* بينما ذهب المالكية (١) والظاهرية (٢) إلى القِصاص فيها.
* ودليل القول الأول عدم إمكان المماثلة لأن الجُرح أو الشَّجَّة لا ينتهيان إلى عظم. وروي عن النبي ﷺ : «لا طلاق قبل ملك ولا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات» (٣). والحديث فيه انقطاع فلا يصح.
* ودليل أصحاب القول الثاني هو عموم الأمر بالقِصاص في الجروح وإمكان المماثلة، فالخلاف بينهم أكثره في تصور الواقع المحكوم عليه، وليس من نصٍّ صريحٍ صحيحٍ يحسم الخلاف.
ثم إن السبب الآخر للخلاف هو الفرق بين فهم المالكية وفهم الجمهور لشرط الأمن من الحيف الذي اتفقوا جميعًا عليه كما قدمنا.
أما اختلافهم في قطع بعض المارن والأذن واللسان والشفة والجَفْن والألْية وشفري المرأة فراجع أيضًا إلى إمكان المماثلة كونها تنتهي إلى حد أو لا؛ فمن رأى إمكانها قضى بالقِصاص وإلا فلا.
كسر العظام:
أما كسر العظام:
فالجمهور على عدم القِصاص في عظام البدن، وهم الحنفية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦).
стр. 632
بينما يرى المالكية القِصاص فيها (١). واتفقوا مع الجمهور على عدم الاستيفاء في كسر عظام الرأس (٢) وما يعظُم فيه الخطر كعظام الصدر والصُّلب والعنق وما أشبه ذلك (٣).
واحتج الجمهور بعدم إمكان المماثلة، وأن الكسر لا يكون إلا إذا أصاب ما حوله من اللحم ضرر لا يمكن تقديره. واستدلوا على المالكية باتفاقهم على عدم الاستيفاء في عظام الرأس فكذلك البدن (٤).
والجواب هو الفارق بين عظام الرأس وسائر البدن وأن المالكية لا يستثنون الرأس فقط بل والصدر والصلب والعنق وما أشبه ذلك مما في كسره خطر على حياة المستوفى منه، وكل ذلك جريًا على قاعدتهم في الاستيفاء ما أمكن ما لم يؤد إلى خطر الهلاك على الجاني فلم يتناقضوا.
أما عدم إمكان المماثلة المطلقة فإن المطلوب مطلق المماثلة وإلا تعطل القِصاص فيما دون النفس جملةً.
* واستدل المانعون من القِصاص في العظام بآثار منها:
ما رواه عبد الرزاق عن عِكْرِمَة يبلغ به النبي ﷺ قال: «لا قود في الشلل ولا في العرج ولا في الكسر وفيه العقل» (٥).
وما رواه ابن أبي شَيْبَة:
• «عن عَطَاء عن عمر قال إنا لا نُقيد من العظام ...
стр. 633
• وعن ابن عباس قال ليس في العظام قصاص ...
• وعن حُصَين قال كتب عمر بن عبد العزيز ما كان من كسرٍ في عظم فلا قصاص فيه ...
• وعن الشَّعْبِيّ قال ليس في شيء من العظام قصاص إلا الوجه والرأس ...
• وعن الزُّهْرِيّ قال ليس في الآمة ولا في الجائفة ولا في كسر العظام قصاص» (١).
أما ما روَوْه عن رسول الله ﷺ فلا يثبت للانقطاع وكذلك ما روَوا عن عمر وابن عباس (٢) وأما ما رووا عن التابعين فلا حجة فيه وإن صلَح للاستئناس والاعتضاد.
* ومتمسَّك المالكيةِ عمومُ الأمر بالقِصاص في الجروح وما في معناها من الشجاج وإبانة الأعضاء وإذهاب المنافع ما أمكن مُطلَق المماثلة وما أُمِن الهلاك. وهو الظاهر من مقصود الشرع والأقرب إلى العدل.
• ظهر مما سبق أنهم جميعًا متفقون على وجوب القِصاص إذا أمكن، بل حكى ابن قُدامة الإجماع عليه (٣) وليس في الوحيين استثناءٌ لشيءٍ إلا ما كان من استثناء ما لا يمكن فيه مُطلق المماثلة أو لا يؤمن فيه من هلاك المستوفى منه لما تقدم من أمره تعالى بالمماثلة ومن عصمة الجاني إلا بقدر جنايته وأن الشريعة مبناها على العدل.
• بقي أن كثيرًا من اختلافهم في التطبيق راجع إلى الخلاف في الإمكان، فمن الذي يرد إليه هذا الأمر؟ هذا موضوع المطلب الآتي.
стр. 634
المطلب الثاني: أقوال الفقهاء في الرجوع إلى الأطباء وأهل الخبرة
قرر الفقهاء ﵏ أن معرفة إمكان الاستيفاء واحتمال السراية والمماثلة وإمكان عودة المنفعة للمعتدى عليه وتقدير الجناية وغيرها مما يختص به أهل الخبرة من الأطباء والجراحين، وكانوا يحيلون عليهم ما يتعلق بذلك كله.
قال ابن مُفْلِح: «ولا قَوَد وَلا دِيَة لما رُجِي عودُه من عَيْنٍ أو منفعةٍ في مدةٍ يقولها أهلُ الخبرة» (١)
وقال: «وإِن اختلفا في ذَهاب بصره أُرِي أهلَ الخبرة» (٢).
وفي «الكافي»: «وإن قطعها من الكَتِف فقال أهل الخبرة يمكن الاقتصاص من غير جائفة فله ذلك لأنه متصل وليس له أن يقتص مما دونه وإن قالوا نخاف الجائفة فلا قصاص منها لأنه يخاف الزيادة» (٣).
وفيه: «ولا تؤخذ صحيحة بشلاء لأنها فوق حقه فأما الشلاء بالصحيحة أو بالشلاء فإن قال أهل الخبرة لا يخاف عليه اقتص لأنه يأخذ حقه أو دونه» (٣).
وفي «المُغْنِي»، قال ابن قُدامة: «خلعَ عظمَ المَنْكِب ويقال له مُشْط الكتف، فيرجع فيه إلى اثنين من ثقات أهل الخبرة، فإن قالوا يمكن الاستيفاء من غير أن تصير جائفة، استوفي وإلا صار الأمر إلى الدِّيَة» (٤).
стр. 635
وفي «إعَانَة الطَّالِبِين»، قال الدِّمْياطِيّ (١) ﵀: «نعم إن أمكن في كسر السن بقول أهل الخبرة وجب كأن يكون أصل الجناية بنحو مِنشار أو مبرد فتنشر سنُّ الجاني كذلك» (٢).
وفي «الطُّرُق الحُكمِيَّة»، قال ابن القَيِّم: «ومنها ما يختص بمعرفة أهلِ الخبرة والطب كالمُوضِحَة وشبهها» (٣).
وفي «مجمع الأنهر»، قال شَيْخِي زَادَه (٤) ﵀: «وقيل ذَهاب البصر يعرفه الأطباء، فيكون قول رجلين منهم عدلين حجةً فيه» (٥).
وهذا الذي ذكروا من الرجوع إلى الأطباء في معرفة قدر الجناية وإمكانية عود المنفعة أو العين وإمكانية المماثلة والأمن من الزيادة أو الهلاك بالسراية وغير ذلك يقودنا إلى المطلب القادم وهو معرفة ما أسهم به تطور المعارف والصناعة الطبية في تغير الفتوى في باب استيفاء القِصاص.
стр. 636
المطلب الثالث: رأي الطب الحديث في إمكانية استيفاء القِصاص
من غير حيف أو سراية
• الحقيقة أن الطب قد تطور في الجراحة تطورًا مذهلًا أسهم فيه التطور في التخدير والتعقيم وغير ذلك. وفي السنوات الأخيرة مكن التصوير بالكمبيوتر الجراحين من عمل جراحات تجميل فائقة الدقة، وقد ساهم في غيرها من الجراحات أيضًا. وهناك أنواع من الأشعة المغناطيسية والمقطعية التي تظهر الأعضاء داخل الجسم بجميع أبعادها.
إن هذا كله يمكن من تحديد قدر الجناية بدقة كبيرة، وكذلك من استيفاء القِصاص، مع تحقق مطلق المماثلة والأمن من الزيادة المطلقة.
• إن الطب إذًا قد يمكن من استيفاء القِصاص في كثير من الحالات التي لم يكن الاستيفاء فيها ممكنًا، ولكن هل يمكن ذلك في كل الجروح والشجاج والكسور وإبانة الأعضاء وإزالة المنافع؟
الحق أن ذلك غير ممكن، فإن هذه كلها ليست شيئًا واحدًا والكسور تختلف فيما بينها اختلافًا واسعًا، فربما كان الاستيفاء يسيرًا في كسر عظم العَضُد، ولكن عظام الفخذ والرأس مثلا لا يمكن فيها ذلك مع أمن عدم الزيادة الممنوعة والسراية (١).
стр. 637
وفي بحث الدكتور يوسف بن أحمد القاسم، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للقضاء، الموسوم بـ «استيفاء القِصاص فيما دون النفس على ضوء المستجدات الطبية»، (١) نقل فضيلته جواب لجنة طبية بمجمع الرياض الطبي عن استفساراتٍ وجهتها المحكمةُ الجزئية بالرياض إلى إدارةِ الطبِّ الشرعيِّ. ولتمام الفائدة أنقله هنا من غير تصرف:
• «استفسرت المحكمة الجزئية من إدارة الطب الشرعي بمجمع الرياض الطبي عن هذا الموضوع في خطابها رقم (٣٠٣٧: ٤) وتاريخ ٧: ٨: ١٤٢٦ هـ، وذلك عبر الأسئلة الآتية:
س ١ - هل يمكن القِصاص بلا حيف في الأطراف التي لا تنتهي إلى مفصِل، كالقِصاص بقطع الساق من نصفه، وكالقِصاص بقطع بعض الأذن؟
س ٢ - هل يمكن القِصاص بلا حيف من الجروح والشجاج التي لا تنتهي إلى عظم، كالقِصاص من الحارصة والبازلة والدامية، وكالقِصاص بما فوق الموضحة كالآمَّة والدامغة، وكالقِصاص بجرح الفخذ بما لا ينتهي إلى عظم، وكالقِصاص بلا حيف من الجائفة كقطع بعض الكُلْيَة أو الكبد؟
س ٣ - هل يمكن القِصاص بلا حيف بإزالة المنفعة، كإزالة منفعة السمع، أو البصر، أو المشي؟
بعد هذا، شكلت لجنة طبية بمجمع الرياض الطبي للإجابة عن استفسارات فضيلة رئيس المحكمة الجزئية، وتم عقدُ سبعةِ اجتماعاتٍ في مقر إدارة الطب الشرعي بالمجمع، وذلك خلال الفترة الممتدة من تاريخ ١٩: ١١: ١٤٢٦ وحتى تاريخ ٢٣: ١: ١٤٢٧ هـ، وكانت هذه اللجنة الطبية مكونة من:
стр. 638
١ - الدكتور محمد عبد الحميد حامدة (استشاري الطب الشرعي بوزارة الصحة).
٢ - الدكتور جعلود (استشاري الأنف والأذن والحَنْجَرَة بالمجمع الطبي).
٣ - الدكتور حامد صبح (استشاري جراحة العظام بالمجمع الطبي).
٤ - الدكتور طارق ظافر (استشاري الجراحة العامة بالمجمع الطبي).
٥ - الدكتور عبد الرحمن الصقيهي (استشاري جراحة العيون).
وبعد أن أجيب الأطباء عن بعض المصطلحات الفقهية والقضائية الواردة في خطاب المحكمة، أجابوا عن الاستفسارات بالإجابات الآتية:
١ - جواب السؤال الأول:
أ- لا يمكن القِصاص بلا حيف في الأطراف العلوية والسفلية (كالفخذين والساقين والقدمين، بالإضافة للعضدين والساعدين والكفين) كقطع الساق أو الساعد من نصفه، ولكن يمكن ذلك بصفةٍ تقريبية، وتؤخذ كل حالة بحسَبها.
ب- بخصوص القِصاص بلا حيفٍ في الأعضاء التي لها حد تنتهي إليه، كقطع الجزء الخارجي من الأذن والأنف أو بعضهما، فلا يمكن القِصاص بلا حيف، ولكن بصفة تقريبية، علمًا أنه لا يمكن ذلك في عظم الأنف، وتؤخذ كل حالةٍ بحسَبها.
٢ - جواب السؤال الثاني:
أ- لا يمكن القِصاص بشكل عام في الشجاج (جراح الرأس والوجه) بلا حيف، ولكن يمكن بشكل تقريبي.
أما ما يخص الهاشمة والآمة والدامغة، فهذه قد يكون القِصاص منها خطرًا على الحياة، وتؤخذُ كلُّ حالةٍ على حسبها.
ب- بخصوص الجراح غير الجائفة، فينطبق عليها ما ينطبق على الشجاج، مع الأخذ
стр. 639
بعين الاعتبار الأماكن في الجسم التي قد تتعطل فيها منفعة كبيرة للجاني مثل الإصابات في الظهر قرب العمود الفقري إذا خشي إصابة الحبل الشوكي.
ج- بخصوص الجراح الجائفة، كقطع بعض الكُلْيَة أو الكبد، فلا يمكن فيها القِصاص لوجود خطورة على حياة الجاني.
٣ - جواب السؤال الثالث:
أ- لا يمكن القِصاص بلا حيف بإزالة المنفعة، كإزالة منفعة السمع، أو منفعة الشم، وكذلك منفعة المشي.
ب- بما يخص العين:
١ - القِصاص بالحاجب يكون حكمه كالشجاج في الوجه، إذ لا يمكن إلا في الموضحة (التي تشق الجلد وتصل للسِّمحاق) وبشكل تقريبي.
أما مقدار شعر الحاجب، فيكون القِصاص فيه بلا حيف بشكل تقريبي، وتؤخذ كل حالة على حسَبها.
٢ - يمكن إزالة الجَفْن إلى مفصله كاملا أو بعضٍ منه عن طريق مختص فقط، وبشكل تقريبي، وذلك في حالة إزالة المقلة مع الجَفْن، وينتفي فيما عدا ذلك؛ حيث يؤدي إزالة الجَفْن دون المقلة إلى جفاف العين وحدوث ضرر للمقلة، وخلاف ذلك ينتفي الاستيفاء تمامًا، وتؤخذ كل حالة على حسبها.
٣ - يمكن إزالة المُقلة كاملة كمثيلتها في المجني عليه. أما جروح المُقلة فلا يمكن استيفاؤها تمامًا.
أما ما يخص ذَهاب البصر مع بقاء المقلة سليمة، فلا يمكن إلا بأجهزة دقيقة كالليزر، على أن يقوم بها مختص، وتكون بشكل تقريبي، وتؤخذ كل حالة على حسبها» انتهى
стр. 640
جواب اللجنة الطبية.
ولقد لفت الدكتور يوسف القاسم الانتباه إلى عدة أمور مهمة تضمنها جواب اللجنة الطبية وهي:
١ - ضرورة عرض كل حالة على طبيب مختص للتفاوت بين الحالات.
٢ - ما يمكن فيه القِصاص بلا حيف فإنه يمكن بشكل تقريبي.
٣ - عدم إمكان القِصاص بلا حيف في بعض المواضع كبعض المنافع والشجاج كالهاشمة والآمة والدامغة، ومن الجروح الجائفة.
وأضيف أنه من اللافت أن اللجنة أكدت على أن كل أنواع الاستيفاء إنما تتم بشكل تقريبي حتى ما اتفق عليه الأقدمون كالقطع من مَفصِل.
وكذلك فإن اللجنة نفت إمكان القِصاص من غير حيف بإزالة منافع السمع والشم والمشي خلافًا للجمهور من المتقدمين الذين رأوا إمكان ذلك.
* * *
стр. 641
المطلب الرابع: أثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى
بشأن استيفاء القِصاص
بدايةً، ينبغي التأكيد على أن التطور في العلوم الطبية الحديثة لا يثبت صحة مذهب وخطأ آخر بهذا الصدد، ولا يرجح قولًا على قول، فإنما كانت هذه الأقوال نتاجًا لواقع غير الذي نحياه، فكان الحريَّ بها أن تتفاعل مع هذا الواقع؛ والحريُّ بالفتوى في زماننا أن تتفاعل مع الواقع الجديد.
• أما بالنسبة للجروح والشجاج، فإن الجراحة الحديثة يمكنها استيفاء أكثر أنواع الجروح والشجاج سوى الجائفة والهاشمة والآمة والدامغة لعظم الخطر.
وعليه فلا يتغير قول المالكية، وتجدر مراجعة أقوال المذاهب الأخرى.
• أما بالنسبة لإزالة المنافع، فلعل الطب الحديث ضيق إمكان الاستيفاء في هذا الباب، لأن الأطباء لا يرون من الممكن استيفاء القِصاص بإزالة منفعة غير البصر (١) كما هو مذهب الحنفية، فإن صار يومًا ممكنًا فتتغير الفتوى. فلا يتغير قول الحنفية في زماننا هذا وتجدر مراجعة أقوال المذاهب الأخرى.
• أما بالنسبة للقطع من غير مَفصِل، فإن الطب الحديث يستطيع تحقيق مطلق المماثلة واجتناب الزيادة المطلقة، وهو المطلوب - على الصحيح - فوسع بذلك دائرة الاستيفاء في كل قطع من غير مفصل لا يكون مخوفًا في حكم أهل الخبرة. فلا يتغير إذًا قول المالكية لأنه موافق لذلك وينبغي أن تراجع بقية الأقوال.
стр. 642
• أما كسر العظام، فكذلك يوسع الطب الحديث من إمكانية ذلك في الأطراف دون عظام الرأس والصدر والفخذ والظهر لمكان الخطر، فلا يتغير القول عند المالكية لأنه موافق لذلك وتنبغي مراجعة باقي الأقوال.
هذا كله إذا أقر الجميع بأن المطلوب هو تحقيق مطلق المماثلة لا المماثلة المطلقة واجتناب الزيادة المطلقة لا مطلق الزيادة، فإن كان خلاف في هذا، فليس ينتظر أن يؤثر تطور الطب في توسيع دائرة الاستيفاء، ولكن الإشكال عندها أن من يتمسك بتحقيق المماثلة المطلقة سيؤدي قوله إلى إسقاط القِصاص فيما دون النفس جملة أو أكثره.
وإلى ترجيح تغير الفتوى في باب استيفاء القِصاص وتوسيع الطب الحديث لدائرته ذهب كثير من المعاصرين، منهم كل من الشيخ محمد صالح العُثَيْمِين ﵀ (١) والدكتور هشام بن عبد الملك آل الشيخ (٢) والدكتور يوسف القاسم (٣) والدكتور صالح اللاحم (٤).
والله تعالى أعلى وأعلم.
* * *
стр. 643
المبحث الثاني: حكم الإجهاض
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مراحل تخليق ونمو الجنين كما يراها الطب الحديث
المطلب الثاني: حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي
المطلب الثالث: متى تبدأ الحياة الإنسانية؟
стр. 644
المبحث الثاني: حكم الإجهاض
لقد فرق جمهور فقهائنا ﵏ بين الإجهاض قبل تمام أربعة أشهر على الحمل وبعدها. وتفريقهم راجع إلى ظاهر حديث ابن مسعود ﵁ الذي قال فيه:
حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق -: «إن خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وأربعين لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مثله، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مثله، ثُمَّ يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فيه الرُّوحَ؛ فإن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى لا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (١).
[١٤] أشعة صوتية للجنين في بطن أمه
стр. 645
ولقد أشكل على أهل العلم من قديم التعارض بين ظاهر هذه الرواية وروايات وأحاديث أخرى عن أنس بن مالك وحُذَيفة بن أَسِيد ﵄، ولكن لعل قوة سند هذه الرواية عن ابن مسعود ﵁ والتي جعلت البخاري لا يذكر غيرها - مع جلالة قدر هذا الصحابي وسعة علمه وقوة حفظه وحسن فقهه جعل هذا الحديث هو العمدة التي يُتَأَوَّل لها كلُّ نصٍّ آخر. ولقد ذهب العلماء مذاهب شتى في الجمع، نفصلها في حينها، ولكنهم كانوا ينطلقون من هذه الرواية ويعودون إليها.
• والذي استجد هو أن المعارف الطبية الحديثة تفيد أن مرحلة التخليق في الجنين تنتهي عند نهاية الأسبوع الثامن لتبدأ مرحلة النمو. ولقد يسرت الأجهزة الحديثة مثل الأشعة الصوتية على الأطباء متابعة مراحل تكون الجنين داخل الرحم، وهم يختلفون في أشياء وتفاصيل كثيرة إلا أنهم متفقون على أن تخليق الأعضاء ينتهي بانتهاء المرحلة الجنينية (١) عند نهاية الأسبوع الثامن.
وربما يتبادر إلى الذهن عدم وجود الإشكال لأن قضية نفخ الروح في الجنين قضية غيبية لا دخل للطب بها، فإن الطب الحديث لا يتناول الروح من قريب أو بعيد ولا ذكر لها في مراجعه، فإنه يحدد أن موضوعه هو بدن الإنسان. ولعل هذا حق، ولكن الإشكال في حديث بن مسعود ﵁ هو في وصف الجنين بالنطفة في الأربعين الأولى والعلقة في الثانية والمضغة في الثالثة، بينما يكون في الثانية قد تكونت عظامه وفي الثالثة قد تميزت أصابع يديه ورجليه؛ وليس الأمر عندئذ مما يشاهد فقط عن طريق الأشعة الصوتية، بل يشاهد بالعين المجردة عند حدوث السقط كما أشار إليه ابن الهُمَام (٢) ﵀ حيث قال:
стр. 646
«وهل يباح الإسقاط بعد الحبل؟ يباح ما لم يتخلق شيء منه. ثم في غير موضع قالوا ولا يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوما. وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط لأن التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة» (١).
وربما أجاب البعض بعدم وجود التعارض بين كون الجنين علقةً ووجود العظام فيه، فإن كُنْه النطفة والعلقة والمضغة التي تحدث عنها رسول الله ﷺ ليس بالضرورة هو ذات ما يعرف به الأطباء المعاصرون النطفة والعلقة والمضغة. بل ربما قال البعض إن المتحمسين من أطباء المسلمين سحبوا هذه الاصطلاحات على مراحل معينة لنمو الجنين توصل إليها العلم الحديث لإثبات الإعجاز في القرآن والسنة. وهذا وإن كان بعيدًا لأن هذه الكلمات لها مدلولات واضحة في اللغة العربية مما يجعل وصف الجنين الذي تميزت أطرافه من ذراعين ورجلين بل وأصابعهما بأنه علقة أو حتى مضغة بعيدًا، ولكن يمكن الدفع - مع شيء من التكلف - بأن هذه الأسماء التي أطلقها الوحي لها مدلولات غير التي يفهمها الأطباء. ولكن تبقى المشكلة الأكبر هي الجمع بين هذه الرواية وروايات أخرى في الصحيح بل والقرآن نفسه.
من هنا كانت الحاجة إلى إعادة النظر والتأمل في الفهم الشائع لهذه الرواية عن ابن مسعود ﵁ الذي ترتبت عليه أحكام في الإجهاض والعتق وغيرهما.
стр. 647
وفي هذا المبحث، أمهد في المطلب الأول بالكلام عن مراحل تخلق ونمو الجنين في بطن أمه كما يراها الأطباء، ثم أذكر في المطلب الثاني أقوال أهل العلم في حكم الإجهاض، وبعدها أناقش في المطلب الثالث أقوال المعاصرين عن بدء الحياة الإنسانية ونفخ الروح، ثم أرجح ما ترجح منها وأبين أثر ذلك على الفتوى، وأورد بعد ذلك فائدة عن أثر تطور الطب على حكم العدوان على الجنين في بطن أمه.
* * *
стр. 648
المطلب الأول: مراحل تخليق ونمو الجنين كما يراها الطب الحديث
الطب الحديث لا يناقش قضية الروح ونفخها في الجنين، ولكنه توصل إلى معرفة دقيقة إلى حد بعيد بمراحل تخليق ونمو الأجنة، وذلك عن طريق استعمال الأشعة الصوتية وغيرها. وربما نجد في هذه المعارف الطبية ما يعيننا على حسن فهم أدلة الوحي بشأن تخليق الجنين ونفخ الروح فيه (١).
يلتقي الحيوان المنوي بالبُيَيْضَة في خلال ثلاثة أيام على الأكثر من خروج الأخيرة من المِبْيَض فيتمُّ الإخصاب - بإذن الله - ثم تبدأ البُيَيْضَة الملقحة في الانقسام ويحصل انغراسها في جدار الرحم خلال أسبوع أو اثنين على الأكثر من الإخصاب (٢).
[١٥] مرحلة الانغراس (رسم توضيحي)
عند مرور أسبوعين على الإخصاب ينتهي احتمال انقسام اللقيحة إلى توائم (٣). (يستدل البعض بذلك على عدم نفخ الروح قبل ذلك الوقت لأنها لا تنقسم).
стр. 649
١ - الأسبوع الرابع، ٢٨ يومًا بعد الإخصاب:
عندها يتميز الجنين إلى رأس وجذع وذيل (١). وفي هذه المرحلة يبدأ القلب بالنبض وربما قبل ذلك بأيام من ٢١ - ٢٤ يومًا بعد الإخصاب (٢). (يرى بعض الأطباء أن الحياة الإنسانية تبدأ مع نبض القلب).
[١٦] صورة لجنين عمره ٣٥ يومًا (٣)
٢ - ستة أسابيع ٤٢ يومًا:
هذه المرحلة لها أهمية خاصة وذلك أنها تلك المرحلة التي جاءت فيها الأحاديث مصرحة بإرسال الملك إلى الجنين ليبدأ تمايز الأعضاء حيث جاء في حديث حُذَيفة بن أَسِيد الغِفارِي ﵁ عند مسلم ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ الله إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قال يا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول يا رَبِّ
стр. 650
أَجَلُهُ فيقولُ رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول يا رَبِّ رِزْقُهُ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ فلا يَزِيدُ على ما أُمِرَ ولا يَنْقُصُ» (١).
وفي هذه المرحلة يكون طول الجنين حوالي ٢٢ ملليمترًا (٢) وعند ذلك أيضًا تتناقص احتمالات السقط بشكل كبير جدًا (٣) وفي أثناء الأسبوع السابع تتكون العظام (٤) وبعيد تكونها تكتسي باللحم (٥) (العضلات) وذلك مصداق لقوله تعالى:
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وفي هذه المرحلة يبدأ تمايز الأعضاء الجنسية في الجنين.
[١٧] صورة جنين عمره ٤٠ يومًا
стр. 651
٣ - نهاية الأسبوع الثامن:
بعد ثمانية أسابيع من الإخصاب يكون كل عضو من أعضاء الجنين قد بدأ تكونه (١) ويستمر الجنين في النمو ويتكامل تكون الأعضاء بعد ذلك ومن هذه الأعضاء التي تكونت في ذلك الوقت الدِّمَاغ، والذي تبدأ آثار تكونه تظهر في الجسم الذي يشهد حركات اختلاجية ضعيفة في جذعه (٢).
[١٨] صورة جنين عمره عشرة أسابيع (٣)
стр. 652
٤ - الأسبوع الثاني عشر:
قبيل الأسبوع الثاني عشر يبدأ الجنين في مرحلة الحركات المركبة كثني الرقبة وقبض اليد وحركات مشابهة للرضاعة، وتبدأ دورة النوم واليقظة (١).
وهذه الحركات تصاحبها إشارات كهربائية من قشرة المخ (٢) في هذه المرحلة تدل على أن قشرة المخ قد بدأت نوعًا من النشاط. وقشرة المخ تحوي مراكز الإحساس والمشاعر، ولذلك يذهب البعض إلى أن الجنين لا تكون عنده أحاسيس أو مشاعر قبلها (٣)، وهل يكون له ذلك بعدها؟ يصعب إثبات ذلك. ولكن حتى هذه الحركات ربما تكون انعكاسية غير إرادية (٤).
стр. 653
[١٩] صورة جنين عمره ١٣ أسبوعًا (١)
٥ - نهاية الأسبوع الثامن عشر أي اليوم السادس والعشرون بعد المائة.
لا شك أن لهذه المرحلة أهميتها، وذلك لأن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ يدل بظاهره على أن الروح تنفخ عند المائة والعشرين يومًا من الإخصاب.
وفي هذه المرحلة، وعند تمام الأسبوع الثامن عشر أو قبيل ذلك تشعر المرأة بحركة الحمل (٢). ولعل ذلك من حِكَم جعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، قال الحَطَّاب ﵀: «وجعل سبحانه أربعة أشهر وعشرا عبادة العدة لأن فيها استبراءً للحمل
стр. 654
إذ فيها تكمل الأربعون، والأربعون والأربعون حسب حديث ابن مسعود وغيره، ثم تنفخ فيه الروح. فجعل العشرة تكملة إذ هي مظنة ظهور الحمل بحركة الجنين، وذلك لنقص الشهور أو كمالها، ولسرعة حركة الجنين وإبطائها؛ قاله ابن المُسَيَّب وغيره» (١).
وعند نهاية الأسبوع العشرين يكون قد تم تكوين وتميز منطقة المهاد الهامة في الدِّمَاغ، وعندها فقط يمكن أن يكون للكائن نوع فكر (٢).
وفي هذه المرحلة يكتسب الجنين السمع والقدرة على التكيف (٣).
ونهاية الأسبوع العشرين هو الحد الأدنى لإمكانية عيش الجنين (٤).
وأصغر من عاش من الأجنة بعد الولادة كان عمرها واحدًا وعشرين أسبوعًا وستة أيام؛ وقد ولدت بمدينة ميامي الأمريكية (٥).
стр. 655
لعله من هذا العرض السريع لمراحل تكون الجنين وتخليقه نكون أقدر على حسن فهم الآثار الواردة بهذا الشأن، ولعل هذا العرض يكون أنفع في فهم ما ذكر من الآثار بشأن التكوين والتخليق دون مسألة نفخ الروح، فهي مسألة لا يتعرض لها الطب، بل وإن هناك من الأطباء والعلماء من يختلفون في تحديد بداية الآدمية (١) فالبعض يرجح بدايتها مع الإخصاب، وآخرون يقولون مع الأسبوع الرابع وبداية نبض القلب أو الأسبوع السادس مع بداية النشاط الكهربي للدماغ أو الأسبوع الثامن مع تكامل تخليق الأعضاء (٢) أو الأسبوع الثاني عشر عندما يأخذ الجنين شكل الطفل الآدمي أو السادس عشر إلى الثامن عشر عندما تبدأ الحامل في الشعور بحركة الجنين وفي هذه المرحلة يمكن تمييز جنين عن آخر بملامح الوجه أو الأسبوع العشرين إلى الثاني والعشرين عندما يكون الجنين قادرًا على الحياة خارج الرحم.
وصدق الله تعالى الذي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
* * *
стр. 656
المطلب الثاني: حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي
لا شك أن الشريعة الإسلامية قد راعت حرمة الجنين في بطن أمه، فمنعت من إقامة الحد على المرأة الحامل المستحقة له من أجله، وأجازت لها الإفطار في رمضان رعاية لمصلحته، وأوجبت الكفارة - وهي غرة أو نصف عشر الدِّيَة - على من ضرب الحامل فأسقطت جنينها وإن كان أبا الجنين، بل وعلى الأم إن تعمدت إسقاطه؛ ولو وضعته حيًّا ثم مات من الضربة لوجبت الكفارة كاملة (١). بل ذهب ابن حَزْم ﵀ إلى أن من تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح (٢) فيه فإن عليه القود.
وأنت كذلك تجد الشريعة تجعل للجنين أهلية وجوب ناقصة، فتحجز له ميراث ولدين حتى يتبين عدد الحمل وجنسه بعد الولادة وتجيز له الهبة والوصية ... الخ.
وأكثر الأحكام المتعلقة بالجنين لا ترتبط بعمره أو بنفخ الروح فيه، ولكن بعضها يعتمد على التفريق بين أطواره المختلفة، كالإجهاض والجناية على الجنين وبعض أحكام العتق والدفن وغيرها.
أما موضوع هذا المبحث وهو الإجهاض فالخلاف فيه كثير، وملخصه أنهم أجمعوا على حرمته بعد نفخ الروح (٣) والتي تتفق كلمتهم على أنها تنفخ بعد المائة والعشرين يومًا ثم اختلفوا فيما دون ذلك على ثلاثة أقوال:
١ - يحرم الإجهاض في جميع الأطوار وهو قول المالكية والظاهرية وبعض الحنفية والشافعية والحنابلة.
стр. 657
٢ - يحرم الإجهاض بعد الأربعين الأولى ويجوز فيها وهو قول الحنابلة وبعض المالكية.
٣ - يحرم الإجهاض بعد نفخ الروح ويجوز قبله وهو قول الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة.
عرض أقوال أهل العلم:
قول السادة الحنفية:
المعتمد في مذهب الحنفية ﵏ هو جواز الإسقاط قبل المائة والعشرين يومًا، قال الكمال بن الهُمَام ﵀: «وهل يباح الإسقاط بعد الحبل يباح ما لم يتخلق شيء منه ثم في غير موضع قالوا ولا يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوما وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح وإلا فلا فهو غلط لأن التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة» (١).
وإطلاقهم ﵏ يشمل الجواز بغير إذن الزوج، وهو ما نص عليه ابن عَابِدِين ﵀ حيث قال: «وقالوا يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج» (٢).
إلا أن الحنفية ﵏ ليسوا متفقين على جواز الإسقاط، وفي المنع ينقل ابن عَابِدِين ﵀ عن صاحب الخانِيَّة ﵀ قوله: «ولا أقول بالحل إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه لأنه أصل الصيد فلما كان يؤاخذ بالجزاء ثمة فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر» (٣).
стр. 658
ولعل هذا الخلاف هو الذي دفع البعض إلى محاولة التوفيق بين الآراء بحمل القول بالإباحة على حالات خاصة، ومن هؤلاء ابن وَهْبان حيث نقل عنه ابن عَابِدِين في الحَاشِيَة قوله: «فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر أو أنها لا تأثم إثم القتل» (١).
وهذا وجيه لأن إطلاق الجواز بإسقاط الجنين الذي مر عليه مائة يوم، وصار له رجلان ويدان ورأس وجذع من غير عذر، لهو مما تأباه الشريعة بروحها ونصها.
قول السادة المالكية:
ذهب المالكية ﵀ إلى منع الإسقاط في كل أطوار الجنين، وهم في ذلك أشد المذاهب، قال الشيخ الدَّرْدِير ﵀: «ولا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يومًا، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعًا» (٢).
بل إن المالكية ﵏ ذهبوا إلى أبعد من هذا فمنعوا شرب الدواء الذي يقلل النسل، وفي ذلك ينقل الحَطَّاب عن الجُزُولِيّ قوله: «ولا يجوز للإنسان أن يشرب من الأدوية ما يقلل نسله» (٣).
ولم يخالف من المالكية في ذلك إلا قليل، كاللَّخْمِيّ (٣) الذي قال بقول الحنابلة، وهو جواز الإسقاط في مرحلة النطفة دون ما بعدها.
стр. 659
قول السادة الشافعية:
قال الرَّملِيّ ﵀ (١): «والراجح تحريمه بعد نفخ الروح مطلقًا وجوازه قبله» (٢) ونقل الدِّمْياطِيّ الخلاف في إعَانَة الطَّالِبِين فقال: «وفي البُجَيرَمِيّ ما نصه: واختلفوا في جواز التسبب في إلقاء النطفة بعد استقرارها في الرحم فقال أبو إسحاق المَرْوَزِيّ: يجوز إلقاء النطفة والعلقة ونقل ذلك عن أبي حنيفة ﵁، وفي الإحياء في مبحث العزل ما يدل على تحريمه، وهو الأوجه لأنها بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق المهيأ لنفخ الروح، ولا كذلك العزل ... والمعتمد أنه لا يحرم إلا بعد نفخ الروح فيه» (٣).
والمعتمد في المذهب هو الجواز كما قرره أحمد سلامة القَلْيُوبِيّ في حاشيته، قال: «نعم يجوز إلقاؤه ولو بدواءٍ قبل نفخ الروح فيه خلافًا للغَزالِيّ» (٤).
قول السادة الحنابلة:
عرض المِرْداوِيّ ﵀ أقوال الحنابلة في الإسقاط وبدأ بالمعتمد في المذهب، وهو جواز إسقاط النطفة عندهم في الأربعين الأولى، ثم ذكر القولين الآخرين بالمنع المطلق والجواز
стр. 660
قبل نفخ الروح، فقال: «يجوز شرب دواءٍ لإسقاط نطفة. ذكره في «الوجيز»، وقدمه في «الفُرُوع». وقال ابن الجَوْزِيّ في «أحكام النساء»: يحرم. وقال في «الفُرُوع»: وظاهر كلام ابن عَقِيل في «الفنون» أنه يجوز إسقاطه قبل أن ينفخ فيه الروح. قال: وله وجه. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: والأحوط أن المرأة لا تستعمل دواءً يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل» (١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ابن قُدامة يميل إلى القول بالمنع حيث قال: «إذا شرِبَت الحامل دواءً، فألقت به جنينًا، فعليها غرة، لا ترث منها شيئًا، وتعتق رقبة ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه، إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة» (٢).
ولعل الأمر غير ذلك، ألا تراه يقول: «ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه» مما يدل على أنه يبين حكم الإسقاط المحرم عند الجميع.
أقوال المعاصرين:
ولعل المعاصرين من الفقهاء كانوا أكثر تحفظًا من المتقدمين بشأن الإجهاض، فجاءت فتاوى أكثرهم بالمنع إلا في حدود ضيقة، وفي إجابة مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي عن إسقاط الجنين المشوه خلقيًّا ذكروا ما يأتي:
مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي:
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد،
стр. 661
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي ... قد قرر بالأكثرية ما يلي:
- إذا كان الحمل قد بلغ ١٢٠ يومًا، لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخِلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطرٌ مؤكدٌ على حياة الأم، فعندئذ يجوز إسقاطه، سواءٌ كان مشوهًا أم لا، دفعا لأعظم الضررين.
- قبل مرور ١٢٠ يوما على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناءً على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية، أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناءً على طلب الوالدين.
والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الوالدين والأطباء بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق» (١).
بل إن مجمع الفقه التابع للمنظمة احتاط للبييضة الملقَّحة وأوجب عند التلقيح خارج الرحم للبييضات أن يُقتصَر على العدد المطلوب تفاديًا لحصول فائض من هذه البُيَيْضَات الملقحة، والذي يتم في العادة تدميره من قبل فريق التلقيح الصناعي. جاء ذلك في قرار المجمع الآتي:
مجمع الفقه التابع للمنظمة:
«تمهيد: إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي ... قرر ما يلي:
стр. 662
أولًا: في ضوء ما تحقق علميًّا من إمكان حفظ البُيَيْضَات غير الملقحة للسحب منها، يجب عند تلقيح البُيَيْضَات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة، تفاديًا لوجود فائض من البييضات الملقحة.
ثانيًا: إذا حصل فائض من البُيَيْضَات الملقحة بأي وجه من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.
ثالثًا: يحرم استخدام البُيَيْضَة الملقحة في امرأة أخرى، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البُيَيْضَة الملقحة في حمل غير مشروع. والله أعلم» (١).
وجاء قرار هيئة كبار العلماء في السعودية ليعكس توجه الجمهور من فقهاء المسلمين المعاصرين، حيث قرروا ما يأتي:
هيئة كبار العلماء في السعودية:
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام عل نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر ما يلي:
١ - لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جدًّا.
٢ - إذا كان الحمل في الطور الأول وفي مدة الأربعين وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر متوقع، جاز إسقاطه؛ أما إسقاطه في هذه المدة خَشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز.
стр. 663
٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمه بأن يخشى عليها الهلاك من استمراره، فجاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.
٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته. وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضررين وجلبًا لعظمى المصلحتين. ويوصي المجلس بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر. والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم» (١).
لجنة الفتوى بالكويت:
أما لجنة الفتوى بالكويت فذكرت مثل ذلك إلا أنها وسعت في مسوغات الإسقاط لتشمَلُ التراضي بين الزوجين في الأربعين الأولى والتشوه البدني الجسيم فيما دون المائة والعشرين (٢).
والملاحظ من كل هذه الآراء أنها متأثرة بكون نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يومًا من الإخصاب، حتى أن من ذهب إلى منع الإسقاط في كل الأطوار لم ينكر أن الحكم يختلف بين ما كان منه دون المائة والعشرين وما بعدها، ولقد بين ذلك الإمام الغَزالِيّ - وهو أحد المانعين - حيث ذكر الرَّملِيّ في «نهاية المُحْتاج»: «وقد أشار الغَزالِيّ إلى هذه المسألة في الإحياء فقال بعد أن قرر أن العزل خلاف الأولى ما حاصله: وليس هذا كالاستجهاض والوأد لأنه جناية على موجود حاصل، فأول مراتب الوجود وقوع النطفة في الرحم، فيختلط بماء المرأة، فإفسادها جناية؛ فإن صارت علقة أو مضغة
стр. 664
فالجناية أفحش؛ فإن نفخت الروح واستقرت الخلقة زادت الجناية تفاحشا. ثم قال: ويبعد الحكم بعدم تحريمه، وقد يقال أما حالة نفخ الروح فما بعده إلى الوضع فلا شك في التحريم، وأما قبله فلا يقال إنه خلاف الأولى بل محتمل للتنزيه والتحريم، ويقوى التحريم فيما قرب من زمن النفخ لأنه حريمه» (١).
وظاهر حديث ابن مسعود ﵁ هو العمدة في التفريق بين ما دون المائة والعشرين وما بعدها، فإن من ذهب إلى جواز الإسقاط قبل المائة والعشرين إنما استدل بعدم نفخ الروح، ومن ثم عدم بداية الحياة الإنسانية وعدم الآدمية. كذلك فإن حديث ابن مسعود ﵁ والذي يفيد ظاهره أن مرحلة النطفة تستمر أربعين يومًا هو مُعتمَد من فرق بين ما دون الأربعين وما بعدها، فإن النطفة عندهم كمني الرجل لا خلق فيها يُحتَرَم وهي لم تنعقد كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ وفيه: قال رسول اللهِ ﷺ : «إن النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا على حَالِهَا لَا تَغَيَّرُ فإذا مَضَتِ الأَرْبَعُونَ صَارَتْ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً كَذَلِكَ ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ، فإذا أَرَادَ الله أَنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بَعَثَ إِلَيْهَا مَلَكًا فيقول الْمَلَكُ الذي يَلِيهِ أي رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى أشقي أَمْ سَعِيدٌ أَقَصِيرٌ أَمْ طَوِيلٌ أَنَاقِصٌ أَمْ زَائِدٌ؛ قُوَّتُهُ وَأَجَلُهُ أَصَحِيحٌ أَمْ سَقِيمٌ؛ قال فَيُكْتَبُ ذلك كُلُّهُ فقال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا وقد فُرِغَ من هذا كُلِّهِ قال اعْمَلُوا فَكُلٌّ سَيُوَجَّهُ لِمَا خُلِقَ له» (٢).
والحديث بهذا اللفظ لا يصح (٣) ولو صح فليس من دليل على التفريق بين ما تغير وما لم يتغير عند من قال بالمنع، وهؤلاء استدلوا على أن اسم الجنين هو لما كان في بطن المرأة الحامل، وقد أوجب رسول الله ﷺ في إسقاط الجنين غرة، فقد روى الشيخان من
стр. 665
حديث أبي هريرة ﵁: «قَضَى رسول اللهِ ﷺ في جَنِينِ امْرَأَةٍ من بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أو أَمَةٍ» (١).
وإيجاب الغرة يدل على الإثم وأن للجنين حرمةً. وأقوى الأجوبة هو التفريق بين ما كان تعديًا وما كان باتفاق الزوجين.
تبين مما سبق أن لحديث ابن مسعود ﵁ أهمية عظيمة في هذا الباب، ولقد أشكل الحديث على العلماء من قبل وحاولوا جمعه مع بقية الأدلة، بل ومع الحِسِّ، فكانت لهم في ذلك مذاهبُ شتى. فلما تقدمت المعارف الطبية وظهر التعارض جليًّا بين ظاهر الحديث، وعلى الأخص رواية زيد بن وَهْب عن ابن مسعود في البخاري، وتلك المعارف الحديثة، تجدد النقاش حول الحديث، وظهر خلافٌ كثيرٌ حول بداية الآدمية أو الحياة الإنسانية، وذهب الناس في ذلك مذاهبَ شتى. فمن قائل إنها تبدأ عند الإخصاب، ومن قائل إنها تبدأ عند الأربعين أو الثمانين، وتمسك الأكثر من الفقهاء بظاهر حديث ابن مسعود ﵁ من أن الآدمية تبدأ بعد المائة والعشرين. وهذه الأقوال المختلفة لها سند في الطب، وليس منها ما له سند في الشرع - فيما أرى - إلا قولان وهما القول بالأربعين وبالمائة والعشرين.
وفي المطلب القادم نعرض هذه الأقوال ونناقش أدلتها مع استصحاب المعارف الطبية الحديثة أثناء النقاش.
стр. 666
المطلب الثالث: متى تبدأ الحياة الإنسانية ؟
١ - تبدأ الحياة الإنسانية عند الإخصاب:
هذا القول لبعض فضلاء الأطباء (١)، قد ذكر أن البُيَيْضَة الملقحة تتوافر لها خصائص متى توافرت لكائن حكم له بالحياة، وهي:
١ - أن تكون له بداية واضحة معروفة.
٢ - أن يكون قادرًا على النمو ما لم يحرم أسبابَه.
٣ - أن يفضي نموه إلى الإنسان جنينًا ووليدًا وطفلًا وصبيًّا وشابًّا وشيخًا وكهلًا إنْ نسأ الله له في الأجل.
٤ - أن ما سبقه من طور لا يمكن أن ينمو فيفضي إلى إنسان.
٥ - أن تكتمل له الحصيلة الإرثية لجنس الإنسان عامة، وكذلك له هو فردًا بذاته مختلفًا عن غيره من الأفراد منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة.
واستشهد على قوله أيضًا بتأجيل الحد عن الحامل في أي طور، كما استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقال مَن هؤلاء الأجنة؟ أنتم وأنا. ونفى أن تكون حياة الجنين قبل أربعة أشهر نباتية أو حيوانية.
والحقيقة أن هناك إجماعًا على أن هناك لحظة تنفخ فيها الروح، وبذلك جاءت الأحاديث، ولم يصح شيء في أنها تكون قبل الأربعين يومًا، ومن ثَمَّ فالقول بأن الحياة
стр. 667
الإنسانية أو الآدمية أو نفخ الروح أو حلولها يكون عند الإخصاب مخالفٌ للإجماع كما أنه مخالفٌ للنظر، فإن هذه الخلايا المتراكبة ليست إنسانًا، ولا يمكن التسوية بينها وبين الإنسان.
والأطباء يقرون أن موت الكثير من خلايا الإنسان وهو حي ليس موتًا له، وأن حياة الكثير منها بعد موت دماغه ليست حياةً إنسانية، وإنما حياة خلوية أو نسيجية. وإنه لا شك أن الإنسان كائن له خصائص كالعلم والإرادة، فإذا غاب الحد الأدنى من هذه الخصائص، وكان الكائن عبارة عن مجموعة خلايا متراكبة كالعنقود، فلا يسوغ أن يسمى هذا الكائن إنسانًا أو نقول ببداية حياته الإنسانية. نعم له حياة، ولكنها ليست إنسانية. ونحن لسنا بحاجة إلى تقسيم الحياة إلى إنسانية ونباتية وحيوانية، فإن حياة الخلايا غير ذلك وحياة الملائكة غير ذلك، بل وحياة الرب جل في علاه غير ذلك. فنحن نقول إنها حياة جنينية ما قبل نفخ الروح.
ولقد ذهب البعض إلى أن الحياة الإنسانية تبدأ بالعلوق أو الاندغام في جدار الرحم، والجواب على هذا القول كسابقه.
وينبغي هنا من التنبيه على أن عدم نفخ الروح وكون الحياة إنسانية ليس يعني أن الكائن محَل النزاع ليس له أية حرمة، فمن قال إن الحرمة مرتبطة فقط بالحياة الإنسانية، بل لحياة الحيوان حرمة، فرسول الله ﷺ قال: «ما قُتِلَ عُصْفُورٌ قَطُّ عَبَثًا إِلَّا عَجَّ إلى اللهِ يوم الْقِيَامَةِ يا رَبِّ فُلَانٌ قَتَلَنِي فَلَا هو انْتَفَعَ بِي وَلا هو تَرَكَنِي أَعِيشُ في خُشَارَاتِهَا (١)» (٢).
стр. 668
بل إن الله يخبرنا أن قطع النبات يحتاج إلى إذن فيقول : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]
فمن الطبيعي إذًا أن تكون للجنين الذي هو مبدأ خلق الإنسان حرمةٌ وأن تحفظ حياة الأم لأجله. ولكن هذا ليس يعني أنه إنسان ذو روح.
أما ما ذكره الدكتور حسان حتحوت (١) في بحثه أن الرُّوح تأتي بمعانٍ متعددةٍ وليس بالضرورة أن نفخة الروح هي بداية الحياة الإنسانية (٢) فمردود بما أجمع عليه الأول والآخِر من علماء المسلمين من كون وجود الروح يساوي الحياة وذَهابها يساوي الموت وتظاهرت على ذلك أدلة الكتاب والسنة: ذكر منها الدكتور عمر سليمان الأشْقَر (٣)
• قوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] بمعنى أخرجوا أرواحكم عند ساعة الاحتضار.
• وقوله : ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]
• وما أخرجه مسلم ﵀ في «صحيحه» من قوله ﷺ : «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» (٤).
وهذه الأدلة وغيرها تكفي لبيان أن الحياة الإنسانية تذهب بقبض الروح فلا جرم أنها تبدأ بنفخها في الجسم.
стр. 669
٢ - تبدأ الحياة الإنسانية بنفخ الروح عند اليوم الأربعين أو حواليه:
فإنه عندها يتم جمع الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ويُرسلُ المَلَكُ إليه. وقبل الخوض في مناقشة مستند هذا القول، ينبغي أن نذكر أن هناك قضيتين بينهما ارتباط من جهة وانفكاك من أخرى، ألا وهما قضيتا تمام المراحل الأولى من تخليق الجنين أي النطفة والعلقة والمضغة وقضية نفخ الروح. أما الارتباط فهو أن حديث ابن مسعود ﵁ وغيره - يشير إلى أن نفخ الروح يكون بعد انتهاء المراحل الثلاث والتي يظهر من رواية زيد بن وَهْب ﵀ عن ابن مسعود ﵁ أنها تنتهي عند المائة والعشرين يومًا من الإخصاب.
وعليه، فإن العلماء ذهبوا إلى أن نفخ الروح إنما يكون بعد المائة والعشرين يومًا، فيصعب عندها أن نخطئ انتهاء المراحل عند المائة والعشرين ونصوب نفخ الروح عندها. أما الانفكاك، فهو أننا لو قلنا بأن عبارة الحديث- لا أصله- فيها شيء من السقط أو الاضطراب، فيمكن أن يقال إن ما فهم من الحديث من أن الروح تنفخ عند المائة والعشرين يبقى على حاله - سيما إن كان إجماعًا - ويتم البحث في القضية الأخرى وهي انتهاء مراحل التخليق الثلاث الأولى. وقد يؤيد هذا القول أنه لا تلازم بين انتهاء هذه المراحل ونفخ الروح، بل إن نفخ الروح يحتاج إلى تسوية كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] ولا شك أن الجنين عند انتهاء هذه المراحل لا يمكن وصفه بأنه استوى.
بعد هذه المقدمة، فلنشرع في بيان ومناقشة مستند القول بأن بداية الحياة الإنسانية تكون عند الأربعين.
١ - ما رواه مسلمٌ ﵀ من حديث حُذَيفة بن أَسِيد ﵁ يَبْلُغُ به الرسول ﷺ قال: «إذا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ الله إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قال: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول: يا
стр. 670
رَبِّ أَجَلُهُ؟ فيقول رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ فلا يَزِيدُ على ما أُمِرَ ولا يَنْقُصُ» (١).
٢ - وفي رواية أخرى عن حذيفة ﵁ أنه ﷺ قال: «إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ في الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عليها الْمَلَكُ - قال زُهَيْرٌ حَسِبْتُهُ قال الذي يَخْلُقُهَا - فيقول: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أو أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ الله ذَكَرًا أو أُنْثَى ثُمَّ يقول: يا رَبِّ أسوي أو غَيْرُ سويٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ الله سَوِيًّا أو غَيْرَ سَويٍّ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ ما رِزْقُهُ؟ ما أَجَلُهُ؟ ما خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ الله شَقِيًّا أو سَعِيدًا» (٢).
وقد يجاب على ذلك بأن الحديث ليس فيه إشارة إلى نفخ الروح، ويمكن أن تكون للملك زَورتان، زَورة هنا وأخرى بعد المائة والعشرين وهي التي تنفخ فيها الروح. وبذلك يجمع بين الحديثين حيث الإعمال أولى من الإهمال، ولا يصار إلى رد أي خبر من أجل آخر إلا بعد تعذر الجمع. وبهذا الجمع فسر ابن القَيِّم ﵀ التعارض بين ظاهري الحديثين فقال بشأن ذكر وقوع التقدير هنا وفي حديث ابن مسعود ﵁: «غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق ﷺ ، وهذا تقدير بعد تقدير، فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان، وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق. والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح. فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره» (٣).
وأجاب عن التعارض بين الحديثين من حيث التخليق والتصوير فقال: