← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6856

إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار

الفلاني

Полный текст (169 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إِن بعض أَصْحَابك قَالَ خلاف هَذَا قَالَ الشَّافِعِي فَقلت لَهُ من تبع سنة رَسُول الله ﷺ وافقته وَمن غلط فَتَركهَا خالفته صَاحِبي الَّذِي لَا أفارقه اللَّازِم الثَّابِت مَعَ رَسُول الله ﷺ وَإِن بعد وَالَّذِي أفارقه من لم يقل بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَإِن قرب انْتهى كَلَام صَاحب أَعْلَام الموقعين وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي توالي التأسيس فِي معالي ابْن إِدْرِيس قد اشْتهر عَن شَافِعِيّ إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي فرأت بِخَط تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ فِي مُصَنف لَهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا ملخصه اذا وجد الشَّافِعِي حَدِيثا صَحِيحا مُخَالفا لمذهبه ان كملت فِيهِ آلَة الِاجْتِهَاد فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فليعمل بِالْحَدِيثِ بِشَرْط أَن لَا يكون الامام اطلع عَلَيْهِ وَأجَاب عَلَيْهِ وان لم تكمل وَوجد إِمَامًا من أَصْحَاب الْمذَاهب عمل بِهِ فَلهُ أَن يقلده فِيهِ وان لم يجد وَكَانَت الْمَسْأَلَة حَيْثُ لَا اجْتِمَاع قَالَ السُّبْكِيّ فَالْعَمَل بِالْحَدِيثِ أولى وان فرض الاجماع فَلَا قلت ويتأكد ذَلِك اذا وجد الامام نَص الْمَسْأَلَة على خبر ظَنّه صَحِيحا وَتبين لَهُ أَنه غير صَحِيح وَوجد خَبرا صَحِيحا يُخَالِفهُ وَكَذَا اذا أطلع الامام عَلَيْهِ وَلكنه لم يثبت عِنْده مخالفه وَوجد لَهُ طَرِيقا ثَابتا وَقد أَكثر الشَّافِعِي تَعْلِيق القَوْل بالحكم على ثُبُوت الحَدِيث عِنْد أَهله كَمَا قَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ إِن صَحَّ الحَدِيث فِي غسل من غسل الْمَيِّت قلت بِهِ وَقَالَ فِي الْأُم إِن صَحَّ حَدِيث ضباعة فِي الِاشْتِرَاط قلت بِهِ إِلَى غير ذَلِك وَقد جمعت فِي ذَلِك كتابا سميته المنحة فِيمَا علق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على الصِّحَّة وَأَرْجُو الله تصيير تكملته إِن شَاءَ الله تَعَالَى انْتهى قَالَ ابْن الْقيم فِي أَعْلَام الموقعين قَول الشَّافِعِي إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي هَذَا صَرِيح

стр. 107

فِي مَدْلُوله وَإِن مذْهبه مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لَا قَول لَهُ غَيره وَلَا يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِ مَا خَالف الحَدِيث فَيُقَال هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَا يحل الْإِفْتَاء بِمَا خَالف الحَدِيث على أَنه مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَا الحكم بِهِ صرح بذلك جمَاعَة من أَئِمَّة أَتْبَاعه حَتَّى كَانَ مِنْهُم من يَقُول للقارئ إِذا قَرَأَ عَلَيْهِ مَسْأَلَة من كَلَامه قد صَحَّ الحَدِيث بِخِلَافِهَا اضْرِب على هَذِه الْمَسْأَلَة فَلَيْسَتْ مذْهبه وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب قطعا لَو لم ينص عَلَيْهِ فَكيف إِذا نَص عَلَيْهِ وَأبْدى فِيهِ وَأعَاد وَصرح بِأَلْفَاظ كلهَا صَرِيحَة فِي مدلولها فَنحْن نشْهد بِاللَّه أَن مذْهبه وَقَوله الَّذِي لَا قَول لَهُ سواهُ مَا وَافق الحَدِيث دون مَا خَالفه وَمن نسب إِلَيْهِ خِلَافه فقد نسب إِلَيْهِ خلاف مذْهبه وَلَا سِيمَا إِذا ذكر هُوَ ذَلِك الحَدِيث وَأخْبر أَنه إِنَّمَا خَالفه لضعف فِي سَنَده أَو لعدم بُلُوغه لَهُ من وَجه يَثِق بِهِ ثمَّ ظهر للْحَدِيث سَنَد صَحِيح لَا مطْعن فِيهِ وَصَححهُ أَئِمَّة الحَدِيث من وُجُوه لم تبلغه فَهَذَا لَا يشك عَالم وَلَا يُمَارِي أَنه مذْهبه قطعا وَهَذَا كَمَسْأَلَة الجوائح فَإِنَّهُ علل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِأَنَّهُ كَانَ رُبمَا ترك ذكر الجوائح وَقد صَحَّ الحَدِيث من غير طَرِيق سُفْيَان صِحَة لَا مرية فِيهَا وَلَا عِلّة وَلَا شُبْهَة بِوَجْه فمذهب الشَّافِعِي وضع الجوائح وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقد صرح بعض أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة بِأَن مذْهبه أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر وَأَن وَقت الْمغرب يَمْتَد إِلَى الشَّفق وَأَن من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَإِن أكل لُحُوم الْإِبِل ينْقض الْوضُوء وَهَذَا بِخِلَاف الْفطر بالحجامة وَصَلَاة الْمَأْمُوم قَاعِدا إِذا صلى الإِمَام كَذَلِك فَإِن الحَدِيث وَإِن صَحَّ فِي ذَلِك فَلَيْسَ بِمذهب لَهُ فَإِنَّهُ رَوَاهُ وَعرف صِحَّته لَكِن خَالفه لاعْتِقَاده نسخه وَهَذَا شَيْء وَذَلِكَ شَيْء وَفِي هَذَا القسيم يَقع النّظر فِي النّسخ وَعَدَمه وَفِي الأول يَقع النّظر فِي صِحَة الحَدِيث وثقة السَّنَد فأعرفه انْتهى كَلَام ابْن الْقيم قَالَ الْعِزّ بن عبد السلام فِي قَوَاعِده لَا طَاعَة لأحد من المخلوقين إِلَّا لمن أذن الله تَعَالَى فِي طَاعَته كالرسول ﷺ وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة والولاة والآباء والأمهات والسادات والأزواج والمستأجرين فِي الْإِجَارَات على الْأَعْمَال والصناعات وَلَا طَاعَة لأحد فِي مَعْصِيّة الله لما فِيهَا من الْمفْسدَة الموبقة فِي الدَّاريْنِ أَو فِي أَحدهمَا فَمن أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة لَهُ إِلَّا أَن يكره إِنْسَان على أَمر الْإِكْرَاه فَلَا إِثْم على مطيعه وَقد تجب طَاعَته لَا لكَونه أمرا بل دفعا لمفسدة مَا تهدد بِهِ من قتل أَو قطع أَو جِنَايَة على بضع وَلَو أَمر الإِمَام أَو الْحَاكِم إنْسَانا بِمَا يعْتَقد الْآمِر حلّه والمأمور تَحْرِيمه فَهَل لَهُ فعله نظرا إِلَى رَأْي الْآمِر

стр. 108

أَو يمْتَنع فعله نظرا الى رَأْي الْمَأْمُور فِيهِ خلاف وَهَذَا مُخْتَصّ بِمَا لَا ينْقض حكم الْآمِر بِهِ فان كَانَ مِمَّا ينْقض حكمه فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَكَذَلِكَ لَا طَاعَة لجهلة الْمُلُوك والأمراء الا فِيمَا يعلم الْمَأْمُور أَنه مَأْذُون بِهِ فِي الشَّرْع وَتفرد الله تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لاختصاصه بنعم الانشاء والابقاء والتغذية وَالصَّلَاح الديني والدنيوي فَمَا من خير الا هُوَ جالبه وَمَا من ضرّ الا هُوَ سالبه وَلَيْسَ بعض الْعباد بِأَن يكون مُطَاعًا بِأولى من الْبَعْض إِذْ لَيْسَ لأحد مِنْهُم انعام بِشَيْء مِمَّا ذكرته فِي حق الاله وَلذَلِك لَا حكم الا لَهُ وَأَحْكَامه مستفادة من الْكتاب وَالسّنة والاجماع والاقيسة الصَّحِيحَة والاستدلالات الْمُعْتَبرَة فَلَيْسَ لأحد أَن يستحسن وَلَا أَن يسْتَعْمل مصلحَة مُرْسلَة وَلَا أَن يُقَلّد أحدا لم يُؤمر بتقليده كالمجتهد فِي تَقْلِيد الْمُجْتَهد أَو تَقْلِيد الصَّحَابَة وَفِي هَذِه الْمسَائِل اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء وَيرد على من خَالف ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الحكم إِلَّا لله أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ وَيسْتَثْنى من ذَلِك الْعَامَّة فان وظيفتهم التَّقْلِيد لعجزهم عَن التَّوَصُّل الى معرفَة الاحكام بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَاف الْمُجْتَهد فانه قَادر على النّظر الْمُؤَدِّي الى الحكم وَمن قلد إِمَامًا من الْأَئِمَّة ثمَّ أَرَادَ تَقْلِيد غَيره فَهَل لَهُ ذَلِك فِيهِ خلاف وَالْمُخْتَار التَّفْصِيل فَإِن كَانَ الْمَذْهَب الَّذِي أَرَادَ الِانْتِقَال اليه مِمَّا ينْقض فِيهِ الحكم فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَال الى حكم يجب نقضه فَإِنَّهُ لم يجب نقضه الا لبطلانه فَإِن كَانَ المأخذان متقاربين جَازَ التَّقْلِيد والانتقال لِأَن النَّاس لم يزَالُوا من زمَان الصَّحَابَة الى أَن ظَهرت الْمذَاهب الْأَرْبَعَة يقلدون من اتّفق من الْعلمَاء من غير نَكِير من أحد يعْتَبر انكاره وَلَو كَانَ ذَلِك بَاطِلا لأنكروه وَكَذَلِكَ لَا يجب تَقْلِيد الْأَفْضَل وان كَانَ هُوَ الأولى لِأَنَّهُ لَو وَجب تَقْلِيده لما قلد النَّاس الْفَاضِل والمفضول فِي زمَان الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من غير نَكِير بل كَانُوا مسترسلين فِي تَقْلِيد الْفَاضِل وَالْأَفْضَل وَلم يكن الْأَفْضَل يَدْعُو الْكل الى تَقْلِيد نَفسه وَلَا الْمَفْضُول يمْنَع من سَأَلَهُ مَعَ وجود الْفَاضِل وَهَذَا مِمَّا لَا يرتاب فِيهِ عَاقل وَمن الْعجب العجيب أَن الْفُقَهَاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَذْهَب إِمَامه بِحَيْثُ لَا يجد لضَعْفه مدفعا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يقلده فِيهِ وَيتْرك من شهد الْكتاب وَالسّنة والاقيسة الصَّحِيحَة لمذهبه جمودا على تَقْلِيد امامه بل يتحيل لدفع ظواهر الْكتاب وَالسّنة ويتأولها بالتأويلات الْبَعِيدَة الْبَاطِنَة نضالا عَن مقلده وَقد رأيناهم يَجْتَمعُونَ فِي الْمجَالِس فاذا ذكر لأَحَدهم خلاف مَا وَطن نَفسه عَلَيْهِ تعجب فِيهِ غَايَة التَّعَجُّب من غير استرواح الى دَلِيل لما الفه من تَقْلِيد امامه حَتَّى ظن أَن الْحق منحصر فِي مَذْهَب امامه وَلَو تدبره لَكَانَ تعجبه من مَذْهَب الامام أولى من تعجبه من مَذْهَب غَيره والبحث مَعَ هَؤُلَاءِ ضائع مفض الى التقاطع والتدابر من غير فَائِدَة تجذبها وَمَا رَأَيْت أحدا رَجَعَ عَن مَذْهَب امامه اذا ظهر لَهُ الْحق فِي غَيره بل يصر عَلَيْهِ مَعَ علمه بضعفه وَبعده وَالْأولَى ترك الْبَحْث مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذين أذا عجز أحدهم عَن تمشية مَذْهَب امامه قَالَ لَعَلَّ امامي

стр. 109

وقف على دَلِيل لم اقف عَلَيْهِ وَلم أهتد اليه وَلَا يعلم الْمِسْكِين ان هَذَا مُقَابل بِمثلِهِ ويفضل لخصمه مَا ذكره من الدَّلِيل الْوَاضِح والبرهان اللائح فسبحان الله مَا أَكثر من أعمى التَّقْلِيد بَصَره حَتَّى حمله على مثل مَا ذكرته وفقنا الله تَعَالَى لاتباع الْحق ايْنَ مَا كَانَ وعَلى لِسَان من ظهر واين هَذَا من مناظرة السّلف ومشاورتهم فِي الاحكام ومسارعتهم إِلَى إتباع الْحق إِذا ظهر دَلِيل على لِسَان الْخصم وَقد نقل عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ مَا ناظرت أحدا إِلَّا قلت اللَّهُمَّ اجْرِ الْحق على قلبه وَلسَانه فان كَانَ الْحق معي اتبعني وان كَانَ الْحق مَعَه اتبعته انْتهى كَلَام الامام الْمُتَّفق على دينه وَعلمه الَّذِي قَالَ فِيهِ الامام ابْن عَرَفَة الْمَالِكِي لَا ينْعَقد للْمُسلمين اجماع بِدُونِ عز الدّين ابْن عبد السَّلَام وَقَالَ أَيْضا فِي قَوَاعِده وَلَو اجْتهد الْمُجْتَهد فِي حكم شَرْعِي ثمَّ بَان كذب ظَنّه فَإِن تبين ذَلِك بِظَنّ يُسَاوِيه أَو يتَرَجَّح عَلَيْهِ ادنى رُجْحَان فَإِن تعلق بِهِ حكم لم ينْتَقض حكمه وَبنى على اجْتِهَاده الثَّانِي فِيمَا عدا الاحكام المبنية على الِاجْتِهَاد الأول وَإِن تبَاعد المأخذان بِحَيْثُ تبعد إِصَابَته فِي الظَّن الأول نقض حكمه مثل أَن يكون اجْتِهَاده الأول مُخَالفا لنَصّ كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس جلي أَو للقواعد الْكُلية فانه ينْقض حكمه وَإِن لم يتَعَلَّق بِهِ حكم بنى على مَا أدّى اليه اجْتِهَاده ثَانِيًا إِلَّا أَن يَسْتَوِي الظنان فَيجب التَّوَقُّف على الْأَصَح انْتهى وَقَالَ أَيْضا إِنِّي لَا أعتقد أَن أحدا من الْمُجْتَهدين انْفَرد بِالصَّوَابِ فِي كل مَا خُولِفَ فِيهِ أَكثر من خطاه بِالنِّسْبَةِ الى كل مَا خَالفه وَالشَّرْع ميزَان يُوزن بِهِ الرِّجَال والأقوال والأعمال والمعارف وَالْأَحْوَال فَمن رَجحه ميزَان الشَّرْع فَهُوَ أرجح وَلَا إِثْم على أحد من المخطئين إِذا قَامَ بِمَا أوجب الله عَلَيْهِ من الْمُبَالغَة فِي الِاجْتِهَاد وَفِي تَعْرِيف الاحكام لِأَنَّهُ أدّى مَا عَلَيْهِ فَمن أصَاب الْحق مِنْهُم أجر أَجْرَيْنِ أَحدهمَا على إجتهاده وَالثَّانِي على صَوَابه وَمن أَخطَأ بعد بذل الْجهد عُفيَ عَن خطأه وَأجر على قَصده على الصَّوَاب فِي مُقَدمَات اجْتِهَاده وَلَقَد أَفْلح من قَالَ بِمَا أَجمعُوا على وُجُوبه واجتنب مَا أَجمعُوا على تَحْرِيمه واستباح مَا أَجمعُوا على استباحته وَفعل مَا أَجمعُوا على اباحته واجتنب مَا اجْمَعُوا على كَرَاهَته وَمن أَخذ بِمَا اخْتلفُوا فِيهِ فَلهُ حالان أح على كَرَاهَته وَمن أَخذ بِمَا اخْتلفُوا فِيهِ فَلهُ حالان أَحدهمَا أَن يكون الْمُخْتَلف فِيهِ مِمَّا ينْقض الحكم بِهِ فَهَذَا لَا سَبِيل الى التَّقْلِيد فِيهِ لِأَنَّهُ خطأ مَحْض وَمَا حكم فِيهِ بِالنَّقْضِ الا لكَونه خطأ بَعيدا من نفس الشَّرْع وماخذه ورعاية حكمه الْحَالة الثَّانِيَة أَن يكون مِمَّا لَا ينْقض الحكم بِهِ فَلَا بَأْس بِفِعْلِهِ وَلَا بِتَرْكِهِ إِذا قلد فِيهِ بعض الْعلمَاء لِأَن النَّاس لم يزَالُوا على ذَلِك يسْأَلُون من اتّفق من غير تَقْيِيد وَلَا انكار على أحد من السَّائِلين الى أَن ظَهرت هَذِه الْمذَاهب ومتعصبوها من المقلدين فَإِن أحدهم يتبع امامه مَعَ بعد مذْهبه عَن الْأَدِلَّة مُقَلدًا لَهُ فِيمَا قَالَ كَأَنَّهُ نَبِي أرسل اليه وَهَذَا ناء عَن الْحق وبعيد عَن الصَّوَاب لَا يرضى بِهِ أحد من أولي

стр. 110

الْأَلْبَاب اللَّهُمَّ فارشدنا الى الْحق واهدنا الى الصَّوَاب انك أَنْت الْكَرِيم الْوَهَّاب وعَلى الْجُمْلَة فالغالب على مجتهدي أهل الاسلام الصَّوَاب وهم متقاربون فِي مِقْدَار الْخَطَأ فَخَيرهمْ أقلهم خطأ ويليه الْمُتَوَسّط فِي الْخَطَأ ويليه أَكْثَرهم خطأ وَالله يخْتَص برحمته من يَشَاء وَأكْثر مَا يَقع الْخَطَأ من الْغَفْلَة عَن مُلَاحظَة بعض الْقَوَاعِد وملاحظة بعض الْأَركان والشرائط وملاحظة الْمعَارض ومطلوب الْكل التَّقَرُّب الى الله باصابة الْحق وَلَكِن ... مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن ... وَقَالَ أَيْضا مُعظم النَّاس خاسرون وَأَقلهمْ رابحون فَمن أَرَادَ أَن ينظر فِي خسره وَربحه فليعرض نَفسه على الْكتاب وَالسّنة فَإِذا وافقهما فَهُوَ الرابح إِن صدق ظَنّه فِي موافقتهما وَإِن كذب ظَنّه فيا حسرة عَلَيْهِ وَقد أخبر الله تَعَالَى بخسارة الخاسرين وَربح الرابحين فأقسم بالعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا من جمع أَرْبَعَة أَوْصَاف أَحدهَا الْإِيمَان وَالثَّانِي الْعَمَل الصَّالح وَالثَّالِث التواصي بِالْحَقِّ وَالرَّابِع التواصي بِالصبرِ وَقد رُوِيَ أَن الصَّحَابَة كَانُوا إِذا اجْتَمعُوا لم يتفرقوا حَتَّى يَقْرَءُوهَا واجتماع هَذِه الْخِصَال فِي الْإِنْسَان عَزِيز نَادِر فِي هَذِه الزَّمَان وَكَيف يتَحَقَّق الْإِنْسَان أَنه جَامع لهَذِهِ الصِّفَات الَّتِي أقسم الله تَعَالَى بخسران من خرج عَنْهَا وَبعد مِنْهَا مَعَ علمه بقبح أَحْوَاله وَسُوء أَعماله وَكم من عَاص يظنّ أَنه مُطِيع وبعيد يظنّ أَنه قريب ومخالف يعْتَقد أَنه مُوَافق وَمن متهتك يعْتَقد أَنه متنسك وَمن مُدبر يعْتَقد أَنه مقبل وَمن هارب يعْتَقد أَنه طَالب وَمن جَاهِل يعْتَقد أَنه عَارِف وَمن آمن يعْتَقد أَنه خَائِف وَمن مراء يعْتَقد أَنه مخلص وَمن ضال يعْتَقد أَنه مهتد وَمن عَم يعْتَقد أَنه مبصر وَمن رَاغِب يعْتَقد أَنه زاهد كم من عمل يعْتَقد عَلَيْهِ الْمرَائِي وَهُوَ وبال عَلَيْهِ وَمن طَاعَة يهْلك بهَا المسمع وَهِي مَرْدُودَة إِلَيْهِ وَالشَّرْع ميزَان يُوزن بِهِ الرِّجَال وَبِه يتَبَيَّن الرِّبْح من الخسران فَمن رجح فِي ميزَان الشَّرْع كَانَ من أَوْلِيَاء الله وتختلف مَرَاتِب الرجحان فأعلاها مَرَاتِب الْأَنْبِيَاء فَمن دونهم وَلَا تزَال الرتب تتناقص إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى أقل مَرَاتِب الرجحان وَمن نقص فِي ميزَان الشَّرْع فَأُولَئِك أهل الخسران وتتفاوت خفتهم فِي الْمِيزَان فأخسها مرتبَة الْكفَّار وَلَا تزَال الْمَرَاتِب تتناقص حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى مرتبَة مرتكب أَصْغَر الصَّغَائِر فَإِذا رَأَيْت إنْسَانا يطير فِي الْهَوَاء أَو يمشي على المَاء أَو يخبر عَن المغيبات ثمَّ يُخَالف الشَّرْع بارتكاب الْمُحرمَات بِغَيْر سَبَب مُحَلل وَيتْرك الْوَاجِبَات بِغَيْر سَبَب مجوز فَاعْلَم أَنه شَيْطَان نَصبه الله فتْنَة للجهلة وَلَيْسَ ذَلِك بَعيدا من الْأَسْبَاب الَّتِي وَضعهَا الله تَعَالَى للضلال فَإِن الدَّجَّال يحيي وَيُمِيت فتْنَة لأهل الضلال وَكَذَلِكَ يَأْتِي الخزنة فتبثه كنوزها كيعاسيب النَّحْل وَكَذَلِكَ يظْهر للنَّاس أَن مَعَه جنَّة وَنَارًا وناره جنَّة وجنته نَار وَكَذَلِكَ من يَأْكُل الْحَيَّات وَيدخل النيرَان فَإِنَّهُ مرتكب لِلْحَرَامِ يَأْكُل

стр. 111

الْحَيَّات وفاتن للنَّاس بِدُخُول النَّار ليقتدوا بِهِ فِي ضلالته ويتابعوه على جهالته انْتهى كَلَام سُلْطَان الْعلمَاء قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة وَنقل عَن شرح مُسلم أَن سنة النَّبِي ﷺ وَقَوله الصَّحِيح أولى وَأفضل من قَول الْمُجْتَهد وَفِي شرح الْمُهَذّب للنووي إِذا ثَبت الحَدِيث على خلاف قَول الْمُقَلّد وفتشته فَلم تَجِد لَهُ مُعَارضا وَكَانَ المفتش لَهُ أَهْلِيَّة فَإِنَّهُ يتْرك قَول صَاحب الْمَذْهَب وَيَأْخُذ بِالْحَدِيثِ وَيكون حجَّة للمقلد فِي ترك مَذْهَب مقلده وَفِي قوت الْقُلُوب وَمن محبَّة الرَّسُول ﷺ إِيثَار سنته على الرَّأْي والمعقول انْتهى وَقَالَ الشعراني فِي الْمِيزَان فَإِن قلت فَمَا أصنع بالأحاديث الَّتِي صحت بعد موت إمامي وَلم يَأْخُذ بهَا فَالْجَوَاب يَنْبَغِي لَك أَن تعْمل بهَا فَإِن إمامك لَو ظفر بهَا وَصحت عِنْده لربما كَانَ أَمرك بهَا فَإِن الْأَئِمَّة كلهم أسرى فِي يَد الشَّرِيعَة وَمن فعل ذَلِك فقد حَاز الْخَيْر بكلتا يَدَيْهِ وَمن قَالَ لَا أعمل بِحَدِيث إِلَّا أَن أَخذ بِهِ إمامي فَاتَهُ خير كثير كَمَا عَلَيْهِ كثير من المقلدين لأئمة الْمذَاهب وَكَانَ الأولى لَهُم الْعَمَل بِكُل حَدِيث صَحَّ بعد إمَامهمْ تنفيذا لوَصِيَّة الْأَئِمَّة فَإِن اعتقادنا فيهم أَنهم لَو ظفروا بِتِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي صحت بعدهمْ لأخذوا بهَا وَعمِلُوا بهَا وَيحْتَمل أَن الَّذِي أضَاف إِلَى الإِمَام أبي حنيفَة أَنه يقدم الْقيَاس على النَّص إِنَّمَا ظفروا بذلك فِي كَلَام مقلديه الَّذين يلتزمون الْعَمَل بِمَا وجدوه عَن إمَامهمْ من الْقيَاس ويتركون الحَدِيث الَّذِي صَحَّ بعد موت الإِمَام فالإمام مَعْذُور وَأَتْبَاعه غير معذورين وَقَوْلهمْ إِن إمَامهمْ لم يَأْخُذ بِهَذَا الحَدِيث لَا ينتهض حجَّة لاحْتِمَال أَنه لم يظفر بِهِ أَو ظفر بِهِ لكنه لم يَصح عِنْده وَقد تقدم أَن الْأَئِمَّة كلهم قَالُوا إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مَذْهَبنَا وَلَيْسَ لأحد قِيَاس وَلَا حجَّة إِلَّا طَاعَة الله تَعَالَى وَرَسُوله ص وَهَذَا الْأَمر الَّذِي ذَكرْنَاهُ يَقع فِيهِ كثير من النَّاس فَإِذا وجدوا عَن أَصْحَاب إِمَام مَسْأَلَة جعلوها مذهبا لذَلِك الإِمَام وَهُوَ تهور فَإِن مَذْهَب الإِمَام حَقِيقَة هُوَ مَا قَالَه وَلم يرجع عَنهُ إِلَى أَن مَاتَ لَا مَا فهم أَصْحَابه من كَلَامه فقد لَا يرى الإِمَام ذَلِك الْآمِر الَّذِي فهمه من كَلَامه وَلَا يَقُول بِهِ لَو عرض عَلَيْهِ فَعلم أَن من عزى إِلَى الإِمَام كل مَا فهم من كَلَامه فَهُوَ جَاهِل بِحَقِيقَة الْمذَاهب انْتهى وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن يحيى الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَمن معنى قَوْله لأقربه على من أَرَادَهُ لإعلامه نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره لينْظر فِيهِ لدينِهِ ويحتاط فِيهِ لنَفسِهِ انْتهى

стр. 112

الْمَقْصد الرَّابِع فِي ذكر مَا نقل عَن نَاصِر السّنة أَحْمد بن حَنْبَل وَمَا لأَصْحَابه من الحض على الْعَمَل بِالسنةِ وَالْكتاب الْمنزل قَالَ أَبُو دَاوُد قلت لِأَحْمَد الْأَوْزَاعِيّ هُوَ اتبع أم مَالك قَالَ لَا تقلد دينك أحدا من هَؤُلَاءِ مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فخذبه ثمَّ التَّابِعين بعد الرجل فيهم مُخَيّر وَقد فرق الإِمَام أَحْمد بَين التَّقْلِيد والاتباع فَقَالَ أَبُو دَاوُد سمعته يَقُول الِاتِّبَاع أَن يتبع الرجل مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه ثمَّ هُوَ من بعد مَعَ التَّابِعين مُخَيّر وَقَالَ أَحْمد أَيْضا لَا تقلدني وَلَا تقلد مَالِكًا وَلَا الشَّافِعِي وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَلَا الثَّوْريّ وَخذ من حَيْثُ أخذُوا وَقَالَ من قلَّة فقه الرجل أَن يُقَلّد دينه الرِّجَال قَالَ ابْن الْقيم وَلأَجل هَذَا لم يؤلف الإِمَام أَحْمد كتابا فِي الْفِقْه وَإِنَّمَا دون أَصْحَابه مذْهبه من أَقْوَاله وأفعاله وأجوبته وَغير ذَلِك وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيس إِبْلِيس اعْلَم أَن الْمُقَلّد على غير ثِقَة فِيمَا قلد وَفِي التَّقْلِيد إبِْطَال مَنْفَعَة الْعقل لِأَنَّهُ خلق للتأمل والتدبر وقبيح بِمن أعطي شمعة يستضيء بهَا أَن يطفئها وَيَمْشي فِي الظلمَة وَاعْلَم أَن عُمُوم أَصْحَاب الْمذَاهب يعظم فِي قُلُوبهم التفحص عَن أَدِلَّة إمَامهمْ فيتبعون قَوْله وَيَنْبَغِي النّظر إِلَى القَوْل لَا إِلَى الْقَائِل كَمَا قَالَ عَليّ ﵁ لِلْحَارِثِ بن عبد الله الْأَعْوَر بن الحوتي وَقد قَالَ لَهُ أتظن أَن طَلْحَة وزبيرا كَانَا على الْبَاطِل فَقَالَ لَهُ يَا حَارِث إِنَّه ملبوس عَلَيْك إِن الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ اعرف الْحق تعرف أَهله انْتهى وَقَالَ ابْن الْقيم فَإِذا جَاءَت هَذِه أَي النَّفس المطمئنة بتجريد الْمُتَابَعَة للرسول ص جَاءَت تِلْكَ أَي الْإِمَارَة بتحكيم آراء الرِّجَال وأقوالهم فَأَتَت بِالشُّبْهَةِ المضلة بِمَا يمْنَع من كَمَال الْمُتَابَعَة وتقسم بِاللَّه مَا مرادها إِلَّا الْإِحْسَان والتوفيق وَالله يعلم أَنَّهَا كَاذِبَة وَمَا مرادها إِلَّا التفلت من سجن الْمُتَابَعَة إِلَى فضاء إرادتها وحظوظها وتريه أَي وَترى النَّفس الأمارة صَاحبهَا تَجْرِيد الْمُتَابَعَة للنَّبِي ص وَتَقْدِيم قَوْله على الآراء فِي صُورَة تنقص الْعلمَاء وإساءة الْأَدَب عَلَيْهِم المفضي إِلَى إساءة الظَّن بهم وَأَنَّهُمْ قد فاتهم الصَّوَاب فَكيف لنا قُوَّة الرَّد عَلَيْهِم أَو نحظى بِالصَّوَابِ دونهم وتقاسمهم بِاللَّه إِن أَرَادَت إِلَّا إحسانا وتوفيقا أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم فَأَعْرض عَنْهُم وعظهم وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا وَالْفرق بَين تَجْرِيد مُتَابعَة الْمَعْصُوم وإهدار أَقْوَاله وإلغائها أَن تجرد الْمُتَابَعَة لَا تقدم على مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ قَول أحد وَلَا رَأْيه كَائِنا من كَانَ بل ينظر فِي صِحَة الحَدِيث أَو لَا فَإِذا صَحَّ نظر فِي مَعْنَاهُ ثَانِيًا فَإِذا تبين لَهُ لم يعدل

стр. 113

عَنهُ وَلَو خَالفه من بَين الْمشرق وَالْمغْرب ومعاذ الله أَن تتفق الْأمة على ترك مَا جَاءَ بِهِ نَبينَا ص بل لَا بُد أَن يكون فِي الْأمة من قَالَ بِهِ وَلَو خَفِي عَلَيْك فَلَا تجْعَل جهلك بالقائل حجَّة على الله تَعَالَى وَرَسُوله ص فِي تَركه بل اذْهَبْ إِلَى النَّص وَلَا تضعف وَاعْلَم أَنه قد قَالَ بِهِ قَائِل قطعا وَلَكِن لم يصل إِلَيْك علمه هَذَا مَعَ حفظ مَرَاتِب الْعلمَاء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم فِي حفظ الدّين وَضَبطه فهم ﵁ دائرون بَين الْأجر والأجرين وَالْمَغْفِرَة وَلَكِن لَا يُوجب هَذَا إهدار النُّصُوص وَتَقْدِيم قَول الْوَاحِد مِنْهُم عَلَيْهَا بِشُبْهَة أَنه أعلم مِنْك فَإِن كَانَ كَذَلِك فَمن ذهب إِلَى النُّصُوص أعلم فَهَلا وافقته إِن كنت صَادِقا فَمن عرض أَقْوَال الْعلمَاء على النُّصُوص ووزنها بهَا وَخَالف مِنْهَا مَا خَالف النَّص لم يهدر أَقْوَالهم وَلم يهضم جانبهم بل اقْتدى بهم فَإِنَّهُم كلهم أمروا بذلك بل مخالفتهم فِي ذَلِك أسهل من مخالفتهم فِي الْقَاعِدَة الْكُلية الَّتِي أمروا بهَا ودعوا إِلَيْهَا من تَقْدِيم النَّص على أَقْوَالهم وَمن هَذَا تبين الْفرق بَين تَقْلِيد الْعَالم فِي جَمِيع مَا قَالَ وَبَين الِاسْتِعَانَة بفهمه والاستضاءة بِنور علمه فَالْأول يَأْخُذ قَوْله من غير نظر فِيهِ وَلَا طلب دَلِيله من الْكتاب وَالسّنة والمستعين بإفهامهم يجعلهم بِمَنْزِلَة الدَّلِيل فَإِذا وصل اسْتغنى بدلالته عَن الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ فَمن اسْتدلَّ بِالنَّجْمِ على الْقبْلَة لم يبْق لاستدلاله معنى إِذا شَاهدهَا قَالَ الشَّافِعِي أجمع النَّاس على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله ﷺ لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد وَمن هَذَا تبين الْفرق بَين الحكم الْمنزل الْوَاجِب الِاتِّبَاع وَالْحكم المؤول الَّذِي غَايَته أَن يكون جَائِز الِاتِّبَاع بِأَن الأول هُوَ الَّذِي أنزل الله تَعَالَى على رَسُوله ص متلوا أَو غير متلو إِذا صَحَّ وَسلم من الْمُعَارضَة وَهُوَ حكمه الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ وَلَا حكم لَهُ سواهُ وَإِن الثَّانِي أَقْوَال الْمُجْتَهدين الْمُخْتَلفَة الَّتِي لَا يجب اتباعها وَلَا يكفر وَلَا يفسق من خالفها فَإِن أَصْحَابهَا لم يَقُولُوا هَذَا حكم الله وَرَسُوله قطعا وحاشاهم عَن قَول ذَلِك وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ النَّهْي عَنهُ فِي قَوْله وَإِذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تجْعَل لَهُم ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله ص فَلَا تجْعَل لَهُم ذمَّة الله وَلَا ذمَّة نبيه وَلَكِن اجْعَل لَهُم ذِمَّتك وَذمَّة أَصْحَابك فَإِنَّكُم إِن تخفروا ذممكم وَذمَّة أصحابكم أَهْون من أَن تخفروا ذمَّة الله وَرَسُوله ص وَإِذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تنزلهم على حكم الله فَلَا تنزلهم على حكم الله وَلَكِن أنزلهم على حكمك فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله أم لَا أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَمُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث بُرَيْدَة بل قَالُوا اجتهدنا رَأينَا فَمن شَاءَ قبله وَمن شَاءَ لم يقبله وَلم يلْزم أحد مِنْهُم بقول الْأَئِمَّة قَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة هَذَا رَأْيِي فَمن جَاءَ بِخَير مِنْهُ قبلته انْتهى وَلَو كَانَ هُوَ عَن حكم الله لما سَاغَ لأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهمَا مُخَالفَته فِيهِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك لما استشاره هَارُون الرشيد فِي أَن يحمل النَّاس على مَا فِي الْمُوَطَّأ فَمَنعه من ذَلِك وَقَالَ قد تفرق أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي الْبِلَاد

стр. 114

وَصَارَ عِنْد كل قوم من الْأَحَادِيث مَا لَيْسَ عِنْد الآخرين وَهَذَا الشَّافِعِي نهى أَصْحَابه عَن تَقْلِيده ويوصيهم بترك قَوْله إِذا جَاءَ الحَدِيث بِخِلَافِهِ وَهَذَا الإِمَام أَحْمد مُنكر على من كتب فَتَاوِيهِ ودونها وَيَقُول لَا تقلدني وَلَا تقلد فلَانا وَفُلَانًا وَخذ من حَيْثُ أخذُوا انْتهى كَلَام ابْن الْقيم بِطُولِهِ وَقَالَ فِي أَعْلَام الموقعين وَكَانَ أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى شَدِيد الْكَرَاهَة لتصنيف الْكتب وَكَانَ يحب تَجْرِيد الحَدِيث وَيكرهُ أَن يكْتب كَلَامه ويشتد عَلَيْهِ جدا فَعلم الله حسن نِيَّته وقصده فَكتب من كَلَامه وفتواه أَكثر من ثَلَاثِينَ سفرا وَجمع الْخلال نصوصه فِي الْجَامِع الْكَبِير فَبلغ عشْرين سفرا أَو أَكثر وَكَانَت فتواه مَبْنِيَّة على خَمْسَة اصول أَحدهَا النُّصُوص فَإِذا وجد النَّص أَي الْكتاب أَو السّنة أفتى بِمُوجبِه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه وَلَا من خَالفه كَائِنا من كَانَ وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى خلاف عمر فِي المبتوتة لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَلَا إِلَى خِلَافه فِي التَّيَمُّم للْجنب لحَدِيث عمار بن يَاسر وَلَا خِلَافه فِي اسْتِدَامَة الْمحرم الطّيب الَّذِي تطيب بِهِ قبل إِحْرَامه لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِك وَلَا خِلَافه فِي منع الْمُفْرد والقارن من الْفَسْخ إِلَى التَّمَتُّع لصِحَّة أَحَادِيث الْفَسْخ وَكَذَا لم يلْتَفت إِلَى قَول عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَأبي أَيُّوب وَأبي بن كَعْب ﵃ فِي ترك الْغسْل من الإكسال لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا فعلته هِيَ وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلا وَلم يلْتَفت إِلَى قَول ابْن عَبَّاس وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن عَليّ أَن عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا الْحَامِل أقْصَى الْأَجَليْنِ

стр. 115

لصِحَّة حَدِيث سبيعة الأسْلَمِيَّة وَلم يلْتَفت إِلَى قَول معَاذ وَمُعَاوِيَة فِي تَوْرِيث الْمُسلم من الْكَافِر لصِحَّة الحَدِيث الْمَانِع من التَّوَارُث بَينهمَا وَلم يلْتَفت إِلَى قَول ابْن عَبَّاس فِي الصّرْف لصِحَّة الحَدِيث بِخِلَافِهِ وَلَا إِلَى قَوْله بِإِبَاحَة لُحُوم الْحمر كَذَلِك وَهَذَا كثير جدا وَلم يكن يقدم على الحَدِيث الصَّحِيح عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا قَول صَاحب وَلَا عدم علمه بالمخالف الَّذِي يُسَمِّيه كثير من النَّاس إِجْمَاعًا ويقدمونه على الحَدِيث الصَّحِيح وَقد كذب أَحْمد من ادّعى الْإِجْمَاع وَلم يسغْ تَقْدِيمه على الحَدِيث الثَّابِت وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي أَيْضا نَص فِي رسَالَته الجديدة على أَن مَالا يعلم فِيهِ الْخلاف لَا يُقَال لَهُ إِجْمَاع وَلَفظه مَالا يعلم فِيهِ خلاف فَلَيْسَ إِجْمَاعًا وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل سَمِعت أبي يَقُول مَا يدعى فِيهِ الرجل الْإِجْمَاع فَهُوَ كذب من ادّعى الْإِجْمَاع فَهُوَ كَاذِب لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا مَا يدريه وَلم ينْتَه إِلَيْهِ فَلْيقل لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم وَلَكِن يَقُول وَلَكِن لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا وَلم يبلغنِي ذَلِك هَذَا لَفظه ونصوص رَسُول الله ﷺ عِنْد الإِمَام أَحْمد وَسَائِر أَئِمَّة الحَدِيث أجل من أَن تقدم عَلَيْهَا توهم إِجْمَاع مضمونه عدم الْعلم بالمخالف وَلَو سَاغَ لتعطلت النُّصُوص وساغ لكل من لم يعلم مُخَالفا فِي حكم مَسْأَلَة أَن يقدم جَهله بالمخالف على النُّصُوص فَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكرهُ الإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ من دَعْوَى الْإِجْمَاع لَا مَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه استبعاد لوُجُوده الأَصْل الثَّانِي من أصُول فتاوي الإِمَام أَحْمد مَا أفتى بِهِ الصَّحَابَة فَإِنَّهُ إِذا وجد لبَعْضهِم فَتْوَى لَا يعرف لَهُ مُخَالف مِنْهُم فِيهَا لم يعدها إِلَى غَيرهَا وَلم يقل إِن ذَلِك إِجْمَاع بل من ورعه فِي الْعبارَة يَقُول لَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ أَو نَحْو هَذَا كَمَا قَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب لَا أعلم شَيْئا يدْفع قَول ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأحد عشر من التَّابِعين

стр. 116

عَطاء وَمُجاهد وَأهل الْمَدِينَة على قبُول شَهَادَة العَبْد وَهَكَذَا قَالَ أنس بن مَالك لَا أعلم أحدا رد شَهَادَة العَبْد حَكَاهُ عَنهُ الإِمَام أَحْمد وَإِذا وجد الإِمَام أَحْمد هَذَا النَّوْع عَن الصَّحَابَة لم يقدم عَلَيْهَا عملا ورأيا وَلَا قِيَاسا الأَصْل الثَّالِث من أُصُوله إِذا اخْتلف الصَّحَابَة تخير من أَقْوَالهم مَا كَانَ أقربها إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلم يخرج عَن أَقْوَالهم فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ مُوَافقَة أحد الْأَقْوَال حكى الْخلاف فِيهَا وَلم يجْبر بقول قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن هاني فِي مسَائِله قيل لأبي عبد الله يكون الرجل فِي قَرْيَة يسْأَل عَن الشَّيْء فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ يُفْتِي بِمَا وَافق الْكتاب وَالسّنة ومالم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة يمسك عَنهُ قيل لَهُ أفتخاف عَلَيْهِ قَالَ لَا الأَصْل الرَّابِع الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس وَلَيْسَ المُرَاد بالضعيف عِنْده الْبَاطِل وَلَا الْمُنكر وَلَا مَا فِي رِوَايَته مُتَّهم بِحَيْثُ لَا يسوغ الذّهاب إِلَيْهِ وَالْعَمَل بِهِ بل الحَدِيث الضَّعِيف عِنْده قسيم الصَّحِيح وَقسم من أَقسَام الْحسن وَلم يكن يقسم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف بل إِلَى صَحِيح وَضَعِيف وللضعيف عِنْده مَرَاتِب فَإِذا لم يجد فِي الْكتاب أثرا يَدْفَعهُ وَلَا قَول صَاحب وَلَا إِجْمَاع على خِلَافه كَانَ الْعَمَل بِهِ عِنْده أولى من الْقيَاس وَلَيْسَ أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا هُوَ مُوَافقَة على هَذَا الأَصْل من حَيْثُ الْجُمْلَة فَإِنَّهُ مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد قدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس فَقدم أَبُو حنيفَة حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس وَأجْمع أهل الحَدِيث على ضعفه وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس وَأكْثر أهل الحَدِيث يُضعفهُ وَقدم حَدِيث أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام وَهُوَ ضَعِيف باتفاقهم على مَحْض الْقيَاس فَإِن الدَّم الَّذِي ترَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر مسَاوٍ فِي الْحَد والحقيقة وَالصّفة لدم الْيَوْم الْعَاشِر وَقدم حَدِيث لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم وَأَجْمعُوا على ضعفه بل بُطْلَانه على مَحْض الْقيَاس فَإِن بذل الصَدَاق مُعَاوضَة فِي مُقَابلَة بذل الْبضْع فَمَا تَرَاضيا عَلَيْهِ جَازَ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا وَقدم الشَّافِعِي خبر تَحْرِيم صيد وَجمع ضعفه على الْقيَاس وَقدم خبر جَوَاز الصَّلَاة بِمَكَّة فِي وَقت النَّهْي مَعَ ضعفه مُخَالفَته الْقيَاس على غَيرهَا من الْبِلَاد وَقدم فِي أحد قوليه حَدِيث من قاء أَو رعف فَليَتَوَضَّأ وليبن على صلَاته على الْقيَاس مَعَ ضعف الْخَبَر وإرساله وَأما مَالك فَإِنَّهُ يقدم الحَدِيث الْمُرْسل والمنقطع والبلاغات وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس فَإِذا لم يكن عِنْد الإِمَام أَحْمد فِي الْمَسْأَلَة نَص وَلَا قَول صَحَابِيّ أَو وَاحِد مِنْهُم وَلَا أثر مُرْسل أَو ضَعِيف عدل إِلَى

стр. 117

الأَصْل الْخَامِس وَهُوَ الْقيَاس فَاسْتَعْملهُ للضَّرُورَة وَقد قَالَ فِي كتاب الْخلال سَأَلت الشَّافِعِي ﵀ عَن الْقيَاس فَقَالَ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَهَذِهِ الْأُصُول الْخَمْسَة من أصُول فَتَاوِيهِ وَعَلَيْهَا مدارها وَقد يتَوَقَّف فِي الْفَتْوَى لتعارض الْأَدِلَّة عِنْده أَو لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهَا أَو لعدم اطِّلَاعه فِيهَا على أثر أَو قَول أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكَانَ شَدِيد الْكَرَاهَة وَالْمَنْع للإفتاء بِمَسْأَلَة لَيْسَ فِيهَا أثر عَن السّلف وَكَانَ كثيرا مَا سُئِلَ بِمَا فِيهِ الِاخْتِلَاف فَيَقُول لَا أَدْرِي وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد فِي مسَائِله سَمِعت أبي يَقُول قَالَ عبد الرحمن بن مهْدي سَأَلَ رجل من اهل الْمغرب مَالك بن أنس عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله تَقول لَا أَدْرِي قَالَ نعم فأبلغ من وَرَاءَك أَنِّي لَا أَدْرِي وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد كنت أسمع كثيرا مَا يسئل فَيَقُول لَا أَدْرِي وَيقف إِذا كَانَت مَسْأَلَة فِيهَا اخْتِلَاف وَكَثِيرًا مَا يَقُول سل غَيْرِي وَقد حرم الله القَوْل عَلَيْهِ بِغَيْر علم فِي الْفتيا وَالْقَضَاء وَجعله فِي المرتية الْعليا مِنْهَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ فرتب الْمُحرمَات على أَربع مَرَاتِب وَبَدَأَ بأسهلها وَهُوَ الْفَوَاحِش ثمَّ ثني بِمَا هُوَ أَشد تَحْرِيمًا مِنْهُ وَهُوَ الْإِثْم وَالظُّلم ثمَّ ثلث بِمَا هُوَ أعظم تَحْرِيمًا وَهُوَ الشّرك بِاللَّه سُبْحَانَهُ ثمَّ ربع بِمَا هُوَ أَشد تَحْرِيمًا من ذَلِك كُله وَهُوَ القَوْل عَلَيْهِ بِلَا علم وَهَذَا يعم القَوْل عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِلَا علم فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله وأقواله وَفِي دينه وشرعه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ فَتقدم إِلَيْهِم سُبْحَانَهُ بالوعيد على الْكَذِب عَلَيْهِ فِي أَحْكَامه وَقَوْلهمْ لما لم يحرمه هَذَا حرَام وَلما لم يحله هَذَا حَلَال وَهَذَا بَيَان مِنْهُ سُبْحَانَهُ أَنه لَا يجوز للْعَبد أَن يَقُول هَذَا حرَام وَهَذَا حَلَال إِلَّا بِمَا علم أَن الله تَعَالَى أحله أَو حرمه وَقَالَ بعض السّلف ليتق أحدكُم أَن يَقُول أحل الله كَذَا وَحرم كَذَا فَيَقُول الله تَعَالَى كذبت لم أحل كَذَا وَلم أحرم كَذَا فَلَا يَنْبَغِي أَن يَقُول لما لَا يعلم وُرُود الْوَحْي الْمُبين بتحليله وتحريمه أحل الله وَحرم الله بِمُجَرَّد التَّقْلِيد أَو بالتأويل وَقد نهى النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أميره بُرَيْدَة أَن ينزل عدوه إِذا حَاصَرَهُمْ على حكم الله وَقَالَ فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله فيهم أم لَا وَلَكِن أنزلهم على حكمك وَحكم أَصْحَابك فَتَأمل كَيفَ فرق الله بَين حكم الله وَحكم الْأَمِير الْمُجْتَهد وَنهى أَن يُسمى حكم الْمُجْتَهدين حكم الله وَمن هَذَا لما كتب الْكَاتِب بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب حكما حكم بِهِ فَقَالَ هَذَا مَا أرى الله امير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب

стр. 118

فَقَالَ لَا تقل هَكَذَا وَلَكِن قل هَذَا مَا رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه صَالح عَنهُ يَنْبَغِي للرجل إِذا حمل نَفسه على الْفتيا أَن يكون عَالما بِوُجُوه الْقُرْآن عَالما بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة عَالما بالسنن وَإِنَّمَا جَاءَ خلاف من خَالف لقلَّة معرفتهم بِمَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَقلة معرفتهم لصحيحها من سقيمها وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ سَمِعت أبي يَقُول لَا تكَاد ترى أحدا نظر فِي الرَّأْي إِلَّا وَفِي قلبه دغل وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد أَيْضا سَمِعت أبي يَقُول الحَدِيث الضَّعِيف أحب إِلَيّ من الرَّأْي وَقَالَ عبد الله سَأَلت أبي عَن الرجل يكون بِبَلَد لَا يجد فِيهِ إِلَّا صَاحب حَدِيث لَا يعرف صَحِيحه وسقيمه وَأَصْحَاب الرَّأْي فتنزل بهم النَّازِلَة فَقَالَ أَي يسْأَل فَقَالَ يسْأَل أَصْحَاب الحَدِيث وَلَا يسْأَل أَصْحَاب الرَّأْي ضَعِيف الحَدِيث أقوى عندنَا من الرَّأْي وَالْحَاصِل أَن السّلف كلهم على ذمّ الرَّأْي وَالْقِيَاس الْمُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَأَنه لَا يحل الْعَمَل بِهِ لَا فتيا وَلَا قَضَاء وَإِن الرَّأْي الَّذِي لَا يعلم مُخَالفَته للْكتاب وَالسّنة وَلَا مُوَافَقَته فغايته أَن يسوغ الْعَمَل بِهِ عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ من غير إِلْزَام وَلَا إِنْكَار على من خَالفه والتقليد الْمنْهِي عَنهُ منقسم على ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا الْإِعْرَاض عَمَّا أنزل الله تَعَالَى وَعدم الِالْتِفَات إِلَيْهِ اكْتِفَاء بتقليد الْآبَاء الثَّانِي تَقْلِيد من لَا يعلم الْمُقَلّد أَنه أهل أَن يَأْخُذ بقوله الثَّالِث التَّقْلِيد بعد قيام الْحجَّة وَظُهُور الدَّلِيل على خلاف قَول الْمُقَلّد وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين النَّوْع الأول أَن الأول قلد قبل تمكنه من الْعلم وَالْحجّة وَهَذَا قلد بعد ظُهُور الْحجَّة فَهُوَ أولى بالذم ومعصية الله تَعَالَى وَرَسُوله انْتهى قلت وَقد تقدم فِي الْمُقدمَة آيَات من الْقُرْآن تدل على ذمّ التَّقْلِيد بأقسامه قَالَ ابْن الْقيم فَإِن قيل إِنَّمَا ذمّ الله تَعَالَى من قلد الْكفَّار وآباءه الَّذين لَا يعْقلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ وَلم يذم من قلد الْعلمَاء المهتدين بل قد أَمر بسؤال أهل الذّكر وهم أهل الْعلم وَذَلِكَ تَقْلِيد لَهُم فَقَالَ تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَهَذَا امْر لمن لَا يعلم بتقليد من يعلم فَالْجَوَاب أَن الله سُبْحَانَهُ ذمّ من أعرض عَمَّا أنزلهُ إِلَى تَقْلِيد الْآبَاء وَهَذَا الْقدر من التَّقْلِيد هُوَ مِمَّا اتّفق السّلف وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة على ذمه وتحريمه وَأما تَقْلِيد من بذل جهده فِي اتِّبَاع مَا أنزل الله تَعَالَى وخفي عَلَيْهِ بعضه فقلد فِيهِ من هُوَ أعلم مِنْهُ فَهَذَا مَحْمُود غير مَذْمُوم ومأجور وَهُوَ التَّقْلِيد الْوَاجِب وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ والتقليد لَيْسَ بِعلم بِاتِّفَاق أهل الْعلم قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ فَأمر بِاتِّبَاع الْمنزل خَاصَّة والمقلد لَيْسَ لَهُ علم أَن

стр. 119

هَذَا هُوَ الْمنزل وَإِن كَانَت قد ثبتَتْ لَهُ الدّلَالَة فِي خلاف قَول من قَلّدهُ فقد علم أَن تَقْلِيده فِي خِلَافه اتِّبَاع لغير الْمنزل وَقَالَ ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ فمنعنا سُبْحَانَهُ من الرَّد إِلَى غَيره وَغير رَسُوله ﷺ وَهَذَا مُبْطل للتقليد وَقَالَ ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة﴾ وَلَا وليجة أعظم من جعله رجلا بِعَيْنِه مُخْتَارًا على كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُوله ﷺ وَكَلَام سَائِر الْأَئِمَّة يقدمهُ على ذَلِك كُله ويعرض كتاب الله وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع الْأمة على قَوْله فَمَا وَافقه مِنْهَا قبله لموافقته لقَوْله وَمَا خَالفه مِنْهَا عطف فِي رده وتطلب لَهُ وُجُوه الْحِيَل فَإِن لم تكن هَذِه الوليجة فَلَا نَدْرِي مَا الوليجة وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ وَهَذَا نَص فِي إبِْطَال التَّقْلِيد فَإِن قيل إِنَّمَا ذمّ من قلد من أضلّهُ السَّبِيل وَأما من هداه السَّبِيل فَأَيْنَ ذمّ تَقْلِيده قلت جَوَاب هَذَا السُّؤَال فِي نفس السُّؤَال فَإِنَّهُ لَا يكون العَبْد مهتديا حَتَّى يتبع مَا أنزل الله تَعَالَى على رَسُوله فَهَذَا الْمُقَلّد إِن كَانَ يعرف مَا أنزل الله تَعَالَى فَهُوَ مستهد وَلَيْسَ بمقلد وَإِن لم يعرف مَا أنزل الله تَعَالَى على رَسُوله فَهُوَ ضال جَاهِل بِإِقْرَارِهِ على نَفسه فَمن أَيْن يعرف أَنه على هدى فِي تَقْلِيده وَهَذَا جَوَاب كل سُؤال يُورد فِي هَذَا الْبَاب فِي أَنهم إِنَّمَا يقلدون أهل الْهدى فهم فِي تقليدهم على هدى فَإِن قيل فَأنْتم تقرون أَن الْأَئِمَّة المقلدين فِي الدّين على هدى فمقلدوهم على هدى قطعا لأَنهم سالكون خَلفهم قيل سلوكهم خَلفهم مُبْطل لتقليدهم لَهُم قطعا فَإِن طريقتهم كَانَت اتِّبَاع الْحجَّة وَالنَّهْي عَن تقليدهم كَمَا تقدم نَقله عَنْهُم فَمن ترك الْحجَّة وارتكب مَا نهوا عَنهُ وَنهى الله تَعَالَى وَرَسُوله ص عَنهُ قبلهم فَلَيْسَ على طريقتهم بل هُوَ من الْمُخَالفين لَهُم وَإِنَّمَا يكون على طريقتهم من اتبع الْحجَّة وانقاد للدليل وَلم يتَّخذ رجلا بِعَيْنِه سوى الرَّسُول ﷺ يَجعله مُخْتَارًا على الْكتاب وَالسّنة يعرضهما على قَوْله وَبِهَذَا يظْهر بطلَان فهم من جعل التَّقْلِيد اتبَاعا وإبهامه وتلبيسه بل هُوَ مُخَالف لِلِاتِّبَاعِ وَقد فرق الله تَعَالَى وَرَسُوله ص وَأهل الْعلم بَينهمَا فَإِن الِاتِّبَاع سلوك طَرِيق المتبع والإتيان بِمثل مَا أَتَى بِهِ انْتهى كَلَام صَاحب أَعْلَام الموقعين وَقد تقدم الْفرق بَينهمَا فِي الْمُقدمَة فَلَا وَجه للإعادة وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 120

الخاتمة فِي إبِْطَال شبه المقلدين وَالْجَوَاب عَمَّا أوردوه على المتبعين أهل الْأَهْوَاء المتعصبين قَالَ ابْن الْقيم فِي الْأَعْلَام فصل فِي عقد مجْلِس مناظرة بَين مقلد معاند وَصَاحب حجَّة منقاد للحق حَيْثُ كَانَ قَالَ الْمُقَلّد نَحن معاشر المقلدين ممتثلون قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ فَأمر سُبْحَانَهُ من لَا علم لَهُ أَن يسْأَل من هُوَ أعلم وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَلَقَد أرشدنا النَّبِي ﷺ إِلَى سُؤال من يعلم فَقَالَ فِي حَدِيث صَاحب الشَّجَّة أَلا سَأَلُوا إِذْ لم يعلمُوا إِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال وَقَالَ أَبُو العسيف الَّذِي زنى ابْنه بِامْرَأَة مستأجرة وَإِنِّي سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن على ابْني جلد مائَة وَأَن على امْرَأَة هَذَا الرَّجْم فَلم يُنكر عَلَيْهِ تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ وَهَذَا عَالم الأَرْض عمر قد قلد أَبَا بكر فروى شُعْبَة عَن عَاصِم الْأَحول عَن الشّعبِيّ أَن أَبَا بكر قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقْْضِي فِيهَا فَإِن يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله بَرِيء وَهُوَ مَا دون الْوَلَد وَالْوَالِد فَقَالَ عمر بن الْخطاب إِنِّي لأستحيي من الله أَن أُخَالِف أَبَا بكر وَصَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ رَأينَا تبع لرأيك وَصَحَّ عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يَأْخُذ بقول عمر وَقَالَ الشّعبِيّ كَانَ سِتَّة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يفتون النَّاس ابْن مَسْعُود وَعمر بن الْخطاب وَعلي وَزيد بن ثَابت وَأبي بن كَعْب وَأَبُو مُوسَى وَكَانَ ثَلَاثَة مِنْهُم يدعونَ قَوْلهم لقَوْل ثَلَاثَة كَانَ عبد الله يدع قَوْله لقَوْل عمر وَكَانَ أَبُو مُوسَى يدع قَوْله لقَوْل عَليّ وَكَانَ زيد يدع قَوْله لقَوْل أبي بن كَعْب وَقَالَ حبيب مَا كنت أدع قَول ابْن مَسْعُود لقَوْل أحد من النَّاس وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِن معَاذًا قد سنّ لكم سنة وَذَلِكَ مَا فعله فِي شَأْن الصَّلَاة حَيْثُ أخر قضاءما فَاتَهُ مَعَ الإِمَام إِلَى بعد الْفَرَاغ وَكَانُوا يصلونَ مَا فاتهم أَولا ثمَّ يدْخلُونَ مَعَ الإِمَام وَقَالَ المقلدون وَقد أَمر الله تَعَالَى بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله ص وأولي الْأَمر وهم الْعلمَاء أَو الْعلمَاء والأمراء وطاعتهم تقليدهم فِيمَا يفتون بِهِ فَإِنَّهُ لَوْلَا تقليدهم لم يكن هُنَاكَ طَاعَة اخْتصَّ بهم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾

стр. 121

وتقليدهم اتِّبَاع لَهُم ففاعله مِمَّن ﵁ وَيَكْفِي فِي ذَلِك الحَدِيث الْمَشْهُور أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود من كَانَ مستنا فَليَسْتَنَّ بِمن قد مَاتَ فَإِن الْحَيّ لَا يُؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أبر هَذِه الْأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اخْتَارَهُمْ الله لصحبة نبيه ص وَإِقَامَة دينه فاعرفوا لَهُم حَقهم وتمسكوا بهديهم فَإِنَّهُم كَانُوا على الْهدى الْمُسْتَقيم وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي وَقَالَ اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر واهتدوا بِهَدي عمار وتمسكوا بِعَهْد ابْن أم عبد وَقد كتب عمر إِلَى شُرَيْح أَن اقْضِ بِمَا فِي كتاب الله فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فبسنة رَسُول الله ﷺ فَإِن لم يكن فِي سنة رَسُول الله ﷺ فَاقْض بِمَا قضى بِهِ الصالحون وَقد منع عمر من بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَتَبعهُ الصَّحَابَة وألزم بِالطَّلَاق الثَّلَاث واتبعوه أَيْضا واحتلم مرّة فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ خُذ ثوبا غير ثَوْبك فَقَالَ لَو فعلتها صَارَت سنة وَقد قَالَ أبي بن كَعْب وَغَيره من الصَّحَابَة مَا استبان لَك فاعمل بِهِ وَمَا اشْتبهَ عَلَيْك فكله إِلَى عالمه وَقد كَانَ الصَّحَابَة ﵃ يفتون وَرَسُول الله ﷺ حَيّ بَين أظهرهم وَهَذَا تَقْلِيد لَهُم قطعا إِذْ قَوْلهم لَا يكون حجَّة فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فَأوجب عَلَيْهِم قبُول ماأنذروهم بِهِ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم وَهَذَا تَقْلِيد مِنْهُم للْعُلَمَاء وَصَحَّ عَن ابْن الزبير أَنه سُئِلَ عَن الْجد والأخوة فَقَالَ أما الَّذِي قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كنت متخذا خَلِيلًا من أهل الأَرْض لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا فَإِنَّهُ أنزلهُ أَبَا وَهَذَا ظَاهر فِي تَقْلِيده لَهُ وَقد أَمر الله سُبْحَانَهُ بِقبُول شَهَادَة الشَّاهِد وَذَلِكَ تَقْلِيد لَهُ وَجَاءَت الشَّرِيعَة بِقبُول قَول الْقَائِف والخارص وَالقَاسِم والمقوم للمتلفات وَغَيرهَا والحاكمين بِالْمثلِ فِي جَزَاء الصَّيْد وَذَلِكَ تَقْلِيد مَحْض وَاجْتمعت الْأمة على قبُول قَول المترجم وَالرَّسُول والمعرف والمعدل وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز الِاكْتِفَاء بِوَاحِد وَذَلِكَ تَقْلِيد مَحْض لهَؤُلَاء وَأَجْمعُوا على جَوَاز شِرَاء اللحمان وَالثيَاب والأطعمة وَغَيرهَا من غير سُؤال عَن أَسبَاب حلهَا وتحريمها اكتفاءا بتقليد أَرْبَابهَا وَلَو كلف النَّاس كلهم الِاجْتِهَاد وَأَن يَكُونُوا عُلَمَاء لضاعت مصَالح الْعباد وتعطلت الصَّنَائِع والمتاجر وَكَانَت النَّاس كلهم عُلَمَاء مجتهدين وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ شرعا وَالْقدر قد منع من وُقُوعه وَقد أجمع النَّاس على تَقْلِيد الزَّوْج للنِّسَاء اللَّاتِي يهدين إِلَيْهِ زَوجته وَجَوَاز وَطئهَا تقليدا لَهُنَّ فِي كَونهَا هِيَ زَوجته وَأَجْمعُوا على أَن الْأَعْمَى يُقَلّد فِي الْقبْلَة وعَلى تَقْلِيد الْأَئِمَّة فِي الطَّهَارَة وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَمَا يَصح بِهِ الِاقْتِدَاء وعَلى تَقْلِيد الزَّوْجَة مسلمة كَانَت أَو ذِمِّيَّة أَنَّهَا قد طهرت من

стр. 122

حَيْضهَا وَيُبَاح للزَّوْج وَطْؤُهَا بالتقليد وَيُبَاح للْوَلِيّ تَزْوِيجهَا بالتقليد لَهَا فِي انْقِضَاء عدتهَا وعَلى جَوَاز تَقْلِيد النَّاس للمؤذنين فِي دُخُول الْأَوْقَات للصَّلَاة وَلَا يجب عَلَيْهِم الِاجْتِهَاد وَمَعْرِفَة ذَلِك بِالدَّلِيلِ وَقد قَالَت الْأمة السَّوْدَاء لعقبة بن الْحَارِث أَرْضَعتك وأرضعت امْرَأَتك فَأمره النَّبِي ﷺ بفراقها وتقليدها فِيمَا أخْبرت من ذَلِك وَقد صرح الْأَئِمَّة بِجَوَاز التَّقْلِيد فَقَالَ جَعْفَر بن غياث سَمِعت سُفْيَان يَقُول إِذا رَأَيْت الرجل يعْمل الْعَمَل الَّذِي قد اخْتلف فِيهِ وَأَنت ترى تَحْرِيمه فَلَا تتهمه وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن يجوز للْعَالم تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ وَلَا يجوز لَهُ تَقْلِيد من هُوَ مثله وَقد صرح الشَّافِعِي بالتقليد فَقَالَ وَفِي الضبع بعير قَتله تقليدا لعطاء وَقَالَ فِي مَسْأَلَة بيع الْحَيَوَان بِالْبَرَاءَةِ من الْعُيُوب قلته تقليدا لعُثْمَان وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الْجد مَعَ الْإِخْوَة أَنه يقاسمهم ثمَّ قَالَ وَإِمَّا قلت بقول زيد وَعنهُ أَخذ أَكثر الْفَرَائِض وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر من كِتَابه الْجَدِيد قلته تقليدا لعطاء وَهَذَا أَبُو حنيفَة فِي مسَائِل الْآثَار لَيْسَ مَعَه فِيهَا إِلَّا تَقْلِيد من تقدمه من التَّابِعين فِيهَا وَهَذَا مَالك لَا يخرج عَن عمل أهل الْمَدِينَة وَيُصَرح فِي موطئِهِ أَنه أدْرك الْعَمَل على هَذَا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أهل الْعلم ببلدنا وَيَقُول فِي غير مَوضِع مَا رَأَيْت أحدا اقْتدى بِهِ يَفْعَله وَلَو جَمعنَا ذَلِك من كَلَامه لطال وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي الصَّحَابَة رَأْيهمْ لنا خير من رَأينَا لأنفسنا وَنحن نقُول أَن رَأْي الشَّافِعِي وَالْأَئِمَّة مَعَه خير لنا من رَأينَا لأنفسنا وَقد جعل الله تَعَالَى فِي فطر الْعباد تَقْلِيد المتعلمين للأستاذين والمعلمين وَلَا تقوم مصَالح الْخلق إِلَّا بِهَذَا وَذَلِكَ عَام فِي كل علم وصناعة وَقد فاوت الله سُبْحَانَهُ بَين قوى الأذهان كَمَا فاوت بَين قوى الْأَبدَان فَلَا يحسن فِي حكمته وعدله وَرَحمته أَن يفْرض على جَمِيعهم معرفَة الْحق بدليله وَالْجَوَاب عَن معارضته فِي جَمِيع مسَائِل الدّين دقيقها وجليلها وَلَو كَانَ كَذَلِك لتساوت أَقْدَام الخليقة فِي كَونهم عُلَمَاء بل جعل الله سُبْحَانَهُ هَذَا عَالما وَهَذَا متعلما وَهَذَا مُتبعا للْعَالم مؤتما بِهِ بِمَنْزِلَة الْمَأْمُوم مَعَ الإِمَام وَالتَّابِع مَعَ الْمَتْبُوع وَأَيْنَ حرم الله تَعَالَى على الْجَاهِل أَن يكون مُتبعا للْعَالم مؤتما بِهِ مُقَلدًا لَهُ يسير بسيره وَينزل بنزوله وَقد علم الله سُبْحَانَهُ أَن الْحَوَادِث والنوازل كل وَقت نازلة بالخلق فَهَل فرض على كل مِنْهُم فرض عين أَن يَأْخُذ حكم نازلة من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة بشروطها ولوازمها وَهل ذَلِك فِي إِمْكَان فضلا عَن كَونه مَشْرُوعا وَهَؤُلَاء أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فتحُوا الْبِلَاد وَكَانَ حَدِيث الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ يسألهم فيفتونه وَلَا يَقُولُونَ لَهُ وَعَلَيْك أَن تطلب معرفَة الْحق فِي هَذِه الْفَتْوَى بِالدَّلِيلِ وَلَا يعرف ذَلِك من أحد مِنْهُم الْبَتَّةَ وَهل التَّقْلِيد إِلَّا من لَوَازِم التَّكْلِيف ولوازم الْوُجُود فَهُوَ من لَوَازِم الشَّرْع وَالْقدر والمنكرون لَهُ مضطرون إِلَيْهِ وَلَا بُد وَذَلِكَ فِيمَا تقدم بَيَانه من الْأَحْكَام وَغَيرهَا

стр. 123

ونقول لمن احْتج على إِبْطَاله كل حجَّة أثرية ذكرتها فَأَنت مقلد لملتها ورواتها إِذا لم يتم دَلِيل قَطْعِيّ على صدقهم فَلَيْسَ بِيَدِك إِلَّا تَقْلِيد الرَّاوِي وَلَيْسَ بيد الْحَاكِم إِلَّا تَقْلِيد الشَّاهِد وَكَذَلِكَ لَيْسَ بيد الْعَاميّ إِلَّا تَقْلِيد الْعَالم فَمَا الَّذِي سوغ لَك تَقْلِيد الرَّاوِي وَالشَّاهِد ومنعنا من تَقْلِيد الْعَالم وَهَذَا سمع بأذنه مَا رَوَاهُ وَهَذَا عقل بِقَلْبِه مَا سَمعه فَأدى هَذَا مسموعه وَأدّى هَذَا معقوله وَفرض على هَذَا تأدية مَا سَمعه وعَلى هَذَا تأدية مَا عقله وعَلى من لم يبلغ منزلتهما الْقبُول مِنْهُمَا ثمَّ يُقَال للمانعين من التَّقْلِيد أَنْتُم منعتموه خشيَة وُقُوع الْمُقَلّد فِي الْخَطَأ بِأَن يكون من قَلّدهُ مخطئا فِي فتواه ثمَّ أوجبتم عَلَيْهِ النّظر وَالِاسْتِدْلَال فِي طلب الْحق وَلَا ريب أَن صَوَابه فِي تَقْلِيده للْعَالم أقرب من صَوَابه فِي اجْتِهَاده هُوَ لنَفسِهِ وَهَذَا كمن أَرَادَ شِرَاء سلْعَة لَا خبْرَة لَهُ بهَا فَإِنَّهُ إِذا قلد عَالما بِتِلْكَ السّلْعَة خَبِيرا بهَا أَمينا ناصحا كَانَ صَوَابه وَحُصُول غَرَضه أقرب من اجْتِهَاده لنَفسِهِ وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعُقَلَاء وَقَالَ أَصْحَاب الْحجَّة عجبا لكم معاشر المقلدين الشَّاهِدين على أنفسهم مَعَ شَهَادَة أهل الْعلم بِأَنَّهُم لَيْسُوا من أَهله وَلَا معدودين فِي زمرة جيله كَيفَ ابطلتم مذهبكم بِنَفس دليلكم فَمَا للمقلد وَمَا للاستدلال وَأَيْنَ منصب الْمُقَلّد من منصب الْمُسْتَدلّ بل مَا ذكرْتُمْ من الْأَدِلَّة إِلَّا ثيابًا استعرتموها من صَاحب الْحجَّة فتجملتم بهَا بَين النَّاس وكنتم فِي ذَلِك متشبعين بِمَا لم تعطوه ناطقين من الْعلم بِمَا شهدتم على أَنفسكُم أَنكُمْ لم تؤتوه وَذَلِكَ وب زور لبستموه ومنصب لَسْتُم من أَهله غصبتموه فأخبرونا هَل صرتم إِلَى التَّقْلِيد لدَلِيل قادكم إِلَيْهِ وبرهان دلكم عَلَيْهِ فَنزلت بِهِ من الِاسْتِدْلَال أقرب منزل وكنتم بِهِ عَن التَّقْلِيد بمعزل أَو سلكتم بِهِ اتِّفَاقًا وبحثا عَن غير دَلِيل وَلَيْسَ إِلَى خروجكم عَن أحد هذَيْن الْقسمَيْنِ سَبِيل وَأيهمَا كَانَ فَهُوَ بِفساد مَذْهَب التَّقْلِيد حَاكم وَالرُّجُوع إِلَى مَذْهَب الْحجَّة لَازم وَنحن إِن خاطبناكم بِلِسَان الْحجَّة قُلْتُمْ لسنا من أهل هَذَا السَّبِيل وَإِن خاطبناكم بِحكم التَّقْلِيد فَلَا معنى لما أقمتموه من الدَّلِيل وَالْعجب أَن كل طَائِفَة من الطوائف بل كل أمة من الْأُمَم تدعى أَنَّهَا على حق حاشا فرقة التَّقْلِيد فَإِنَّهُم لَا يدعونَ ذَلِك وَلَو ادعوهُ لكانوا مبطلين فَإِنَّهُم شاهدون على أنفسهم بِأَنَّهُم لم يعتقدوا بِتِلْكَ الْأَقْوَال الدَّلِيل قادهم إِلَيْهِ وبرهان دلهم عَلَيْهِ وَإِنَّمَا سبيلهم مَحْض التَّقْلِيد والمقلد لَا يعرف الْحق من الْبَاطِل وَلَا الحالي من العاطل وأعجب من هَذَا أَن أئمتهم نهوهم عَن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم وَقَالُوا نَحن على مذاهبهم وَقد دانوا بخلافهم فِي أصل الْمَذْهَب الَّذِي بنوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُم بنوا على الْحجَّة ونهوا عَن التَّقْلِيد وأوصوهم إِذا ظهر الدَّلِيل أَن يتْركُوا أَقْوَالهم ويتبعوه فخالفوهم فِي ذَلِك كُله وَقَالُوا نَحن من أتباعهم تِلْكَ أمانيهم وَمَا أتباعهم إِلَّا من سلك سبيلهم واقتفى آثَارهم فِي أصولهم وفروعهم

стр. 124

وأعجب من ذَلِك انهم مصرحون فِي كثير بِبُطْلَان التَّقْلِيد وتحريمه وَأَنه لَا يحل القَوْل بِهِ فِي دين الله سُبْحَانَهُ وَلَو اشْترط الامام على الْحَاكِم أَن يحكم بِمذهب معِين لم يَصح شَرطه وَلَا تَوليته وَمِنْهُم من صحّح التَّوْلِيَة وأبطل الشَّرْط وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي عَلَيْهِ الافتاء بِمَا يعلم صِحَّته بِاتِّفَاق النَّاس والمقلد لَا علم لَهُ بِصِحَّة القَوْل وفساده وَطَرِيق ذَلِك مسدود عَلَيْهِ ثمَّ كل مِنْهُم يعرف من نَفسه أَنه مقلد لمتبوعه لَا يُفَارق قَوْله وَيتْرك لَهُ كل مَا خَالفه من كتاب أَو سنة أَو قَول صَاحب أَو قَول من هُوَ أعلم من متبوعه أَو نَظِيره وَهَذَا من أعجب أَحْوَالهم وايضا فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه لم يكن فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ رجل وَاحِد اتخذ رجلا مِنْهُم يقلده فِي جَمِيع أَقْوَاله فَلم يسْقط مِنْهَا شَيْئا وَأسْقط أَقْوَال غَيره فَلم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا ونعلم بِالضَّرُورَةِ أَن هَذَا لم يكن فِي عصر التَّابِعين وَلَا تَابع التَّابِعين فليكذبنا المقلدون بِرَجُل وَاحِد سلك سبيلهم الوخيمة فِي الْقُرُون المفضلة على لِسَان رَسُول الله ﷺ وانما حدثت هَذِه الْبِدْعَة فِي الْقرن الرَّابِع المذموم على لِسَانه ص فالمقلدون لمتبوعيهم فِي جَمِيع مَا قَالُوهُ يبيحون بِهِ الْفروج والدماء وَالْأَمْوَال ويحرمونها وَلَا يَدْرُونَ ذَلِك صَوَابا أَو خطأ على خطر عَظِيم وَلَهُم بَين يَدي الله تَعَالَى موقف شَدِيد يعلم فِيهِ من قَالَ على الله تَعَالَى مَا لَا يعلم أَنه لم يكن على شئ وايضا فَنَقُول لكل من قلد وَاحِدًا من النَّاس دون غَيره مَا الَّذِي خص صَاحبك أَن يكون أولى بالتقليد من غَيره فَإِن قَالَ لِأَنَّهُ أعلم أهل عصره وَزَاد فَضله على من قبله مَعَ جزمه الْبَاطِل أَنه لم يجِئ بعده أعلم مِنْهُ قيل لَهُ وَمَا يدْريك وَلست من أهل الْعلم بشهادتك على نَفسك أَنه أعلم الْأمة فِي وقته فان هَذَا انما يعرفهُ من عرف الْمذَاهب وأدلتها وراجحها ومرجوحها فَمَا للأعمى وَنقد الدَّرَاهِم وَهَذَا أَيْضا بَاب آخر من القَوْل على الله تَعَالَى بِلَا علم وَيُقَال لَهُ ثَانِيًا فَأَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَعُثْمَان وَعلي بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ أعلم من صَاحبك بِلَا شكّ فَهَلا قلتدهم وَتركته بل سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَطَاوُس وأمثالهم أعلم وَأفضل بِلَا شكّ وَلم تركت تَقْلِيد الأعلم الْأَفْضَل الأجمع لأدوات الْخَيْر وَالْعلم وَالدّين ورغبت عَن أَقْوَاله ومذاهبه إِلَى من هُوَ دونه فان قَالَ لِأَن صَاحِبي وَمن قلدته أعلم بِهِ مني فتقليدي لَهُ أوجب على مُخَالفَة قَوْله لقَوْل من قلدته لِأَن وفور علمه وَدينه يمنعهُ من مُخَالفَة من هُوَ فَوْقه وَأعلم مِنْهُ الا لدَلِيل صَار اليه أَو هُوَ أولى من قَول كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ قيل لَهُ وَمن أَيْن علمت الدَّلِيل الَّذِي صَار اليه صَاحبك الَّذِي زعمت أَنْت وَصَاحِبك أَنه أولى من الدَّلِيل الَّذِي صَار اليه من هُوَ أعلم مِنْهُ وَخير مِنْهُ أَو هُوَ نَظِيره وقولان مَعًا متناقضان لَا يكونَانِ صَوَابا بل

стр. 125

أَحدهمَا هُوَ الصَّوَاب وَمَعْلُوم أَن ظفر الأعلم الْأَفْضَل بِالصَّوَابِ أقرب من ظفر من هُوَ دونه فَإِن قَالَ علمت ذَلِك بِالدَّلِيلِ فههنا يُقَال لَهُ إِذا فقد انْتَقَلت عَن منصب التَّقْلِيد الى منصب الِاسْتِدْلَال وابطلت التَّقْلِيد ثمَّ يُقَال لَهُ ثَانِيًا هَذَا لَا ينفعك شَيْئا الْبَتَّةَ فِيمَا اخْتلف فِيهِ فان من قلدته وَمن قلد غَيْرك قد اخْتلفَا وَصَارَ من قَلّدهُ غَيْرك الى مُوَافقَة أبي بكر وَعمر أَو عَليّ أَو ابْن عَبَّاس أَو عَائِشَة وَغَيرهم دون من قلدته فَهَلا نصحت نَفسك واهتديت لرشدك وَقلت هَذَانِ عالمان كبيران وَمَعَ أَحدهمَا من ذكر من الصَّحَابَة فَهُوَ أولى بتقليدي اياه وَيُقَال ثَالِثا امام بِإِمَام وَيسلم قَول الصَّحَابِيّ فَيكون أولى بالتقليد وَيُقَال رَابِعا إِذا جَازَ أَن يظفر من قلدته بِعلم خَفِي على عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وَمن دونهم فأجوز وأجوز أَن يظفر نَظِيره وَمن بعده بِعلم خَفِي عَلَيْهِ هُوَ فَإِن النِّسْبَة بَين من قلدته وَبَين نَظِيره وَمن بعده أقرب بِكَثِير من النِّسْبَة بَينه وَبَين الصَّحَابَة والخفاء على من قلدته أقرب من الخفاء على الصَّحَابَة وَيُقَال خَامِسًا اذا سوغت لنَفسك مُخَالفَة الْأَفْضَل الأعلم لقَوْل الْمَفْضُول فَهَلا سوغت لَهَا مُخَالفَة الْمَفْضُول لمن هُوَ أعلم مِنْهُ وَهل كَانَ الَّذِي يَنْبَغِي وَيجب الاعكس مَا ارتكبته وَيُقَال سادسا هَل أَنْت فِي تَقْلِيد امامك واباحة الْفروج وَالْأَمْوَال ونقلها عَمَّن هِيَ بِيَدِهِ الى غَيره مُوَافق لأمر الله تَعَالَى وَرَسُوله ص أَو إِجْمَاع أمته أَو قَول أحد من الصَّحَابَة فَإِن قَالَ نعم قيل لَهُ مَا يعلم الله وَرَسُوله وَجَمِيع الْعلمَاء بُطْلَانه وَإِن قَالَ لَا فقد كفانا مُؤْنَته وَشهد على نَفسه بِشَهَادَة الله وَرَسُوله وَأهل الْعلم عَلَيْهِ وَيُقَال سابعا تقليدك لمتبوعك يحرم عَلَيْك تَقْلِيده فَإِنَّهُ نهاك عَن ذَلِك وَقَالَ لَا يحل لَك أَن تَقول بقوله حَتَّى تعلم من أَيْن قَالَه ونهاك عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره من الْعلمَاء فَإِن كنت مُقَلدًا لَهُ فِي جَمِيع مذْهبه فَهَذَا من مذْهبه فَهَلا اتبعته فِيهِ وَيُقَال ثامنا هَل أَنْت على بَصِيرَة فِي أَن من قلدته أولى بِالصَّوَابِ من سَائِر من رغبت عَن قَوْله من الْأَوَّلين والآخرين أم لست على بَصِيرَة فَإِن قَالَ أَنا على بَصِيرَة قَالَ مَا يعلم بُطْلَانه وَإِن قَالَ لست على بَصِيرَة وَهُوَ الْحق قيل لَهُ وَمَا عذرك غَدا بَين يَدي الله سُبْحَانَهُ حِين لَا ينفعك من قلدته بحسنة وَاحِدَة وَلَا يحمل عَنْك سَيِّئَة وَاحِدَة إِذا حكمت وأفتيت بَين خلقه بِمَا لست على بَصِيرَة مِنْهُ هَل هُوَ خطأ أم صَوَاب وَيُقَال تاسعا هَل تَدعِي عصمَة متبوعك أَو تجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالْأول لَا سَبِيل اليه بل تقر

стр. 126

بِبُطْلَانِهِ فَتعين الثَّانِي واذا جوزت عَلَيْهِ الْخَطَأ فَكيف تحلل وَتحرم وتوجب وتريق الدِّمَاء وتبيح الْفروج وتنقل الْأَمْوَال وتضرب الأبشار بقول من أَنْت مقرّ بِجَوَاز كَونه مخطئا وَيُقَال عاشرا هَل تَقول اذا حكمت وأفتيت بقول من قلدته إِن هَذَا هُوَ دين الله الَّذِي أرسل بِهِ رَسُوله ص وَانْزِلْ بِهِ كِتَابه وشرعه لِعِبَادِهِ وَلَا دين لَهُ سواهُ أَو تَقول أَن دين الله تَعَالَى الَّذِي شَرعه لِعِبَادِهِ خِلَافه أَو تَقول لَا أَدْرِي وَلَا بذلك من قَول من هَذِه الْأَقْوَال وَلَا سَبِيل لَك الى الأول قطعا فان دين الله الَّذِي لَا دين لَهُ سواهُ لَا يسوغ مُخَالفَته وَأَقل دَرَجَات مخالفه أَن يكون من الآثمين وَالثَّانِي لَا تدعيه فَلَيْسَ لَك ملْجأ إِلَّا الثَّالِث فيا لله الْعجب كَيفَ تستباح الْفروج والدماء وَالْأَمْوَال والحقوق وتحلل وَتحرم بِأَمْر أحسن أَحْوَاله وأفضلها لَا أَدْرِي ... فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة ... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم ... وَيُقَال حادي عشر على أَي شئ كَانَ النَّاس قبل أَن يُولد فلَان وَفُلَان وَفُلَان الَّذين قلدتموهم وجعلتم أَقْوَالهم بِمَنْزِلَة نُصُوص الشَّارِع وليتكُمْ اقتصرتم على ذَلِك بل جعلتموها أولى بالاتباع من نُصُوص الشَّارِع أَفَكَانَ النَّاس قبل وجود هَؤُلَاءِ على هدى أَو ضَلَالَة فَلَا بُد من أَن يقرُّوا بِأَنَّهُم كَانُوا على هدى فَيُقَال لَهُم فَمَا الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ غير اتِّبَاع الْقُرْآن وَالسّنَن والْآثَار وَتَقْدِيم قَول الله تَعَالَى وَرَسُوله ص وآثار الصَّحَابَة على مَا يُخَالِفهَا والتحاكم اليها دون قَول فلَان ورأي فلَان وَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ الْهدى ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال فَأنى تصرفون﴾ فَإِن قَالَت كل فرقة من المقلدين وَكَذَلِكَ يَقُول صاحبنا هُوَ الَّذِي ثَبت على مَا مضى عَلَيْهِ السّلف واقتفى مناهجهم وسلك سبيلهم قيل لَهُم فَمن سواهُ من الْأَئِمَّة هَل شَارك صَاحبكُم فِي ذَلِك اَوْ انْفَرد صَاحبكُم بالاتباع وَحرمه من عداهُ فَلَا بُد من وَاحِد من الْأَمريْنِ فَإِن قَالُوا بِالثَّانِي فهم أضلّ سَبِيلا من الانعام وَإِن قَالُوا بِالْأولِ فَيُقَال كَيفَ وفقتم بِقبُول قَول صَاحبكُم كُله ورد قَول من هُوَ مثله أَو أعلم مِنْهُ كُله فَلَا يرد لهَذَا قَول حَتَّى كَانَ الصَّوَاب وَقفا على صَاحبكُم وَالْخَطَأ وَقفا على من خَالفه وَلِهَذَا أَنْتُم موكلون بنصرته فِي كل مَا قَالَه وبالرد على من خَالفه فِي كل مَا قَالَه وَهَذِه حَال الْفرْقَة الْأُخْرَى مَعكُمْ وَيُقَال ثَانِي عشر من قلدتموهم من الْأَئِمَّة قد نهوكم عَن تقليدهم وَأَنْتُم أول مُخَالف لَهُم قَالَ الشَّافِعِي مثل الَّذِي يطْلب الْعلم بِلَا حجَّة كَمثل حَاطِب ليل يحمل حزمة حطب وَفِيه أَفْعَى تلدغه وَهُوَ لَا يدْرِي وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا يحل لأحد أَن يَقُول بقولنَا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَاهُ وَقَالَ أَحْمد لَا تقلد دينك أحدا وَيُقَال ثَالِث عشر هَل أَنْتُم موقنون بأنكم غَدا موقوفون بَين يَدي الله سُبْحَانَهُ وتسألون عَمَّا قضيتم بِهِ فِي دِمَاء عباده وفروجهم وَأَمْوَالهمْ وَعَما أفتيتم بِهِ فِي دينه محرمين ومحللين وموجبين

стр. 127

فان قَالُوا نَحن موقنون بذلك فَيُقَال لَهُم فاذا سألكم من أَيْن قُلْتُمْ ذَلِك فَمَاذَا جوابكم فان قُلْتُمْ جَوَابنَا انا احللنا أَو حرمنا وقضينا بِمَا فِي كتاب الأَصْل لمُحَمد بن الْحسن مِمَّا رَوَاهُ عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف من رَأْي وَاخْتِيَار وَبِمَا فِي الْمُدَوَّنَة من رِوَايَة سَحْنُون عَن ابْن الْقَاسِم من رَأْي وَاخْتِيَار وَبِمَا فِي الْأُم من رِوَايَة الرّبيع من رَأْي وَاخْتِيَار وَبِمَا فِي جوابات غير هَؤُلَاءِ من رَأْي وَاخْتِيَار وليتكُمْ اقتصرتم على ذَلِك أَو صعدتم اليه أَو سامت هممكم نَحوه بل نزلتم عَن ذَلِك طَبَقَات فَإِذا سئلتم هَل فَعلْتُمْ ذَلِك عَن أَمْرِي أَو عَن أَمر رَسُولي فَمَاذَا يكون جوابكم إِذا فان أمكنكم حِينَئِذٍ أَن تَقولُوا فعلنَا مَا أمرتنا بِهِ وأمرنا بِهِ رَسُولك ص فزتم وتخلصتم وان لم يمكنكم ذَلِك فَلَا بُد أَن تَقولُوا لم تَأْمُرنَا بذلك وَلَا رَسُولك وَلَا أَئِمَّتنَا وَلَا بُد من أحد الجوابين فَإِن قُلْتُمْ نَحن وَأَنْتُم فِي ذَلِك السُّؤَال سَوَاء قيل أجل وَلَكِن نفترق فِي الْجَواب فَنَقُول يَا رَبنَا إِنَّك تعلم أَنا لم نجْعَل أحدا من النَّاس عيارا على كلامك وَكَلَام رَسُولك ص وَكَلَام اصحاب رَسُولك ونرد مَا تنازعنا فِيهِ اليه ونتحاكم الى قَوْله ونقدم أَقْوَاله على كلامك وَكَلَام رَسُولك ﷺ وَكَلَام أَصْحَابه وَكَانَ الْخلق عندنَا أَهْون من أَن نقدم كَلَامهم وآرائهم على وحيك بل إكتفينا بِمَا وجدنَا فِي كتابك وَبِمَا وصل الينا من سنة رَسُولك وَبِمَا افتى بِهِ أَصْحَاب نبيك وان عدلنا عَن ذَلِك فخطأ منا لم يكن عمدا وَلم نتَّخذ من دُونك وَلَا رَسُولك وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة وَلم نفرق ديننَا ونكون شيعًا وَلم نقطع أمرنَا بَيْننَا زبرا وَجَعَلنَا أَئِمَّتنَا قدوة لنا ووسائط بَيْننَا وَبَين رَسُولك ص فِي نقلهم مَا بلغوه عَن رَسُولك فاتبعناهم فِي ذَلِك وقلدناهم فِيهِ إِذْ أمرتنا أَنْت وأمرنا رَسُولك ص بِأَن نسْمع مِنْهُم ونقبل مَا بلغوه عَنْك وَعَن رَسُولك ص فسمعا لَك ولرسولك وَطَاعَة وَلم نتخذهم أَرْبَابًا نَتَحَاكَم الى أَقْوَالهم ونخاصم بهَا ونوالي ونعادي عَلَيْهَا بل عرضنَا اقوالهم على كتابك وَسنة رَسُولك فَمَا وافقهما قبلناه وَمَا خالفهما أعرضنا عَنهُ وَتَرَكْنَاهُ وان كَانُوا أعلم منا بك وبرسولك فَمن وَافق قَوْله قَول رَسُولك ص كَانَ أعلم مِنْهُم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فَهَذَا جَوَابنَا وَنحن نناشدكم الله وَهل أَنْتُم كَذَلِك حَتَّى يمكنكم هَذَا الْجَواب بَين يَدي من لَا يُبدل القَوْل لَدَيْهِ وَلَا يروج الْبَاطِل عَلَيْهِ وَيُقَال رَابِع عشر كل طَائِفَة مِنْكُم معاشر طوائف المقلدين قد أنزلت جَمِيع الصَّحَابَة من أَوَّلهمْ الى آخِرهم وَجَمِيع التَّابِعين من أَوَّلهمْ الى آخِرهم وَجَمِيع عُلَمَاء الْأمة من أَوَّلهمْ الى آخِرهم إِلَى من قلدتموهم فِي مَكَان من لَا يعْتد بقوله وَلَا ينظر فِي فتواه وَلَا يشْتَغل بهَا وَلَا يعْتد بهَا وَلَا وَجه للنَّظَر فِيهَا إِلَّا للتمحل واعمال الْفِكر وكده فِي الرَّد عَلَيْهِم إِذا خَالَفت قَوْلهم قَول متبوعهم وَهَذَا هُوَ المسوغ للرَّدّ عَلَيْهِم فَإِذا خَالَفت قَول متبوعهم نصا عَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ص فَالْوَاجِب التمحل

стр. 128

والتكلف فِي اخراج ذَلِك النَّص عَن دلَالَته والتحيل لدفعه بِكُل طَرِيق حَتَّى يَصح قَول متبوعهم فيا لله لدينِهِ وَكتابه وَسنة رَسُوله ولبدعة كَادَت تثل عرش الايمان وتهدم رُكْنه لَوْلَا أَن الله تَعَالَى ضمن لهَذَا الدّين أَن لَا يزَال فِيهِ من يتَكَلَّم بأعلامه ويذب عَنهُ فَمن أَسْوَأ أدبا على الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَسَائِر عُلَمَاء الْمُسلمين وَأَشد اسْتِخْفَافًا بحقوقهم وَأَقل رِعَايَة لواجبها وَأعظم استهانة بهم مِمَّن لَا يلْتَفت الى قَول رجل وَاحِد مِنْهُم وَلَا الى فَتْوَى غير صَاحبه الَّذِي اتَّخذهُ وليجة من دون الله وَرَسُوله ص وَيُقَال خَامِس عشر اذا نزل عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ اماما عدلا وَحكما مقسطا فبمذهب من يحكم وبرأي من يقْضِي وَمَعْلُوم أَنه لَا يقْضِي وَلَا يحكم إِلَّا بشريعة نَبينَا ص الَّتِي شرعها الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ فَذَلِك الَّذِي يقْضِي بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم ص أَحَق وَأولى هُوَ الَّذِي أوجب الله تَعَالَى عَلَيْكُم أَن تقضوا وتفتوا بِهِ وَلَا يحل لأحد أَن يقْضِي وَلَا يُفْتِي بِشَيْء سواهُ الْبَتَّةَ وَيُقَال سادس عشر من عَجِيب أَمركُم أَيهَا المقلدون أَنكُمْ اعترفتم وأقررتم على أَنفسكُم بِالْعَجزِ عَن معرفَة الْحق بدليله من كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُوله ص مَعَ سهولته وَقرب مأخذه واستيلائه على أقْصَى غايات الْبَيَان واستحالة التَّنَاقُض والإختلاف عَلَيْهِ فَهُوَ نقل مُصدق عَن قَائِل مَعْصُوم وَقد نصب الله سُبْحَانَهُ الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة على الْحق وَبَين لِعِبَادِهِ مَا يَتَّقُونَ فادعيتم الْعَجز عَن معرفَة مَا نصب الله تَعَالَى عَلَيْهِ الْأَدِلَّة وَتَوَلَّى بَيَانه ثمَّ زعمتم أَنكُمْ قد عَرَفْتُمْ بِالدَّلِيلِ أَن صَاحبكُم أولى بالتقليد من غَيره وَأَنه أعلم الْأمة وأفضلها فِي زَمَانه وهلم جرا وغلاة كل طَائِفَة مِنْكُم توجب اتِّبَاعه وَتحرم اتِّبَاع غَيره كَمَا هُوَ فِي كتب أصولهم فعجبا كل الْعجب لمن خَفِي عَلَيْهِ التَّرْجِيح فِيمَا نصب الله تَعَالَى عَلَيْهِ الْأَدِلَّة من الْحق وَلم يهتد إِلَيْهَا واهتدى إِلَى أَن متبوعه أَحَق وَأولى بِالصَّوَابِ مِمَّن عداهُ وَلم ينصب الله تَعَالَى على ذَلِك دَلِيلا وَاحِدًا وَيُقَال سَابِع عشر أعجب من هَذَا كُله من شَأْنكُمْ معاشر المقلدين أَنكُمْ إِذا وجدْتُم آيَة من كتاب الله تَعَالَى توَافق رَأْي صَاحبكُم أظهرتم أَنكُمْ تأخذون بهَا والعمدة فِي نفس الْأَمر على مَا قَالَه لَا على الْآيَة وَإِذا وجدْتُم آيَة تخَالف قَوْله لم تَأْخُذُوا بهَا وتطلبتم بهَا وُجُوه التَّأْوِيل وإخراجها عَن ظواهرها حَيْثُ لم توَافق رَأْيه وَهَكَذَا تَفْعَلُونَ فِي نُصُوص السّنة سَوَاء إِذا وجدْتُم حَدِيثا صَحِيحا يُوَافق قَوْله أَخَذْتُم بِهِ وقلتم لنا قَوْله ص كَيْت وَكَيْت وَإِذا وجدْتُم مائَة حَدِيث صَحِيح بل أَكثر تخَالفه لم تلتفتوا إِلَى حَدِيث مِنْهَا وَلم يكن لكم مِنْهَا حَدِيث وَاحِد فتقولون لنا قَوْله ص كَذَا وَكَذَا وَإِذا وجدْتُم مُرْسلا يُوَافق رَأْيه أَخَذْتُم بِهِ وجعلتوه حجَّة هُنَاكَ فَإِذا وجدْتُم مائَة مُرْسل تخَالف رَأْيه اطرحتموها كلهَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا وقلتم لَا نَأْخُذ بالمرسل وَيُقَال ثامن عشر أعجب من هَذَا أَنكُمْ إِذا أَخَذْتُم الحَدِيث مُرْسلا كَانَ أَو مُسْندًا لموافقة

стр. 129

رَأْي صَاحبكُم ثمَّ وجدْتُم فِيهِ حكما يُخَالف رَأْيه لم تَأْخُذُوا بِهِ فِي ذَلِك الحكم وَهُوَ حَدِيث وَاحِد وَكَانَ الحَدِيث حجَّة فِيمَا وَافق رَأْي من قلدتموه وَلَيْسَ بِحجَّة فِيمَا خَالفه رَأْيه ولنذكر من هَذَا طرفا لِأَنَّهُ من أعجب أَمرهم فاحتج طَائِفَة مِنْهُم على سلب طهورية المَاء الْمُسْتَعْمل فِي رفع الْحَدث بِأَن النَّبِي ﷺ نهى أَن يتوضأالرجل بِفضل وضوء الْمَرْأَة أَو الْمَرْأَة بِفضل وضوء الرجل وَقَالُوا المَاء الْمُنْفَصِل عَن أعضائهما هُوَ فضل وضوئهما وخالفوا نفس الحَدِيث فجوزوا لكل مِنْهُمَا أَن يتَوَضَّأ بِفضل وضوء الآخر وَهُوَ الْمَقْصُود بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ نهى أَن يتوضأالرجل بِفضل وضوء الْمَرْأَة إِذا خلت بِالْمَاءِ وَلَيْسَ عِنْدهم للخلوة أثر وَلَا لكَون الْفضل فضلَة امْرَأَة أثرا فخالفوا نفس الحَدِيث الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ وحملوا الحَدِيث على غير محمله إِذْ فضل الْوضُوء بِيَقِين هُوَ المَاء الَّذِي فضل مِنْهُ لَيْسَ هُوَ المَاء المتوضأ بِهِ فَإِن ذَلِك لَا يُقَال لَهُ فضل الْوضُوء فاحتجوا بِهِ فِيمَا لَا يُرَاد بِهِ وأبطلوا الِاحْتِجَاج بِهِ فِيمَا أُرِيد بِهِ وَمن ذَلِك احتجاجهم على نَجَاسَة المَاء بالملاقاة وَإِن لم يتَغَيَّر بنهيه ص أَن يبال فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ قَالُوا لَو بَال فِي المَاء الدَّائِم لم يُنجسهُ حَتَّى ينقص عَن قُلَّتَيْنِ وَاحْتَجُّوا على نَجَاسَته أَيْضا بقوله ص إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمسن يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا ثمَّ قَالُوا لَو غمسها قبل غسلهَا لم ينجس المَاء فَلَا يجب عَلَيْهِ غسلهَا وَإِن

стр. 130

شَاءَ أَن يغمسها قبل الْغسْل فعل وَاحْتَجُّوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَن النَّبِي ﷺ أَمر بِحَفر الأَرْض الَّتِي بَال فِيهَا البائل وَإِخْرَاج ترابها ثمَّ قَالُوا لَا يجب حفرهَا بل لَو تركت حَتَّى تنشف بالشمس وَالرِّيح طهرت وَاحْتَجُّوا على منع الْوضُوء بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل بقوله ص يَا بني عبد المطلب إِن الله كره لكم غسالة أَيدي النَّاس يَعْنِي الزَّكَاة ثمَّ قَالُوا لَا تحرم الزَّكَاة على بني عبد المطلب وَاحْتَجُّوا على أَن السّمك الطافي إِذا وَقع فِي المَاء لَا يُنجسهُ بِخِلَاف غَيره من ميتَة الْبر فَإِنَّهُ ينجس المَاء بقوله ص فِي الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته ثمَّ خالفوا هَذَا الْخَبَر نَفسه فَقَالُوا لَا يحل مَا مَاتَ فِي الْبَحْر من السّمك الطافي وَلَا يحل مِمَّا فِيهِ أصلا غير السّمك وَاحْتج أهل الرَّأْي على نَجَاسَة الْكَلْب وولوغه بقول النَّبِي ﷺ إِذا ولغَ

стр. 131

الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليغسله سبع مَرَّات ثمَّ قَالُوا لَا يجب غسله سبعا بل يغسل مرّة وَمِنْهُم من قَالَ ثَلَاثًا وَاحْتَجُّوا على تفريقهم فِي النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة بَين قدر الدِّرْهَم وَغَيره بِحَدِيث لَا يَصح من طَرِيق غطيف عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ تُعَاد الصَّلَاة من قدر الدِّرْهَم ثمَّ قَالُوا لَا تُعَاد الصَّلَاة من قدر الدِّرْهَم وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث ابْن أبي طَالب فِي الزَّكَاة فِي زِيَادَة الْإِبِل على عشْرين وَمِائَة أَنَّهَا ترد إِلَى أول الْفَرِيضَة فَيكون فِي كل خمس شَاة وخالفوه فِي اثْنَا عشر موضعا مِنْهُ ثمَّ احْتَجُّوا بِحَدِيث عَمْرو بن حزم إِن مَا زَاد على مِائَتي دِرْهَم فَلَا شَيْء فِيهِ حَتَّى يبلغ أَرْبَعِينَ فَيكون فِيهَا دِرْهَم وخالفوا الحَدِيث نَفسه فِي نَص مَا فِيهِ فِي أَكثر من خَمْسَة عشر موضعا وَاحْتَجُّوا على أَن الْخِيَار لَا يكون أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام بِحَدِيث الْمُصراة وَهَذَا من إِحْدَى الْعَجَائِب فَإِنَّهُم من أَشد النَّاس إنكارا لَهُ وَلَا يَقُولُونَ بِهِ فَإِن كَانَ حَقًا وَجب اتِّبَاعه وَإِن لم يكن صَحِيحا لم يجز الِاحْتِجَاج بِهِ فِي تَقْدِير الثَّلَاث مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث تعرض لخيار الشَّرْط فَالَّذِي أُرِيد بِالْحَدِيثِ وَدلّ عَلَيْهِ خالفوه وَالَّذِي احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهِ لم يدل عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة أَيْضا بِخَبَر حبَان بن منقذ الَّذِي كَانَ يغبن فِي البيع فَجعل لَهُ النَّبِي ﷺ الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام وخالفوا الْخَبَر كُله فَلم يثبتوا الْخِيَار بِالْغبنِ وَلَو كَانَ يُسَاوِي عشر معشار

стр. 132

مَا بذل فِيهِ وَسَوَاء قَالَ المُشْتَرِي لَا خلابة أَو لم يقل وَسَوَاء غبن قَلِيلا أَو كثيرا لَا خِيَار لَهُ فِي ذَلِك كُله وَاحْتَجُّوا فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة على من أفطر فِي نَهَار رَمَضَان بِأَن فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث أَن رجلا أفطر فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يكفر ثمَّ خالفوا هَذَا اللَّفْظ بِعَيْنِه فَقَالُوا إِن استف دَقِيقًا أَو بلع عجينا أَو إهليلجا أفطر وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا على وجوب الْقَضَاء على من تعمد الْقَيْء بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة ثمَّ خالفوا الحَدِيث بِعَيْنِه فَقَالُوا إِن تقيأ أقل من ملْء فِيهِ فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا على تَحْدِيد مَسَافَة الْقصر وَالْفطر بقوله ص لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا مَعَ زوج أَو مَعَ ذِي محرم وَهَذَا مَعَ

стр. 133

أَنه لَا دَلِيل فِيهِ الْبَتَّةَ على مَا ادعوهُ فقد خالفوه نَفسه فَقَالُوا يجوز للمملوكة وَالْمُكَاتبَة وَأم الْوَلَد السّفر مَعَ غير زوج ومحرم وَاحْتَجُّوا على منع الْمحرم من تَغْطِيَة وَجهه بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الَّذِي وقصته نَاقَته وَهُوَ محرم فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تخمروا رَأسه وَلَا وَجهه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا وَهَذَا من الْعجب فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِذا مَاتَ الْمحرم جَازَ تَغْطِيَة رَأسه وَوَجهه وَقد بَطل إِحْرَامه وَاحْتَجُّوا على إِيجَاب الْجَزَاء على من قتل ضبعا فِي الْإِحْرَام بِحَدِيث جَابر أَنه أفتى بأكلها وَالْجَزَاء على قاتلها وَأسْندَ ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ خالفوا الحَدِيث نَفسه فَقَالُوا لَا يحل أكلهَا وَاحْتَجُّوا فِيمَن وَجَبت عَلَيْهِ ابْنة مَخَاض فَأعْطى ثُلثي ابْنة لبون تَسَاوِي بنت الْمَخَاض أَو حمارا يساويها أَنه يجْزِيه بِحَدِيث أنس الصَّحِيح وَفِيه من وَجَبت عَلَيْهِ ابْنة مَخَاض وَلَيْسَت عِنْده إِلَّا ابْنة لبون فَإِنَّهَا تُؤْخَذ مِنْهُ وَيرد عَلَيْهِ السَّاعِي شَاتين أَو عشْرين درهما وَهَذَا من الْعجب فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ بِمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث من تعْيين ذَلِك ويستدلون على مَا لم يدل عَلَيْهِ بِوَجْه وَلَا أُرِيد بِهِ وَاحْتَجُّوا على إِسْقَاط الْحُدُود فِي دَار الْحَرْب إِذا فعل الْمُسلم أَسبَابهَا بِحَدِيث لَا تقطع الْأَيْدِي فِي الْغَزْو وَفِي لفظ فِي السّفر وَلم يَقُولُوا بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ عِنْدهم لَا أثر للسَّفر وَلَا للغزو فِي ذَلِك وَاحْتَجُّوا فِي إِيجَاب الْأُضْحِية بِحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ أَمر بالأضحية وَأَن يطعم مِنْهَا الْجَار والسائل فَقَالُوا لَا يجب أَن يطعم مِنْهَا جَار وَلَا سَائل وَاحْتَجُّوا فِي إِبَاحَة مَا ذبحه غَاصِب أَو سَارِق بالْخبر الَّذِي فِيهِ أَن رَسُول الله ﷺ دعِي إِلَى الطَّعَام مَعَ رَهْط من أَصْحَابه فَلَمَّا أَخذ لقْمَة قَالَ إِنِّي أجد لحم شَاة أخذت بِغَيْر حق فَقَالَت الْمَرْأَة يَا رَسُول الله إِنِّي أَخَذتهَا من امْرَأَة فلَان بِغَيْر علم زَوجهَا فَأمر رَسُول الله ﷺ أَن تطعم الْأُسَارَى وَقد خالفوا هَذَا الحَدِيث فَقَالُوا ذَبِيحَة الْغَاصِب حَلَال وَلَا تحرم على الْمُسلمين

стр. 134

وَاحْتَجُّوا بقوله ص جرح العجماء جَبَّار فِي إِسْقَاط الضَّمَان بِجِنَايَة الْمَوَاشِي ثمَّ خالفوه فِيمَا دلّ عَلَيْهِ وَأُرِيد بِهِ فَقَالُوا من ركب دَابَّة أَو سَاقهَا أَو قادها فَهُوَ ضَامِن لما عضت بفمها وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِيمَا أتلفت برجلها وَاحْتَجُّوا على أَن الإِمَام يكبر إِذا قَالَ الْمُقِيم قد قَامَت الصَّلَاة بِحَدِيث بِلَال أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ لَا تسبقني بآمين وَبقول أبي هُرَيْرَة لمروان لَا تسبقني بآمين ثمَّ خالفوا الْخَبَر جهارا فَقَالُوا لَا يُؤمن الإِمَام وَلَا الْمَأْمُوم وَاحْتَجُّوا عل مسح ربع الرَّأْس بِحَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَن رَسُول الله ﷺ مسح بناصيته وعمامته ثمَّ خالفوه فِيمَا دلّ عَلَيْهِ فَقَالُوا لَا يجوز الْمسْح على الْعِمَامَة وَلَا أثر للمسح عَلَيْهِ الْبَتَّةَ فَإِن الْفَرْض سقط بالناصية وَالْمسح على الْعِمَامَة غير وَاجِب وَلَا مُسْتَحبّ عِنْدهم وَاحْتَجُّوا لقَولهم فِي اسْتِحْبَاب مساوقة الإِمَام بقوله ص إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَقَالُوا والائتمام بِهِ يَقْتَضِي أَن يفعل مثل فعله سَوَاء ثمَّ خالفوا الحَدِيث فِيمَا دلّ عَلَيْهِ لِأَن فِيهِ فَإِذا كبر فكبروا وَإِذا ركع فاركعوا وَإِذا قَالَ سمع الله لمن حَمده فَقولُوا رَبنَا وَلَك الْحَمد وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ وَاحْتَجُّوا على أَن الْفَاتِحَة لَا تتَعَيَّن فِي الصَّلَاة بِحَدِيث الْمُسِيء فِي صلَاته حَيْثُ قَالَ لَهُ اقْرَأ مَا تيَسّر من الْقُرْآن وخالفوه فِيمَا دلّ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي قَوْله ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعتدل قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا وَقَوله ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فَقَالُوا من ترك الطُّمَأْنِينَة فقد صلى وَلَيْسَ الْأَمر بهَا فرضا لَازِما مَعَ أَن الْأَمر بهَا وبالقراءة سَوَاء فِي الحَدِيث

стр. 135

وَاحْتَجُّوا على إِسْقَاط جلْسَة الاسْتِرَاحَة بِحَدِيث أبي حميد حَيْثُ لم يذكرهَا وخالفوه فِي نفس مَا دلّ عَلَيْهِ من رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ وَاحْتَجُّوا على إِسْقَاط فرض الصَّلَاة على النَّبِي ﵊ فِي الصَّلَاة بِحَدِيث ابْن مَسْعُود فَإِذا قلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك ثمَّ خالفوه فِي نفس مَا دلّ عَلَيْهِ فَقَالُوا صلَاته تَامَّة قَالَ ذَلِك أَو لم يقلهُ وَاحْتَجُّوا على جَوَاز الْكَلَام وَالْإِمَام على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة بقوله ص للداخل أصليت يَا فلَان قبل أَن تجْلِس قَالَ لَا قَالَ قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ وخالفوه فِيمَا دلّ عَلَيْهِ فَقَالُوا من دخل وَالْإِمَام يخْطب فليجلس وَلَا يُصَلِّي وَاحْتَجُّوا على كَرَاهَة رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة بقوله ص مَا بالهم رافعي أَيْديهم كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس ثمَّ خالفوه فِي نفس مَا دلّ عَلَيْهِ فَإِن فِيهِ إِنَّمَا يَكْفِي أحدكُم أَن يسلم على أَخِيه عَن يَمِينه وشماله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله فَقَالُوا لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك وَيَكْفِي غَيره عَن كل عمل مُفسد للصَّلَاة وَاحْتَجُّوا فِي اسْتِخْلَاف الإِمَام إِذا أحدث بالْخبر الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ خرج وَأَبُو بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَتَأَخر أَبُو بكر وَتقدم النَّبِي ﷺ فصلى بِالنَّاسِ ثمَّ خالفوه فِي نفس مَا دلّ عَلَيْهِ فَقَالُوا من فعل ذَلِك بطلت صلَاته وأبطلوا صَلَاة من فعل مثل فعل النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَمن حضر من الصَّحَابَة

стр. 136

فاحتجوا بِالْحَدِيثِ فِيمَا لَا يدل عَلَيْهِ وأبطلوا الْعَمَل فِيمَا دلّ عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا بقَوْلهمْ إِن الإِمَام إِذا صلى جَالِسا لمَرض صلى الْمَأْمُوم خَلفه قَائِما بالْخبر الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه خرج فَوجدَ أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَائِما فَتقدم النَّبِي ﷺ فَجَلَسَ وَصلى بِالنَّاسِ وَتَأَخر أَبُو بكر ثمَّ خالفوا الحَدِيث فِي نفس مَا دلّ عَلَيْهِ وَقَالُوا إِن تَأَخّر الإِمَام لغير حدث وَتقدم الآخر بطلت صَلَاة الْإِمَامَيْنِ وَصَلَاة جَمِيع الْمَأْمُومين وَاحْتَجُّوا على بطلَان صَوْم من أكل يَظُنّهُ لَيْلًا فَبَان نَهَارا بقوله ص إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم ثمَّ خالفوا الحَدِيث فِي نفس مَا دلّ عَلَيْهِ فَقَالُوا لَا يجوز الْأَذَان لصَلَاة الْفجْر بِاللَّيْلِ لَا فِي رَمَضَان وَلَا فِي غَيره ثمَّ خالفوه من وَجه آخر فَإِن فِي نفس الحَدِيث وَكَانَ ابْن أم مَكْتُوم رجلا أعمى لَا يُؤذن حَتَّى يُقَال لَهُ أَصبَحت أَصبَحت وَعِنْدهم من أكل فِي ذَلِك الْوَقْت بَطل صَوْمه وَاحْتَجُّوا على الْمَنْع من اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها بالغائط بقول النَّبِي ﷺ لَا تستقبلو الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَا تستدبروها وخالفوا الحَدِيث نَفسه وجوزوا استقبالها واستدبارها بالبول وَاحْتَجُّوا على عدم شَرط الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح عَن عمر أَنه نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يعْتَكف لَيْلَة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يُوفي بنذره وهم لَا يَقُولُونَ بِالْحَدِيثِ فَإِن عِنْدهم أَن نذر الْكَافِر لَا ينْعَقد وَلَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ بعد الْإِسْلَام وَاحْتَجُّوا على الرَّد بِحَدِيث تحرز الْمَرْأَة ثَلَاث مَوَارِيث عتيقها ولقيطها وَوَلدهَا الَّذِي لاعنت عَلَيْهِ وَلم يَقُولُوا بِالْحَدِيثِ فِي حيازتها مَال لقيطها وَقد قَالَ بِهِ عمر بن الْخطاب وَإِسْحَاق

стр. 137

ابْن رَاهَوَيْه وَهُوَ الصَّوَاب وَاحْتَجُّوا فِي تَوْرِيث ذَوي الْأَرْحَام بالْخبر الَّذِي فِيهِ التمسوا وَارِثا أَو ذَا رحم فَلم يَجدوا فَقَالَ أَعْطوهُ لأكبر من رَأَيْتُمْ من خُزَاعَة وَلم يَقُولُوا بِهِ فِي أَن من لَا وَارِث لَهُ يعْطى مَاله للكبير من قبيلته وَاحْتَجُّوا فِي منع الْقَاتِل مِيرَاث الْمَقْتُول بِخَبَر عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده لَا يَرث قَاتل وَلَا يقتل مُؤمن بِكَافِر فَقَالُوا بِأول الحَدِيث دون آخِره وَاحْتَجُّوا على جَوَاز التَّيَمُّم فِي الْحَضَر مَعَ وجود المَاء للجنازة إِذا خَافَ فَوتهَا بِحَدِيث أبي جهيم ابْن الْحَرْث فِي تيَمّم النَّبِي ﷺ ثمَّ خالفوه فِيمَا دلّ عَلَيْهِ فِي موضِعين أَحدهمَا أَنه تيَمّم بِوَجْهِهِ وكفيه دون ذِرَاعَيْهِ وَالثَّانِي أَنهم لم يكرهوا رد السَّلَام للمحدث وَلم يستحبوا التَّيَمُّم لرد السَّلَام وَاحْتَجُّوا فِي جَوَاز الِاقْتِصَار فِي الِاسْتِنْجَاء على حجرين بِحَدِيث ابْن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ ذهب لِحَاجَتِهِ وَقَالَ إئتني بأحجار فَأَتَاهُ بحجرين وروثة فَأخذ الحجرين وَألقى الروثة وَقَالَ هَذِه ركس ثمَّ خالفوه فِيمَا هُوَ نَص فِيهِ فأجازوا الِاسْتِنْجَاء بالروث وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على مَالا يدل عَلَيْهِ من الِاكْتِفَاء بالحجرين وَاحْتَجُّوا على أَن مس الْمَرْأَة لَا ينْقض الْوضُوء بِصَلَاة النَّبِي ﷺ حَامِلا أُمَامَة بنت أبي الْعَاصِ بن الرّبيع إِذا قَامَ حملهَا وَإِذا ركع أَو سجد وَضعهَا ثمَّ قَالُوا من صلى كَذَلِك بطلت صلَاته وَصَلَاة من ائتم بِهِ قَالَ بعض اهل الْعلم وَمن الْعجب إبطالهم هَذِه الصَّلَاة وتصحيحهم الصَّلَاة بِقِرَاءَة ﴿مدهامتان﴾ بِالْفَارِسِيَّةِ ثمَّ يرْكَع قدر نفس ثمَّ يرفع قدر حد السَّيْف أَو لَا يرفع بل يخر كَمَا هُوَ سَاجِدا وَلَا يضع على الأَرْض يَدَيْهِ وَلَا رجلَيْهِ وَإِن أمكن أَن لَا يضع رُكْبَتَيْهِ صَحَّ

стр. 138

ذَلِك وَلَا جَبهته بل يَكْفِيهِ وضع رَأس أَنفه كَقدْر نفس وَاحِد ثمَّ يجلس مِقْدَار التَّشَهُّد ثمَّ يفعل فعلا يُنَافِي الصَّلَاة من فسَاء أَو ضراط أَو ضحك أَو نَحْو ذَلِك وَاحْتَجُّوا على تَحْرِيم وَطْء المسبية والمملوكة قبل الِاسْتِبْرَاء بقول النَّبِي ﷺ لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِض حَتَّى تستبرأ بِحَيْضَة ثمَّ خالفوا صَرِيحه فَقَالُوا إِن أعْتقهَا وَزوجهَا وَقد وَطئهَا البارحة حل للزَّوْج أَن يَطَأهَا اللَّيْلَة وَاحْتَجُّوا فِي ثُبُوت الْحَضَانَة للخالة بِخَبَر ابْنة حَمْزَة وَأَن رَسُول الله ﷺ قضى بهَا لخالتها ثمَّ خالفوه فَقَالُوا لَو تزوجت الْخَالَة بِغَيْر محرم للْبِنْت كَابْن عَمها سَقَطت حضانتها وَاحْتَجُّوا على الْمَنْع من التَّفْرِيق بَين الْأَخَوَيْنِ بِحَدِيث عَليّ فِي نَهْيه عَن التَّفْرِيق بَينهمَا ثمَّ خالفوه فَقَالُوا لَا يرد البيع إِذا وَقع كَذَلِك وَفِي الحَدِيث الْأَمر برده وَاحْتَجُّوا على جَرَيَان الْقصاص بَين الْمُسلم وَالَّذِي وَالَّذِي بِخَبَر رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أقاد يَهُودِيّا من مُسلم لطمه ثمَّ خالفوه فَقَالُوا لَا قَود فِي اللَّطْمَة والضربة لَا بَين مُسلمين وَلَا بَين مُسلم وَكَافِر وَاحْتَجُّوا على أَنه لَا قصاص بَين العَبْد وسيده بقوله ص من لطم عَبده فَهُوَ حر ثمَّ خالفوه فَقَالُوا لَا يعْتق بذلك وَاحْتَجُّوا ايضا بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ من مثل بِعَبْدِهِ عتق عَلَيْهِ فَقَالُوا لم يُوجب عَلَيْهِ الْقود ثمَّ قَالُوا لَا يعْتق عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فِي الْعين نصف الدِّيَة ثمَّ خالفوه فِي عدَّة مَوَاضِع مِنْهَا قَوْله وَفِي الْعين الْقَائِمَة السَّادة لموضعها ثلث الدِّيَة وَمِنْهَا قَوْله فِي السنى السَّوْدَاء ثلث الدِّيَة

стр. 139

وَاحْتَجُّوا على جَوَاز تَفْضِيل بعض الْأَوْلَاد على بعض بِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير وَفِيه أشهد على هَذَا غَيْرِي ثمَّ خالفوه صَرِيحًا فَإِن فِي الحَدِيث نَفسه إِن هَذَا لَا يصلح وَفِي لفظ إِنِّي لَا أشهد على جور فَقَالُوا بل هَذَا يصلح وَلَيْسَ بجور وَلكُل أحد أَن يشْهد عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا على أَن النَّجَاسَة تَزُول بِغَيْر المَاء من الْمَائِعَات بِحَدِيث إِذا وطئ أحدكُم الْأَذَى بنعليه فَإِن التُّرَاب لَهما طهُور ثمَّ خالفوه فَقَالُوا لَو وطئ الْعذرَة بخفيه لم يطهرهما التُّرَاب وَاحْتَجُّوا على جَوَاز الْمسْح على الْجَبِيرَة بِحَدِيث صَاحب الشَّجَّة ثمَّ خالفوه صَرِيحًا فَقَالُوا لَا يجمع بَين المَاء وَالتُّرَاب بل إِمَّا أَن يقْتَصر على غسل الصَّحِيح إِن كَانَ أَكثر وَلَا يتَيَمَّم وَإِمَّا أَن يقْتَصر على التَّيَمُّم إِن كَانَ الجريح أَكثر وَلَا يغسل الصَّحِيح وَاحْتَجُّوا على جَوَاز تَوْلِيَة أُمَرَاء أَو حكام أَو متولين مرَّتَيْنِ وَاحِدًا بعد وَاحِد بقول النَّبِي ﷺ أميركم زيد فَإِن قتل فعبد الله بن رَوَاحَة فَإِن قتل فجعفر ثمَّ خالفوا الحَدِيث نَفسه فَقَالُوا لَا يَصح تَعْلِيق الْولَايَة بِالشّرطِ وَنحن نشْهد بِاللَّه أَن هَذِه الْولَايَة من أصح ولَايَة على وَجه الأَرْض وَإِنَّهَا أصح من كل ولاياتهم من أولهاإلى آخرهَا وَاحْتَجُّوا على تضمين الْمُتْلف مَا أتْلفه وَيملك هُوَ مَا أتْلفه بِحَدِيث الْقَصعَة الَّتِي كسرتها إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فَرد النَّبِي ﷺ على صَاحِبَة الْقَصعَة نظيرتها ثمَّ خالفوه

стр. 140

جهارا فَقَالُوا إِنَّمَا يضمن بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير وَلَا يضمن بِالْمثلِ وَاحْتَجُّوا على ذَلِك أَيْضا بِخَبَر الشَّاة الَّتِي ذبحت بِغَيْر إِذن صَاحبهَا وَأَن النَّبِي ﷺ لم يردهَا على صَاحبهَا ثمَّ خالفوه صَرِيحًا فَإِن النَّبِي ﷺ لم يملكهَا الذَّابِح بل أَمر بإطعامها الْأُسَارَى وَاحْتَجُّوا فِي سُقُوط الْقطع بِسَرِقَة الْفَوَاكِه وَمَا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد بِخَبَر لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر ثمَّ خالفواالحديث نَفسه فِي عدَّة مَوَاضِع أَحدهَا أَن فِيهِ فَإِذا آواه الجرين فَفِيهِ الْقطع وَعِنْدهم لَا قطع فِيهِ آواه الجرين أَو لم يؤوه الثَّانِي أَنه قَالَ إِذا بلغ ثمن الْمِجَن وَفِي الصَّحِيح أَن ثمن الْمِجَن كَانَ ثَلَاثَة دَرَاهِم وَعِنْدهم لَا يقطع فِي هَذَا الْقدر الثَّالِث أَنهم قَالُوا لَيْسَ الجرين حرْزا فَلَو سرق مِنْهُ تَمرا يَابسا وَلم يكن هُنَاكَ حَافظ لم يقطع وَاحْتَجُّوا فِي مَسْأَلَة الْآبِق يَأْتِي بِهِ الرجل أَن لَهُ أَرْبَعِينَ درهما بِخَبَر فِيهِ أَن من جَاءَ بآبق من خَارج الْحرم فَلهُ عشرَة دَرَاهِم أَو دِينَار وخالفوه جهرة فأوجبوا أَرْبَعِينَ وَاحْتَجُّوا على خِيَار الشُّفْعَة على الْفَوْر بِحَدِيث ابْن الْبَيْلَمَانِي الشُّفْعَة كحل العقال وَلَا شُفْعَة لصغير وَلَا لغَائِب وَمن مثل بِهِ فَهُوَ حر فخالفوا جَمِيع ذَلِك إِلَّا قَوْله الشُّفْعَة كحل العقال وَاحْتَجُّوا على امْتنَاع الْقود بَين الْأَب وَالِابْن وَالسَّيِّد وَالْعَبْد بِحَدِيث لَا يُقَاد وَالِد بولده وَلَا سيد بِعَبْدِهِ وخالفوا الحَدِيث نَفسه فَإِن تَمَامه وَمن مثل بِعَبْدِهِ فَهُوَ حر وَاحْتَجُّوا على أَن الْوَلَد يلْحق بِصَاحِب الْفراش دون الزَّانِي بِحَدِيث ابْن وليدة زَمعَة وَفِيه الْوَلَد للْفراش ثمَّ خالفوا الحَدِيث نَفسه صَرِيحًا فَقَالُوا الْأمة لَا تكون فراشا وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَضَاء فِي أمة وَمن الْعجب أَنهم قَالُوا إِذا عقد على أمه وَابْنَته وَأُخْته وَوَطئهَا لم يحد بِالشُّبْهَةِ وَصَارَت فراشا بِهَذَا العقد الْبَاطِل الْمحرم وَأم وَلَده وسريته الَّتِي يَطَؤُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا لَيست فراشا لَهُ وَمن الْعَجَائِب أَنهم احْتَجُّوا على جَوَاز صَوْم رَمَضَان بنية ينشئها

стр. 141

من النَّهَار قبل الزَّوَال بِحَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يدْخل عَلَيْهَا فَيَقُول هَل من غداء فَتَقول لَا فَيَقُول فَإِنِّي صَائِم ثمَّ قَالُوا لَو فعل ذَلِك فِي صَوْم التَّطَوُّع لم يَصح صَوْمه والْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ فِي التَّطَوُّع نَفسه وَاحْتَجُّوا على الْمَنْع من بيع الْمُدبر بِأَنَّهُ قد انْعَقَد فِيهِ سَبَب الْحُرِّيَّة وَفِي بَيْعه إبِْطَال لذَلِك وَأَجَابُوا عَن بيع النَّبِي ﷺ الْمُدبر بِأَنَّهُ قد بَاعَ خدمته ثمَّ قَالُوا لَا يجوز بيع خدمَة الْمُدبر أَيْضا وَاحْتَجُّوا على إِيجَاب الشُّفْعَة فِي الْأَرَاضِي وَالْأَشْجَار التابعة لَهَا بقوله قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل شرك فِي ربعَة أَو حَائِط ثمَّ خالفوا نَص الحَدِيث نَفسه فَإِن فِيهِ وَلَا يحل لَهُ أَن يَبِيع حَتَّى يُؤذن شَرِيكه فَإِن بَاعَ وَلم يُؤذنهُ فَهُوَ أَحَق بِهِ فَقَالُوا يحل لَهُ أَن يَبِيع قبل إِذْنه وَيحل لَهُ أَن يتحيل لإِسْقَاط الشُّفْعَة وَإِن بَاعَ بعد إِذن شَرِيكه فَهُوَ أَحَق أَيْضا بِالشُّفْعَة وَلَا أثر للإستئذان وَلَا لعدمه وَاحْتَجُّوا على الْمَنْع من بيع الزَّيْت بالزيتون إِلَّا بعد الْعلم بِأَن مَا فِي الزَّيْتُون من الزَّيْت أقل من الزَّيْت الْمُفْرد بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ النَّهْي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ ثمَّ خالفوه نَفسه فَقَالُوا يجوز بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ من نَوعه وَغير نَوعه وَاحْتَجُّوا على أَن عَطِيَّة الْمَرِيض المنجزة كَالْوَصِيَّةِ لَا تنفذ إِلَّا فِي الثُّلُث بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن رجلا أعتق سِتَّة مملوكين عِنْد مَوته لَا مَال لَهُ سواهُم فجزأهم النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة أَجزَاء وأقرع بَينهم فَأعتق اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة ثمَّ خالفوه فِي موضِعين فَقَالُوا لَا يقرع بَينهم الْبَتَّةَ وَيعتق من كل وَاحِد سدسه وَهَذَا كثير جدا وَالْمَقْصُود أَن التَّقْلِيد حكم عَلَيْكُم بذلك وقادكم إِلَيْهِ قهرا وَلَو حكمتم الدَّلِيل على التَّقْلِيد لم تقعوا فِي مثل هَذَا فَإِن هَذِه الْأَحَادِيث إِن كَانَت حَقًا وَجب الانقياد لَهَا وَالْأَخْذ بِمَا فِيهَا وَإِن لم تكن صَحِيحَة لم يُؤْخَذ بِشَيْء مِمَّا فِيهَا فإمَّا أَن تصحح وَيُؤْخَذ بهَا فِيمَا وَافق قَول الْمَتْبُوع وتضعف

стр. 142

أَو ترد إِذا خَالَفت قَوْله أَو تؤول فَهَذَا من أعظم الْخَطَأ والتناقض فَإِن قُلْتُمْ عَارض مَا خالفناه مِنْهَا مَا هُوَ أقوى مِنْهُ وَلم يُعَارض مَا وافقناه مِنْهَا مَا يُوجب الْعُدُول عَنهُ واطراحه قيل لَا تَخْلُو هَذِه الْأَحَادِيث وأمثالها أَن تكون مَنْسُوخَة أَو محكمَة فَإِن كَانَت مَنْسُوخَة لم يحْتَج بمنسوخ الْبَتَّةَ وَإِن كَانَت محكمَة لم يجز مُخَالفَة شَيْء مِنْهَا الْبَتَّةَ فَإِن قيل هِيَ مَنْسُوخَة فِيمَا خالفناها فِيهِ ومحكمة فِيمَا وَافَقْنَاهَا فِيهِ قيل هَذَا مَعَ أَنه ظَاهر الْبطلَان يتَضَمَّن مَالا علم لمدعيه بِهِ قَائِل مَالا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ فَأَقل مَا فِيهِ أَن معارضنا لَو قلب عَلَيْهِ هَذِه الدَّعْوَى بِمِثْلِهَا سَوَاء لكَانَتْ دَعْوَاهُ من جنس دَعْوَاهُ وَلم يكن بَينهمَا فرق وَلَا فرق وَكِلَاهُمَا مُدع مَالا يُمكنهُ إثْبَاته فَالْوَاجِب اتِّبَاع سنَن رَسُول الله ﷺ وتحكيمها والتحاكم إِلَيْهَا حَتَّى يقوم الدَّلِيل الْقَاطِع على نسخ الْمَنْسُوخ مِنْهَا أَو تجمع الْأمة على الْعَمَل بِخِلَاف شَيْء مِنْهَا وَهَذَا الثَّانِي محَال قطعا فَإِن الْأمة وَللَّه الْحَمد لم تجمع على ترك الْعَمَل بِسنة وَاحِدَة إِلَّا سنة ظَاهِرَة النّسخ مَعْلُوم للْأمة ناسخها وَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن الْعلم بالناسخ دون الْمَنْسُوخ وَأما أَن تتْرك السّنَن لقَوْل أحد من النَّاس فَلَا كَائِنا من كَانَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْوَجْه التَّاسِع عشر أَن فرقة التَّقْلِيد قد ارتكبت مُخَالفَة أَمر الله وَأمر رَسُوله وهدي أَصْحَابه وأحوال أئمتهم وسلكوا ضد طَرِيق أهل الْعلم أما أَمر الله فَإِنَّهُ أَمر برد مَا تنَازع فِيهِ الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ وَإِلَى رَسُوله والمقلدون قَالُوا إِنَّمَا نرده إِلَى من قلدناه وَأما أَمر رَسُوله فَإِنَّهُ ص أَمر عِنْد الِاخْتِلَاف بِالْأَخْذِ بسنته وَسنة خلفائه الرَّاشِدين المهديين وَأمر أَن يتَمَسَّك بهَا ويعض عَلَيْهَا بالنواجذ وَقَالَ المقلدون بل عِنْد الِاخْتِلَاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل مَا عداهُ وَأما هدي الصَّحَابَة فَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه لم يكن فيهم شخص وَاحِد يُقَلّد رجلا وَاحِدًا فِي جَمِيع أَقْوَاله وَيُخَالف من عداهُ من الصَّحَابَة بِحَيْثُ لَا يرد من أَقْوَاله شَيْئا وَلَا يقبل من أَقْوَالهم شَيْئا وَهَذَا من أعظم الْبدع وأقبح الْحَوَادِث وَأما مخالفتهم لأئمتهم فَإِن الْأَئِمَّة نهوا عَن تقليدهم وحذروا مِنْهُ كَمَا تقدم ذكر بعض ذَلِك عَنْهُم وَأما سلوكهم ضد طَرِيق أهل الْعلم فَإِن طريقهم طلب أَقْوَال الْعلمَاء وضبطها وَالنَّظَر فِيهَا وعرضها على الْقُرْآن وَالسّنة الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ وأقوال خلفائه الرَّاشِدين فَمَا وَافق ذَلِك مِنْهَا قبلوه ودانوا الله تَعَالَى بِهِ وقضوا بِهِ وأفتوا بِهِ وَمَا خَالف ذَلِك مِنْهَا لم يلتفتوا إِلَيْهِ وردوه ومالم يتَبَيَّن لَهُم كَانَ عِنْدهم من مسَائِل الِاجْتِهَاد الَّتِي غايتها أَن تكون سَائِغَة الِاتِّبَاع لَا وَاجِبَة الِاتِّبَاع من غير أَن يلزموا بهَا أحدا وَلَا يَقُولُونَ أَنَّهَا الْحق دون مَا خالفها هَذِه طَريقَة أهل الْعلم سلفا وخلفا وَأما هَؤُلَاءِ الْخلف فعكسوا الطَّرِيق وقلبوا أوضاع الدّين فزيفوا كتاب الله سُبْحَانَهُ وَسنة رَسُوله ص وأقوال خلفائه وَجَمِيع أَصْحَابه وعرضوها على أَقْوَال من قلدوه فَمَا وافقها مِنْهَا

стр. 143

قَالُوا لنا وانقادوا لَهُ مذعنين وَمَا خَالف أَقْوَال متبوعهم مِنْهَا قَالُوا احْتج الْخصم بِكَذَا وَكَذَا وَلم يقبلوه وَلم يدينوا بِهِ واحتال فضلاؤهم فِي ردهَا بِكُل مُمكن وتطلبوا لَهَا وُجُوه الْحِيَل الَّتِي تردها حَتَّى إِذا كَانَت مُوَافقَة لمذهبهم وَكَانَت تِلْكَ الْوُجُوه بِعَينهَا قَائِمَة فِيهَا شنعوا على منازعهم وأنكروا عَلَيْهِم ردهَا بِمثل تِلْكَ الْوُجُوه بِعَينهَا وَقَالُوا لَا ترد النُّصُوص بِمثل هَذَا وَمن لَهُ همة تسمو إِلَى الله ومرضاته وَنصر الْحق الَّذِي بعث بِهِ رَسُول الله ﷺ أَيْن كَانَ وَمَعَ من كَانَ لَا يرضى لنَفسِهِ بِمثل هَذَا المسلك الوخيم والخلق الذميم الْوَجْه الْعشْرُونَ أَن الله سُبْحَانَهُ ذمّ الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ وَهَؤُلَاء هم أهل التَّقْلِيد بأعيانهم بِخِلَاف أهل الْعلم فَإِنَّهُم وَإِن اخْتلفُوا لم يفرقُوا دينهم وَلم يَكُونُوا شيعًا بل شيعَة وَاحِدَة متفقة على طلب الْحق وإيثاره عِنْد ظُهُوره وتقديمه على كل مَا سواهُ فهم طَائِفَة وَاحِدَة قد اتّفقت مقاصدهم وطريقهم فالطريق وَاحِدَة وَالْقَصْد وَاحِد والمقلدون بِالْعَكْسِ مقاصدهم شَتَّى وطرقهم مُخْتَلفَة فليسوا مَعَ الْأَئِمَّة فِي الْقَصْد وَلَا فِي الطَّرِيق الْوَجْه الْحَادِي وَالْعشْرُونَ إِن الله سُبْحَانَهُ ذمّ الَّذين تقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ والزبر الْكتب المصنفة الَّتِي رَغِبُوا بهَا عَن كتاب الله تَعَالَى وَمَا بعث بِهِ رَسُوله فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ فَأمر تَعَالَى الرُّسُل بِمَا أَمر بِهِ أممهم أَن يَأْكُلُوا من الطَّيِّبَات وَأَن يعملوا الصَّالِحَات وَأَن يعبدوه وَحده ويطيعوا أمره وَحده وَأَن لَا يتفرقوا فِي الدّين فمضت الرُّسُل وأتباعهم على ذَلِك مُسلمين لأمر الله تَعَالَى قابلين لِرَحْمَتِهِ حَتَّى نشأت خلوف قطعُوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ فَمن تدبر هَذِه الْآيَات ونزلها على الوقائع تبين لَهُ حَقِيقَة الْحَال وَعلم من أَي الحزبين هُوَ وَالله الْمُسْتَعَان الْوَجْه الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ فَخص هَؤُلَاءِ بالفلاح دون من عداهم والداعون إِلَى الْخَيْر هم الداعون إِلَى كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ص لَا الداعون إِلَى رَأْي فلَان وَفُلَان الْوَجْه الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أَن الله ذمّ من إِذا دعِي إِلَى الله وَرَسُوله أعرض وَرَضي بالتحاكم إِلَى غَيره وَهَذَا شَأْن أهل التَّقْلِيد قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ فَكل من أعرض عَن الدَّاعِي إِلَى مَا أنزل الله على رَسُوله إِلَى غَيره فَلهُ نصيب من هَذَا فمستكثر ومستقل الْوَجْه الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن يُقَال لفرقة التَّقْلِيد دين الله عنْدكُمْ وَاحِد وَهُوَ فِي القَوْل وضده فدينه هوالأقوال الْمُخْتَلفَة المتضادة الَّتِي يُنَاقض بَعْضهَا بَعْضًا وَيبْطل بَعْضهَا بَعْضًا كلهَا دين الله

стр. 144

فَإِن قَالُوا بل هَذِه الْأَقْوَال المتضادة المتعارضة الَّتِي يُنَاقض بَعْضهَا بَعْضًا كلهَا دين الله خَرجُوا عَن نُصُوص أئمتهم فَإِن جَمِيعهم على أَن الْحق فِي وَاحِد من الْأَقْوَال كَمَا أَن الْقبْلَة فِي جِهَة من الْجِهَات وَخَرجُوا عَن نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنة والمعقول الصَّرِيح وَجعلُوا دين الله تَابعا لآراء الرِّجَال وَإِن قَالُوا الصَّوَاب الَّذِي لَا صَوَاب غَيره أَن دين الله وَاحِد وَهُوَ مَا أنزل الله بِهِ كِتَابه وَأرْسل بِهِ رَسُوله وارتضاه لِعِبَادِهِ كَمَا أَن نبيه وَاحِد والقبلة وَاحِدَة فَمن وَافقه فَهُوَ الْمُصِيب وَله أَجْرَانِ وَمن أخطأه فَلهُ أجر وَاحِد على اجْتِهَاده لَا على خطأه قيل لَهُم فَالْوَاجِب إِذا طلب الْحق وبذل الِاجْتِهَاد فِي الْوُصُول إِلَيْهِ بِحَسب الْإِمْكَان لِأَن الله سُبْحَانَهُ أوجب على الْخلق تقواه بِحَسب الِاسْتِطَاعَة وتقواه فعل مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهي عَنهُ فَلَا بُد أَن يعرف العَبْد مَا أَمر بِهِ ليفعله وَمَا نهي عَنهُ ليجتنبه وَمَا أُبِيح لَهُ ليَأْتِيه وَمَعْرِفَة هَذَا لَا يكون إِلَّا بِنَوْع الِاجْتِهَاد وَطلب وتحر للحق فَإِذا لم يَأْتِ بذلك فَهُوَ فِي عُهْدَة الْأَمر ويلقى الله وَلما يقْض مَا أمره بِهِ الْوَجْه الْخَامِس وَالْعشْرُونَ أَن دَعْوَة النَّبِي ﷺ عَامَّة لمن كَانَ فِي عصره وَلمن يَأْتِي بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْوَاجِب على من بعد الصَّحَابَة هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم بِعَيْنِه وَإِن تنوعت صِفَاته وكيفياته باخْتلَاف الْأَحْوَال وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار أَن الصَّحَابَة لم يَكُونُوا يعرضون مَا يسمعونه مِنْهُ ص على أَقْوَال عُلَمَائهمْ بل لم يكن لعلمائهم قَول غير قَوْله فَلم يكن أحد يتَوَقَّف فِي قبُول مَا سَمعه مِنْهُ على مُوَافقَة مُوَافق أَو رَأْي ذِي رَأْي اصلا وَكَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِب الَّذِي لَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بِهِ وَهُوَ بِعَيْنِه الْوَاجِب علينا وعَلى سَائِر الْمُكَلّفين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْوَاجِب لَا ينْسَخ بعد مَوته وَلَا هُوَ مُخْتَصّ بالصحابة فَمن خرج عَن ذَلِك فقد خرج عَن نفس مَا يُوجِبهُ الله تَعَالَى وَرَسُوله ص الْوَجْه السَّادِس وَالْعشْرُونَ أَن أَقْوَال الْعلمَاء وآراءهم لَا تنضبط وَلَا تَنْحَصِر وَلم تضمن لَهَا الْعِصْمَة إِلَّا إِذا اتَّفقُوا وَلم يَخْتَلِفُوا فَلَا يكون اتِّفَاقهم إِلَّا حَقًا وَمن الْمحَال أَن يحيلنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ص على مَالا يَنْضَبِط وَلَا ينْحَصر وَلم يضمن لنا عصمته من الْخَطَأ وَلم يقم لنا دَلِيلا على أَن أحد الْقَائِلين أولى بِأَن نَأْخُذ بقوله كُله من الآخر بل نَتْرُك قَول هَذَا كُله ونأخذ قَول هَذَا كُله هَذَا محَال أَن يشرعه الله تَعَالَى ويرضى بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ أحد الْقَائِلين رَسُولا وَالْآخر كَاذِبًا على الله سُبْحَانَهُ فالغرض حِينَئِذٍ بَيَان أَن مَا يعتمده هَؤُلَاءِ المقلدون مَعَ متبوعهم ومخالفهم غير منضبط فمحال أَن يحيلنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ص على ذَاك الْوَجْه السَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَدَأَ الدّين غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ وَأخْبر أَن الْعلم يقل فَلَا بُد من وُقُوع مَا أخبر بِهِ الصَّادِق وَمَعْلُوم أَن كتب المقلدين

стр. 145

قد طبقت شَرق الأَرْض وغربها وَلم تكن فِي وَقت قطّ أَكثر مِنْهَا فِي هَذَا الْوَقْت وَنحن نرَاهَا كل عَام فِي ازدياد وَكَثْرَة والمقلدون يحفظون مِنْهَا مَا يُمكن حفظه بِحُرُوفِهِ وشهرتها فِي النَّاس بِخِلَاف الغربة بل هِيَ الْمَعْرُوف الَّتِي لَا يعْرفُونَ غَيرهَا فَلَو كَانَت هِيَ الْعلم الَّذِي بعث الله تَعَالَى بِهِ رَسُوله ص لَكَانَ الدّين كل وَقت فِي ظُهُور وَزِيَادَة وَالْعلم فِي شهرة وَظُهُور وَهُوَ خلاف مَا أخبر بِهِ الصَّادِق الْوَجْه الثَّامِن وَالْعشْرُونَ أَن الِاخْتِلَاف كثير فِي كتب المقلدين وأقوالهم وَمَا كَانَ من عِنْد الله فَلَا اخْتِلَاف فِيهِ بل هُوَ حق يصدق بعضه بَعْضًا وَيشْهد بعضه لبَعض وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ أَنه لَا يجب على العَبْد أَن يُقَلّد زيدا دون عَمْرو بل يجوز لَهُ الِانْتِقَال من تَقْلِيد هَذَا إِلَى تَقْلِيد الآخر عِنْد المقلدين فَإِن كَانَ قَول من قَلّدهُ أَولا هُوَ الْحق لَا سواهُ فقد جوزتم لَهُ الِانْتِقَال عَن الْحق إِلَى خِلَافه وَهَذَا محَال وَإِن كَانَ الثَّانِي هُوَ الْحق وَحده فقد جوزتم الْإِقَامَة على خلاف الْحق وَإِن قُلْتُمْ الْقَوْلَانِ المتضادان حق فَهُوَ أَشد حَالَة وَلَا بُد لكم من قسم من هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْوَجْه الثَّلَاثُونَ أَن يُقَال للمقلد بِأَيّ شَيْء عرفت أَن الصَّوَاب مَعَ من قلدته دون من لَا تقلده فَإِن قَالَ عرفت بِالدَّلِيلِ فَلَيْسَ بمقلد وَإِن قَالَ عَرفته تقليدا لَهُ فَإِنَّهُ أفتى بِهَذَا القَوْل ودان بِهِ وَعلمه وَدينه وَحسن ثَنَاء الْأمة عَلَيْهِ مَنعه أَن يَقُول غير الْحق قيل لَهُ فمعصوم هُوَ عنْدك أم يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ فَإِن قَالَ بعصمته أبطل وَإِن جوز عَلَيْهِ الْخَطَأ قيل لَهُ فَمَا يُؤمنك أَنه قد أخطا فِيمَا قلدته فِيهِ وَخَالفهُ فِيهِ غَيره فَإِن قَالَ وَإِن أَخطَأ فَهُوَ مأجور قيل أجل هُوَ مأجور لإجتهاده وَأَنت غير مأجور لِأَنَّك لم تأت بِمُوجب الْأجر بل قد فرطت فِي اتِّبَاع الْوَاجِب فَأَنت إِذا مأزور فَإِن قَالَ كَيفَ يأجره الله تَعَالَى على مَا أفتى بِهِ ويمدحه عَلَيْهِ ويذم المستفتي على قَوْله وَهل يعقل هَذَا قيل لَهُ المستفتي إِن هُوَ قصر وفرط فِي معرفَة الْحق مَعَ قدرته عَلَيْهِ لحقه الذَّم والوعيد وَإِن بذل جهده وَلم يقصر فِيمَا أَمر بِهِ وَاتَّقَى الله مَا اسْتَطَاعَ فَهُوَ مأجور أَيْضا وَأما المتعصب الَّذِي جعل قَول متبوعه عيارا على الْكتاب وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة يزنها بهَا فَمَا وَافق قَول متبوعه مِنْهَا قبله وَمَا خَالفه رده فَهَذَا إِلَى الذَّم وَالْعِقَاب أقرب مِنْهُ إِلَى الْأجر وَالثَّوَاب وَإِن قَالَ وَهُوَ الْوَاقِع اتبعته وقلدته وَلَا أَدْرِي على صَوَاب هُوَ أم لَا فالعهدة على الْقَائِل وَأَنا حاك لأقواله قيل لَهُ فَهَل تتخلص بِهَذَا من الله تَعَالَى عِنْد السُّؤَال لَك عَمَّا حكمت بِهِ بَين عباد الله وأفتيتهم بِهِ فوَاللَّه إِن للحكام والمفتين لموقفا للسؤال لَا يتَخَلَّص فِيهِ إِلَّا من عرف الْحق وَحكم بِهِ وعرفه وَأفْتى بِهِ وَأما من عداهما فسيعلم عِنْد انكشاف الْحَال أَنه لم يكن على شَيْء
следующие страницы →