← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6858

التذكرة في الوعظ

ابن الجوزي

Полный текст (214 стр.). Показаны 176–214 · переход к 181.

стр. 176

مَا لي شَفِيع إِلَى علاكم أنجح من ادمعي الغزاري فَإِن وصلتم فوا انجباري وَإِن هجرتم فوا انسكاري صدق لِسَان الْمُحب فِي طلب وصال محبوبه هُوَ الَّذِي أوصله إِلَى مَطْلُوبه وكل محب طرد إِلَى الْبَاب فَإِنَّمَا أبعده الْمُحب عَن الجناب لِأَنَّهُ فِي دَعْوَى الْمحبَّة كَذَّاب الْمحبَّة لَازِمَة لأهل الْمعرفَة والشوق لَازم لأهل الْمحبَّة والانزعاج لَازم لأهل الشوق فَلَمَّا تَكَامل لرَسُول الله ﷺ الشوق تَكَامل لَهُ الانزعاج فقد أَدْرَكته رأفة الحبيب بليلة الْمِعْرَاج فَمَا زَالَ جِبْرِيل يسْلك بِهِ السبل وَيقطع بِهِ الفجاج حَتَّى سقى من عَذَاب فرات الْوَصْل مَا لَا يشوبه أجاج كل سكر يذهب الْعقل على النَّاس حرَام غير أهل الْحبّ فالسكر لَا يرام يَا نديمي قُم فقد درات على الشَّرَاب المدام دارت الكاسات أقداحا وأقوام نيام لَو دروا مَا فاتهم مَا راق للعين الْمَنَام بَابي شهم جسور مَا حد قوم همام يُؤثر النَّار على النَّار إِذا مَا يستضام لم يزل فِي السّير حَتَّى نَالَ أمرا لَا يرام جد حَتَّى أبعد الله وَالسَّلَام

стр. 177

الْمجْلس الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي الْجِهَاد وأهميته الْحَمد لله الَّذِي جعل جِهَاد النَّفس والعدو فرضا وَاجِبا ودينا واصبا فَمَا من مُسلم عَاقل إِلَّا وَهُوَ يعلم ان مجاهدة نَفسه وعدوه حق وَاجِب عَلَيْهِ فَهُوَ يَرْجُو رَحْمَة ربه ببذل نَفسه ويرغب فِيمَا لَدَيْهِ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَمن جَاهد بَين يَدَيْهِ تبَارك الَّذِي أحكم مباني دينه لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَجعل الْإِسْلَام رَأسه وَالصَّلَاة عموده وَالْجهَاد ذرْوَة سنامه فانتظمت بذلك أَحْكَام شرائع الدّين فَمن أسلم لرَبه فقد استمسك بالعروة الوثقى وَالْحَبل المتين وَمن اقام الصَّلَاة لذكره فقد أَخذ مركزه من صُفُوف العارفين وَمن جَاهد فِي سَبيله فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من مائَة دَرَجَة أعدت لِلْمُتقين الْمُجَاهدين كَانَت الْجنَّة للْإنْسَان وَقت عافيته كالبستان يسرح فِيهَا حَيْثُ يَشَاء وَجعلت الأَرْض لَهُ وَقت مَرضه كالمارستان يلْتَمس فِيهِ الشِّفَاء وَلَا شِفَاء إِلَّا بدواء وكل دَوَاء إِلَى الْمَرِيض بغيض فعالجوا أَنفسكُم من معضلات أدوائها بدوام جِهَاد أَعدَاء الله وأعدائها لقد تخصص الْجِهَاد على سَائِر الْقرب ببذل النَّفس للعطب فِي موطن يتَمَيَّز فِيهِ

стр. 178

الْخَوْف من الْجَوْهَر والنحاس من الذَّهَب حَتَّى مَتى أَنْت فِي لَهو وَفِي لعب تمسي وتصبح فِي عزف وَفِي طرب انهد بِجَيْش من الْأَعْدَاء منتصف وانهض بعزم إِلَى العلياء منتدب واظعن عَن الوطن المألوف مغتربا لَا يبلغ الْمجد إِلَّا كل مغترب جزائر الْهِنْد فِيهَا الْعود كالحطب وَحين غربته يبْتَاع بِالذَّهَب كم ذَا الرقاد على ظهر المهاد وَقد مد الْحمام إِلَيْكُم كف مستلب يحكموا فِيكُم وَفِي بِلَادكُمْ فالنسل للبنين وَالْأَمْوَال للسلب يَا لهف نَفسِي على قوم لَهُم همم تعلو على قمم الأفلاك والشهب يستنفذون الْأُسَارَى من عدوهم لضعف أم لَهُم محزون وَأب وَالله لَو ان سُلْطَان يفرجها كُنَّا نُسَمِّيه الفراج للسرب أَيْن أَصْحَاب النُّفُوس الأبية أَيْن أَصْحَاب الأنفة الحمية أَوْفوا بالعهد الْقَدِيم وارغبوا فِي الْأجر الْعَظِيم وقاتلوا فِي سَبِيل الله واعلوموا أَن الله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم قُولُوا لأهل الهمم الْعلية كَيفَ يرضون بالحطة الدنية تنبهوا من رقدة الغافلين وتأهبوا لمرافقة الصَّالِحين وَإِذا عزمتم فتوكلوا على الله إِن الله يحب المتوكلين المجتهدون لله بِاللَّيْلِ هم حماة الْإِسْلَام وثناؤهم على الله مَفَاتِيح دَار السَّلَام يبيتُونَ يراوحون بَين الْحَيَاة والأقدام وَالنَّاس على فرشهم نيام فَأهل

стр. 179

الْعباد بَيْننَا كالمقاتلين عَن المنهزمين بهم يدْفع الله الْعَذَاب عَن العاصين ويحرس الْعباد والبلاد من جيوش الكافرينولولا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين يَنْبَغِي على العازم على الدُّخُول فِي أَوْلِيَاء الله أَن يكون شحيحا ضَعِيفا قَوِيا مُطيعًا عصيا يُطِيع دَاعِي الله فِي الْعِبَادَة والتقى ويعصي دَاعِي النَّفس إِلَى اتِّبَاع الْهوى ويقوى على مجاهدة النَّفس والشيطان ويضعف عَن مُتَابعَة هَوَاهُ فِي ركُوب الْمعاصِي ويشح بِدِينِهِ وَعرضه وحسناته ويسخو بترك الدُّنْيَا الشاغلة عَن طَاعَة الله وَطلب مرضاته فَإِن الْحَسَنَة إِذا طلب بهَا وَجه الله تصير التمرة كالجبل العظيممثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء وَالله وَاسع عليم أَلا منفق لله من فضل يُوفى عَظِيم الْأجر من فضل مَاله أَلا موقن مرضاة مَوْلَاهُ مخلص عِبَادَته فِي قَصده وفعاله يُعَامل مَوْلَاهُ بإخلاص فِيهِ ويرغب فِي معروفه ونواله من بخل عَن الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه وَمن لم يقدس روحه بِالْأَعْمَالِ المرضية لله لم يدْخل فِي أهل قدسه وَمن لم يستوحش من كل مَا يشْغلهُ عَن الله لم يصر من أهل أنسه وَمن قصر فِي خدمَة الله جنى ثَمَر

стр. 180

تَقْصِيره وَقت حُلُول رمسه حِين لَا يحصد حاصد إِلَّا مَا زرعه وَلَا يجني جَان إِلَّا من غرسه كَيفَ تقبل من الْمُقَصِّرِينَ الْأَعْذَار وَقد بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار فإياكم أَن تَفِرُّوا من الْعَدو فكم قد كسا الْفِرَار أَهله من لِبَاس الْعَار أما سَمِعْتُمْ كَلَام من اخْتصَّ بِكَلَامِهِ صَفِيَّة المختاريا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفا فَلَا تولوهم الأدبار لَو صرت مُجَاهدًا وَقت مُطَالبَة النَّفس ومحاربة الشَّيْطَان لرأيت من نصر الله الْعجب وَلَكِنَّك انقلبت يَوْم الفرارإلى حَيَاة الخزي والعار فبئست الْحَيَاة وَبئسَ المنقلب ربحت الخزف وَالْحجر وخسرت الْجَوْهَر وَالذَّهَب أما سَمِعت كَلَام الْعَزِيز الغفاريا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفا فَلَا تولوهم الادبار رضيت بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة وخسرت الصَّفْقَة الرابحة وربحت الصَّفْقَة الخاسرة كَيفَ طابت نَفسك أَن تكون ظهيرا لفئة النَّفس على فِئَة الْقلب وَفِئَة الْقلب مُؤمنَة وَفِئَة النَّفس كَافِرَة كَيفَ اخْتَرْت لنَفسك ان يُقَال جبان فرار اما سَمِعت كَلَام من لَهُ الْعِزَّة والاقتداريا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفا فَلَا تولوهم الأدبار الْعين مِنْهَا الدُّمُوع تنهمر والحزن باد وَالْقلب منكسر وَالدّين وَالْملك قد يضيع من ركبهما مَا يعمى بِهِ الْبَصَر لَيْسَ العجيب يعمى الْعُيُون وَقد نظرت أمرا يعمى بِهِ الْبَصَر الْملك تدعمه الحراب فَلَا يبْقى عَلَيْهِ التحدي وَلَا يذر فِي كل قطر زاحفة نَار فَلَا سدوا لَهَا شرر أَيْن تَوَجَّهت قد رَأَيْت من الْبلَاء مَالا يطيقه الْبشر مَا لجنود الْإِسْلَام قد زحفوا هَل يدْفع الْمَوْت مِنْهُم الحذر مَا لجَمِيع الْإِسْلَام مَا خَرجُوا إِلَى الْجِهَاد الَّذِي أمروا

стр. 181

مَالِي أرى المذنبين مَا فرغوا مَالِي أرى الراقدين مَا سهروا مَالِي أرى الْجَاهِلين مَا عرفُوا مَالِي أرى العارفين مَا اعتبروا كَيفَ يلذ الْكرَى وَقد طرقت بِلَادنَا النائبات والعبر والرب غَضْبَان والعصاة مَا كَانُوا فَلَا استغيثوا وَلَا هم اعتذروا فاستغفروا الله من صغائركم وَعَن ركُوب الْكَبَائِر اذدجروا وَانْتَظرُوا الْغَوْث من مراحمه مَا خَابَ قوم لغوثه انتظروا إِن مِمَّا قضى الله علينا فِي مُحكم كِتَابه من أنباء أنبيائه وَنَصره أوليائه على أعدائه مَا يثبت الْفُؤَاد وينبه من الرقاد قَوْله تَعَالَى وَإِذا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ جعل فِيكُم أَنْبيَاء وجعلكم ملوكا وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين لما حرص الكليم على تحريض قومه على جِهَاد الْأَعْدَاء ذكرهم بِمَا لله عَلَيْهِم من النعماء حَيْثُ يأنفون على أنفسهم من الهوان بعد الْإِكْرَام وَمن ظُهُور عَبدة الْأَصْنَام على مِلَّة الْإِسْلَام فَقَالَ يَا قوم اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم فَكَأَنَّهُ يَقُول أما يأنف من أكْرمه الله بالشريعة النَّبَوِيَّة أَن يجبن من جِهَاد أعدائه وَقد استولوا على دياره وأبنائه وَهل يرضى بِهَذَا لنَفسِهِ من لَهُ أنف كلا وَالله مَا رَضِي بالهوان كريم وَلَا استسلم للأعداء لئيم أَلا شهم فَتى كريم لَهُ رَأْي سديد مُسْتَقِيم لَهُ فِي كل نَاحيَة رَقِيب على أعدائه وهم هجوم مَتى سمع الْعَدو لَهُ بِذكر عراه الذل والخزي الْمُقِيم

стр. 182

وَمن يكل هَذَا فَعَلَيهِ طير بنصر رِجَاله أبدا يحوم وَإِلَّا فلينم حَتَّى يوافي عَدو وصيده الكسل النؤوم قَوْله وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من العالمينيعني من عالمي ذَلِك الزَّمَان يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكمقال ابْن عَبَّاس هِيَ الطّور وَمَا حوله وَقَالَ قَتَادَة الشَّام وَقيل أريحاء وَقيل دمشق وفلسطين وَبَعض الْأُرْدُن والمقدسة أَي المطهرة الْمُبَارَكَة وَقَوله كتب الله لكمأي أوجب لكم وَلَا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرينأي لَا ترجعوا مُدبرين إِلَى وَرَائِكُمْ فتنصرفوا خائبين قَالُوا يَا مُوسَى إِن فِيهَا قوما جبارينكل من لَا تكون خشيَة الله أغلب عَلَيْهِ من خشيَة الْخلق مَلأ الله قلبه مِمَّا سواهُ رعْبًا وَجعل كل شَيْء يخافه رَبًّا وَإِنَّا لن يدخلهَا حَتَّى خَرجُوا مِنْهَا فَإِن يخرجُوا مِنْهَا فَإنَّا داخلونلما جَنبُوا عَن الْقِتَال أحالوا على الْمحَال وَهُوَ طَرِيق من طرق الضلال لَا بَارك الله فِي رجال قد سلكوا سبل الضلال لَا أهل كُنَّا فِي يَوْم حَرْب وَلَا فحول يَوْم الْقِتَال قد قنعوا من حطام دنيا بِطيب عين وَجمع مَال فَلَا بُد يدنون من حَرِيم وَلَا يحامون من عِيَال لَكِن قومِي إِذا دعاهم دَاع إِلَى الْحَرْب والنزال طاروا إِلَيْهِ على متون الْجِيَاد بالذيل العوال

стр. 183

فتاهم عاشق الْمَعَالِي وَكلهمْ للحياة سالي جزاهم الله كل خير فِي كل وَقت وكل حَالي قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ أنعم الله عَلَيْهِمَا ادخُلُوا عَلَيْهِم الْبَاب فَإِذا دخلتموه فَإِنَّكُم غالبون مَا بَين العَبْد وَبَين النَّصْر إِلَّا أَن يوطن نَفسه على الصَّبْر أمروا بِالدُّخُولِ من الْبَاب على عدوهم وَضمن لَهُم النَّصْر عقيب دُخُولهمْ فَلَو تلقوا أَمر رَبهم بِالسَّمْعِ والإطاعة لم يحولهم إِلَى الصَّبْر إِلَّا سَاعَة فَلَا قرت عُيُون الْجُبَنَاء مَاذَا فاتهم من النَّصْر والْعَلَاء لَو وطنوا أنفسهم على صَبر سَاعَة يَوْم اللِّقَاء من غديري من معشر جبناء مَا وفوا بالعهود يَوْم اللِّقَاء إِنَّمَا الْملك وَالْغنيمَة وَالْأَجْر وقهر العداء وَحسن الثَّنَاء لفتى صابر الْعَدو فَوَافى حِين وخز الرماح فِي الأحشاء إِن أردْت الثَّوَاب وَالْملك فاصبر سَاعَة الْمَوْت تَحت خَفق اللِّوَاء وعَلى الله فتوكلوا إِن كُنْتُم مؤمنينفي هَذِه الْآيَة دَلِيل على ان من ولى وَقت الزَّحْف فَلَيْسَ لَهُ نصيب فِي التَّوَكُّل وفيهَا دَلِيل على أَن من لَا يتوكل لَهُ

стр. 184

فَلَا إِيمَان لَهُ لِأَن الْمَعْنى إِن كُنْتُم مُؤمنين فتوكلوا وَإِن كُنْتُم متوكلين فاثبتوا فمفهومها إِن لم تثبتوا فَمَا أَنْتُم متوكلين وَإِن لم تتوكلوا فَمَا أَنْتُم مُؤمنين أَي لَا يتم إيمانك إِلَّا بالتوكل وَلَا يصدق توكلكم إِلَّا بالثبات قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا فِيهَا جرى فألهم على ألسنتهم حِين قَالُوا إِنَّا لن ندْخلهَا أبدافلم يدخلوها لِأَن الله حرمهَا عَلَيْهِم وَهَذَا جَزَاء كل من لَا يتَقَبَّل النعم بالشكر أَي يُحَال بَينه وَبَينهَا بلون سَواد بِهِ آخر الْعَهْد مِنْهَا الذَّنب لي فِيمَا ابْتليت بِهِ من رَاحَة نقلت إِلَى تَعب ورقاد عين عَاد لي سهرا ومواهب حَالَتْ إِلَى سلب وفراق أحباب نعمت بهم وبقربهم فِي سالف الحقب مَا كنت أعرف قدر مَا بذلوا حَتَّى ابْتليت بكف مستلب هَذَا جَزَاء مُقَابل نعما بدلت لَهُ إساءة الْأَدَب مَا زَالَ فِي لَهو وَفِي لعب حَتَّى دَعَا بِالْوَيْلِ وَالْحَرب فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ هَذَا كَلَام قوم جاهلين بالحكمة فِي سنة الْجِهَاد لِأَن الْجِهَاد شرع للْمُؤْمِنين تمحيصا للسيئات ورفعة فِي الدَّرَجَات فَإِذا كَانَ الْمقَاتل غَيْرك فَكيف تحصل لَك هَذِه الْفَوَائِد فِي قَوْله تَعَالَى ذَلِك وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم لَكِن ليبلو بَعْضكُم بِبَعْض وَالَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله فَلَنْ يضل أَعْمَالهم سيهديهم وَيصْلح بالهم ويدخلهم الْجنَّة عرفهَا لهمفمن كَانَ فِي إِحْرَاز هَذِه الْخيرَات طامعا فَلْيَكُن إِلَى الْجِهَاد نَفسه

стр. 185

وعدوه مسارعا إِن كنت فِي نيل السَّعَادَة طامعا فانهض إِلَى حمل السِّلَاح مسارعا واركب جواد الْعَزْم وَاحْمَدْ حمله البطل الحلاحل حاسرا أَو دَاعيا واصبر على مضض الجلاد مراميا ومطاعنا ومسائفا ومقارعا واصدق عَدوك فِي لقائك سَاعَة لم تلق مثل الصدْق شَيْئا قَاطعا واغش السيوف فِي نحر وَجهك وَقت مَا يحمي الوغى والق الرمام شوارعا لَا تجزعن وَلَو قتلت فَإِنَّهُ لم يبلغ الْعليا من يَك جازع وترج إِحْدَى الحسنين شَهَادَة تحصنك أَو نصرا لمجدك رَافعا قَالَ رب إِنِّي لَا أملك إِلَّا نَفسِي وَأخي فافرق بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الفاسقينتبرأموسى ﵇ إِلَى ربه من عصيان قومه فعذره الله تَعَالَى وَأخْبرهُ بِمَا هُوَ معجل لَهُم الْعقَاب مَعَ حرمَان الثَّوَاب قَالَ فَإِنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة يتيهون فِي الأَرْض فَلَا تأس على الْقَوْم الفاسقينفصرفوا عَنْهَا أَذِلَّة صاغرين ودخلوا فِي التيه فَلم يخرج مِنْهُم أحد حَتَّى أَتَى الْمَوْت عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ حَتَّى إِن مُوسَى وَهَارُون كَانَا فِي التيه من جملَة المتيهين وَلم يدْخل الأَرْض المقدسة من ذَلِك الْحِين أحد مِنْهُم وهم سِتّمائَة ألف فيهم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ والأولياء وَالنِّسَاء والأطفال عمهم جَمِيعًا شوم العاصين رَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فانقلبوا بالصفقة الخاسرة فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مهتدين

стр. 186

لَا تَبِيعُوا الدّرّ بالخزف لَيْسَ هَذَا فعل معترف واركبوا الأخطار فِي طلب الْمجد والعياء والشرف فَاطْلُبُوا الثأر الَّذِي لكم عِنْد أهل الْجور والخيف أَو فكوا حُرْمَة قنعت بِلُزُوم الْبَيْت والعلف من كَانَ مَعَ الله كَانَ الله مَعَه وَمن تكبر على الله وَضعه وَمن تواضع لله رَفعه وَمن استودع الله دينه وَنَفسه حفظه عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّي إِلَى الله مَا استودعه فكونوا بِاللَّه فِي ضَمَانه واثقين وَإِلَى الله فِيمَا عِنْده راغبينوقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة كَمَا يقاتلونكم كَافَّة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ قل للَّذين آمنُوا بزلهم كونُوا مَعَ الْإِيمَان عاملينا إِذا أَتَاكُم مُنَاد من ربكُم فَلَا تَكُونُوا عَنهُ معرضينا قُولُوا سمعنَا وأطعنا واحذروا أَن تصبحوا لله مسخطينا من خَالف الله فقد أسخطه فَلَا تكونن مسخطينا وَجَاهدُوا أعداءكم فَإِنَّهُم قد أَصْبحُوا لكم معاندينا إيَّاكُمْ وَالظُّلم فِيمَا بَيْنكُم فَقل مَا ينصر ظالمونا واخلصوا نياتكم فالإخلاص أقوى مَا بِهِ فِي الْحَرْب تنصرونا ووطنوا النَّفس على الصَّبْر وَلَو قتلتم بِالصبرِ أجمعونا فموتنا وَلَا نرى عدونا يستأثر الْبَنَات والبنينا كم استباحوا حرما مُمْتَنعا كم هتكوا محجبا مصونا

стр. 187

كم غربوا مستوطنا عَن دَاره وَكم أخافوا بَلَدا أَمينا كم أفقروا ذَا ثروة من مَاله حَتَّى غَدا مستعطيا مِسْكينا نَسْتَغْفِر الله ذنوبا سلطت أعداءنا وطمعتهم فِينَا عَسى الَّذِي أَعلَى الْعَدو فَوْقنَا عَلَيْهِم من بعْدهَا يعلينا اللَّهُمَّ يَا خير الغافرين اغْفِر لنا ذنوبنا اللَّهُمَّ يَا خير الرَّاحِمِينَ ارحمنا فِي كل شَيْء من نعمك علينا اللَّهُمَّ يَا خير الرازقين ارزقنا رضاك عَنَّا ولطفك بِنَا اللَّهُمَّ يَا خير الفاتحين افْتَحْ بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الظَّالِمين ونجنا بِرَحْمَتك من الْقَوْم الْكَافرين اللَّهُمَّ يَا خير الناصرين انصرنا على من عَادَانَا واردد لنا الكرة عَلَيْهِم وَكن لنا عَلَيْهِم ظهيرا وامدد لنا بأموال وبنين واجعلنا أَكثر نفيرا من كَانَ مَعَ الله بالإخلاص والصدق كَانَ الله مَعَه بالتأييد والنصر وَمن اعْتقد أَن لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أنزل الله عَلَيْهِ السكينَة وَالصَّبْر وَمن علم ان لَا نَاصِر إِلَّا الله لم يكله إِلَى اُحْدُ فِي شَيْء من الْأَمر وطنوا أَنفسكُم على الصَّبْر والثبات فضل سَاعَة وابذلوا فِي مصابرة الْعَدو مَا فِي وسعكم من الِاسْتِطَاعَة واحذروا ان تقدمُوا على ربكُم وَأَنْتُم لفرائضه مضيعون وَفِي أَدَاء أَمَانَته عنْدكُمْ مفرطونيا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا اماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ نقض العهود على الْكِرَام حرَام قوم عَلَيْهِم للوفاء ذمام فَإِذا لقوا صدقُوا الْعَدو وَكَيف لَهُم أصُول فِي اللِّقَاء كرام

стр. 188

وَلَهُم عُيُون لَا تنام عَن العدى من يطْلب الْأَعْدَاء كَيفَ ينَام أصلوا نفسهم نفيرا لملتقى وعَلى حِيَاض مِنْهُ حاموا شهروا الصوارم فِي الوغى من غمدها وبغيرها فَاتَ العدى ساموا شربوا وأسقوا كأس حتف جردت لَهُم الْعَدو فلاح مِنْهُ عِظَام حام الْعَدو وحاد يَوْم لقائهم وهم غَدَاة الْمُلْتَقى مَا حاموا مَا زَالَ إِلَّا أَن دين عدوهم كفر وَدينهمْ هُوَ الْإِسْلَام قد أيقنوا ان الفناء مصير دنيا هم وَلَو دَامَت لَهُم مَا داموا من كل شهم ماجد صلى الوغى وَالْوَجْه أَبيض مَا علاهُ قتام ركبُوا رضى الْمولى وجنات العلى فأنالهم من فَضله مَا راموا مَا زَالَ يبْذل نَفسه فِي الذب عَن دين النَّبِي كَأَنَّهُ الضرغام حَتَّى سقى الأقوام كأس حمامهم وسقاه كأس حمامه الأقرام لقى الْحمام وَيَا سَعَادَة مُسلم يلقاه فِي ذَات الْإِلَه حمام نَالَ الشَّهَادَة والسعادة وانثنى وَالْعرض أَبيض مَا عَلَيْهِ ملام مَا كل من رام السَّعَادَة نالها إِن السَّعَادَة والشقاء أَقسَام سبق الْقَضَاء بِمَا هُوَ كَائِن طوى الْكتاب وجفت الأقلام اللَّهُمَّ بدوام غناك عَن كل شَيْء سواك ارْحَمْ دوَام افتقارنا إِلَيْك وَلَا تجْعَل استغاثتنا بِشَيْء دُونك وكما خلقتنا لعبادتك وفقنا لما خلقتنا وكما ضمنت لنا أرزاقنا فاجعلنا بضمانك واثقين وكما أنزلت علينا كتابك وَبعثت إِلَيْنَا رَسُولك فاجعلنا بكتابك عاملين ولرسولك متابعين ترى حَضَرنَا مَعَ من يحسن السماع قلينتقل عَمَّا هُوَ مُسْتَمر عَلَيْهِ من زمَان الرَّضَاع من سوء الْعَادة

стр. 189

وَفَسَاد الطباع وَأَدَاء من أهْدى إِلَيْهِ النصح قبله وَانْفَتح بِهِ حق الِانْتِفَاع هَل من أَخ وجد أطارحه مَا لم أزل لغفيه من بعدِي مَا زلت اكتم مَا بليت بِهِ حَتَّى عجزت فَقلت مَا عِنْدِي أَنا من مُلُوك كَانَ ملكهم يَعْلُو مُلُوك الصين والهند كَانَ الْعَدو يخَاف غائلتي ويفر من ظِلِّي على بعد فَقلت عَن تحصين مملكتي تبَاعد الْأُمَرَاء والجند فغزاني الْأَعْدَاء فانتزعوا مني الْبِلَاد وأخربوا مجدي أَمرنِي رَبِّي بِمَا فِيهِ إصْلَاح شأني ونهاني عَمَّا فِيهِ هواني وخسراني فعصيت رَبِّي وأطعت شيطاني فاحذروا ان يُصِيبكُم مَا أصابني ويدهاكم مَا دهاني كنت فِي قربهم بِكُل نعيم لَا أُبَالِي طوارق الْحدثَان فسقاني الْعَدو كأس اغترار لَيْتَني مت من قبل ان سقاني غرني باستمالة النَّفس للشهوة حَتَّى بحبها أغراني شدّ وسطي مِنْهُ بِحَبل غرور ثمَّ فِي حُفْرَة الردى دلاني والحسيب الرَّقِيب ينظر مَا أصنع حَيْثُ لَا أرَاهُ وَلَا يراني حِين مددت يَدي إِلَى شَهْوَة النَّفس الَّتِي قبل ذَاك عَنْهَا نهاني طَار تَاج الْملك الَّذِي كنت توجت وأخرجت من قُصُور الْجنان فاندبوا مصرعي ونوحوا عَلَيْهِ واحذروا بِأَن يدهاكم مَا دهاني

стр. 190

أَلا رجل كريم الطباع يعزم عَزمَة البطل الشجاع يوطن نَفسه على صَبر شناعة ويبذل فِي غسل عاره بِأخذ ثأر حميد الِاسْتِطَاعَة ويكف أَلْسِنَة الشامتين بِهِ عَن هَذِه الشناعة فَلَقَد سمع بمصيبتنا مَعَ عدونا سامع الْإِنْس وَالْجِنّ إِلَى قيام السَّاعَة وَهَذَا جَزَاء من سلك طَرِيق الْمعْصِيَة وتنكب طَرِيق الطَّاعَة يَا وَيْح من نزل الْعَدو بِهِ فَلم يملك نزاعه فأزاحه عَن ارضه حَتَّى لقد اخلى رباعه وسبى الْحَرِيم بعد ان بلغ الفضيحة مِنْهُ بَاعه من كل وَجه مصونة كالبدر قد هتكوا أقناعه أَيْن الحمية والأبية والشهامة والشجاعة كل قربَة تتقرب بهَا إِلَى رَبك هِيَ قلعة من قلاع دينك والعدو مُجْتَهد فِي كل وَقت وعَلى كل حَال فِي حِصَار قلاعك بِالرِّجَالِ والحبال فَكل طَاعَة يُفْسِدهَا عَلَيْك فَهِيَ حصن من حصون دينك انتزعه من بدنك وَأَنت من استيلائه على حصونك تَقول لَا بَأْس عَليّ مَا دمت آكل وأشرب وأجيء وأذهب وَهل الْبَأْس أَلا تكون هَارِبا من عَدوك من كل مهرب قد ضيق عَلَيْك كل مَذْهَب وكدر كل مشرب كلما ضربت مَعَه رَأْسا كَانَ عَلَيْك اظهر وَلَك أغلب شرقوا وغربوا مَا من الْمَوْت مهرب كَيفَ ينجو الْمَطْلُوب بالسير وَالله يطْلب وَيَمُوت تَحت السيوف كراما أَو تغلبُوا مالرأي بَقَاء غير أَن تستعدوا وتغضبوا إِن هَذَا الْفِرَار عَار وَله الرب يغْضب

стр. 191

فاثبتوا فِي صفوفكم فقبيح ان تهربوا كم جَدِيد قد أخلقوا كم مشيد قد أخربوا والعدو المخذول يَد نو إِلَيْنَا وَيقرب والسبابا غَدَتْ ينا ح عَلَيْهَا وَينْدب كم أَسِير لديهم وعَلى الْوَجْه يضْرب كَانَ بالْأَمْس سالبا فَهُوَ الْيَوْم يسلب لهف نفس على حرا ئر تسبى وتنهب يَا أسود الورى اغضبوا يَا جنود الوغى اركبوا واغسلوا الْعَار واطلبوا الثأر تعلوا وتغلبوا وأملوا الله إِن آمله لَا يخيب اللَّهُمَّ آونا إِلَيْك ودلنا عَلَيْك وَاجعَل راحتنا عِنْد لقائك ورغبتنا فِيمَا لديك وضاعف صلواتك على عَبدك وَرَسُولك مُحَمَّد وَآله وَسَائِر عِبَادك الصَّالِحين وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين

стр. 192

الْمجْلس الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أهل الْإِيمَان وَالْيَقِين والتقى عباد الله تأهبوا للعرض على الْملك الديَّان واستبغضبوا من هَذِه السّنة فَمَا أدْرك النَّار وَسنَان أَيهَا العَبْد الْعَاجِز الْفَقِير أطلب من بَاب الْغَنِيّ الْقَدِير تبتل لسؤاله وَتعرض لنواله فَلَو انالك قَطْرَة من بحار أفضاله لأصبحت مِمَّا لَا يخْطر خوف الْفقر على باله أَلا ناهض فِي خيله وَرِجَاله بعزمه لَيْث الغاب يَوْم نزاله لِحَرْب عَدو قد تملك أَرض بإذلاله وزاه بعد دلاله ألم تعلمُوا ان الْعَدو سباكم وأوثقكم فِي قده وحباله وَقد كنتموا فِي الْعِزّ وَالْمجد لنا جوَار كريم غَافِر بنواله فأخرجكم مِنْهَا الْعَدو بكيده وصرتم إِلَى انكاله ونكاله فضجوا إِلَى الْبر الرَّحِيم يمدكم بنصر على المخذول يَوْم قِتَاله وعوذوا من الشَّيْطَان بِاللَّه إِنَّه سميع عليم فارغبوا فِي سُؤَاله

стр. 193

بَاب أَيهَا العَبْد المقهور المضيم استعذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم وَلَا تنس فِي ابْتِدَاء كل امْر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَإِن أَنْت لم تَجِد لبركة اسْم الله أثرا ظَاهرا فِي جَمِيع الْأُمُور فَاعْلَم أَنَّك مقصر عِنْد التَّسْمِيَة فِي الْإِخْلَاص والحضور ذكر اسْم الله فِي ابْتِدَاء الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال أنسه من الوحشة وهداية من الضلال وحمده تَعَالَى فرض لَازم لكل أحد على كل حَال لِأَنَّهُ اهل أَن يحمد إِن ابتلى وَإِن عافى وَإِن منع وَإِن نَالَ عَم بفضله النِّسَاء وَالرِّجَال والكهول والأطفال ولطف فِي قدره وقضائه بِأَهْل أرضه وسمائه فَلم يخل من لطفه سافل وَلَا عَال يَا من لَا تمتد الْأَيْدِي بالرغبة وَالْمَسْأَلَة إِلَّا إِلَيْهِ يَا من لَا يعول فِي كشف شَدَائِد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا عَلَيْهِ يَا من كل الرغائب لَدَيْهِ والمواهب لَدَيْهِ لَيْسَ لضرنا سواك كاشف وَلَا على ضعفنا سواك عاطف الْمعَافى من عافيته فعافنا من مُوجبَات سخطك وعقابك وَالْمهْدِي من هديته فاهدنا سَبِيل الواصلين إِلَى جنابك بِروح الْإِيمَان بِاللَّه تحيا الْقُلُوب من موت غفلاتها وينور مِصْبَاح الْيَقِين مستضيء الْأَرْوَاح فِي ظلماتها وبالتداوي يداوي بدواء التَّقْوَى فتخلص النُّفُوس من آفاتها فَمَتَى أردْت أَن تعرف عناية الله بعباده الْمُؤمنِينَ بِمَاذَا انْعمْ الله على أهل التَّقْوَى وَالْيَقِين فَاتْلُ أَربع آيَات من سُورَة الْبَقَرَة لتعلم أَن خيرة خلق الله من جَمِيع الْعَالمين أهل الْإِيمَان وَالْيَقِين والتقى الَّذين ارْتَقَوْا من معارج النُّور كل مرتقى وحصلوا على النَّعيم وتخلصوا من طول الْبَقَاء فِي دَار الشَّقَاء

стр. 194

من خرج من دَار الْكفْر إِلَى دَار حَظِيرَة الْإِيمَان فقد أخرج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور لِأَن الْكَافِر جَاحد كاند وَالْمُؤمن معترف شكور والشاكر بالمزيد موعور والكاند على الْبَاب مطرود فطوبى لِلْمُؤمنِ وويل للكفور وماذا عَلَيْهِ لَو آمن بربه فَكيف وَقد ختم على سَمعه وَقَلبه من قوم لَهُم من قُلُوب بهَا لَا يفقهُونَ وَلَهُم آذان بهَا لَا يسمعُونَ إِن وعظوا بِمَا فِيهِ نفعهم لَا يَنْتَفِعُونَ وَإِن تركُوا بِسوء حَالهم فهم عَن غيهم لَا يرجعونإن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم ام لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ حَال بَينهم وَبَين الْإِيمَان سر الْقدر وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداهم أَجْمَعِينَ فَكيف يعْذر من مَا عذر بِالْعَدْلِ عذب رَبنَا من عذب وبالفضل غفر لمن غفر تفضل على قوم فوجههم إِلَى الْجنَّة وَعدل على قوم فَعدل بهم إِلَى سقر فَلَو اجْتهد اهل السَّمَاء وَالْأَرْض لم يقدروا نفعهم وَكَيف يعطيهم الْخلق وَقد حكم الْخَالِق بمنعهم ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم إياك والنفاق فالمنافق لرَبه مخادع وَلَا تطمع فِي الْخَلَاص بِغَيْر إخلاص فالطمع سراب خَادع رُبمَا نفع الرِّيَاء فِي الدُّنْيَا وَلكنه فِي الْآخِرَة ضار لَا نَافِع أهل الْإِخْلَاص على طَرِيق من سلكها فقد اهْتَدَى وَأهل الضلال قوم لَا يرجعُونَ عَن الضلال إِلَى الْهدى لَا يحذرون مصَارِع السوء وَلَا يخَافُونَ عواقب الردى لقد ضرب الله لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابه الْأَمْثَال وَلم يتركهم سدى فَأَما اهل الْحق فصبروا عَلَيْهِ وَأما اهل الْبَاطِل فطال عَلَيْهِم المدى لأولي الْأَبْصَار تضرب الْأَمْثَال وَسَمَاع من لَا روح فِيهِ محَال

стр. 195

أَيْن ركب المخاطر فِي السرى لم تثنه عَن عزمه الْأَهْوَال الله مَوْلَانَا وَمَالك رزقنا مَا بالنا لرضاه لَا نحتال فِي حبه يحلو الْعَذَاب وتركب الأخطار والدمع المصون يزَال وَعَلِيهِ يسخى فِي النُّفُوس وتنفق الْأَعْمَار والأرواح وَالْأَمْوَال يَا سائلي عَن نبل عالي وَصله أصدق وَكَيف علمت كَيفَ تنَال وَأعْطى العواذل فِي هَوَاهُ فَلَيْسَ فِي شرع الغرام مُطَاوع العذال لما خلق الله الْخلق ادعوا محبته كلهم فأذاقهم من رَحمته شَيْئا من حظوظ النُّفُوس فَلم يثبت مَعَه مِنْهُم شَيْء إِلَّا قَلِيل واشتغل الْأَكْثَرُونَ بِالنعْمَةِ عَن الْمُنعم ثمَّ صب على البَاقِينَ الْبلَاء والمحنة فاشتغل الْأَكْثَرُونَ بالبلاء عَن المبلي ثمَّ امتحن الْبَقِيَّة الْبَاقِيَة بِالْعبَادَة الموصلة إِلَى الْوَاصِل فأقلهم من يمْضِي بذلك الْحَمد لَيْسَ بُد للمخلوق من ان يكون خَالق لِأَن الْعُبُودِيَّة لكل سوى الله وصف لَازم لَا يجد فِيهِ بدا فَمن كَانَ على عبَادَة الله عاكفا لم يَجعله الله لغيره عبدا وَلَا بِغَيْر بَابه وَاقِفًا وَمن تكبر عَن عبَادَة مَوْلَاهُ ابتلاه بِعبَادة سواهُ حَتَّى فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى كَانَ بِعبَادة غير الله مبتلا وَلِهَذَا قَالَ الملأمن قوم فِرْعَوْن أنذر مُوسَى وَقَومه ليفسدوا فِي الأَرْض ويذرك وآلهتك لما تكبر عَن عبَادَة الْحق وَادّعى أَنه إِلَه لجَمِيع الْخلق ابتلاه الله بِعبَادة الْأَصْنَام على وَجه الإهانة والإرغام

стр. 196

فاعبدوا الْخَالِق معتقكم عَن عبَادَة الْمَخْلُوق وابتغوا عِنْد الله الرزق فَكل من سواهُ من فَضله مَرْزُوق أَيهَا العَبْد إِن كنت بِرَبِّك مُؤمنا فتحقق بِالْإِيمَان بِاللَّه وَكن فِي عِبَادَته وَإِلَى عِبَادَته محسنا وتدبر أَمْثَال الْقُرْآن فقد ضرب الله للنَّاس فِيهِ من كل مثل إِنَّمَا فَائِدَة ضرب الْمثل ظُهُور مَا خَفِي من حسن أَو قَبِيح فِي وصف أَو عمل ضرب الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمثل بالحمار لعالم أقبل بِلِسَانِهِ على دراسة الْعُلُوم ثمَّ أعرض بِقَلْبِه عَنْهَا وبالكلبلعالم أَتَاهُ آيَاته فانسلخ مِنْهَا وبالحجارة لقساة الْقُلُوب وبالأنعام لمن همه فِي الْمَأْكُول والمشروب وبالعنكبوت فِي ضعف من اشْتَدَّ فِي عبَادَة الْمَخْلُوق مثله وبالذباب فِي عجز الْأَوْثَان عَن استنفاذ مَا سلبه بغيه أَو علق بِرجلِهِ لَو علم الْمَخْلُوق قدر نعْمَة الْخَالِق عَلَيْهِ لَو علم المرزوق بعض إِحْسَان الرازق إِلَيْهِ وَلَو لم يكن إِلَّا نطق لِسَانه وشفتيه وَسمع أُذُنَيْهِ وَنظر عَيْنَيْهِ وبطش يَدَيْهِ وسعي رجلَيْهِ إِذا يسْجد لله سَجْدَة شكر لم يرفع رَأسه مِنْهَا إِلَى يَوْم الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ فَكيف وانتم عَن ذكره وشكره غافلون بل أَكْثَرَكُم لأَمره مخالفون يدعوكم إِلَيْهِ وَأَنْتُم فارون ويأمركم أَن تؤمنوا بِهِ وَأَنْتُم فريق مِنْكُم برَبهمْ كافرون كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون غذاكم فِي ظلمات الأحشاء كَمَا يغذي الثَّمر فِي الأغصان ثمَّ أخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى ضوء الفضاء وسعة الأوطان ثمَّ وَعدكُم أَن ينقلكم من عتمة شقوة الدُّنْيَا إِلَى روح نعيم الْجنان كم أَنْتُم بلقائه لَا توقنون ولنعمته لَا تشكرون كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ

стр. 197

ترجعون كُنْتُم أَمْوَاتًا فِي أصلاب الْآبَاء فِي بطُون الْأُمَّهَات ثمَّ يميتكم بعد هَذَا الْمَمَات لجزاء يَوْم الْمِيقَات وَهُوَ لِلْمُتقين يَوْم الْعِيد الْأَعْظَم وَلكنه على عصاة حسرات ثمَّ يرجعكم إِلَيْهِ ويبيحكم النّظر إِلَى وَجه الْكَرِيم ويذيقكم من رَحمته لَعَلَّكُمْ تشكرون ويريكم آيَاته فَأَي آيَات الله تنكرون كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون نعم ترادف إثْرهَا نعم هَذَا هُوَ الإفصال وَالْإِكْرَام غمرت أياديه بريقه فأنار مِنْهَا الْعَرَب والعجم أَتَرَى سلكنا برحمته دَارا يَدُوم لأَهْلهَا النعم اللَّهُمَّ بلغنَا بِرَحْمَتك دَار كرامتك بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ

стр. 198

الْمجْلس الثَّالِث وَالْعشْرُونَ تَفْسِير سُورَة الْقدر الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض وَبِيَدِهِ النَّفْع والضر وَعِنْده مَفَاتِيح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر إِن أسررنا فهويعلم السِّرّ وَإِن جهرنا فَهُوَ يعلم الْجَهْر وَإِن استرزقنا فَهُوَ يبسط الرزق وَإِن استنصرنا فَهُوَ ينزل النَّصْر أرسل إِلَيْنَا رَسُولا جبر منا كل كسر وأغنى منا كل فقر وَأنزل علينا كتابا شرح منا بِهِ كل صدر وَرفع بِهِ منا كل قدر شرع لنا فِيهِ حج الْبَيْت الْحَرَام وَصِيَام شهر الصَّبْر فسبحان من خص من شَاءَ من خلقه بِمَا شَاءَ من فَضله لَا يُعَارض معَارض فِي حكمه وَلَا يسْأَله سَائل عَن فعله جَمِيع الْعَالمين بتسخيره مذللون ولتقديره مسخرون لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون كَيفَ السَّبِيل إِلَى سَعَادَة من حكم الْقَضَاء بِأَنَّهُ يشقى من كَانَت الأقدار تهبطه هَيْهَات يطْمع أَنه يرقى كَيفَ الْبَقَاء وَقد جرى قلم فِي اللَّوْح أَن الْخلق لَا يبْقى

стр. 199

كل الَّذِي سبق الْقَضَاء بِهِ حتم الْوُقُوع وكائن حَقًا فاصبر لحكم الله وَارْضَ بِهِ مَا قد قضى لَا بُد أَن يلقى بَاب تبَارك الَّذِي جرت بالسوابق أقلامه وَمَضَت فِي الْخَلَائق أَحْكَامه وأوضح طَرِيق الْخَيْر وَالشَّر أمره وَنَهْيه وَحَلَاله وَحَرَامه أَحْمَده حمدا يتَّصل بِهِ أحنانه وَيتم بِهِ إنعامه وأشكره شكرا يفوق دوَام السَّمَوَات وَالْأَرْض روامه وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة لَو باشرت الْقلب انجلى واستنار ظلامه وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي أكمل الله ببعثه دين الْإِسْلَام وَأتم بشرعه معالم الْحَلَال وَالْحرَام فاستمر للدّين كَمَاله وَاسْتقر من الشَّرْع تَمَامه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه صَلَاة بَاقِيَة بِبَقَاء الدَّهْر وَبَعْدَمَا تفنى لياليه وأيامه خُصُوصا على خَلِيفَته الإِمَام أبي بكر الصّديق الَّذِي رجح مَوَازِين الْأمة مِيزَانه وَسبق إسْلَامهمْ إِسْلَامه وعَلى فاروقه الإِمَام عمر بن الْخطاب الَّذِي مَا زَالَت أَيَّام الْإِسْلَام بِهِ زاهرة وَشَرَائِع الدّين ظَاهِرَة إِلَى أَن فجعنا بِهِ حمامه وعَلى ذِي النورين عُثْمَان بن عَفَّان الَّذِي كتب الْقُرْآن وأرسله إِلَى أَمْصَار الْإِسْلَام فَلَا تصح الصَّلَاة إِلَّا بِمَا احتوى عَلَيْهِ إِمَامه وعَلى أبي السبطين الإِمَام عَليّ بن ابي طَالب الَّذِي افحم الْقَائِلين كَلَامه وَهزمَ الضَّالّين إقدامه وعَلى سَائِر الْآل وَالْأَصْحَاب وَمن اتبعهم بِإِحْسَان على منهاج السّنة وَالْكتاب حَتَّى لَا يبْقى احدمن حزب الله إِلَى يَوْم المآب إِلَّا تغمده من الْعَزِيز الْوَهَّاب صلَاته وتشريفه وإكرامه

стр. 200

اللَّهُمَّ واهد الثَّوَاب مَا نتلوه من كتابك الْعَزِيز إِلَى أمواتنا وأموات الْمُسلمين اللَّهُمَّ نور بِالْقُرْآنِ ظلماتهم وضاعف بِثَوَاب الْقُرْآن حسناتهم وارحمنا فِيمَا بَقِي من اعمارنا وَإِذا صرنا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ أكْرم لنا نزلنَا يَوْم الْقدوم عَلَيْك يَا اكرم من تقدم الْوُفُود عَلَيْهِ افْعَل اللَّهُمَّ مَا سألناك من الْخَيْر بِنَا وبسائر الْمُسلمين واحشرنا وإياهم فِي زمرة الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ هَذَا مجْلِس عقدته قدرَة الْعَزِيز الرَّحِيم لله علينا باجتماعنا فِيهِ خيرا كثيرا وَفضل عَظِيم لِأَنَّهُ مجْلِس عقد لذكر الله وَذكر الْآيَة لم يحضرهُ إِن شَاءَ الله إِلَّا من هُوَ ولي الله أَو محب لأوليائه فاجعلوا شكر نعْمَة الله عَلَيْكُم فَمَا يهديه من الْهدى فِي هَذَا الْمجْلس إِلَيْكُم أَن تحضروا بالقلوب كَمَا انتم بالأبدان حاضرون وتكونوا عاملين بِمَا أَنْتُم لَهُ سامعون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين قَالُوا سمعنَا وهم لَا يسمعُونَ تَفْسِير سُورَة الْقدر نستنزل رَحْمَة الْجَلِيل بتفسير شَيْء من التَّنْزِيل أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرجيمبسم الله الرَّحْمَن الرحيمإنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَة الْقدر لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم من كل أَمر سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ نزل الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة فِي لَيْلَة الْقدر إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ثمَّ كَانَ الله ينزله على رَسُوله نجوما بعضه فِي إِثْر بعض

стр. 201

فَذَلِك قَوْله فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم وَقيل بل كَانَ فِي كل سنة يستنسخ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فِي لَيْلَة الْقدر مَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْأمة فِي تِلْكَ السّنة فيكتبه السفرة فِي هَذِه اللَّيْلَة كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهَا يفرق كل امْر حَكِيم وَإِنَّمَا سميت هَذِه اللَّيْلَة لَيْلَة الْقدر لِأَن الله تَعَالَى يقدر فِيهَا امْر السّنة إِلَى السّنة الْأُخْرَى أَحْكَام بِلَاده وعباده وَكَذَلِكَ عظم الله اجرها بقوله وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَة الْقدر تعجيبا لنَبيه ﷺ من جلال قدرهَا ثمَّ نبه على شرفها وفضلها فَقَالَ لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر قَالَ مُجَاهِد قِيَامهَا وَالْعَمَل فِيهَا خير من قيام ألف شهر ثمَّ قَالَ تَعَالَى تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فيهاالروح هُوَ جِبْرِيل ﵇ يهْبط جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة إِلَى أَرض الْقدر بِإِذن رَبهم أَي بأَمْره ينزلون كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمَلَائِكَة وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك قَوْله من كل أَمر أَي ينزلون بِكُل أَمر من الْخَيْر وَالْبركَة لصوم شهر رَمَضَان وَفِي قَوْله سَلام هيأمران أَحدهمَا انها لَيْلَة سليمَة من كل آفَة وعاهة وبلاء وفتنة حَتَّى مطلع الْفجْر أَي إِلَى مطلع فجرها الثَّانِي ان الْمَلَائِكَة إِذا مروا بِمُؤْمِن أَو مُؤمنَة فِي الصَّلَاة سلمُوا عَلَيْهِ من ربه يَقُولُونَ سَلام عَلَيْك يَا مُؤمن تصيب كَذَا وَكَذَا من الْخَيْر يخبرونه بِمَا سيلقى فِي سنته حَتَّى يقولواله وَأَنت متزوج فُلَانَة وَلَا يسلمُونَ على مدمن خمر وَلَا سَاحر وَلَا كَاهِن وَلَا مصر على الزِّنَا

стр. 202

فطوبى لعبد وفْق لموجبات الرَّحْمَة ورزق عزائم الغفران واستمرعلى فعل الْخَيْر إِلَى حِين الخاتمة ومفارقة الشَّيْطَان الْيَوْم سوق الْآخِرَة كاسر وسوق الاخرة كاسد وسوق الدُّنْيَا فِي نفاق فَلهَذَا عمل الدُّنْيَا علينا سهل وَعمل الآخر شاق فَإِذا تجلى من امْر الْآخِرَة مَا هُوَ الْيَوْم مَسْتُور عَن الْخَلَائق تمنيا أَن أَيَّام الْحَيَاة كَانَت كلهَا صياما وقياما وودنا لم يُعْط من الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَانَ لَا بُد أَن يكون قواما فاستهينوا الْيَوْم بركوب الْأَهْوَال فِي الْحُصُول على الْوُصُول إِلَى إِحْرَاز الْوِصَال قبل أَن يفرط الْأَمر ويزجر الْبَحْر وَيخرب الْقصر ويعمر الْقَبْر ويكاد الْمقَام أَن يكون على جَمْرَة وحسرة أحر من الْجَمْرَة ويسكر سكر ندامة لَا سكر خمرة لهف عمري على انْقِضَاء الْعُمر فِي ذنُوب أنقض الْوزر ظَهْري اسْتهلّ الشَّهْر الشريف فيمضي من حَياتِي وَمَا انتفعت بشهري أَيهَا الْحَائِز الْوِصَال هنيا أَنا مَا ذقت غير طعم الهجر مَا مرادي إِلَّا وصال حَبِيبِي لَيْلَة الْوَصْل مِنْهُ لَيْلَة قدر من سفيري إِلَيْهِ فِي كشف ضري من شفيعي إِلَيْهِ فِي جبر كسري لذذ السّمع يَا سميري بِذكر اسْم حَبِيبِي فَذكره روح سري قل وَخذ مهجتي جَزَاك مني بِسم الله يجلو هموم قلبِي قاسمه راحتي وروحي وأنسي فِي حَياتِي وَفِي مماتي ونشري اسْم الحبيب الأول اسْم من لَيْسَ غَيره يعول كل مَا نَحن فِيهِ من بعض مَا خول مَا سلا عَن حبه إِلَّا حبه إِلَّا من قد استحوذ الشَّيْطَان على قلبه

стр. 203

يَا من عَلَيْهِ فِي الخطوب معول وَبِه إِلَيْهِ تشفعي وتوسلي عذلوا عَلَيْك وَفِي الْفُؤَاد صبار يلهى المسامع عَن كَلَام العذل قَالُوا هواة قَاتل فأجبتهم لَا رَأْي لي فِي الْحبّ إِن لم أقتل يَا من يحب سوى الْجواد لمحسن الْبر الرَّحِيم الْمُنعم المتفضل فَقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى مَا الْحبّ إِلَّا للحبيب الأول أما الْقُلُوب فموقوفة عَلَيْهِ وَأما الْأَرْوَاح فمرتاحة إِلَيْهِ وأوصلوا الصَّوْم عَمَّا سواهُ لتحرزوا مِنْهُ الْوِصَال وَلَا ترى لَيْلَة أَلا لَيْلَة الإنتقال لَا يزَال ولي الله من صَوْمه عَمَّا ألهى عَن الله موثقًا فِي الْقُيُود فَإِذا مَاتَ اسْتهلّ هِلَال الْعِيد واستطلع طالع السُّعُود مَا العَبْد عِنْدِي سوى وصال لوفيتي روعة الصدود إِن نلْت مِمَّن أحب وصلا فَذَلِك الْيَوْم يَوْم عيدي الصائمون ثَلَاثَة والمعيدون ثَلَاثَة صَائِم عَن المفطرات المتناولة للبطون والفروج ومعيد إِذا أذن شهر صِيَامه بِالْخرُوجِ وصائم عَن الْمُحرمَات المحظورة فِي الْكتاب وَالسّنة ومعيد إِن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة وصائم عَن كل مَا ألهاه عَن مَوْلَاهُ ومعيد إِذا قدم عَلَيْهِ تَلقاهُ بِرِضَاهُ وتجلا لَهُ حَتَّى يرَاهُ

стр. 204

فَصم هَذَا الْيَوْم بِهَذِهِ النِّيَّة فَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نَوَاه صمت دهري عَن كل شَيْء سواكم وَجعلت التعييد يَوْم أَرَاكُم لَيْسَ سؤلي سوى رضاكم فمنوا يَا احبتي برضاكم لَا نعيم إِلَّا نعيم هواكم كَمَا لَا عَذَاب إِلَّا عَذَاب قلاكم أَنا مستشفع إِلَيْكُم بذلي وخضوعي لعزكم وغلاكم بكم وَقد حَلَفت لَا زلت فِي السّير مجدا حَتَّى أحل حماكم وَلَو أَنِّي أَطَعْت أغمضت عَيْني عَن جَمِيع الْوُجُود حَتَّى تراكم إِن أنل وصلكم بِالْفَضْلِ مِنْكُم أَو أمت فِي هواكم فداكم من كَانَ فِي الله مماته كَانَ بِاللَّه حَيَاته وَمن كَانَ فِي الله هَلَاكه كَانَ الله نجاته فوجهوا الْوُجُوه إِلَيْهِ واذبحوا النُّفُوس عَلَيْهِ وَلَا تؤملوا رَاحَة دون لِقَائِه وَلَا تمدوا أَيْدِيكُم إِلَى غير عطائه فَكل من لَا يجْبرهُ الله فَهُوَ كسير وكل من لَا يُغْنِيه الله فَهُوَ فَقير لَا تنَال الْفضل إِلَّا من جود من كل الورى من فضل جوده سَائل إِلَى نداه فَقير كم لَهُ من عُتَقَاء صاروامن مُلُوك الْآخِرَة بَعْدَمَا كَانَ فِي قَبْضَة السعير السَّيِّد أَسِير يَا فقر من لم يحصل على الْغنى فَضله ذَاك الَّذِي مَاتَ عطشان وَهُوَ وسط غَدِير اطْلُبُوا حَيَاة الْقُلُوب من موت الذُّنُوب واحيوا مَا بَقِي من لياليكم فِي خدمَة علام الغيوب واغتنموا عمرا بَاقِيه لَا يبْقى وماضيه لَا يؤوب يَا من قد شَاب

стр. 205

وَهُوَ بِالذنُوبِ مشوب يَا غيبَة احتوت على كل غيوب بَادر فالشمس قد تدلت للغروب والعمر كالثلج كلما جَاءَت يذوب غرس الله كَرَامَة أوليائه ثمَّ ختم عَلَيْهَا فَلَا أذن سَمِعت بهَا وَلَا عين نظرت إِلَيْهَا فَإِذا كَانَ يَوْم الْجَزَاء فضت تِلْكَ الختوم وَظهر السِّرّ المكتوم فندم أهل التَّقْصِير حِين لَا ينفع النَّدَم ونادى مُنَادِي الْكَرم سَيعْلَمُ اهل الْجمع الْيَوْم من أولى بِالْكَرمِ إِنَّهُم المتقون وَمَا أَدْرَاك مَا هم هم الَّذين تركُوا فِي مرضاة الله مشتهاهم وخالفوافي مُوَافقَة الْحق هواهم فَلَو قيل لَهُم تمنوا لَكَانَ الْقرب مُنَاهُمْ وَلَو قيل لَهُم ترقوا لَكَانَ إِلَى الحضرة مرتقاهم أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم وأرضاهم لِأَنَّهُ لم يفقدهم حَيْثُ أَمرهم وَلم يرهم حَيْثُ نَهَاهُم جعلنَا الله مِنْهُم وحشرنا فِي زمرتهم وبلغنا مُنَاهُمْ

стр. 206

الْمجْلس الرَّابِع وَالْعشْرُونَ طلب الْوِصَال الْحَمد لله المستمر الدَّوَام والبقاء وَهُوَ اهل الْحَمد وَالشُّكْر والمدح وَالثنَاء هُوَ الرب الْوَاحِد وكل من سواهُ مربوب لَيْسَ لعاقل من دونه معبود وَلَا لعارف غَيره مَحْبُوب خلق الْخلق ليربحوا عَلَيْهِ ثمَّ شرع لَهُم مَا يقربهُمْ بِهِ إِلَيْهِ ويحظيهم بِهِ لَدَيْهِ فَالصَّلَاة نورهم وَالصَّوْم طهورهم فَمن أَقَامَ الصَّلَاة وادام الصّيام فقد حصل لَهُ بربه الِاتِّصَال وَتمّ عَلَيْهِ مِنْهُ الإنعام وَمن لَا صَلَاة لَهُ صَلَاة لَهُ وَلَا صِيَام فَهُوَ أضلّ سَبِيلا من بَهِيمَة الْأَنْعَام نصبت لَهُ مَوَائِد الْكَرم فَلم يجلس مَعَ الْكِرَام الَّذين أخمصوا بطونهم من فضول الطَّعَام وأصمتوا ألسنتهم عَن لاغيات الْكَلَام وفرغوا قُلُوبهم للمناجاة فِي جنح الظلام فارتقوا إِلَى ذرْوَة الرزق وَسقط غَيرهم فِي مهول الْحَرَام مسني الضّر من ركُوب ذنو ب أثقلتني بالوزر والآثام كم زمَان مُعظم فِيهِ ترجى تَوْبَة من ركُوب ذَنْب حرَام ثمَّ يمْضِي يومي وشهري وعامي وسقامي كَمَا عهِدت سقامي خَادِم الله لَا يمل من الْخدمَة حَتَّى يسقى بكأس الحمامي

стр. 207

يَا من افرح لَهُم الهجر قلبه قُم إِلَى طلب الْوِصَال وَيَا من قد أثقل الأوزار طهره اطرَح عَنْك هَذِه الأثقال رَاجع الْمَعْهُود وراع العهود واغسل بحلاوة الْوَصْل مرَارَة الصدود أقبل الْوَصْل حِين ولى الصدود فربيع الفراح غض جَدِيد ورواق الإقبال والعز والبهجة والأنس فوقتنا مَمْدُود وقميص الهجران والصد ة الْإِعْرَاض والبين والقلى مقدود قُم فقد أنْجز لَك يَا مِسْكين من تَحت تِلْكَ الوعود كَاد عود الْوِصَال ينسى فَعَاد ألما فِيهِ وأخضر ذَاك الْعود وَانْقَضَت دولة الشَّقَاء والحزن واوفى سرورنا السُّعُود إِن توفّي الأيادي وَتُوفِّي بوعود الْبُشْرَى وترعى العهود إحذر الطَّرْد بعد ذَا الصُّلْح مَا فِي كل وَقت يُصَالح المطرود تب إِلَى الله من ذنوبك فِي وقتك هَذَا فالوقت وَقت سعيد لَا تعد الذُّنُوب فالنكس فِي الإسقام بعد الْإِبْرَاء مِنْهَا شَدِيد هَذَا وَقت تَوْبَة المصرين وتشمير المعصرين وإقبال المعرضين وانتباه الغافلين فأذيبوا شحوم الشِّبَع بِنَار الْجُوع واتشحوا بِمَشَقَّة السهر رَاحَة الهجوع وقللوا حُضُور الأشواق اللعينة واعتزلوا الشواغل الملهية وأشركوا صلحاء الْفُقَرَاء فِي طَعَامكُمْ وضموا الأرامل والأياتم إِلَى عيالكم وأطيبوا المطاعم

стр. 208

وصونوا الْجَوَارِح ونزهوا النُّفُوس وطهروا الْقُلُوب والزموا الطَّاعَة وعانقوا القناعة وأديموا الْعِبَادَة وَأَكْثرُوا الذّكر وأقلوا اللَّغْو وأنزلوا أَنفسكُم بَقِيَّة الْعُمر بِمَنْزِلَة مَرِيض بحمى أَيَّامًا قَليلَة رجا عَافِيَة الدَّهْر أَو بِمَنْزِلَة كسير يحْتَمل مشقة الرِّبَاط ليحصل لَهُ الْجَبْر قد اطلتم صدي وطردي وهجري فَمَتَى تجبرون بالوصل كسري مسني الضّر مذ هجرتم وَمَالِي غَيْركُمْ من أرجوه يكْشف ضري كم بعاد وجفوة وصدود قد فنى فِي البعاد والهجر بعدِي طَال عَنْكُم بالبعد صومي فَمَتَى تغرب شمس النؤى ويحضر قطري يَوْم عيدي إِذا انْقَضى الهجر عني أماليلة الْوَصْل فَهِيَ لَيْلَة قدري آه واقبح تفريطي فِي سا عتي ويومي وعامي وشهري من مجيري من الذُّنُوب فقد ألبس وَجْهي شَيْئا وانقض ظَهْري كلما تبت قد نقضت فَمَا أخوفني أَن ازور قَبْرِي بوزري عِنْد رب الْخَيْر الْكثير وَلَكِنِّي حرمت الْخَيْر لشري رب جد لي برحمة تغسل الْعَار وتمحو وزري وَتصْلح امري من عرف الله بِالرَّحْمَةِ رجاه وَمن عرفه بالانتقام فَحق لَهُ أَن يخشاه وَمن عرفه بِمَا هُوَ اهله من كَمَال الْجمال انْشَرَحَ برحيق هَوَاهُ عَن رجائه وخوفه حَتَّى يلقاه أَصوم لوجهه عَمَّا سواهُ فَلَا إفطار لي حَتَّى أرَاهُ وأحمي منية الدَّاريْنِ قلبِي فَمَالِي فِيهِ إِلَّا رِضَاهُ

стр. 209

وكل هوى يمِيل إِلَيْهِ صب عَليّ محرم إِلَّا هَوَاهُ أوالي من يواليه بجهدي وَلست بخاضع لسوى علاهُ وَلست بطالب لسوى يَدَيْهِ وَلست بخاضع لسوى علاهُ أَرْجَى الْقرب مِنْهُ وَهُوَ معط يبلغ كل ذِي امل مناه الْأَوْقَات الشراف مواسم الْأَشْرَاف يعْرفُونَ لَهَا جلال قدرهَا ويرغبون إِلَى الله فِي عَظِيم تزيد الْعَامِل نشاطا فِي الْعَمَل وَتطلق العاطل من عقال الكسل فأقيموا فِي هَذِه الْأَوْقَات الْمُبَارَكَة دين الله حق الْإِقَامَة وَلَا تهتموا بتحصيل الْغَنِيمَة إِلَّا بعد إِحْرَاز السَّلامَة فَإِن فَاعل الْخَيْر غَانِم وتارك الشَّرّ سَالم والعاقل هُوَ الَّذِي تهمه سَلَامَته من المعاطب قبل أَن يهمه تَحْصِيل المكاسب فَردُّوا الْمَظَالِم إِلَى المظلومين قبل أَن تتصدقوا على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَاجْعَلُوا عنايتكم بأوامر المفروضات والواجبات مُقَدّمَة على التَّطَوُّع بالنوافل والمستحبات وصونوا بطونكم عَن المكوس والغضوب قبل ان تصونوها عَن الْمَأْكُول والمشروب وامسكوا أَلْسِنَتكُم عَن الْكَلَام الْقَبِيح وأطلقوا بالتهليل وَالتَّسْبِيح فَإِنَّمَا ينْتَفع الْمَرِيض بِشرب الدَّوَاء بعد حمية من أَسبَاب الدَّاء فَأَما أهل التَّخْلِيط على نُفُوسهم فِي أَمر أبدانهم وأديانهم فهيهات أَن يقوم ربحهم بخسرانهم أسس الدّين بالتقا يرتقي كل مرتقى إِنَّمَا ينفع الدَّوَاء إِذا صَادف التقا كلما قلت قد مضى زمن الصَّبْر والشقا عدت فِي سجل سوء حَالي بِالْيَدِ موثقًا مذ غلبت عَن مقلتي دمعها قَطْرَة ارقا ارحموا مدنفا يذوب عَلَيْكُم تشوقا

стр. 210

صَوْمه مده الفاق اتى سَاعَة اللِّقَاء عيده يَوْم يصبح الْعود بالوصل مورقا العَاصِي لَا يزْدَاد بطول الْحَيَاة إِلَّا مقتا وطردا وكل صَلَاة لَا تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر لَا تزيد العَبْد من الله إِلَّا بعدا مَا عدل من خلقه الله ورزقه ثمَّ صَار لغير خالقه ورازقه عبدا يُوجب بمخالفته مقتا ويطمع أَن ينَال ودا أطلع الْغَيْب أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا أكذب الرَّجَاء رَجَاء أهل الْإِسَاءَة وأسوأ الْجَزَاء جَزَاء اهل الْمعْصِيَة وامقت الْخلق إِلَى الله عبد مسيء فِي عمله معجب بِنَفسِهِ من صَامَ وَأفْطر على الْحَرَام فَلَا صَامَ وَلَا افطر وَمن حج بِنَفَقَة من حرَام لم ينظر الله إِلَيْهِ وَلَا إِلَى حجه اجْتهد أَن تتوب قبل ان تَمُوت فَمَا أعْسر خلاص من لَقِي الله مصرا على ذَنبه إِذا لم يَتَيَسَّر لَك ترك جَمِيع الذُّنُوب فاترك الْكَبَائِر والمظالم فَإِن الصَّلَاة وَالصِّيَام والإستغفار تكفر مَا سوى ذَلِك من المأثم إِذا عاملت رَبك بأمرين كَفاك مَا سواهُمَا الاسلام وَالتَّوْبَة فَإِن أضفت إِلَيْهِمَا التَّمَسُّك بِالسنةِ فَأَنت من مُلُوك الْجنَّة فَإِن رزقت مَعَ ذَلِك الذّكر الْكثير الْخَالِص فَأَنت من مُلُوك أهل الحضرة نافسوا فِي اقتناء النفائس فَإِنَّمَا يجني أحدكُم مَا هُوَ الْيَوْم غارس كم من فَارس الْيَوْم وَهُوَ غَدا راحل وَكم من راحل الْيَوْم وَهُوَ غَدا فَارس

стр. 211

لَا إِلَه إِلَّا الله شَارِع الشَّرْع بِحِكْمَتِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مجازي العاملين بجنته لَا إِلَه إِلَّا الله مُخَصص العارفين بِحَضْرَتِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله غامر الْخلق برحمته الَّذين أسهروا لَهُ الْعُيُون واخمصوا لَهُ الْبُطُون فهم طول دهرهم عَمَّا سواهُ صائمون وَفِي مَسْجِد الْخلْوَة عَلَيْهِ عاكفون جعلُوا مُدَّة الْحَيَاة صومهم ليَكُون الْمَوْت عيدهم وقنعوا أَيَّام العاجلة بالخلق ليلبسوا فِي الْآخِرَة جديدهم فَلَمَّا أنجزوا لله من أنفسهم وَعوده أنْجز لَهُم من نَفسه وَعوده فآوى طريدهم وَأدنى بعيدهم وعوضهم من شقائهم سعوده أَنهم قد جعلُوا أنفسهم عبيده فَجعل الْولدَان المخلدون عبيدهم من كَانَ لله عبدا فدَاك مَوْلَاهُ الموَالِي وَمن تولاه أضحى على الخليقة وَالِي ولي عَن الْكَوْن لما والى الجناب العالي يَا فوز عبد لَهُ الرب مكرم وموالي قد حل من قرب مَوْلَاهُ بساميات الْمَعَالِي ونال من طيب وصل الحبيب كل منالي مسربلا بسرابيل الْعِزّ والإقبال لَا يخْطر الْخَوْف من غير الله مِنْهُ ببالي يَا حسرتا ضَاعَ عمري فحال بِالْعَبدِ حَالي كم ذَا تشوف نَفسِي بِصَالح الْأَعْمَال وَإِلَى مَتى ارتجي بُلُوغ أَمر محالي لَا يبلغ الْمجد إِلَّا بالشد والترحال والزهد فِي دَار دنيا قد آذَنت بزوالي وَالصَّوْم حَتَّى يكون التعييد يَوْم وصالي جَمِيع الطَّاعَات والعبادات الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله المتقربون لَهَا شَرِيعَة يَرْوِيهَا الناقلون وَحَقِيقَة يفقهها العارفون وَلَا شَرِيعَة وَلَا حَقِيقَة إِلَّا وَهِي فِيمَا

стр. 212

جَاءَنَا بِهِ عَن الله المُرْسَلُونَ فَمن عمل بِالظَّاهِرِ الْمُعْتَاد واهمل الْبَاطِن المُرَاد فَلَيْسَ هُوَ من أَوْلِيَاء الْأَلْبَاب لِأَنَّهُ اشْتغل بالقشر عَن اللّبَاب رب قَائِم لَيْسَ من قِيَامه إِلَّا السهر والتعب وَرب صَائِم لَيْسَ لَهُ من صِيَامه إِلَّا الظمأوالتعب فَأمنُوا إِلَى ظَاهر الشَّرِيعَة بَاطِن الْحَقِيقَة واسلكوا مَعَ السالكين إِلَى الله أَحْمد الطَّرِيقَة وافطموا هَذِه النُّفُوس عَن سوء الرَّضَاع فَإِنَّمَا شرعت لكم الطَّاعَات انقلكم عَن ردي الطباع إِلَى مَتى أكلا وشربا ونوما فقد آن ان تذيبوا شحوم الرَّاحَة والشبع صَلَاة وصوما فَكل مَا انتم فِيهِ عَمَّا قَلِيل زائل وَلَو كَانَ دَائِما لَا يَزُول فَهُوَ بطائل وَلَا لَهُ حَاصِل أَيْن أَنْتُم عَن مخاوف الْبر الرَّحِيم فِي جنَّات النَّعيم أَيْن أَنْتُم من لَذَّة الْمُنَاجَاة إِذا أرْخى سدوله اللَّيْل البهيم يَا لَهَا لَذَّة مَا ذاقها إِلَّا ذُو فطن هضيم وقلب سليموما يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم عبادتان مؤكدتان فِي عبَادَة الْإِسْلَام إِحْدَاهمَا الصَّلَاة وَالْأُخْرَى الصّيام وَمن أدمن فعلهمَا غفرت لَهُ الْإِسَاءَة وَضمن لَهُ الْإِحْسَان وسلك فِي محجة الْإِيمَان إِلَى دَار الْإِيمَان إِنَّمَا كَانَ الصَّوْم وَالصَّلَاة موجبين لغفران الذُّنُوب لما فيهمَا من تَطْهِير النُّفُوس وَإِصْلَاح الْقُلُوب فالصوم يجلو عَن مرْآة الْبَاطِن وَالصَّلَاة يجلى فِيهَا مَا هُوَ من الشَّرّ كامن فيا خيبة المحجوبين مَاذَا فاتهم من الْمُشَاهدَة لأَنهم رَضوا أَن يبيتوا وبطونهم وملأى وعيونهم رَاقِدَة ليلهم أضغاث أَحْلَام ونهارهم لَغْو الْكَلَام وَكسب الحطام فهيهات أَن يَذُوقُوا من حلاوة مُنَاجَاة الله مَا ذاق أهل الصَّلَاة

стр. 213

وَالصِّيَام لَو ادمتم عَمَّا سواهُ الصياما وأطلتم جنح الظلام القياما واقمتم فِي الصَّلَاة لَهُ فطورا ركعا سجدا وطورا قيَاما لوجدتم لذاذة لم يذقها مستلذا إِلَّا الْمُلُوك الكراما حم على مَا حاموا عَلَيْهِ عَسى تكْتب مِمَّن على المكارم حاما دم على السّير مدنفا وصحيحا لم يصل غير من على السّير داما قُم على الْبَاب خاضعا وذليلا لم يلج غير من على الْبَاب راما أم ذَاك الْحمى المنيع تصير فِي خير لِلْمُتقين إِمَامًا صم عَن الغبائر إِنَّمَا ذاق طعم الْعِيد من غير الْأَحِبَّة صاما حام عَن ذَلِك الْمجد الأثيل فَلَا ماجد إِلَّا الَّذِي عَن الْمجد حاما لائمي كف كَيفَ أصفى وَفِي الْقلب من الوجد مَا يذود الملاما أَنا إِن هَمَمْت فِي هَوَاهُ فكم من ذِي حجي فِي هَوَاهُ هاما لَو درى المطرود مَا فَاتَهُ وَمن أَيْن للمطرود أَن يدْرِي لذرف دموع الأسف حَتَّى تظل على الخدود تجْرِي سرت الركاب إِلَى وصال الأحباب وركابه لَا تسري مَا شرى نَفسه ابْتِغَاء مرضاة الله وَمن النَّاس من يشرى عيل فِي حبك صبري وتحيرت بأَمْري أطلب الْوَصْل فَلَا أعْطى سوى صد وهجري مسني الضّر وَفِي قدره حَتَّى كشف ضري

стр. 214

لَيْلَة أنظر فِيهَا وَجهه لَيْلَة قدري جبروني بوصال طَال بالهجران كسْرَى اللَّهُمَّ اجبر كسرنا واكشف ضرنا يَا كريم يَا رَحِيم