← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

المطلب الثالث: متى تبدأ الحياة الإنسانية ؟ ١ - تبدأ الحياة الإنسانية عند الإخصاب: هذا القول لبعض فضلاء الأطباء (١)، قد ذكر أن البُيَيْضَة الملقحة تتوافر لها خصائص متى توافرت لكائن حكم له بالحياة، وهي: ١ - أن تكون له بداية واضحة معروفة. ٢ - أن يكون قادرًا على النمو ما لم يحرم أسبابَه. ٣ - أن يفضي نموه إلى الإنسان جنينًا ووليدًا وطفلًا وصبيًّا وشابًّا وشيخًا وكهلًا إنْ نسأ الله له في الأجل. ٤ - أن ما سبقه من طور لا يمكن أن ينمو فيفضي إلى إنسان. ٥ - أن تكتمل له الحصيلة الإرثية لجنس الإنسان عامة، وكذلك له هو فردًا بذاته مختلفًا عن غيره من الأفراد منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة. واستشهد على قوله أيضًا بتأجيل الحد عن الحامل في أي طور، كما استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقال مَن هؤلاء الأجنة؟ أنتم وأنا. ونفى أن تكون حياة الجنين قبل أربعة أشهر نباتية أو حيوانية. والحقيقة أن هناك إجماعًا على أن هناك لحظة تنفخ فيها الروح، وبذلك جاءت الأحاديث، ولم يصح شيء في أنها تكون قبل الأربعين يومًا، ومن ثَمَّ فالقول بأن الحياة

стр. 667

الإنسانية أو الآدمية أو نفخ الروح أو حلولها يكون عند الإخصاب مخالفٌ للإجماع كما أنه مخالفٌ للنظر، فإن هذه الخلايا المتراكبة ليست إنسانًا، ولا يمكن التسوية بينها وبين الإنسان. والأطباء يقرون أن موت الكثير من خلايا الإنسان وهو حي ليس موتًا له، وأن حياة الكثير منها بعد موت دماغه ليست حياةً إنسانية، وإنما حياة خلوية أو نسيجية. وإنه لا شك أن الإنسان كائن له خصائص كالعلم والإرادة، فإذا غاب الحد الأدنى من هذه الخصائص، وكان الكائن عبارة عن مجموعة خلايا متراكبة كالعنقود، فلا يسوغ أن يسمى هذا الكائن إنسانًا أو نقول ببداية حياته الإنسانية. نعم له حياة، ولكنها ليست إنسانية. ونحن لسنا بحاجة إلى تقسيم الحياة إلى إنسانية ونباتية وحيوانية، فإن حياة الخلايا غير ذلك وحياة الملائكة غير ذلك، بل وحياة الرب جل في علاه غير ذلك. فنحن نقول إنها حياة جنينية ما قبل نفخ الروح. ولقد ذهب البعض إلى أن الحياة الإنسانية تبدأ بالعلوق أو الاندغام في جدار الرحم، والجواب على هذا القول كسابقه. وينبغي هنا من التنبيه على أن عدم نفخ الروح وكون الحياة إنسانية ليس يعني أن الكائن محَل النزاع ليس له أية حرمة، فمن قال إن الحرمة مرتبطة فقط بالحياة الإنسانية، بل لحياة الحيوان حرمة، فرسول الله ﷺ قال: «ما قُتِلَ عُصْفُورٌ قَطُّ عَبَثًا إِلَّا عَجَّ إلى اللهِ يوم الْقِيَامَةِ يا رَبِّ فُلَانٌ قَتَلَنِي فَلَا هو انْتَفَعَ بِي وَلا هو تَرَكَنِي أَعِيشُ في خُشَارَاتِهَا (١)» (٢).

стр. 668

بل إن الله يخبرنا أن قطع النبات يحتاج إلى إذن فيقول : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] فمن الطبيعي إذًا أن تكون للجنين الذي هو مبدأ خلق الإنسان حرمةٌ وأن تحفظ حياة الأم لأجله. ولكن هذا ليس يعني أنه إنسان ذو روح. أما ما ذكره الدكتور حسان حتحوت (١) في بحثه أن الرُّوح تأتي بمعانٍ متعددةٍ وليس بالضرورة أن نفخة الروح هي بداية الحياة الإنسانية (٢) فمردود بما أجمع عليه الأول والآخِر من علماء المسلمين من كون وجود الروح يساوي الحياة وذَهابها يساوي الموت وتظاهرت على ذلك أدلة الكتاب والسنة: ذكر منها الدكتور عمر سليمان الأشْقَر (٣) • قوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] بمعنى أخرجوا أرواحكم عند ساعة الاحتضار. • وقوله : ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] • وما أخرجه مسلم ﵀ في «صحيحه» من قوله ﷺ : «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» (٤). وهذه الأدلة وغيرها تكفي لبيان أن الحياة الإنسانية تذهب بقبض الروح فلا جرم أنها تبدأ بنفخها في الجسم.

стр. 669

٢ - تبدأ الحياة الإنسانية بنفخ الروح عند اليوم الأربعين أو حواليه: فإنه عندها يتم جمع الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ويُرسلُ المَلَكُ إليه. وقبل الخوض في مناقشة مستند هذا القول، ينبغي أن نذكر أن هناك قضيتين بينهما ارتباط من جهة وانفكاك من أخرى، ألا وهما قضيتا تمام المراحل الأولى من تخليق الجنين أي النطفة والعلقة والمضغة وقضية نفخ الروح. أما الارتباط فهو أن حديث ابن مسعود ﵁ وغيره - يشير إلى أن نفخ الروح يكون بعد انتهاء المراحل الثلاث والتي يظهر من رواية زيد بن وَهْب ﵀ عن ابن مسعود ﵁ أنها تنتهي عند المائة والعشرين يومًا من الإخصاب. وعليه، فإن العلماء ذهبوا إلى أن نفخ الروح إنما يكون بعد المائة والعشرين يومًا، فيصعب عندها أن نخطئ انتهاء المراحل عند المائة والعشرين ونصوب نفخ الروح عندها. أما الانفكاك، فهو أننا لو قلنا بأن عبارة الحديث- لا أصله- فيها شيء من السقط أو الاضطراب، فيمكن أن يقال إن ما فهم من الحديث من أن الروح تنفخ عند المائة والعشرين يبقى على حاله - سيما إن كان إجماعًا - ويتم البحث في القضية الأخرى وهي انتهاء مراحل التخليق الثلاث الأولى. وقد يؤيد هذا القول أنه لا تلازم بين انتهاء هذه المراحل ونفخ الروح، بل إن نفخ الروح يحتاج إلى تسوية كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] ولا شك أن الجنين عند انتهاء هذه المراحل لا يمكن وصفه بأنه استوى. بعد هذه المقدمة، فلنشرع في بيان ومناقشة مستند القول بأن بداية الحياة الإنسانية تكون عند الأربعين. ١ - ما رواه مسلمٌ ﵀ من حديث حُذَيفة بن أَسِيد ﵁ يَبْلُغُ به الرسول ﷺ قال: «إذا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ الله إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قال: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول: يا

стр. 670

رَبِّ أَجَلُهُ؟ فيقول رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ فلا يَزِيدُ على ما أُمِرَ ولا يَنْقُصُ» (١). ٢ - وفي رواية أخرى عن حذيفة ﵁ أنه ﷺ قال: «إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ في الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عليها الْمَلَكُ - قال زُهَيْرٌ حَسِبْتُهُ قال الذي يَخْلُقُهَا - فيقول: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أو أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ الله ذَكَرًا أو أُنْثَى ثُمَّ يقول: يا رَبِّ أسوي أو غَيْرُ سويٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ الله سَوِيًّا أو غَيْرَ سَويٍّ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ ما رِزْقُهُ؟ ما أَجَلُهُ؟ ما خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ الله شَقِيًّا أو سَعِيدًا» (٢). وقد يجاب على ذلك بأن الحديث ليس فيه إشارة إلى نفخ الروح، ويمكن أن تكون للملك زَورتان، زَورة هنا وأخرى بعد المائة والعشرين وهي التي تنفخ فيها الروح. وبذلك يجمع بين الحديثين حيث الإعمال أولى من الإهمال، ولا يصار إلى رد أي خبر من أجل آخر إلا بعد تعذر الجمع. وبهذا الجمع فسر ابن القَيِّم ﵀ التعارض بين ظاهري الحديثين فقال بشأن ذكر وقوع التقدير هنا وفي حديث ابن مسعود ﵁: «غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق ﷺ ، وهذا تقدير بعد تقدير، فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان، وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق. والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح. فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره» (٣). وأجاب عن التعارض بين الحديثين من حيث التخليق والتصوير فقال:

стр. 671

«فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في «صَحِيح مُسْلِم» ... «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها» ... قيل نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف. وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين (١) فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة، ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم؟ وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء، فإن قول النبي ﷺ معصوم وقولهم عرضة للخطأ، ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم. قيل لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة. وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة، قالوا وأكثر ما فيه التعقيب بالفاء، وتعقيب كل شيء بحسَبه، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] بل قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل، ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال. وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي. والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية، ولكن هنا تصويران: أحدهما تصوير خفي لا يظهر، وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل، فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل، وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعِيان في

стр. 672

التخليق الظاهر في البيضة. فهاهنا أربع مراتب: أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج، الثانية مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه، الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد، الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح» (١). وهذه أجوبة عبقرية تليق بعلامة بقدر الإمام ابن القَيِّم ﵀، ولكنني لا أجدها شافية بالنسبة لقضية الخلق والتصوير، فإن الله يقول: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. والآية واضحة في كون العظام تتكون بعد المضغة، لذا قال القاضي عِياض ﵀ فيما نقله عنه الحافظ ابن حَجَر ﵀: «حمل هذا [حديث حذيفة] على ظاهره لا يصح لأن التصوير بأثر النطفة وأول العلقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود وإنما يقع التصوير في آخر الأربعين الثالثة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية. قال فيكون معنى قوله فصورها إلخ أي كتب ذلك ثم يفعله بعد ذلك» (٢). فالقاضي - ويوافقه في ذلك ابن القَيِّم وابن حَجَر - ينطلق من أن المضغة إنما تكون في الأربعين الثالثة، فلزم أن نتأول حديث حذيفة، وفهمه ﵀ للآية حسن وتقريره لتعذر الجمع بين الآية وحديثي حذيفة وابن مسعود وجيه، إلا أن الذي ينبغي أن يُتَأَوَّل هو لفظ حديث ابن مسعود عند البخاري لا حديث حذيفة، فالحِسُّ يقضي، بإجماع الأطباء، أن الجنين الذي سقط عند مائة يوم له عظامٌ ورأسٌ وفقراتٌ وأذرعٌ وأرجلٌ بل

стр. 673

وأصابعُ، كما يفيده حديث حُذَيفة. فهذه العظام التي ترى في الجنين الذي سقط بعد الأسبوع السابع، هل نقول إنها ليست عظامًا ونكذب الحس؟ هذا لا يستقيم، فإن أهل السنة لا يهملون مسلَّمات العقول ودلائل الحس، بل يأخذون بما توجبه بديهة العقل وأوائل الحس ويؤولون ظواهر النصوص التي تخالف ذلك إن صحت (١). • فإن نحن قبلنا دليل الحس، وهي أن ابن سبعة الأسابيع له عظام، ثم أخبرنا القرآن أن العظام تخلق بعد المضغة، لظهر لنا أن المراحل الثلاث الأولى تنتهي عند انتهاء الأربعين الأولى على ما هو واضح في حديث حذيفة ﵁ الذي يوافق ظاهر القرآن وباقي الروايات ودليل الحس. وهذا هو الحق الذي لا لبس فيه بالنسبة لمسألة التصوير والتخليق. لكن الحديث بلفظه هذا لم يشر إلى نفخ الروح، وليس من مانعٍ أن يكون التخليق يبدأ في التسارع بعد انتهاء المراحل الثلاث الأولى، فإذا استوى خلق الإنسان بعد مضي أربعة الأشهر تنفخ الروح فيه. إلا أن لحديث حُذَيْفةَ روايةً فيها أن نفخ الروح يكون في هذه الزيارة بعد الأربعين الأولى، جاء في «السنة» لابن أبي عاصم (٢) ﵀: «ثنا أبو مسعود الجَحْدري ثنا مُعْتَمر ابن سليمان ثنا أبو عَوَانَة عن عَزْرة بن ثابت الأنصَارِيّ حدثني يوسف المَكِّي عن أبي الطُّفيل قال: كان عبد الله بن مسعود يحدث في المسجد أن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره، قال [القائل أبو الطُّفيل] فأتيت حُذَيفة بن أَسِيد الغفاري،

стр. 674

فقلت ألا تعجب من عبد الله بن مسعود يحدث في المسجد: إن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره؟ قال: فما بال هذا الطُّفيل الصغير؟ قال: لا تعجب، سمعت رسول الله ﷺ مرارًا ذات عددٍ يقول: إنَّ النُّطْفَةَ إذا وَقَعَت في الرَّحِمِ أَرْبَعين لَيْلَة - وقالَ أصْحَابِي خَمْسَةً وأربعينَ ليلة - نُفِخَ فيه الرُّوحُ؛ قال: فَيَجِيءُ مَلَكُ الرَّحِمِ فَيَدْخُلُ فَيُصَوِّرُ لَه عَظْمَهُ ولَحْمَهُ ودَمَهُ وشَعْرَهُ وبَشَرَهُ وسَمْعَهُ وبَصَرَهُ؛ ثُم يَقُول: أي ربِّ أذَكَرٌ أم أُنْثَى فَيَقْضِي اللهُ إلَيْهِ فِيه ويَكْتُبُ المَلَكُ؛ فَيَقُولُ: أي رَبِّ أشَقِيٌ أم سَعِيد فَيَقْضِي اللهُ إلَيْه ما يَشاء ويكتُبُ المَلَكُ؛ ثُم يقول: أي أثره فيَقْضِي الله تعالى ويَكْتُبُ المَلَكُ؛ فيقول: أي ربِّ أَجَلُه فيَقْضِي الله ما يَشَاء ويَكْتُبُ المَلَكُ؛ ثُم تُطْوَى تِلْكَ الصَّحِيفَة فلا تُمَسُّ إلى يَوْمِ القِيامَة» (١). ولقد ذكرت الحديث بسنده لخطورته ولكونه خارج الصحيحين فيحتاج إلى إثبات صحته، سيما إذا كان يترتب عليه ترجيحُ قولٍ في مسألةٍ ذات خطر. وبدايةً فإن الشيخ ناصر الدين الألبَانِيّ ﵀ قد صحح سنده كما في ظلال السنة (٢). أما صحة السند، فلا شك في ذلك، فإن أبا مسعود ﵀ هو إسماعيل بن مسعود الجحدري أخو الصلت، قال ابن أبي حاتم ﵀: «إسماعيل بن مسعود أبو مسعود الجحدري أخو الصلت بن مسعود؛ روى عن معتمر وخالد بن الحارث؛ كتب عنه أبي؛ يعد في البصريين؛ سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك؛ قال وسئل أبي عنه فقال

стр. 675

صدوق» (١) وقال الذَّهَبِيّ ﵀: «إسماعيل بن مسعود الجحدري ... ثقة توفي ٢٤٨» (٢). ومعتمر بن سليمان ﵀ إمام كبير، قال الحافظ ابن حَجَر ﵀: «معتمر بن سليمان التَّيْمِيّ أبو محمد البصري يلقب الطُّفيل؛ ثقة من كبار التاسعة؛ مات سنة سبع وثمانين، وقد جاوز الثمانين» (٣) ووثقه ابن أبي حاتم ﵀ في «الجَرْح والتَّعْدِيل» (٤) ونقل فيه توثيق أبيه ﵀ له وكذلك يحيى بن معين ﵀. أما أبو عَوَانَة ﵀، فقال فيه الحافظ ﵀: «وضَّاح بتشديد المعجمة ثم مهملة؛ اليشكري بالمعجمة، الواسطي البزاز أبو عَوَانَة، مشهور بكنيته؛ ثقة ثبت من السابعة؛ مات سنة خمس أو ست وسبعين» (٥). وذكره ابن حِبَّان ﵀ في «الثقات» (٦) وفي «تَذْكِرَة الحُفَّاظ» (٧) وثقه، ونقل عن يحيى القطان ﵀ قوله: «ما أشبه حديثه بحديث شعبة وسفيان» ويكفي هذا شرفًا، إلا أنه نقل عن أحمد ﵀ أنه ربما يَهِم إذا حدَّث من غير كتاب. وعزرة بن ثابت ﵀ «ثقة من السابعة» كما في «تقريب التهذيب» (٨) ووصفه ابن حِبَّان ﵀ بأنه كان متقنًا وهو من رجال البخاري ومسلم - رحمهما الله (٩).

стр. 676

ويوسف بن ماهك ﵀: هو المكي، قال في «الكاشف» «ثقة توفي ١١٣ هـ» (١). وفي «التقريب»: «ثقة من الثالثة» (٢). وذكر أنه من رجال البخاري. وعمر بن واثلة أبو الطفيل ﵁ ولد عام أحد كما في التقريب (٣). ورأى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄، فهو صحابي لا يحتاج إلى تعديل أحد بعد الله تعالى. إن سند هذا الحديث إذًا لا مطعن عليه فهو متصل برواية الثقة عن مثله إلى منتهاه، وهو كما أفاد الألبَانِيّ ﵀ على شرط الشيخين، ولكن الألبَانِيّ ترك الحكم على الحديث وتكلم عن السند فقط، ولعله فعل ذلك لأن روايات الحديث الكثيرة الأخرى من طريق أبي الطفيل عن حذيفة ليس فيها ذكر نفخ الروح، ولم أقع على رواية فيها ذكر نفخ الروح إلا تلك التي أخرجها ابن أبي عاصم ﵀. لذلك فإن زيادة لفظة نفخ الروح هنا شاذة، وعلى أقل تقدير فإن من يرمي بالشذوذ رواية زيد بن وَهْب عن عبد الله بن مسعود التي في البخاري لا يسعه إلا أن يرد هذه الزيادة التي نحن بصددها الآن. • أما من الناحية الطبية، فإن الحكم بنفخ الروح لا شأن للطب فيه، ولكن هناك إشارات لوقوع ذلك الحدث، ومنها الحركة الإرادية والإحساس، ولقد سبق معنا في المقدمة الطبية أن الحركة تبدأ في وقت مبكر جدًّا، وتكون مركبة كمص الأصابع بعد اثني عشر أسبوعًا؛ ولكن يصعب الجزم بأنها إرادية، وإن ظهرت إشارات نشاط قشرة المخ في ذلك الوقت مما يمكن أن يرجح أن هذه الحركات إرادية. وعند وجود نشاط في قشرة المخ، فإن ذلك يعني إمكانية وجود أحاسيس، وبالفعل، فإن الجنين يتفاعل مع محيطه الخارجي في تلك الأثناء.

стр. 677

ويُشكِل على ما تقدم أن هناك مناطقَ هامةً لوظائفِ الحياةِ لم تكتمل كمنطقة المهاد في الدِّمَاغ، كذلك فالطفل، كما تقدم في المقدمة الطبية، لا يمكن إنقاذه إذا ولد دون العشرين أسبوعًا (١٤٠ يومًا من الإخصاب)، وهو لم يستو خلقه بعد الأربعين الأولى ليكون صالحًا لاستقبال الروح. يقول ابن القيم ﵀ عن الروح: «جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدُّهْن في الزيتون والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح» (١). ووجه ذلك من الوحي قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقوله : ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]. فانظر كيف جعل الخلق الآخر - والذي يُقصَد به الآدَمِيّة - بعد كل مراحل التكوين، ثم إنه جعل التسوية سابقة للنفخ.

стр. 678

٣ - تبدأ الحياة الإنسانية عند تمام أربعة الأشهر: هذا هو قول المتقدمين كافة، ونُقِل عليه اتفاقُهم، ودليلُهم حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي رواه البخاري ومسلم؛ ولفظ البخاري: «حدثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا الأَعْمَشُ سمعت زَيْدَ بن وَهْبٍ سمعت عَبْدَ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ يقول: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق-: إن خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وأربعين لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مثله، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مثله، ثُمَّ يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فيه الرُّوحَ؛ فإن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى لا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (١). والحديث غاية في الصحة عند أهل الحديث، قال الحافظ ﵀: «قوله ورد في الخبر أن الولد إذا بقي في بطن أمه أربعةَ أشهر نفخ فيه الروح متفقٌ عليه مجمعٌ بين أهل الحديث على صحته من حديث زيد بن وَهْب عن ابن مسعود حدثني الصادق المصدوق: إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ ... الحديث» (٢). ولا شك أنه ما من سبيل إلى تضعيف ما جاء في الصحيحين، ولكنْ يمكنُ أن يقالَ بسقوطِ لفظةٍ أو اختلافِ جملةٍ، فننظر في سائر الروايات لعل فيها ما يرد الأمور إلى نصابها، ولقد جاء في لفظ مسلم ﵀ وهو من هو في الحرص على دقة الألفاظ - ما يأتي: «عن زيد بن وَهْب عن عبد اللهِ قال حدثنا رسول اللهِ ﷺ وهو الصادق المصدوق إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ في ذلك عَلَقَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يَكُونُ في ذلك مُضْغَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ

стр. 679

رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وإن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (١). إن قوله ﷺ : «في ذلك» إما أن يرجع على الوعاء المكاني، وهو البطن أو الزماني وهو الأربعون يومًا، ورجوعه على الزمان أولى لأنه آخر مذكور، فتكون المراحل كلها في تلك الأربعين ذاتها. قال ابن الزَّمْلَكانِيّ ﵀ (٢) في الجمع بين الروايات: «وأما حديث البخاري فينزل على ذلك، إذ معنى يجمع في بطن أمه، أي يحكم ويتقن، ومنه رجل جميع أي مجتمع الخلق. فهما متساويان في مسمى الإتقان والإحكام لا في خصوصه، ثم إنه يكون مضغة في حصتها أيضا من الأربعين، محكمة الخلق مثلما أن صورة الإنسان محكمة بعد الأربعين يوما، فنصب مثل ذلك على المصدر [أي مثل ذلك في الجمع والإتقان] لا على الظرف. ونظيره في الكلام قولك: إن الإنسان يتغير في الدنيا مدة عمره، ثم تشرح تغيره فتقول: ثم إنه يكون رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم هرما ثم يتوفاه الله بعد ذلك.

стр. 680

وذلك من باب ترتيب الإخبار عن أطواره التي ينتقل فيها مدة بقائه في الدنيا. ومعلوم من قواعد اللغة العربية أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي بين الخبر قبلها وبين الخبر بعدها إلا إذا جاءت قرينة تدل على أنها لا تفيد ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤]. ومن المعلوم أن وصية الله لنا في القرآن جاءت بعد كتاب موسى، فـ (ثم) هنا لا تفيد ترتيب المخبر عنه في الآية. وعلى هذا يكون حديث ابن مسعود: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك (أي في ذلك العدد من الأيام) علقة (مجتمعة في خلقها) مثل ذلك (أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين) ثم يكون في ذلك (أي في نفس الأربعين يوما مضغة مجتمعة مكتملة الخلق المقدر لها) مثل ذلك أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين يوما» (١). وقد تحمل «ثم» في رواية البخاري على أنها للترتيب الجمعي دون الزمني. وبهذا الجمع تنسجم الروايات مع ظاهر القرآن وبعضها البعض وهو الأهم، ولا يكون فيها مخالفة للعلم الحديث. أما كون الجنين يكون له قلب نابض بعد أربعة أسابيع، فكيف نسميه مضغة؟ فليس اعتراضًا وجيهًا وذلك أن لفظة مضغة تحتمل ذلك، والله تعالى يقول ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] أي أن التخليق يظهر في زمان المضغة (٢). ولا يبعد أن يقال إن حديث حذيفة يدل على كون مراحل النطفة والعلقة والمضغة تتم في الأربعين الأولى، وليس فيه دلالة واضحة أنها تمتد إلى آخر الأربعين، بل الواضح فقط أنه عند الأربعين يبدأ التمايز وتسريع عملية التخليق.

стр. 681

• الترجيح: إن الحق الذي ينبغي المصير إليه، فيما أرى، أن المراحل الثلاث تنتهي في الأربعين الأولى وبذلك يمكن الجمع من غير تكلف بين خبر ابن مسعود وخبر حذيفة وظاهر القرآن الذي يقضي بأن العظام تخلق بعد مرحلة المضغة. ولكن هل هذا يعني بالضرورة أن الروح تنفخ بعد الأربعين الأولى؟ الجواب لا، فإنه لا دليل على ذلك سوى تلك الرواية عن حذيفة عند ابن أبي عاصم في «السنة». وليس لفظ حديث ابن مسعود عند البخاري أولى بالشذود من هذه الرواية. يبقى أنه ما من دليل من القرآن والسنة على كون نفخ الروح بعد الشهر الرابع إذا فهمنا حديث ابن مسعود بما رجحنا من أن الأربعينات الثلاثة إنما هي أربعون واحدة. ولكن الحق أن هناك من نقل إجماع الأمة على كون نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يومًا. • ذكر القُرْطُبِيّ ﵀ في تفسيره: «لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس» (١). • وقال العيني (٢) ﵀: «واتفق العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر

стр. 682

ودخوله في الخامس» (١). • وفي «الديباج على مسلم»، نقل عن النَّوَوِيّ ﵀: «وظاهر هذا الحديث إرساله بعد مائة وعشرين يوما، وفي الروايات بعده أنه بعد أربعين أو بضع وأربعين ليلة، وهي مؤولة بما يشار إليه لاتفاق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (٢). • وقد نقل ابن حَجَر ﵀ عن الفاضل علي بن المُهَذَّب الحموي الطبيب ﵀ قوله: «واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (٣). • ونقل ﵀ كذلك عن القاضي عِياض ﵀ قوله: «ثم يكون للملك فيه تصور آخر وهو وقت نفخ الروح فيه حين يكمل له أربعة أشهر كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (٤). • وقال ﵀: «قوله ورد في الخبر أن الولد إذا بقي في بطن أمه أربعةَ أشهر نفخ فيه الروح متفقٌ عليه مجمعٌ بين أهل الحديث على صحته من حديث زيد بن وَهْب عن ابن مسعود حدثني الصادق المصدوق إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ ... الحديث» (٥). وهذا إجماع نقله غير واحد من المحققين، فلا نجد مساغًا لمخالفته، سيما ونحن لا نجد من صرح بمخالفته من المتقدمين، بل إن ابن الزَّمْلَكانِيّ الذي انتصر لانتهاء المراحل الثلاث في الأربعين الأولى لم يقل إن نفخ الروح يكون قبل أربعة الأشهر.

стр. 683

فإن قيل كيف نقبل هذا الإجماع ومستنده على غير ما فهمه الجمهور وأدى إلى هذا الإجماع؟ كان الجواب بأن الإجماع نصي وغير نصي، وكلاهما إجماع مقبول، وإن لم يعلم المستند من النص، فإن الأمة معصومةٌ بمجموعها. * وليس هذا الحديث هو الدليل الأوحد على نفخ الروح بعد أربعة الأشهر، وإن كان الوحيد بهذه الصحة والصراحة، ولكن هناك أدلة أخرى منها: ١ - إشارة القرآن: فإن الله تعالى يذكر أن نفخ الروح إنما يكون بعد التسوية فيقول: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]. فالنفخ ينبغي ألا يكون إلا بعد التسوية، وكما ذكر العيني ﵀: «بعد تمام التصوير» (١). ولا شك أن التسوية تكون بعد خلق العظام واللحم ليصلح الجسم لأن يكون خلقًا آخر كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وجمهور أهل التفسير على أن المقصود بإنشائه خلقًا آخر هو نفخ الروح (٢). ومن الطريف أن ابن حَزْم ﵀ بدأ بهذه الآية لما أراد أن يستدل على كون نفخ الروح إنما يكون بعد تمام أربعة الأشهر (٣).

стр. 684

ولو كانت مرحلة المضغة تنتهي عند المائة والعشرين كما هو ظاهر حديث ابن مسعود ﵁ لكان نفخ الروح سابقًا لتمام التسوية وخلق العظام واللحم، فلزم أن يكون هناك مدة بين انتهاء مرحلة المضغة والتسوية التي يحصل بعدها النفخ. ٢ - ولقد جاءت عدة آثارٍ عن الصحابة والتابعين ذكروا فيها أن نفخ الروح يكون بعد المائة والعشرين، ولا يقولون في ذلك بالاجتهاد. أ- ففي «جامع العلوم والحكم»: «فأما نفخ الروح فقد روي صريحا عن الصحابة ﵃ أنه ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود فروى زيد بن علي عن أبيه عن علي قال: «إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فينفخ فيها الروح في الظلمات فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]» خرجه ابن أبي حاتم وإسناده منقطع. وخرج اللالَكَائِيّ (١) بإسناده عن ابن عباس قال: «إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا ثم نفخ فيه الروح ثم مكثت أربعين ليلة ثم بعث إليها ملكًا فنقفها في نقرة القفا وكتب شقيًّا أو سعيدًا» وفي إسناده نظر» (٢). ب- وعن سعيدِ بن الْمُسَيَّبِ ﵀ في السقط إذَا وَقَعَ ميِّتا قال: «إذَا نُفِخَ فيه الرُّوحُ صُلِّيَ عليه وَذَلِكَ لأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» (٣).

стр. 685

وهذه الآثار، وإن كانت لا تخلو في أكثرها من مقال، إلا أنها تصلح مجتمعة للاعتضاد. ٣ - والدليل من المعقول على أن الروح تنفخ بعد المائة والعشرين يومًا هو ما تقدم معنا في المقدمة الطبية من أن المرأة تشعر بحركة الحمل عند الأسبوع الثامن عشر (أو ستة وعشرين ومائة يوم (١٢٦) من الإخصاب). وعند نهاية العشرين (١٤٠ يومًا من الإخصاب)، يكون قد تم تكوين وتمايز منطقة المهاد الهامة جدًّا في الدِّمَاغ، ويكتسب الجنين السمع والقدرة على التكيف. وهذا هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يعيش الجنين عنده خارج الرحم. • إن القول بالتفريق بين مراحل التخليق الثلاث ونفخ الروح هو الأظهر لي من حيث قوة الأدلة والسلامة من المعارضة. ولعل ابن عَابِدِين ﵀ قد أشار إلى هذا في حاشيته حيث قال: «وعبارته في عقد الفرائد، قالوا: يباح لها أن تعالج في استنزال الدم ما دام الحمل مضغة أو علقة ولم يخلق له عضو وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوما، وإنما أباحوا ذلك لأنه ليس بآدمي كذا في النهر. أقول: لكن يشكل على ذلك قول البحر: إن المشاهد ظهور خلقه قبل هذه المدة وهو موافق لما في بعض روايات الصحيح «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ... » وأيضا هو موافق لما ذكره الأطباء فقد ذكر الشيخ داود في «تذكرته» أنه يتحول عظاما مخططة في اثنين وثلاثين يوما إلى خمسين ثم يجتذب الغذاء ويكتسي اللحم إلى خمس وسبعين ثم تظهر فيه الغاذية والنامية ويكون كالنبات إلى نحو المائة ثم يكون كالحيوان النائم إلى عشرين بعدها فتنفخ فيه الروح الحقيقية الإنسانية. نعم نقل بعضهم أنه اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر أي عقبها كما صرح به جماعة ... ولا ينافي ذلك ظهور الخلق قبل ذلك لأن نفخ الروح إنما يكون بعد الخلق» (١).

стр. 686

• تبين مما سبق أن نفخ الروح يكون بعد المائة والعشرين على الأظهر. لذا فإن التطور في المعارف الطبية لن يؤدي إلى تغير كبير في الفتوى، وإن غير في فهمنا لمراحل التخليق ورجح ظاهر حديث حذيفة ﵁ عند مسلم ﵀ على ظاهر حديث ابن مسعود ﵁ عند البخاري ﵀ الذي ينبغي أن يُردَّ فهمُه إلى لفظه عند مسلم. ولكنَّ تطور هذه العلوم وإدراكَ المعاصرين لحقيقةِ مراحلِ التخليقِ من خلالها قد أدى إلى نوعٍ من زيادة التحفظ في إباحة الإجهاض حيث إنه من الواضح أن المعاصرين أكثر تحفظًا من المتقدمين بهذا الصدد. * * *

стр. 687

فرع: هل يجب القِصاص في الجناية على الجنين بعد نفخ الروح ؟ اختلف الفقهاء في وجوب القِصاص إذا تمت الجناية على الجنين بعد نفخ الروح فيه، فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية (١) إلى أن الجناية على الجنين قتل خطأ لا يجب فيه القِصاص، فإن سقط ميتًا وجبت الغرة والكفارة - عند من قال بها - وإن سقط حيًّا ثم مات وجبت الدِّيَة كاملة. وذهب الظاهرية (٢) وبعض المالكية (٣) وابن الجَوْزِيّ (٤) من الحنابلة إلى أن الجناية على الجنين بعد نفخ الروح توجب القِصاص، وفي ذلك يقول ابن حَزْم ﵀: «فإن قال قائلٌ فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها فقتله؟ فمن قولنا أن القوَد واجب في ذلك ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه فتجب الغرة فقط لأنها دية، ولا كفارة في ذلك لأنه عمد. وإنما وجب القوَد لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدًا، فهو نفس بنفس وأهله بين خيرتين إما القود وإما الدِّيَة أو المفاداة كما حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل مؤمنا وبالله تعالى التوفيق» (٥).

стр. 688

ولعل من أسباب ذَهاب الجمهور إلى عدم وجوب القِصاص في قتل الجنين هو تعذر إثبات العمد في قتله، حتى وإن ضرب الجاني بطن أمه؛ قال ابن قُدامة ﵀: «والجناية على الجنين ليست تعمدًا لأنه لا يتحقق وجوده ليكون مقصودًا بالضرب» (١). ولكن ماذا يقال في عمليات الإجهاض التي يقوم بها الطبيب من غير عذر؟ إن وجود الجنين متحقق عن طريق الأشعة الصوتية وغيرها من علامات يقينية، والقصد إلى إزهاق روح الجنين متعمد مما لا يدع مجالا للشك. لذا فقد يحتمل هنا رجحان قول الظاهرية وبعض المالكية وابن الجَوْزِيّ من الحنابلة بوجوب القِصاص، ولكن المعارض سينفي تمام التماثل بين النفسين اللازم للقصاص (٢). * * *

стр. 689

مسائل أخرى تستحق البحث في باب القضاء والحدود من المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب ولم تبحث في هذه الرسالة: • إثبات حد السكر بالتحاليل: الخلاف في ثبوت حد السكر بالرائحة والتقيؤ معروف، فهل تحاليل النَّفَس والدَّم بنفس القوة كالرائحة والتقيؤ، أم هي دون ذينكما أو فوقهما. • ثبوت الزنا بالتحاليل والأشعة الصوتية وغيرها: الخلاف في إثبات الزنا وإقامة الحد بظهور الحمل معروف، فهل تقوم التحاليل الطبية والأشعة مقام ظهور الحمل؟ وعندها يثبت الحد، فإن أسقطت قبل ظهور الحمل أو تزوجت بعد ثبوت الحمل طبيًّا ثم ظهر الحمل حدت. • هل تحمِل العذراء؟ وتحرير القول في ذلك طبيًّا بالإيجاب يفيد إمكانية درء الحد عمن ظهر حملها وأنكرت حصول الوطء. • إسقاط حد الزنا عند شهادة العدول على وجود البكارة: الطب الحديث يفيد إمكانية بقاء غشاء البكارة بعد الوطء، فهل يغير ذلك في درء حد الزنا عن الفتاة التي قامت عليها البينة ووجد غشاء بكارتها سليمًا؟ • هل يلزم تأخير الحد عن المستحقة للرجم بعد الوضع وقبل إرضاعه اللبأ أو فطامه مع توفر الألبان البديلة. • قتل الجنين: لو ضرب امرأة منتفخة البطن فادعت أنها كانت حاملا وأن الضارب قتل جنينها

стр. 690

وافتقدت حركته، لم يكن على الضارب الغرة في قول عامة الفقهاء حتى تسقط الجنين، وذلك لعدم التحقق من وجود الجنين. والآن صار التحقق ممكنًا، فهل تتغير الفتوى؟ ضرب امرأة فأسقطت ذكرًا وأنثى: فإذا استهل أحدهما وادعت أنه الذكر وادعى أنها الأنثى فالبينة من أحدهما أو اليمين من الجاني. والجديد أن الطب الشرعي يمكنه تبيين أي الدعوَيَيْن الصادقة. فهل يقبل قول الطب الشرعي هنا؟ • بيان سبب الموت عند الإشكال: كما هو الحال عند تجاذب جماعة ووقوعهم في بئر، فالطب الشرعي يبين سبب الموت. فهل يؤخذ به؟ وقد ينفع في حالات القتل سواءٌ باشتراك أو من غيره. • دية الأنثيين: لا فرق بين الأنثيين في الطب الحديث من حيث المنفعة، لذا ينبغي أن يحكم بضعف القول المنسوب إلى سعيد بن المُسَيَّب في كون الدِّيَة في اليسرى ضعف اليمنى لأنها التي يكون منها الولد. • التذفيف على منفوذ المقاتل ومن بانت حشوته: لا شك أن الطب، والجراحة على وجه الخصوص قد حصل فيهما من التطور ما جعل المذفف على من بانت حشوته أو نفذت مقاتله قاتلا، وذلك لأنه سواء قدر لذاك الرجل أن يعيش أو لا يعيش، فإن إنقاذ حياته ممكن، وينبغي أن يسعف، والمذفف منع من إنقاذ حياةٍ من الممكن الآن إنقاذها. • قطع أحدهم يد رجل من الكوع ثم قطعها آخر من المَرفِق قبل أن يندمل الجرح الأول: فإن مات المقطوع، فهل يقتص منهما أم من الأول؟ خلاف بين أهل العلم؛ فهل يسهم الطب الحديث في حله؟

стр. 691

الخاتمة

стр. 692

الخاتمة أهم نتائج البحث: ١ - زاد يقيني بعصمة الكتاب وصحيح السنة من كل خطأ، وبإعجازهما، ولا عجب في ذلك فهما الوحي المنزل من خالق الكون تعالى وواضع ناموسه، فلزم من ذلك أن آياته الكونية والشرعية لا تتعارض وتتناقض، بل تتعاضد وتتوافق. ٢ - زاد يقيني بعصمة الأمة في مجموعها، وأنها لم تطبق على خطأ. فالإجماع المنعقد المعتبر لا يمكن أن يظهر خطؤه، فإنه لا تزال طائفة من أمة محمد على الحق ظاهرة. ولكن نقل الإجماع لا يعني الإجماع إذا ثبت وجود المخالف، وقد يشتهر القول حتى يظنه البعض إجماعًا وليس كذلك. ٣ - زاد يقيني بعظمة موروثنا الفقهي ومرونته، وأن الشريعة هي وحدها الصالحة للحكم بين العباد، وأنها قادرة على استيعاب كل جديد. ٤ - زاد يقيني بعظمة فقهائنا وصلاحهم وأنهم استفرغوا الوسع في طلب الحقيقة. ٥ - زاد يقيني بأن العصمة التي هي لهذه الأمة الخيرية لا يمكن أن تختزل في مذهب أو إمام، وأن الواجب - مع التقدير الكامل لمذاهب المجتهدين - أن نطلب الحق الموافق للدليل في أي مذهب معتبر وألا نحجر واسعًا، فنحصر الإسلام في مذهب واحد، فيلزم إن ثبت خطؤه نسبة الخطأ للإسلام. ٦ - زاد يقيني بأهمية التحقيق عند نقل الآثار والتعاطي معها، حتى لا ندخل في الدين ما ليس منه، فيلحقه الخطأ. ٧ - تطور المعارف والصناعة الطبية لم يأت بما يناقض نصّا صريحًا صحيحًا أو إجماعًا منعقدًا معتبرًا، ولا يتصور ذلك أصلا.

стр. 693

تبين لي ما يأتي: ١ - لما كان الفقه والطب معنيين بصلاح ذلك الكائن البشري، حصل بينهما من التداخل ما يعرفه المشتغلون بأيهما، فإن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان، وهذا البدن محل للتكاليف الشرعية، وأحكام الأخيرة هي موضوع علم الفقه. ٢ - أهل السنة لا يهملون ما ثبت ببديهة العقل وأوائل الحس بل إنهم يؤولون ظواهر النصوص التي تخالف ذلك، بل ويأخذون بدليل الحس في الحكم على صحة الأخبار. ٣ - الفتوى - دون الحكم الشرعي - تتغير لا لمجرد تغير الزمان والمكان، ولكن باعتبارهما أوعية لما يكون فيهما من الحوادث والعادات والأحوال المختلفة. والفتوى عند اختلاف ذلك تتغير بضوابط فصلت في البحث. ولا يقدر على هذا المعترك الصعب إلا الراسخون من أهل العلم. ٤ - تطور العلوم الطبية أثبت بعض الخطأ في تقديرات بعض فقهائنا - رحمهم الله تعالى - فلقد بذلوا وسعهم في تحقيق مناط الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع الناس ومعالجة قضاياهم في ضوء الكتاب والسنة - فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء - إلا أن الكتاب والسنة معصومان، وتقديرات الفقهاء - وهم بشر - غير معصومة، فلا عيب إذًا أن يخطئوا تبعًا لخطأ أطباء عصرهم، لأنهم سألوا «أهل الذكر» في الطب بأزمنتهم كما كان ينبغي عليهم؛ ولكن يكون عيبًا أن يُثبَت الخطأ ونَسْتكبر عن تصحيحه. ٥ - بالإضافة إلى إظهار المعارف الطبية الحديثة خطأ أحد الأقوال وصواب الآخر، فإن تطورها قد يؤدي إلى تغير الفتوى في أبواب الوسائل، فقد عمل الأولون بالقيافة في إثبات النسب، والآن البصمة الوراثية أدق منها بلا نزاع. وكذلك فإن بعض ما كان متعذرًا في الأزمنة السابقة سار ميسورًا، ومن ذلك استيفاء القِصاص عن طريق

стр. 694

الجراحين، فإنه يوسع دائرة الممكن في الاستيفاء. وربما يؤدي تطور الطب إلى بعض النوازل التي تحتاج إعادة النظر في بعض ما استقر في كتب الفقه، فمثلًا مع وجود أجهزة الإنعاش الحديثة، تبرز الحاجة إلى مراجعة علامات الموت. ٦ - هناك مسائل يُظَن أو يُشاع أن الفتوى تغيرت فيها بسبب تقدم العلوم الطبية وليس الأمر كذلك، فأحيانًا يكون تقدم العلوم الطبية عديم الأثر على المسألة محل الخلاف أو لا يحسم الخلاف فيها بين الفقهاء. ٧ - الأطباء قد يختلفون في تقديراتهم، والفقهاء ينبغي أن يستوثقوا لفتواهم سيما في الأمور العامة، وإن كان ذلك لازمًا في وقائع الأعيان كذلك. إن الفقه قد سبق الطب بقرون في ترتيب درجات قوة الدليل، وإن الطب الآن يجعل رأي الخبير من الأدلة الضعيفة، فلا بد من مراجعة الأطباء وأن يطلب منهم الاستيثاق من قوة الدليل وربما أفادت المناظرة بينهم. ٨ - ختان النساء جاءت فيه آثار ولا شك أن منها ما هو في «الصحيح»، وإن كان غير صريح في الأمر به أو الحض عليه، ومنها ما وقع الخلاف بين أهل العلم فيه، وهذا القسم أصرح في إثبات مشروعية الختان للنساء. إلا أن أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان - وهي في الصحيح - لا معنى لحملها على الرجال دون النساء، وقد ثبت أن الختان يشمل الرجال والنساء كما هو واضح من حديث مس الختان الختان، فالذي ترجح عندي هو استحبابه. ٩ - حد الختان السني هو قطع قُلْفَة البظر لا البظر، وليست هناك دراسات موافقة للمعايير العلمية تثبت ضرر قطع القُلْفَة دون البظر، بل وحتى مع قطع جزء من البظر. ولكن الدراسات أثبتت ضرر قطع البظر كاملا وكل ما هو فوق ذلك من أنواع الختان البدعي والذي ينبغي على المخلصين محاربته.

стр. 695

١٠ - الإسلام يحفظ للمرأة حق الاستمتاع ويمنع العدوان على بدنها، ويوجب كامل الدِّيَة في العدوان على فرجها. ١١ - لا بد أن ننظم عملية ختان البنات، وإنما يكون ذلك بإسناد هذه الممارسة إلى الأطباء وهم أولى بها وأهلها، وكذلك بإيقاف الأطباء على حقيقية الختان وحَدِّه. ١٢ - بشأن استعمال الماء المشمس، الذي ترجح لي هو إباحة استعماله في الطهارة بإطلاق وليس ذلك لثبوت عدم ضرره، ولكن لشدة ضعف الآثار المروية، ولعدم ثبوت ضرره طبيًّا. ١٣ - بشأن الحيض، الطب الحديث يستطيع المساعدة في تمييز المراحل المختلفة للدورة الحيضية عبر قياس الهرمونات في الدم، واستخدام هذه التقنيات من شأنه أن يرفع الالتباس في كثير من هذه الحالات التي يصعب فيها على المرأة تمييز الحيض من الاستحاضة أو تمييز بداية الحيض. ١٤ - بشأن أدنى سن للحيض، فإن القول الذي ترجح عندي هو أن الحيض قد يقع قبل العاشرة في أي سن ولكن لا يكون له أثر في الأحكام الشرعية والتكاليف حتى تبلغ الجارية العاشرة. ١٥ - بشأن أعلى سن للحيض، ترجح عندي ترك التحديد في حال وجود الثقات من الأطباء وتنصح المرأة بمراجعة الطبيب إذا تغيرت عادتها في السن الكبيرة أو استمر بها الحيض بعد الخامسة والخمسين. فإن عدم الثقات من الأطباء فتنصح المرأة باعتبار دمها حيضًا ما لم تتغير عادتها وما لم ينقطع حيضها فترة طويلة حتى تبلغ الخامسة والخمسين، فإن بلغتها وبقيت ترى الدم، فينبغي أن يزداد تحريها لكونه حيضًا لا دم فاسد، فإن بلغت الستين فليس الدم حيضًا إلا فيما ندر جدًّا ولا عبرة بالنادر.

стр. 696

١٦ - أما عن الدورة الحيضية، فقد بينت أن الفطرة هي كون الدورة موافقة للأشهر القمرية. وقد تقل مدة الدورة الحيضية أو تزيد فيما يعتبر أمرًا مرضيًّا ولكنها على أي حال تبقى دورة حيضية من الناحية الشرعية ما دامت لا تتكرر أكثر من مرتين في الشهر. ١٧ - أما أكثر المدة بين الدورتين، فإن الفقهاء متفقون على أنه لا حد لأكثر الطهر. ١٨ - أقل الحيض: اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل: إن أقل الحيض نقطة. ١٩ - أكثر الحيض: الحيض (بمعنى خروج الدم الأسود الذي يعرف والناشئ عن تساقط بطانة الرحم) قد يستمر وقد بينت ذلك النصوص حيث إنها لم ترد كل امرأة إلى التمييز، وبهذا يقول الطب. وحل المشكلة في التفريق بين نوعين من الحيض: الحيض العادي الطبيعي، وهو الذي تترتب عليه الأحكام وأكثره ستة أو سبعة الأيام كما هو في الشرع والطب كذلك. والحيض المرضي الذي قد يستمر لأشهر، وأغلب الأطباء متفقون على أنه إذا تجاوز الحيض عشرة أيام فإنه مرضي يحتاج إلى تشخيص وعلاج. وإن كانوا يرون أن الحيض لا يكون طبيعيًّا إذا استمر فوق سبعة أيام. ولو وجد قائل بأن أكثر الحيض سبعة أيام لكان قولا قويًّا، ولكن ليس هناك من حَدَّ أكثر الحيض بدون عشرة أيام فيكون إجماعًا. ٢٠ - أقل الطهر: الذي ظهر لي أن قول الجمهور بالخمسة عشر يومًا هو الأقرب إلى الصواب. ٢١ - لا حد لأكثر الطهر، وقد يكون ذلك مرضيًّا أو غير ذلك، وربما انتُفِع بالأطباء في العلاج من الحالات المرضية وتحديد سبب انقطاع الحيض. ولكن هذه المسألة لا تعد من المشكلات إلا في مباحث العدة.

стр. 697

٢٢ - ينبغي أن يستعان بالطب لإنهاء حيرة المُتَحَيِّرَة والمُبْتَدَأة ما امتهد إلى ذلك سبيل. ٢٣ - إن كانت الصُّفْرَة والكُدْرَة متصلة بالحيض وبعده، ويختلفان عما يصيب المرأة من الإفرازات في العادة فإنهما من بقايا الحيض. وقد يكون وجيهًا أيضًا أن تستعين المرأة بالطبيبة في تمييز ذلك. ٢٤ - فهم الفقيه لطبيعة الدورة الحيضية سيمكنه من حسن النظر والترجيح في مسائل الحيض. ولكنْ لن يحسم تطور الطب كل إشكالات باب الحيض، ففي بعض الحالات قد يستمر تساقط جدار الرحم بلا انقطاع وهذا حيض من جهة الطب ولا يكون كذلك من جهة الفقه، وقد يحكم الطب بحيض بنت السادسة ويأبى الفقه أن يلزمها بتكاليف الإسلام كافة. هذا بالإضافة إلى عدم قدرة الكثير من النساء على زيارة الأطباء. ٢٥ - الأصل أن الحامل لا تحيض وغيره الاستثناء النادر فلا ينبني عليه الحكم. وقد يسوغ القول بأن ما يكون من نزيف بسبب الولادة وقبيلها يأخذ حكم النفاس كما هو قول الحنابلة. ٢٦ - يثبت النفاس بقول الطبيب الثقة أن ما وضعته المرأة كان حملا سقط، فإن لم يتوفر الطبيب، فيُرجَع إلى ما قاله الفقهاء من اعتماد ظهور خلق الإنسان أو الصورة الخفية التي يحصل معها الاطمئنان إلى كون الموضوع حملًا. ٢٧ - أكثر النفاس: الطب الحديث يقرر أن الرحم ربما بقي يطرد بقايا إفرازاته إلى مدة أقصاها ستة إلى ثمانية أسابيع، وعليه فإن القول الأسعد حظًّا بموافقة المعارف الطبية المعاصرة هو قول من قال بالستين يومًا. ٢٨ - النفاس من التوأمين: الذي ظهر لي هو قوة القول بأن لكل ولادة نفاسًا، والدم النازل بعد كل ولادة إنما يكون بسببها لا دم علة وفساد باتفاق الأطباء. أما العدة فإنما تتعلق بفراغ الرحم من الحمل إجماعًا.

стр. 698

٣٩ - موت الدِّمَاغ: أكثر العلماء متفقون على جواز رفع أجهزة الإنعاش عمن مات دماغه، وهو الحق والصواب لأن التداوي ليس كله واجبا. أما مسألة الحكم بالموت على ميت الدِّمَاغ فلا ريب أن لكل من الفريقين دليله والقطع برجحان أحد القولين على الآخر لم يظهر لي. وقد يكون هناك مخرج من الحكم بموت ميت الدِّمَاغ لنقل الأعضاء، وهو نقل ميت الدِّمَاغ إلى غرفة العمليات ونزع الأجهزة فيها ثم التربص به حتى يتوقف قلبه ومن ثم يحكم بموته اتفاقًا وعندها يتم نقل الأعضاء المُحْتاج إلى نقلها بما في ذلك القلب. ٣٠ - التشريح: الذي ظهر لي هو صواب قول الجمهور بجواز التشريح، ولقد اشتدت الحاجة إليه مع تطور الصناعة الطبية. وهناك ضوابط مهمة للتجويز كوجود الحاجة وانعدام البديل وإذن الأولياء واحترام الجثمان. ٣١ - الصيام: الذي ترجح لي هو قول من اعتبر قوة التحليل في الجَوْف الذي يفسد الصوم بوصول الأعيان إليه، وأن الفطر - بالإضافة لحصوله بكل ما يشابه الأكل في الصورة - يحصل بوصول الأعيان المغذية إلى المَعِدَة أو الأمعاء الدقيقة وكذا الغليظة، أو مباشرة إلى الدم، إذا كان الواصل مما ينتفع به الجسم كالسوائل والأملاح والجلوكوز، فإن كل هذا يشابه الأكل في المعنى. ٣٢ - الجلالة وإطعام الميتات للدواب: القول بتحريم أكل الجلالة وإطعام الميتات للدواب هو الذي ترجح لي، وذلك لظاهر النهي في النصوص. ولقد أظهرت المعارف الطبية الحديثة بعض حكم هذا النهي. ومع القول بأن الاستحالة يتغير الحكم بها، فإنها غير كاملة هنا، لأن ما يصنع بالميتات لجعلها علفًا، وإن غير الأوصاف الظاهرة كاللون والطعم والريح التي تثبت بها الأحكام في العادة، فإنه لا يخلص تلك الميتات من جميع المواد الضارة.

стр. 699

٣٣ - التدخين: ظهر لي من مراجعة أقوال الفقهاء المتقدمين الذين ناقشوا هذه المسألة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر أن خلافهم كان محوره حول حصول الضرر من التدخين، فمن أحله أو كرهه ادعى أنه لا ضرر منه وإن كان ثم فهو مختص ببعض المدخنين دون بعض، ولقد أثبت الطب أن ضرره البالغ ليس يصيب فقط المدخن بل من حوله. ٣٤ - الاستمناء: حيث إنه لا يوجد دليل صحيح صريح على التحريم؛ فإن الأصل فيه على البراءة والحل، وتتوجه الكراهة لمن فعله لغير حاجة لكونه مما يترفع عنه كبار النفوس وأصحاب الفضل. أما من فعله لحاجة، فليس عليه بأس. ولكن هناك تدابير ينبغي أن تراعى وتتبع لإحصان النفس وتسكين الشهوة هي مقدمة على الذي ذكرنا وأفضل وأولى بأصحاب النفوس الكبيرة، ومن هذه التدابير ما هو نصائح نبوية لا يفرط فيها إلا من سفه نفسه. ٣٥ - التداوي: الراجح أن الوجوب هو الأصل في التداوي من الأمراض المضرة بالأدوية المأمونة وإن جرت على التداوي عمومًا الأحكام الخمسة. واتفق أكثر المعاصرين على وجوب التداوي في بعض الأحوال، كحالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب لخطر وحالات الأمراض المعدية. ولا ريب أن التداوي الذي تحدث عنه فقهاؤنا غير التداوي الذي يمارس اليوم. إن الدواء اليوم يُقطَع في بعض الأحيان بأنه ينفع من الداء بإذن الله كما يُقطَع بأن النار تحرق الخشب والسكين يقطع اللحم، ومن ثم فإنه لا يتصور في دين «لا ضرر» ألا يكون الأصل في التداوي غير الوجوب مع الظن الغالب بنفعه، والذي يقارب اليقين أحيانًا. ٣٦ - أدنى الحمل: التحديد بستة الأشهر من الآيتين استنباط حسن لطيف، ولكن ليس فيهما ما يقطع أن المولود لدونها لا يعيش. أما الإجماع، فنقله غير واحد من العلماء ولا نعلم لهم مخالفًا، ولكن الظاهر أنهم يقولون أن المولود لدون ستة الأشهر لا تكون له

стр. 700

حياة مستقرة لأن سبب الموت قد تعلق به. إذًا فستة الأشهر هي أدنى فترة للحمل يعيش معها الجنين من غير تدخل طبي. فإذا ما جاءت المرأة بوليد لستة أشهر أو فوقها من النكاح فإن نسبه يثبت لصاحب الفراش من غير مراجعة للطبيب، وإذا ما أتت به لدون ذلك وعاش بعد التدخل الطبي، روجع الأطباء لمعرفة حال الوليد وما إذا كان عمره عند ولادته دون ستة الأشهر من زمن الإخصاب. ٣٧ - أكثر الحمل: إن الطب الحديث لا يعرف حملا زاد على الخمسة والأربعين أسبوعًا ولا يتصور ذلك من خلال المعارف الطبية الحديثة. الحق إذًا الذي ينبغي المصير إليه مع عدم وجود النص من الوحي أن أكثر الحمل لا يتجاوز عشرة الأشهر، وقد يتجه أن يحتاط القانون فيجعل أكثر الحمل عامًا، كما هو قول محمد بن عبد الحكم ﵀. ويترتب على ذلك القول تغير الفتوى في أبواب عديدة كلحوق النسب واللعان وإقامة حد الزنا عند من قال به وتأخير الحد لأجل الحمل عند ادعائه والوقف والوصية على الجنين وغيرها. ٣٨ - الحمل من ماءين: إن الطب الحديث قد دعم رأي من قال بأن الحمل لا يكون من ماءين. ٣٩ - عدة التي انقطع حيضها: إننا لو تأكدنا من براءة رحمها بالوسائل الطبية الحديثة، ساغ أن تعتد ثلاثة أشهر كالصغيرة والآيسة. ٤٠ - أدنى سن البلوغ: الذي ظهر لي أنه ليس للبلوغ حد أدنى من الناحية الطبية، وأن تعتبر كل حالة بعلامات البلوغ، فإن ظهرت علاماته ولو قبل السن التي حددها الفقهاء حكم بالبلوغ العادي دون الحكمي، ولكن لا يكون التكليف قبل العاشرة. ٤١ - أعلى سن للبلوغ: الذي ظهر لي أن التحديد بسن الخامسة عشرة - وهو قول الجمهور - الأولى بالصواب، وهذا من جهة المنقول وكذلك المعقول، فإنه عندها يكون الأغلب الأعم من الأطفال قد بلغوا، ولا عبرة بالنادر.

стр. 701

٤٢ - الخنثى: لتحديد جنس الخنثى عند وجود الأطباء الأكْفاء، ينبغي أن يعرض المولود أو الطفل على الطبيب الذي يقرر نوعه. والطبيب عندها يراعي في تحديد الجنس العديد من العوامل بالإضافة إلى الحقيقة الكروموسومية كالأعضاء الظاهرة وإمكانية العلاج، وكذلك يراعي الأحوال الاجتماعية. ثم إنه لا بد للطبيب في كل ذلك ألا يكون بمعزل عن الفقهاء، وألا ينفرد دونهم بالبت في هذه الحالات. ولا بد قبل ذلك على مستوى المجتمع من اضطلاع المجامع الفقهية والهيئات العلمية بدورها في هذا الشأن وتفصيل الأحكام فيه على ضوء العلوم والمعارف الحديثة. وعند فقدان الأكْفاء من الأطباء، فينصح بتربية المشكِل من كل وجه على أنه امرأة حتى يتيسر - إن تيسر - عرضه على الطبيب. ٤٣ - قرر المجمع الفقهي بمكة أن من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، ينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة، جاز علاجه طبيا، بما يزيل الاشتباه في أنوثته. ٤٤ - العمل بالقرائن: الذي ظهر لي هو أن الأدلة شاهدة على مشروعية العمل بالقرائن في غير الحدود والقِصاص، سيما فيما يتعلق بالخصومات بين العباد، ولا يتحقق العدل من غير ذلك، ولا يكون للقضاء والقانون هيبة إلا به، فإن أنواع الجريمة تتعدد وأساليبها ليست تنحصر وهي تزداد يومًا بعد يوم، فلا يسوغ أن نحصر أدلة الإثبات ونكبل أيدي القضاة. أما الحدود والقِصاص، فلابد من العمل بالقرائن فيهما في مرحلة التحقيق الجنائي للتضييق على المتهم واستدراجه، ثم إنه إن كانت القرينة قاطعة ولم تكن هناك بينة مما جرى العمل عليه مما في نصوص الوحيين وعمل الصحابة دفع الحد بالشبهة، ولزمت العقوبة التعزيرية التي

стр. 702

يقدرها القضاء. أما شرب الخمر، فيقضى فيها بالقرينة القاطعة سواءٌ التي جرى العمل بها أو ما يساويها أو يزيد عليها، وهذا لما لها من خطر عظيم على المجتمع، ولثبوت ذلك عن رهط من الصحابة. وفي السرقة يغرم السارق إن وجد عنده مالٌ للمسروق منه ويعاقب بعقوبة رادعة دون الحد. أما القِصاص فيقضى فيه بالدِّيَة لعظيم حق الدماء، ويقضى بتعزير لائق عند قوة القرينة مراعاةً لحق المجني عليه والمجتمع. ٤٥ - البصمة الوراثية: هي طريقة في إثبات الهُوِيَّة والنسب عاليةُ الدقة، وتحل محل القيافة عند من قال بها بطريق الأولى، ولا يقتصر دورها على ذلك، بل تستعمل فيما لا تجوز فيه القيافة للفرق الشاسع بينهما. ٤٦ - استيفاء القِصاص: التطور في العلوم الطبية الحديثة لا يثبت صحة مذهب وخطأ آخر بهذا الصدد، ولا يرجح قولا على قول، فإنما كانت هذه الأقوال نتاجًا لواقع غير الذي نحياه، فكان الحري بها أن تتفاعل مع هذا الواقع. أما الآن، فإن تطور الجراحة يمكننا من استيفاء أكثر أنواع الجروح والشجاج سوى الجائفة والهاشمة والآمة والدامغة لعظم الخطر. وبالنسبة لإزالة المنافع، فلعل الطب الحديث ضيق إمكان الاستيفاء في هذا الباب، لأن الأطباء لا يرون من الممكن استيفاء القِصاص بإزالة منفعة غير البصر. وبالنسبة للقطع من غير مَفصِل، فإن الطب الحديث يستطيع تحقيق مطلق المماثلة واجتناب الزيادة المطلقة، وهو المطلوب - على الصحيح - فوسع بذلك دائرة الاستيفاء في كل قطع من غير مفصل لا يكون مخوفًا في حكم أهل الخبرة. وبالنسبة للاستيفاء من كسر العظام، فكذلك يوسع الطب الحديث من إمكانية ذلك في الأطراف دون عظام الرأس والصدر والفخذ والظهر لمكان الخطر.

стр. 703

٤٧ - الإجهاض وبداية الحياة الإنسانية: يكون نفخ الروح بعد المائة والعشرين للإجماع. لذا فإن التطور في المعارف الطبية لن يؤدي إلى تغير كبير في الفتوى، وإن غير في فهمنا لمراحل التخليق، ورجح ظاهر حديث حذيفة عند مسلم على ظاهر حديث ابن مسعود عند البخاري الذي ينبغي أن يرد فهمه إلى لفظه عند مسلم. ولكن تطور هذه العلوم وإدراك المعاصرين لحقيقة مراحل التخليق من خلالها قد أدى إلى نوع من زيادة التحفظ في إباحة الإجهاض، حيث إنه من الواضح أن المعاصرين أكثر تحفظًا من المتقدمين بهذا الصدد. * * *

стр. 704

فهرس المراجع أ- المراجع العربية ١ - أبجد العلوم (الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم) [كتاب] / المؤلف صديق بن حسن القنوجي/ بتحقيق عبد الجبار زكار. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٧٨ م. ٢ - أبجديات البحث في العلوم الشرعية [شبكة] / المؤلف فريد الأنصاري// دعوة. -٧١٤، ٢٠٠٨ - www.daawa.ma/Docs/abajaditat.doc ٣ - أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي [كتاب] / المؤلف محمد سليمان الأشقر. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٢٢ هـ. - الأولى. ٤ - أبحاث علمية تؤكد ختان الإناث يحمي من سرطان الرحم [مقالة] / المؤلف منير فوزي وحاتم إسماعيل، أستاذا النساء والتوليد بجامعة عين شمس// جريدة اللواء الإسلامي. - القاهرة: جريدة اللواء الإسلامي، ١٩٩٥. ٥ - أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة [كتاب] / المؤلف محمد نعيم ياسين. - عمان: دار النفائس. - الثالثة. ٦ - أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء [كتاب] / المؤلف مصطفى سعيد الخن. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤١٨ هـ. - السابعة. ٧ - أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي (رسالة دكتوراه). نسخة الكترونية مهداة من المؤلف للباحث [كتاب] / المؤلف هشام بن عبد الملك آل الشيخ، استاذ الفقه بالمعهد العالي للقضاء بالسعودية. ٨ - أثر المستجدات الطبية في باب الطهارة [كتاب] / المؤلف زايد نواف عواد الدويري. - عمان: دار النفائس، ١٤٢٧ هـ. - الأولى. ٩ - أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها [كتاب] / المؤلف محمد علي البار. - جدة: دار المنارة، ١٤١٦ هـ. - الأولى.

стр. 705

١٠ - أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها [كتاب] / المؤلف محمد بن محمد المختار الشنقيطي. - المدينة: جائزة المدينة المنورة. - الثالثة. ١١ - أحكام الجنين في الفقه الإسلامي [كتاب] / المؤلف عمر بن محمد بن إبراهيم غانم. - جدة وبيروت: دار الأندلس الخضراء ودار ابن حزم، ١٤٢١ هـ. - الأولى. ١٢ - أحكام القرآن [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي الرازي الجصاص، أبو بكر/ تحقيق: محمد الصادق قمحاوي. - بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٥. ١٣ - أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية [كتاب] / المؤلف يحيى عبد الرحمن الخطيب. - عمان: دار النفائس ودار البيارق، ١٤٢٠ هـ. - الثالثة. ١٤ - أحكام المرأة الحامل وحملها [كتاب] / المؤلف عبد الرشيد قاسم. - الرياض: دار الكيان، ١٤٢٦ هـ. - الأولى. ١٥ - أحكام النساء [شبكة] / المؤلف عبد الرحمن بن علي البغدادي (ابن الجوزي) // شبكة مشكاة الإسلامية. -١٦، ٢٠٠٧ - book=٢٤١٦.http://www.almeshkat.net/books/open.php* cat=١٩ ١٦ - إحياء علوم الدين [كتاب] / المؤلف محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد. - بيروت: دار المعرفة. ١٧ - إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول [كتاب] / المؤلف محمد بن علي بن محمد الشوكاني/ تحقيق: محمد سعيد البدري أبو مصعب. - بيروت: دار الفكر، ١٤١٢ هـ. ١٨ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل [كتاب] / المؤلف محمد ناصر الدين الألباني. - بيروت ودمشق: المكتب الإسلامي، ١٣٩٩ هـ. - الأولى. - خرج فيه أحاديث (منار السبيل في شرح الدليل) أحد الشروح في الفقه الحنبلي للعلامة إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان المتوفى سنة (١٣٥٣ هـ) والذي شرح فيه (دليل الطالب) أحد المتون الحنبلية المعتمدة للعلامة مرعي بن يوسف المقدسي المتوفي سنة (١٠٣٣ هـ).
следующие страницы →