← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6858

التذكرة في الوعظ

ابن الجوزي

Полный текст (214 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الْمُقدمَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل سُبْحَانَ الله مَا تعاقبت اللَّيَالِي والايام وَالْحَمْد لله عدد الشُّهُور والاعوام وَلَا اله الا الله الَّذِي لَا تتَصَوَّر عَظمته والاوهام وَالله اكبر ذُو الْجلَال والاكرام والعزة الَّتِي لاترام مدهر الدَّهْر مُدبر الامر ومقدر الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَالسّنة وَالنَّهَار والعالي فَوق كل شئ بالسلطان والقهر والجلال كل معبود دون الله بَاطِل وانه وَحده دون غَيره رب الاواخر والاوائل كَيفَ يكون غير الله معبود سواهُ وكل من تَحت عَرْشه يرجوه ويخشاه أليست الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات أليست السَّمَوَات والارض وَمَا فِيهَا بِحِكْمَتِهِ مدبرات أليست الْهلَال بتسخيره على اقطارها دائرات اليست الْعُقُول فِي فلوات تيه مَعْرفَته حائرات سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ مَا اعظم شانه سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ مَا ادوم سُلْطَانه

стр. 2

عبد تولاه الاه بِنَفسِهِ وسقاه من كاس الْمحبَّة مَا فِيهَا وَمن صفا مَعَ الله صافاه وَمن آوى الى الله اواه وَمن فوض امْرَهْ الى الله كَفاهُ وَمن بَاعَ نَفسه من الله اشْتَرَاهُ وَجعل ثمنه جنَّة وَرضَاهُ وعظ صَادِق وعهد سَابق وَمن اوفى بعهده من الله لَا يزَال العَبْد خَائفًا على نَفسه حَتَّى يدْخلهُ الله حماه وَمن اراد ان يعلم هَل هُوَ من اولياء الله فَلْينْظر كَيفَ ولاه لمن اولاه وعداوة لمن عَادَاهُ من سلك سَبِيل اهل السَّلامَة سلم وَمن لم يقبل مناصحة الناصحين نَدم لَا رزية كرزية من حرم الِاقْتِدَاء بشرائع الْمُسلمين لَا بلية كبلية من مَاتَ مصرا على مُخَالفَة رب الْعَالمين الْحَيَاة كلهَا فِي ادامة الذّكر والعافية كلهَا فِي مُوَافقَة الامر والنجاة من الْهَلَاك فِي ركُوب سفينة الْكتاب وَالسّنة والفوز فوز من زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة لَيْسَ الْمَيِّت من خرجت روحه من جَنْبَيْهِ وانما الْمَيِّت من لَا يفقه مَاذَا لرَبه من الْحُقُوق عَلَيْهِ الْكَرَامَة كَرَامَة التَّقْوَى والعز عز الطَّاعَة والانس انس الاحسان والوحشة وَحْشَة الاساءة وكل مُصِيبَة لَا يكون الله عَنْك فِيهَا معرضًا فَهِيَ نعْمَة الْغَفْلَة عَن الله مَا قدحنا شئ غَيره وَلَوْلَا الْجَهْل بعظمة الله مَا زغنا عَن امْرَهْ وَلَوْلَا الاغترار بِحكم الله مَا اصررنا على مَعْصِيَته وَلَوْلَا الْإِسَاءَة فِيمَا بَيْننَا وَبَين الله مَا استوحشنا من كِتَابه

стр. 3

كونُوا كَمَا امركم الله يكن لكم كَمَا وَعدكُم اجيبوا الله اذا دعَاكُمْ يجبكم اذا دعوتموه اعطوا الله مَا طلبه من طَاعَته يعطكم من رَحمته مَا طلبتموه مثل الْعِبَادَة بِغَيْر اخلاص مثل الحدقة بِلَا نَاظر تَسْمِيَة الله فِي ابْتِدَاء كل امْر نجاح ذَلِك الامر استهداء الله فِي كل مَسْلَك امان للسائر من الضلال ايها النَّاس من اكرم على الله مِنْكُم لَو اكرمتم انفسكم بالتقوى من اولى بِاللَّه مِنْكُم لَو احكمتم فِيمَا بَيْنكُم وَبَينه عقد الْوَلَاء من اقْربْ الى الله مِنْكُم لَو آثرتم الْقرب على النَّوَى لَو عرف الانسان قدر نَفسه مادساها بِمَعْصِيَة الله وَلَا دنس عرضه بِسوء ثَنَاء الْحفظَة عَلَيْهِ فِي حَضْرَة مَوْلَاهُ وَلَا يؤنس فِي وَحْشَة الْقَبْر الا الْعَمَل الصَّالح وَلَا يُطْفِئ لَهب النَّار إِلَّا نور الايمان وَلَا يثبت الْقدَم على الصِّرَاط إِلَّا الاسْتقَامَة فِي السلوك الرب خَالق وَالْعَبْد مَخْلُوق وَلَا نِسْبَة بَين الْخَالِق والمخلوق الا بِوَاسِطَة الارتباط عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ بكتابه الذى انزله عَلَيْهِ فاعملوا بِالْكتاب وتابعوا السّنة تتخلصوا من الْعَذَاب وتحصلوا على الْجنَّة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 4

الْمجْلس الأول نعم الله تستوجب شكره الْحَمد لله الَّذِي ايسر نعمه مَا يسْتَوْجب شكر الشَّاكِرِينَ وقطرة من بحار كرمه تعم جَمِيع الْعَالمين تملأ الْقُلُوب فَرحا بالموهبة الْيَسِيرَة من هباته وتحير الْقُلُوب دهشا بِالْآيَةِ اللطيفة من بَدَائِع آيَاته قتل ملك الارض كلهَا ببعوضة دخلت انفه وَأغْرقَ الَّذِي قَالَ انا ربكُم الْأَعْلَى بقطرة اوردته حتفه وَهل اغرق فِرْعَوْن من تيار ذَلِك المَاء الا قَطْرَة حَالَتْ بَينه وَبَين شم الْهَوَاء يجوع الْملك الْعَظِيم من مُلُوك الارض سَاعَة ثمَّ يلقى كسرة فتملأ قلبه سُرُورًا ويبتلي الاسد الضاري بذباب يسْقط على عينه فيظل فِي قَبضته اسيرا ويسلط الْحَيَّة الصَّغِيرَة على الْفِيل الْعَظِيم فيخر منجدلا عقيرا

стр. 5

وَمَا كَانَ الله ليعجزه من شئ فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض إِنَّه كَانَ عليما قَدِيرًا اذا اكتنفتك عِظَام الْأُمُور وَلم تَرَ مِنْهَا عَلَيْهَا مجيرا وصيرك الْهم فِي قَبْضَة من النايبات اسيرا حسيرا هُنَالك فارج الْكَرِيم الَّذِي يصير كل عسير يسيراعليا كَبِيرا عليما قديرالطيفا خَبِيرا سميعا بصيراهو المنشئ الْخلق من قَبضته فعبدا شكُورًا وعبدا كفورا وعبدا سعيدا وعبدا غَنِيا وعبدا شقيا وعبدا فَقِيرا لَهُ الْفضل وَالْعدْل فِي حكمه فطورا حبورا وطورا ثبورا لَوْلَا الْخَالِق لم يكن الْمَخْلُوق شَيْئا مَذْكُورا وَلَوْلَا الرازق لم يملك المرزوق فتيلا وَلَا نقيرا كم من نعْمَة قد انْعمْ الله بهَا علينا وَكم من حَسَنَة قد سَاقهَا الله الينا عَافَانَا فِي ادياننا من الْكفْر وَفِي ابداننا من الضّر واخرجنا من اصلاب آبَائِنَا مُسلمين وأنشأنا بَين اخوان مُؤمنين وَجعل لساننا الَّذِي نتكلم بِهِ من افصح الْأَلْسِنَة لهجة وطريقنا الَّذِي نسلك بِهِ اليه من اوضح الطّرق محجة

стр. 6

فَبِأَي شكر نقابل نعْمَة علينا وَبِأَيِّ جَزَاء نكافيء احسانه الينا سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ مَا قَامَ اُحْدُ من خلقه بِحَقِيقَة شكره وَلَا اثنى عَلَيْهِ مثن من عباده كَمَا اثنى هُوَ نَفسه وَلَا قدره مَخْلُوق حق قدره لَان ذَلِك كُله مَوْقُوف على الْمعرفَة بِهِ وَهِي بَحر مَا بلغ اُحْدُ الى قَعْره سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ مَا اسبغ انعمه واعدل احكامه لَو اننا شكرنا كَمَا فِي وسعنا لأوسعنا مزيدا وَلَو اتخذناه كَمَا يَنْبَغِي لَهُ رَبًّا لأصطفانا لنَفسِهِ عبيدا وَلَكنَّا لكشافه الْحجاب وقفنا مَعَ الْأَسْبَاب كم مُدع للتوحيد وَهُوَ مُشْرك بربه وَكم قَائِل انا عبد الله وَهُوَ عبد بَطْنه يَعْصِي ربه فِي اطاعة نَفسه وَيبِيع رضوَان الله بِرِضا مَخْلُوق مثله كم بَين مُتبع للهوى هوى نَفسه قد اتَّخذهُ الهه هَوَاهُ وَبَين ممتثل امْر ربه يشرى نَفسه ابْتِغَاء مرضاة الله اما يستحي الْمُدَّعِي لمحبة الْخَالِق ان يكون محبا لمخلوق احسن مِنْهُ فِي مُعَاملَة الحبيب ادبا وَأَصَح مِنْهُ فِي دَعْوَى الْمحبَّة نسبا رؤى مَجْنُون ليلى بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي وَقَالَ لي اذْهَبْ فقد جعلتك حجَّة على كل من ادّعى محبتي اهلونا لوصلهم ثمَّ صدوا ليروا صَبرنَا فَمَا ان صَبرنَا ثمَّ جاؤوا بِالْقربِ بعد بعاد ليروا شكرنا فَمَا ان شكرنا عذرونا فِي كل شئ سوى السلو عَنْهُم فاننا مَا عذرنا

стр. 7

لَو عرفنَا حبيبنا مَا سلونا وَلَكِن قدره مَا قَدرنَا لَو سعدنا بوصله مَا شقينا لَو غنينا بفضله مَا افتقرنا لَو روينَا من حبه مَا ظمئنا لَو سلكنا فِي طَرِيقه مَا عثرنا هُوَ نعم الحبيب لكننا بئيس المجبون لم نطع اذا امرنا شعره من حنان مَا قربنا لَيْلَة فِي مرضاته مَا سمرنا لَو ذكرنَا مَا كَانَ مِنْهُ وَمنا لخزينا لكننا مَا ذكرنَا الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَطلب الاخرة يَنْبَغِي للْعَبد الْمُؤمن بربه اذا نظر الى زهرَة الدُّنْيَا فدعته الى نَفسهَا برونقها البهيج ان يَقُول لَهَا بِلِسَان الْحَال اليك عني يَا سريعة الزَّوَال انما تصلحين للتشويق الى دَار لَيْسَ لساكنها عَنْهَا انْتِقَال انت خزف فان وَتلك جَوْهَر بَاقٍ فلتفرق بَين الدَّاريْنِ عقول الرِّجَال خل عَن منزل الزَّوَال والفناء ويمم نَحْو الجناب العالي منزل الْكَرَامَة والانس والب ر ونيل المنى ونيل النوال تِلْكَ وَالله دَار قوم شروها بنفيس النُّفُوس والاموال حِين زفت اليهم خطوبها ثمَّ ساقوا لَهَا المهور الغوالي قَاتلُوا دون خدرها فِي هَواهَا بصفاح بيض شَرّ غوالي ثمَّ حاموا عَنْهَا وحاموا عَلَيْهَا بورود الاوجال والآجال

стр. 8

فامتطوا عزم معشر رَغِبُوا فِي ان يحلوا ساميات الْمَعَالِي سادة قادة حماة كماة محب مزل فحول وَرِجَال لبسوا للردى دروع اصطبار ولقوه بعزمه الابطال خشيَة أَن يفوتهُمْ مَا رجوهمن جناب الْمُهَيْمِن المتعال لم يزَالُوا فِي السّير حَتَّى اناخوا بِمحل الاكرام والاجلال مقْعد الصدْق فِي جناب مليك ذِي اقتدار وَعزة وجلال صِفَات الفائزين ايْنَ خطاب هَذِه العرائس ايْنَ طلاب هَذِه النفائس هم الَّذين مدحهم الله فِي مُحكم الْقُرْآن فِي اول سُورَة الْمُؤمنِينَ وَآخر سُورَة الْفرْقَان تِلْكَ واللهصفات الفائزين بالرضوان الخالدين فِي نعيم الْجنان الحائزين زغائب الْبر ومواهب الْإِحْسَان اللَّهُمَّ بِمَا انعمت عَلَيْهِم فارزقنا مَا رزقتهم فِي الدُّنْيَا من طَاعَتك وذكرك وَفِي الاخرة من نعيم جنتك وَلَذَّة النّظر الى وَجهك والحقنا بهم وادخلنا فيهم واجعلنا مِنْهُم وَلَا تجْعَل نصيبنا مِنْك مَا عجلته لنا من مواهب الدُّنْيَا بل ادخر لنا عنْدك مَا ادخرته لأهل سَلامَة العقبى وَاجعَل الاخرة خير لنا من الاولى واذا اقررت اهل الدُّنْيَا بالدنيا فَأقر اعيننا بموجبات الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة وَالرِّضَا يَا من عَاد يمْنَع رُكْنه العائدون سُبْحَانَكَ مَا اعظم شَأْنك يَا من دَعَتْهُ الملبون سُبْحَانَكَ مَا اعظم شَأْنك يَا من مد اليهم اكفهم السائلون سُبْحَانَكَ مَا اعظم شَأْنك يَا من تقوم السَّمَاء والارض بأَمْره يَا من ينقاد السهْم الذلول بِحكمِهِ يَا من يفرق المحسن والمثنى من عدله يَا من

стр. 9

يفْتَقر الْغَنِيّ وَالْفَقِير الى رزقك سُبْحَانَكَ مَا اعظم شَأْنك يَا من خضعت الاعناق لعزته يَا من تَوَجَّهت الْوُجُوه الى قبلته يَا من اعْترفت الخليقة بربوبيته سُبْحَانَكَ مَا اعظم شَأْنك يَا من لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات والارض كل لَهُ قانتون يَا من دَعَا الى حج بَيته على لِسَان خَلِيله فلباه فِي الاصلاب الملبون يَا من عكف على بَاب فَضله العاكفون اليه بِالدُّعَاءِ وَالسُّؤَال يجارون وبرحمته فِي الدُّنْيَا والاخرة يتعرضون وَمن مُخَالفَة امْرَهْ يَسْتَغْفِرُونَ وبأذيال عَفوه يتمسكون سُبْحَانَكَ مَا اعظم شَأْنك سُبْحَانَكَ مَا اوضح برهانك سُبْحَانَكَ مَا اقدم سلطانك سُبْحَانَكَ مَا اوسع غفرانك سبحت لَك السَّمَاوَات واملاكها والنجوم وافلاكها والارض وسكانها والبحار وحيتانها والسادات وعبيدها والامطار ورعودها والملوك ومماليكها والجيوش ومعاركها والديار واطلالها والاسود واشبالها كل معترف فانك لفطرته خَالق ولفاقته رَازِق وبناصيته آخذ وبعفوك من عقابك عَائِذ وبرضاك من سخطك لائذ الا الَّذين حقت عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب فالقضاء فيهم نَافِذ يَا مَالِكًا هُوَ بالنواصي آخذ وقضاؤه فِي كل شَيْء نَافِذ انا عَائِذ بك يَا كريم وَلم يخب عبد بعزك مستجير عَائِذ ارجوك يَا سؤلي فتحيا مهجتي وَالْخَوْف من عَمَلي لكبدي فالذ ان لَاذَ غَيْرِي بالانام وظلمهم فَأَنا الَّذِي بظليل ظلك لائذ فَامْنُنْ عَليّ بتوبة يمحا بهَا ذَنْب فظهري فِي الْقِيَامَة قائذ

стр. 10

مجَالِس الذّكر ولحظات الْقرب وساعات الغفران فِي مثل هَذِه السَّاعَة يُرْجَى الغفران ويتوقع الاحسان وَيطْلب من صَاحب الامر الامان لَو كشف عَن الابصار حوابك الانتشار لعاينتهم الرَّحْمَة تنزل فِي هَذَا الْوَقْت كالامطار الغزار كم لله فِي مجَالِس الذّكر من عين مُحرمَة على النَّار كم قد وضع فِيهَا عَن الظُّهُور من ثقل الاوزار وتنفجر فِيهَا ينابيع الرَّحْمَة ويتوفر فِيهَا على الْحَاضِرين من النِّعْمَة وَيُعْطى كل سَائل مَا سَأَلَهُ ومبلغ كل امل مَا امله من كرم ذِي الْجلَال والاكرام ومواهب من لَهُ الْفضل والانعام الَّذِي لَا يتعاظم ذَنْب غفره لجانيه وَلَا فضل وَلَا هبة لسائله فاحضروا فِي هَذِه السَّاعَة قُلُوبكُمْ واغسلوا بمياه التَّوْبَة ذنوبكم وَاسْتَغْفرُوا ربكُم فانه يغْفر ذنُوب المستغفرين وَاعْتَذَرُوا اليه من تقصيركم فانه يقبل عذر المعتذرين واستنصروه على من بغى عَلَيْكُم فَمَا اسرع نصرته الى المنتصرين من كَانَ مُقَيّد الْجَوَارِح عَن محارم الله فَهُوَ رَأس الْخَائِفِينَ وَمن كَانَ لَا يسكن بِقَلْبِه الى شَيْء سوى الله فَهُوَ سُلْطَان العارفين فارغبوا فِي الْقرب من الله لله در اقوام عكفوا بقلوبهم عَلَيْهِ وتقربوا بِذبح نُفُوسهم اليه لَا يسعون فِي محبته عذل العاذلين وَلَا يَعْتَذِرُونَ بالانفاق فِي سَبيله بنحل النحالين ابغضوا كل من سواهُ ليَكُون مِنْهُم دانيا وَخَرجُوا من كل شَيْء ليدخلوا اليه وظعنوا عَن كل شَيْء ليقدموا عَلَيْهِ وهجروا كل حبيب فِي طلب وصاله واعرضوا عَن كل قريب طَمَعا فِي اقباله

стр. 11

فَلَو قيل لَهُم من معبودكم لقالوا الله وَلَو سئلوا مَا مقصودكم لقالوا الله فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ معبودهم الَّذِي يعبدونه ومقصودهم الَّذِي لَا يستقرون دونه لرَبي عباد وَحده يعبدونه يرومونه لَا يستقرون دونه هُوَ السَّنَد الاقوى استندوا بِهِ هُوَ الْقَصْد الاقصى الَّذِي يقصدونه اذا اعْتمد الْمُضْطَر فِي الْخطب غَيره فَلَيْسَ لَهُم الا هُوَ يعتمدونه اذا حسد النَّاس الْمُلُوك بملكهم فَلَيْسَ لَهُم فِي النَّاس من يحسدونه لانهم حلوا ضماير مَالك فمهما ارادوا عِنْده يجدونه محبته الْقُوت الَّذِي يقتدونه وتوحيد الْورْد الَّذِي يردونه مَتى فاتهم من وَصله قدر ذرة فبالروح زَالَ الْقدر الَّذِي يفتدونه لهَذَا اصطفاهم لِلْعِبَادَةِ دون من سواهُم فهم طوال المدى يعبدونه تولاهم دون الورى فولاؤه طراز على ثوب التقى يرتدونه دُعَاء وثناء وابتهال هَذِه سَاعَة رفيعة الْقدر منيرة الْفجْر قد اثنينا فِيهَا على الله بالابد وجلونا فِيهَا محَاسِن آلائه والرب سُبْحَانَهُ قد اشرقت علينا انوار قربه على الْقُلُوب ورجونا من سَعَة عَفوه غفران الذُّنُوب فمدوا ايديكم لنستقى سحب رَحمته الممطرة ونستكسي من رضوانه

стр. 12

الْحلَل الفاخرة وَمن كَانَ مِنْكُم لبَعض اخوانه الْمُؤمنِينَ مصارما فَلْيَكُن من الان على مواصلته عَازِمًا وَمن كَانَ مصرا على مَكْرُوه فليقلع عَنهُ وَمن كَانَ قد اصاب ذَنبا فليتب الى الله وَمن كَانَ مشاحنا لجاره فليقصد حسن الْجوَار فَلَا حق بعد حق الْقَرَابَة اعظم من حق الْجَار وَقُولُوا بقلوب حَاضِرَة خاشعة الى كرم الله طامحة فِي نيل رِضَاهُ طامعة يَا حَيّ يَا قيوم يَا ذَا الْجلَال والاكرام يَا ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ يَا كثير الْخَيْر يَا دَائِم الْمَعْرُوف يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْقَطِع ابدا وَلَا يُحْصِيه غَيره احدا يَا محسن يَا مُجمل يَا منعم يَا مفضل نَسْأَلك مِمَّا كتبت على نَفسك من الرَّحْمَة وَمِمَّا فِي خَزَائِن فيضك ومكنون غيبك ان تضَاعف صلواتك على سيدنَا مُحَمَّد واله وَصَحبه وَسَائِر عِبَادك الصَّالِحين اللَّهُمَّ اعتقنا من رق الذُّنُوب وخلصنا من اشر النُّفُوس واذهب عَنَّا وَحْشَة الاساءة وَطَهِّرْنَا من دنس الذُّنُوب وباعد بَيْننَا وَبَين الْخَطَايَا وأجرنا من الشَّيْطَان الرَّجِيم اللَّهُمَّ طيبنَا للقائك واهلنا لولائك وادخلنا مَعَ المرحومين والحقنا بالصالحين واعنا على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وتلاوة كتابك واجعلنا من حزبك المفلحين وأيدنا بجندك المنصورين وارزقنا مرافقة الَّذين انعمت عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ

стр. 13

اللَّهُمَّ اغغفر لنا مَا مضى من ذنوبنا واحفظنا فِيمَا بَقِي من اعمارنا وَكلما عدنا بالمعصية فعد علينا بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا واذا ثقلت علينا الطَّاعَة فهونها علينا وَذكرنَا اذا نَسِينَا وبصرنا اذا عمينا واشركنا فِي صَالح دُعَاء الْمُؤمنِينَ واشركهم فِي صَالح دعائنا بِرَحْمَتك يَا ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ لخالقنا الْحَمد على مَا من بِهِ من الْفضل وانعم وَله الْحَمد عدد مَا اسبغ على خلقه من النعم وَله الْحَمد كَمَا يستوجبه على جَمِيع الامم وَله الْحَمد كَمَا اثنى على نَفسه فِي الْقدَم وَله الْحَمد كَمَا اجراه على السّنة حامديه والهمهم حمدا تضيق عَنهُ الافاق وَلَا تسعه السَّبع الطباق كَمَا يحب ويرتضي يَنْقَضِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا يَنْقَضِي لَا تحصيه السفرة الْكِرَام وَلَا تفنيه اللَّيَالِي والايام وَكَيف لَا نحمد خالقنا الَّذِي لم يُشَارِكهُ فِي خلقه اُحْدُ ورازقنا الَّذِي لَو عددنا نعمه لم يحصرها الْعدَد كُنَّا امواتا فاحيانا وفقراء فأغنانا وَهُوَ الَّذِي اطعمنا واسقانا وكفانا وآوانا وارسل الينا رَسُولا وَانْزِلْ علينا قُرْآنًا واجرى على جوارحنا طَاعَة وَكتب فِي قُلُوبنَا ايمانا فَلهُ الْحَمد على مَا اولانا ان رحمنا اَوْ عذبنا وان اسعدنا اَوْ اشقانا المتقون محبوبون فِي الدُّنْيَا فائزون فِي الاخرة السُّلْطَان الْعَادِل وجنده يُحَاربُونَ الاعداء ويفتحون الامصار ويغنمون الاموال فَيكون ذَلِك لَهُم لَذَّة فِي دنياهم ومثوبة فِي آخِرهم وَالْعُلَمَاء الَّذين يعلمُونَ النَّاس عُلُوم الدّين فهم فِي الدُّنْيَا بَين النَّاس مكرمون

стр. 14

وَفِي الْآخِرَة على هِدَايَة الْخلق الى الله مأجورون والمؤدبون اولادهم بالاداب الْحَسَنَة والعلوم النافعة فالوالد يحس حَال وَلَده فَهُوَ ابيض الْوَجْه قرير الْعين فِي الدُّنْيَا رفيع الْمنزلَة عَظِيم المثوبة فِي الاخرة والمعامل للنَّاس بِالصِّحَّةِ والسلامة فِي مجاورتهم ومعاشرتهم فَهُوَ فِي الدُّنْيَا ابيض الْوَجْه وَفِي الاخرة عَظِيم الاجر والموسع على عِيَاله من صَالح كَسبه فَهُوَ مسرور لحسن حَالهم فِي الدُّنْيَا ومأجور على احسانه اليهم فِي الاخرة والمتقربون الى الله تَعَالَى بقربان الاضاحي وَسَائِر مَا فِيهِ النَّفْع الْمُتَعَدِّي فهم لَا يزالون يسمعُونَ النَّاس حسن الثَّنَاء مَعَ مَا ادخر الله لَهُم من حسن الْجَزَاء والزاهد العابد الَّذِي قد اقبل على ربه واعرض عَن شهوات نَفسه فَهُوَ فِي الدُّنْيَا حبيب الْقُلُوب والارواح وَفِي الاخرة مَبْعُوث فِي زمرة اهل الْفَوْز وَالصَّلَاح سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه الا الله وَالله اكبر طُوبَى لعبد اذا احسن اليه ربه حمد وشكر واذا اساء الى نَفسه تَابَ واستغفر كلما قضى عَلَيْهِ بِمَعْصِيَة اغتم وحزن وَكلما وفْق لطاعة فَرح واستبشر

стр. 15

يَا من بِغَيْر رِضَاهُ لَا استبشر اترى بقربى من جنابك اظفر حزني على مَا فَاتَ مِنْك ملابسي اغدو بهَا بَين الورى اتبختر واذا اغتذى قلب بِطيب مطاعم فغذاء قلبِي انه لَك يذكر واذا تقرب ناسك بضحية فضحيتي اني لنَفْسي انْحَرْ يَا مَالك الرّقّ الَّذِي لغيبك حَقًا على كل الموَالِي المفخر مَالِي هجرت وَلم ازل بك عائذا اني اذا عَن الْوِصَال وأهجر وَكسرت بالاعراض مِنْك وَلم يزل قلب الكسير بِبَاب جودك يجْبر ان كنت تُعْطِي السَّائِلين لفقرهم فَأَنا الى حذوك مِنْهُم افقر اَوْ كَانَ بالجرم الْكَبِير جرمتي فَأَنا الشَّهِيد بِأَن عفوك اكبر مثلي يسامح بِالذنُوبِ لأنني من ان تؤاخذ فِي اذل وأحقر هبني أَتَيْتُك بالجرائم كلهَا أَنْت الَّذِي كل الجرائم تغْفر مُقَارنَة بَين حَال الغافلين والمستيقظين لَك الغافلين من الحمقى والشباب فِي لبس مبغضات الثِّيَاب وَتَنَاول الوان الطَّعَام وَالشرَاب وَاللَّهْو بَين الرياض والأنهار مَعَ الاخذان والاتراب وَلَك المستيقظين فِي انفاق الاعمال الصَّالِحَة لاحراز الثَّوَاب والاهتمام بِأَمْر الْعَاقِبَة لكريم المآب وانقاذ نُفُوسهم من سوء الْحساب واليم الْعَذَاب والفوز بمفاز ذِي حدائق واعناب وكواعب اتراب وَلَذَّة العارفين فِيمَا يقربهُمْ من جنَّات الْعَزِيز الْوَهَّاب لَا تهتمون بِمَا تَحت الْعَرْش وَمَا فَوق التُّرَاب لَان ذَلِك كُله مَخْلُوق والاهتمام بالخالق اوجب عِنْد اولى الالباب

стр. 16

اذا اعجبتك الدُّنْيَا برونق رائقها فاجعلها سَببا للشوق الى رياض الْجنَّة وحدائقها واذا بهرتك الْجنَّة بنعوت ذرابيها ونمارقها فاجعلها حَادِيًا تحدوك الى جناب خَالِقهَا رُؤْيا عَن الْجنَّة وَنَعِيمهَا رَأَيْت يَوْم جُمُعَة فِي الْمَنَام وَنحن فِي انْتِظَار الصَّلَاة قَائِلا يَقُول انما يصلح العَبْد لحضرة الله بعد ان يَجعله فِي الْجنَّة بَين حورها وولدانها وَسَائِر نعيمها ثمَّ ترَاهُ غير ملتفت الى شَيْء من ذَلِك فَحِينَئِذٍ يُرْسل جِبْرِيل فيدعوه الى الحضرة لعمري ان جنَّة عدن عَظِيمَة الْقدر وَلَكِن حَضْرَة الله اعظم مَا فِيهَا وجنة الفردوس لذيذة الوقع وَلَكِن الذ مِنْهَا النّظر الى وَجه بانيها كَمَا لَا يشبه الله تَعَالَى شَيْء من خلقه كَذَلِك لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ بِشَيْء من رزقه قدر هَذَا الْكَلَام فَوق همة الْقَائِل وَالسَّامِع وَمَا منا الا من هُوَ نيل هَذَا الامر طامع فنعوذ بِاللَّه ان يكون طمعنا غرُورًا ونسأله الا تكون حَقِيقَة الزِّيَادَة فِي حَقنا زورا لَوْلَا رَجَاء كريم وَعدل مَا طمعنا ان نزور لَكِن وعدت وَلَيْسَ وَعدك زورا نَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم طَرِيق الخشية والتعظيم طَرِيق مَأْمُون العثار سليم فَعَظمُوا الله الْعَظِيم بمبلغ مَا تبلغه عقولكم وافهامكم واطيعوه بِقدر مَا تحتمله قُلُوبكُمْ واجسامكم

стр. 17

واسألوه ان يَجْعَل نعمه عَلَيْكُم عونا على طَاعَته وبلاغا الى جنته وباعثا على محبته وسابقا الى مَا اعده لاوليائه فِي دَار كرامته واشركوا الأرامل والايتام فِي مَا تصطفونه لأولادكم من شهي الطَّعَام واحسنوا مجاورة الْجِيرَان ومصاحبة الاخوان واملاوا اوقاتكم طاعات وقربا وَلَا تَتَّخِذُوا دينكُمْ لهوا وَلَعِبًا وَاعْلَمُوا ان سرُور الْمُؤمنِينَ يَوْم يعبرون القناطر ويأمنون المعاثر فَذَلِك يَوْم عيدهم وطالع شُعُورهمْ وَمَا داموا فِي دَار الْغرُور فَلَا غِبْطَة وَلَا سرُور واي سرُور لمن الْمَوْت مَعْقُود بناصيته والذنُوب راسخة فِي انيته وَالنَّفس تقوده الى هَواهَا وَالدُّنْيَا تتزين فِي عينه بمشتهاها والشيطان مستبطن فقار ظَهره لَا يفتر عَن الوسوسة فِي صَدره وَنَفسه وَمَاله بعرضه الْحَوَادِث لَا يدْرِي فِي كل نفس مَا عَلَيْهِ حَادث وَمن وَرَائه المغير ومساءلة مُنكر وَنَكِير ويوسد التُّرَاب الى يَوْم النشور وَالْقِيَام فِي يَوْم لَا يبلغ وصف اهواله وَلَا شرح احواله مَا لَا يسع الْمُؤمن بِهِ ان يسْتَقرّ لَهُ قَرَار وَلَا يخلد الى هَذِه الدَّار وَلَا يكون لَهُ هم فِي الدُّنْيَا الا التَّقَرُّب بأنواع الْقرب وَاجْتنَاب الْفَوَاحِش والريب واقامة الدّين الَّذِي فِي اقامته النجَاة وَفِي تضييعه العطب

стр. 18

الْمجْلس الثَّانِي ارْبَعْ من المهلكات اخواني سبح المسبحون بِحَمْد الله اللَّطِيف الْخَبِير مَا بلغُوا من تَعْظِيمه مِثْقَال ذرة واجتهد العارفون فِي الْعلم بِصِفَات الْعلي الْكَبِير وَلم يشْربُوا من بَحر مَعْرفَته مكيال قَطْرَة وشمر المجتهدون فِي طلب الْقرب من جنَّات الْعَزِيز الْحَكِيم ثمَّ مَاتُوا وَفِي قُلُوبهم من الْقرب حسرة وَكَيف تدْرك عَظمَة من لَا يحاط بِهِ علما ام كَيفَ يتناسى الْقرب من جناب من لَيْسَ لارتفاعه منتها وَلَا وَرَاءه مرمى اله انتظمت الامور بتدبيره وتقدرت الامور بتقديره ومهد بِسَاط الْمَكَان لاجسام الْعَالمين وطا وَمد رواق الزَّمَان بحركات الْعَالمين وعَاء وَصَرفه فصولا مُخْتَلفَة الطبائع ربيعا وخريفا وصيفا وشتاء اربعة اعمال قطعت اعناق الرِّجَال اولا الْكفْر اولها الْكفْر وَهُوَ قِسْمَانِ كفر الشَّك كفر فِرْعَوْن حِين قَالَ لعَلي اطلع الى اله مُوسَى واني

стр. 19

لاظنه من الْكَاذِبين وَكفر السخط كفر ابليس حِين قَالَ أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ وَجَمِيع اقسام الْكفْر مُشْتَقَّة من هذَيْن الْقسمَيْنِ وَكفر السخط بليته اعظم البليتين لَان الشاك قد يُؤمن اذا اتَّضَح الْيَقِين واما الساخط فعلى بَصِيرَة كفر بِرَبّ الْعَالمين ثَانِيًا الْبِدْعَة ثَانِيهَا الْبِدْعَة وَهِي قِسْمَانِ مكفرة ومضللة فَمن سلم مِنْهُمَا فقد سلم لَهُ اسلامه وهداه وَمن ابتلى بِإِحْدَاهُمَا فقد حاد عَن طَرِيق الاسلام اَوْ تاه عَن سَبِيل النجَاة ثَالِثا الْغَفْلَة ثَالِثهَا الْغَفْلَة عَن ذكر الله فَإِن الْمعْصِيَة الى الغافل اسرع من انحدار الصَّخْرَة الى الْمَكَان السافل رَابِعا حب الدُّنْيَا وَرَابِعهَا حب الدُّنْيَا فان مثل الْمُحب لَهَا وَلَو كابد الْعِبَادَة كَمثل ناشر الارز يرفع رجلا وَيَضَع اخرى وَمن مَكَانَهُ لَا يبرح وَكَذَلِكَ الَّذِي شغل بحب الدُّنْيَا قلبه وبالعبادة جوارحه ترَاهُ طول عمره يتَقرَّب الى الله بظواهره وَيبعد عَنهُ بِقَلْبِه

стр. 20

انت الامير على الدُّنْيَا بزهدك فِي حطامها وَطَرِيق الْحق مسلوك وانت عبد لَهَا مَا دمت تعشقها ان الْمُحب لمن يهواه مَمْلُوك زَاد المحبين إِلَى رب الْعَالمين المحبون لله قوم شغلهمْ حبه عَن حب من سواهُ فهم فِي قَبْضَة محبته اسراء وعَلى كل من دونه امراء اذا علت اصوات الْعباد اذ غلت اسعار الاقوات وجدوا من ذكره قوتا غازيا واذا مَرضت امزجة ابدانهم صادفوا من كِتَابه دَوَاء شافيا واذا خَافت السبل سلكوا اليه طَرِيقا امينا واذا انْقَطَعت الاسباب امسكوا من يقينهم حبلا متينا واشوقاه اليهم بل والهفاه عَلَيْهِم لَا تحسبوا ان عَنْكُم صَبر فالطرف باك وقلبي حشْوَة جمر وَقد بليت بِمَا لَا اشتهي الْعُمر بِاللَّه ارحموا عبرتي قد مسني الضَّرَر التضرع بِالدُّعَاءِ عِنْد نزُول الْبلَاء لَو ان بِنَا حَيَاة لأحسسنا بِمَا نَحن فِيهِ من جهد الْبلَاء وَلَو احسسنا ببلائنا لانقطعت اصواتنا من الدُّعَاء وفرجت اجفاؤنا من الْبكاء وَلَكنَّا طردنا فَمَا اُحْدُ على نَفسه حَزينًا وَنِمْنَا ملْء عيوننا وضحكنا ملْء افواهنا كَأَن لم يَأْكُل الْكَلْب لنا عجينا

стр. 21

وَكَأن من الْوَاجِب على قوم حرمُوا لَذَّة منجاة الله وطردوا عَن مجَالِس اولياء الله ان يحثوا على رُءُوسهم التُّرَاب ويخرجوا الى الصَّعِيد يحارون فلولا اذ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا وَلَكِن قست قُلُوبهم وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ فابكوا على انفسهم بكاء طَويلا وَلَا تقيلوا مِيلَاد الْعباد فَمَا اتخذها عَاقل مقيلا (تبتلت روحي لكم فِي الْحبّ تبتيلا ... مرتلا ذكركُمْ بالمدح ترتيلا) (حَتَّى اصير بعيد الطَّرْد مَقْبُولًا ... بِاللَّه عَلَيْكُم اسمعوني نعم لم تُسْمِعُونِي لَا) الامن وَالسَّلَام فِي جناب الله وَالْخَوْف والذل فِي الْبعد عَنهُ من لم يعتز بِطَاعَة الله لم يزل ذليلا وَمن لم يسْتَشف بِكِتَاب الله لم يزل عليلا وَمن لم يسْتَغْن بالافتقار الى الله فَهُوَ الدَّهْر فَقِيرا وَمن لم يتَحَقَّق بالعبودية لله فَهُوَ لكل شَيْء عبد وَفِي قَبْضَة الله كل اسير وَمن لم يتترس التَّوَكُّل على الله اصابه كل رام وَمن لم يحتم بحماية الله لم يحمه سواهُ حام

стр. 22

جفني القريح عَلَيْكُم وَاقع دامي وَالْمَاء من سحب عَيْني هامع هامي ومذ هجرتم وكنتم عزي السَّامِي غشاني الذل من خَلْفي وقدامي هَذَا جَزَاء من دعِي الى الْعَزِيز الْغفار فَمَا اجاب الدَّاعِي وَندب الى السَّعْي فِي فكاك رقبته من اسر النَّفس والشيطان فقصرت بِهِ المساعي الله يحيي الْقُلُوب الْميتَة بِذكرِهِ كَمَا يحيي الارض بغيته سُبْحَانَ من بهرت عَظمته عقول العارفين سُبْحَانَ من زهرت انواره لبصائر السالكين سُبْحَانَ من ظَهرت بدائعه لنواظر المتأملين انْظُر الى اثار رَحْمَة الله كَيفَ يحيي الارض بعد مَوتهَا وملبسها قبل ليل بهجتها بعد سلبها وفوتها كَذَلِك ينظر الى الْقُلُوب الْميتَة فيحييها والى المهج الصادقة فيرويها ينظر الله سُبْحَانَهُ الى الارض كل سنة فِي اخر فصل الشتَاء وَقد لقِيت من شدَّة الْبرد جهد الْبلَاء فعريت اشجارها وخرست اطيارها وهمد حَسِيسهَا وأوحشت آنيتها وعبست مباسمها ودرست مراسمها فيتداركها البرالرحيم بالطافه فَإِذا هِيَ قد اخضر يابستها وافتر عابسها وطفحت انهارها وصدحت اطيارها وهب نسيمها الراكد وحيي رميمها الهامد فاصغ ايها اللبيب تسمع الْفَهم والفكرة الى مَا تَقوله الناشئات بِلِسَان الْعبْرَة فانها تَقول بِلِسَان الْحَال

стр. 23

سبحوا بِحَمْد الْكَبِير المتعال وَاسْتَدَلُّوا بقدرته على احياء الارض الْموَات انه قَادر على اخراج الاموات بعد الشتات يَا معرضًا عَن عرضه وحسابه لَا يستعد ليَوْم نشر كِتَابه متعللا بعياله وبماله متلهيا فِي اهله وصحابه متناسيا لمماته وضريحه ونشوره ووقوفه ومآبه القَوْل قَول مُصدق وَالْفِعْل فعل مكذب بثوابه وعقابه من قَالَ قولا ثمَّ خَالف قو لَهُ بفعاله ففعاله اولى بِهِ بَاب برد الْعَزِيمَة يُؤثر فِي الاعمال والنيات كَمَا يُؤثر برد الشتَاء فِي ناضر النَّبَات يلفح الْبرد مخضر الشّجر فَيصير يَابسا ويسقع مفتر الزهر فَيَعُود عَابِسا فَكَذَلِك برد الْعَزِيمَة يَجْعَل الْعَامِل عاطلا والنابه خاملا فَإِن لم يكن بُد من الفتور عَن طلب الْخيرَات فاضعف عَن السَّيِّئَات ضعفك عَن الْحَسَنَات حفظ رَأس المَال مقدم على الرِّبْح اذا فاتك الرِّبْح الَّذِي كنت ساعيا لاحرازه حَتَّى تثمر مَالك

стр. 24

فَكُن محرزا من رَأس مَالك اصله لَعَلَّك تنجو لَا عَلَيْك وَلَا لَك بَاب لَوْلَا التَّفْرِيط فِي حفظ الاصول لَكَانَ لكل ساع الى النجَاة وُصُول وَلكُل وَاقِف على الْبَاب دُخُول وانما الْوُصُول إحكام الْعَمَل بِأَحْكَام الْعلم الْمَنْقُول مِمَّا انزله الله فِي كِتَابه وشرعه على لِسَان الرَّسُول شَرِيعَة رَسُول الله ﷺ سفينة مَأْمُونَة من اعْتصمَ بركوبها نجا ومحجة من سلك طريقها وصل الى نيل المنى لانه ﷺ مؤيد بالعصمة فَمَا ينْطق عَن الْهوى شرع الرَّسُول سفينة مَأْمُونَة من يعتصم بركوبها يَوْمًا نجا ومحجه للسالكيين فَمن يسر فِيهَا على نهج الْهدى بلغ المنى شمس الظهيرة فِي نَهَار صَائِف من يستضيء بنورها فقد اهْتَدَى هَذَا وَالله مقَام الفحول الابطال ومنال اصحاب الهمم العوالي قوم سمت بهم العوارف والنهى ان يَرْغَبُوا فِي كل فان قالي قوم ابت بهم المفاخر والعلى ان يشتروا غير النفيس الغالي لما رَأَوْا ان الْمُعَجل هَهُنَا كدر المشارب مُؤذن بزوالي

стр. 25

وَرَأَوا نعيم الْخلد حَظّ نُفُوسهم والحظ لَا يَخْلُو من الاعلال كنز مَتى ظَفرت بِهِ كف امرىء لم يخْطر الاملاق مِنْهَا ببال يَا طلاب الْجنَّة اقْبَلُوا ان جناب الْجنَّة رفيع وملكها كَبِير وَلَكِن الله ارْفَعْ واكبر وَسلمنَا ان بهجة الفردوس بهية باهرة وَلَكِن بهجة حَضْرَة الله ابهى وأبهر مَا سميت همم العارفين عَن طلب الْجنَّة جهلا بِمَا فِيهَا من نعيم النُّفُوس والقلوب وَلَكِن رَأَوْا ان نعيم الحضرة احب اليهم من كل مَحْبُوب يَا طَالب الْخَيْر احذر ان يشغلك قَلْبك عَن كَبِيرَة يَا خَائِف الشَّرّ لَا يلهك صَغِيرَة عَن كَبِيرَة اسْم بهمتك الى الْمَعَالِي ونافس فِي كل نَفِيس غالي وَلَكِن احذر ان تَقول انا لَا ارغب فِي جنَّة النَّعيم وَلَا ارهب من عَذَاب الْجَحِيم وانت مِمَّن اذا اقبلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا ظلّ فَرحا مَسْرُورا واذا ادبرت عَنهُ اسف ودعا هُنَا ثبورا مَا اقبح الدَّعْوَى من الْمُدعى يعرف هَذَا كل قلب يعي الْيَسْ يَكْفِي الْمُدَّعِي انه فِي نسب الصدْق زنيم دعِي

стр. 26

انت تنظر الى رونق زهر البيع وبهجته وتصغي الى تَرْجِيع صَوت العندليب ونغمته فيلهيك ذَلِك عَن ذكر مَوْلَاك وتستحوذ بِهِ عَلَيْك دنياك حَتَّى تنسى اخراك فَكيف بك لَو تبرحت لَك حورية مِمَّا نعمت الله فِي كِتَابه اَوْ سعى عَلَيْك بعض الْولدَان المخلدين بأباريقه واكوابه اذا لطار قَلْبك وطاش لبك انما الشّغل بِاللَّه عَمَّا سواهُ مرتبَة العارفين فَأَما من لم يبلغ شَأْنهمْ فَالْأولى بِهِ مقَام الْخَائِفِينَ نَسْتَغْفِر الله مَا اعز جناب الله وَمَا اطهر حَضْرَة الله نَسْتَغْفِر الله نَحن قوم ضعفاء خلق الله انما تحل انفسنا بِحَيْثُ احكمنا الله عَسى الله الَّذِي اخْرُج الْوَرق من الشّجر الْيَابِس ان ينقلنا عَن الاحوال المبغوضة الى احوال رضية ويبدلنا بهم الدُّنْيَا الدنية همما علية فطالما اغاث المجدبين عِنْدَمَا قحطوا وَانْزِلْ الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا يَا معشر الشَّبَاب هَذَا زمَان ربيعكم فَأَيْنَ زهر علومكم يَا معشر الكهول هَذَا اوان خريفكم فَأَيْنَ ثَمَر اعمالكم يَا من قد عَاشَ فِي الاسلام بُرْهَة من الزَّمَان فِي سَماع الحَدِيث النَّبَوِيّ وَالْقرَان ايْنَ آثَار ذَلِك فِي اعمالكم واحوالكم هَذِه ارْض حرث آخرتك هامدة مَا اهتزت بالاعمال الصَّالِحَة وَلَا ربت هَذِه سيوف عزمك كلما ضربت فِي جِهَاد النَّفس والشيطان نبت اذا كَانَ الْبَلَد طيبا خرج نَبَاته بِإِذن ربه واذا جنت لَا تخرج الا نكدا يَا مكروبا لم ينفس من كربه يَا مصرا على ذَنبه قد حَال الشَّيْطَان بَين التَّوْبَة وَبَين قلبه اُصْرُخْ الى الله صُرَاخ من قد يبس عوده وهزمت جُنُوده وَقل بِلِسَان الذّكر فِي الانكسار يَا وهاب النعم الغزار يَا فالق الْحبّ والنوى يَا

стр. 27

منشىءالاجساد بعد البلى يَا مؤوي المنقطعين اليه يَا كَافِي المتوكلين عَلَيْهِ انْقَطع الرَّجَاء الا مِنْك وخابت الظنون الا فِيك وَضعف الِاعْتِمَاد الا عَلَيْك ووهن الِاسْتِنَاد الا اليك نَسْأَلك بِالرَّحْمَةِ الَّتِي كتبتها على نَفسك وبالكرامة الَّتِي اخفيتها لأوليائك ان تمطر مَحل قُلُوبنَا سحائب برك واحسانك وان توفقنا فِي كل حَال لموجبات رحمتك وعزائم غفرانك انك جواد كريم غَفُور رَحِيم

стр. 28

الْمجْلس الثَّالِث من فَضَائِل الْقُرْآن الْحَمد لله على نعمه الَّتِي لَا تحصى وايادية الَّتِي لَا تستقصى فَالْحَمْد وَالشُّكْر لمن أنعم اكرمنا بِكِتَاب جلابة عَن الابصار الْعَمى واخرج بِهِ الأسماع من الصم وانقذ بِهِ النُّفُوس من الردى وشفى بِهِ الْقُلُوب من السقم وخصنا بِنَبِي بَعثه الى الاحمر والاسود واصطفاه على الْعَرَب والعجم وفضله على كل ملك فِي حَضرته مُعرب وكل نَبِي برسالته مكرم انْزِلْ عَلَيْهِ كتابا ضمن لقارئه بِكُل حرف عشر حَسَنَات الى مائَة حَسَنَة فَإِن تدبره فَالْأَمْر اجل واعظم الْقُرْآن دَلِيل لَا يضل فِي السلوك من تَابعه وناصر لَا يخْشَى الخذلان من شائعه ومشيره لايخطئ الصَّوَاب من طاوعه اهل الْقرَان ائمة بهم اقْتدى اهل السلوك الى رضَا الْجَبَّار وبهم تخلص من نجا من نَار خزان وَحي الله لم ير غَيرهم اهلا لحفظ كَلَامه الْمُخْتَار لَكِن عَلَيْهِم ان يقومُوا بِالَّذِي فبه من الْمَشْرُوع للأبرار

стр. 29

صدق واخلاص وَحسن عبَادَة وَقيام ليل مَعَ صِيَام نَهَار وتورع وتزهد وتعفف وتشبه بخلائق الأخيار وديانة وصيانة وامانة وتجنب لخلائق الاشرار واداء فرض وَاجْتنَاب محارم وادامة الْحَمد والاذكار يَا حَامِل الْقُرْآن ان تَكُ هَكَذَا فلك الهنى بفوز عُقبى الدَّار وَمَتى اضعت حُدُوده لم تنْتَفع بِحُرُوفِهِ وسكنت دَار بوار الْعَالم حذر والعارف متيقظ على قدر قرب العَبْد من الله يكون حَظه وَكلما توفر نصيب الْعَالم من الْعلم اشْتَدَّ حذره وَمن عرف مكر الله بأعدائه لم يغتر بطول الْحلم فَإِن العواقب عَنَّا مغنيات وسهام الاقضية الينا مصوبات وَمَا فعلوا لنا الا احسن الظَّن بكرم الله وَقُوَّة الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ ان رحمنا الله فبفضله وان عذبنا فبعدله حسابنا عَلَيْهِ وإنابتنا اليه فَأحْسنُوا بِاللَّه الظنون والآمال واحلموا اليه بالاعمال فَإِنَّهُ لَا يخيب آمال الآملين وَلَا يضيع اجْرِ العاملين هُوَ الْحَيّ لَا اله الا هُوَ فَادعوهُ مُخلصين لله الدّين الْحَمد لله رب الْعَالمين لَا اله الا الله يوحيدا يباين عقائد الْمُشْركين لَا اله الا الله تَنْزِيها يُنَاقض دعاوى المبطلين

стр. 30

لَا اله الا الله اقرارا بِمَا انكرته عقول الجاحدين لَا اله الا الله ايقانا لَا يشوبه تردد الشاكين لَا اله الا الله الْملك الْحق الْمُبين لَا اله الا الله اسلام من قَالَ لَهُ ربه اسْلَمْ قَالَ اسلمت لرب الْعَالمين لَا اله الا الله شَهَادَة ارجو بهَا مجاورة الرب الْكَرِيم فِي جنَّات النَّعيم مَعَ الَّذين انْعمْ الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ تقدست أسماؤك يَا من انْزِلْ علينا كَبِيرا تَعَالَى جدك يَا من لم يتَّخذ فِي سُلْطَانه مُشِيرا انت الَّذِي قدرت سير الشَّمْس وَالْقَمَر فِي منَازِل فُصُول السّنة تَقْديرا وَجعلت مَوَاقِيت الصَّلَاة مُؤَقَّتَة لمن اراد ان يذكر اَوْ اراد شكُورًا فطوبى لعبد اقمته فِي خدمتك اناء اللَّيْل واطراف النَّهَار رَاكِعا وساجدا وحامدا وشكورا سُبْحَانَ مقيل عثرات المذنبين سُبْحَانَ غَافِر خَطَايَا المستغفرين سُبْحَانَ من جعل الزَّمَان اوقاتا تقبل فِيهَا توبات التائبين وتقضي فِيهَا حوائج السَّائِلين فانتبه أَيهَا العَبْد الْفَقِير الضَّعِيف واغتنم شرف هَذَا الْوَقْت الشريف فكم لله فِي مثل هَذِه السَّاعَة من نعْمَة اسداها وحاجة لعبد مُضْطَر قَضَاهَا

стр. 31

ايا رَاقِد اللَّيْل انتبه من رقادك وَكن مَعَ سلاك الْمحبَّة سالكا فَهَذَا زمَان الْبَذْل والجود والندى فَقُمْ واسأل الْخيرَات تعط سَأَلَك ايا نَاسِيا عهد الْمحبَّة قَاطعا حبال حبيب وَاصل لحبالك الى كم صدودا واجتنابا وجفوة تعال نجدد عهدنا من وصالك اما ان تشتاق قرب مزارنا كَمَا نَحن مشتاقون قرب مزارك تناسيتنا حَتَّى نسيت عُهُودنَا لكننا لم ننس عهد ودادك كَأَنَّك لم تذنب اذا جِئْت تَائِبًا فتب نعفو عَمَّا كَانَ من سوء حالك تَنْبِيه الغافلين الى جنَّة رب الْعَالمين انتهز الفرصة الزَّمَان قبل تعذر الامكان قبل ان تنقل من اسْم مَا زَالَ الى خبر كَانَ فَمَا كل حِين مُمكن الْفَوْز بالمنى وَلَا كل وَقت يرفع الْحجب للْعَبد هَذِه اذا باعدتك الرّيح فادفع شراعها فيوشك ان تَأتي العواقب بِالْحَمْد فَمَا حَازِم من لم يُبَادر الى الْعلَا وَلَا نافس من لم ينافس على الْمجد هَذِه سوق المعامله قائمه فَأَيْنَ طلاب الارباح هَذِه مقصورات الْخيام بارزة فَأَيْنَ خطاب الملاح لَو ان حورا طلعت الى الدُّنْيَا لملأتها نورا وعطرا فَهَل الى مُقَارنَة هَذَا القرين الصَّالح مرتاح كَيفَ ينفزع لخطبة الْحور من هُوَ مخلد الى دَار الْغرُور ان هجرته الدُّنْيَا

стр. 32

فَهُوَ محرور وان وصلته فَهُوَ مسرور قد خدعته اباطيل المنى وغره بِاللَّه الْغرُور ايها الرافل فِي ثوب الْغرُور ايها الغافل عَن يَوْم النشور ايْنَ مَا قدمت للقبر الذى سَوف فِيهِ تثوى مَا بَين الْقُبُور ايْنَ مَا قدمت للحشر الذى فِيهِ تَدْعُو بثبور وحبور ايْنَ مَا قدمت للْمولى الذى هُوَ عدل فِي قَضَاء لَا يجور احذر الْغَفْلَة عَنهُ فَهِيَ من اقْتُل الدَّاء وَمن شَرّ الشرور اللَّهُمَّ لَا تجعلنا عَن ذكرك غافلين وَلَا عَن امرك زائفين وادخلنا فِي عِبَادك الَّذين اصطفيتهم لوراثة كتابك وانظمنا فِي سلك من اهلته لولائك واغفر لنا بِفَضْلِك مغْفرَة عزما لَا نَخَاف بعْدهَا ظلما وَلَا هضما اللَّهُمَّ يَا من افاض خلع الايمان على الْمُؤمنِينَ وَيَا من مَلأ من عطائه اكف السَّائِلين ارزقنا ايمانا تخالط بشاشته الْقُلُوب وهب لنا عَطاء غير ممنون وَلَا مَحْسُوب اللَّهُمَّ يَا جواد يَا كريم يَا عَزِيز يَا وهاب اهد الى حَضْرَة الحبيب مُحَمَّد صَلَاتنَا وسلامنا افضل مَا هداه المحبوب الى حَضْرَة الاحباب

стр. 33

عَلَيْك صَلَاة الله ثمَّ سَلَامه سَلام على الايام بَاقٍ دَوَامه وجازاك الله عَنَّا افضل مَا جزى نَبيا يفرق الفرقدين مقَامه فَأَنت شَفِيع المذنبين اذا زكا سعير جحيم لَا يُطَاق ضرامه بجاهك عِنْد الله كن لي شافعا الى صَاحب الْجُود المهون غرامه فَلَا زلت من فضل الْكَرِيم منعما بِقرب مَحل لَا ينَال مرامه الطَّرِيق الى الله ان بَين العَبْد وَبَين ربه مَسَافَة لَا تقطع الا بِقطع العلائق ورفض الْعَوَائِق وعَلى مرْآة الْقلب صدأ لَا يجلوه الا نِسْيَان الْخلق فِي جنب ذكر الْخَالِق فَمن اراد ان يصل الى ربه فليتفرغ لمواصلة السرى وَمن اثر جلاء مرْآة قلبه فليتناسى ذكر الورى كَيفَ يصل الى الله من لَا يسير وَهُوَ فِي قَبْضَة الْعَوَائِق اسير الامر كُله فِي حرفين احدهما الاعراض عَمَّا سوى الله والاخر الاقبال عَلَيْهِ فَمن لم يَنْقَطِع عَمَّا سواهُ لم يمله الِاتِّصَال بِهِ وَلَا الْوُصُول اليه

стр. 34

يَا حسرة الغافل واللاهي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله اطرَح الدُّنْيَا واشغالها لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله وَلَا تقل اهلي وَلَا عشيرتي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله وَلَا تقل وَلَدي وَلَا زَوْجَتي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله وَلَا تقل دَاري وَلَا ضيعتي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله وَلَا تقل ارضي وَلَا مولدِي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله وَلَا تقل طبعي وَلَا عادتي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله وَلَا تقل مَالِي وَلَا قنيتي لَا كَانَ مَا يلهي عَن الله الله يُغني عَن سواهُ وسواه لَا يُغني عَن الله الصِّحَّة والفراغ كم بَين الفارغ والمشغول كم بَين الصَّحِيح والمعلول لَيْسَ الصَّحِيح اذا مَشى كالمقعد وَفِي الحَدِيث نعمتان مغبون فيهمَا كثير من النَّاس الصِّحَّة والفراغ نَظِير الصِّحَّة قرينها وَكَذَلِكَ الشّغل نَظِير السقم وقرينه ففرغ الى الله قَلْبك فَنعم بِاللَّه بَالا وواصل الى الله مسيرك تنَلْ من الله وصالا

стр. 35

يَأْتِي الَّذين تجنبوا الاشعال بذلوا النُّفُوس وانفقوا الاموال تركُوا النِّسَاء كأنهن ارامل قبل الْمَمَات وايتموا الاطفال وجوعوا وتعطشوا وتضمروا طلب السباق وخففوا الاثقال فطموا عَن الدُّنْيَا نفوسا طَال مَا كَانَت تتيه على النَّعيم دلالا حَتَّى اذا بليت ضنى اجسادهم ولقوا شجونا فِي السرى وكلالا وردوا جناب مليكهم فأحلهم دَار تفوق الفرقدين منالا فِي حَيْثُ لَا يَبْغُونَ عَنهُ دهرهم حولا وَلَا يَخْشونَ زوالا سبل الانام الى دَار السَّلَام ابصر الْقَوْم قصدهم وبذلوا فِي الطّلب جهدهمْ وَعَلمُوا ان العلائق عوائق وان المخف هُوَ السَّائِق فخففوا انفسهم واظهرهم من اثقال الاشغال لعلمهم بِأَن الطَّرِيق كثير المزالق هَذِه سنة الْكِرَام فِي طلب ذِي الْجلَال والاكرام فَأَيْنَ المقتدرون هَذِه سَبِيل هداة الامام وَدَار السَّلَام فَأَيْنَ المهتدون عاقنا وَالله عَن اقتفاء اثارهم والتعلق بأذيال غبارهم فُصُول الْكَلَام وَالطَّعَام وشغل الْقلب والجوارح بكسب الحطام والاثار استفزنا فِي سَبِيل الله فثبطنا ودعينا الى الجناب العالي فأبينا ان لَهُم دنية لَا تشتاق الى العالي وَلَا تنافس فِي طلب الغالي وَلَا تأنف من الْهَوَاء وَلَا تبالي

стр. 36

مَالِي والتفريط مَالِي قد حَال بالتفريط حَالي كم ذَا اعلل بالمنى كم ذَا اسوف بالمحال ايْنَ التزود للرحيل فقد دنا وَقت ارتحالي يَا لَيْت احبابي الَّذين هم من الدُّنْيَا سوا لي يَرِثُونَ لي من عِلّة قد صرت بهَا كالخلال قَالَ الحبيب وَقد رأى مَا بِي من الدَّاء العضال من داؤه الهجران لَا يشفيه مِنْهُ سوى الْوِصَال الدَّاء والدواء قد ثَبت فِي الْحِكْمَة ان شِفَاء الامراض قصد اسبابها فَمن استشفى لمرضه بِغَيْر ذَلِك فقد اتى الْبيُوت من غير ابوابها فَمن كَانَ داؤه الْمعْصِيَة فشفاؤه الطَّاعَة وَمن كَانَ داؤه الْغَفْلَة فشفاؤه الْيَقَظَة وَمن كَانَ داؤه كَثْرَة الِاشْتِغَال فشفاؤه فِي تَفْرِيغ البال من تفرغ من هموم الدُّنْيَا قلبه قل تَعبه وتوفر من الْعِبَادَة نصِيبه واتصل الى الله مسيره وارتفع فِي الْجنَّة مصيره وَتمكن من الذّكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من غوائل النَّفس ووساوس الشَّيْطَان وَمن كثر فِي الدُّنْيَا شغله اسود قلبه واظلم طَرِيقه وكثرهمه وَنصب بدنه وَصَارَ مهون الْوَقْت طائش الْعقل مَعْقُود اللِّسَان عَن الذّكر مُقَيّد الْجَوَارِح عَن الطَّاعَة من قلبه فِي كل وَاد شعبه وَمن عمره لكل شغل حِصَّة فاستعذ بِاللَّه من فضول الاعمال والهموم فَكل مَا شغل العَبْد عَن الرب فَهُوَ مشئوم وَمن فَاتَهُ الْقرب من مَوْلَاهُ فَهُوَ لَو جَازَت يَدَاهُ نعيم الْخلد محروم كل الْعَافِيَة فِي الذّكر وَالطَّاعَة وكل الْبلَاء فِي الْغَفْلَة والمخالفة وكل الشِّفَاء فِي الانابة وَالتَّوْبَة مَتى اردت ان تعلم اي الدَّاريْنِ اولى بك فَانْظُر اي

стр. 37

الْحَالين اغلب عَلَيْك فاذا اصحاب الطَّاعَة الْجنَّة اولى بهم واصحاب الْمعْصِيَة النَّار اولى بهم وَلَا تخادع نَفسك فِي صِحَة النّظر فجهل الانسان بِنَفسِهِ اضر الضَّرَر واعظم الْخطر وَانْظُر بِعَين التفكير وَالِاعْتِبَار لَو ان طَبِيبا نَصْرَانِيّا عَفَاك عَن شرب المَاء الْبَارِد لاجل مرض من امراض الْجَسَد لاطعته فِي ترك مَا نهاك عَنهُ وانت تعلم ان الطَّبِيب قد يصدق وَقد يكذب ويصيب ويخطىء وَينْصَح ويغش فَمَا بالك لَا تتْرك مَا نهاك عَنهُ انصح الناصحين واصدق الْقَائِلين لاجل مرض الْقلب الَّذِي اذا لم تشف مِنْهُ فَأَنت من اهلك الهالكين لَا تقدر على التَّخَلُّص من بلوى الْمعْصِيَة الا بالتخلص من سجن الْغَفْلَة وَلَا تتخلص من الْغَفْلَة الابتضمير الْبَطن وتفريغ الْقلب ومواصلة الذّكر فجوع بَطْنك وَارْفض شغلك وَاذْكُر رَبك يعتزلك شَيْطَانك ان الشَّيْطَان حَامِل على الْعِصْيَان والعصيان جُنُون وَمن لم يحضرهُ الشَّيْطَان فَلَيْسَ بمجنون طُوبَى لمن كَانَ كَلَامه مُنَاجَاة الله وَعَمله مُعَاملَة مَعَ الله وفكره فِي تدبر الله وَالِاعْتِبَار بصنع الله وَنِيَّته خَالِصَة لوجه الله يزاحم الْعلمَاء بركبتيه وَيقبض على الْعلم بكلتى يَدَيْهِ عِبَادَته مؤسسة على الْقَوَاعِد وعَلى تَصْحِيح العقائد الا رب من قد انحل الزّهْد جِسْمه كثير صَلَاة دَائِم الصَّوْم عَابِد

стр. 38

يروم وصالا وَهُوَ بالطرق جَاهِل اذا جهل الْمَقْصُود قد خَابَ قَاصد قَلِيل من الاعمال بِالْعلمِ نَافِع كثير من الاعمال بِالْجَهْلِ فَاسد فضل الْعلم وَالْعُلَمَاء من احب ان يكون للانبياء وَارِثا وَفِي مَزَارِعهمْ حارثا فليتعلم الْعلم النافع وَهُوَ علم الدّين فَفِي الحَدِيث الْعلمَاء وَرَثَة الانبياء وليحضر مجَالِس الْعلمَاء فَإِنَّهَا رياض الْجنَّة وَمن احب ان يعلم مَا نصِيبه من عناية الله فَلْينْظر مَا نصِيبه من الْفِقْه فِي دين الله فَفِي الحَدِيث من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين وَمن سَأَلَ عَن طَرِيق تبلغه الْجنَّة فليمش الى مجْلِس الْعلم فَفِي الحَدِيث من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهَا علما سلك الله بِهِ طَرِيقا الى الْجنَّة وَمن احب الا يَنْقَطِع عمله بعد مَوته فلينشر الْعلم بالتدوين والتعليم فَفِي الحَدِيث اذا مَاتَ الانسان انْقَطع عمله الا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة اَوْ علم ينْتَفع بِهِ اَوْ ولد صَالح يَدْعُو لَهُ

стр. 39

وَفِي الاثر عَن عَليّ بن ابي طَالب ﵁ اذا مَاتَ الْعَالم انثلم فِي الاسلام ثلمة لَا يسدها الا خلف مثله وَعَن ابي الاسود قَالَ الْمُلُوك حكام على النَّاس وَالْعُلَمَاء حكام على الْمُلُوك وَقَالَ فتح الْموصِلِي الْيَسْ الْمَرِيض اذا منع من الطَّعَام وَالشرَاب والدواء يَمُوت قيل لَهُ بلَى قَالَ فَكَذَلِك الْقلب اذا منع عَنهُ الْعلم وَالْحكمَة ثَلَاثَة ايام يَمُوت وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ من حدث بِحَدِيث فَعمل بِهِ فَلهُ اجْرِ مثل ذَلِك الْعَمَل وَقَالَ الْحسن لَوْلَا الْعلمَاء لصار النَّاس امثلهم امثال الْبَهَائِم فيا من خلقه الله انسانا لَا تجْعَل نَفسك بقلة الْعلم بَهِيمَة ونافس فِي اعلاء قيمتك بِالْعلمِ من لَيْسَ لَهُ علم فَلَيْسَ لَهُ قيمَة اغتنم تعلم الْعلم واحضر مجالسه فَمن لَيْسَ بعالم وَلَا متعلم فَهُوَ بمنزله الْبَهِيمَة وَلَيْسَت فطرته سليمَة يَا طَالب الْمجد وَالْجَلالَة والرفعة والمكرمات والشرف تعلم الْعلم واحتسبه لوجه الله لَا للمعاش والحرف وخذه من فَوق فالعلوم لنا انفعه مَا روى عَن السّلف

стр. 40

الْعلم در اذا افادك فِي الدّين وَمَا لم يُفِيد كالصدف ان جهلنا الْعلم فَمَا نَحن بجهله معذورين وان تعلمنا وَلم نعمل بِهِ كُنَّا على ذَلِك مؤاخذين وان عَملنَا وعملنا واخلصنا لم نَكُنْ بالْقَوْل واثقين فَمَا لنا عَن التنبه لهَذَا الْخطر الْعَظِيم غافلين فكأننا بصحائف اعمالنا عِنْد حُضُور اجالنا وَقد طويت ثمَّ كأننا يَوْم بهَا يَوْم الْقِيَامَة وَقد نشرت وكأننا بسوءاتنا يَوْم الْقِيَامَة وَقد كشفت فيا خجلتنا يَوْم الْوُقُوف بَين يَدي الله وَيَا حسرتنا على مَا فرطنا فِي جنب الله كفى بالمسيء جَزَاء على اساءته ان يفوتهُ بَيَاض وُجُوه الْمُحْسِنِينَ وعلو دَرَجَات المقربين فَكيف وَقد اوجب لنَفسِهِ سوء الْحساب واليم الْعَذَاب والفضيحة على رُءُوس الْخَلَائق والتوبيخ على التَّقْصِير بَين يَدي الْخَالِق واغوثاه بِاللَّه يفوتنا الْخَيْر ونحصل على الشَّرّ تدركنا الْعقُوبَة وَلَا نحصل الاجر هَذَا وَالله هُوَ الخسران الْمُبين اللَّهُمَّ يَا من لَا يرضى لنا بِدُونِ رِضَاهُ عَنَّا وَلَا يحب لنا الا مَا يُحِبهُ منا انقذنا من ورطات الهالكين واصلحنا بِمَا اصلحت بِهِ عِبَادك الصَّالِحين ونجنا بمفازات الْمُتَّقِينَ بِرَحْمَتك يَا ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ
следующие страницы →