← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6862

العاقبة في ذكر الموت

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (355 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أَلا يَا صَاح والبلوى ضروب ... ودعتك للَّذي تهوى فَدَعْنِي إِذا أَنا لم أبك ذهَاب عمري ... فَمن هَذَا الَّذِي يبكيه عني ولعلك أَن تَقول لَو أَنِّي قصرت أملي كَمَا تريده مني وَقصر ذَلِك أمله وَذَاكَ أمله وَقصر النَّاس آمالهم وَتركُوا صناعاتهم وَأَسْبَاب معيشتهم لخربت الأَرْض وَهلك النَّاس وَفَسَد هَذَا الْعَالم فَأَقُول نعم صدقت لَو قصر النَّاس آمالهم بِحَيْثُ يتركون صناعاتهم وَالنَّظَر فِي معيشتهم وَعمارَة دنياهم وَأَجْمعُوا على ذَلِك لَكَانَ مَا قلت وَلَكنهُمْ لَا يَفْعَلُونَ وَلَيْسَ بتقصيرك أَنْت أملك يقصر النَّاس آمالهم وَلَا بزمدك أَنْت فِي الدُّنْيَا يزهد النَّاس كلهم فِيهَا فَلَا تبك يَا هَذَا وَلَا تشغل نَفسك بِهِ وَلَا يمنعك ذَلِك من تَقْصِير أملك وَلَا من زهدك وَإِصْلَاح عَمَلك وَعَلَيْك بِنَفْسِك فعنها تسْأَل وبالواجب عَلَيْهَا تطلب وَلَيْسَ تقصيرك أملك بِالَّذِي يمنعك أَن تطلب رزقك وَإِن تشتغل بإصلاح نَفسك ومعيشتك وتربية ولدك إِلَى غير ذَلِك من جَمِيع منافعك بل تقدر أَن تجمع بَينهمَا وَذَلِكَ أَن تنظر بمعونة الله لَك وتثبيته إياك إِلَى غير ذَلِك من سَبَب معيشتك فَإِن كَانَ مِمَّا يتَكَرَّر كل يَوْم عملت فِيهِ يَوْمك وَأخذت مِنْهُ قوتك وَلم تعول على أَنَّك تعيش غَدا فَإِن أَصبَحت غَدا عملت كَذَلِك أَيْضا وَكَذَلِكَ إِن كَانَ سببك مِمَّا يتم بعد أَيَّام كَثِيرَة أَو يكون مِمَّا ينظر فِيهِ السّنة كلهَا كالزراعة وَغَيرهَا نظرت فِيهِ على كَمَاله وَلم تعول على أَن تدْرك إبانه وَأَن تبلغ وقته وأوانه فَإِن بلغته كَانَ الَّذِي أردْت وَإِن اخترمتك الْمنية دونه كَانَ مَا عملت مِنْهُ مَعُونَة لغيرك وتسهيلا لمن يَأْتِي من بعْدك وتقدر أَن تعْمل السَّبَب الَّذِي يكون فِيهِ معيشتك كَمَا وصفت لَك وتقصر أملك عَن تَمَامه سَوَاء كَانَ السَّبَب مِمَّا تعْمل فِيهِ سنة أَو يَوْمًا أَو أقل وَكَذَلِكَ سَائِر النَّاس لَو كَانُوا هَكَذَا لما هَلَكُوا وَلَا خربَتْ الأَرْض وَلَا فسد هَذَا

стр. 72

الْعَالم كَمَا قلت لكنه كَانَ يقل فَرَحهمْ بالدنيا وسعيهم لَهَا واغتباطهم بهَا وَكَانُوا يتركون تشييد الْبُنيان وتنضيده وزخرفته وتنجيده وَيدعونَ التأنق فِي ملابسهم ومراكبهم إِلَى غير ذَلِك من جَمِيع أُمُورهم ويجتزئون من الدُّنْيَا بِمَا أمكن وَيَأْخُذُونَ مِنْهَا مَا تيَسّر ويقتصرون على مَا يبلغ فتقل تبعتهم ويهون حسابهم وَيخرجُونَ من الدُّنْيَا خفافا يقدرُونَ على قطع عقبات الْآخِرَة وسلوك طرقها الضيقة وسبلها الشاقة ويسهل عَلَيْهِم الْأَمر هُنَالك وَأما قصر الأمل حَتَّى تتْرك الصانعات وَأَسْبَاب الْمَعيشَة فَإِنَّمَا يَصح فِي بعض الْأَشْخَاص وَفِي الْقَلِيل من النَّاس بمؤنته وَنظر لَهُ سواهُ فِي معيشته سنة الله مَعَ المتوكلين وعادته مَعَ المنقطعين وَيبقى أُولَئِكَ مَعَ آمالهم وَالنَّظَر فِي أَعْمَالهم فَإِن الأمل رَحْمَة من الله تَعَالَى تنتظم بِهِ أَسبَاب المعاش وتستحكم بِهِ أُمُور النَّاس ويتقوى بِهِ الصَّانِع على صناعته وَالْعَابِد على عِبَادَته وَإِنَّمَا يذم من الأمل مَا امْتَدَّ وَطَالَ حَتَّى أنسى الْعَاقِبَة والمآل وثبط عَن صَالح الْأَعْمَال يرْوى أَن الله لما مسح ظهر آدم ﵇ فاستخرج ذُريَّته قَالَت الْمَلَائِكَة رب لَا تسعهم الأَرْض قَالَ الله إِنِّي جَاعل موتا قَالَت الْمَلَائِكَة لَا يهنأهم الْعَيْش قَالَ إِنِّي جَاعل أملا وَقَالَ الثَّوْريّ ﵀ بَلغنِي أَن الْإِنْسَان خلق أَحمَق وَلَوْلَا ذَلِك مَا هنأه الْعَيْش ويروى أَن عِيسَى ﵇ كَانَ جَالِسا وَبَين يَدَيْهِ شيخ يعْمل بمسحاة فِي أَرض لَهُ فَنظر إِلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ انْزعْ الأمل من قلبه فَطرح

стр. 73

الشَّيْخ المسحاة فِي الأَرْض وَقعد فَقَالَ عِيسَى ﵇ اللَّهُمَّ رد عَلَيْهِ أمله فَقَامَ الشَّيْخ إِلَى مسحاته وَرجع إِلَى عمله فَدَعَاهُ عِيسَى ﵇ فَقَالَ أَيهَا الشَّيْخ لم طرحت مسحاتك ثمَّ رجعت إِلَيْهَا فَقَالَ يَا روح الله بَيْنَمَا أَنا أعمل بمسحاتي إِذْ قلت فِي نَفسِي وَإِلَى مَتى هَذَا الْعَمَل وَإِلَى مَتى هَذَا التَّعَب وَلَعَلَّ الْمَوْت يأتيني فِي هَذِه السَّاعَة فطرحت المسحاة وَقَعَدت فَبَيْنَمَا أَنا قَاعد إِذْ تفكرت فِي نَفسِي وَقلت لَعَلَّ الْمَوْت لَا يأتيني فِي هَذَا الْوَقْت وَأَنا مُحْتَاج إِلَى قوت يقيمني وغذاء يمسك بنيتي وَلَا بُد من الْعَمَل فَقُمْت إِلَى مسحاتي وَرجعت إِلَى عَمَلي وَقَالَ مطرف بن عبد الله ﵀ لَو علمت مَتى أحلي لَخَشِيت ذهَاب عَقْلِي وَلَكِن الله من على عباده بالغفلة عَن الْمَوْت وَلَوْلَا الْغَفْلَة عَنهُ مَا تهنأوا بعيش وَلَا قَامَت الْأَسْوَاق وَقَالَ الْحسن ﵀ الْغَفْلَة والأمل نعمتان عظيمتان على ابْن آدم ولولاهما مَا مَشى الْمُسلمُونَ فِي الطّرق يُرِيد لَو كَانُوا من التيقظ وَقصر الأمل وَخَوف الْمَوْت بِحَيْثُ لَا ينظرُونَ فِي مَعَايشهمْ وَمَا يكون سَببا لحياتهم لهلكوا وَكَذَلِكَ أَرَادَ مطرف ﵀ ويروى أَن الْمفضل بن فضَالة رَحمَه الله تَعَالَى سَأَلَ ربه أَن يرفع عَنهُ الأمل فَاسْتَجَاب لَهُ فَترك الْأكل وَالشرب وَلم تستقم لَهُ عبَادَة فَدَعَا ربه أَن يرد عَلَيْهِ أمله فَرده عَلَيْهِ فَرجع إِلَى طَعَامه وَشَرَابه وَقَالَ ابْن الْمهْدي ﵀ من قوى أمله قل عمله وَمن أَتَاهُ أَجله لم يَنْفَعهُ أمله غير أَنه لَا بُد من أُمْنِية وأمل تحيا بهما النَّفس وَيُقَوِّي بهما الْقلب وتعمر بهما الدُّنْيَا وَقَالَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن إِنَّمَا عمرت الدُّنْيَا بقلة عقول أَهلهَا يُرِيد أَنهم بقلة عُقُولهمْ انصرفت هممهم عَن الْآخِرَة وَأَقْبَلت على الدُّنْيَا فعمروها وَاشْتَغلُوا بهَا وأنشدوا

стр. 74

خُذ من الآمال مَا احتجت إِلَيْهِ ... ففضول الْمَرْء مَحْسُوب عَلَيْهِ كَانَ مَالا أَو كلَاما أَو هوى ... أَو فآمال مشت بَين يَدَيْهِ ولدنياك فويه شبم ... وقديما شاقنا ذَاك الفويه ولأخراك وَإِن طَال المدى ... موقف يسْلك إِحْدَى جهتيه وَإِذا لم تَكُ أَعدَدْت لَهُ ... نلْت مَا تكرههُ من عدتيه وصروف الدَّهْر تخبر قبل ذَا ... بِأُمُور ركبت فِي طيتيه وَرَأى الْإِنْسَان طرفا لَهما ... فَمضى يعْمل فِيهِ صفتيه وَإِلَى كم أَنْت فِي سكر الْهوى ... وَإِلَى كم أَنْت مأسور لَدَيْهِ وكلا الدَّاريْنِ تحْتَاج لَهُ ... وَيَمِين الْمَرْء أقوى عضديه فلتبادر مَا هُوَ الأولى بِمن ... صرفت عَامله الرّيح لَدَيْهِ وَرَآهُ الْمَوْت فانقض لَهُ ... كعقاب خر من جو عَلَيْهِ وَاعْلَم رَحِمك الله أَن تَقْصِير الأمل مَعَ حب الدُّنْيَا مُتَعَذر وانتظار الْمَوْت مَعَ الإكباب عَلَيْهَا غير متيسر فَإِن حب الدُّنْيَا هُوَ سَبَب طول الأمل فِيهَا والإكباب عَلَيْهَا يمْنَع من الفكرة فِي الْخُرُوج مِنْهَا وَالْجهل بغوائلها وعواقبها يحمل على الْإِرَادَة لَهَا والازدياد مِنْهَا لِأَن من أحب شَيْئا أحب الْكَوْن مَعَه والازدياد مِنْهُ وَمن كَانَ مشغوفا بالدنيا محبا لَهَا حَرِيصًا عَلَيْهَا قد خدعته بزخرفها وأمالته برونقها وسحرته بزينتها كَيفَ يُرِيد مفارقتها أم كَيفَ يحب مزايلتها هَذَا أَمر لم تجر الْعَادة بِهِ وَلَا حَدثنَا عَنهُ بل تَجِد من كَانَ على هَذِه الصّفة أعمى عَن طَرِيق الْخَيْر أَصمّ عَن دَاعِي الرشد قَلِيل الرَّأْي سيء النّظر ضَعِيف الْإِيمَان لم تتْرك لَهُ الدُّنْيَا مَا يسمع بِهِ وَلَا مَا يرى الْحَقَائِق بواسطته إِنَّمَا دينه وشغله وَحَدِيثه دُنْيَاهُ لَهَا ينظر وَلها يسمع وَلها يُعْطي وَلها يَأْخُذ قد مَلَأت عينه وَقَلبه وَأذنه

стр. 75

كَمَا قَالَ الْقَائِل مَلَأت قلبه غرُورًا وفتنه ... واصمت عَن الْحَقِيقَة أُذُنه ورمت عينه ببرقة سحر ... طمستها فَمَا يرى مَا أجنه لم تدع فِيهِ مطمعا لسواها ... فهواها لَدَيْهِ فرض وَسنة أَي خداعة تعلق مِنْهَا ... إِنَّهَا إِنَّهَا وَإنَّهُ إِنَّه فأطرحها فَمَا إخالك إِلَّا ... مثله فَالْكَلَام شعر وجنة فتجده قد طول أمله وَمد الْمسَافَة بَين يَدَيْهِ فَإِن كَانَ شَابًّا قَالَ أَنا صَغِير وَالْأَيَّام بَين يَدي وَأَيْنَ حَتَّى أبلغ سِتِّينَ سنة أَو سبعين سنة وَأَنا مُحْتَاج إِلَى الزَّوْجَة وَالزَّوْجَة تحْتَاج إِلَى كَذَا وَكَذَا وَإِذا كَانَت الزَّوْجَة كَانَ الْوَلَد وَكَانَت الْبِنْت وَاحْتَاجَ الْوَلَد إِلَى كَذَا وَكَذَا واحتاجت الْبِنْت أَيْضا إِلَى كَذَا وَكَذَا وَهَذَا كُله إِنَّمَا يكون بِالْمَالِ وَإِن لم يكن لي مَال لم أصل إِلَى مَرْغُوب وَلم أظفر بمطلوب وَإِن قعدت عَن الطّلب احتجت إِلَى النَّاس فَإِذا احتجت إِلَى النَّاس احتقرت واستخف بِي وَجَهل قدري كَمَا قَالَ الْقَائِل والمرء لَا يصغر مِقْدَاره ... إِلَّا إِذا احْتَاجَ إِلَى النَّاس وَترى فلَانا قد اكْتسب وَجمع وَتزَوج وتمتع وظفر بالمراد وَوصل إِلَى مَا أَرَادَ وَفُلَان كَذَلِك وَلَا يَقُول ترى فلَانا كَانَ شَابًّا مثلي وَأَرَادَ مَا أردْت وسعى فِيمَا سعيت فَمَاتَ قبل أَن يصل إِلَى إِرَادَته واختطف قبل أَن يحصل على مطلبه وَلَا يَقُول ترى فلَانا طلب واجتهد فَلَمَّا اجْتمع لَهُ مَا اجْتمع سرق مِنْهُ أَو اعْتدى عَلَيْهِ فاغتصب أَو عطب فِي رُجُوعه إِلَى بَلَده وانصرافه إِلَى وَطنه فَمَاتَ فِي عطبته وَهلك فِي نكبته أَو ترى فلَانا خرج مَحْزُونا مسلوبا فَقِيرا حسيرا

стр. 76

وَترى فلَانا كَذَلِك وَفُلَانًا كَذَلِك إِنَّمَا يعرض على نَفسه ويجرى على خاطره من بلغ إِلَى إِرَادَته وصل إِلَى أمْنِيته لِأَن ذَلِك هُوَ الَّذِي غلب على قلبه وشغف بحَديثه فتراه يسْعَى ويرغب ويحرص وَيطْلب ويزفر ويكد فِي حدور وصعود وطلوع وهبوط آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَلَا يقر بِهِ قَرَار وَلَا تضمه فِي أَكثر الْأَوْقَات دَار وَكلما فرغ من شغل أَخذ فِي آخر مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ بل لَا يفرغ من شغل إِلَّا وَقد عرضت لَهُ أشغال وَلَا يصل إِلَى أمل إِلَّا انْبَعَثَ لَهُ آمال فيمني نَفسه بالأماني الْبَاطِلَة ويحدثها بالأحاديث الكاذبة فَإِن وصل إِلَى حَظّ من المَال وَنصِيب وافر من الْكسْب مِمَّا يُمكن أَن يعِيش بِهِ عمره كُله أَو طعن فِي السن وَقيل لَهُ يَا فلَان أرح نَفسك ودع جسمك فَهَذَا الَّذِي عنْدك يَكْفِيك قَالَ يَا أخي لَا تقل هَذَا اللَّيْل وَالنَّهَار بَين يَدي وَلَا يكفيهما قَلِيل وَلنْ يدوما على أحد إِلَّا أذهبا مَا فِي يَده وأخذا مَا كَانَ عِنْده وَلَا يدْرِي مَا يكون والآفات كَثِيرَة والإمراض متوقعة وَالْحَاجة إِلَى النَّاس صعبة لَا سِيمَا مَعَ الْكبر وَلَا سِيمَا إِن كَانَ الْأَهْل وَالْولد فيقيم الْعذر لنَفسِهِ وَيطْلب لَهَا الْحجَّة وَيُوجد لَهَا الدَّلِيل ويصحح لَهَا بِزَعْمِهِ التَّأْوِيل فَإِن ذكر بِالْمَوْتِ أَو حدث بِمَوْت إِنْسَان قَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالله إِنِّي لفي غَفلَة وَالله إِنِّي لفي غرور وَالله إِن هَذِه لمصيبة لَا يدْرِي الْإِنْسَان مَتى يخترم وَلَا مَتى يختطف وَلَا مَتى تفجؤه الْمنية وَتحل بِهِ هَذِه الرزية وتنزل بِهِ هَذِه الْمُصِيبَة هَكَذَا قولا بِلَا فعل وكلاما بِلَا نِيَّة وَلَو كَانَ عَن صدق نِيَّة وَصِحَّة طوية لظهر ذَلِك عَلَيْهِ وبدت مخايله مِنْهُ

стр. 77

وَرُبمَا وعد نَفسه ومناها وطمعها فِي التَّوْبَة ورجاها وَقَالَ لَو جِئْت من هَذِه السفرة أَو لَو بنيت هَذِه الدَّار أَو لَو جمعت مَا كَانَ لي مُتَفَرقًا أَو لَو جهزت هَذِه الْبِنْت أَو هَذَا الْوَلَد وأدخلته بَيته وَنظرت لَهُ فِيمَا يعِيش بِهِ لتفرغت للنَّظَر لنَفْسي وقدمت مَا أَجِدهُ فِي رمسي وَكنت من دَاري إِلَى مَسْجِدي وَمن مَسْجِدي إِلَى دَاري وَلَا أنظر فِي شَيْء وَلَا اشْتغل فِي شَيْء فَإِن جَاءَ من سفرته تجهز لغَيْرهَا وَإِن فرغ من بُنيان دَاره نظر فِيمَا يصلح لَهَا وَإِن جمع مَاله نظر فِي تفريقه فِي الْوَجْه الَّذِي ينميه وَيزِيد فِيهِ وَإِن جهز ولدا بَقِي لَهُ آخر وَإِن لم يكن لَهُ آخر قَالَ مَا تُرِيدُ تُرِيدُ أَن آكل مَا عِنْدِي وأرجع إِلَى وَلَدي حَتَّى يطعمني وَيَكْسُونِي ويعولني لَا يكون هَذَا أبدا الْمَوْت فِي القفار ولجج الْبحار أَهْون عَليّ من هَذَا فَهُوَ هَكَذَا أبدا لَا مَعَ المَال وَلَا دون المَال وَلَا مَعَ الْوَلَد وَلَا دون الْوَلَد يحدث النَّاس عَن الْأَمْوَات وَلَا يحدث نَفسه أَنه يَمُوت ويشيع جنائزهم وَلَا يتخيل أَن جنَازَته تشيع وَيقدر لنَفسِهِ الْعَيْش الطَّوِيل وَلَا يقدر لَهَا الْمَوْت الْقَرِيب قد غلب عَلَيْهِ السَّهْو وأطبقه الْجَهْل وسدت عَلَيْهِ الْغَفْلَة طرق الْإِنَابَة وصرفته عَن أَسبَاب الفكرة كم رأى من إِنْسَان قد أعد ثوبا ليلبسه فَكَانَ كَفنه وَكم رأى مِمَّن يَبْنِي دَارا ليسكنها فَكَانَت قَبره وَكم رأى من آخر كَانَ يحب الْوَلَد ويشتهيه ويتضرع إِلَى الله ويرغب إِلَيْهِ فِيهِ فَلَمَّا أعْطِيه وَمن عَلَيْهِ بن جمع عَلَيْهِ الرِّجَال وَأنْفق عَلَيْهِ الْأَمْوَال وَقَالَ الْعَقِيقَة سنة وَالنَّفقَة فِيهَا حَسَنَة وَرُبمَا كَانَت إِلَى الْإِسْرَاف أقرب وَإِلَى التبذير أميل وَرُبمَا كَانَت نَفَقَته سَببا للمناكر وسلما لبَعض الْمعاصِي على روية مِنْهُ ومشاهدة لذَلِك كَمَا جرت الْعَادة فِي الأعراس والولائم والاجتماعات فَيجْعَل الْإِسْرَاف شكرا لتِلْك النِّعْمَة وَالْمَعْصِيَة جَزَاء لتِلْك الْمِنَّة وَلَعَلَّ الْوَلَد يَمُوت بعد ذَلِك بأيام أَو بأشهر أَو بأعوام أَو يعِيش فَيرى فِيهِ من الْأَمْرَاض والأسقام وأنواع الِابْتِلَاء والامتحان مَا يود مَعَه أَنه هُوَ لم يكن فَكيف وَلَده هَذَا أَمر مشَاهد فِي العيان مَوْجُود بالبرهان وَلَعَلَّه إِن شب

стр. 78

وَبلغ فِيهِ الأمل ورأي لَهُ من الْعُمر ذَاك الَّذِي كَانَ أمل صَار لَهُ أعدى الْأَعْدَاء وَكَانَ مِنْهُ أبعد الْبعدَاء كَمَا قد سمع بِجَمَاعَة قَتلهمْ أَوْلَادهم ليستعجلوا ميراثهم أَو ليصير لَهُم الْملك بعدهمْ ونعوذ بِاللَّه من أَمر لَا يستخار الله فِيهِ وَلَا يرد إِلَيْهِ عِنْد تمنيه وَكَذَلِكَ إِن كَانَ صَاحب تِجَارَة فِي سوقه وملتزما فِي دكانه إِنَّمَا هُوَ من الْحَانُوت إِلَى الدَّار وَمن الدَّار إِلَى الْحَانُوت وَمن الصَّباح إِلَى الْمِصْبَاح وَمن البكرة إِلَى آخر الرواح وَإِن كَانَ مِمَّن يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد وَيكثر التعاهد لَهُ قل مَا يَخْلُو فِيهِ مَعَ ربه ويتنصل من ذَنبه إِنَّمَا هُوَ فِي الحَدِيث مَعَ فلَان والضحك مَعَ فلَان وَالسُّؤَال عَن أَحْوَال الإخوان وَمَا جرى فِي الْبلدَانِ وَمَا اتّفق فِي الْقَدِيم من الْأَزْمَان وَرُبمَا أخرجه ذَلِك إِلَى الْغَيْبَة وَكثير من الْبُهْتَان وَكَذَلِكَ صَاحب الصَّنْعَة والضعيف من الحرفة إِنَّمَا هُوَ فِي كد وعناء وتعب وشقاء وَنصب وبلاء وكده وجهده ولذته وأمنيته أَن يكسو ظَهره ويشبع بَطْنه أَو يقوم على عِيَال أَو يَغْدُو على أَطْفَال مَعَ شكايته لرَبه وتسخطه لحكمه وتبرم بِقَضَائِهِ وَقلة صبره على بلائه وَلَا يحدث نَفسه بِمَوْت وَلَا يخْطر بِبَالِهِ زَوَال وَلَعَلَّه إِن ذكر الْمَوْت إِنَّمَا يذكرهُ متمنيا لَهُ ليريحه من ذَلِك الْعَذَاب العاجل الَّذِي عذب بِهِ وَذَلِكَ الْبلَاء النَّازِل الَّذِي نزل عَلَيْهِ قد شغله مَا لَقِي فِي الْحَال عَن النّظر فِي الْمَآل وَعَن التزود من صَالح الْأَعْمَال فَلَا هُوَ من أَبنَاء الدُّنْيَا المنعمين وَلَا من طلابها المدركين ولامع الصابرين الراضين الحامدين الشَّاكِرِينَ وَلَا يزَال كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ على حَاله مواظبا وَلما هُوَ فِيهِ ملازما حَتَّى يَمُوت على مَا هُوَ عَلَيْهِ ثمَّ يبْقى فِي البرزخ على مَا كَانَ عَلَيْهِ ثمَّ يبْعَث على مَا بَقِي عَلَيْهِ فِي البرزخ أَو تتغمده الرَّحْمَة وتغشاه الْمِنَّة فيستنقذه ربه تَعَالَى من هَذِه الغمرات وَيَأْخُذ بِيَدِهِ من هَذِه الهلكات وَيجْعَل لَهُ نورا

стр. 79

يمشي بِهِ فِي الظُّلُمَات على مَا يُرْجَى من منته وفضله لَا رب غَيره وَلَا معبود سواهُ وَرُبمَا كَانَ الرجل مبخوتا من أول عمره إِلَى آخِره فيولد فِي نعْمَة ويتربى فِي نعْمَة وينشأ فِي نعْمَة تمد عَلَيْهِ ظلالها وتطول من خَلفه أذيالها ويجدد عَلَيْهِ فِي كل حِين إسعادها وإقبالها قد صَار لوَالِديهِ دينا وَدُنْيا فَلهُ يقومان وَله يقعدان وَله يهتمان وَله يجمعان وبعينيه ينْظرَانِ وبأذنيه يسمعان ثمَّ يموتان ويسلمان لَهُ تِلْكَ النِّعْمَة بكمالها ويتركانها لَهُ على حَالهَا لم يسمع لَهُ فِيهَا أَنِين وَلَا عرق لَهُ فِيهَا جبين فَيبقى هُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ يمد فِي تِلْكَ النِّعْمَة يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَيفتح لَهَا عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ فَمَا شَاءَ من لَذَّة نَالَ فِي الْحَال وَأُخْرَى تنْتَظر فِي الْمَآل كلما نَالَ لَذَّة سعى فِي الْأُخْرَى وَكلما وصل إِلَى مَطْلُوب نظر فِي غَيره لم يصحب إِلَّا شكله وَلَا يسمع إِلَّا قَوْله وَلَا رأى إِلَّا عمله وَفعله فَإِن ذكر بِالتَّوْبَةِ أَو خوف بِالْمَوْتِ قَالَ دَعْنَا من هَذَا وَحدثنَا فِي غير هَذَا هَذِه سنوات الصِّبَا وَأَيَّام الشَّبَاب ومنازل اللَّذَّات ومرتع الأحباب كَمَا قَالَ الْقَائِل فِيهِ وَفِي أَمْثَاله نَالَ أمورا خَابَ من نالها ... ثمَّ سعى يطْلب أَمْثَالهَا وواقع الذَّنب فَمَا هاله ... والباذخات الشم قد هالها وَقَالَ هذي سنوات الصِّبَا ... فاسحب على رسلك أذيالها وقم إِلَى خَاتم جريالها ... ففضه واستف جريالها وَمن يقل فِي شَأْننَا قولة ... فخلها فِي فَم من قَالَهَا أما ترى القضبان ميالة ... فامدد على رَأسك ميالها وَمر يستهتر فِي عصبَة ... من شكله تصْحَب أشكالها أولى لَهُ ثمت أولى لَهُ ... وتلكم الْعصبَة أولى لَهَا يَا ويحه من غافل يَا لَهُ ... وتلكم يَا ويحها يَا لَهَا

стр. 80

وَأما أَكثر الشَّبَاب فَيَقُول إِذا كَبرت تبت والطلق ممتد والميدان عريض وَلَا يرى هَذَا البائس أَنه قد شيع إِلَى الْآخِرَة من كَانَ اصغر مِنْهُ سنا وأحدث مِنْهُ بالرحم عهدا قد غرته الشبيبة وخدعته الصِّحَّة وتمكنت مِنْهُ الْغرَّة بِمَا عِنْده من الثروة وَالْقُوَّة يَقُول أَنا صَحِيح وَمَتى أمرض وَمَتى أَمُوت وَلَا يرى الْمِسْكِين أَن الْمَوْت فِي الشَّبَاب أَكثر وحادثه إِلَيْهِم فِيهِ أسْرع وَأَن الَّذِي يَمُوت فِي الْهَرم قَلِيل وَأَن الْإِنْسَان يَمُوت بَغْتَة وَإِن لم يمت بَغْتَة مرض بَغْتَة ثمَّ مَاتَ كَمَا يرْوى أَن الْحسن قيل لَهُ إِن فلَانا مَاتَ بَغْتَة فَقَالَ مَا تعجبكم من ذَلِك إِنَّه لَو لم يمت بَغْتَة لمَرض بَغْتَة ثمَّ مَاتَ أما يعلم هَذَا الْمِسْكِين الْمَغْرُور ان الأَرْض كلهَا مَكَان للْمَوْت وَأَن الزَّمَان كُله وَقت للْمَوْت لَا يخْتَص من الأَرْض بمَكَان دون مَكَان وَلَا من الزَّمَان بِوَقْت دون وَقت فَلَا يزَال هَذَا الْمَغْرُور منكبا على شَهْوَته مثابرا على لذته غافلا عَن يَوْم صرعته حَتَّى يُؤْخَذ بِمَا تَأَخّر وَمَا تقدم ويلقى صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ والفم إِلَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم تبكيه بواك طَال مَا من حبها أضحكته وتندبه نوادب طَال مَا قبل ذَلِك غنته وَفِي مثل ذَلِك قيل تندبه نادبة طَال مَا ... غنته من قبل وغنى لَهَا وَلم يكن يخْطر ذَا باله ... وَلم تكن تخطر ذَا بالها فَانْظُر رَحِمك الله كَيفَ يقصر مَعَ هَذِه الْأَحْوَال أمل أَو يَسْتَقِيم مَعهَا عمل أَو كَيفَ يطْمع مَعَ هَذِه الْمَوَانِع أَن يخرج حب الدُّنْيَا من الْقلب أَو يقطع علائقها عَن النَّفس أَو يخْطر بالخاطر ذكر الْمَوْت كلا حب الدُّنْيَا فِي الْقلب أرسخ وإخراجها مِنْهُ أصعب وَالنَّفس إِلَيْهَا أميل

стр. 81

وَهِي بهَا أشغف وَفِي طلبَهَا أهلك وأتلف وَعَن طَرِيق الرشد أبعد وأصرف وَإِن حب الدُّنْيَا لَهو الدَّاء العضال الَّذِي أهلك الرِّجَال وأفسد كثيرا من الْأَعْمَال إِلَّا أَن تَأتي الْعِنَايَة الإلهية والشفاعة الربانية فتصرف الْإِنْسَان إِلَى النّظر الصَّحِيح وتحمله على الطَّرِيق الْمُسْتَقيم فَيرى بِعَين الْحَقِيقَة وصحيح البصيرة أَنه لَا بُد من الْمَوْت وَإِن طَال المدى وامتد الطلق وبعدت الْغَايَة وَأَنه يدْفن تَحت أطباق الثرى وَيَرْمِي بِهِ فِي ظلمات الأَرْض ويسلط الدُّود على جسده والهوام على بدنه فتأخذه من قرنه إِلَى قدمه وَقد عدم الطَّبِيب وأسلمه الْقَرِيب وَتَركه الْوَلِيّ والحبيب وَعرض عَلَيْهِ عَذَاب السعير وَأَتَاهُ مُنكر وَنَكِير وَلم يجد هُنَالك أنيسا إِلَّا عمله وَلَا صاحبا إِلَّا فعله الَّذِي فعله كَمَا قَالَ الْقَائِل أسلمني الْأَهْل بِبَطن الثرى ... وَانْصَرفُوا عني فيا وحشتا وغادروني معدما يائسا ... مَا بيَدي الْيَوْم إِلَّا البكا وكل مَا كَانَ كَأَن لم يكن ... وَكَانَ مَا حاذرته قد أَتَى وذاكم الْمَجْمُوع والمقتنى ... قد صَار فِي كفي مثل الهبا وَلم أجد لي مؤنسا هَاهُنَا ... غير فجور كَانَ لي أَو تقى فَلَو تراني أَو ترى حالتي ... بَكَيْت لي يَا صَاح مِمَّا ترى وَأما الدُّنْيَا فَينْظر إِلَيْهَا فَإِن كَانَ ملكا نظر إِلَى من تقدمه من الْمُلُوك وَمَا فعل الدَّهْر بهم كَيفَ فرق جموعهم وشتت جَمِيعهم واقفرت مِنْهُم قصورهم وعمرت بهم حفرهم وقبورهم وَينظر إِلَى أَيَّام ملكه هَل يَخْلُو من عَدو يكابده أَو مُنَازع يكايده أَو قتال يكافحه أَو مرض يهجم عَلَيْهِ أَو خلط سوء يثور مَعَه وَأَنه كَمَا قيل تَمْرَة بجمرة إِن نَالَ لَذَّة تجرع بعْدهَا غُصَّة وَإِن أَتَتْهُ فرحة غَشيته فِي أَثَرهَا ترحة بل رُبمَا كَانَت الترحات أَكثر من الفرحات والداهية

стр. 82

أَكثر من الْعَافِيَة وَكلما عظم ملكه عظمت همته وامتد أمله وَأَرَادَ مَا لَا يُمكن وَطلب مَالا يجد وَقد يَأْتِيهِ النكد من حَيْثُ لَا يظنّ وَيدخل مَعَه الْهم من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَلَو من جَارِيَة يُحِبهَا أَو امْرَأَة يشغف بهَا فيجعلها قبلته ويصفي لَهَا مودته ويخلص لَهَا محبته وَيُرِيد مِنْهَا مثل ذَلِك والقلوب قد تتنافر والمزاج رُبمَا يخْتَلف والطباع قد لَا تتفق فَيرى مِنْهَا خلاف الَّذِي يُرِيد ويجد عِنْدهَا غير الَّذِي يطْلب وَلَا يقدر على معاقبتها لِأَنَّهُ إِن عاقبها إِنَّمَا يُعَاقب نَفسه وَإِن آلمها إِنَّمَا يؤلم قلبه فتجده يتَحَمَّل مِنْهَا مَالا يتَحَمَّل من بعض رَعيته فَبَيْنَمَا هُوَ ملك إِذْ قد صَار مَمْلُوكا وبينما هُوَ رَئِيس إِذْ قد عَاد مرؤوسا كَمَا قد سمع وَتحقّق عَن بعض الْمُلُوك حَتَّى قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد وقصته مَشْهُورَة ملك الثَّلَاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبِي بِكُل مَكَان مَالِي تطاوعني الْبَريَّة كلهَا ... وأطيعهن وَهن فِي عصيان مَا ذَاك إِلَّا أَن سُلْطَان الْهوى ... وَبِه قوين أعز من سلطاني وَقد تكون صَادِقَة فِي محبتها مخلصة فِي مودتها فيتهمها فِي ودادها وَلَا يصدقها فِي إخلاصها لشدَّة كلفه بهَا وفرط محبته لَهَا لِأَنَّهُ يتخيل أَن عيشه لَا يطيب وسروره لَا يتم وفرحه لَا يكون إِلَّا بِأَن تخلص لَهُ الْمَوَدَّة من قَلبهَا وتحبه من ذَات نَفسهَا وَقد تكون لَهُ كَمَا يُرِيد فيخلع عنانه مَعهَا وَيَسْتَوِي سروره بهَا فيصاب فِيهَا بِمَرَض أَو يفجع فِيهَا بِمَوْت فَيَعُود الْفَرح حزنا وَالسُّرُور هما كَمَا يرْوى فِي قصَّة يزِيد بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه كَانَ مشغوفا بِجَارِيَة يُقَال لَهَا حبابة وَكَانَت قد مَلَأت قلبه وأطاشت عقله وأذهبت لبه وَنزلت من نَفسه حَيْثُ أَرَادَت وحلت مِنْهُ بِالْمحل الَّذِي شَاءَت وَكَانَ قد نزل مِنْهَا بِالْمَكَانِ الَّذِي نزلت مِنْهُ

стр. 83

فَقَالَ يَوْمًا لحاجبه لَا تَأذن الْيَوْم عَليّ لأحد وَلَا تُخبرنِي بِخَبَر وَلَو كَانَ فِيهِ ذهَاب ملكي وخلا بِجَارِيَتِهِ تِلْكَ فِي مجْلِس أنسه وَمَكَان سروره وَمَعَهُ من الدُّنْيَا مَا يكون مَعَ مثله فَبَيْنَمَا هما على مَا اشتهيا إِذْ أخذت حَبَّة رمان فأدخلتها فِي فِيهَا فشرقت بهَا فتخبطت حَتَّى خرجت روحها بَين يَدَيْهِ فَلَا تسْأَل عَن حَال يزِيد وَمَا طَرَأَ عَلَيْهِ وَمَا حل بِهِ فقد الصَّبْر وَالْعقل وتوله وتحير وتدله وَأكْثر الصُّرَاخ والبكاء والصياح والعجيج والضجيج وَمنع من دَفنهَا وَصد عَن مواراتها وأقامت على ذَلِك الْحَال أَيَّامًا حَتَّى تَغَيَّرت وأنتنت فَاجْتمع إِلَيْهِ بَنو أُميَّة وَعَزوه فِيهَا وصبروه عَنْهَا وسألوه فِي دَفنهَا وَقَالُوا لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه فضيحة بِنَا وسبة علينا وَأي فَائِدَة لَك فِي تَركهَا وَكم عَسى أَن تبقى على هَذِه الْحَالة وَكم عَسى أَن تدوم على هَذِه الصّفة فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى كَلمه النِّسَاء مِمَّن يكرم عَلَيْهِ من أَهله وسراريه إِلَى أَن أَمر بدفنها وَخرج فِي جنازتها على رجلَيْهِ فَلَمَّا دفنت تمثل على قبرها ببيتين لكثير وَإِن تسل عَنْك النَّفس أَو تدع الْهوى ... فباليأس تسلو عَنْك لَا بالتجلد وكل خَلِيل زارني فَهُوَ قَائِل ... من أَجلك هَذَا هَامة الْيَوْم أَو غَد ثمَّ أخرجهَا من قبرها بعد شهر وَجعل يعانقها ويقبلها فَاجْتمع عَلَيْهِ أَهله وَبَنُو عَمه من بني أُميَّة وَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لَئِن سمع بِهَذَا لتخلعن من ملكك ولينقضن عَلَيْك أَمرك وليقومن فِي مقامك هَذَا غَيْرك فأقصر عَن هَذَا الهيمان وَسكن من ذَلِك الهيجان ثمَّ لم يزل واجدا عَلَيْهَا مَحْزُونا بموتها إِلَى أَن مَاتَ وَلم يَعش بعْدهَا إِلَّا يَسِيرا وَكَذَلِكَ غَيره وَغَيره ويروى أَنه مَا عَاشَ من بعْدهَا إِلَّا تِسْعَة أَيَّام أَو نَحْوهَا

стр. 84

ويروى أَن الْهَادِي أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ لَهُ جَارِيَة تسمى غادر وَكَانَت أحظى من عِنْده وأغلبهم على قلبه وأملكهم لنَفسِهِ وَكَانَت من أحسن النَّاس وَجها وأطيبهم غناء كَانَ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي هُوَ الَّذِي رباها وأدبها وَعلمهَا وباعها بِعشْرَة آلَاف دِينَار فَبَيْنَمَا الْهَادِي يَوْمًا يشرب مَعَ ندمائه وَهِي تغنيهم من وَرَاء الستارة إِذْ عرض لَهُ فكر وسهو وَتغَير لون وَقطع الشَّرَاب فَقَالَ لَهُ ندماؤه مَالك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَقع فِي فكري أَنِّي أَمُوت وَأَن أخي هَارُون يَلِي الْخلَافَة بعدِي ويتزوج جاريتي غادر هَذِه فَقَالُوا لَهُ نعيذك بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ويطيل الله بَقَاءَك ونتقدم نَحن وَهُوَ بَين يَديك وَنَمُوت قبلك فَقَالَ لَهُم لَيْسَ هَذَا مِمَّا يزِيل مَا فِي نَفسِي ثمَّ أَمر أَن يُؤْتى بِرَأْس هَارُون ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك وَأمر بإحضاره فَعرفهُ بِمَا خطر بِبَالِهِ فاستعطفه هَارُون وَجعل يكلمهُ بِمَا يُوجب زَوَال مَا فِي نَفسه ويخضع لَهُ ويتذلل فَلم يقنع بذلك وَقَالَ لَا أرْضى حَتَّى تحلف لي بِكُل مَا أحلفك بِهِ أَنِّي إِذا مت لم تتَزَوَّج جاريتي هَذِه غادر قَالَ افْعَل فأحلفه بِكُل يَمِين يحلف بهَا النَّاس من طَلَاق وعتاق وَحج رَاجِلا وَغير ذَلِك من الْأَيْمَان الْمُؤَكّدَة أَنه لَا يَتَزَوَّجهَا أبدا فَحلف لَهُ بِجَمِيعِ ذَلِك فَرضِي وَسكن ذَلِك الخاطر عَنهُ ثمَّ قَامَ إِلَى الْجَارِيَة وَدخل عَلَيْهَا السّتْر فأحلفها بالأيمان الْمُؤَكّدَة من الْحَج وَالْعِتْق وَالصَّدَََقَة وَمَا يحلف بِهِ النِّسَاء أَنَّهَا لَا تتزوجه أبدا قَالَ فَلم يلبث بعْدهَا إِلَّا شهرا أَو نَحوه حَتَّى مَاتَ وَولى هَارُون الْخلَافَة بعده فَلَمَّا ولي بعث إِلَى الْجَارِيَة فَخَطَبَهَا فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ بأيماني وأيمانك قَالَ اكفر عَن أيماني وأيمانك وأحج راحلا فَفعل وَتَزَوجهَا فَوَقَعت من قلبه ألطف موقع وشغف بهَا اشد من شغف أَخِيه الْهَادِي حَتَّى كَانَت تسكر وتنام فِي حجره فَلَا يَتَحَرَّك وَلَا يَنْقَلِب حَتَّى تنتبه فَبَيْنَمَا هِيَ لَيْلَة نَائِمَة فِي حجره إِذْ انْتَبَهت فزعة مرعوبة فَقَالَ لَهَا مَالك

стр. 85

فديتك فَقَالَت لَهُ رَأَيْت أَخَاك الْهَادِي السَّاعَة فِي النّوم فأنشدني أخلفت وعدي بعد مَا ... جَاوَرت سكان الْمَقَابِر ونسيتني وحنثت فِي ... أيمانك الْكَذِب الفواجر وحللت فِي أهل البلى ... وغدوت فِي الْحور الغرائر ونكحت غادرة أخي ... صدق الَّذِي سماك غادر لَا يهنك الإلف الجدي ... د وَلَا تدر عَنْك الدَّوَائِر وَلَحِقت بِي قبل الصِّبَا ... ح وصرت حَيْثُ غَدَوْت صائر قَالَت ثمَّ ولى عني ولكأنها مَكْتُوبَة فِي قلبِي مَا نسيت مِنْهَا كلمة فَقَالَ لَهَا هَارُون هَذِه أَحْلَام الشَّيْطَان فَقَالَت كلا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ اضْطَرَبَتْ بَين يَدَيْهِ وتخبطت حَتَّى خرجت روحها تِلْكَ السَّاعَة وَلَا تسل عَن هَارُون وَمَا لَقِي عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ إِن لم يكن ملكا وَكَانَ وزيرا أَو غير ذَلِك من أَصْنَاف النَّاس وصفاتهم فِي تقلب الدُّنْيَا بهم مَعْلُومَة وأحوالهم فِيهَا مَشْهُورَة وكل وَاحِد منا يعلم هَذَا من نَفسه وَيَرَاهُ من غَيره وَأَنه لَيْسَ من إِنْسَان إِلَّا وَله شرب من الكدر وَنصِيب من الْهم يقل عِنْد إِنْسَان وَيكثر عِنْد آخر فَإِذا أَخذ نَفسه بِهَذِهِ الأفكار وَعرض عَلَيْهَا هَذَا الِاعْتِبَار أعرض عَن الدُّنْيَا وَلم يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا شغل نَفسه بهَا وتذكر الْمَوْت وَخَافَ فجأته وَلم يَأْمَن بغتته وَلم يسمع إِلَّا وجبته وَلَا رأى إِلَّا صدمته وصرعته وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق بفضله وَطوله لَا رب غَيره وَلَا معبود سواهُ وأنشدوا سجعت هَذِه الْحَمَامَة سجعا ... فتذكرت أَنْت إلفا وربعا لَا لشَيْء إِلَّا لِأَنَّك نَاس ... مصرعا قد تقدّمت فِيهِ صرعى وحديثا من بعده وحديثا ... وحديثا يجْرِي فُؤَادك دمعا يَا جهولا وغافلا وظلوما ... كل هذي جمعن عنْدك جمعا مَا لآمالي انتجعت سناها ... حَيْثُ لاحت بروقها حَيْثُ تسْعَى

стр. 86

خلب أبرد المناهل مَاء ... مهمل أجذب المراتع مرعى شغلت نَفسك اللجوج وأعمت ... مِنْك عينا وأثقلت مِنْك سمعا فتخطيت بالدواء أساة ... لم يرَوا للدواء عنْدك نجعا ومحال بِأَن يرى فِيك شَحم ... لانتجاع وَأَنت جسمك ترعى وَاعْلَم رَحِمك الله أَنه من كَانَ منتظرا لعقاب أَن ينزل بِهِ من أَمِير بلدته أَو عَظِيم قريته فَإِنَّهُ لَا يزَال متألم الْقلب مَشْغُول النَّفس وبحسب النَّوْع الَّذِي يخَاف من الْعقَاب يكون ألم قلبه وشغل نَفسه بهَا فَإِنَّهُ من توعده الْأَمِير بِأَن يضْربهُ مائَة سَوط فَإِنَّهُ أشغل سرا مِمَّن توعده أَن يضْربهُ عشرَة أسواط وَمن توعده أَن يقطع جارحة من جوارحه كَانَ أَكثر توجعا مِمَّن توعده بِأَن يضْربهُ مائَة سَوط وَمن توعده بِأَن يضْرب عُنُقه كَانَ أَشد خوفًا مِمَّن وعده بِأَن يقطع بعض جوارحه وَكَذَلِكَ من توعده بِأَن يَجْعَل عَلَيْهِ أَنْوَاع الْعَذَاب ويعاقبه بضروب من الْعقَاب حَتَّى يَمُوت تحتهَا وَتخرج نَفسه بهَا كَانَ أعظم جزعا مِمَّن توعده بِضَرْب عُنُقه هَذَا هُوَ الْمُتَعَارف فَإِن وجد إِنْسَان يخْتَار تَطْوِيل الْعَذَاب ويهون عَلَيْهِ رَغْبَة مِنْهُ فِي الْحَيَاة مَا بَين مَوته بِالْعَذَابِ وَسُرْعَة مَوته بِالسَّيْفِ فَهَذَا رجل قد غلب عَلَيْهِ الْجزع وَملك قلبه الْهَلَع فأطاش لبه وأزال عقله حَتَّى مَنعه من حسن النّظر وأوقعه فِي سيء الِاخْتِيَار وَمَا منا أحد إِلَّا وَقد توعد بِالْقَتْلِ لِأَن الْمَوْت قتل فِي الْبَاطِن أَلا ترى أَنه يُقَال قتل فلَان فلَانا فَيُقَال بِمَ قَتله فَيُقَال بِسيف أَو بسكين أَو بخنجر أَو خنقه أَو غرقه أَو بِغَيْر ذَلِك من أَنْوَاع الْقَتْل وَالْمَوْت كالخنق فَهُوَ إِذن قتلة من القتلات وَإِنَّمَا جرت الْعَادة بِأَن يُقَال قتل فلَان إِذا قَتله مَخْلُوق وَقد يُقَال قتل الله فلَانا وَهُوَ قد مَاتَ من عِلّة أَو مَاتَ بَغْتَة وَلم يكن لمخلوق فِي ذَلِك فعل فقد بَان لَك إِذن أَن كل وَاحِد منا ينْتَظر الْقَتْل وَلَا فرق بَين أَن يثب عَلَيْك إِنْسَان بِسيف أَو سكين أَو خنجر أَو بِغَيْر ذَلِك فيقتلك أَو يثب عَلَيْك

стр. 87

ملك الْمَوْت فَيقبض روحك فَلَو كشف للنَّاس عَن أَبْصَارهم فرأوه حِين يثب عَلَيْك وشاهدوه فِي الْبَاطِن حِين يَأْخُذ روحك لما كَانَ بَينه وَبَين إِنْسَان يقتلك فِي الظَّاهِر فرق إِلَّا أَن الْإِنْسَان يحْتَاج إِلَى آلَة يقتل بهَا من سيف أَو سكين أَو غير ذَلِك وَالْملك لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء من ذَلِك فَإِن أخذك إِنْسَان وروعك وحبسك للْقَتْل وهددك ثمَّ قَتلك فَاجْعَلْ ذَلِك الْأَلَم الَّذِي تَجدهُ من حَبسه وترويعه وتهديده كَالَّذي يصيبك من الْمَرَض أَو مِمَّا كَانَ من الْعِلَل قبل الْمَوْت ثمَّ تَمُوت وَمَعْلُوم أَن من الْأَمْرَاض مَا يقوم ألمه مقَام التهديد والوعيد بل مِنْهَا مَا هُوَ أَشد وأشق كوجع الاحتقان ووجع الْحَصَى وَغَيرهمَا وَقد شوهد من النَّاس من مَاتَ من وجع الْحَصَى ووجع الاحتقان وَلَيْسَ الْقَتْل الَّذِي هُوَ الضَّرْب بِشَيْء على يَد مَخْلُوق وَلَا مَا يكون على يَد غير الْمَخْلُوق كالهدم وَالْغَرق والحرق وَغير ذَلِك مِمَّا يزِيد فِي شدَّة الْمَوْت وَيكثر من ألمه ووجعه لِأَن هَذِه كلهَا أَسبَاب للْمَوْت وَالْمَوْت شَيْء آخر وَهُوَ أَمر إلهي ينزل بِالروحِ لَا يعلم حَقِيقَته إِلَّا الَّذِي ينزل بِهِ قَالَ أَبُو حَامِد ﵀ اعْلَم أَن شدَّة الْأَلَم فِي سَكَرَات الْمَوْت لَا يعرفهَا على الْحَقِيقَة إِلَّا من ذاقها وَمن لم يذقها فَإِنَّمَا يعرفهَا إِمَّا بِالْقِيَاسِ على الآلام الَّتِي أدْركهَا وَإِمَّا بالاستدلال بأحوال النَّاس فِي النزع على شدَّة مَا هم فِيهِ فَأَما الْقيَاس الَّذِي يشْهد لَهُ فَهُوَ أَن كل عُضْو لَا روح فِيهِ لَا يحس بالألم فَإِذا كَانَ فِيهِ الرّوح أحس فالمدرك للألم هُوَ الرّوح فمهما أصَاب الْعُضْو جرح أَو حريق سرى الْأَثر إِلَى الرّوح فبقدر مَا يسري إِلَى الرّوح يتألم والمؤلم يتفرق على اللَّحْم وَالدَّم وَسَائِر الْأَجْزَاء فَلَا يُصِيب الرّوح إِلَّا بعض الْأَثر فَإِن كَانَ فِي الْأَلَم مَا يُبَاشر نفس الرّوح وَلَا يلاقي غَيره فَمَا أعظم ذَلِك الْأَلَم وَمَا أشده

стр. 88

والنزع عبارَة عَن مؤلم نزل بِنَفس الرّوح فاستغرق جَمِيع أَجْزَائِهِ حَتَّى لم يبْق جُزْء من أَجزَاء الرّوح الْمُنْتَشِر فِي أعماق الْبدن إِلَّا وَقد حل بِهِ الْأَلَم فَلَو أَصَابَته شَوْكَة فالألم الَّذِي يجده فِي جُزْء من الرّوح يلاقي ذَلِك الْموضع الَّذِي أَصَابَته الشَّوْكَة وَإِنَّمَا يعظم أثر الاحتراق لِأَن أَجزَاء النَّار تغوص فِي سَائِر أَجزَاء الْبدن فَلَا يبْقى جُزْء من الْعُضْو المحرق ظَاهرا وَلَا بَاطِنا إِلَّا وتصيبه النَّار فيحس بِهِ فِي الْأَجْزَاء الروحانية المنتشرة فِي سَائِر أَجزَاء اللَّحْم وَأما الْجراحَة فَإِنَّهَا تصيب الْموضع الَّذِي يمسهُ الْحَدِيد فَقَط فَكَانَ لذَلِك ألم الْجرْح دون ألم النَّار فألم النزع يهجم على نفس الرّوح فيستغرق جَمِيع أَجْزَائِهِ فَإِنَّهُ المنزوع والمجذوب من كل عرق من الْعُرُوق وَعصب من الأعصاب وجزء من الْأَجْزَاء ومفصل من المفاصل وَمن أصل كل شَعْرَة وبشرة من الْقرن إِلَى الْقدَم فَلَا تسْأَل عَن كربه وألمه حَتَّى قَالُوا إِن الْمَوْت أَشد من ضرب بِالسَّيْفِ وَنشر بالمناشير وقرض بِالْمَقَارِيضِ لِأَن قطع الْبدن بِالسَّيْفِ إِنَّمَا يؤلم لتَعَلُّقه بِالروحِ فَكيف إِذا كَانَ المتناول الْمُبَاشر نفس الرّوح وَإِنَّمَا يستغيث الْمَضْرُوب ويصيح لبَقَاء قُوَّة فِي قلبه وَفِي لِسَانه وَإِنَّمَا انْقَطع صَوت الْمَيِّت وصياحه من شدَّة ألمه وكربه لِأَن الكرب قد بَالغ فِيهِ وتصاعد على قلبه شدَّة ألمه وَغلب على كل مَوضِع مِنْهُ فَهد كل جُزْء وأضعف كل جارحة فَلم يتْرك لَهُ قُوَّة الاستغاثة أما الْعقل فقد غشيه وشوشه وَأما اللِّسَان فقد أبكمه وَأما الْأَطْرَاف فقد أضعفها وَيَوَد أَن لَو قدر على الاسْتِرَاحَة بالأنين والصياح والاستغاثة وَلكنه لَا يقدر على ذَلِك فَإِن بقيت فِيهِ قُوَّة سَمِعت لَهُ عِنْد نزع الرّوح وجذبه خوارا وغرغرة من حلقه وصدره وَقد تغير لَونه وأربد حَتَّى كَأَنَّهُ ظهر مِنْهُ التُّرَاب الَّذِي هُوَ أصل خلقته وَقد جذب مِنْهُ كل عرق على حياله فالألم منتشر فِي دَاخله وخارجه حَتَّى ترْتَفع الحدقتان إِلَى أَعلَى جفونه ويتقلص اللِّسَان إِلَى أَصله وترتفع

стр. 89

الأنثيان إِلَى أعالي موضعهما وتخضر أنامله فَلَا تسْأَل عَن بدن يجذب مِنْهُ كل عرق من عروقه وَلَو كَانَ المجذوب عرقا وَاحِدًا لَكَانَ ألمه عَظِيما فَكيف والمجذوب نفس الرّوح المتألم وَلَيْسَ هُوَ من عرق وَاحِد بل من الْعُرُوق كلهَا ثمَّ يَمُوت كل عُضْو من أَعْضَائِهِ تدريجا فتبرد أَولا قدماه ثمَّ ساقاه ثمَّ فخذاه وَلكُل عُضْو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربَة حَتَّى يبلغ بهَا الْحُلْقُوم فَعِنْدَ ذَلِك يَنْقَطِع نظره عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وينغلق دونه بَاب التَّوْبَة وتحيط بِهِ الندامة وَالْحَسْرَة ويروى أَن العَبْد يَقُول لملك الْمَوْت عِنْد الْمَوْت يَا ملك الْمَوْت أخرني يَوْمًا استعتب فِيهِ وَأَتُوب إِلَى رَبِّي وأعمل صَالحا فَيَقُول لَهُ فنيت الْأَيَّام فَلَا يَوْم فَيَقُول أخرني سَاعَة فَيَقُول فنيت السَّاعَات فَلَا سَاعَة فتبلغ الرّوح الْحُلْقُوم فَيُؤْخَذ بكظمه عِنْد الغرغرة فيغلق بَاب التَّوْبَة دونه ويحجب عَنْهَا وتنقطع الْأَعْمَال وتطوى الصُّحُف وتتم الْأَوْقَات ويبقي عدد الأنفاس يشْهد فِيهَا المعاينة عِنْد كشف الغطاء فَيحد بَصَره فَإِذا كَانَ فِي آخر نفس يُدْرِكهُ مَا سبق لَهُ من السَّعَادَة فَتخرج روحه على الْإِيمَان فَذَلِك حسن الخاتمة أَو يُدْرِكهُ مَا سبق لَهُ من الشقاوة فَتخرج روحه على الْكفْر أَو الشَّك وَذَلِكَ سوء الخاتمة ونعوذ بِاللَّه ثمَّ نَعُوذ بِاللَّه وَأنْشد بَعضهم كَأَنِّي بنفسي على ضعفها ... تجرع رغما كؤوس الردى وَقد كشف الله عَنْهَا الغطا ... فحنت هُنَاكَ لكشف الغطا ومدت إِلَيْهَا يَد فظة ... لفظ غليظ شَدِيد القوى فَمَا شِئْت من نفس ضيق ... وجذب عروق وَقطع الحشا وَنَفس تساق أَشد مساق ... فتضغط فِي لَهَوَات الْفَتى وَلَا دَافع يرتجى دَفعه ... وَلَا قَائِل مَا بِهِ يفتدى وَمَالِي انتصار وَلَا لي قَرَار ... وَمَالِي من حِيلَة ترتجى

стр. 90

فَدَعْنِي ويومي أبْكِي لَهُ ... فَحق ليومي بطول البكا وأنشدوا أَيْضا يَا ندما أندمه لَيْسَ فِي ... ذَلِك من ريب وَلَا شكّ إِذا أرسي الْمَوْت على لبتي ... وَحَال بَين الفك والفك وَلم يكن لي عَنهُ من مخلص ... وَلم أكن عَنهُ بمنفك وحشرجت نَفسِي فِي صدرها ... كَأَنَّهَا تمخض فِي مسك وكل مَا تدريه من نخوة ... فِي وَمن عجب وَمن فتك قد عَاد ذاكم كُله ذلة ... يظل مِنْهَا شامتي يبكي وذاكم المَال الَّذِي كنت قد ... جمعته من زور وَمن إفْك قد حيل مَا بيني وَمَا بَينه ... وَزَالَ عَن حكمي وَعَن ملكي غير تبعات تحملتها ... تكْثر من همي وَمن معكي فَكيف لَا أندم أَو كَيفَ لَا ... ملْء جفوني بِدَم أبْكِي فيا إلهي وَالَّذِي جوده ... سَالَ لذِي الْإِخْلَاص وَالشَّكّ رحماك فِي واهي القوى بائس ... فِي عيشه من حَالَة ضنك قد حَجَبته عَنْك آثامه ... ورد عَن بابك بالصك إِن لم ينله عفوك المرتجى ... وتحتويه سَعَة الْملك فَاعْفُ إلهي عَنهُ واغفر لَهُ ... واعدل بِهِ عَن هوة الهلك أَولا فَمن ذَا جوده يرتجى ... غَيْرك أَو عَن فَضله نحكي ويروى أَن النَّبِي ﷺ دخل على مَرِيض فَقَالَ إِنِّي لأعْلم مَا يلقى مَا فِيهِ عرق إِلَّا ويألم للْمَوْت على حِدته وَكَانَ عَليّ ﵁ يحرض على الْقِتَال وَيَقُول إِن لم تقتلُوا تَمُوتُوا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لِأَلف ضَرْبَة بِالسَّيْفِ أَهْون من موت على فرَاش

стр. 91

وَقَالَ شَدَّاد بن أَوْس الْمَوْت أفظع هول فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة على الْمُؤمن وَهُوَ أَشد من نشر المناشير وقرض المقاريض وغلي فِي الْقُدُور وَلَو أَن الْمَيِّت نشر فَأخْبر أهل الدُّنْيَا بألم الْمَوْت لما انتفعوا بعيش وَلَا التذوا بنوم وَدخل الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ على رجل مَرِيض فَوَجَدَهُ فِي سَكَرَات الْمَوْت فَنظر إِلَيْهِ وَقَالَ إِن أمرا هَذَا أَوله يَنْبَغِي أَن يتقى آخِره وَإِن أمرا هَذَا آخِره يَنْبَغِي أَن يزهد فِي أَوله ويروى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ عِنْده قدح من مَاء عِنْدَمَا نزل بِهِ الْمَوْت فَجعل يدْخل يَده فِي الْقدح ثمَّ يمسح وَجهه وَيَقُول اللَّهُمَّ أَعنِي على سَكَرَات الْمَوْت وروى يدْخل يَده فِي الْإِنَاء وَيمْسَح بهَا وَجهه وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله إِن للْمَوْت سَكَرَات وَفَاطِمَة ابْنَتَيْهِ ﵂ تَقول واكرباه لكربك يَا أبتاه وَهُوَ يَقُول لَا كرب على أَبِيك بعد الْيَوْم ذكره البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا ذكر كل وَاحِد مِنْهُم أَشْيَاء لم يذكرهَا صَاحب على وَعَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ يَا معشر الحواريين ادعوا الله لي أَن يهون عَليّ هَذِه السكرة يَعْنِي الْمَوْت فقد خفت من الْمَوْت مَخَافَة أوقعني خوفي من الْمَوْت على الْمَوْت وَعَن أسلم مولى عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ إِذا بَقِي على الْمُؤمن نم ذنُوبه شَيْء لم يبلغهُ بِعَمَلِهِ شدد عَلَيْهِ الْمَوْت ليبلغ بسكرات الْمَوْت وشدائده دَرَجَته فِي الْجنَّة وَإِن الْكَافِر إِذا كَانَ قد عمل مَعْرُوفا فِي الدُّنْيَا هون عَلَيْهِ الْمَوْت ليستكمل ثَوَاب معروفه فِي الدُّنْيَا ثمَّ يصير إِلَى النَّار وَكَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ يَقُول لَوَدِدْت أَنِّي رَأَيْت رجلا لبيبا حازما قد نزل بِهِ الْمَوْت فيخبرني عَن الْمَوْت فَلم نزل بِهِ الْمَوْت قيل لَهُ يَا أَبَا عبد الله قد كنت تَقول فِي حياتك وددت أَنِّي رَأَيْت رجلا لبيبا حازما قد نزل بِهِ

стр. 92

الْمَوْت يُخْبِرنِي عَن الْمَوْت وَأَنت ذَلِك الرجل اللبيب الحازم وَقد نزل بك الْمَوْت فَأخْبرنَا عَنهُ فَقَالَ أجد كَأَن السَّمَوَات أطبقت على الأَرْض وَأَنا بَينهمَا وَكَأن نَفسِي يخرج من ثقب إبره وَكَأن غُصْن شوك يجر من هامتي إِلَى قدمي ويروى عَن مَكْحُول ﵀ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَو أَن شَعْرَة من شَعرَات الْمَيِّت وضعت على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض لماتوا بِإِذن الله تَعَالَى لِأَن فِي كل شَعْرَة من الْمَيِّت الْمَوْت وَلَا يَقع الْمَوْت على شَيْء إِلَّا مَاتَ وأنشدوا مَاذَا تؤمل وَالْأَيَّام ذَاهِبَة ... وَمن ورائك للآمال قطاع وصيحة لهجوم الْمَوْت مُنكرَة ... صمت لوقعتها الشنعاء أسماع وغصة بكؤوس أَنْت شاربها ... لَهَا بقلبك آلام وأوجاع يَا غافلا وَهُوَ مَطْلُوب ومتبع ... أَتَاك سيل من الفرسان دفاع خُذْهَا إِلَيْك طعانا فِيك نَافِذَة ... تعدِي الجليس وَأمر لَيْسَ يسطاع إِن الْمنية لَو تلقى على جبل ... لأصبح الصخر مِنْهُ وَهُوَ مياع ويروى أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ لما مَاتَ قَالَ الله لَهُ كَيفَ وجدت الْمَوْت قَالَ كسفود جعل فِي النَّار ثمَّ أَدخل فِي صوف رطب ثمَّ جذب فَقَالَ الله تَعَالَى أما إِنَّا لقد هوناه عَلَيْك يَا إِبْرَاهِيم ويروى عَن مُوسَى ﵇ أَنه لما صَارَت روحه إِلَى الله تَعَالَى قَالَ لَهُ يَا مُوسَى كَيفَ وجدت الْمَوْت فَقَالَ وجدت نَفسِي كالعصفور حِين يلقى فِي المقلى لَا يَمُوت فيستريح وَلَا ينجو فيطير ويروى عَنهُ أَنه قَالَ وجدت نَفسِي كشاة حَيَّة بيد القصاب تسلخ وَقَالَ عمر ﵁ لكعب الْأَحْبَار يَا كَعْب حَدثنَا عَن الْمَوْت

стр. 93

فَقَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كغصن كثير الشوك أَدخل فِي جَوف رجل فَأخذت كل شَوْكَة بعرق ثمَّ جذبه رجل شَدِيد الجذب فَأخذ مَا أَخذ وَأبقى مَا أبقى وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُسْنده من حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ تحدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج فَإِنَّهُم كَانَت فيهم أَعَاجِيب ثمَّ أنشأ يحدث قَالَ خرجت طَائِفَة فَأتوا مَقْبرَة من مقابرهم فَقَالُوا لَو صلينَا رَكْعَتَيْنِ ودعونا الله تَعَالَى أَن يخرج لنا بعض الْأَمْوَات فيخبرنا عَن الْمَوْت قَالَ فَفَعَلُوا فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذْ أطلع رجل رَأسه من قبر وَبَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ مَا أردتم إِلَيّ فوَاللَّه لقد مت مُنْذُ مائَة سنة وَمَا سكنت عني حرارة الْمَوْت حَتَّى الْآن فَادعوا الله أَن يُعِيدنِي كَمَا كنت وَفِي الْخَبَر أَن العَبْد الصَّالح ليعالج سَكَرَات الْمَوْت وكروبه وَإِن مفاصله ليسلم بَعْضهَا على بعض يَقُول عَلَيْك السَّلَام لَا نَجْتَمِع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأما مُشَاهدَة صُورَة ملك الْمَوْت وَمَا يدْخل فِي الْقلب مِنْهُ من الروع والفزع فَهُوَ أَمر لَا يعبر عَنهُ لعظم هوله وفظاعة رُؤْيَته وَلَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك إِلَّا الَّذِي يُشَاهِدهُ ويطلع عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْثَال تضرب وحكايات تحكى يرْوى أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ قَالَ لملك الْمَوْت هَل تَسْتَطِيع أَن تريني الصُّورَة الَّتِي تقبض بهَا روح الْفَاجِر فَقَالَ لَا تطِيق ذَلِك قَالَ بلَى قَالَ فَأَعْرض عني فرض عَنهُ ثمَّ الْتفت فَإِذا هُوَ بِرَجُل أسود الثِّيَاب قَائِم الشّعْر منتن الرّيح يخرج من فِيهِ ومناخره لَهب النَّار وَالدُّخَان قَالَ فَغشيَ على إِبْرَاهِيم ﵇ ثمَّ أَفَاق وَقد عَاد ملك الْمَوْت إِلَى صورته الأولى فَقَالَ يَا ملك الْمَوْت لَو لم يلق الْفَاجِر عِنْد مَوته إِلَّا رُؤْيَة وَجهك لَكَانَ ذَلِك

стр. 94

حَسبه وَنظر إِبْرَاهِيم الزيات ﵀ إِلَى أنَاس يترحمون على ميت فَقَالَ لَو تترحمون على أَنفسكُم لَكَانَ خيرا لكم إِن ميتكم قد نجا من أهوال ثَلَاثَة وَجه ملك الْمَوْت وَقد رَآهُ ومرارة الْمَوْت وَقد ذاقها وَخَوف الخاتمة وَقد أمنها ويروى عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه قَالَ إِذا قبض ملك الْمَوْت روح العَبْد قَامَ على عتبَة بَابه وَلأَهل الْبَيْت ضجة فَمنهمْ الضاربة وَجههَا وَمِنْهُم الناشرة شعرهَا وَمِنْهُم الداعية يَا وَيْلَهَا فَيَقُول ملك الْمَوْت فيمَ هَذَا الْجزع فوَاللَّه مَا انتقصت لأحد مِنْكُم عمرا وَلَا أخذت لأحد مِنْكُم رزقا وَلَا ظلمت أحدا مِنْكُم حَقًا فَإِن كَانَت شكايتكم وتسخطكم عَليّ فَإِنِّي وَالله مَأْمُور وَإِن كَانَت على ميتكم فَإِنَّهُ مقهور وَإِن كَانَت من ربكُم فَأنْتم بِهِ كفرة ولي فِيكُم عودة ثمَّ عودة حَتَّى لَا أُبْقِي مِنْكُم أحدا قَالَ فَلَو سمعُوا كَلَامه وَرَأَوا مَكَانَهُ لشغلوا عَن ميتهم وَبكوا على أنفسهم وَأنْشد بَعضهم بَكَى لِأَن مَاتَ ميت من عشيرته ... وَقَالَ واحربا وَصَاح يَا هربا وَبَات فَوق حشاه للأسى لَهب ... إِذا أَرَادَ خبوا فار والتهبا وَلَو رأى بِصَحِيح الْعقل حِين رأى ... وكشف الله عَنهُ للهوى حجبا لما رأى الدَّهْر مَيتا أَو أحس بِهِ ... إِلَّا بَكَى نَفسه الْمِسْكِين وانتحبا وَمن رأى السمر فِي جَنْبَيْهِ شارعة ... أَنى يَرَاهَا بِجنب ناء أَو قربا وطلعة الْمَوْت أَن تطلع على أحد ... أرته فِي نَفسه من هولها عجبا ولعلك تَقول قد ذكرت من هول الْمَوْت وشدته وكربه وغصته وَأَنه أَشد من نشر بالمناشير وقرض بِالْمَقَارِيضِ وَأَن هُوَ أَنه وَقد شاهدنا من بعض

стр. 95

الْأَمْوَات مَا يدل على أَن الْمَوْت لَيْسَ كَمَا وصفت وَأَنه إِنَّمَا هُوَ كأس يسهل على إِنْسَان ويصعب على آخر وَقد رَأينَا من الْأَمْوَات من يتحدث فيوصي وَيشْهد بِمَالِه وَبِمَا عَلَيْهِ وَنَفسه تخرج من قَدَمَيْهِ إِلَى صَدره أَو إِلَى حلقه وَهُوَ على حَاله فِي وَصيته وإشهاده وَرُبمَا ظن من رَآهُ فَجْأَة أَنه لَا بَأْس عَلَيْهِ وَلَا موت عِنْده ثمَّ يَمُوت كَذَلِك وَمَا هَذِه صفة من ينشر بالمناشير ويقرض بِالْمَقَارِيضِ وَيفْعل بِهِ وَيفْعل بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك لمَنعه ألم النشر ووجع الْقَرْض وكرب الْمَوْت عَن الْكَلَام وَالْإِشْهَاد وَعَن الْوَصِيَّة بِأَن يدْفن فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا وَأَن يُكفن فِي ثوب كَذَا وَكَذَا وَلَو كَانَ كَمَا قلت فقد رَأينَا من سرعَة خُرُوج بعض الْأَرْوَاح مَا لَو كَانَ فِي الْمَيِّت أَضْعَاف مَا قلت من الشدَّة لما كَانَ يُبَالِي فِي ذَلِك لسرعة خُرُوج روحه وعجلة استلابها نعم للْمَوْت عِنْد الْأَكْثَر مُقَدمَات من الآلام والأمراض والأسقام يبلغ مِنْهُ المبالغ قبل الْمَوْت ثمَّ يَمُوت وَقد تنزل تِلْكَ الْأَمْرَاض والإسقام بآخر فتشرف بِهِ على الْيَقِين وتريه الْمنون قبل الْمنون ثمَّ تقلع عَنهُ فَلَا يبْقى لَهَا أثر وَكَأَنَّهُ مَا سمع لَهَا بِخَبَر فَأَقُول صدقت وَالْأَمر كَمَا قلت وَقد شوهد فِي بعض الْأَمْوَات مَا ذكرت وَقد علم أَن الْمَوْت يهون على بعض النَّاس ويسهل عَلَيْهِ وَبَعْضهمْ أَو أَكْثَرهم يشدد عَلَيْهِ ويغص بِهِ فَمن أَي الْفَرِيقَيْنِ أَنْت مِمَّن يهون عَلَيْهِ أَو مِمَّن يصعب عَلَيْهِ فَلَا بُد لَك من أَن تشرب بِأحد الكأسين وترمى بِأحد السهمين لَا بُد لَك من ذَلِك فَمَا الَّذِي يُؤمنك أَن تطعم أضره وتسقى أمره وتصلى أشقه وأحره مَا الَّذِي أمنك من هَذَا وكيفما كَانَ فالموت شربه كريه وكأس مرّة حَتَّى إِن الْإِنْسَان لَو عرض عَلَيْهِ مَقْعَده من الْجنَّة وَقيل لَهُ تَمُوت ثمَّ تصير إِلَيْهِ رُبمَا انقبض عَن ذَلِك وان جمع عِنْدَمَا يذكر لَهُ الْمَوْت كَمَا روى عَن سهل بن عبد الله التسترِي ﵀ أَن وليا من أَوْلِيَاء الله تبدي لَهُ ملك الْمَوْت فَأخْبرهُ بِرِضا الله عَنهُ وبشره بِالْجنَّةِ وَأَنه يَمُوت فِي وَقت قريب حَده لَهُ

стр. 96

قَالَ سهل فَقلت لَهُ كَيفَ وجدت نَفسك عِنْد ذكر الْمَوْت فَقَالَ أصابتني قشعريرة ثمَّ مَاتَ الرجل فِي الْوَقْت الَّذِي حد لَهُ وَقد تقدم لَك أَن النَّبِي كَانَ عِنْد الْمَوْت يدْخل يَده فِي قدح فِيهِ مَاء وَيمْسَح بِهِ وَجهه وَيَقُول اللَّهُمَّ هون عَليّ سَكَرَات الْمَوْت وَقَالَ عمر بن صبيح السعيدي رَأَيْت عبد الْعَزِيز بن سُلَيْمَان العابد فِي مَنَامِي بعد مَوته وَعَلِيهِ ثِيَاب خضر على رَأسه إكليل من لُؤْلُؤ فَقلت لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد كَيفَ كنت بَعدنَا وَكَيف وجدت طعم الْمَوْت وَكَيف وجدت الْأَمر هُنَاكَ فَقَالَ أما الْمَوْت فَلَا تسْأَل عَن شدَّة كربه وغمه وَلَكِن رَحْمَة الله تَعَالَى سترت منا كل عيب وَمَا نلتها إِلَّا بفضله وَأَيْضًا فَإنَّك لَا تَدْرِي بِمَا تسمع نَغمَة الْملك الْوَارِد عَلَيْك من رَبك وَلَا بِمَاذَا يبشرك وَلَا بُد لَك من إِحْدَى البشريين والإعلام بمنزلك الَّذِي كتب لَك من إِحْدَى الدَّاريْنِ وَلَا بُد لَك من أَن يقرع سَمعك قَوْله إِمَّا يَا ولي الله أبشر بِالْجنَّةِ وَإِمَّا يَا عَدو الله أبشر بالنَّار وَهَذَا هُوَ الَّذِي قطع قُلُوب الْخَائِفِينَ وأسال عبرات التائبين وأسهر ليَالِي العابدين وَإِن كنت من جملَة الخاطئين وَأَصْحَاب الْكَبَائِر من الْمُسلمين فَلَا بُد أَن يفتح لَك الْبَاب الَّذِي تلج مِنْهُ وَيظْهر لَك الْعَمَل الَّذِي تسْأَل عَنهُ وَقد تقدم الحَدِيث الصَّحِيح عَن الله إِذا أحب عَبدِي لقائي أَحْبَبْت لقاءه وَإِذا كره عَبدِي لقائي كرهت لقاءه وَإِن هَذِه الْمحبَّة وَهَذِه الْكَرَاهِيَة لَا تكون إِلَّا عِنْد الْمَوْت ذكرت ذَلِك عَائِشَة ﵂ وَهَذَا مَوضِع ذكرى تتفتت لَهَا الأعضاد وتتصدع لَهَا الأكباد وسأذكر لَك جملَة من كَلَام المرضى والمحتضرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الصَّالِحين وَغَيرهم من المغترين والجهلة المخدوعين لَعَلَّه يُحَرك مِنْك سَاكِنا ويخوف مِنْك آمنا ويشغلك بعون الله ظَاهرا وَبَاطنا

стр. 97

ويروى عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه مرض فَقيل لَهُ أَلا نَدْعُو لَك طَبِيبا فَقَالَ قد رَآنِي فَقَالُوا وَأي شَيْء قَالَ لَك قَالَ قَالَ إِنِّي فعال لما أُرِيد وَمرض أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ فَقَالُوا لَهُ أَي شَيْء تشْتَهي قَالَ الْجنَّة قَالُوا نَدْعُو لَك طَبِيبا قَالَ الطَّبِيب أَمْرَضَنِي فَقَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه يَا أَبَا الدَّرْدَاء أتشتهي أَن أسامرك اللَّيْلَة فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء أَنْت معافى وَأَنا مبتلى فالعافية لَا تدعك أَن تسهر وَالْبَلَاء لَا يدعني أَن أَنَام أسأَل الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أَن يهب لأهل الْعَافِيَة الشُّكْر وَلأَهل الْبلَاء الصَّبْر وَلما اشْتَدَّ الْمَرَض على عمر بن عبد الْعَزِيز جَاءُوهُ بطبيب فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَرَآهُ قَالَ إِنَّه قد سقِِي السم وَلَا آمن عَلَيْهِ الْمَوْت فَرفع بَصَره عمر وَقَالَ لَا يُؤمن أَيْضا الْمَوْت على من لم يسق السم فَقَالَ الطَّبِيب وَهل أحسست بذلك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ نعم عرفت ذَلِك حِين وَقع فِي بَطْني قَالَ تعالج يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أَخَاف أَن تذْهب نَفسك فَقَالَ عمر رَبِّي ﵎ خير مذهوب إِلَيْهِ وَالله لَو علمت أَن شفائي عِنْد شحمة أُذُنِي مَا رفعت إِلَيْهِ يَدي اللَّهُمَّ خر لعمر فِي لقائك فَلم يلبث إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل حَتَّى مَاتَ ﵁ وَمرض الرّبيع بن خثيم ﵁ فَقَالُوا لَهُ أَلا نَدْعُو لَك طَبِيبا فتفكر وَقَالَ أَيْن عَاد وَثَمُود وَأَصْحَاب الرس وقرون بَين ذَلِك كثير قد كَانَت فيهم الأدواء والأطباء فَلَا أرى المداوي بَقِي وَلَا المداوي كل قد قضى وَمضى وَالله لَا أَدْعُو لي طَبِيبا أبدا وَذكر ابْن جَهْضَم فِي كِتَابه عَن أبي يَعْقُوب يُوسُف بن أَحْمد قَالَ خرجت إِلَى مَكَّة على طَرِيق الْبَصْرَة وَمَعِي جمَاعَة فُقَرَاء وَفِيهِمْ شَاب كنت أميل إِلَيْهِ لحسن سمته ومراعاة حَاله واشتهاره بِذكر ربه وَكَثْرَة مناجاته

стр. 98

وتملقه فَلَمَّا وصلنا إِلَى الْمَدِينَة شرفها الله تَعَالَى مرض مَرضا شَدِيدا وَانْفَرَدَ عَنَّا فسرت إِلَيْهِ مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابنَا نتعرف خَبره فَلَمَّا رَأينَا شدَّة مَا بِهِ قَالَ بَعْضنَا لَو أحضرنا لَهُ طَبِيبا ينظر إِلَيْهِ وَيرى علته فَلَعَلَّهُ يكون عِنْده دَوَاء فاستمع الشَّاب مقَالَته فَتَبَسَّمَ من ذَلِك وَقَالَ يَا مشايخي وَيَا أحبابي مَا أقبح الْمُخَالفَة بعد الْمُوَافقَة من أَرَادَ الله لَهُ حَالا وَأَرَادَ هُوَ غَيرهَا أَلَيْسَ قد خَالف الله فِي إِرَادَته قَالَ أَبُو يَعْقُوب فخجلنا من كَلَامه فَنظر إِلَيْنَا وَقَالَ لَو علمْتُم دَاء الْقَتِيل لطلبتم لدائه دَوَاء إِن الْأَمْرَاض والأسقام فِيهَا تَطْهِير وتكفير وتذكير ودواء الْقَتِيل مُشَاهدَة النَّفس وموافقة الْهوى ثمَّ أنشأ يَقُول بيد الله دوائي ... وبعلم الله دائي إِنَّمَا أظلم نَفسِي ... باتباعي لهوائي كلما داويت دائي ... غلب الدَّاء دوائي فقمنا من عِنْده وَتَرَكْنَاهُ يُرِيد بقوله دَاء الْقَتِيل الدَّاء الَّذِي يقتل صَاحبه وَهُوَ اتِّبَاع الْهوى وَقيل لحسان بن أبي سِنَان فِي مَرضه كَيفَ تجدك قَالَ أجدني بِخَير إِن نجوت من النَّار وَقَالَ بعض الصَّالِحين دَخَلنَا على مُغيرَة الخراز وَهُوَ مَرِيض فَقُلْنَا لَهُ كَيفَ تجدك فَقَالَ أجدني موقرا بالآثام فَقُلْنَا لَهُ فَمَا تَشْتَكِي قَالَ الْحَسْرَة على طول الْغَفْلَة قُلْنَا فَمَا تشْتَهي قَالَ الْإِنَابَة إِلَى مَا عِنْد الله والنقلة عَمَّا يكرههُ الله قَالَ فَبكى الْقَوْم جَمِيعًا وَدخل الْحسن الْبَصْرِيّ على عَطاء السّلمِيّ وَهُوَ مَرِيض فَوَجَدَهُ قد علاهُ الْغُبَار والصفار فَقَالَ يَا عَطاء لَو خرجت إِلَى صحن الدَّار فَكَانَ يَضْرِبك

стр. 99

الْهَوَاء فتجد لَهُ رَاحَة فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا سعيد وَبِهَذَا تَأْمُرنِي إِنِّي لأَسْتَحي من الله أَن أخطو خطْوَة فِي رَاحَة بدني وَقَالَ مَنْصُور دخلت على عَطاء السّلمِيّ بعد هَذَا أعوده وَهُوَ مَرِيض فرأيته يتبسم فعجبت من ذَلِك فَكَأَنَّهُ فهم عني فَقَالَ أتعجب يَا ابْن أخي فَقلت وَكَيف لَا أعجب فَقَالَ وَكَيف لَا اضحك وَقد دنا فراقي مِمَّن كنت أخافه وأحذره ودنا قدومي على خَالق كنت أرجوه وآمله أَتجْعَلُ مقَامي مَعَ مَخْلُوق أخافه كقدومي على خَالق أرجوه قَالَ هَذَا قبل أَن يحضرهُ وَينزل بِهِ الْمَوْت قَالَ أَحْمد بن أبي الْحوَاري دخلت على بعض المتعبدين وَهُوَ مَرِيض فَقلت كَيفَ تجدك فَقَالَ بِحَال شريفة أَسِير كريم حبيس جواد مَعَ أعوان صدق وَالله لَو لم يكن لي مِمَّا ترَوْنَ عوضا إِلَّا مَا أودع قلبِي من محبته لَكُنْت خليقا أَن أدوم على الرضى عَنهُ وَمَا الدُّنْيَا وَمَا غَايَة الْبلَاء فِيهَا هَل هُوَ إِلَّا مَا ترَوْنَ من هَذِه الْعلَّة ويوشك إِن اشْتَدَّ بِي الْأَمر أَن يدخلني إِلَى سَيِّدي ولنعمت الْعلَّة رحلت بمحب إِلَى مَحْبُوب قد أحزنه طول التَّخَلُّف عَنهُ ويروى أَن مَالك بن دِينَار ﵀ دخل على شَاب يعودهُ فَوَجَدَهُ خيالا على فرَاشه كالشن الْبَالِي فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَلم يسْتَطع الْجَواب بِلِسَانِهِ فَأَشَارَ بطرفه فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك إِذا بِصَوْت الْمُؤَذّن فسمعناه يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن وَيُشِير بِأُصْبُعِهِ عِنْد الشَّهَادَتَيْنِ ثمَّ أَمر وَلَده فوضاه ثمَّ أمره أَن يوجهه إِلَى الْقبْلَة ليُصَلِّي رَاقِدًا بِالْإِيمَاءِ ثمَّ قَالَ يَا مَالك الْبلَاء مِنْهُ سُبْحَانَهُ رَاحَة مَعَ بَقَاء الْإِيمَان يَا مَالك نعمه لَا تعد وبلاؤه وَاحِد قَالَ مَالك فتعجبت من يقينه وَصَبره وَصدق وفائه وخالص محبته فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى مَاتَ ﵀ وَقَالَ عبد الله بن عتبَة عدت رجلا مَرِيضا فَلَمَّا قعدت عِنْده قلت لَهُ كَيفَ تجدك فَقَالَ

стр. 100

خرجت من الدُّنْيَا وَقَامَت قيامتي ... غَدَاة أقل الحاملون جنازتي وَعجل أَهلِي حفر قَبْرِي وصيروا ... خروجي وتعجيلي أجل كَرَامَتِي كَأَنَّهُمْ لم يعرفوا قطّ صُورَتي ... غَدَاة أَتَى يومي عَليّ وساعتي وَلما احْتضرَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ جَاءَتْهُ ابْنَته عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ فَلَمَّا رَأَتْهُ تمثلت بِهَذَا الْبَيْت لعمرك مَا يُغني الثراء عَن الْفَتى ... إِذا حشرجت يَوْمًا وضاق بهَا الصَّدْر فكشف أَبُو بكر عَن وَجهه وَقَالَ لَيْسَ كَذَلِك وَلَكِن قولي وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ ذَلِك مَا كنت مِنْهُ تحيد ثمَّ قَالَ فِي كم كفن رَسُول الله ﷺ قَالَت فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة فَقَالَ أَبُو بكر خُذُوا هَذَا الثَّوْب لثوب كَانَ عَلَيْهِ قد أَصَابَهُ مسك أَو زعفران فاغسلوه ثمَّ كفنوني فِيهِ مَعَ ثَوْبَيْنِ آخَرين وَكَانَ ثوبا خلقا فَقَالَت عَائِشَة ﵂ مَا هَذَا تُرِيدُ أَنه خلق فَقَالَ أَبُو بكر الْحَيّ أحْوج إِلَى الْجَدِيد من الْمَيِّت إِنَّمَا هَذِه للمهل يُرِيد الصديد والقيح ثمَّ سمع منشدا فِي الْبَيْت ينشد وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل فَالْتَفت إِلَيْهِ أَبُو بكر ﵁ وَقَالَ ذَاك رَسُول الله ﷺ وَصدق أَبُو بكر فَهَذَا الْبَيْت قَالَه أَبُو طَالب عَم رَسُول الله فِي قصيدته الَّتِي مدح بهَا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ فِيهَا وَمَا ترك قوم لَا أبالك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل

стр. 101

يلوذ بِهِ الْهَلَاك من آل هَاشم ... فهم عِنْده فِي رَحْمَة وفواضل كَذَا قَالَ أَبُو طَالب يلوذ بِهِ الْهَلَاك من آل هَاشم وَلم يدر أَنه ﷺ يلوذ بِهِ الْهَلَاك من بني آدم ويروى عَن سعيد بن الْمسيب ﵁ أَنه قَالَ لما احْتضرَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي لله عَنهُ أَتَاهُ نَاس من أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله إِنَّا نرَاك ألم بك فأوصنا بِوَصِيَّة وزودنا مِنْك بموعظة فَقَالَ من قَالَ هَذِه الْكَلِمَات ثمَّ مَاتَ جعل الله روحه فِي الْأُفق الْمُبين فَقَالُوا وَمَا الْأُفق الْمُبين قَالَ قاع بَين يَدي الْعَرْش فِيهِ رياض وأشجار وانهار فَمن قَالَ هَذَا القَوْل جعله الله فِي ذَلِك الْمَكَان اللَّهُمَّ إِنَّك ابتدأت الْخلق من غير حَاجَة بك إِلَيْهِم ثمَّ جعلتهم فريقا للنعيم وفريقا للسعير فَاجْعَلْنِي للنعيم وَلَا تجعلني للسعير اللَّهُمَّ إِنَّك خلقتهمْ وميزتهم قبل أَن تخلقهم فَجعلت مِنْهُم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا فَلَا تشقني بمعاصيك اللَّهُمَّ إِنَّك علمت مَا تكسب كل نفس قبل أَن تخلقها وَلَا محيص لَهُم مِمَّا علمت فَاجْعَلْنِي مِمَّن تستعمله بطاعتك اللَّهُمَّ إِن أحدا لَا يَشَاء إِلَّا مَا تشَاء فَاجْعَلْ مشيئتي أَن أَشَاء مَا يقربنِي إِلَيْك اللَّهُمَّ إِنَّك قدرت حركات الْعباد فَلَا يَتَحَرَّك شَيْء إِلَّا بإذنك فَاجْعَلْ حركاتي فِي تقواك اللَّهُمَّ إِنَّك خلقت الْخَيْر وَالشَّر وَجعلت لكل وَاحِد مِنْهُمَا عَاملا يعْمل بِهِ فَاجْعَلْنِي من خير الْقسمَيْنِ اللَّهُمَّ إِنَّك خلقت الْجنَّة وَالنَّار وَجعلت لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا أَهلا فَاجْعَلْنِي من سَاكِني جنتك اللَّهُمَّ إِنَّك أردْت الضلال بِقوم وضيقت بِهِ صُدُورهمْ فاشرح صَدْرِي للْإيمَان وزينه فِي قلبِي اللَّهُمَّ إِنَّك دبرت الْأُمُور فَجعلت مصيرها إِلَيْك فأحيني حَيَاة طيبَة وقربني إِلَيْك زلفى اللَّهُمَّ من أصبح وَأمسى ثقته ورجاؤه غَيْرك فَأَنت ثقتي ورجائي وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك قَالَ أَبُو بكر وَهَذَا كُله فِي كتاب الله وَقَالَ الشّعبِيّ ﵀ لما طعن عمر ﵁ أُتِي بِلَبن فَشرب مِنْهُ

стр. 102

فَخرج اللَّبن من طعنته فَقَالَ الله أكبر وَعلم أَنه يَمُوت فَجعل جُلَسَاؤُهُ يثنون عَلَيْهِ خيرا فَقَالَ وددت أَن أخرج من الدُّنْيَا كفافا كَمَا دخلت لَا عَليّ وَلَا لي وَالله لَو كَانَ لي الْيَوْم مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس لافتديت بِهِ من هول المطلع وَلما احْتضرَ غشي عَلَيْهِ وَرَأسه فِي الأَرْض فَوضع ابْنه عبد الله رَأسه فِي حجره فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ ضع رَأْسِي على الأَرْض كَمَا أَمرتك فَقَالَ لَهُ ابْنه يَا أَبَت وَهل الأَرْض وحجري إِلَّا سَوَاء قَالَ ضع رَأْسِي على الأَرْض كَمَا أَمرتك فَوَضعه قَالَ فَمسح خديه بِالتُّرَابِ ثمَّ قَالَ ويل لعمر ويل لعمر ويل لأم عمر إِن لم يغْفر الله لعمر فَإِذا قضيت فَأَسْرعُوا بِي إِلَى حفرتي فَإِنَّمَا هُوَ خير تقدمونني إِلَيْهِ أَو شَرّ تضعونه عَن رِقَابكُمْ وَلما احْتضرَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ جعل يَقُول وَدَمه يسيل لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين اللَّهُمَّ إِنِّي أستعين بك على أموري وَأَسْأَلك الصَّبْر على بلائي وَلما احْتضرَ سلمَان الْفَارِسِي ﵁ بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك قَالَ وَالله مَا أبْكِي جزعا من الْمَوْت وَلَا حرصا على الدُّنْيَا وَلَكِن عهد عَهده إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ ليكن بَلَاغ أحدكُم من الدُّنْيَا كزاد الرَّاكِب فَلَمَّا مَاتَ نظر فِي جَمِيع مَا ترك فَإِذا قِيمَته ثَلَاثُونَ درهما وَقد كَانَ أَمِيرا على الْمَدَائِن مَدَائِن كسْرَى ويروى أَن امْرَأَته قَالَت وَهُوَ فِي الْمَوْت واحزناه فَقَالَ سلمَان بل واطرباه غَدا نلقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه وَمثل هَذَا الققول يرولاى أَيْضا عَن بِلَال ﵁ أَنه قَالَ عِنْد مَوته غَدا نرى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه ويروى أَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ لما دنا مِنْهُ الْمَوْت دَعَا بحرسه وَرِجَاله فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ هَل تغنون عني من الله شَيْئا قَالُوا لَا قَالَ فافترقوا عني ثمَّ دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ قَالَ احْمِلُونِي إِلَى الْمَسْجِد

стр. 103

فَفَعَلُوا فَقَالَ استقبلوا بِي الْقبْلَة فَفَعَلُوا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك أَمرتنِي فعصيت وائتمنتني فخنت وحددت لي فتعديت اللَّهُمَّ لَا بَرِيء فأعتذر وَلَا قوي فأنتصر بل مذنب مُسْتَغْفِر لَا مصر وَلَا مستكبر ثمَّ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين فَلم يزل يُرَدِّدهَا حَتَّى مَاتَ وَقَوله لحرسه وَرِجَاله هَل تغنون عني من الله شَيْئا إِنَّمَا فعل ذَلِك تصغيرا لنَفسِهِ وتحقيرا وليريها رُؤْيَة مُشَاهدَة أَن الَّذين كَانُوا يغنون عَنهُ فِي الدُّنْيَا لَا يغنون عَنهُ عِنْد نزُول الْمَوْت شَيْئا ويروى أَن ابْنه عبد الله قَالَ لَهُ يَا أَبَت مَا كنت أَظن أَن ينزل بك أَمر من الله إِلَّا صبرت عَلَيْهِ فَقَالَ يَا بني نزل بأبيك ثَلَاث خِصَال فِرَاق أحبته وَانْقِطَاع أمله وَالثَّالِثَة هول المطلع ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك أمرت فتوانيت ونهيت فعصيت اللَّهُمَّ من شيمتك الْعَفو والتجاوز وَلما حضرت مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْوَفَاة ﵁ قَالَ أقعدوني فأقعدوه فَجعل يذكر الله تَعَالَى ويسبحه ويقدسه ثمَّ قَالَ الْآن تذكر رَبك يَا مُعَاوِيَة بعد الانحطام والانهدام أَلا كَانَ ذَلِك وغصن الشَّبَاب نضير رَيَّان وَبكى حَتَّى علا بكاؤه ثمَّ قَالَ هُوَ الْمَوْت لَا منجى من الْمَوْت وَالَّذِي ... أحاذر بعد الْمَوْت أدهى وأفظع ثمَّ قَالَ يَا رب ارْحَمْ الشَّيْخ العَاصِي ذَا الْقلب القاسي اللَّهُمَّ أقل العثرة واغفر الزلة وجد بِحِلْمِك على من لم يرج غَيْرك وَلَا وثق بِأحد سواك ثمَّ قَالَ لِابْنِهِ يزِيد يَا بني إِذا وفى أَجلي فاعمد إِلَى المنديل الَّذِي فِي الخزانة فَإِن فِيهِ ثوبا من أَثوَاب رَسُول الله ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره فَاجْعَلْ الثَّوْب مِمَّا يَلِي جَسَدِي وَاجعَل أكفاني فَوْقه وَاجعَل القراضة فِي فمي وأنفي وعيني فَإِن نَفَعَنِي شَيْء فَهَذَا فَإِذا جعلتموني فِي قَبْرِي فَخلوا مُعَاوِيَة وأرحم الرَّاحِمِينَ ويروى أَنه قَالَ فِي جملَة مَا قَالَ يَا لَيْتَني كنت رجلا من سَائِر قُرَيْش بِذِي طوى وَلم أل من هَذَا الْأَمر شَيْئا وَلما حضرت أَبَا هُرَيْرَة الْوَفَاة بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ يبكيني بعد

стр. 104

الْمَفَازَة وَقلة الزَّاد وَضعف الْيَقِين والعقبة الكؤود الَّتِي المهبط مِنْهَا إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار وَلما حضرت حُذَيْفَة بن الْيَمَان الْوَفَاة قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي كنت أخافك وَأَنا الْيَوْم أرجوك اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي لم أكن أحب الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا لجري الْأَنْهَار وَلَا لغرس الْأَشْجَار وَلَكِن لظمأ الهواجر وَقيام اللَّيْل ومكابدة السَّاعَات ومزاحمة الْعلمَاء فِي حلق الذّكر وَلما اشْتَدَّ بِهِ النزع جعل كلما أَفَاق من غمرة فتح عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا رب شدّ شداتك واخنق خنقاتك فوعزتك إِنَّك لتعلم أَنِّي أحبك وَمثل هَذَا يرْوى عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ﵁ أَنه لما نزل بِهِ الْمَوْت بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ مَا أبْكِي حرصا على الدُّنْيَا وَلَا جزعا من الْمَوْت وَلَكِن أبْكِي على مَا يفوتني من ظمأ الهواجر وَقيام ليَالِي الشتَاء وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عَامر بن قيس وَقَالَ أنس بن مَالك ﵁ لما حضر وَقد نزل بِهِ الْمَوْت ليعاين النَّاس غَدا من عَفْو الله وسعة رَحمته مَا لم يخْطر على قلب بشر كشف لَهُ ﵁ عَن سَعَة رَحْمَة الله وَكَثْرَة عَفوه وَعظم تجاوزه مَا أوجب أَن قَالَ هَذَا وَلما دنت الْوَفَاة من عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أبشر فقد أَحْيَا الله ﵎ بك سنة وَأظْهر عدلا فَبكى ثمَّ قَالَ أَلَيْسَ أوقف ثمَّ أسأَل عَن هَذَا الْخلق وَالله لَو عدلت فيهم لخفت أَن لَا تقوم نَفسِي بحجتها عِنْد الله تَعَالَى إِلَّا أَن يلقنها حجتها ويثبتها فَكيف بِكَثِير مِمَّا ضيعت ثمَّ بَكَى ويروى عَن فَاطِمَة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان امْرَأَة عمر بن عبد الْعَزِيز هَذَا أَنَّهَا قَالَت كنت أسمع عمر بن عبد الْعَزِيز فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُول اللَّهُمَّ أخف عَلَيْهِم موتِي وَلَو سَاعَة من نَهَار فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ خرجت من عِنْده فَجَلَست فِي بَيت قريب مِنْهُ بيني وَبَينه بَاب فَسَمعته يَقُول

стр. 105

﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ ثمَّ بعد ذَلِك هدأ فَلم أسمع لَهُ حَرَكَة وَلَا كلَاما فَقلت لَو صيف لنا انْظُر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا صنع فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ صَاح فأسرعت إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ ميت ﵀ ويروى أَنه لما قرب مَوته قَالَ أجلسوني فَلَمَّا أجلسوه قَالَ اللَّهُمَّ أَنا الَّذِي أَمرتنِي فقصرت ونهيتني فعصيت قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات فَإِن عَفَوْت فقد مننت وَإِن عَاقَبت فَمَا ظلمت ثمَّ قَالَ لَكِن أَرْجُو خيرا بِقَوْلِي لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ثمَّ أحد النّظر فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أرى حَضْرَة مَا هم بإنس وَلَا جَان ثمَّ خرج من كَانَ عِنْده فَلم يلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ ﵁ ويروى أَنه قيل لَهُ وَقد اشْتَدَّ مَرضه أوصنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أحذركم هول مصرعي هَذَا ويروى أَنه دخل عَلَيْهِ قبل أَن يَمُوت بأيام ابْن أبي زَكَرِيَّا أَو أحد الْفُقَهَاء فتذاكرا الْآخِرَة فَبكى عمر وَبكى الرجل ثمَّ دعوا الله جَمِيعًا وسألاه أَن يقبضهما إِلَيْهِ جَمِيعًا فجَاء ابْن صَغِير لعمر يدب فَقَالَ عمر وَهَذَا مَعنا فَإِنِّي أحبه فماتوا ثَلَاثَتهمْ قَرِيبا أَو فِي جُمُعَة وَاحِدَة ويروى عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أَنه لما حَضَره الْمَوْت نظر فِي مَوضِع لَهُ مشرف إِلَى رجل وَبِيَدِهِ ثوب وَهُوَ يضْرب بِهِ المغسلة فَقَالَ يَا لَيْتَني كنت مثل هَذَا الرجل أعيش من كسب يَدي يَوْمًا بِيَوْم وَلم أل من هَذَا الْأَمر شَيْئا وَقَالَ لَهُ رجل كَيفَ تجدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ تجدني كَمَا قَالَ الله ﵎ ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة وتركتم مَا خولناكم وَرَاء ظهوركم﴾ ويروى أَنه قَالَ عِنْد مَوته أَيْضا يذم الدُّنْيَا إِن طويلك لقصير وَإِن كبيرك

стр. 106

لصغير وَإِن كُنَّا مِنْك لفي غرور وَلما حضرت الْوَفَاة أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور أَمِير الْمُؤمنِينَ تمثل بِهَذِهِ الأبيات الْمَرْء يأمل أَن يعي ... ش وَطول عَيْش قد يضرّهُ تبلى بشاشته ويب ... قى بعد حُلْو الْعَيْش مره وتحزنه الْأَيَّام حت ... ى لَا يرى شَيْئا يسره كم شامت بِي أَن هلك ... ت وَقَائِل لله دره ثمَّ قَالَ للربيع هَذَا السُّلْطَان لَا سُلْطَان من يَمُوت ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي ارتكبت الجرائم من الذُّنُوب جرْأَة عَلَيْك وأطعتك فِي أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك شَهَادَة إِن لَا إِلَه إِلَّا الله منا مِنْك لَا منا عَلَيْك اللَّهُمَّ اجْعَل ذَلِك قربَة لي عنْدك ثمَّ مَاتَ من سَاعَته وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ قَالَ دخلت على عبد الله بن طَاهِر وَهُوَ فِي سَكَرَات الْمَوْت فَقلت السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَا تسمني أَمِيرا وسمني أَسِيرًا وَلَكِن أكتب عني بَيْتَيْنِ مَا أراهما إِلَّا آخر بَيْتَيْنِ أقولهما ثمَّ أنشأ يَقُول: بَادر فقد أسمعك الصَّوْت ... إِن لم تبادر فَهُوَ الْفَوْت من لم تزل نعْمَته قبله ... زَالَ عَن النِّعْمَة بِالْمَوْتِ وَلما نزل الْمَوْت بِهِشَام بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ نظر إِلَى أَوْلَاده وَأَهله يَبْكُونَ حوله فَقَالَ لَهُم جاد لكم هِشَام بالدنيا وجدْتُم عَلَيْهِ بالبكاء وَترك لكم هِشَام مَا جمع وتركتم عَلَيْهِ مَا اكْتسب مَا أعظم مُنْقَلب هِشَام وَمَا أسوأه إِن لم يغْفر الله لَهُ وَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد ينتقي أَكْفَانه بِيَدِهِ وَينظر إِلَيْهَا وَيَقُول مَا أُغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ويروى عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ دخلت على هَارُون الرشيد فرأيته ينظر فِي الْكتاب ودموعه تسيل على خديه فوقفت حَتَّى سكن وحانت مِنْهُ التفاتة فَنظر إِلَيّ وَقَالَ اجْلِسْ ثمَّ رمى بالقرطاس إِلَيّ فَإِذا فِيهِ شعر لأبي الْعَتَاهِيَة

стр. 107

الْخلق مُخْتَلف جواهره ... ولقل مَا تزكو سرائره ولقل من تصفو إِرَادَته ... وَصَحَّ بَاطِنه وَظَاهره النَّاس فِي الدُّنْيَا ذَوُو ثِقَة ... والدهر مسرعة دوائره وَالْمَوْت لَو صَحَّ الْيَقِين بِهِ ... لم ينْتَفع بالعيش ذاكره لَا خير فِي الدُّنْيَا لذِي بصر ... عميت لما فِيهَا نواظره وسبيلنا فِي الْمَوْت وَاحِدَة ... يَتْلُو أكابره أصاغره من كَانَ للصالحات مدخرا ... فستستبين غَدا ذخائره يَا من يُرِيد الْمَوْت مهجته ... لَا شكّ مَالك لَا تبادره هَل أَنْت مُعْتَبر بِمن خربَتْ ... مِنْهُ العداة مَعًا دساكره وبمن أذلّ الدَّهْر مصرعه ... فتبرأت مِنْهُ عشائره وبمن خلت مِنْهُ أسرته ... وبمن خلت مِنْهُ منابره درست محَاسِن وَجهه وَنفى ... عَنهُ النَّعيم ثرى يباشره أَيْن الْمُلُوك وَأَيْنَ غَيرهم ... صَارُوا مصيرا أَنْت صائره يَا مُؤثر الدُّنْيَا للذته ... والمستعد لمن يفاخره نل مَا بدا لَك أَن تنَال من الد ... نيا فَإِن الْمَوْت آخِره ثمَّ قَالَ الرشيد وَالله لكَأَنِّي الْمُخَاطب بِهَذَا دون النَّاس قَالَ فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى مَاتَ وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن المَسْعُودِيّ ﵀ لما اشتدت عِلّة هَارُون الرشيد وَسَار إِلَى طوس هون الْأَطِبَّاء عَلَيْهِ علته وحقروا أمرهَا فَأرْسل مَاءَهُ فِي قَارُورَة مَعَ جملَة قَوَارِير فعرضت على متطبب فَارسي كَانَ هُنَاكَ فَجعل ينظر إِلَيْهَا قَارُورَة قَارُورَة وَيَقُول مَا يَقُول حَتَّى أَتَى على القارورة الَّتِي فِيهَا مَاء هَارُون الرشيد فَنظر فِيهَا فَقَالَ عرفُوا صَاحب هَذَا المَاء أَنه هَالك بعد ثَلَاث فَمُرُوهُ فليوص فَأَنَّهُ لَا برْء لَهُ من علته هَذِه فَأتى الْغُلَام هَارُون فَقَالَ لَهُ مَا قَالَ لَك فجمجم الْغُلَام وَلم يبين فعزم عَلَيْهِ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ وَقَالَ قَالَ عرفُوا صَاحب هَذَا المَاء أَنه هَالك بعد ثَلَاث فَبكى هَارُون بكاء شَدِيدا وتمايل على فرَاشه

стр. 108

وَجعل ينشد إِن الطَّبِيب بطبه ودوائه ... لَا يَسْتَطِيع دفاع مَقْدُور القضا مَا للطبيب يَمُوت بالداء الَّذِي ... قد كَانَ يبرىء مثله فِيمَا مضى ذهب المداوي والمداوي وَالَّذِي ... جلب الدَّوَاء وَبَاعه وَمن اشْترى وَاشْتَدَّ ضعفه عِنْدَمَا سمع كَلَام الطَّبِيب وأرجف النَّاس بِمَوْتِهِ فَلَمَّا بلغه ذَلِك دَعَا بِحِمَار ليركبه فَلَمَّا صَار عَلَيْهِ سقط وَلم يقدر أَن يثبت على السرج فَقَالَ صدق المرجفون ثمَّ دَعَا بأكفان فنشرت بَين يَدَيْهِ فَجعل يخْتَار مِنْهَا مَا يصلح ثمَّ أَمر بقبره فحفر فَلَمَّا اطلع عَلَيْهِ جعل يَقُول مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه وَمثل هَذَا القَوْل مَرْوِيّ عَن أبي شُجَاع فناخسرو بن عضد الدولة يرْوى أَنه لما نزل بِهِ الْمَوْت لم يسمع مِنْهُ إِلَّا قَوْله مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ويروى أَنه قَالَ قبل ذَلِك شعرًا يمدح بِهِ نَفسه مِنْهُ قَوْله لَيْسَ شرب الراح إِلَّا فِي الْمَطَر ... وغناء من جوَار فِي السحر غالبات سالبات للنهى ... ناعمات فِي تضاعيف الْوتر مبرزات الكأس من مطْلعهَا ... ساقيات الراح من فاق الْبشر عضد الدولة وَابْن ركنها ... ملك الْأَمْلَاك غلاب الْقدر قَالَ أَبُو مَنْصُور الثعالبي لم يفلح بعد هَذَا الْبَيْت يَعْنِي قَوْله عضد الدولة الخ وَلما حضرت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون الْوَفَاة أَمر بجل دَابَّته ففرش لَهُ فاصطجع عَلَيْهِ وَوضع الرماد على رَأسه وَجعل يَقُول يَا من لَا يَزُول ملكه ارْحَمْ الْيَوْم من قد زَالَ ملكه ويروى أَنه قيل لَهُ فِي صباه إِنَّك تَمُوت فِي أَرض يُقَال لَهَا مد رجلك فَلَمَّا ولي الْخلَافَة وَأقَام مَا أَقَامَ غزا بِلَاد الرّوم فَلَمَّا انْصَرف من غزاته نزل بِموضع فِيهِ عين مَاء عَظِيمَة لَهَا قَعْر عميق فَاطلع فِيهَا فَرَأى فِي قعرها حوتا

стр. 109

كَبِيرا فَأمر بِهِ فَأخْرج وَجعل بَين يَدَيْهِ فانتفض الْحُوت انتفاضة فرشه بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من المَاء فَأَخَذته قشعريرة وحم فَسَأَلَ عَن اسْم الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فَذكر لَهُ اسْم أعجمي قَالَ فسروه ففسروه مد رجلك فَلَمَّا سمع ذَلِك تفكر فِيمَا قيل لَهُ فأيقن بِالْمَوْتِ فَأمر بجل دَابَّته ففرش لَهُ فاضطجع عَلَيْهِ وَأمر أَن يُطَاف بِهِ على هَذِه الْحَالة وَأمر الْمُنَادِي أَن يَقُول هَذَا القَوْل يَا من لَا يَزُول ملكه ارْحَمْ الْيَوْم من قد زَالَ ملكه وَكَانَ المعتصم أَخُوهُ يَقُول عِنْد مَوته وَكَانَ قد ولي بعده لَو علمت أَن عمري هَكَذَا قصير مَا عملت مَا عملت وَجعل يَقُولهَا ويبكي وَلما حضرت الْمُنْتَصر الْوَفَاة جعل يضطرب فَقَالُوا لَا بَأْس عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَقولُونَ هَكَذَا لَا بَأْس عَلَيْك ذهبت عني الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتقولون لَا بَأْس عَلَيْك وَلما حضرت أُميَّة بن أبي الصَّلْت الْوَفَاة أُغمي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق وَجعل يَقُول لبيكما لبيكما ... هَا أنذا لديكما لَا برىء فأعتذر وَلَا قوى فأنتصر ثمَّ أغمى عَلَيْهِ وأفاق فَجعل يَقُول إِن تغْفر الله تغْفر جما ... وَأي عبد لَك لَا ألما ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ وأفاق فَأَنْشَأَ يَقُول كل عَيْش وَإِن تطاول دهرا ... فمصيره إِلَى أَن يزولا لَيْتَني كنت قبل مَا قد بدا لي ... فِي رُؤُوس الْجبَال أرعى الوعولا وَلما حضرت عبد الله بن عَليّ الْوَفَاة قَالَ مَا إغفلني أمس عَن مصرعي الْيَوْم وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي دَخَلنَا على عَابِد وَقد حَضَره الْمَوْت وَهُوَ يبكي فَقُلْنَا لَهُ مَا يبكيك رَحِمك الله فَأَنْشَأَ يَقُول

стр. 110

وَحقّ لمثلي بالبكا عِنْد مَوته ... وَمَالِي لَا أبْكِي وموتي قد اقْترب ولي عمل فِي اللَّوْح أَحْصَاهُ خالقي ... فَإِن لم يجد بِالْعَفو صرت إِلَى العطب وَقَالَ عبد الله بن الْعَلَاء شهِدت أَعْرَابِيًا قد نزل بِهِ الْمَوْت فشخص ببصره ثمَّ قَالَ كل آتٍ فَإِنَّهُ سَوف يَأْتِي ... أَنْت يَا يَمُوت هاذم اللَّذَّات يرحم الله أعظما باليات ... أَصبَحت فِي عَسَاكِر الْأَمْوَات ويروى أَن ابْن الْمُنْكَدر ﵀ عِنْدَمَا نزل بِهِ الْمَوْت بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ وَالله مَا أبْكِي لذنب أعلم أَنِّي أَتَيْته وَلَكِنِّي أَخَاف أَن أكون قد أذنبت ذَنبا حسبته هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم وَقد روى عَنهُ كَلَام آخر يدل على علو مَنْزِلَته وارتفاع دَرَجَته وَقيل لجَابِر بن زيد عِنْد مَوته مَا تشْتَهي فَقَالَ نظرة إِلَى الْحسن فجَاء الْحسن فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قيل لَهُ هَذَا الْحسن فَرفع طرفه وَقَالَ يَا إخوتاه السَّاعَة أفارقكم إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار وَقَالَ الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ عِنْد مَوته اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تفعل فَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز تعجبه هَذِه الْكَلِمَة وَذكر ذَلِك لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ فَقَالَ أقالها قَالُوا نعم قَالَ عَسى وَقَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ دخلت على بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ فِي الْمَوْت فَرَأَيْت من جزعه مَا سَاءَنِي فَقلت هَذَا الْجزع كُله لماذا وَقد كنت تحمد الله على كَذَا يَعْنِي على حَالَة صَالِحَة فَقَالَ وَمَالِي لَا أجزع وَمن أَحَق مني بالجزع وَالله لَو أَتَتْنِي الْمَغْفِرَة من الله لأهمني الْحيَاء مِنْهُ فِيمَا أفضيت بِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ بعض الصَّالِحين لغلامه وَقد حَضَره الْمَوْت يَا غُلَام شدّ كتافي وعفر بِالتُّرَابِ خدي فَفعل الْغُلَام ثمَّ قَالَ دنا الرحيل اللَّهُمَّ لَا بَرَاءَة لي من ذَنْب وَلَا عذر لي فأعتذر بِهِ وَلَا قُوَّة فانتصر بهَا ثمَّ قَالَ أَنْت لي ثَلَاثًا ثمَّ صَاح صَيْحَة وَمَات
следующие страницы →