Полный текст (169 стр.). Показаны 141–169 · переход к 146.
стр. 141
من النَّهَار قبل الزَّوَال بِحَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يدْخل عَلَيْهَا فَيَقُول هَل من غداء فَتَقول لَا فَيَقُول فَإِنِّي صَائِم ثمَّ قَالُوا لَو فعل ذَلِك فِي صَوْم التَّطَوُّع لم يَصح صَوْمه والْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ فِي التَّطَوُّع نَفسه
وَاحْتَجُّوا على الْمَنْع من بيع الْمُدبر بِأَنَّهُ قد انْعَقَد فِيهِ سَبَب الْحُرِّيَّة وَفِي بَيْعه إبِْطَال لذَلِك وَأَجَابُوا عَن بيع النَّبِي ﷺ الْمُدبر بِأَنَّهُ قد بَاعَ خدمته ثمَّ قَالُوا لَا يجوز بيع خدمَة الْمُدبر أَيْضا
وَاحْتَجُّوا على إِيجَاب الشُّفْعَة فِي الْأَرَاضِي وَالْأَشْجَار التابعة لَهَا بقوله قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل شرك فِي ربعَة أَو حَائِط ثمَّ خالفوا نَص الحَدِيث نَفسه فَإِن فِيهِ وَلَا يحل لَهُ أَن يَبِيع حَتَّى يُؤذن شَرِيكه فَإِن بَاعَ وَلم يُؤذنهُ فَهُوَ أَحَق بِهِ فَقَالُوا يحل لَهُ أَن يَبِيع قبل إِذْنه وَيحل لَهُ أَن يتحيل لإِسْقَاط الشُّفْعَة وَإِن بَاعَ بعد إِذن شَرِيكه فَهُوَ أَحَق أَيْضا بِالشُّفْعَة وَلَا أثر للإستئذان وَلَا لعدمه
وَاحْتَجُّوا على الْمَنْع من بيع الزَّيْت بالزيتون إِلَّا بعد الْعلم بِأَن مَا فِي الزَّيْتُون من الزَّيْت أقل من الزَّيْت الْمُفْرد بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ النَّهْي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ ثمَّ خالفوه نَفسه فَقَالُوا يجوز بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ من نَوعه وَغير نَوعه
وَاحْتَجُّوا على أَن عَطِيَّة الْمَرِيض المنجزة كَالْوَصِيَّةِ لَا تنفذ إِلَّا فِي الثُّلُث بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن رجلا أعتق سِتَّة مملوكين عِنْد مَوته لَا مَال لَهُ سواهُم فجزأهم النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة أَجزَاء وأقرع بَينهم فَأعتق اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة ثمَّ خالفوه فِي موضِعين فَقَالُوا لَا يقرع بَينهم الْبَتَّةَ وَيعتق من كل وَاحِد سدسه وَهَذَا كثير جدا
وَالْمَقْصُود أَن التَّقْلِيد حكم عَلَيْكُم بذلك وقادكم إِلَيْهِ قهرا وَلَو حكمتم الدَّلِيل على التَّقْلِيد لم تقعوا فِي مثل هَذَا فَإِن هَذِه الْأَحَادِيث إِن كَانَت حَقًا وَجب الانقياد لَهَا وَالْأَخْذ بِمَا فِيهَا وَإِن لم تكن صَحِيحَة لم يُؤْخَذ بِشَيْء مِمَّا فِيهَا فإمَّا أَن تصحح وَيُؤْخَذ بهَا فِيمَا وَافق قَول الْمَتْبُوع وتضعف
стр. 142
أَو ترد إِذا خَالَفت قَوْله أَو تؤول فَهَذَا من أعظم الْخَطَأ والتناقض
فَإِن قُلْتُمْ عَارض مَا خالفناه مِنْهَا مَا هُوَ أقوى مِنْهُ وَلم يُعَارض مَا وافقناه مِنْهَا مَا يُوجب الْعُدُول عَنهُ واطراحه قيل لَا تَخْلُو هَذِه الْأَحَادِيث وأمثالها أَن تكون مَنْسُوخَة أَو محكمَة فَإِن كَانَت مَنْسُوخَة لم يحْتَج بمنسوخ الْبَتَّةَ وَإِن كَانَت محكمَة لم يجز مُخَالفَة شَيْء مِنْهَا الْبَتَّةَ
فَإِن قيل هِيَ مَنْسُوخَة فِيمَا خالفناها فِيهِ ومحكمة فِيمَا وَافَقْنَاهَا فِيهِ
قيل هَذَا مَعَ أَنه ظَاهر الْبطلَان يتَضَمَّن مَالا علم لمدعيه بِهِ قَائِل مَالا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ فَأَقل مَا فِيهِ أَن معارضنا لَو قلب عَلَيْهِ هَذِه الدَّعْوَى بِمِثْلِهَا سَوَاء لكَانَتْ دَعْوَاهُ من جنس دَعْوَاهُ وَلم يكن بَينهمَا فرق وَلَا فرق وَكِلَاهُمَا مُدع مَالا يُمكنهُ إثْبَاته فَالْوَاجِب اتِّبَاع سنَن رَسُول الله ﷺ وتحكيمها والتحاكم إِلَيْهَا حَتَّى يقوم الدَّلِيل الْقَاطِع على نسخ الْمَنْسُوخ مِنْهَا أَو تجمع الْأمة على الْعَمَل بِخِلَاف شَيْء مِنْهَا وَهَذَا الثَّانِي محَال قطعا فَإِن الْأمة وَللَّه الْحَمد لم تجمع على ترك الْعَمَل بِسنة وَاحِدَة إِلَّا سنة ظَاهِرَة النّسخ مَعْلُوم للْأمة ناسخها وَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن الْعلم بالناسخ دون الْمَنْسُوخ وَأما أَن تتْرك السّنَن لقَوْل أحد من النَّاس فَلَا كَائِنا من كَانَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْوَجْه التَّاسِع عشر أَن فرقة التَّقْلِيد قد ارتكبت مُخَالفَة أَمر الله وَأمر رَسُوله وهدي أَصْحَابه وأحوال أئمتهم وسلكوا ضد طَرِيق أهل الْعلم أما أَمر الله فَإِنَّهُ أَمر برد مَا تنَازع فِيهِ الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ وَإِلَى رَسُوله والمقلدون قَالُوا إِنَّمَا نرده إِلَى من قلدناه وَأما أَمر رَسُوله فَإِنَّهُ ص أَمر عِنْد الِاخْتِلَاف بِالْأَخْذِ بسنته وَسنة خلفائه الرَّاشِدين المهديين وَأمر أَن يتَمَسَّك بهَا ويعض عَلَيْهَا بالنواجذ وَقَالَ المقلدون بل عِنْد الِاخْتِلَاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل مَا عداهُ وَأما هدي الصَّحَابَة فَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه لم يكن فيهم شخص وَاحِد يُقَلّد رجلا وَاحِدًا فِي جَمِيع أَقْوَاله وَيُخَالف من عداهُ من الصَّحَابَة بِحَيْثُ لَا يرد من أَقْوَاله شَيْئا وَلَا يقبل من أَقْوَالهم شَيْئا وَهَذَا من أعظم الْبدع وأقبح الْحَوَادِث وَأما مخالفتهم لأئمتهم فَإِن الْأَئِمَّة نهوا عَن تقليدهم وحذروا مِنْهُ كَمَا تقدم ذكر بعض ذَلِك عَنْهُم وَأما سلوكهم ضد طَرِيق أهل الْعلم فَإِن طريقهم طلب أَقْوَال الْعلمَاء وضبطها وَالنَّظَر فِيهَا وعرضها على الْقُرْآن وَالسّنة الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ وأقوال خلفائه الرَّاشِدين فَمَا وَافق ذَلِك مِنْهَا قبلوه ودانوا الله تَعَالَى بِهِ وقضوا بِهِ وأفتوا بِهِ وَمَا خَالف ذَلِك مِنْهَا لم يلتفتوا إِلَيْهِ وردوه ومالم يتَبَيَّن لَهُم كَانَ عِنْدهم من مسَائِل الِاجْتِهَاد الَّتِي غايتها أَن تكون سَائِغَة الِاتِّبَاع لَا وَاجِبَة الِاتِّبَاع من غير أَن يلزموا بهَا أحدا وَلَا يَقُولُونَ أَنَّهَا الْحق دون مَا خالفها هَذِه طَريقَة أهل الْعلم سلفا وخلفا
وَأما هَؤُلَاءِ الْخلف فعكسوا الطَّرِيق وقلبوا أوضاع الدّين فزيفوا كتاب الله سُبْحَانَهُ وَسنة رَسُوله ص وأقوال خلفائه وَجَمِيع أَصْحَابه وعرضوها على أَقْوَال من قلدوه فَمَا وافقها مِنْهَا
стр. 143
قَالُوا لنا وانقادوا لَهُ مذعنين وَمَا خَالف أَقْوَال متبوعهم مِنْهَا قَالُوا احْتج الْخصم بِكَذَا وَكَذَا وَلم يقبلوه وَلم يدينوا بِهِ واحتال فضلاؤهم فِي ردهَا بِكُل مُمكن وتطلبوا لَهَا وُجُوه الْحِيَل الَّتِي تردها حَتَّى إِذا كَانَت مُوَافقَة لمذهبهم وَكَانَت تِلْكَ الْوُجُوه بِعَينهَا قَائِمَة فِيهَا شنعوا على منازعهم وأنكروا عَلَيْهِم ردهَا بِمثل تِلْكَ الْوُجُوه بِعَينهَا وَقَالُوا لَا ترد النُّصُوص بِمثل هَذَا وَمن لَهُ همة تسمو إِلَى الله ومرضاته وَنصر الْحق الَّذِي بعث بِهِ رَسُول الله ﷺ أَيْن كَانَ وَمَعَ من كَانَ لَا يرضى لنَفسِهِ بِمثل هَذَا المسلك الوخيم والخلق الذميم
الْوَجْه الْعشْرُونَ أَن الله سُبْحَانَهُ ذمّ الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ وَهَؤُلَاء هم أهل التَّقْلِيد بأعيانهم بِخِلَاف أهل الْعلم فَإِنَّهُم وَإِن اخْتلفُوا لم يفرقُوا دينهم وَلم يَكُونُوا شيعًا بل شيعَة وَاحِدَة متفقة على طلب الْحق وإيثاره عِنْد ظُهُوره وتقديمه على كل مَا سواهُ فهم طَائِفَة وَاحِدَة قد اتّفقت مقاصدهم وطريقهم فالطريق وَاحِدَة وَالْقَصْد وَاحِد والمقلدون بِالْعَكْسِ مقاصدهم شَتَّى وطرقهم مُخْتَلفَة فليسوا مَعَ الْأَئِمَّة فِي الْقَصْد وَلَا فِي الطَّرِيق
الْوَجْه الْحَادِي وَالْعشْرُونَ إِن الله سُبْحَانَهُ ذمّ الَّذين تقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ والزبر الْكتب المصنفة الَّتِي رَغِبُوا بهَا عَن كتاب الله تَعَالَى وَمَا بعث بِهِ رَسُوله فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ فَأمر تَعَالَى الرُّسُل بِمَا أَمر بِهِ أممهم أَن يَأْكُلُوا من الطَّيِّبَات وَأَن يعملوا الصَّالِحَات وَأَن يعبدوه وَحده ويطيعوا أمره وَحده وَأَن لَا يتفرقوا فِي الدّين فمضت الرُّسُل وأتباعهم على ذَلِك مُسلمين لأمر الله تَعَالَى قابلين لِرَحْمَتِهِ حَتَّى نشأت خلوف قطعُوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ فَمن تدبر هَذِه الْآيَات ونزلها على الوقائع تبين لَهُ حَقِيقَة الْحَال وَعلم من أَي الحزبين هُوَ وَالله الْمُسْتَعَان
الْوَجْه الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ فَخص هَؤُلَاءِ بالفلاح دون من عداهم والداعون إِلَى الْخَيْر هم الداعون إِلَى كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ص لَا الداعون إِلَى رَأْي فلَان وَفُلَان
الْوَجْه الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أَن الله ذمّ من إِذا دعِي إِلَى الله وَرَسُوله أعرض وَرَضي بالتحاكم إِلَى غَيره وَهَذَا شَأْن أهل التَّقْلِيد قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ فَكل من أعرض عَن الدَّاعِي إِلَى مَا أنزل الله على رَسُوله إِلَى غَيره فَلهُ نصيب من هَذَا فمستكثر ومستقل
الْوَجْه الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن يُقَال لفرقة التَّقْلِيد دين الله عنْدكُمْ وَاحِد وَهُوَ فِي القَوْل وضده فدينه هوالأقوال الْمُخْتَلفَة المتضادة الَّتِي يُنَاقض بَعْضهَا بَعْضًا وَيبْطل بَعْضهَا بَعْضًا كلهَا دين الله
стр. 144
فَإِن قَالُوا بل هَذِه الْأَقْوَال المتضادة المتعارضة الَّتِي يُنَاقض بَعْضهَا بَعْضًا كلهَا دين الله خَرجُوا عَن نُصُوص أئمتهم فَإِن جَمِيعهم على أَن الْحق فِي وَاحِد من الْأَقْوَال كَمَا أَن الْقبْلَة فِي جِهَة من الْجِهَات وَخَرجُوا عَن نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنة والمعقول الصَّرِيح وَجعلُوا دين الله تَابعا لآراء الرِّجَال وَإِن قَالُوا الصَّوَاب الَّذِي لَا صَوَاب غَيره أَن دين الله وَاحِد وَهُوَ مَا أنزل الله بِهِ كِتَابه وَأرْسل بِهِ رَسُوله وارتضاه لِعِبَادِهِ كَمَا أَن نبيه وَاحِد والقبلة وَاحِدَة فَمن وَافقه فَهُوَ الْمُصِيب وَله أَجْرَانِ وَمن أخطأه فَلهُ أجر وَاحِد على اجْتِهَاده لَا على خطأه قيل لَهُم فَالْوَاجِب إِذا طلب الْحق وبذل الِاجْتِهَاد فِي الْوُصُول إِلَيْهِ بِحَسب الْإِمْكَان لِأَن الله سُبْحَانَهُ أوجب على الْخلق تقواه بِحَسب الِاسْتِطَاعَة وتقواه فعل مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهي عَنهُ فَلَا بُد أَن يعرف العَبْد مَا أَمر بِهِ ليفعله وَمَا نهي عَنهُ ليجتنبه وَمَا أُبِيح لَهُ ليَأْتِيه وَمَعْرِفَة هَذَا لَا يكون إِلَّا بِنَوْع الِاجْتِهَاد وَطلب وتحر للحق فَإِذا لم يَأْتِ بذلك فَهُوَ فِي عُهْدَة الْأَمر ويلقى الله وَلما يقْض مَا أمره بِهِ
الْوَجْه الْخَامِس وَالْعشْرُونَ أَن دَعْوَة النَّبِي ﷺ عَامَّة لمن كَانَ فِي عصره وَلمن يَأْتِي بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْوَاجِب على من بعد الصَّحَابَة هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم بِعَيْنِه وَإِن تنوعت صِفَاته وكيفياته باخْتلَاف الْأَحْوَال وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار أَن الصَّحَابَة لم يَكُونُوا يعرضون مَا يسمعونه مِنْهُ ص على أَقْوَال عُلَمَائهمْ بل لم يكن لعلمائهم قَول غير قَوْله فَلم يكن أحد يتَوَقَّف فِي قبُول مَا سَمعه مِنْهُ على مُوَافقَة مُوَافق أَو رَأْي ذِي رَأْي اصلا وَكَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِب الَّذِي لَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بِهِ وَهُوَ بِعَيْنِه الْوَاجِب علينا وعَلى سَائِر الْمُكَلّفين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْوَاجِب لَا ينْسَخ بعد مَوته وَلَا هُوَ مُخْتَصّ بالصحابة فَمن خرج عَن ذَلِك فقد خرج عَن نفس مَا يُوجِبهُ الله تَعَالَى وَرَسُوله ص
الْوَجْه السَّادِس وَالْعشْرُونَ أَن أَقْوَال الْعلمَاء وآراءهم لَا تنضبط وَلَا تَنْحَصِر وَلم تضمن لَهَا الْعِصْمَة إِلَّا إِذا اتَّفقُوا وَلم يَخْتَلِفُوا فَلَا يكون اتِّفَاقهم إِلَّا حَقًا وَمن الْمحَال أَن يحيلنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ص على مَالا يَنْضَبِط وَلَا ينْحَصر وَلم يضمن لنا عصمته من الْخَطَأ وَلم يقم لنا دَلِيلا على أَن أحد الْقَائِلين أولى بِأَن نَأْخُذ بقوله كُله من الآخر بل نَتْرُك قَول هَذَا كُله ونأخذ قَول هَذَا كُله هَذَا محَال أَن يشرعه الله تَعَالَى ويرضى بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ أحد الْقَائِلين رَسُولا وَالْآخر كَاذِبًا على الله سُبْحَانَهُ
فالغرض حِينَئِذٍ بَيَان أَن مَا يعتمده هَؤُلَاءِ المقلدون مَعَ متبوعهم ومخالفهم غير منضبط فمحال أَن يحيلنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ص على ذَاك
الْوَجْه السَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَدَأَ الدّين غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ وَأخْبر أَن الْعلم يقل فَلَا بُد من وُقُوع مَا أخبر بِهِ الصَّادِق وَمَعْلُوم أَن كتب المقلدين
стр. 145
قد طبقت شَرق الأَرْض وغربها وَلم تكن فِي وَقت قطّ أَكثر مِنْهَا فِي هَذَا الْوَقْت وَنحن نرَاهَا كل عَام فِي ازدياد وَكَثْرَة والمقلدون يحفظون مِنْهَا مَا يُمكن حفظه بِحُرُوفِهِ وشهرتها فِي النَّاس بِخِلَاف الغربة بل هِيَ الْمَعْرُوف الَّتِي لَا يعْرفُونَ غَيرهَا فَلَو كَانَت هِيَ الْعلم الَّذِي بعث الله تَعَالَى بِهِ رَسُوله ص لَكَانَ الدّين كل وَقت فِي ظُهُور وَزِيَادَة وَالْعلم فِي شهرة وَظُهُور وَهُوَ خلاف مَا أخبر بِهِ الصَّادِق
الْوَجْه الثَّامِن وَالْعشْرُونَ أَن الِاخْتِلَاف كثير فِي كتب المقلدين وأقوالهم وَمَا كَانَ من عِنْد الله فَلَا اخْتِلَاف فِيهِ بل هُوَ حق يصدق بعضه بَعْضًا وَيشْهد بعضه لبَعض وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾
الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ أَنه لَا يجب على العَبْد أَن يُقَلّد زيدا دون عَمْرو بل يجوز لَهُ الِانْتِقَال من تَقْلِيد هَذَا إِلَى تَقْلِيد الآخر عِنْد المقلدين فَإِن كَانَ قَول من قَلّدهُ أَولا هُوَ الْحق لَا سواهُ فقد جوزتم لَهُ الِانْتِقَال عَن الْحق إِلَى خِلَافه وَهَذَا محَال وَإِن كَانَ الثَّانِي هُوَ الْحق وَحده فقد جوزتم الْإِقَامَة على خلاف الْحق وَإِن قُلْتُمْ الْقَوْلَانِ المتضادان حق فَهُوَ أَشد حَالَة وَلَا بُد لكم من قسم من هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة
الْوَجْه الثَّلَاثُونَ أَن يُقَال للمقلد بِأَيّ شَيْء عرفت أَن الصَّوَاب مَعَ من قلدته دون من لَا تقلده فَإِن قَالَ عرفت بِالدَّلِيلِ فَلَيْسَ بمقلد وَإِن قَالَ عَرفته تقليدا لَهُ فَإِنَّهُ أفتى بِهَذَا القَوْل ودان بِهِ وَعلمه وَدينه وَحسن ثَنَاء الْأمة عَلَيْهِ مَنعه أَن يَقُول غير الْحق قيل لَهُ فمعصوم هُوَ عنْدك أم يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ فَإِن قَالَ بعصمته أبطل وَإِن جوز عَلَيْهِ الْخَطَأ قيل لَهُ فَمَا يُؤمنك أَنه قد أخطا فِيمَا قلدته فِيهِ وَخَالفهُ فِيهِ غَيره فَإِن قَالَ وَإِن أَخطَأ فَهُوَ مأجور قيل أجل هُوَ مأجور لإجتهاده وَأَنت غير مأجور لِأَنَّك لم تأت بِمُوجب الْأجر بل قد فرطت فِي اتِّبَاع الْوَاجِب فَأَنت إِذا مأزور فَإِن قَالَ كَيفَ يأجره الله تَعَالَى على مَا أفتى بِهِ ويمدحه عَلَيْهِ ويذم المستفتي على قَوْله وَهل يعقل هَذَا قيل لَهُ المستفتي إِن هُوَ قصر وفرط فِي معرفَة الْحق مَعَ قدرته عَلَيْهِ لحقه الذَّم والوعيد وَإِن بذل جهده وَلم يقصر فِيمَا أَمر بِهِ وَاتَّقَى الله مَا اسْتَطَاعَ فَهُوَ مأجور أَيْضا وَأما المتعصب الَّذِي جعل قَول متبوعه عيارا على الْكتاب وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة يزنها بهَا فَمَا وَافق قَول متبوعه مِنْهَا قبله وَمَا خَالفه رده فَهَذَا إِلَى الذَّم وَالْعِقَاب أقرب مِنْهُ إِلَى الْأجر وَالثَّوَاب وَإِن قَالَ وَهُوَ الْوَاقِع اتبعته وقلدته وَلَا أَدْرِي على صَوَاب هُوَ أم لَا فالعهدة على الْقَائِل وَأَنا حاك لأقواله قيل لَهُ فَهَل تتخلص بِهَذَا من الله تَعَالَى عِنْد السُّؤَال لَك عَمَّا حكمت بِهِ بَين عباد الله وأفتيتهم بِهِ فوَاللَّه إِن للحكام والمفتين لموقفا للسؤال لَا يتَخَلَّص فِيهِ إِلَّا من عرف الْحق وَحكم بِهِ وعرفه وَأفْتى بِهِ وَأما من عداهما فسيعلم عِنْد انكشاف الْحَال أَنه لم يكن على شَيْء
стр. 146
الْوَجْه الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أَن يُقَال أَخَذْتُم بقول فلَان لِأَن فلَانا قَالَه أَو لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَه فَإِن قُلْتُمْ لِأَن فلَانا قَالَه جعلتم قَول فلَان حجَّة وَهَذَا عين الْبَاطِل وَإِن قُلْتُمْ لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَه كَانَ هَذَا أعظم وأقبح فَإِنَّهُ مُتَضَمّن للكذب على رَسُول الله ﷺ وتقولكم عَلَيْهِ مالم يقلهُ وَهُوَ أَيْضا كذب على الْمَتْبُوع فَإِنَّهُ لم يقل هَذَا قَول رَسُول الله ﷺ فقد دَار أَمركُم بَين أَمريْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا جعل قَول غير الْمَعْصُوم حجَّة وَإِمَّا تقويل الْمَعْصُوم مالم يقلهُ وَلَا بُد من وَاحِد من الْأَمريْنِ فَإِن قُلْتُمْ بل مِنْهُمَا وَبَقِي قسم ثَالِث وَهُوَ أَنا قُلْنَا كَذَا لِأَن رَسُول الله ﷺ أمرنَا بِأَن نتبع من هُوَ أعلم منا ونسأل أهل الذّكر إِن كُنَّا لَا نعلم ونرد مالم نعلمهُ إِلَى استنباط أهل الْعلم فَنحْن فِي ذَلِك متبعون مَا أمرنَا بِهِ نَبينَا ص قيل وَهل ندندن إِلَّا حول أمره فَحَيَّهَلا بالموافقة على هَذَا الأَصْل الَّذِي لَا يتم الْإِيمَان وَالْإِسْلَام إِلَّا بِهِ فنناشدكم بِالَّذِي أرْسلهُ إِذا جَاءَ أمره وَجَاء قَول من قلدتموه هَل تتركون قَوْله لأَمره ص وتضربون بِهِ الْحَائِط وتحرمون الْأَخْذ بِهِ وَالْحَالة هَذِه حَتَّى تتَحَقَّق الْمُتَابَعَة كَمَا زعمتم أم تأخذون بقوله وتفوضون أَمر الرَّسُول ﷺ إِلَى الله وتقولون هُوَ أعلم بالرسول ﷺ منا وَلم يُخَالف هَذَا الحَدِيث إِلَّا وَهُوَ عِنْده مَنْسُوخ أَو معَارض بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ أَو غير صَحِيح عِنْده فتجعلون قَول الْمَتْبُوع محكما وَقَول الرَّسُول متشابها فَلَو كُنْتُم قائلين بقوله لكَون الرَّسُول أَمركُم بِالْأَخْذِ بقوله لقدمتم قَول الرَّسُول أَيْن كَانَ
ثمَّ نقُول فِي الْوَجْه الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ أَيْن أَمركُم الرَّسُول ﷺ بِأخذ قَول وَاحِد من الْأمة بِعَيْنِه وَترك قَول نَظِيره وَمن هُوَ أعلم مِنْهُ وَأقرب إِلَى الرَّسُول وَهل هَذَا إِلَّا نِسْبَة إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه أَمر بِمَا لم يُؤمر بِهِ قطّ
يُوضحهُ الْوَجْه الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ أَن مَا ذكرْتُمْ بِعَيْنِه حجَّة عَلَيْكُم فَإِن الله أمرنَا بسؤال أهل الذّكر وَالذكر هُوَ الْقُرْآن والْحَدِيث الَّذِي أَمر الله تَعَالَى نسَاء نبيه ص أَن يذكرنه بقوله ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة﴾ فَهَذَا هُوَ الذّكر الَّذِي أمرنَا باتباعه وَأمر من لَا علم عِنْده أَن يسْأَل أَهله وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب على كل أحد أَن يسْأَل اهل الْعلم بِالذكر الَّذِي أنزل الله تَعَالَى على رَسُوله ليخبروا بِهِ فَإِذا أَخْبرُوهُ بِهِ لم يَسعهُ غير اتِّبَاعه وَهَكَذَا كَانَ شَأْن أَئِمَّة أهل الْعلم لم يكن لَهُم مقلد معِين يتبعونه فِي كل مَا قَالَ فَكَانَ عبد الله بن عَبَّاس يسْأَل الصَّحَابَة عَمَّا قَالَه رَسُول الله ﷺ أَو فعله أَو سنه لَا يسألهم عَن غير ذَلِك وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة كَانُوا يسْأَلُون أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ خُصُوصا عَائِشَة عَن فعل رَسُول الله ﷺ فِي بَيته وَكَذَلِكَ التابعون كَانُوا يسْأَلُون الصَّحَابَة عَن شَأْن نَبِيّهم ص فَقَط وَكَذَلِكَ أَئِمَّة الْفِقْه كَمَا قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي لِأَحْمَد يَا أَبَا عبد الله أَنْت أعلم بِالْحَدِيثِ مني فَإِذا صَحَّ الحَدِيث
стр. 147
فَأَعْلمنِي حَتَّى أذهب إِلَيْهِ شاميا كَانَ أَو كوفيا أَو بصريا وَلم يكن أحد من أهل الْعلم قطّ يسْأَل عَن رَأْي رجل بِعَيْنِه ومذهبه فَيَأْخُذ بِهِ وَحده وَيُخَالف مَا سواهُ
الْوَجْه الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أرشد الْمُفْتِينَ لصَاحب الشَّجَّة بالسؤال عَن حكمه وسنته فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله فَدَعَا عَلَيْهِم حِين أفتوه بِغَيْر علم وَفِي هَذَا تَحْرِيم الْإِفْتَاء بالتقليد فَإِنَّهُ لَيْسَ علما بِاتِّفَاق النَّاس فَإِن مَا دعى رَسُول الله ﷺ على فَاعله فَهُوَ حرَام وَذَلِكَ أحد أَدِلَّة التَّحْرِيم فَمَا احْتج بِهِ المقلدون هُوَ من أكبر الْحجَج عَلَيْهِم وَالله الْمُوفق
وَكَذَلِكَ سُؤال أبي العسيف الَّذِي زنى بِامْرَأَة مستأجرة لأهل الْعلم لأَنهم لما أَخْبرُوهُ بِسنة رَسُول الله ﷺ فِي الْبكر الزَّانِي أقره على ذَلِك وَلم يُنكره فَلم يكن سُؤَالهمْ عَن رَأْيهمْ ومذاهبهم
الْوَجْه الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ قَوْلهم إِن عمر قَالَ فِي الْكَلَالَة إِنِّي لأستحيي من الله أَن أُخَالِف أَبَا بكر وَهَذَا تَقْلِيد مِنْهُ لَهُ
فَجَوَابه من خَمْسَة أوجه أَحدهَا أَنهم اختصروا الحَدِيث وحذفوا مِنْهُ مَا يبطل استدلالهم بِهِ وَنحن نذكرهُ بِتَمَامِهِ قَالَ شُعْبَة عَن عَاصِم الْأَحول عَن الشّعبِيّ أَن أَبَا بكر قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقْْضِي فِيهَا برأيي فَإِن يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله بَرِيء
стр. 148
مِنْهُ وَهُوَ مَا دون الْوَلَد وَالْوَالِد فَقَالَ عمر إِنِّي لأستحيي من الله أَن أُخَالِف أَبَا بكر فاستحى عمر من مُخَالفَة أبي بكر فِي اعترافه بِجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ وَأَنه لَيْسَ كَلَامه كُله صَوَابا مَأْمُونا عَلَيْهِ الْخَطَأ وَيدل على ذَلِك أَن عمر بن الْخطاب اقر عِنْد مَوته أَنه لم يقْض فِي الْكَلَالَة بِشَيْء وَقد اعْترف أَنه لم يفهمها
الْوَجْه الثَّانِي أَن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أَن يذكر كَمَا خَالفه فِي سبي أهل الرِّدَّة فسباهم أَبُو بكر وَخَالفهُ عمر وَبلغ خِلَافه إِلَى أَن ردهن حرائر إِلَى أهلهن إِلَّا من ولدت لسَيِّدهَا مِنْهُنَّ وَنقض حكمه وَمن جملتهن خَوْلَة الْحَنَفِيَّة أم مُحَمَّد بن عَليّ فَأَيْنَ هَذَا من فعل المقلدين بمتبوعهم وَخَالفهُ فِي أَرض العنوة فَقَسمهَا أَبُو بكر ووقفها عمر وَخَالفهُ فِي المفاضلة فِي الْعَطاء فَرَأى أَبُو بكر التَّسْوِيَة وَرَأى عمر المفاضلة وَمن ذَلِك مُخَالفَته لَهُ فِي الِاسْتِخْلَاف وَصرح بذلك فَقَالَ إِن أستخلف فقد اسْتخْلف أَبُو بكر وَإِن لم أستخلف إِن رَسُول الله ﷺ لم يسْتَخْلف قَالَ ابْن عمر فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَن ذكر رَسُول الله ﷺ فَعلمت أَنه لَا يعدل برَسُول الله ﷺ أحدا وَأَنه غير مستخلف فَهَكَذَا يفعل أهل الْعلم حِين تتعارض عِنْدهم سنة رَسُول الله ﷺ وَقَول غَيره لَا يعدلُونَ بِالسنةِ شَيْئا سواهَا لَا كَمَا يُصَرح بِهِ المقلدون صراحا
وخلافه فِي الْجد والأخوة مَعْلُوم أَيْضا الثَّالِث أَنه لَو قدر تَقْلِيد عمر لأبي بكر فِي كل مَا قَالَه لم يكن فِي ذَلِك مستراح لمقلدي من هُوَ بعد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مِمَّن لَا يداني الصَّحَابَة وَلَا يقاربهم فَإِن كَانَ كَمَا زعمتم لكم أُسْوَة بعمر فقلدوا أَبَا بكر واتركوا تَقْلِيد غَيره وَالله وَرَسُوله وَجَمِيع عباده يحمدونكم على هَذَا التَّقْلِيد مَالا يحمدونكم على تَقْلِيد غير أبي بكر الرَّابِع إِن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مِمَّا اتسحيى مِنْهُ عمر لأَنهم يخالفون أَبَا بكر وَعمر مَعَه وَلَا يستحيون من ذَلِك لقَوْل من قلدوه من الْأَئِمَّة بل قد صرح بعض غلاتهم فِي بعض كتبه الْأُصُولِيَّة أَنه لَا يجوز تَقْلِيد أبي بكر وَعمر وَيجب تَقْلِيد الشَّافِعِي فيا لله الْعجب مَا الَّذِي أوجب تَقْلِيده عَلَيْكُم وَحرم عَلَيْكُم تَقْلِيد أبي بكر وَعمر وَنحن نشْهد الله علينا شَهَادَة نسْأَل عَنْهَا يَوْم نَلْقَاهُ أَنه إِذا صَحَّ عَن الخليفتين الرَّاشِدين اللَّذين أمرنَا رَسُول الله ﷺ باتباعهما والاقتداء بهما قَول وأطبق أهل الأَرْض على خِلَافه لم نلتفت إِلَى أحد مِنْهُم وَنَحْمَد الله تَعَالَى على أَن عَافَانَا مِمَّا ابتلى بِهِ من حرم تقليدهما وَأوجب تَقْلِيد متبوعه من الْأَئِمَّة
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَو صَحَّ تَقْلِيد عمر لأبي بكر لم يكن فِي ذَلِك رَاحَة لمقلدي من لم يَأْمر الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله ص بتقليده وَلَا جعله عيارا على كِتَابه وَسنة رَسُوله وَلَا هُوَ جعل نَفسه كَذَلِك
стр. 149
الْخَامِس أَن غَايَة هَذَا أَن يكون عمر قد قلد أَبَا بكر فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة فَهَل فِي هَذَا دَلِيل على جَوَاز اتِّخَاذ أَقْوَال رجل بِعَيْنِه بِمَنْزِلَة نُصُوص الشَّارِع وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من سواهُ بل وَلَا إِلَى نُصُوص الشَّارِع إِلَّا إِذا وافقته فَهَذَا وَالله هُوَ الَّذِي أَجمعت الْأَئِمَّة على أَنه محرم فِي دين الله تَعَالَى وَلم يظْهر فِي الْأمة إِلَّا بعد انْقِرَاض الْقُرُون الفاضلة
الْوَجْه السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ قَوْلهم أَن عمر قَالَ لأبي بكر رَأينَا لرأيك تبع فَالظَّاهِر أَن المحتج بِهَذَا سمع النَّاس يَقُولُونَ كلمة تَكْفِي الْعَاقِل فاقتصر من هَذَا الحَدِيث على هَذِه الْكَلِمَة وَاكْتفى بهَا والْحَدِيث من أعظم الْأَشْيَاء إبطالا لقَوْله فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن طَارق بن شهَاب قَالَ جَاءَ وَفد بزاخة من أَسد وغَطَفَان إِلَى أبي بكر يسْأَلُون الصُّلْح فَخَيرهمْ بَين الْحَرْب المجلية وَالسّلم المخزية فَقَالُوا هَذِه المجلية قد عرفناها فَمَا المخزية قَالَ ننزع مِنْكُم الْحلقَة والكراع ونغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم وتردون علينا مَا أصبْتُم منا وتدون لنا قَتْلَانَا وَيكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار وتتركون أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يرى الله خَليفَة رَسُوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم بِهِ فَعرض أَبُو بكر مَا قَالَ على الْقَوْم فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ قد رَأَيْت رَأيا وسنشير عَلَيْك أما مَا ذكرت من الْحَرْب المجلية وَالسّلم المخزية فَنعم مَا ذكرت وَأما مَا ذكرت من أَن نغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم وتردون مَا أصبْتُم منا فَنعم مَا ذكرت وَأما مَا ذكرت من أَن تدون قَتْلَانَا وَيكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار فَإِن قَتْلَانَا قَاتَلت فقتلت على أَمر الله أجورها على الله لَيْسَ لَهَا ديات فتتابع الْقَوْم على مَا قَالَ عمر فَهَذَا هُوَ الحَدِيث الَّذِي فِي بعض أَلْفَاظه قد رَأينَا ورأينا لرأيك تبع فَأَيْنَ مستراح فِي هَذَا لفرقة التَّقْلِيد
стр. 150
الْوَجْه السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ قَوْلهم إِن ابْن مَسْعُود كَانَ يَأْخُذ بقول عمر فخلاف ابْن مَسْعُود لعمر أشهر من أَن يتَكَلَّف إِيرَاده وَإِن كَانَ يُوَافقهُ كَمَا يُوَافق الْعَالم الْعَالم وَحَتَّى لَو أَخذ بقوله تقليدا فَإِنَّمَا ذَلِك كَانَ فِي نَحْو أَرْبَعَة مسَائِل نعدها إِذْ كَانَ من عماله وَكَانَ عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأما مُخَالفَته لَهُ فَفِي نَحْو مائَة مسئلة
مِنْهَا أَن ابْن مَسْعُود صَحَّ عَنهُ أَن أم الْوَلَد تعْتق من نصيب وَلَدهَا
وَمِنْهَا أَنه كَانَ يطبق فِي الصَّلَاة إِلَى أَن مَاتَ وَعمر كَانَ يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ
وَمِنْهَا أَن ابْن مَسْعُود كَانَ يَقُول فِي الْحَرَام هِيَ يَمِين وَعمر يَقُول هِيَ طَلَاق وَاحِدَة
وَمِنْهَا أَن ابْن مَسْعُود كَانَ يحرم نِكَاح الزَّانِيَة على الزَّانِي أبدا وَعمر كَانَ يتوبهما وينكح أَحدهمَا الآخر وَمِنْهَا أَن ابْن مَسْعُود كَانَ يرى بيع الْأمة طَلاقهَا وَعمر يَقُول لَا تطلق بذلك إِلَى قضايا كَثِيرَة
وَالْعجب أَن المحتجين بِهَذَا الْأَثر لَا يرَوْنَ تَقْلِيد ابْن مَسْعُود وَلَا تَقْلِيد عمر وتقليد مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أحب إِلَيْهِم وآثر عِنْدهم
ثمَّ كَيفَ ينْسب إِلَى ابْن مَسْعُود تَقْلِيد الرِّجَال وَهُوَ يَقُول لقد علم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَنِّي أعلمهم بِكِتَاب الله وَلَو أعلم أَن أحدا أعلم مني لرحلت إِلَيْهِ فِيهِ قَالَ شَقِيق فَجَلَست فِي حَلقَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَمَا سَمِعت وَاحِدًا يرد ذَلِك عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا من كتاب الله سُورَة إِلَّا أَنا أعلم حَيْثُ نزلت وَمَا من آيَة إِلَّا أَنا أعلم فِيمَا نزلت وَلَو أعلم
стр. 151
أحدا هُوَ أعلم بِكِتَاب الله مني تبلغه الْإِبِل لركبت إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كُنَّا حينا وَمَا نرى ابْن مَسْعُود وَأمه إِلَّا منم أهل بَيت النَّبِي ﷺ من كَثْرَة دُخُولهمْ ولزومهم لَهُ وَقَالَ أَبُو مَسْعُود البدري وَقد قَامَ عبد الله بن مَسْعُود مَا أعلم رَسُول الله ﷺ ترك بعده أعلم بِمَا أنزل الله من هَذَا الْقَائِم فَقَالَ أَبُو مُوسَى لقد كَانَ يشْهد إِذا مَا غبنا وَيُؤذن لَهُ إِذا حجبنا وَكتب عمر إِلَى أهل الْكُوفَة إِنِّي بعثت إِلَيْكُم عمارا أَمِيرا وعبد الله معلما ووزيرا وهما من النجباء وَمن أَصْحَاب مُحَمَّد ص وَمن أهل بدر فَخُذُوا عَنْهُمَا وَاقْتَدوا بهما فَإِنِّي آثرتكم بعبد الله على نَفسِي وَقد صَحَّ عَن ابْن عمر أَنه استفتى ابْن مَسْعُود فِي الْبَتَّةَ وَأخذ بقوله وَلم يكن ذَلِك تقليدا لَهُ بل لما سمع قَوْله فِيمَا تبين لَهُ أَنه الصَّوَاب فَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْخُذ بِهِ الصَّحَابَة من أَقْوَال بَعضهم بَعْضًا
وَقد صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ أغد عَالما أَو متعلما وَلَا تكونن إمعة فَأخْرج الإمعة وَهُوَ الْمُقَلّد من زمرة الْعلمَاء والمتعلمين وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ لَا مَعَ الْعلمَاء وَلَا مَعَ المتعلمين للْعلم وَالْحجّة كَمَا هُوَ مَعْرُوف ظَاهر لمن تَأمله
الْوَجْه الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ قَوْلهم أَن عبد الله كَانَ يدع قَوْله لقَوْل عمر وَأَبُو مُوسَى يدع قَوْله لقَوْل عَليّ وَكَانَ زيد يدع قَوْله لقَوْل أبي بن كَعْب
فَجَوَابه أَنهم لم يَكُونُوا يدعونَ مَا يعرفونه من السّنة تقليدا لهَؤُلَاء الثَّلَاثَة كَمَا يَفْعَله فرقة التَّقْلِيد بل من تَأمل سيرة الْقَوْم رأى أَنهم كَانُوا إِذا ظَهرت لَهُم السّنة لم يَكُونُوا يدعونها لقَوْل أحد كَائِنا من كَانَ وَكَانَ ابْن عمر يدع قَول عمر إِذا ظَهرت لَهُ السّنة وَابْن عَبَّاس يُنكر على من يُعَارض مَا بلغه من السّنة بقوله قَالَ أَبُو بكر وَعمر وَيَقُول يُوشك أَن ينزل عَلَيْكُم حِجَارَة من السَّمَاء أَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ وتقولون قَالَ أَبُو بكر وَعمر فرحم الله ابْن عَبَّاس وَرَضي عَنهُ لَو شَاهد خلفنا هَؤُلَاءِ الَّذين إِذا قيل لَهُم قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالُوا قَالَ فلَان وَفُلَان لمن لَا يداني الصَّحَابَة وَلَا قَرِيبا من قريب وَإِنَّمَا كَانُوا يدعونَ أَقْوَالهم لأقوال هَؤُلَاءِ لِأَن هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ القَوْل فَيكون الدَّلِيل مَعَهم فيرجعون إِلَيْهِم وَيدعونَ أَقْوَالهم كَمَا يفعل أهل الْعلم الَّذِي هُوَ أحب إِلَيْهِم مِمَّا سواهُ وَهَذَا عكس طَريقَة فرقة التَّقْلِيد من كل وَجه وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَن قَول مَسْرُوق وَمَا كنت أدع قَول ابْن مَسْعُود لقَوْل أحد من النَّاس
الْوَجْه التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ قَوْلهم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ قد سنّ لكم معَاذ فَاتَّبعُوهُ
стр. 152
فعجبا لمحتج بِهَذَا على تَقْلِيد الرِّجَال فِي دين الله وَهل صَار مَا سنه معَاذ سنة إِلَّا بقول رَسُول الله ﷺ فَاتَّبعُوهُ كَمَا صَار الْأَذَان سنة لقَوْله ص وَإِقْرَاره وشرعه لَا بِمُجَرَّد الْمَنَام
فَإِن قيل فَمَا معنى الحَدِيث قيل مَعْنَاهُ أَن معَاذًا فعل فعلا جعله الله تَعَالَى لكم سنة وَإِنَّمَا صَار سنة لنا حِين أقره النَّبِي ﷺ لَا لِأَن معَاذًا فعله فَقَط وَقد صَحَّ عَن معَاذ أَنه قَالَ كَيفَ تَصْنَعُونَ بِثَلَاث دنيا تقطع أَعْنَاقكُم وزلة عَالم وجدال مُنَافِق بِالْقُرْآنِ فَأَما الْعَالم فَإِن اهْتَدَى فَلَا تقلدوه دينكُمْ إِلَى آخر مَا تقدم فِي الْمُقدمَة فصدع ﵁ بِالْحَقِّ وَنهى عَن التَّقْلِيد فِي كل شَيْء وَأمر بِاتِّبَاع ظَاهر الْقُرْآن وَأَن لَا يُبَالِي بِمن خَالف فِيهِ وَأمر بالتوقف فِيمَا أشكل وَهَذَا كُله خلاف طَرِيق المقلدين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْوَجْه الْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم أَن الله أَمر بِطَاعَة أولي الْأَمر وهم الْعلمَاء وطاعتهم تقليدهم فِيمَا يفتون بِهِ فَجَوَابه إِن أولي الْأَمر قيل هم الْأُمَرَاء وَقيل هم الْعلمَاء وهما رِوَايَتَانِ عَن الإِمَام أَحْمد وَالتَّحْقِيق أَن الْآيَة تتَنَاوَل الطَّائِفَتَيْنِ وطاعتهم من طَاعَة الرَّسُول ﷺ لَكِن خَفِي على المقلدين أَنهم إِنَّمَا يطاعون فِي طَاعَة الله إِذا أمروا بِأَمْر الله تَعَالَى وَرَسُوله ص فَكَانَ الْعلمَاء مبلغين لأمر الرَّسُول والأمراء منفذين لَهُ فَحِينَئِذٍ تجب طاعتهم تبعا لطاعة الله وَرَسُوله فَأَيْنَ فِي الْآيَة تَقْدِيم آراء الرِّجَال على سنة رَسُول الله ﷺ وإيثار التَّقْلِيد عَلَيْهَا
الْوَجْه الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ أَن هَذِه الْآيَة من أكبر الْحجَج عَلَيْهِم وَأَعْظَمهَا إبطالا للتقليد وَذَلِكَ من وُجُوه أَحدهَا الْأَمر بِطَاعَتِهِ الَّتِي هِيَ امْتِثَال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه
الثَّانِي طَاعَة رَسُول الله ﷺ وَلَا يكون العَبْد مُطيعًا لله وَرَسُوله حَتَّى يكون عَالما بِأَمْر الله تَعَالَى وَرَسُوله وَمن أقرّ على نَفسه بِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْعلم بأوامر الله وَرَسُوله وَإِنَّمَا هُوَ مقلد فِيهَا لأهل الْعلم لم يُمكنهُ تَحْقِيق طَاعَة الله وَرَسُوله ص الْبَتَّةَ الثَّالِث أَن أولي الْأَمر قد نهوا عَن تقليدهم كَمَا صَحَّ ذَلِك عَن معَاذ بن جبل وعبد الله بن مَسْعُود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عَبَّاس وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَذَكَرْنَاهُ عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَحِينَئِذٍ فطاعتهم فِي ذَلِك إِن كَانَت وَاجِبَة بَطل التَّقْلِيد وَإِن لم تكن وَاجِبَة بَطل الِاسْتِدْلَال الرَّابِع أَنه قَالَ فِي الْآيَة نَفسهَا ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَهَذَا صَرِيح فِي إبِْطَال التَّقْلِيد وَالْمَنْع من رد الْمُتَنَازع فِيهِ إِلَى رَأْي أَو مَذْهَب أَو تَقْلِيد
فَإِن قيل فَمَا هِيَ طاعتهم المختصة بهم إِذْ لَو كَانَت الطَّاعَة فِيمَا يخبرون بِهِ عَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ص كَانَت الطَّاعَة لله وَرَسُوله ص لَا لَهُم قيل هَذَا هُوَ الْحق وطاعتهم إِنَّمَا هِيَ تبع لَا اسْتِقْلَال وَلِهَذَا قرنها بِطَاعَة الرَّسُول وَلم يعد الْعَامِل وأفرد طَاعَة الرَّسُول وَأعَاد الْعَامِل لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه إِنَّمَا
стр. 153
يطاع تبعا كَمَا يطاع أولو الْأَمر تبعا وَلَيْسَ كَذَلِك بل طَاعَته وَاجِبَة اسْتِقْلَالا سَوَاء كَانَ مَا أَمر بِهِ وَنهي عَنهُ فِي الْقُرْآن أَو لم يكن
الْوَجْه الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلهم أَن الله أثنى على السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان وتقليدهم هُوَ اتباعهم بِإِحْسَان فَمَا أصدق الْمُقدمَة الأولى وَمَا أكذب الثَّانِيَة بل الْآيَة من أعظم الْأَدِلَّة ردا على فرقة التَّقْلِيد فَإِن اتباعهم هُوَ سلوك سبيلهم ومنهاجهم وَقد نهوا عَن التَّقْلِيد وَكَون الرجل إمعة أَو خبروا أَنه لَيْسَ من أهل البصيرة وَلم يكن فيهم وَللَّه الْحَمد رجل وَاحِد على مَذْهَب هَؤُلَاءِ المقلدين وَقد أعاذهم الله تَعَالَى وعافاهم مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ من يرد النُّصُوص لآراء الرِّجَال وتقليدها فَهَذَا ضد متابعتهم وَهُوَ عين مخالفتهم فالتابعون بِإِحْسَان حَقًا هم أولو الْعلم والبصائر الَّذين لَا يقدمُونَ على كتاب الله وَسنة رَسُوله ص رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا معقولا وَلَا قَول أحد من الْعَالمين وَلَا يجْعَلُونَ مَذْهَب رجل عيارا على الْقُرْآن وَالسّنَن فَهَؤُلَاءِ أتباعهم حَقًا جعلنَا الله تَعَالَى مِنْهُم بفضله وَرَحمته
يُوضحهُ الْوَجْه الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ أَن اتباعهم لَو كَانُوا هم المقلدين الَّذين هم مقرون على أنفسهم وَجَمِيع أهل الْعلم أَنهم لَيْسُوا من أهل الْعلم لَكَانَ سَادَات الْعلمَاء الدائرون مَعَ الْحجَّة لَيْسُوا من اتباعهم وَلَكِن الْجُهَّال أسعد باتبَاعهمْ مِنْهُم وَهَذَا عين الْمحَال بل من خَالف وَاحِدًا مِنْهُم للحجة فَهُوَ المتبع لَهُ دون من أَخذ قَوْله بِغَيْر حجَّة وَهَكَذَا القَوْل فِي اتِّبَاع الْأَئِمَّة معَاذ الله أَن يَكُونُوا هم المقلدين لَهُم الَّذين ينزلون آراءهم منزلَة النُّصُوص بل يتركون لَهَا النُّصُوص فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا من أتباعهم وَإِنَّمَا أتباعهم من كَانَ على طريقتهم واقتفى منهاجهم وَلَقَد أنكر بعض المقلدين على شيخ الْإِسْلَام أَعنِي ابْن تَيْمِية فِي تدريسه بمدرسة ابْن الْحَنْبَلِيّ وَهِي وقف على الْحَنَابِلَة والمجتهد لَيْسَ مِنْهُم فَقَالَ أَنا أتناول مَا أتناوله مِنْهَا بمعرفتي مَذْهَب أَحْمد لَا على تقليدي لَهُ وَمن الْمحَال أَن يكون هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ على مَذْهَب الْأَئِمَّة دون أَصْحَابهم الَّذين لم يَكُونُوا يقلدونهم فَاتبع النَّاس لمَالِك بن وهب وطبقته مِمَّن يحكم الْحجَّة وينقاد للدليل إِن كَانَ وَكَذَلِكَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد اتبع لأبي حنيفَة من المقلدين لَهُ مَعَ كَثْرَة مخالفتهما لَهُ وَكَذَلِكَ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو داد والأثرم وَهَذِه الطَّبَقَة من أَصْحَاب أَحْمد اتبع لَهُ من المقلدين الْمَحْض المنتسبين إِلَيْهِ وعَلى هَذَا فالوقف على اتِّبَاع الْأَئِمَّة أهل الْحجَّة وَالْعلم أَحَق بِهِ من المقلدين فِي نفس الْأَمر
الْوَجْه الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلهم يَكْفِي فِي صِحَة التَّقْلِيد الحَدِيث الْمَشْهُور أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ جَوَابه من وُجُوه أَحدهَا أَن هَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن ابْن سُفْيَان عَن جَابر وَمن حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عمر وَمن
стр. 154
طَرِيق حَمْزَة الْجَزرِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَلَا يثبت شَيْء مِنْهَا
قلت قَالَ ابْن عبد البر فِي كتاب الْعلم حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعيد قِرَاءَة عَلَيْهِ أَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى حَدثهمْ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن ايوب الرقي قَالَ قَالَ لنا أَبُو بكر أَحْمد بن عمر بن عبد الخالق الْبَزَّار سَأَلتهمْ عَمَّا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ من مَا فِي أَيدي الْعَامَّة يَرْوُونَهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِنَّمَا مثل أَصْحَابِي كَمثل النُّجُوم أَو أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فبأيها اقتدوا اهتدوا وَهَذَا الْكَلَام لَا يَصح عَن النَّبِي ﷺ رَوَاهُ عبد الرحيم بن زيد الْعَمى عَن أَبِيه عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ وَرُبمَا رَوَاهُ عبد الرحيم عَن أَبِيه عَن ابْن عمر وَإِنَّمَا أَتَى ضعف هَذَا الحَدِيث من قبل عبد الرحيم بن زيد لِأَن أهل الْعلم قد سكتوا عَن الرِّوَايَة لحديثه وَالْكَلَام أَيْضا مُنكر عَن النَّبِي ﷺ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين بعدِي فعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَهَذَا الْكَلَام يُعَارض حَدِيث عبد الرحيم لَو ثَبت فَكيف وَلم يثبت وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يُبِيح الِاخْتِلَاف بعده من أَصْحَابه وَالله تَعَالَى أعلم هَذَا آخر كَلَام الْبَزَّار قَالَ أَبُو عمر قد روى أَبُو شهَاب الحناط عَن حَمْزَة الْجَزرِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا أَصْحَابِي مثل النُّجُوم فَأَيهمْ أَخَذْتُم بقوله اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا إِسْنَاد لَا يَصح وَلَا يرويهِ عَن نَافِع من يحْتَج بِهِ وَلَيْسَ كَلَام الْبَزَّار بِصَحِيح على كل حَال لِأَن الِاقْتِدَاء بأصحاب النَّبِي ﷺ منفردين إِنَّمَا هُوَ لمن جهل مَا يسْأَل عَنهُ وَمن كَانَت هَذِه حَاله فالتقليد لَازم لَهُ وَلم يَأْمر أَصْحَابه أَن يَقْتَدِي بَعضهم بِبَعْض إِذا تأولوا تَأْوِيلا سائغا جَائِزا مُمكنا فِي الْأُصُول وَإِنَّمَا كل وَاحِد مِنْهُم نجم جَائِز أَن يَقْتَدِي بِهِ الْعَاميّ الْجَاهِل بِمَعْنى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من دينه وَكَذَلِكَ سَائِر الْعلمَاء مَعَ الْعَامَّة وَالله أعلم وَقد رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث إِسْنَاد غير مَا ذكر الْبَزَّار حَدثنَا أَحْمد بن عمر حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عمر قَالَ حَدثنَا القَاضِي أَحْمد بن كَامِل قَالَ حَدثنَا عبد الله بن روح قَالَ حَدثنَا سَلام بن سليم قَالَ حَدثنَا الْحَرْث بن غصين عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ
قَالَ أَبُو عمر هَذَا إِسْنَاد لَا تقوم بِهِ حجَّة لِأَن الْحَرْث بن غضين مَجْهُول حَدثنَا عبد الوارث بن سُفْيَان حَدثنَا قَاسم بن أصبغ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا سعيد بن عَامر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة قَالَ لَيْسَ أحد من خلق الله إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا النَّبِي ﷺ انْتهى
стр. 155
قَالَ ابْن الْقيم فِي أَعْلَام الموقعين الثَّانِي أَن يُقَال لهَؤُلَاء المقلدين فَكيف استجزتم ترك تَقْلِيد النُّجُوم الَّتِي يهتدى بهَا وقلدتم من هُوَ دونهم بمراتب كَثِيرَة فَكَانَ تَقْلِيد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَأحمد آثر عنْدكُمْ من تَقْلِيد أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵁ فَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث خالفتموه صَرِيحًا واستدللتم بِهِ على تَقْلِيد من لم يتَعَرَّض لَهُ بِوَجْه الثَّالِث أَن هَذَا يُوجب عَلَيْكُم تَقْلِيد من ورث الْجد مَعَ الْأُخوة مِنْهُم وَمن أسقط الْأُخوة بِهِ وتقليد من قَالَ الْحَرَام يَمِين وَمن قَالَ هُوَ طَلَاق وتقليد من حرم الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين وَمن أَبَاحَهُ وتقليد من جوز للصَّائِم أكل الْبرد وَمن منع مِنْهُ وتقليد من قَالَ تَعْتَد الْمُتَوفَّى عَنْهَا بأقصى الْأَجَليْنِ وَمن قَالَ بِوَضْع الْحمل وتقليد من قَالَ يحرم على الْمحرم اسْتِدَامَة الطّيب وتقليد من أَبَاحَهُ وتقليد من جوز بيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ وتقليد من حرمه وتقليد من أوجب الْغسْل من الأكسال وتقليد من أسْقطه وتقليد من ورث ذَوي الْأَرْحَام وَمن أسقطهم وتقليد من رأى التَّحْرِيم برضاع الْكَبِير وَمن لم يره وتقليد من منع تيَمّم الْجنب وَمن أوجبه وتقليد من رأى الطَّلَاق الثَّلَاث وَاحِدَة وَمن رَآهُ ثَلَاثًا وتقليد من أوجب فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة وَمن منع مِنْهُ وتقليد من أَبَاحَ لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَمن منع مِنْهَا وتقليد من رأى النَّقْض بِمَسّ الذّكر وَمن لم يره وتقليد من رأى بيع الْأمة طَلاقهَا وَمن لم يره وتقليد من وقف الْمولى عِنْد الْأَجَل وَمن لم يقفه وأضعاف أَضْعَاف ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَإِن سوغتم هَذَا فَلَا تحتجوا بقول على قَول وَلَا بِمذهب على مَذْهَب بل اجعلوا الرجل مُخَيّرا فِي الْأَخْذ بِأَيّ قَول شَاءَ من أَقْوَالهم وَلَا تنكروا على من خَالف مذاهبكم وَاتبع قَول أحدهم وَإِن لم تسوغوه فَأنْتم أول مُبْطل لهَذَا الدَّلِيل ومخالف لَهُ وَقَائِل بضد مُقْتَضَاهُ وَهَذَا مِمَّا لَا انفكاك لكم مِنْهُ الرَّابِع أَن الِاقْتِدَاء بهم هُوَ اتِّبَاع الْقُرْآن وَالسّنة وَقبُول كل مَا دعوا إِلَيْهِ فالاقتداء بهم يحرم عَلَيْكُم التَّقْلِيد وَيُوجب الِاسْتِدْلَال وتحكيم الدَّلِيل كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْم ﵃ وَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيث من أقوى الْحجَج عَلَيْكُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْوَجْه الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم قَالَ عبد الله بن مَسْعُود من كَانَ مستنا مِنْكُم فَليَسْتَنَّ بِمن قد مَاتَ أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد ص فَهَذَا من أكبر
стр. 156
الْحجَج عَلَيْكُم من وُجُوه فَإِنَّهُ نهى عَن الاستنان بالأحياء وَأَنْتُم تقلدون الْأَحْيَاء والأموات
الثَّانِي أَنه عين المستن بهم بِأَنَّهُم خير الْخلق وَأبر الْأمة وأعلمهم وهم الصَّحَابَة ﵃ وَأَنْتُم معاشر المقلدين لَا ترَوْنَ تقليدهم وَلَا الاستنان بهم وَإِنَّمَا ترَوْنَ تَقْلِيد فلَان وَفُلَان مِمَّن هُوَ دونهم بِكَثِير الثَّالِث أَن الاستنان بهم هُوَ الِاقْتِدَاء بهم وَهُوَ أَن يَأْتِي الْمُقْتَدِي بِمثل مَا أَتَوا بِهِ وَيفْعل كَمَا فعلوا وَهَذَا مُبْطل قبُول قَول أحد بِغَيْر حجَّة كَمَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ الرَّابِع أَن ابْن مَسْعُود ﵁ قد صَحَّ عَنهُ النَّهْي عَن التَّقْلِيد وَأَن يكون الرجل إمعة لَا بَصِيرَة لَهُ فَعلم أَن الاستنان عِنْده غير التَّقْلِيد
الْوَجْه السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم قد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي وَقَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي فَهَذَا من أكبر حجَجنَا عَلَيْكُم فِي بطلَان مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من التَّقْلِيد فَإِنَّهُ خلاف سنتهمْ وَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن أحدا مِنْهُم لم يكن يدع السّنة إِذا ظَهرت بقول غَيره كَائِنا مَا كَانَ وَلم يكن لَهُ مَعهَا قَول الْبَتَّةَ وَطَرِيقَة فرقة التَّقْلِيد خلاف ذَلِك
يُوضحهُ الْوَجْه السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ أَنه ص قرن سنتهمْ بسنته فِي وجوب الِاتِّبَاع وَالْأَخْذ بسنتهم لَيْسَ تقليدا لَهُم بل اتِّبَاع لرَسُول الله ﷺ كَمَا كَانَ الْأَخْذ بِالْأَذَانِ لم يكن تقليدا لمن رَآهُ فِي الْمَنَام وَالْأَخْذ بِقَضَاء مَا فَاتَ الْمَسْبُوق من صلَاته بعد سَلام الإِمَام لم يكن تقليدا لِمعَاذ بل اتبَاعا لمن أمرنَا بِالْأَخْذِ بذلك فَأَيْنَ التَّقْلِيد الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ من هَذَا
ويوضحه الْوَجْه الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ إِنَّكُم أول مُخَالف لهذين الْحَدِيثين فَإِنَّكُم لَا ترَوْنَ الْأَخْذ بسنتهم وَلَا الِاقْتِدَاء بهم وَاجِبا وَلَيْسَ قَوْلهم عنْدكُمْ حجَّة وَقد صرح بعض غلاتكم بِأَنَّهُ لَا يجوز تقليدهم وَيجب تَقْلِيد الشَّافِعِي فَمن الْعَجَائِب احتجاجكم بِشَيْء أَنْتُم أَشد النَّاس خلافًا لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
يُوضحهُ الْوَجْه التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ أَن الحَدِيث بجملته حجَّة عَلَيْكُم من كل وَجه فَإِنَّهُ أَمر عِنْد كَثْرَة الِاخْتِلَاف بسنته وَسنة خلفائه وأمرتم أَنْتُم براي فلَان وَمذهب فلَان
الثَّانِي أَنه حذر من محدثات الْأُمُور وَأخْبر أَن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وَمن الْمَعْلُوم
стр. 157
بالاضطرار أَن مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من التَّقْلِيد الَّذِي ترك لَهُ كتاب الله سُبْحَانَهُ وَسنة رَسُوله ص ويعرض الْقُرْآن وَالسّنة عَلَيْهِ ويجعله معيارا عَلَيْهِمَا من أعظم المحدثات والبدع الَّتِي برأَ الله سُبْحَانَهُ مِنْهَا الْقُرُون الَّتِي فَضلهَا وَخَيرهَا على غَيرهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا سنه الْخُلَفَاء الراشدون أَو أحدهم للْأمة فَهُوَ حجَّة وَلَا يجوز الْعُدُول عَنْهَا فَأَيْنَ هَذَا من قَول فرقة التَّقْلِيد لَيست سنتهمْ حجَّة وَلَا يجوز تقليدهم فِيهَا
يُوضحهُ الْوَجْه الْخَمْسُونَ أَنه ص قَالَ فِي نفس هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم بعدِي فسيرى اخْتِلَافا كثيرا وَهَذَا ذمّ للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم وَإِنَّمَا كَثْرَة الِاخْتِلَاف وتفاقم أمره سَبَب التَّقْلِيد وَأَهله هم الَّذين فرقوا الدّين وصيروا أَهله شيعًا كل فرقة تنصر متبوعها وَتَدْعُو إِلَيْهِ وتذم من خالفها وَلَا يرَوْنَ الْعَمَل بقَوْلهمْ حَتَّى كَأَنَّهُمْ مِلَّة أُخْرَى سواهُم يدأبون ويكدحون فِي الرَّد عَلَيْهِم وَيَقُولُونَ كتبهمْ وكتبنا وأئمتهم وأئمتنا ومذهبهم ومذهبنا هَذَا وَالنَّبِيّ وَاحِد وَالْقُرْآن وَاحِد وَالدّين وَاحِد والرب وَاحِد فَالْوَاجِب على الْجَمِيع أَن ينقادوا إِلَى كلمة سَوَاء بَينهم كلهم أَلا يطيعوا إِلَّا الرَّسُول ﷺ وَلَا يجْعَلُوا مَعَه من تكون أَقْوَاله كنصوصه وَلَا يتَّخذ بَعضهم بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله وَلَو اتّفقت كلمتهم على ذَلِك وانقاد كل مِنْهُم لمن دَعَاهُ إِلَى الله تَعَالَى وَرَسُوله ص وتحاكموا كلهم إِلَى السّنة وآثار الصَّحَابَة لقل الِاخْتِلَاف وَإِن لم يعْدم من الأَرْض وَلِهَذَا تَجِد أقل النَّاس اخْتِلَافا أهل السّنة والْحَدِيث فَلَيْسَ على وَجه الأَرْض طَائِفَة أَكثر اتِّفَاقًا وَأَقل اخْتِلَافا مِنْهُم لما بنوا على هَذَا الأَصْل وَكلما كَانُوا عَن الحَدِيث أبعد كَانَ اخْتلَافهمْ فِي أنفسهم أَشد وَأكْثر فَإِن من رد الْحق مرج عَلَيْهِ أمره وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ والتبس عَلَيْهِ وَجه الصَّوَاب فَلم يدر أَيْن يذهب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿بل كذبُوا بِالْحَقِّ لما جَاءَهُم فهم فِي أَمر مريج﴾
الْوَجْه الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم أَن عمر ﵁ كتب إِلَى شُرَيْح أَن اقْضِ بِمَا فِي كتاب الله فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فبسنة رَسُول الله ﷺ فَإِن لم يكن فِي سنة رَسُول الله ﷺ فبمَا قضى بِهِ الصالحون فَهَذَا من أظهر الْحجَج عَلَيْكُم وعل بطلَان التَّقْلِيد فَإِنَّهُ أمره أَن يقدم الحكم بِكِتَاب الله تَعَالَى على كل مَا سواهُ فَإِن لم يجده فِي الْكتاب ووجده فِي السّنة لم يلْتَفت إِلَى غَيرهَا فَإِن لم يجد فِي السّنة قضى بِمَا قضى بِهِ الصَّحَابَة وَنحن نناشد الله تَعَالَى فرقة التَّقْلِيد هَل هم كَذَلِك أَو قريب من ذَلِك وَهل إِذا نزلت بهم نازلة حدث أحدهم نَفسه أَن يَأْخُذ حكمهَا من كتاب الله ثمَّ ينفذهُ فَإِن لم يجدهَا فِي كتاب الله أَخذهَا من سنة رَسُول الله ﷺ فَإِن لم يجدهَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أفتى فِيهَا بِمَا أفتى بِهِ الصَّحَابَة وَالله شَهِيد عَلَيْهِم وَمَلَائِكَته وهم شاهدون على أنفسهم بِأَنَّهُم إِنَّمَا يَأْخُذُونَ حكمهَا من قَول من قلدوه وَإِن استبان
стр. 158
لَهُم فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة خلاف ذَلِك لم يلتفتوا إِلَيْهِ وَلم يَأْخُذُوا بِشَيْء مِنْهُ إِلَّا بقول من قلدوه وَكتاب عمر من أعظم الْأَشْيَاء وأكثرها لقَولهم بطلانا وَهَذَا كَانَ سير السّلف الْمُسْتَقيم وهديهم القويم فَلَمَّا انْتَهَت الْفَتْوَى إِلَى الْمُتَأَخِّرين سَارُوا عكس هَذِه السّير وَقَالُوا إِذا نزلت هَذِه النَّازِلَة بالمفتي أَو الْحَاكِم فَعَلَيهِ أَن ينظر أَولا هَل فِيهَا خلاف أَو لَا فَإِن لم يكن فِيهَا خلاف لم ينظر فِي كتاب وَلَا سنة بل يُفْتِي وَيَقْضِي فِيهَا بِالْإِجْمَاع وَإِن كَانَ فِيهَا اخْتِلَاف اجْتهد فِي أقرب الْأَقْوَال إِلَى الدَّلِيل فَأفْتى بِهِ وَحكم بِهِ وَهَذَا خلاف مادل عَلَيْهِ حَدِيث معَاذ وَكتاب عمر وأقوال الصَّحَابَة وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة أولى فَإِنَّهُ مَقْدُور مَأْمُور فَإِن علم الْمُجْتَهد بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة أسهل عَلَيْهِ بِكَثِير من علمه بِاتِّفَاق النَّاس فِي شَرق الأَرْض وغربها على الحكم وَهَذَا إِن لم يكن متعذرا فَهُوَ أصعب شَيْء وأشقه إِلَّا فِيمَا هُوَ من لَوَازِم الْإِسْلَام فَكيف يحيلنا الله تَعَالَى وَرَسُوله ص على مَالا وُصُول لنا إِلَيْهِ وَيتْرك الْحِوَالَة على كِتَابه وَسنة رَسُوله اللَّذين هدَانَا بهما ويسرهما لنا وَجعل لنا إِلَى معرفتهما طَرِيقا سهلة التَّنَاوُل من قرب ثمَّ مَا يدريه فَلَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا وَهُوَ لَا يعلم وَلَيْسَ عدم الْعلم بالنزاع علما بِعَدَمِهِ فَكيف يقدم عدم الْعلم على أصل الْعلم كُله ثمَّ كَيفَ يسوغ ترك الْحق الْمَعْلُوم إِلَى أَمر لَا علم لَهُ بِهِ وغايته أَن يكون موهوما وَأحسن أَحْوَاله ان يكون مشكوكا فِيهِ شكا مُتَسَاوِيا أَو راجحا ثمَّ كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا على رَأْي من يَقُول إِن انْقِرَاض عصر المجمعين شَرط فِي صِحَة الْإِجْمَاع فَمَا لم ينقرض عصرهم فَلِمَنْ نَشأ فِي زمنهم أَن يخالفهم فَصَاحب هَذِه الشكوك لَا يُمكنهُ أَن يحْتَج بِالْإِجْمَاع حَتَّى يعلم أَن الْعَصْر انقرض وَلم ينشأ فِيهِ مُخَالف لأَهله وَهل أحَال الله تَعَالَى الْأمة فِي الاهتداء بكتابه وَسنة رَسُوله ص على مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ وَلَا اطلَاع لأفرادهم عَلَيْهِ وَترك إحالتهم على مَا هُوَ بَين أظهرهم حجَّة عَلَيْهِم بَاقِيَة إِلَى آخر الدَّهْر متمكنون من الاهتداء بِهِ وَمَعْرِفَة الْحق مِنْهُ هَذَا من أمحل الْمحَال
وَحين نشأت هَذِه الطَّرِيقَة تولدت عَنْهَا مُعَارضَة النُّصُوص بِالْإِجْمَاع الْمَجْهُول وَفتح بَاب دَعْوَاهُ وَصَارَ من لم يعرف الْخلاف من المقلدين إِذا احْتج عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَالسّنة قَالَ هَذَا خلاف الْإِجْمَاع وَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكرهُ أَئِمَّة الْإِسْلَام وعابوا من كل نَاحيَة على من يرتكبه وكذبوا من ادَّعَاهُ فَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله من ادّعى الْإِجْمَاع فَهُوَ كَاذِب لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا وَلم يبلغهُ هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم وَلَكِن يَقُول لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا أَو لم يبلغنَا وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمروزِي كَيفَ يجوز للرجل أَن يَقُول أَجمعُوا إِذا سمعتهم يَقُولُونَ أَجمعُوا فَاتَّهمهُمْ لَو قَالَ إِنِّي لم أعلم مُخَالفا كَانَ صَوَابا وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب هَذَا كذب مَا علم أَن النَّاس يجمعُونَ وَلَكِن يَقُول مَا أعلم فِيهِ اخْتِلَافا فَهُوَ أحسن من قَوْله أجمع النَّاس وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي الْحَرْث لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَدعِي الْإِجْمَاع لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا وَلم تزل أَئِمَّة الْإِسْلَام على تَقْدِيم
стр. 159
الْكتاب وَالسّنة على الْإِجْمَاع وَجعل الْإِجْمَاع فِي الْمرتبَة الثَّالِثَة قَالَ الشَّافِعِي الْحجَّة كتاب الله وَسنة رَسُوله ص واتفاق الْأَئِمَّة ﵏ وَقَالَ فِي كتاب اختلافه مَعَ مَالك وَالْعلم طَبَقَات الأولى الْكتاب وَالسّنة الثَّانِيَة الْإِجْمَاع فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كتاب وَلَا سنة الثَّالِثَة أَن يَقُول الصَّحَابِيّ فَلَا يعلم لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة الرَّابِعَة اخْتِلَاف الصَّحَابَة الْخَامِسَة الْقيَاس فَقدم النّظر فِي الْكتاب وَالسّنة على الْإِجْمَاع ثمَّ أخبر أَنه إِنَّمَا يصير إِلَى الْإِجْمَاع فِيمَا لم يعلم فِيهِ كتاب وَلَا سنة وَهَذَا هُوَ الْحق
وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ الْعلم عندنَا مَا كَانَ عَن الله تَعَالَى من كتاب نَاطِق نَاسخ غير مَنْسُوخ وَمَا صحت بِهِ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ مِمَّا لَا معَارض لَهُ وَمَا جَاءَ عَن الْأَوَّلين من الصَّحَابَة مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فَإِذا اخْتلفُوا لم يخرج عَن اخْتلَافهمْ وَإِذا خَفِي ذَلِك وَلم يفهم فَعَن التَّابِعين فَإِذا لم يجد عَن التَّابِعين فَعَن أَئِمَّة الْهدى من أتباعهم مثل أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد ابْن سَلمَة وسُفْيَان وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح ثمَّ مَا لم يُوجد عَن أمثالهم فَعَن مثل عبد الرحمن بن مهْدي وعبد الله بن الْمُبَارك وعبد الله بن إِدْرِيس وَيحيى بن آدم وَابْن عُيَيْنَة ووكيع بن الْجراح وَمن بعدهمْ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَزيد بن هَارُون والْحميدِي وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام انْتهى فَهَذَا طَرِيق أهل الْعلم وأئمة الدّين جعل أَقْوَال هَؤُلَاءِ بَدَلا عَن الْكتاب وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة بِمَنْزِلَة التَّيَمُّم إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد عدم المَاء فَعدل هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ المقلدون إِلَى التَّيَمُّم وَالْمَاء بَين أظهرهم أسهل من التَّيَمُّم بِكَثِير ثمَّ حدث بعد هَؤُلَاءِ فرقة هم أَعدَاء الْعلم وَأَهله فقالو إِذا نزلت بالمفتي أَو الْحَاكِم نازلة لم يجز لَهُ أَن ينظر فِيهَا فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُوله ص وَلَا أَقْوَال الصَّحَابَة بل إِلَى مَا قَالَ مقلده ومتبوعه وَمن جعله معيارا على الْكتاب وَالسّنة فَمَا وَافق قَوْله أفتى بِهِ وَحكم بِهِ وَمَا خَالفه لم يجز أَن يُفْتِي بِهِ وَلَا ان يقْضِي بِهِ فَإِن فعل ذَلِك تعرض لعزله عَن منصب الْفَتْوَى وَالْحكم واستفتى عَلَيْهِ مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء فِيمَن ينتسب إِلَى إِمَام معِين يقلده دون غَيره ثمَّ يَنْفِي أَو يحكم بِخِلَاف مذْهبه هَل يجوز لَهُ ذَلِك أم لَا وَهل يقْدَح ذَلِك فِيهِ أم لَا فينغض المقلدون رُءُوسهم وَيَقُولُونَ لَا يجوز لَهُ ذَلِك ويقدح فِيهِ وَلَعَلَّ القَوْل الَّذِي عدل إِلَيْهِ هُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وأمثالهم فيجيب هَذَا الَّذِي انتصب للتوقيع عَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ص بِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُ مُخَالفَة قَول متبوعه لأقوال من هُوَ أعلم بِاللَّه وَرَسُوله مِنْهُ وَإِن كَانَ مَعَ أَقْوَالهم كتاب الله وَسنة رَسُوله وَهَذَا من أعظم جنايات التَّقْلِيد على الدّين وَلَو أَنهم لزموا حَدهمْ ومرتبتهم وأخبروا إِخْبَارًا مُجَردا عَمَّا وجدوه من السوَاد فِي الْبيَاض من أَقْوَال لَا علم لَهُم بصحيحها من باطلها لَكَانَ لَهُم
стр. 160
عذر مَا عِنْد الله تَعَالَى وَلَكِن هَذَا مبلغهم من الْعلم وَهَذِه معاداتهم لأَهله وللقائمين لله تَعَالَى بحججه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْوَجْه الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم منع عمر بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَتَبعهُ الصَّحَابَة وألزم بِالطَّلَاق الثَّلَاث وتبعوه أَيْضا جَوَابه من وُجُوه أَحدهَا أَنهم لم يتبعوه تقليدا لَهُ بل أداهم اجتهادهم فِي ذَلِك إِلَى مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَلم يقل أحد مِنْهُم قطّ إِنِّي رَأَيْت ذك تقليدا لعمر
الثَّانِي أَنهم لم يتبعوه كلهم فَهَذَا ابْن مَسْعُود يُخَالِفهُ فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَهَذَا ابْن عَبَّاس يُخَالِفهُ فِي الْإِلْزَام بِالطَّلَاق الثَّلَاث وَإِذا اخْتلفت الصَّحَابَة وَغَيرهم فالحاكم الْحجَّة الثَّالِث أَنه لَيْسَ فِي اتِّبَاع قَول عمر فِي هَاتين المسسألتين وتقليد الصَّحَابَة لَو فرض ذَلِك مَا يسوغ تَقْلِيد من هُوَ دونه بِكَثِير فِي كل مَا يَقُوله وَترك قَول من هُوَ مثله وَمن هُوَ فَوْقه وَأعلم مِنْهُ هَذَا من أبطل الِاسْتِدْلَال وَهُوَ تعلق بَيت العنكبوت فقلدوا عمر واتركوا تَقْلِيد فلَان وَفُلَان وَأَنْتُم تصرحون أَن عمر لَا يُقَلّد وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك يقلدون فَلَا يمكنكم الِاسْتِدْلَال بِمَا أَنْتُم مخالفون لَهُ فَكيف يجوز للرجل أَن يحْتَج بِمَا لَا يَقُول بِهِ
الْوَجْه الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم أَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ لعمر لما احْتَلَمَ خُذ ثوبا غير ثَوْبك فَقَالَ لَو فعلت صَارَت سنة فَأَيْنَ فِي هَذَا من الْإِذْن من عمر فِي تَقْلِيده والإعراض عَن كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ص وَغَايَة هَذَا أَنه تَركه لِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ من يرَاهُ يفعل ذَلِك وَيَقُول لَوْلَا أَن هَذَا سنة رَسُول الله ﷺ مَا فعله عمر وَهَذَا هُوَ الَّذِي خشيه عمر وَالنَّاس مقتدون بعلمائهم شَاءُوا أَو أَبَوا فَهَذَا هُوَ الْوَاقِع وَإِن كَانَ الْوَاجِب فِيهِ تَفْصِيل
الْوَجْه الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم قد قَالَ أبي بن كَعْب مَا اشْتبهَ عَلَيْك فكله إِلَى عالمه فَهَذَا حق وَهُوَ الْوَاجِب على من سوى الرَّسُول ﷺ فَإِن كل أحد بعد الرَّسُول لَا بُد أَن يشْتَبه عَلَيْهِ بعض مَا جَاءَ بِهِ فَإِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ شَيْء وَجب عَلَيْهِ أَن يكله إِلَى من هُوَ أعلم مِنْهُ فَإِن تبين لَهُ صَار عَالما بِهِ مثله وَإِلَّا وَكله إِلَيْهِ وَلم يتَكَلَّف مَالا علم لَهُ بِهِ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِب علينا فِي كتاب رَبنَا وَسنة نبيه ص وأقوال الصَّحَابَة وَقد جعل الله فَوق كل ذِي علم عليما فَمن خَفِي عَلَيْهِ بعض الْحق فوكله إِلَى من هُوَ أعلم مِنْهُ فقد أصَاب فَأَي شَيْء فِي هَذَا من الْإِعْرَاض عَن الْقُرْآن وَالسّنَن وآثار الصَّحَابَة واتخاذ رجل بِعَيْنِه معيارا على ذَلِك وَترك النُّصُوص لقَوْله وعرضها عَلَيْهِ وَقبُول كل مَا أفتى بِهِ ورد كل مَا خَالفه وَهَذَا الْأَثر نَفسه من أكبر الْحجَج على بطلَان التَّقْلِيد فَإِن أَوله فمااستبان لَك فاعمل بِهِ وَإِن اشْتبهَ عَلَيْك فكله إِلَى عالمه وَنحن نناشدكم الله إِذا استبانت لكم السّنة هَل تتركون قَول من قلدتموه لَهَا وتعملون بهَا وتفتون
стр. 161
وتقضون بموجبها أم تتركونها وتعدلون عَنْهَا إِلَى قَوْله وتقولون هُوَ أعلم بهَا منا فَأبى ﵁ مَعَ سَائِر الصَّحَابَة على هَذِه الْوَصِيَّة وَهِي مبطلة للتقليد قطعا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ نقُول هلا وكلتم مَا اشْتبهَ عَلَيْكُم من الْمسَائِل إِلَى عالمها من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِذْ هم أعلم الْأمة وأفضلها بل تركْتُم أَقْوَالهم وعدلتم عَنْهَا فَإِن كَانَ من قلدتموه مِمَّن يُوكل ذَلِك إِلَيْهِ فالصحابة أَحَق أَن يُوكل ذَلِك إِلَيْهِم
الْوَجْه الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم كَانَ الصَّحَابَة يفتون وَرَسُول الله ﷺ حَيّ بَين أظهرهم وَهَذَا تَقْلِيد من المستفتين لَهُم فَجَوَابه أَن فتواهم إِنَّمَا كَانَت تبليغا عَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ص وَكَانُوا بِمَنْزِلَة المخبرين فَقَط لم تكن فتواهم تقليدا لرأي فلَان وَإِن خَالَفت النُّصُوص فهم لم يَكُونُوا يقلدون فِي فتواهم وَلَا يفتون بِغَيْر نُصُوص وَلم يكن للمستفتين لَهُم اعْتِمَاد إِلَّا على مَا يبلغونهم إِيَّاه عَن نَبِيّهم ص فَيَقُولُونَ أَمر بِكَذَا وَكَذَا وَفعل كَذَا وَكَذَا وَنهى عَن كَذَا وَكَذَا هَكَذَا كَانَت فتواهم فَهِيَ حجَّة على المستفتين كَمَا هِيَ حجَّة عَلَيْهِم وَلَا فرق بَينهم وَبَين المستفتين لَهُم فِي ذَلِك إِلَّا فِي الْوَاسِطَة بَينهم وَبَين الرَّسُول وَعدمهَا وَالله وَرَسُوله وَسَائِر أهل الْعلم يعلمُونَ أَنهم وَأَن مستفتيهم لم يعملوا إِلَّا بِمَا علموه عَن نَبِيّهم وشاهدوه وسمعوه مِنْهُ هَؤُلَاءِ بِوَاسِطَة وَهَؤُلَاء بِغَيْر وَاسِطَة وَلم يكن فيهم من يَأْخُذ قَول أحد من الْأَئِمَّة يحلل ماحلله وَيحرم مَا حرمه ويستبيح مَا أَبَاحَهُ وَقد أنكر النَّبِي ﷺ على من أفتى بِغَيْر السنه مِنْهُم كَمَا أنكر على أبي السنابل وَكذبه وَأنكر على من أفتى برجم الزَّانِي الْبكر وَأنكر على من أفتى بإغتسال الجريح حَتَّى مَاتَ وَأنكر على من أفتى بِغَيْر علم كمن يُفْتِي بِمَا لَا يعلم صِحَّته وَأخْبر أَن إِثْم المستفتى عَلَيْهِ فأفتاه الصَّحَابَة فِي حَيَاته ص نَوْعَانِ أَحدهمَا كَانَ يبلغهُ ص ويقرهم عَلَيْهِ فَهُوَ حجَّة بِإِقْرَارِهِ لَا بمجرج إفتائهم الثَّانِي مَا كَانُوا يفتون بِهِ مبلغين لَهُ عَن نَبِيّهم فهم فِيهِ رُوَاة لَا مقلدون وَلَا مقلدون
وَانْظُر بَقِيَّة الْأَوْجه فِي أَعْلَام الموقعين وَقد أنهاها إِلَى مائَة وَسبعين وَجها وَأجَاب عَن بَقِيَّة شبههم شُبْهَة شُبْهَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله تَعَالَى الْمُوفق للصَّوَاب وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب
فصل فِي جَوَاز الْفَتْوَى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية وَأَنَّهَا أولى بِالْأَخْذِ بهَا من آراء الْمُتَأَخِّرين وفتاواهم وَأَن قربهَا إِلَى الصَّوَاب بِحَسب قرب أَهلهَا من عصر الرَّسُول ﷺ
قَالَ ابْن الْقيم فِي أَعْلَام الموقعين اعْلَم أَن فتاوي الصَّحَابَة أولى أَن يُؤْخَذ بهَا من فَتَاوَى التَّابِعين وفتاوي التَّابِعين أولى من فتاوي تبع التَّابِعين وهلم جرا وَكلما كَانَ الْعَهْد بالرسول ﷺ أقرب كَانَ الصَّوَاب فِيهِ أغلب وَهَذَا الحكم بِحَسب الْجِنْس لَا بِحَسب كل فَرد فَرد من الْمسَائِل كَمَا أَن عصر التَّابِعين وَإِن كَانَ أفضل من عصر تابعيهم فَإِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْجِنْس لَا بِحَسب كل شخص شخص
стр. 162
وَلَكِن المفضلون فِي الْعَصْر الْمُتَقَدّم أَكثر من المفضلين فِي الْعَصْر الْمُتَأَخر وَهَكَذَا الصَّوَاب فِي أَقْوَالهم أَكثر من الصَّوَاب فِي أَقْوَال من بعدهمْ فَإِن التَّفَاوُت بَين عُلُوم الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين كالتفاوت الَّذِي بَينهم فِي الْفضل والرأي وَلَعَلَّه لَا يسع الْمُفْتِي وَالْحَاكِم عِنْد الله أَن يُفْتِي وَيحكم بقول فلَان وَفُلَان من الْمُتَأَخِّرين من مقلدي الْأَئِمَّة وَيَأْخُذ بِرَأْيهِ وترجيحه وَيتْرك الْفَتْوَى وَالْحكم بقول البُخَارِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَمُحَمّد بن نصر الْمروزِي وأمثالهم بل يتْرك قَول ابْن الْمُبَارك وَالْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وأمثالهم بل لَا يلْتَفت غلى قَول ابْن أبي ذِئْب وَالزهْرِيّ وَاللَّيْث بن سعد وأمثالهم بل لَا يعد قَول سعيد ابْن الْمسيب وَالْحسن وَالقَاسِم وَسَالم وَعَطَاء وَطَاوُس وَجَابِر بن زيد وَشُرَيْح وَأبي وَائِل وجعفر ابْن مُحَمَّد وأضرابهم مِمَّا يسوغ الْأَخْذ بِهِ بل يرى قَول الْمُتَأَخِّرين من أَتبَاع من قَلّدهُ مقدما على فَتْوَى أبي بكر الصّديق وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَأبي الدَّرْدَاء وَزيد ابْن ثَابت وعبد الله بن عَبَّاس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وَعبادَة بن الصَّامِت وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وأضرابهم فَلَا يدْرِي مَا عذرهمْ غَدا عِنْد الله إِذا سوى بَين أَقْوَال أُولَئِكَ وفتاواهم وأقوال هَؤُلَاءِ وفتاواهم فَكيف إِذا رجحها عَلَيْهَا فَكيف إِذا عين الْأَخْذ بهَا حكما وإفتاءا وَمنع الْأَخْذ بقول الصَّحَابَة واستجاز عُقُوبَة من خَالف من الْمُتَأَخِّرين لَهَا وَحكم عَلَيْهِ بالبدعة والضلالة وَمُخَالفَة أهل الْعلم وَأَنه يكيد الْإِسْلَام تالله لقد أَخذ بِالْمثلِ الْمَشْهُور رمتني بدائها وانسلت وَسمي وَرَثَة الرَّسُول باسمه هُوَ وكساهم أثوابه وَرَمَاهُمْ بدائه وَكثير من هَؤُلَاءِ يُصَرح ويصرخ وَيَقُول ويعلن أَنه يجب على الْأمة كلهم الْأَخْذ بقول من قلدناه ديننَا وَلَا يجوز الْأَخْذ بقول أبي بكر وَعمر عُثْمَان وَعلي وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَهَذَا كَلَام من أَخذ بِهِ وتقلده ولاه الله مَا تولى ويجزيه عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة الْجَزَاء الأوفى وَالَّذِي ندين الله بِهِ ضد هَذَا القَوْل وَالرَّدّ عَلَيْهِ فَنَقُول
إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قولا فإمَّا أَن يُخَالِفهُ صَحَابِيّ آخر أَو لَا يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه مثله لم يكن قَول أَحدهمَا حجَّة على الآخر وَإِن خَالفه أعلم مِنْهُ كَمَا إِذا خَالف الْخُلَفَاء الرَّاشِدين أَو بَعضهم غَيرهم من الصَّحَابَة فِي حكم فَهَل يكون الشق الَّذِي فِي الْخُلَفَاء الراشدون أَو بَعضهم حجَّة على الآخرين
стр. 163
فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء وهما رِوَايَتَانِ عَن الإِمَام أَحْمد وَالصَّحِيح أَن الشق الَّذِي فِيهِ الْخُلَفَاء أَو بَعضهم أرجح وَأولى أَن يُؤْخَذ بِهِ من الشق الآخر فَإِن كَانَ الْأَرْبَعَة فِي شقّ فَلَا شكّ أَنه الصَّوَاب وَإِن كَانَ أَكْثَرهم فِي شقّ فَالصَّوَاب فِيهِ أغلب وَإِن كَانُوا اثْنَيْنِ واثنين فشق أبي بكر وَعمر أقرب إِلَى الصَّوَاب فَإِن اخْتلف أَبُو بكر وَعمر فَالصَّوَاب مَعَ أبي بكر وَهَذِه جملَة لَا يعرف تفصيلها إِلَّا من لَهُ خبْرَة واطلاع على مَا اخْتلف فِيهِ الصَّحَابَة وعَلى الرَّاجِح من أَقْوَالهم وَيَكْفِي فِي ذَلِك معرفَة رُجْحَان قَول الصّديق فِي الْجد والأخوة وَكَون الطَّلَاق الثَّلَاث بِفَم وَاحِد مرّة وَاحِدَة وَأَن تلفط فِيهِ بِالثلَاثِ وَجَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد
وَإِذا نظر الْعَالم الْمنصف فِي أَدِلَّة هَذِه الْمسَائِل من الْجَانِبَيْنِ تبين لَهُ أَن جَانب الصّديق أرجح وَلَا يحفظ لَهُ خلاف نَص وَاحِد أبدا وَلَا يحفظ لَهُ فَتْوَى وَلَا حكم ومأخذهما ضَعِيف أبدا وَهَذَا التَّحْقِيق لكَون خِلَافَته خلَافَة نبوة
وَإِن لم يُخَالف الصَّحَابِيّ صحابيا آخر فإمَّا أَن يشْتَهر قَوْله فِي الصَّحَابَة أَو لَا يشْتَهر فَإِن اشْتهر فَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الطوائف من الْفُقَهَاء أَنه إِجْمَاع وَحجَّة وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم هُوَ حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع وَقَالَ شرذمة من الْمُتَكَلِّمين وَبَعض الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين لَا يكون إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة وَإِن لم يشْتَهر قَوْله أَو لم يعلم هَل اشْتهر أم لَا فَاخْتلف النَّاس هَل يكون حجَّة أم لَا فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْأمة أَنه حجَّة هَذَا قَول جُمْهُور الْحَنَفِيَّة صرح بِهِ مُحَمَّد بن الْحسن وَذكره عَن أبي حنيفَة نصا وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه وتصرفه فِي موطئِهِ دَلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ قَول إِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَأبي عبيد وَهُوَ مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد فِي غير مَوضِع وَاخْتِيَار جُمْهُور أَصْحَابه وَهُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم والجديد فَأَما الْقَدِيم فأصحابه مقرون بِهِ وَأما الْجَدِيد فكثير مِنْهُم يحْكى عَنهُ أَنه لَيْسَ بِحجَّة وَفِي هَذِه الْحِكَايَة عَنهُ نظر ظَاهر جدا فَإِنَّهُ لَا يحفظ لَهُ فِي الْجَدِيد حرف وَاحِد أَن قَول الصَّحَابَة لَيْسَ بِحجَّة وَغَايَة مَا تعلق بِهِ من نقل ذَلِك أَنه يحْكى أقوالا للصحابة فِي الْجَدِيد ثمَّ يُخَالِفهَا وَلَو كَانَت عِنْده حجَّة لم يُخَالِفهَا وَهَذَا تعلق ضَعِيف جدا فَإِن مُخَالفَة الْمُجْتَهد الدَّلِيل الْمعِين لما هُوَ أقوى مِنْهُ فِي نظره لَا يدل على أَنه لَا يرَاهُ دَلِيلا من حَيْثُ الْجُمْلَة بل خَالف دَلِيلا لدَلِيل أرجح عِنْده مِنْهُ وَقد تعلق بَعضهم بِأَنَّهُ يرَاهُ فِي الْجَدِيد إِذا ذكر أَقْوَال الصَّحَابَة مُوَافقا لَهَا لَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَحدهَا كَمَا يفعل بالمنصوص بل يعضدها بضروب من الأقيسة فَهُوَ تَارَة يذكرهَا وَيُصَرح بِخِلَافِهَا وَتارَة يُوَافِقهَا وَلَا يعْتَمد عيها بل يعضدها بِدَلِيل آخر وَهَذَا أَيْضا تعلق أَضْعَف من الَّذِي قبله فَإِن
стр. 164
تظافر الْأَدِلَّة وتعاضدها وتناصرها من عادات أهل الْعلم قَدِيما وحديثا وَلَا يدل ذكرهم دَلِيلا ثَانِيًا وثالثا على أَن مَا ذَكرُوهُ قبله لَيْسَ بِدَلِيل
وَقد صرح الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد من رِوَايَة الرّبيع عَنهُ بِأَن قَول الصَّحَابَة حجَّة يجب الْمصير إِلَيْهِ فَقَالَ المحدثات من الْأُمُور ضَرْبَان أَحدهمَا مَا أحدث يُخَالف كتابا أَو سنة أَو إِجْمَاعًا أَو اثرا فَهَذِهِ الْبِدْعَة الضَّلَالَة وَالربيع إِنَّمَا أَخذ عَنهُ بِمصْر وَقد جعل مُخَالفَة الْأَثر الَّذِي لَيْسَ بِكِتَاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع ضَلَالَة وَهَذَا فَوق كَونه حجَّة انْتهى كَلَام صَاحب الْأَعْلَام بِطُولِهِ
قلت وَقد تقدم كَلَام الشَّافِعِي فِي كَون قَول الصَّحَابِيّ حجَّة إِن لم يُوجد كتاب وَلَا سنة فِي الْمَقْصد الثَّالِث فَرَاجعه
ولنختم الخاتمة بفوائد تتَعَلَّق بالفتوى
الأولى قَالَ ابْن الْقيم ﵀ يَنْبَغِي للمفتي أَن يُفْتِي بِلَفْظ النَّص مهما أمكنه فَإِنَّهُ يتَضَمَّن الحكم وَالدَّلِيل مَعَ الْبَيَان التَّام فَهُوَ حكم مَضْمُون لَهُ الصَّوَاب مُتَضَمّن للدليل عَلَيْهِ فِي أحسن بَيَان وَقَول الْفَقِيه الْمعِين لَيْسَ كَذَلِك وَقد كَانَ الصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة الَّذين سلكوا على مناهجهم يتحرون ذَلِك غَايَة التَّحَرِّي حَتَّى خلف من بعدهمْ خلف رَغِبُوا عَن النُّصُوص واشتقوا لَهُم ألفاظا غير أَلْفَاظ النُّصُوص فَأوجب ذَلِك هجر النُّصُوص وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ لَا تفي مَا تفي بِهِ النُّصُوص من الحكم وَالدَّلِيل وَحسن الْبَيَان فتولد من هجران أَلْفَاظ النُّصُوص والإقبال على الْأَلْفَاظ الْحَادِثَة وَتَعْلِيق الْأَحْكَام بهَا على الْأمة من الْفساد مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله فألفاظ النُّصُوص عصمَة وَحجَّة بريئة من الْخَطَأ والتناقض والتعقيد وَالِاضْطِرَاب وَلما كَانَ هِيَ عصمَة الصَّحَابَة وأصولهم الَّتِي إِلَيْهَا يرجعُونَ كَانَت علومهم أصح من عُلُوم من بعدهمْ وخطؤهم فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ أقل من خطأ من بعدهمْ ثمَّ التابعون بِالنِّسْبَةِ إِلَى من بعدهمْ كَذَلِك وهلم جرا
وَلما استحكم هجران النُّصُوص عِنْد أَكثر أهل الْهوى والبدع كَانَت علومهم فِي مسائلهم وأدلتهم فِي غَايَة الْفساد وَالِاضْطِرَاب والتناقض
قد كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِذا سئلوا عَن مَسْأَلَة يَقُولُونَ قَالَ الله تَعَالَى كَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَفعل كَذَا وَلَا يعدلُونَ عَن ذَلِك مَا وجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا قطّ فَمن تَأمل أجوبتهم وجدهَا شِفَاء لما فِي الصُّدُور فَلَمَّا طَال الْعَهْد وَبعد النَّاس من نور النُّبُوَّة صا وَهَذَا عَيْبا عِنْد الْمُتَأَخِّرين أَن يذكرُوا فِي أصُول دينهم وفروعهم قَالَ الله تَعَالَى قَالَ رَسُول الله ﷺ أما أصُول دينهم فصرحوا فِي كتبهمْ أَن قَول الله وَرَسُوله ص لَا يُفِيد الْيَقِين فِي مسَائِل أصُول الدّين وَإِنَّمَا يحْتَج بِكَلَام الله وَرَسُوله ص فِيهَا الحشوية والمجسمة والمشبهة وَأما فروعهم فقنعوا فِيهَا بتقليد من اختصر لَهُم بعض المختصرات الَّتِي لَا يذكر فِيهَا نَص عَن الله تَعَالَى وَلَا عَن رَسُوله ص وَلَا عَن
стр. 165
الإِمَام الَّذِي زَعَمُوا أَنهم قلدوه دينهم بل عمدتهم فِيمَا يفتون ويقضون بِهِ وينقلون بِهِ الْحُقُوق ويبيحون بِهِ الْفروج والدماء وَالْأَمْوَال على قَول ذَلِك المُصَنّف وأجلهم عِنْد نَفسه وزعيمهم عِنْد بني جنسه من يستحضر لفظ الْكتاب وَيَقُول هَكَذَا قَالَ وَهَذَا لَفظه فالحلال مَا أحل ذَلِك الْكتاب وَالْحرَام مَا حرمه وَالْوَاجِب مَا أوجبه وَالْبَاطِل مَا أبْطلهُ وَالصَّحِيح مَا صَححهُ هَذَا وأنى لنا بهؤلاء فِي مثل هَذَا الزَّمَان فقد دفعنَا إِلَى أَمر تضج مِنْهُ الْحُقُوق إِلَى الله ضَجِيجًا وتعج مِنْهُ الْفروج وَالْأَمْوَال والدماء إِلَى رَبهَا عجيجا تبدل فِيهَا الْأَحْكَام ويقلب الْحَلَال بالحرام وَيجْعَل فِيهِ الْمَعْرُوف فِي أَعلَى مَرَاتِب الْمُنْكَرَات وَالْمُنكر الَّذِي لم يشرعه الله وَرَسُوله من أفضل القربات الْحق فِيهِ غَرِيب وَأغْرب مِنْهُ من يعرفهُ وَأغْرب مِنْهُمَا من يَدْعُو إِلَيْهِ وَينْصَح بِهِ نَفسه وَالنَّاس قد فلق بهم فالق الإصباح صبحه من غياهب الظُّلُمَات وَأَبَان الطَّرِيق الْمُسْتَقيم من بَين تِلْكَ الطّرق الجائرات فَأرَاهُ بِعَين قلبه مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه مَعَ مَا عَلَيْهِ اكثر الْخلق من الْبدع المضلات مَا رفع لَهُ علم الْهِدَايَة فشمر إِلَيْهِ ووضح لَهُ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَقَامَ واستقام عَلَيْهِ فطوبى لَهُ من وحيد على كَثْرَة السكان غَرِيب على كَثْرَة الْجِيرَان بَين قوم رُؤْيَتهمْ قذى الْعُيُون وشجى الحلوق وكرب النَّفس وَحمى الْأَرْوَاح وغم الصُّدُور وَمرض الْقُلُوب إِن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الْإِنْصَاف وَإِن طلبته مِنْهُم فَأَيْنَ الثريا من يَد الملتمس فقد انتكست قُلُوبهم وعمى عَلَيْهِم مطلوبهم رَضوا بالأماني وابتلوا بالحظوظ وحصلوا على الحرمان وخاضوا بحار الْعلم لَكِن بالدعاوي الْبَاطِلَة وشقاشق الهذيان وَلَا وَالله مَا ابتلت من وشله أَقْدَامهم وَلَا زكتْ بِهِ عُقُولهمْ وأحلامهم وَلَا ابْيَضَّتْ بِهِ لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم وَلَا ضحِكت بِالْهدى وَالْحق مِنْهُ وُجُوه الدفاتر إِذا بَكت بمدادها أقلامهم أَنْفقُوا فِي غير شَيْء نفائس الأنفاس وأتعبوا أنفسهم وحيروا من خَلفهم من النَّاس ضيعوا الْأُصُول فحرموا الْوُصُول وأعرضوا عَن الرسَالَة فوقعوا فِي مهامه الْحيرَة وبيداء الضَّلَالَة
وَالْمَقْصُود أَن الْعِصْمَة مَضْمُونَة فِي أَلْفَاظ النُّصُوص ومعانيها فِي أتم بَيَان وَأحسن تَفْسِير وَمن رام إِدْرَاك الْهدى وَدين الْحق من غير مشكاتها فَهُوَ عَلَيْهِ غير يسير
الْفَائِدَة الثَّانِيَة حكم الله وَرَسُوله يظْهر على أَرْبَعَة أَلْسِنَة لِسَان الرَّاوِي ولسان الْمُفْتِي ولسان الْحَاكِم ولسان الشَّاهِد
فالراوي يظْهر على لِسَانه لفظ حكم الله وَرَسُوله والمفتي يظْهر على لِسَانه مَعْنَاهُ وَمَا استنبطه من اللَّفْظ وَالْحَاكِم يظْهر على لِسَانه الْإِخْبَار بِحكم الله وتنفيذه وَالشَّاهِد يظْهر على لِسَانه الْأَخْبَار بِالسَّبَبِ الَّذِي يثبت حكم الشَّارِع وَالْوَاجِب على هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَن يخبروا بِالصّدقِ الْمُسْتَند إِلَى
стр. 166
الْعلم فَيَكُونُوا عَالمين بِمَا يخبرون بِهِ صَادِقين فِي الْإِخْبَار بِهِ وَآفَة أحدهم الْكَذِب والكتمان فَمَتَى كتم الْحق أَو كذب فِيهِ فقد حاد الله فِي شَرعه وَدينه وَقد أجْرى الله سنته أَن يمحق عَلَيْهِ بركَة علمه وَدينه ودنياه وَمن الْتزم الصدْق وَالْبَيَان مِنْهُم فِي مرتبته بورك لَهُ فِي علمه وَوَقته وَدينه ودنياه وَكَانَ مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما فبالكتمان يعْزل عَن سُلْطَانه وبالكذب بِقَلْبِه عَن وَجهه وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل فجزاء أحدهم أَن يعزله الله عَن سُلْطَان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الَّذِي يلْبسهُ أهل الصدْق وَالْبَيَان ويلبسه ثوب الهوان والمقت وَالْخَوْف بَين عباده فَإِذا كَانَ يَوْم اللِّقَاء جازى الله من يَشَاء من الْكَاذِبين الكاتمين بطمس الْوُجُوه وردهَا على أدبارها كَمَا طمسوا وَجه الْحق وقلبوه عَن وَجهه جزاءا وفَاقا وَمَا رَبك بظلام للعبيد
الْفَائِدَة الثَّالِثَة لَا يجوز للمفتي أَن يشْهد على الله وَرَسُوله بِأَنَّهُ أحل كَذَا أَو حرمه أَو أوجبه أَو كرهه لما لَا يعلم أَن الْأَمر فِيهِ كَذَلِك مِمَّا نَص الله وَرَسُوله على إِبَاحَته أَو تَحْرِيمه أَو إِيجَابه أَو كراهيته وَإِذا مَا وجده فِي كِتَابه الَّذِي تَلقاهُ عَمَّن قَلّدهُ دينه فَلَيْسَ لَهُ أَن يشْهد على الله وَرَسُوله بِهِ ويغر النَّاس بذلك وَلَا علم لَهُ بِحكم الله وَرَسُوله قَالَ غير وَاحِد من السّلف ليحذر أحدكُم أَن يَقُول أحل الله كَذَا أَو حرم كَذَا فَيَقُول الله لم كذبت لم أحل كَذَا وَلم أحرمهُ وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن بُرَيْدَة بن الْحصيب أَن رَسُول الله قَالَ إِذا حاصرت قوما فسألوك أَن تنزلهم على حكم الله وَرَسُوله فَلَا تنزلهم على حكم الله وَرَسُوله فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله فيهم أم لَا وَلَكِن أنزلهم على حكمك وَحكم أَصْحَابك وَسمعت شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية يَقُول حضرت مَجْلِسا فِيهِ الْقُضَاة وَغَيرهم فجرت حُكُومَة حكم فِيهَا أحدهم يَقُول زفر فَقلت مَا هَذِه الْحُكُومَة فَقَالَ هَذَا حكم الله فَقلت لَهُ صَار حكم زفر حكم الله الَّذِي حكم بِهِ وألزم بِهِ الْأمة هَذَا حكم زفر وَقَوله وَلَا تقل هَذَا حكم الله وَرَسُوله أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام
الْفَائِدَة الرَّابِعَة ليحذر الْمُفْتِي الَّذِي يخَاف مقَامه بَين يَدي الله أَن يُفْتِي السَّائِل بِمذهب الَّذِي يقلده وَهُوَ يعلم أَن مَذْهَب غَيره فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة أرجح من مذْهبه وَأَصَح دَلِيلا فتحمله الرياسة على أَن يقتحم الْفَتْوَى بِمَا يغلب على ظَنّه أَن الصَّوَاب فِي خِلَافه فَيكون خائنا لله وَرَسُوله وغاشا لَهُ وَالله لَا يهدي كيد الخائنين وَحرم الْجنَّة على من لقِيه وَهُوَ غاش لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَالدّين النَّصِيحَة والغش مضاد للدّين كمضادة الْكَذِب للصدق وَالْبَاطِل للحق وَكَثِيرًا مَا نرد الْمَسْأَلَة نعتقد فِيهَا خلاف الْمذَاهب وَلَا يسعنا أَن نفتي بِخِلَاف مَا نعتقده فنحكي الْمَذْهَب ثمَّ نحكي الْمَذْهَب الرَّاجِح ونقول هَذَا هُوَ
стр. 167
الصَّوَاب وَهُوَ أولى مَا يُؤْخَذ بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْفَائِدَة الْخَامِسَة إِذا كَانَ عِنْد الرجل الصحيحان أَو أَحدهمَا أَو كتاب من سنَن رَسُول الله ﷺ موثوق بِمَا فِيهِ فَهَل لَهُ أَن يُفْتِي بِمَا وجده فِيهِ فَقَالَت طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ قد يكون مَنْسُوخا أَوله معَارض أَو يفهم من دلَالَته خلاف مَا يدل عَلَيْهِ أَو يكون أَمر ندب فيفهم مِنْهُ الْإِيجَاب أَو يكون عَاما لَهُ مُخَصص أَو مُطلقًا لَهُ مُقَيّد فَلَا يجوز لَهُ الْعَمَل بِهِ وَلَا الْفتيا بِهِ حَتَّى يسْأَل أهل الْفِقْه والفتيا وَقَالَت طَائِفَة بل لَهُ أَن يعْمل بِهِ ويفتي بِهِ بل يتَعَيَّن عَلَيْهِ كَمَا كَانَ الصَّحَابَة يَفْعَلُونَ اذا بَلغهُمْ الحَدِيث عَن رَسُول الله وَحدث بِهِ بَعضهم بَعْضًا بَادرُوا الى الْعَمَل بِهِ من غير توقف وَلَا بحث عَن معَارض وَلَا يَقُول أحد مِنْهُم قطّ هَل عمل بِهَذَا فلَان وَفُلَان وَلَو رَأَوْا من يَقُول ذَلِك لأنكروا عَلَيْهِ أَشد الْإِنْكَار وَكَذَلِكَ التابعون وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لمن لَهُ أدنى خبْرَة بِحَال الْقَوْم وسيرتهم وَطول الْعَهْد بِالسنةِ وَبعد الزَّمَان عَنْهَا لَا يسوغ ترك الْأَخْذ بهَا وَالْعَمَل بغَيْرهَا وَلَو كَانَت سنَن رَسُول الله ﷺ لَا يسوغ الْعَمَل بهَا بعد صِحَّتهَا حَتَّى يعْمل بهَا فلَان أَو فلَان لَكَانَ قَول فلَان أَو فلَان معيارا على السّنَن ومزكيا لَهَا وشرطا فِي الْعَمَل بهَا وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل وَقد أَقَامَ الله الْحجَّة بِرَسُولِهِ ص دون آحَاد الْأمة وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بتبليغ سنته ودعا لمن بلغَهَا فَلَو كَانَ من بلغته لَا يعْمل بهَا حَتَّى يعْمل بهَا الامام فلَان والامام فلَان لم يكن فِي تبليغها فَائِدَة وَحصل الِاكْتِفَاء بقول فلَان وَفُلَان
قَالُوا والنسخ الْوَاقِع فِي الْأَحَادِيث الَّذِي أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة لَا يبلغ عشرَة أَحَادِيث الْبَتَّةَ بل وَلَا شطرها فتقدير وُقُوع الْخَطَأ فِي الذّهاب الى الْمَنْسُوخ أقل بِكَثِير من وُقُوع الْخَطَأ فِي تَقْلِيد من يُصِيب ويخطئ وَيجوز عَلَيْهِ التَّنَاقُض وَالِاخْتِلَاف وَيَقُول القَوْل وَيرجع عَنهُ ويحكي عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة عدَّة أَقْوَال وَوُقُوع الْخَطَأ فِي فهم كَلَام الْمَعْصُوم أقل بِكَثِير من وُقُوع الْخَطَأ فِي فهم كَلَام الْفَقِيه الْمعِين فَلَا يفْرض إحتمال خطأ لمن عمل بِالْحَدِيثِ وَأفْتى بِهِ الا وأضعاف أضعافه حَاصِل لمن أفتى بتقليد من لَا يعلم خَطؤُهُ من صَوَابه
وَالصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة التَّفْصِيل فان كَانَت دلَالَة الحَدِيث ظَاهِرَة بَيِّنَة لكل من سَمعه لَا يحْتَمل غير المُرَاد فَلهُ أَن يعْمل بِهِ ويفتي بِهِ وَلَا يطْلب لَهُ التَّزْكِيَة من قَول فَقِيه وامام بل الْحجَّة قَول رَسُول الله ﷺ وَإِن خَالفه من خَالفه وَإِن كَانَت دلَالَة خُفْيَة لَا يتَبَيَّن لَهُ المُرَاد فِيهَا لم يجز لَهُ أَن يعْمل وَلَا يُفْتِي بِمَا يتوهمه مرَادا حَتَّى يسْأَل وَيطْلب بَيَان الحَدِيث وَوَجهه وان كَانَت دلَالَته ظَاهِرَة كالعام على أَفْرَاده وَالْأَمر على الْوُجُوب وَالنَّهْي على التَّحْرِيم فَهَل لَهُ الْعَمَل وَالْفَتْوَى بِهِ يخرج على الأَصْل وَهُوَ الْعَمَل بالظواهر قبل الْبَحْث عَن الْمعَارض وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره الْجَوَاز وَالْمَنْع وَالْفرق بَين الْعَام فَلَا يعْمل لَهُ قبل الْبَحْث عَن الْمُخَصّص
стр. 168
وَالْأَمر وَالنَّهْي فَيعْمل بِهِ قبل الْبَحْث عَن الْمعَارض وَهَذَا كُله اذا كَانَ ثمَّ نوع أَهْلِيَّة وَلكنه قَاصِر فِي معرفَة الْفُرُوع وقواعد الْأُصُولِيِّينَ والعربية وَأما إِذا لم يكن ثمَّ اهلية قطّ ففرضه مَا قَالَ الله ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ أَلا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا إِنَّمَا شِفَاء العى السُّؤَال وَإِذا جَازَ إعتماد المستفتي على مَا يَكْتُبهُ الْمُفْتِي من كَلَامه وَكَلَام شَيْخه وَإِن علا وَصعد فاعتاد الرجل على مَا كتبه الثِّقَات من كَلَام رَسُول الله ﷺ أولى بِالْجَوَازِ واذا قدر أَنه لم يفهم الحَدِيث كَمَا لَو لم يفهم فَتْوَى الْمُفْتِي فَيسْأَل من يعرفهُ مَعْنَاهُ كَمَا يسْأَل من يعرفهُ معنى جَوَاب الْمُفْتِي وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْفَائِدَة السَّادِسَة يحرم على الْمُفْتِي أَن يُفْتِي بضد لفظ النَّص وَإِن وَافق مذْهبه
ومثاله أَن يسْأَل عَن رجل صلى من الصُّبْح رَكْعَة ثمَّ طلعت الشَّمْس فَهَل يتم صلَاته أم لَا فَيَقُول لَا يُتمهَا وَرَسُول الله ﷺ يَقُول فليتم صلَاته وَمثل أَن يسْأَل عَمَّن مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام هَل يَصُوم عَنهُ وليه فَيَقُول لَا يَصُوم عَنهُ وليه وَصَاحب الشَّرْع يَقُول من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم صَامَ عَنهُ وليه وَمثل أَن يسْأَل عَن رجل بَاعَ مَتَاعه ثمَّ أفلس المُشْتَرِي فَوَجَدَهُ بِعَيْنِه هَل هُوَ أَحَق بِهِ فَيَقُول لَيْسَ هُوَ أَحَق بِهِ وَصَاحب الشَّرْع يَقُول هُوَ أَحَق بِهِ وَمثل أَن يسْأَل عَن أكل كل ذِي نَاب هَل هُوَ حرَام فَيَقُول لَيْسَ بِحرَام وَرَسُول الله ﷺ يَقُول أكل كل ذِي نَاب من السبَاع حرَام وَمثل أَن يسْأَل عَن رجل لَهُ شريك فِي أَرض أَو دَار أَو بُسْتَان هَل لَهُ أَن يَبِيع حِصَّته قبل إِعْلَام الشَّرِيك بِالْبيعِ وعرضها عَلَيْهِ فَيَقُول نعم يحل لَهُ أَن يَبِيع حِصَّته قبل إِعْلَام شَرِيكه بِالْبيعِ وَصَاحب الشَّرْع يَقُول من كَانَ لَهُ شريك فِي أَرض أَو ربعَة أَو حَائِط فَلَا يحل لَهُ أَن يَبِيع حَتَّى يُؤذن شَرِيكه وَمثل
стр. 169
أَن يسْأَل عَن قتل الْمُسلم بالكافر فَيَقُول نعم يقتل الْمُسلم بالكافر وَصَاحب الشَّرْع يَقُول لَا يقتل الْمُسلم بالكافر وَمثل ان يسْأَل عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى فَيَقُول لَيست الْعَصْر وَصَاحب الشَّرْع يَقُول صَلَاة الْعَصْر وَمثل ان يسْأَل عَن رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ هَل هُوَ مَشْرُوع فِي الصَّلَاة أَو لَيْسَ بمشروع أَو مَكْرُوه وَرُبمَا غلا بَعضهم فَقَالَ إِن صلَاته بَاطِلَة وَقد روى بضعَة وَعِشْرُونَ نفسا عَن النَّبِي ﷺ أَنه يرفع يَدَيْهِ عِنْد الإفتتاح وَالرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ بأسانيد صَحِيحه لَا يَشكونَ فِيهَا وَمثل ان يسْأَل عَن إِكْمَال عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَيْلَة الاغمام يَقُول لَا يجوز إكماله ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ فان غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا وأمثلته كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَقد أنهاها ابْن الْقيم الى مائَة وَخمسين مِثَالا وَالله الْمُوفق للصَّوَاب واليه الْمرجع والمآب
الْفَائِدَة السَّابِعَة الِاجْتِهَاد هَل هُوَ يقبل التجزي والإنقسام فَيكون الرجل مُجْتَهدا فِي نوع من الْعلم مُقَلدًا فِي غَيره أَو فِي بَاب من الْأَبْوَاب كمن استفرغ وَسعه فِي نوع الْعلم بالفرائض وأدلتها وإستنباطها من الْكتاب وَالسّنة دون غَيرهَا من الْعُلُوم أَو فِي بَاب الْجِهَاد أَو الْحَج أَو غير ذَلِك فَهَذَا لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِيمَا لم يجْتَهد فِيهِ وَلَا يكون مَعْرفَته بِمَا اجْتهد فِيهِ مسوغة لَهُ الافتاء بِمَا لَا يعلم فِي غَيره وَهل لَهُ أَن يُفْتِي فِي النَّوْع الَّذِي اجْتهد فِيهِ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَصَحهَا الْجَوَاز بل هُوَ الصَّوَاب الْمَقْطُوع بِهِ وَالثَّانِي الْمَنْع وَالثَّالِث الْجَوَاز فِي الْفَرَائِض دون غَيرهَا
فحجة الْجَوَاز أَنه عرف الْحق بدليله وَقد بذل جهده فِي معرفَة الصَّوَاب فَحكمه فِي ذَلِك النَّوْع حكم الْمُجْتَهد الْمُطلق
فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَن بذل جهده فِي معرفَة مَسْأَلَة أَو مَسْأَلَتَيْنِ هَل لَهُ ان يُفْتِي بهَا أَو بهما قُلْنَا نعم فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وهما وَجْهَان لأَصْحَاب أَحْمد وَهل هَذَا الا من التَّبْلِيغ عَن الله وَرَسُوله ص وجزى الله من أعَان الاسلام وَلَو بِشَطْر كلمة خيرا وَمنع هَذَا من الافتاء بِمَا علم خطأ مَحْض وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إنتهى كَلَام ابْن الْقيم بِطُولِهِ وبتمامه قد إنتهى مَا رمناه وَتمّ مَا أردناه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْمُرْسلين وعَلى صآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ