماء صنعاء الأكابر وشاهدُ
стр. 209
من هذه المنكرات ما حمله على أن يحرر إلي سؤالا فأجبته برسالة مطولة سميتها الدر النضيد في إخلاص التوحيد وأمرته أن يكتب نسخا ويرسلها إلى القضاة في تلك الديار ففعل ولم يؤثر ذلك شيئا بل كتب كثير من علماء تلك الديار على رسالتي مناقشات واعتراضات
فلم تمض إلا أيام قلائل حتى نزل بهم السيف وهدم الله تلك الطواغيب وذهب بتلك الاعتقادات الفاسدة فهي الآن صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها فلا يقدر أحد منهم أن يستغيث بغير الله سبحانه أو ينادي ميتا من الأموات أو يجري ذكره على لسانه ولكنه لم يغسل أدرانهم ويذيب بالكدورات التي كانت تشوب صافي إسلامهم إلا السيف وهو الحكم العدل في من استحكمت عليه نزعات الشيطان الرجيم ولم تردعه قوارع آيات الرحمن الرحيم
مفاسد بعض أدعياء التصوف
ويلتحق بالأمرين المذكورين أمر ثالث وإن لم تكن مفسدته كمفسدتهما ولا شموله كشمولهما وهو ما صار عليه هذه الطائفة المدعوة بالمتصوفة
فقد كان أول هذا الأمر يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلا مبلغ ومشى على هدى الشريعة المطهرة وأعرض عن الدنيا وصد عن زينتها ولم يغتر ببهجتها ثم حدث أقوام جعلوا هذا الأمر طريقا إلى الدنيا ومدرجا إلى التلاعب بأحكام الشرع ومسلكا إلى أبواب اللهو والخلاعة ثم جعلوا لهم شيخا يعلمهم كيفية السلوك فمنهم من يكون مقصده صالحا وطريقته حسنة فيلقن أتباعه كلمات تباعدهم من الدنيا وتقربهم من الآخرة وينقلهم من رتبة إلى رتبة على أعراف يتعارفوها ولكنه لا يخلو غالب ذلك من مخالفة للشرع وخروج عن كثير من آدابه
стр. 210
والخير كل الخير في الكتاب والسنة فما خرج عن ذلك فلا خير فيه وإن جاءنا أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة وأتقاهم الله تعالى وأخشاهم له في الظاهر فإنه لا زهد لمن يمش على الهدى النبوي ولا تقوى ولا خشية لمن لم يسلك الصراط المستقيم فإن الأمور لا تكون طاعات بالتعب فيها والنصب وإيقاعها على أبلغ الوجوه بل إنما تكون طاعات خالصة محضة مباركة نافعة بموافقة الشرع والمشي على الطريقة المحمدية واعتبر بالخوارج فقد وصفهم النبي ﷺ بما وصف من تلك العبادات والمجاهدات التي لا تبلغ عبادتنا ولا مجاهدتنا إلى شئ منها ولا تعتبر بالنسبة إليها ومع هذا فقال إنها لا تجاوز تراقيهم وقال إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وقال إنهم كلاب النار فانظر كيف كانت مجاهداتهم وعباداتهم وقيامهم الليل وصيامهم النهار نقمة عليهم وبلية ومحنة لهم لم تعد عليه بنفع قط إلا ما أصيبوا به من الخسار والنكال والوبال فكانت تلك الطاعات الصورية من صلاة وصيام وتهجد وقيام هي نفس المعاصي الموجبة للنار
وهكذا كل من رام أن يطيع اله على غير الوجه الذي شرعه لعباده وارتضاه لهم فإنه ربما يلحق بالخوارج بجامع وقوع ما أطاعوا الله به على غير ما شرعه لهم في كتابه وعلى لسان رسوله
وإني أخشى أن يكون من هذا القبيل ما يقع من كثير من المتصوفة من تلك الأقوال والأفعال التي ظاهرها التنفير عن الدنيا والبعد عن أهلها
стр. 211
والفرار عن زينتها مع تلك الوظائف التي يلازمونها من التخشع والإنكسار والتلهب والتأسف والصراخ تارة والهدوء تارة أخرى والرياضيات والمجاهدات ملازمة أذكار يذكرون بها لم ترد في الشرع على صفات لم يأذن الله بها مع ملازمة تلك الثياب الخشنة الدرنة والقعود في تلك المساطب القذرة وما ينضم إلى ذلك من ذلك الهيام والشطح والأحوال التي لو كان فيها خير لكانت لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين هم خير القرون
ولا أنكر أن في هذه الطائفة من قد بلغ في تهذيب نفسه وغسلها من الطواغيب الباطنة والأصنام المستورة عن الناس كالحسد والكبر والعجب والرياء ومحبة الثناء والشرف والمال والجاه مبلغا عظيما وارتقى مرتقا جسيما
ولكني أكره له أن يتداوى بغير الكتاب والسنة وأن يتطبب بغير الطب الذي اختاره الله لعباده فإن في القوارع القرآنية والزواجر المصطفوية ما يغسل كل قذر ويرخص كل درن ويدمغ كل شهية ويدفع كل عارض من عوارض السوء
فأنا أحب لكل عليل في الدين أن يتداوى بهذا الدواء فيعكف على تلاوة كتاب الله متدبرا له متفهما لمعانيه باحثا عن مشكلاته سائلا عن معضلاته ويستكثر من مطالعة السيرة النبوية ويتدبر ما كان يفعله رسول الله ﷺ في ليله ونهاره ويتفكر في أخلاقه وشمائله وهديه وسمته وما كان عليه أصحابه وكيف كان هديهم في عبادتهم ومعاملاتهم
فإنه إذا تداوى بهذا الدواء ولاحظته العناية الربانية وجذبته الهداية الإلهية فاز بكل خير مع ماله من الأجر الكثير والثواب الكبير في مباشرة هذه الأسباب
وإذا حال بينه وبين الانتفاع بهذه الأمور حائل ومنعه من الظفر بما يترتب عليها مانع فقد نال بتلك الأسباب التي باشرها أجرا عظيما لأنه طلب الخير
стр. 212
من معدنه ورام نيل الرشد من موطنه فكان له في تلك الأشغال من الأجر ما لطلبة علم الشرع لأنه قد جهد نفسه في الأسباب ولم يفتح له باب
فانظر كم بين هذين الأمرين من المسافة الطويلة فإن طالب الرشد بغير الأسباب الشرعية لا يأمن على نفسه بعد الوصول إلى مطلوبه من أن يكون صنعه كصنع الخوارج في خسرانهم بما ظنوه ربحا ووقوعهم في الظلمة وقد كانوا يظنون أنهم يلاقون صبحا لأنهم خالفوا الطريقة التي أرشد الله إليها عباده وأمرهم بسلوكها
وإذا كان هذا الأمر مجوزا في طلبة الخير من غير طريق الشرع كصلحاء الصوفية اللذين لا رغبة لهم في غير تهذيب أخلاقهم على وجه يوجب زهدهم فيما ترغب النفوس إليه وتتهالك الطبائع البشرية عليه فما ظنك بمن كان من متصوفة الفلاسفة الذين يدورون بمرقعاتهم وأبدانهم القشفة وثيابهم الخشنة ووجوههم المصفرة حول ما يقوله الفلاسفة من تلك المقالات التي هي ضد الشرع وخلاف له وينهقون عند إدراك شئ من تلك المعارف الشيطانية نهيقا منكرا ويسمون ذلك حالا وهو عند التحقيق حال حائل عن طريق الدين وخيال مائل عن سبيل المؤمنين
وللرد على هؤلاء جمعت الرسالة التي سميتها الصوارم الحداد هي من المجموعات التي جمعتها في أيام الحداثة وأوائل الشباب
وبعد هذا كله فلست أجهل أن في رجال هذه الطائفة المسماة بالصوفية من جمع الله له بين الملازمة لهذه الشريعة المطهرة والمشي على الطريقة المحمدية
стр. 213
والصراط الإسلامي مع كونه قد صار من تصفية باطنه من كدورات الكبر والعجب والحسد والرياء ونحوها بمحل يتقاصر عنه غيره ويعجز عنه سواه.
ولكني في هذا المصنف بسبب الإرشاد إلى العمل بالكتاب والسنة والتنفير عما عداهما كائنا ما كان فلست أحب لمن أراد القرب إلى الله والفوز بما لديه والظفر بما عنده أن يتسبب إلى ذلك بسبب خارج عنهما من رياضة أو مجاهدة أو خلوة أو مراقبة أو يأخذ عن شيخ من شيوخ الطريقة الصوفية شيئا من الاصطلاحات الموصلة إلى الله عندهم بل يطلب علم الكتاب والسنة ويأخذهما عن العلماء المتقنين لهما المؤثرين لهما على غيرهما المتجنبين لعلم الرأي وما يوصل إليه النافرين عن التقليد وما يحمل عليه فإنه إذا فعل ذلك سلك مسلك النبوة وظفر بهدى الصحابة وسلم من البدع كائنة ما كانت فعند ذلك يحمد مسراه ويشكر مسعاه ويفوز بخير أولاه وأخراه.
تم بحمد الله