Полный текст (355 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لصغير وَإِن كُنَّا مِنْك لفي غرور
وَلما حضرت الْوَفَاة أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور أَمِير الْمُؤمنِينَ تمثل بِهَذِهِ الأبيات
الْمَرْء يأمل أَن يعي ... ش وَطول عَيْش قد يضرّهُ
تبلى بشاشته ويب ... قى بعد حُلْو الْعَيْش مره
وتحزنه الْأَيَّام حت ... ى لَا يرى شَيْئا يسره
كم شامت بِي أَن هلك ... ت وَقَائِل لله دره
ثمَّ قَالَ للربيع هَذَا السُّلْطَان لَا سُلْطَان من يَمُوت ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي ارتكبت الجرائم من الذُّنُوب جرْأَة عَلَيْك وأطعتك فِي أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك شَهَادَة إِن لَا إِلَه إِلَّا الله منا مِنْك لَا منا عَلَيْك اللَّهُمَّ اجْعَل ذَلِك قربَة لي عنْدك ثمَّ مَاتَ من سَاعَته
وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ قَالَ دخلت على عبد الله بن طَاهِر وَهُوَ فِي سَكَرَات الْمَوْت فَقلت السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَا تسمني أَمِيرا وسمني أَسِيرًا وَلَكِن أكتب عني بَيْتَيْنِ مَا أراهما إِلَّا آخر بَيْتَيْنِ أقولهما ثمَّ أنشأ يَقُول:
بَادر فقد أسمعك الصَّوْت ... إِن لم تبادر فَهُوَ الْفَوْت
من لم تزل نعْمَته قبله ... زَالَ عَن النِّعْمَة بِالْمَوْتِ
وَلما نزل الْمَوْت بِهِشَام بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ نظر إِلَى أَوْلَاده وَأَهله يَبْكُونَ حوله فَقَالَ لَهُم جاد لكم هِشَام بالدنيا وجدْتُم عَلَيْهِ بالبكاء وَترك لكم هِشَام مَا جمع وتركتم عَلَيْهِ مَا اكْتسب مَا أعظم مُنْقَلب هِشَام وَمَا أسوأه إِن لم يغْفر الله لَهُ
وَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد ينتقي أَكْفَانه بِيَدِهِ وَينظر إِلَيْهَا وَيَقُول مَا أُغني عني ماليه هلك عني سلطانيه
ويروى عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ دخلت على هَارُون الرشيد فرأيته ينظر فِي الْكتاب ودموعه تسيل على خديه فوقفت حَتَّى سكن وحانت مِنْهُ التفاتة فَنظر إِلَيّ وَقَالَ اجْلِسْ ثمَّ رمى بالقرطاس إِلَيّ فَإِذا فِيهِ شعر لأبي الْعَتَاهِيَة
стр. 107
الْخلق مُخْتَلف جواهره ... ولقل مَا تزكو سرائره
ولقل من تصفو إِرَادَته ... وَصَحَّ بَاطِنه وَظَاهره
النَّاس فِي الدُّنْيَا ذَوُو ثِقَة ... والدهر مسرعة دوائره
وَالْمَوْت لَو صَحَّ الْيَقِين بِهِ ... لم ينْتَفع بالعيش ذاكره
لَا خير فِي الدُّنْيَا لذِي بصر ... عميت لما فِيهَا نواظره
وسبيلنا فِي الْمَوْت وَاحِدَة ... يَتْلُو أكابره أصاغره
من كَانَ للصالحات مدخرا ... فستستبين غَدا ذخائره
يَا من يُرِيد الْمَوْت مهجته ... لَا شكّ مَالك لَا تبادره
هَل أَنْت مُعْتَبر بِمن خربَتْ ... مِنْهُ العداة مَعًا دساكره
وبمن أذلّ الدَّهْر مصرعه ... فتبرأت مِنْهُ عشائره
وبمن خلت مِنْهُ أسرته ... وبمن خلت مِنْهُ منابره
درست محَاسِن وَجهه وَنفى ... عَنهُ النَّعيم ثرى يباشره
أَيْن الْمُلُوك وَأَيْنَ غَيرهم ... صَارُوا مصيرا أَنْت صائره
يَا مُؤثر الدُّنْيَا للذته ... والمستعد لمن يفاخره
نل مَا بدا لَك أَن تنَال من الد ... نيا فَإِن الْمَوْت آخِره
ثمَّ قَالَ الرشيد وَالله لكَأَنِّي الْمُخَاطب بِهَذَا دون النَّاس قَالَ فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى مَاتَ
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن المَسْعُودِيّ ﵀ لما اشتدت عِلّة هَارُون الرشيد وَسَار إِلَى طوس هون الْأَطِبَّاء عَلَيْهِ علته وحقروا أمرهَا فَأرْسل مَاءَهُ فِي قَارُورَة مَعَ جملَة قَوَارِير فعرضت على متطبب فَارسي كَانَ هُنَاكَ فَجعل ينظر إِلَيْهَا قَارُورَة قَارُورَة وَيَقُول مَا يَقُول حَتَّى أَتَى على القارورة الَّتِي فِيهَا مَاء هَارُون الرشيد فَنظر فِيهَا فَقَالَ عرفُوا صَاحب هَذَا المَاء أَنه هَالك بعد ثَلَاث فَمُرُوهُ فليوص فَأَنَّهُ لَا برْء لَهُ من علته هَذِه فَأتى الْغُلَام هَارُون فَقَالَ لَهُ مَا قَالَ لَك فجمجم الْغُلَام وَلم يبين فعزم عَلَيْهِ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ وَقَالَ قَالَ عرفُوا صَاحب هَذَا المَاء أَنه هَالك بعد ثَلَاث فَبكى هَارُون بكاء شَدِيدا وتمايل على فرَاشه
стр. 108
وَجعل ينشد
إِن الطَّبِيب بطبه ودوائه ... لَا يَسْتَطِيع دفاع مَقْدُور القضا
مَا للطبيب يَمُوت بالداء الَّذِي ... قد كَانَ يبرىء مثله فِيمَا مضى
ذهب المداوي والمداوي وَالَّذِي ... جلب الدَّوَاء وَبَاعه وَمن اشْترى
وَاشْتَدَّ ضعفه عِنْدَمَا سمع كَلَام الطَّبِيب وأرجف النَّاس بِمَوْتِهِ فَلَمَّا بلغه ذَلِك دَعَا بِحِمَار ليركبه فَلَمَّا صَار عَلَيْهِ سقط وَلم يقدر أَن يثبت على السرج فَقَالَ صدق المرجفون ثمَّ دَعَا بأكفان فنشرت بَين يَدَيْهِ فَجعل يخْتَار مِنْهَا مَا يصلح
ثمَّ أَمر بقبره فحفر فَلَمَّا اطلع عَلَيْهِ جعل يَقُول مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه
وَمثل هَذَا القَوْل مَرْوِيّ عَن أبي شُجَاع فناخسرو بن عضد الدولة يرْوى أَنه لما نزل بِهِ الْمَوْت لم يسمع مِنْهُ إِلَّا قَوْله مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ويروى أَنه قَالَ قبل ذَلِك شعرًا يمدح بِهِ نَفسه مِنْهُ قَوْله
لَيْسَ شرب الراح إِلَّا فِي الْمَطَر ... وغناء من جوَار فِي السحر
غالبات سالبات للنهى ... ناعمات فِي تضاعيف الْوتر
مبرزات الكأس من مطْلعهَا ... ساقيات الراح من فاق الْبشر
عضد الدولة وَابْن ركنها ... ملك الْأَمْلَاك غلاب الْقدر
قَالَ أَبُو مَنْصُور الثعالبي لم يفلح بعد هَذَا الْبَيْت يَعْنِي قَوْله عضد الدولة الخ
وَلما حضرت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون الْوَفَاة أَمر بجل دَابَّته ففرش لَهُ فاصطجع عَلَيْهِ وَوضع الرماد على رَأسه وَجعل يَقُول يَا من لَا يَزُول ملكه ارْحَمْ الْيَوْم من قد زَالَ ملكه
ويروى أَنه قيل لَهُ فِي صباه إِنَّك تَمُوت فِي أَرض يُقَال لَهَا مد رجلك فَلَمَّا ولي الْخلَافَة وَأقَام مَا أَقَامَ غزا بِلَاد الرّوم فَلَمَّا انْصَرف من غزاته نزل بِموضع فِيهِ عين مَاء عَظِيمَة لَهَا قَعْر عميق فَاطلع فِيهَا فَرَأى فِي قعرها حوتا
стр. 109
كَبِيرا فَأمر بِهِ فَأخْرج وَجعل بَين يَدَيْهِ فانتفض الْحُوت انتفاضة فرشه بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من المَاء فَأَخَذته قشعريرة وحم فَسَأَلَ عَن اسْم الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فَذكر لَهُ اسْم أعجمي قَالَ فسروه ففسروه مد رجلك فَلَمَّا سمع ذَلِك تفكر فِيمَا قيل لَهُ فأيقن بِالْمَوْتِ فَأمر بجل دَابَّته ففرش لَهُ فاضطجع عَلَيْهِ وَأمر أَن يُطَاف بِهِ على هَذِه الْحَالة وَأمر الْمُنَادِي أَن يَقُول هَذَا القَوْل يَا من لَا يَزُول ملكه ارْحَمْ الْيَوْم من قد زَالَ ملكه
وَكَانَ المعتصم أَخُوهُ يَقُول عِنْد مَوته وَكَانَ قد ولي بعده لَو علمت أَن عمري هَكَذَا قصير مَا عملت مَا عملت وَجعل يَقُولهَا ويبكي
وَلما حضرت الْمُنْتَصر الْوَفَاة جعل يضطرب فَقَالُوا لَا بَأْس عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَقولُونَ هَكَذَا لَا بَأْس عَلَيْك ذهبت عني الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتقولون لَا بَأْس عَلَيْك
وَلما حضرت أُميَّة بن أبي الصَّلْت الْوَفَاة أُغمي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق وَجعل يَقُول
لبيكما لبيكما ... هَا أنذا لديكما
لَا برىء فأعتذر وَلَا قوى فأنتصر ثمَّ أغمى عَلَيْهِ وأفاق فَجعل يَقُول
إِن تغْفر الله تغْفر جما ... وَأي عبد لَك لَا ألما
ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ وأفاق فَأَنْشَأَ يَقُول
كل عَيْش وَإِن تطاول دهرا ... فمصيره إِلَى أَن يزولا
لَيْتَني كنت قبل مَا قد بدا لي ... فِي رُؤُوس الْجبَال أرعى الوعولا
وَلما حضرت عبد الله بن عَليّ الْوَفَاة قَالَ مَا إغفلني أمس عَن مصرعي الْيَوْم
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي دَخَلنَا على عَابِد وَقد حَضَره الْمَوْت وَهُوَ يبكي فَقُلْنَا لَهُ مَا يبكيك رَحِمك الله فَأَنْشَأَ يَقُول
стр. 110
وَحقّ لمثلي بالبكا عِنْد مَوته ... وَمَالِي لَا أبْكِي وموتي قد اقْترب
ولي عمل فِي اللَّوْح أَحْصَاهُ خالقي ... فَإِن لم يجد بِالْعَفو صرت إِلَى العطب
وَقَالَ عبد الله بن الْعَلَاء شهِدت أَعْرَابِيًا قد نزل بِهِ الْمَوْت فشخص ببصره ثمَّ قَالَ
كل آتٍ فَإِنَّهُ سَوف يَأْتِي ... أَنْت يَا يَمُوت هاذم اللَّذَّات
يرحم الله أعظما باليات ... أَصبَحت فِي عَسَاكِر الْأَمْوَات
ويروى أَن ابْن الْمُنْكَدر ﵀ عِنْدَمَا نزل بِهِ الْمَوْت بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ وَالله مَا أبْكِي لذنب أعلم أَنِّي أَتَيْته وَلَكِنِّي أَخَاف أَن أكون قد أذنبت ذَنبا حسبته هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم
وَقد روى عَنهُ كَلَام آخر يدل على علو مَنْزِلَته وارتفاع دَرَجَته
وَقيل لجَابِر بن زيد عِنْد مَوته مَا تشْتَهي فَقَالَ نظرة إِلَى الْحسن فجَاء الْحسن فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قيل لَهُ هَذَا الْحسن فَرفع طرفه وَقَالَ يَا إخوتاه السَّاعَة أفارقكم إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار
وَقَالَ الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ عِنْد مَوته اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تفعل فَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز تعجبه هَذِه الْكَلِمَة
وَذكر ذَلِك لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ فَقَالَ أقالها قَالُوا نعم قَالَ عَسى
وَقَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ دخلت على بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ فِي الْمَوْت فَرَأَيْت من جزعه مَا سَاءَنِي فَقلت هَذَا الْجزع كُله لماذا وَقد كنت تحمد الله على كَذَا يَعْنِي على حَالَة صَالِحَة فَقَالَ وَمَالِي لَا أجزع وَمن أَحَق مني بالجزع وَالله لَو أَتَتْنِي الْمَغْفِرَة من الله لأهمني الْحيَاء مِنْهُ فِيمَا أفضيت بِهِ إِلَيْهِ
وَقَالَ بعض الصَّالِحين لغلامه وَقد حَضَره الْمَوْت يَا غُلَام شدّ كتافي وعفر بِالتُّرَابِ خدي فَفعل الْغُلَام ثمَّ قَالَ دنا الرحيل اللَّهُمَّ لَا بَرَاءَة لي من ذَنْب وَلَا عذر لي فأعتذر بِهِ وَلَا قُوَّة فانتصر بهَا ثمَّ قَالَ أَنْت لي ثَلَاثًا ثمَّ صَاح صَيْحَة وَمَات
стр. 111
فَسَمِعُوا صَوتا يَقُول فِي الْبَيْت استكان العَبْد لمَوْلَاهُ فَقبله وَأَدْنَاهُ
وَلما حضرت مُحَمَّد بن سِيرِين الْوَفَاة بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ أبْكِي لتفريطي فِي الْأَيَّام الخالية وَقلة عَمَلي للجنة الْعَالِيَة وَمَا ينجيني من النَّار الحامية
وَلما حضرت إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ الْوَفَاة بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ انْتظر رَسُولا من رَبِّي يبشرني بالنَّار أَو بِالْجنَّةِ
وَقَالَ حَمَّاد بن سعيد بن أبي عَطِيَّة الْمَذْبُوح لما حضر أَبَا عَطِيَّة الْمَوْت جزع فَقَالُوا لَهُ أتجزع من الْمَوْت فَقَالَ وَمَا لي لَا أجزع وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَة فَلَا أَدْرِي أَيْن يسْلك بِي
وَلما حضرت الْوَفَاة فُضَيْل بن عِيَاض ﵀ غشي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق وَقَالَ يَا بعد سَفَرِي وَقلة زادي
وَكَانَ عَامر بن قيس يُصَلِّي كل يَوْم وَلَيْلَة ألف رَكْعَة فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت بَكَى فَقيل لَهُ مَا يبكيك قَالَ أبْكِي لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾
وَقد تقدم عَنهُ كَلَام آخر قَالَه عِنْد الْمَوْت أَيْضا وَلما نزل الْمَوْت بِسُلَيْمَان التَّيْمِيّ قيل لَهُ أبشر فقد كنت مُجْتَهدا فِي طَاعَة الله تَعَالَى فَقَالَ لَا تَقولُوا هَكَذَا فَإِنِّي لَا أَدْرِي مَا يَبْدُو لي من الله فَإِنَّهُ يَقُول سُبْحَانَهُ وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون قَالَ بَعضهم عمِلُوا أعمالا كَانُوا يظنون أَنَّهَا حَسَنَات فوجدوها سيئات
وَكَانَ الْجُنَيْد يقْرَأ القرأن وَهُوَ فِي سِيَاق الْمَوْت وَيُصلي فختم فَقيل لَهُ فِي مثل هَذِه الْحَال يَا أَبَا عَليّ فَقَالَ وَمن أَحَق مني بذلك وَهَا هُوَ ذَا تطوى صحيفَة عَمَلي ثمَّ كبر وَمَات
стр. 112
وَقيل لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ مَا نَسِيته فأذكره
وَلما نزل الْمَوْت ببشر الحافي وَكَانَ على عليائه من الْعِبَادَة والزهادة شقّ عَلَيْهِ وساءه ذَلِك فَقيل لَهُ أَتُحِبُّ الْحَيَاة يَا فلَان فَقَالَ يَا قوم الْقدوم على الله شَدِيد
وَلما حضر أَبَا سُلَيْمَان الدَّارَانِي الْمَوْت قَالَ لَهُ أَصْحَابه أبشر فَإنَّك تقدم على رب غَفُور رَحِيم فَقَالَ لَهُم أَلا تَقولُونَ تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير
فَأَبُو سُلَيْمَان هَذَا غلب عَلَيْهِ الْخَوْف فِي هَذِه الْحَالة فَتكلم عَن حَاله
وَقيل لرويم عِنْد الْمَوْت قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ مَا أحسن غَيرهَا وَكَانَ رُوَيْم هَذَا من الصَّالِحين ويروى أَنه كَانَ يَدْعُو الطير فتجيبه
واحتضر بعض الصَّالِحين فَبَكَتْ امْرَأَته فَقَالَ مَا يبكيك قَالَت عَلَيْك أبْكِي قَالَ إِن كنت باكية فابكي على نَفسك فَأَما أَنا فقد بَكَيْت على هَذَا الْيَوْم مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة
وَلما حضرت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي الْوَفَاة وَكَانَ رَأسه فِي حجر ابْنَته فَاطِمَة فَفتح عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ هَذِه أَبْوَاب السَّمَاء قد فتحت وَهَذِه الْجنان قد زخرفت وَهَذَا قَائِل يَقُول يَا أَبَا عَليّ قد بلغناك الرُّتْبَة القصوى وَإِن لم تردها ثمَّ قَالَ
وحقك لانظرت إِلَى سواك ... بِعَين مَوَدَّة حَتَّى أَرَاك
أَرَاك معذبي بفتور لحظ ... وبالخد المورد من حياك
أَرَاك منعمي بجميل ظن ... وبالأمن المكرم من رضاك
فَلَو قطعتني فِي الْحبّ إربا ... لما نظر الْفُؤَاد إِلَى سواك
وَكَانَ أَبُو عَليّ هَذَا مِمَّن يعبد الله لذاته وَكَانَ يَقُول لَا أُرِيد الْجنَّة وَنَعِيمهَا إِنَّمَا أريدك يَا رب
стр. 113
وَكَذَلِكَ كَانَ ممشاد الدينَوَرِي لما نزل بِهِ الْمَوْت جعل بعض الْمَشَايِخ يَدْعُو لَهُ فَضَحِك وَقَالَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة تعرض عَليّ الْجنَّة بِمَا فِيهَا فَمَا نظرت إِلَيْهَا
ويروى أَن بعض الصَّالِحين ضحك عِنْد مَوته وَقَالَ صَادِق يَا وَفِي وفيت لي وَمَا وفيت لَك
ويروى عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه لما احْتضرَ نظر إِلَى السَّمَاء فَضَحِك ثمَّ قَالَ لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ
وَمثل هَذَا يرْوى عَن بعض أَصْحَاب ابْن فورك وَكَانَ من الصَّالِحين الْكِبَار الْمُجْتَهدين أَنه لما نزل بِهِ الْمَوْت شخص ببصره إِلَى السَّمَاء ثمَّ قَالَ يَا ابْن فورك لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ
وَفتح ابْن بنان عَيْنَيْهِ عِنْد الْمَوْت فَقَالَ ارتع فَهَذَا مرتع الأحباب وَخرجت روحه
وَلما نزل الْمَوْت بِأبي يَعْقُوب النهرجوري ﵀ قَالَ لَهُ أَبُو الْحسن المزين قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَتَبَسَّمَ أَبُو يَعْقُوب وَقَالَ إيَّايَ تَعْنِي وَعزة من لَا يَذُوق الْمَوْت مَا بيني وَبَينه إِلَّا حجاب الْعِزَّة ثمَّ خرجت روحه من سَاعَته
وَكَانَ أَبُو الْحسن يَأْخُذ بلحية نَفسه وَيَقُول يَا حجام مثلك يلقن أَوْلِيَاء الله الشَّهَادَة وَكَانَ إِذا ذكر هَذِه الْقِصَّة بَكَى
وَقَالَ الْجُنَيْد دخلت على سري السَّقطِي رَحمَه الله تَعَالَى عِنْد الْمَوْت وَكَانَ مِمَّن أحرق قلبه الْخَوْف فَقلت لَهُ كَيفَ تجدك فَقَالَ كَيفَ أَشْكُو إِلَى طبيبي مَا بِي وَالَّذِي قد أصابني من طبيبي
قَالَ الْجُنَيْد فَأخذت المروحة لأروح عَلَيْهِ فَقَالَ كَيفَ يجد روح المروحة من قلبه يَحْتَرِق ثمَّ أنْشد
الْقلب محترق والدمع مستبق ... وَالْكرب مُجْتَمع وَالصَّبْر مفترق
كَيفَ الْقَرار على من لَا قَرَار لَهُ ... مِمَّا جناه الأسى والشوق والقلق
ثمَّ ذكر الله تَعَالَى وَمَات ﵀
وَقيل لذِي النُّون عِنْد مَوته مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن أعرفهُ ﵎ قبل موتِي بلحظة
стр. 114
لم يقل هَذَا القَوْل ذُو النُّون الْمصْرِيّ ﵀ لجهله بِاللَّه تَعَالَى لكنه كَانَ يسْتَقلّ مَعْرفَته وَصدق فِي هَذَا فشأن الله أجل وَأعظم من أَن يحاط بمعرفته أَو يبلغ كنه وَصفه
ويروى عَن عبد الله بن شبْرمَة أَنه قَالَ دخلت مَعَ عَامر الشّعبِيّ على مَرِيض نعوده فَوَجَدنَا لما بِهِ وَرجل يلقنه الشَّهَادَة وَيَقُول لَهُ
قل لَا إِلَه إِلَّا الله وَهُوَ يكثر عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الشّعبِيّ ارْفُقْ بِهِ فَتكلم الْمَرِيض وَقَالَ إِن يلقني أَو لَا يلقني فَإِنِّي لَا أدعها ثمَّ قَرَأَ ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ فَقَالَ الشّعبِيّ الْحَمد لله الَّذِي نجى صاحبنا
وَحكى أَن قوما من أَصْحَاب الشبلي قَالُوا لَهُ عِنْد مَوته قل لَا إِلَه إِلَّا الله
فَأَنْشد
إِن بَيْتا أَنْت ساكنه ... غير مُحْتَاج إِلَى السرج
وعليلا أَنْت زَائِره ... قد أَتَاهُ الله بالفرج
وَجهك المأمول حجتنا ... يَوْم تَأتي النَّاس بالحجج
لَا أتاح الله لي فرجا ... يَوْم أَدْعُو مِنْك بالفرج
يُرِيد الشبلي أَن الْقلب إِذا امْتَلَأَ واشتغل بعظمة الله وجلاله لم يحْتَج إِلَى مُنَبّه ينبهه وَلَا إِلَى مُذَكّر يذكرهُ
ويروى أَن الْجُنَيْد بن مُحَمَّد دخل على بعض الْمَشَايِخ فَوَجَدَهُ فِي سِيَاق الْمَوْت فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَنظر إِلَيْهِ الشَّيْخ شزارا فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْجُنَيْد فَلم يقلها فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَلم يتَكَلَّم فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ يَا جُنَيْد تذكرني بِالتَّوْحِيدِ وَأَنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة أبْكِي عَلَيْهِ وَلَا أسلو عَنهُ يَا جُنَيْد إِنِّي مشَاهد
стр. 115
حَبِيبِي ومستأنس بِهِ
ويروى أَن إِبْرَاهِيم بن أدهم دخل على بعض الْعباد يعودهُ فَوَجَدَهُ فِي الْمَوْت أَو فِي مُقَدمَات الْمَوْت فَجعل العابد يتنفس ويتأسف فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم علام تتأسف رَحِمك الله فَقَالَ مَا تأسفي على النقلَة من دَار الدُّنْيَا دَار الأحزان والأسقام والخطايا والذنُوب وَلَكِن أسفي على يَوْم أفطرته أَو لَيْلَة نمتها أَو سَاعَة غفلت عَن ذكر الله فِيهَا وَلَكِن يَا أخي إِن وَقع فِي هَذَا تَقْصِير فَلم يَقع فِي التَّوْحِيد تَقْصِير مَا عبدت سواهُ وَلَا وحدت غَيره وَلَا سكن فِي قلبِي محبَّة شَيْء إِلَّا محبته
وَدخل الْمُزنِيّ على الشَّافِعِي رحمهمَا الله فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ كَيفَ أَصبَحت يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ أَصبَحت من الدُّنْيَا راحلا وللإخوان مفارقا ولسيء عَمَلي ملاقيا ولكأس الْمنية شاربا وعَلى رَبِّي ﵎ واردا وَلَا أَدْرِي روحي للجنة فأهنيها أَو للنار فأعزيها ثمَّ أنْشد
وَلما قسا قلبِي وَضَاقَتْ مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذَنبي فَلَمَّا قرنته ... بعفوك رَبِّي كَانَ عفوك أعظما
فَمَا زلت ذَا عَفْو عَن الذَّنب لم تزل ... تجود وَتَعْفُو مِنْهُ وتكرما
فلولاك لم يغو بإبليس عايد ... وَكَيف وَقد أغوى صفيك آدما
وَقَالَ عَطاء بن يسَار رَحمَه الله تَعَالَى تبدى إِبْلِيس لَعنه الله لعابد عِنْد الْمَوْت فَقَالَ لَهُ نجوت يَا هَذَا فَقَالَ مَا أمنتك بعد
وَلما حضرت الْحسن بن هَانِئ الْوَفَاة أنْشد
دب فِي السقام سفلا وعلوا ... وَأرَانِي أَمُوت عضوا فعضوا
لَيْسَ من سَاعَة مَضَت بِي إِلَّا ... نَقَصْتنِي بمرها بِي جزوا
لهف نَفسِي على لَيَال وأيا ... م قضيتهن لعبا ولهوا
قد أَسَأْت كل الْإِسَاءَة فال ... لَهُم صفحا وغفرانا وعفوا
стр. 116
وَلما حضرت الْوَفَاة أَحْمد بن خضرويه سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ يَا بني بَاب أدقه مُنْذُ خمس وَسبعين سنة وَهَا هُوَ ذَا يفتح لي السَّاعَة وَلَا أَدْرِي بِمَا يفتح لي بالسعادة أم بالشقاوة فآن لي أَوَان الْجَواب
ويروى عَن مَالك بن دِينَار أَنه دخل على جَار لَهُ وَقد نزل بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لَهُ الرجل يَا مَالك إِنِّي أرى جبلين من نَار وَأَنا أكلف الصعُود عَلَيْهِمَا قَالَ مَالك فَسَأَلت امْرَأَته عَن حَاله فَقَالَت كَانَ لَهُ مكيالان يَأْخُذ بِأَحَدِهِمَا وَيُعْطِي بِالْآخرِ قَالَ فدعوت بهما فَضربت أَحدهمَا بِالْآخرِ فكسرتهما ثمَّ قلت لَهُ مَا ترى قَالَ مَا أرى الْأَمر يزْدَاد إِلَّا شدَّة
وروى أَن رجلا نزل بِهِ الْمَوْت وَعند رَأسه صندوق فِيهِ مَال فَجعل يُشِير إِلَيْهِ وَيَقُول النَّار فِي الصندوق النَّار فِي الصندوق
ويروى أَن طَلْحَة بن عبيد الله الْقرشِي عَاد مَرِيضا فَوَجَدَهُ فِي الْمَوْت فَسمع صَوتا وَهُوَ يَقُول
نَاد رب الدَّار ذَا المَال الَّذِي ... جمع المَال بحرص مَا فعل
فَأَجَابَهُ آخر
كَانَ فِي دَار سواهَا نَائِما ... عللته بالمنى ثمَّ انْتقل
ويروى أَنه مَا من ميت يَمُوت إِلَّا ويكلمه ملكاه اللَّذَان يكتبان عمله فِي الدُّنْيَا فَإِن كَانَ مُطيعًا قَالَا لَهُ جَزَاك الله من صَاحب خيرا فَرب كَلَام حسن قد أسمعتناه وَرب مجْلِس خير قد أجلستناه وَرب عمل صَالح قد أحضرتناه فَنحْن لَك الْيَوْم على مَا تحب
وَإِن كَانَ فَاجِرًا قَالَا لَهُ جَزَاك الله من صَاحب شرا فَرب كَلَام قَبِيح قد أسمعتناه وَرب مجْلِس سوء قد أجلستناه وَرب عمل سوء قد أحضرتناه فَنحْن لَك الْيَوْم على مَا تكره
стр. 117
الْبَاب الأول من أَخْبَار الْأَمْوَات عِنْد الْمَوْت
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ جَاءَ ملك الْمَوْت إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ أجب رَبك فلطم مُوسَى عين ملك الْمَوْت ففقأها فَرجع الْملك إِلَى الله فَقَالَ إِنَّك أرسلتني إِلَى عبد لَك لَا يُرِيد الْمَوْت وَقد فَقَأَ عَيْني قَالَ فَرد الله عَلَيْهِ عينه وَقَالَ ارْجع إِلَى عَبدِي فَقل لَهُ الْحَيَاة تُرِيدُ فَإِن كنت تُرِيدُ الْحَيَاة فضع يدك على متن ثَوْر فَمَا وارت يدك من شَعْرَة فَإنَّك تعيش بهَا سنة قَالَ ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ تَمُوت قَالَ فَالْآن من قريب رب أدنني من الأَرْض المقدسة رمية حجر قَالَ رَسُول الله ﷺ فوَاللَّه لَو أَنِّي عِنْده لَأَرَيْتُكُمْ قَبره إِلَى جنب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر
وروى أَن عِيسَى ﵇ مر بِرَأْس ميت فَضَربهُ بِرجلِهِ وَقَالَ تكلم بِإِذن الله تَعَالَى فَتكلم وَقَالَ يَا روح الله أَنا ملك زمَان كَذَا وَكَذَا بَينا أَنا جَالس على سَرِير ملكي عَليّ تاجي وحولي حشمي وخدمي وجندي إِذْ تبدى لي ملك الْمَوْت فَزَالَ مني كل عُضْو على حياله وَخرجت نَفسِي إِلَيْهِ فيا لَيْت مَا كَانَ من تِلْكَ الجموع كَانَ فرقة وَيَا لَيْت مَا كَانَ من ذَلِك الْأنس وَحْشَة
ويروى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ كَانَ دَاوُد ﵇ رجلا غيورا وَكَانَ إِذا خرج غلق الْأَبْوَاب فغلق ذَات يَوْم أبوابه وَخرج فَأَشْرَفت امْرَأَته فَإِذا بِرَجُل فِي الدَّار فَقَالَت من ادخل هَذَا دَارنَا لَئِن جَاءَ دَاوُد
стр. 118
فَرَآهُ ليلقين مِنْهُ عنتا فجَاء دَاوُد فَرَآهُ فَقَالَ من أَنْت فَقَالَ أَنا الَّذِي لَا أهاب الْمُلُوك وَلَا يَمْنعنِي الْحجاب قَالَ فَأَنت إِذن وَالله ملك الْمَوْت ثمَّ قبض روحه
ويروى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيم ﵇ غيورا وَكَانَ لَهُ بَيت يتعبد فِيهِ فَإِذا خرج أغلقه فَخرج ذَات يَوْم بَعْدَمَا أغلق بَابه فَإِذا هُوَ بِرَجُل فِي جَوف الْبَيْت فَقَالَ لَهُ من أدْخلك دَارنَا قَالَ ادخلنيها رَبهَا فَقَالَ أَنا رَبهَا قَالَ ادخلنيها من هُوَ أملك لَهَا مِنْك فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم من أَنْت من الْمَلَائِكَة قَالَ ملك الْمَوْت فَقَالَ لَهُ هَل تَسْتَطِيع أَن تريني الصُّورَة الَّتِي تقبض فِيهَا روح الْمُؤمن قَالَ نعم فَأَعْرض عني فَأَعْرض عَنهُ فَإِذا هُوَ بشاب فَذكر من حسن وَجهه وَطيب رِيحه فَقَالَ يَا ملك الْمَوْت لَو لم يلق الْمُؤمن عِنْد الْمَوْت إِلَّا صُورَتك لَكَانَ حَسبه ثمَّ قبض روحه
قَالَ وهب بن مُنَبّه كَانَ ملك من الْمُلُوك أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى أَرض لَهُ فَلبس أحسن ثِيَابه وَركب إفره دوابه وَخرج فِي خاصته وَجُنُوده وَرِجَاله فَنفخ الشَّيْطَان فِيهِ نفخة ملأَهُ كبرا وعجبا فَكَانَ يمشي وَلَا يلْتَفت إِلَى أحد من النَّاس كبرا وإعجابا بِنَفسِهِ فتصدى لَهُ رجل رث الْهَيْئَة فَسلم عَلَيْهِ فَلم يرد ﵇ وَلَا الْتفت إِلَيْهِ فَأخذ بلجام دَابَّته فَقَالَ لَهُ وَيلك لقد تعاطيت أمرا عَظِيما كف يدك عَن اللجام فَقَالَ لَهُ أَنا ملك الْمَوْت فَتغير لون الْملك ودهش واضطرب لِسَانه وَقَالَ سَأَلتك إِلَّا مَا تَرَكتنِي حَتَّى أرجع إِلَى أَهلِي وأودعهم وأقضي حَاجَتي مِنْهُم فَقَالَ لَا وَالله لَا رَأَيْت أهلك أبدا وَقبض روحه فَخر كخشبة ملقاة
ثمَّ لَقِي آخر فِي مثل حَاله إِلَّا أَنه كَانَ متواضعا فتعرض لَهُ فَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ فَقَالَ لَهُ إِن لي إِلَيْك حَاجَة وَأُرِيد أَن أذكرها لَك فِي أُذُنك فَقَالَ هَات فَأعْطَاهُ أُذُنه قَالَ أَنا ملك الْمَوْت فَقَالَ لَهُ مرْحَبًا بِمن طَالَتْ
стр. 119
غيبته عَليّ فوَاللَّه مَا كَانَ غَائِب أحب إِلَيّ من أَن أَلْقَاهُ مِنْك فَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت اقْضِ حَاجَتك الَّتِي خرجت إِلَيْهَا قَالَ لَا هَذِه الْحَاجة أهم حوائجي وَمَالِي حَاجَة أهم عَليّ وَلَا أحب إِلَيّ من لِقَاء الله قَالَ فاختر على أَي حَالَة تُرِيدُ أَن أَقبض روحك قَالَ وتقدر على ذَلِك قَالَ بذلك أمرت قَالَ فَدَعْنِي حَتَّى أتوضأ وأصلي وَتقبل روحي وَأَنا ساجد قَالَ نعم فَتَوَضَّأ وَصلى ثمَّ قبض روحه فِي سُجُوده
وَقَالَ بكر بن عبد الله جمع رجل من بني إِسْرَائِيل مَالا فَلَمَّا أشرف على الْمَوْت قَالَ لِبَنِيهِ أروني أَصْنَاف أَمْوَالِي الَّتِي جمعت فَأتي بِشَيْء كثير فَلَمَّا رَآهُ بَكَى تحسرا فَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت مَا يبكيك فوَاللَّه مَا أَنا بِخَارِج من مَنْزِلك حَتَّى أفرق بَين روحك وبدنك فَقَالَ لَهُ أمهلني حَتَّى أفرقه قَالَ هَيْهَات انْقَطَعت المهلة فَهَلا كَانَ هَذَا قبل حُضُور أَجلك ثمَّ قبض روحه
ويروى أَن رجلا جمع مَالا فأوعى وَلم يدع صنفا من أَصْنَاف المَال إِلَّا اتَّخذهُ ثمَّ ابتنى قصرا وَجعل عَلَيْهِ حِجَابا وحراسا ثمَّ جمع أَهله وَعِيَاله وصنع لَهُم طَعَاما وَقعد على سَرِيره وَوضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وهم يَأْكُلُون ثمَّ قَالَ يَا نَفسِي تنعمي سِنِين فقد جمعت لَك مَا يَكْفِيك فَمَا فرغ من كَلَامه حَتَّى أقبل ملك الْمَوْت فِي هَيْئَة رجل عَلَيْهِ خلقان من الثِّيَاب فقرع الْبَاب بِشدَّة عَظِيمَة فَوَثَبَ إِلَيْهِ الغلمان فَقَالُوا لَهُ وَيلك مَا شَأْنك وَمن أَنْت فَقَالَ ادعوا إِلَيّ مولاكم قَالُوا إِلَى مثلك يخرج مَوْلَانَا
قَالَ نعم فَأخْبرُوا مَوْلَاهُم فَقَالَ هلا فَعلْتُمْ بِهِ وفعلتم فقرع الْبَاب قرعَة أَشد من الأولى فَوَثَبَ إِلَيْهِ الحرس فَقَالَ أَخْبرُوهُ أَنِّي ملك الْمَوْت فَلَمَّا سَمِعُوهُ ألْقى عَلَيْهِم الرعب وَوَقع على مَوْلَاهُم الذل والخشوع فَقَالَ قُولُوا لَهُ يدْخل وَقُولُوا لَهُ قولا لينًا فَدخل فَقَالَ لَهُ اصْنَع بِمَالك مَا أَنْت صانع فَإِنِّي لست بِخَارِج عَنْك حَتَّى أخرج بِنَفْسِك فَأمر بِمَالِه فَجمع فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لعنك الله من مَال فَأَنت شغلتني عَن عبَادَة رَبِّي ومنعتني عَن النّظر لنَفْسي فأنطق الله المَال فَقَالَ لم تسبني وَبِي جَلَست مجَالِس الْمُلُوك وَبِي نكحت المتنعمات وَبِي
стр. 120
فعلت وَفعلت وَكنت تنفقني فِي سَبِيل الشَّرّ فَلَا أمتنع مِنْك وَلَو أنفقتني فِي سَبِيل الْخَيْر وَطَرِيق الْبر لنفعتك الْيَوْم ثمَّ قبض ملك الْمَوْت روحه فَسقط مَيتا
وَقَالَ يزِيد الرقاشِي بَيْنَمَا جَبَّار من جبابرة بني إِسْرَائِيل فِي منزلَة قد خلا بِبَعْض أَهله إِذْ رأى شخصا قد دخل عَلَيْهِ من بَاب بَيته فَوَثَبَ عَلَيْهِ مغضبا فَقَالَ لَهُ وَيلك من أَنْت وَمن أدْخلك دَاري وَمَا حملك على الهجوم عَليّ فِي بَيْتِي فَقَالَ لَهُ أما الَّذِي أدخلني الدَّار فربها أَنا الَّذِي لَا يَمْنعنِي الْحجاب وَلَا اسْتَأْذن على الْمُلُوك وَلَا أَخَاف صولة السلاطين فأسقط فِي يَد الْجَبَّار وأرعد حَتَّى سقط منكبا على وَجهه ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ مستخذيا متذللا فَقَالَ لَهُ فَأَنت إِذن ملك الْمَوْت قَالَ أَنا هُوَ قَالَ فَهَل أَنْت ممهلني حَتَّى أحدث عهدا قَالَ هَيْهَات انْقَطَعت مدتك وَانْقَضَت أنفاسك ونفدت ساعاتك فَلَيْسَ إِلَى إمهالك سَبِيل قَالَ فَإلَى أَيْن أذهب قَالَ إِلَى عَمَلك الصَّالح الَّذِي قدمت وَإِلَى بَيْتك الْحسن الَّذِي مهدت قَالَ فَإِنِّي لم أقدم عملا صَالحا وَلَا مهدت بَيْتا حسنا قَالَ فَإلَى لظى نزاعه للشوى ثمَّ قبض روح فَسقط بَين أَهله فَمن صارخة تصرخ وباكية تبْكي
قَالَ يزِيد وَلَو يعلمُونَ سوء المنقلب لَكَانَ العويل أعظم والبكاء أَكثر
стр. 121
الْبَاب الثَّانِي مَا يسْتَحبّ من أَحْوَال الْمَيِّت عِنْد الْمَوْت وَفِي تلقين الشَّهَادَتَيْنِ للْمُسلمِ وَغَيره وَمَا يسْتَحبّ للْمُسلمِ من الرَّجَاء وَحسن الظَّن بِاللَّه عِنْد الْمَوْت
اعْلَم رَحِمك الله أَن المحبوب من حَال الْمَيِّت عِنْد الْمَوْت أَن يعلوه الهدوء والسكون وَمن لِسَانه الْكَلِمَة بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمن قلبه حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى
وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بُرَيْدَة بن حصيب عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْمُؤمن يَمُوت بعرق الجبين ويروى فِي خبر أَنه قَالَ ارقبوا الْمَيِّت عِنْد ثَلَاث إِذا رشح جَبينه وَإِذا ذرفت عَيناهُ ويبست شفتاه فَذَلِك من ﵀ نزلت بِهِ وَإِذا غط غطيط المخنوق واحمر لَونه واربدت شفتاه فَهُوَ من عَذَاب الله نزل بِهِ
وَأما انطلاق لِسَانه بِالشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ عَلامَة الْخَيْر وَدَلِيل السَّعَادَة وأمارة الِاتِّصَال بالحضرة الإلهية
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث معَاذ بن جبل قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة
وَذكر أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ وَهُوَ
стр. 122
يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة
وَذكر أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله
وَذكر مُسلم من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة
وَمن غير كتاب مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ حضر ملك الْمَوْت رجلا فَنظر فِي عمله فَلم يجد لَهُ شَيْئا ففك لحييْهِ فَوجدَ طرف لِسَانه لاصقا بحنكه يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فغفر الله لَهُ بِكَلِمَة الْإِخْلَاص
وَقَالَ عمر ﵁ احضروا مَوْتَاكُم ولقنوهم لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهُم يرَوْنَ مَا لَا ترَوْنَ
وَذكر مُسلم من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة جَاءَهُ رَسُول الله ﷺ فَوجدَ عِنْده أَبَا جهل بن هِشَام وَعبد الله بن أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عَم قل لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة أشهد لَك بهَا عِنْد الله فَقَالَ أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة يَا أَبَا طَالب أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب فَلم يزل رَسُول الله يعرضهَا عَلَيْهِ ويعيدان لَهُ تِلْكَ الْمقَالة حَتَّى قَالَ أَبُو طَالب آخر مَا كَلمهمْ بِهِ هُوَ على مِلَّة عبد الْمطلب وأبى أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما وَالله لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أَنه عَنْك
فَأنْزل الله مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم
وَأنزل الله فِي أبي طَالب فَقَالَ لرَسُول الله ﷺ إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء
стр. 123
ويروى عَن أنس بن مَالك أَن غُلَاما من الْيَهُود كَانَ يخْدم النَّبِي فَمَرض فَأَتَاهُ ﷺ يعودهُ فَقعدَ عِنْد رَأسه فَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ أسلم فَنظر الْغُلَام إِلَى أَبِيه وَهُوَ عِنْده فَقَالَ لَهُ أَبوهُ أطع أَبَا الْقَاسِم فَأسلم فَقَامَ النَّبِي وَهُوَ يَقُول الْحَمد لله الَّذِي أنقذه بِي من النَّار
ذكر هَذَا الحَدِيث البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا
وَيَنْبَغِي أَن لَا يلح على الْمَيِّت بتلقين الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ ابْن الْمُبَارك لقنوا الْمَيِّت لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن قَالَهَا فَدَعوهُ وَلِأَنَّهُ يخَاف عَلَيْهِ إِذا ألح عَلَيْهِ بهَا أَن يبرم ويضجر ويثقلها الشَّيْطَان عَلَيْهِ فَيكون ذَلِك سَببا لسوء الخاتمة
ذكر أَبُو بكر الدينَوَرِي فِي كتاب المجالسة عَن الْحسن بن عِيسَى قَالَ لما حضرت ابْن الْمُبَارك الْوَفَاة قَالَ لنصر مَوْلَاهُ أجعَل رَأْسِي على التُّرَاب قَالَ فَبكى نصر فَقَالَ مَا يبكيك قَالَ ذكرت مَا كنت فِيهِ من النَّعيم وَأَنت هَذَا تَمُوت فَقِيرا غَرِيبا فَقَالَ اسْكُتْ فَإِنِّي سَأَلت الله أَن يحييني حَيَاة السُّعَدَاء ويميتني ميتَة الْفُقَرَاء ثمَّ قَالَ لقني الشَّهَادَة وَلَا تعد عَليّ إِلَّا أَن أَتكَلّم بِكَلَام ثَان
وَالْمَقْصُود أَن يَمُوت الرجل وَلَا يكون فِي قلبه إِلَّا الله وَحده لِأَن الْمدَار على الْقلب وَعمل الْقلب هُوَ الَّذِي ينظر فِيهِ وَتَكون النجَاة بِسَبَبِهِ وَأما حَرَكَة اللِّسَان دون أَن تكون تَرْجَمَة عَمَّا فِي الْقلب فَلَا فَائِدَة فِيهَا وَلَا خير عِنْدهَا
وَأما حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى عِنْد الْمَوْت فَوَاجِب قَالَ ﵊ لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى ذكره مُسلم
وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لَا يحسن أحدكُم الظَّن بِاللَّه إِلَّا أعطَاهُ الله ظَنّه وَذَلِكَ أَن الْخَيْر بِيَدِهِ
وَقَالَ عبد الله بن عَبَّاس إِذا رَأَيْتُمْ الرجل قد نزل بِهِ الْمَوْت فبشروه حَتَّى يلقى ربه وَهُوَ حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَإِذا كَانَ حَيا فخوفوه بربه واذْكُرُوا لَهُ شدَّة عِقَابه
стр. 124
وَقَالَ الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان قَالَ لي أبي عِنْد مَوته يَا مُعْتَمر حَدثنِي بالرخص لعَلي أَن ألْقى الله تَعَالَى وَأَنا حسن الظَّن بِهِ
وَكَانُوا يستعجبون أَن يذكرُوا العَبْد بمحاسن عمله عِنْد مَوته كي يحسن الظَّن بربه
وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض مَا دمت حَيا فَلَا يكن شَيْء عنْدك أخوف من الله وَإِذا نزل بك الْمَوْت فَلَا يكن عنْدك شَيْء أَرْجَى من الله
ويروى أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان لما نزل بِهِ الْمَوْت قَالَ حبيب جَاءَ على فاقة قد كنت قبل الْيَوْم أخشاك وَأما الْيَوْم أرجوك
ويروى عَن الْحسن بن اللَّيْث قَالَ رَأَيْت مُحَمَّد بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي قلت بِمَ قَالَ برجائي لَهُ مُنْذُ ثَمَانِينَ سنة
وَدخل وَاثِلَة بن الْأَسْقَع على رجل فَوَجَدَهُ فِي الْمَوْت فَقَالَ اخبرني كَيفَ ظَنك بِاللَّه تَعَالَى فَقَالَ الرجل اغرقتني ذُنُوبِي وأشرفت بِي على الهلكة وَلَكِن أَرْجُو رَحْمَة الله تَعَالَى فَكبر وَاثِلَة وَكبر أهل الْبَيْت لتكبيره وَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي خيرا مَا شَاءَ
ويروى أَن النَّبِي ﷺ دخل على شَاب وَهُوَ فِي الْمَوْت فَقَالَ لَهُ كَيفَ تجدك قَالَ أَرْجُو الله وأخاف ذُنُوبِي فَقَالَ ﵇ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب عبد فِي مثل هَذَا الموطن إِلَّا أعطَاهُ الله مَا يَرْجُو وأمنه الَّذِي يخَاف أخرجه التِّرْمِذِيّ
وَرَأى بعض الصَّالِحين الْحسن بن هَانِيء بعد مَوته فِي النّوم فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي قَالَ بِمَاذَا قَالَ بأَرْبعَة أَبْيَات قلتهن فِي طي فِرَاشِي فَمشى الرجل إِلَى دَار الْحسن فالتمسها فَوَجَدَهَا وَهِي
стр. 125
يَا رب إِن عظمت ذُنُوبِي كَثْرَة ... فَلَقَد علمت بِأَن عفوك أعظم
أَدْعُوك رب كَمَا أمرت تضرعا ... فَإِذا رددت يَدي فَمن ذَا يرحم
إِن كَانَ لَا يرجوك إِلَّا محسن ... فَمن الَّذِي يَرْجُو الْمُسِيء المجرم
مَالِي إِلَيْك وَسِيلَة إِلَّا الرجا ... وَجَمِيل ظَنِّي ثمَّ أَنِّي مُسلم
وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ كَانَ شَاب بِهِ حِدة وَكَانَت أمه تعظه وَتقول لَهُ يَا بني إِن لَك يَوْمًا فاذكر يَوْمك وَإِن لَك مصرعا فاذكر مصرعك فَلَمَّا نزل بِهِ أَمر الله تَعَالَى اكبت عَلَيْهِ أمه فَجعلت تَقول أَي بني قد كنت أحذرك مصرعك هَذَا فَقَالَ لَهَا يَا أمة إِن لي رَبًّا كثير الْمَعْرُوف وَإِنِّي لأرجو أَن لَا يُعَذِّبنِي بكرمه وَرَحمته قَالَ ثَابت فرحمه الله بحس ظَنّه بربه أخبر بذلك فِي النّوم أَو أخبر بِهِ عَنهُ
وَقَالَ جَابر بن عبد الله كَانَ شَاب بِهِ زهو فَنزل بِهِ الْمَوْت فَقَالَت أمه يَا بني توصي بِشَيْء قَالَ نعم خَاتمِي ادفنيني بِهِ فَإِن فِيهِ ذكر الله تَعَالَى فَلَعَلَّهُ يرحمني فَلَمَّا دفن رئي فِي الْمَنَام فَقَالَ اخبروا أُمِّي أَن الله قد غفر لي
وَقَالَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ ﵀ كَانَ فِي جواري شَاب مُسْرِف على نَفسه كثير الْخَطَايَا فَمَرض فَدخلت عَلَيْهِ أعوده فَإِذا هُوَ قد مَاتَ وَأوصى أَن يكْتب على قَبره شَيْء فرأيته فِي مَنَامِي فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي فَقلت بِمَاذَا قَالَ فَكرت فِي جُرْمِي وَفِي عَفوه فَرَأَيْت عَفوه أَكثر من جُرْمِي قَالَ ذُو النُّون فَلَمَّا أَصبَحت جِئْت إِلَى قَبره فَإِذا عَلَيْهِ مَكْتُوب
حسن ظَنِّي بك يَا ... رب جرأني عَلَيْك
فَارْحَمْ اللَّهُمَّ عبدا ... صَار رهنا فِي يَديك
ويروى عَن بعض الصَّالِحين قَالَ قَالَ مَالك بن دِينَار رَأَيْت مُسلم بن يسَار فِي
стр. 126
النّوم بعد مَوته بِسنة فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ السَّلَام فَقلت لَهُ لم لَا ترد عَليّ السَّلَام قَالَ وَكَيف أرد عَلَيْك وَأَنا ميت فَقلت لَهُ وماذا لقِيت بعد الْمَوْت قَالَ ودمعت عينا مَا لَك عِنْد هَذَا القَوْل لقِيت أهوالا وزلازل وعظائم وشدائد قَالَ مَالك فَقلت لَهُ فَمَا كَانَ بعد ذَلِك قَالَ وَمَا ترَاهُ يكون من الْكَرِيم إِلَّا الْكَرم قبل منا الْحَسَنَات وَغفر لنا السَّيِّئَات وَضمن عَنَّا التَّبعَات كَمَا كَانَ حسن ظَنِّي بِهِ
قَالَ ثمَّ شهق مَا لَك شهقته خر مغشيا عَلَيْهِ فَلبث فِي غَشيته أَيَّامًا مَرِيضا ثمَّ مَاتَ من مَرضه ذَلِك وَكَانَ يُقَال إِن قلبه انصدع
وَلَوْلَا حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى لهلك الْخلق
وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن زيد وَمَا كَانَ سَبَب موت مَالك بن دِينَار إِلَّا هَذِه الرُّؤْيَا سَأَلته عَنْهَا فَقَصَّهَا عَليّ فَجعل يشهق ويضطرب حَتَّى ظَنَنْت أَن كبده تقطعت فِي جَوْفه ثمَّ هدأ فحملناه إِلَى منزله فَلم يزل مَرِيضا مِنْهَا يُعَاد حَتَّى مَاتَ
وَقَالَ أَبُو عمر الضَّرِير حَدثنِي سُهَيْل أَخُو حَازِم قَالَ رَأَيْت مَالك بن دِينَار فِي النّوم بعد مَوته بِسنة فَقلت لَهُ يَا أَبَا يحيى مَاذَا فعل الله بك وماذا قدمت بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ قدمت عَلَيْهِ بذنوب كَثِيرَة فمحاها حسن ظَنِّي بِهِ ﵎
وَقَالَ عمار بن سيف رَأَيْت الْحسن بن صَالح فِي مَنَامِي بعد مَوته فَقلت لَهُ لقد كنت متمنيا للقائك فَمَاذَا عنْدك أخبرنَا فَقَالَ لم أر شَيْئا مثل حسن الظَّن بِهِ ﵎
وأنشدوا
أحسن الظَّن بِرَبّ لم يزل ... دَائِم الْإِحْسَان برا لم يمل
من غَدَتْ نعماؤه فِي ذَا الورى ... جملا ترفق فِي إِثْر جمل
وسع الْعَالم فضلا وجدا ... مُرْسل العزلاء سجا مُتَّصِل
وَإِذا لم تحسن الظَّن بِهِ ... فِيمَن تحسن إِن خطب نزل
وَإِذا لم ترجه من يرتجى ... وَإِذا لم تسألنه من ذَا تسل
стр. 127
فلتطلب نفسا عَلَيْهِ وَله ال ... مثل الْأَعْلَى والأسنى الْأَجَل
وَقَالُوا أَيْضا
احسن الظَّن مَا اسْتَطَعْت بِرَبِّك ... فالأماني جمعن فِي حسن ظَنك
وَإِذا مَا أصبت يَوْمًا بضر ... فإليه اللجا فِي كشف ضرك
وَإِذا مَا انتحاك أَمر عسير ... فَهُوَ المرتجى لتيسير أَمرك
وذنوب خبأتهن قَدِيما ... وحديثا كسرت عظم ظهرك
تب إِلَيْهِ والجأ مِنْهَا إِلَيْهِ ... فَهُوَ أدنى إِلَيْك من ذَات نَفسك
ودموع الحزين لَا تمسكنها ... ولتدعها مساربا تَحت نحرك
وَاقد حن فِي الضلوع نَار متاب ... فعساها تميت نيران روعك
وَإِذا مَا تعاظمتك ذنُوب ... فاعتقاد الْقُلُوب أعظم ذَنْبك
وَمرض أَعْرَابِي فَقيل لَهُ إِنَّك تَمُوت فَقَالَ فَإِذا مت أَيْن يذهب بِي قيل إِلَى الله تَعَالَى قَالَ مَا أكره أَن يذهب بِي إِلَى من لَا يرى الْخَيْر إِلَّا عِنْده
стр. 128
الْبَاب الثَّالِث فِي الْجَنَائِز وَفضل اتباعها
ذكر البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا وَكَانَ مَعَه حَتَّى يصلى عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقراطين كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل الدّفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط
وَذكر مُسلم عَن ثَوْبَان أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان القيراط مثل أحد
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن فِي الْجَنَائِز عِبْرَة للمعتبرين وفكرة للمتفكرين وتنبيها للغافلين وإيقاظا للنائمين بَيْنَمَا الْإِنْسَان فِي قيام وقعود ونزول وصعود وَخذ هَذَا ودع هَذَا وَابْن هَذَا واهدم هَذَا وَقد كَانَ وَمَا كَانَ وَأَيْنَ ذهب فلَان وَمن أَيْن جَاءَ فلَان إِذْ جَاءَهُ أَمر إلهي وحادث سماوي وَحكم رباني فسكن حركته وأطفأ شعلته وأذهب نضرته وَتَركه كالخشبة الملقاة وَالْحجر المرمي إِن صِيحَ بِهِ لم يسمع وَإِن دعِي لم يجب وَإِن قطع أَو أحرق لم يتَكَلَّم إِن رَبك على مَا يَشَاء قدير
وَلَكِن حب الدُّنْيَا وحجاب الْهوى الَّذِي غطى الْقُلُوب وأعشى البصائر يمْنَع الفكرة فِي الْجَنَائِز وَالِاعْتِبَار بهَا فَصَارَت لَا تزيد رؤيتها إِلَّا غَفلَة وَلَا مشاهدتها إِلَّا قسوة حَتَّى كَأَن الْمَيِّت إِنَّمَا هُوَ نَائِم يَسْتَيْقِظ بعد سَاعَة ويهب عَن
стр. 129
قريب أَو كَأَن الَّذِي يَرَاهَا لَا يكون مثلهَا وَلَا يدْخل مدخلها وَكَأن ذَلِك الْمَيِّت نزل بِهِ ملك الْمَوْت وَحده وإياه قصد خَاصَّة
نعم يعلم الْإِنْسَان منا أَن سيموت كَمَا مَاتَ هَذَا وتشيع جنَازَته كَمَا شيعت جَنَازَة هَذَا وَرُبمَا مَاتَ بِحَيْثُ لَا تشيع جنَازَته وَلَا توارى لَهُ جثة وَلَكِن لَا يظنّ ذَلِك عَن قريب وَلَا يحْسب أَنه مِنْهُ غير بعيد قد فسح لنَفسِهِ فِي الْمدَّة وَمد لَهَا فِي المهلة وَحكم أَنه لَا يَمُوت إِلَّا بعد سِنِين وَإِن قَالَ رُبمَا أَمُوت الْيَوْم أَو غَدا فَقَوْل ضَعِيف لَا يَتَحَرَّك مِنْهُ بِسَبَبِهِ سَاكن وَلَا يظْهر عَلَيْهِ مِنْهُ أثر نَازل لِأَنَّهُ عِنْد رُؤْيَة الْجِنَازَة كَمَا كَانَ قبل أَن يَرَاهَا وَرُبمَا يحدث بحَديثه الَّذِي كَانَ يتحدث وَالْمَيِّت يدْفن أَو هُوَ وَرَاءه يشيعه إِلَى قَبره وَإِن جَاءَهُ ضحك ضحك وَإِن حَضَره نَادِر من لَغْو الْكَلَام تكلم بِهِ وأودعه صَحِيفَته وَبعث بِهِ إِلَى ربه
وقلما يبكى على الْجِنَازَة إِلَّا أَهلهَا تألما لفراقها لَا لنَفس الْمَوْت كبكاء الصَّبِي وَالْمَرْأَة اللَّذين لَا يعقلان وَلَا يعلمَانِ وَلَو كَانُوا يعلمُونَ لَكَانَ بكاؤهم على أنفسهم لَا على ميتهم لِأَن ميتهم قد مَاتَ وهم ينتظرون الْمَوْت
وأنشدوا
أعاذل حَتَّى مَا تعذليني ... إِن لم تعينيني فاتركيني
لومي بِمَا شِئْت من ملام ... ووبخيني وفنديني
وَلَا تظني بِأَن حزني ... وسقم جسمي وَمَا تريني
أثار ذاكم إِن مَاتَ ميت ... قد كَانَ دنياي ذَا وَدين
تركته فِي الْقُبُور فَردا ... وحييت فِي دمعه الحزين
لَا وَالَّذِي جوده يُرْجَى ... كل أَوَان وكل حِين
مَا أَنا باك إِلَّا لنَفْسي ... لَا لقريب وَلَا خدين
ومصرع للمنون ضيق ... أتل فِيهِ على الجبين
أؤخذ فِيهِ من كل أفق ... أَخذ شَدِيد القوى متين
فَمن أَمَامِي وَمن ورائي ... وَعَن شمَالي وَعَن يَمِيني
وَفَوق رَأْسِي مَعًا وتحتي ... من حَيْثُ مَا رحت يلتقيني
стр. 130
وَلَا احتيال وَلَا افتداء ... لَا برفيع وَلَا بِدُونِ
فخلني عاذلي وشأني ... فَلَيْسَ شأني من ذِي الشئون
وَاعْلَم أَن الْجِنَازَة تمر بالإنسان وَلَا يدْرِي حَالهَا وَلَا يتَبَيَّن حَقِيقَة مصيرها وَإِنَّمَا يُرْجَى لَهَا بِحَسب مَا ظهر مِنْهَا من الطَّاعَات وَيخَاف عَلَيْهَا بِحَسب مَا بدا مِنْهَا من المخالفات وَإِن لَهَا كلَاما لَو سَمعه الْإِنْسَان لَا نصدع لَهُ حجاب قلبه وشغله عَن بنيه وَأَهله بل أذهله عَن النّظر فِي خَاصَّة نَفسه
ذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا وضعت الْجِنَازَة فاحتملها الرِّجَال على أَعْنَاقهم فَإِن كَانَت صَالِحَة قَالَت قدموني قدموني وَإِن كَانَت غير صَالِحَة قَالَت يَا ويلتي أَيْن تذهبون بِي يسمع صَوتهَا كل شَيْء إِلَّا الْإِنْسَان وَلَو سَمعهَا الْإِنْسَان لصعق
وهما ميتان فميت يستريح من تَعب هَذِه الدَّار ويفضي إِلَى رَاحَة دَار الْقَرار وميت يستريح مِنْهُ الْبِلَاد والعباد ويفضي إِلَى سوء الْمصير وَبئسَ المهاد
ذكر أَبُو قَتَادَة قَالَ مر على رَسُول الله ﷺ بِجنَازَة فَقَالَ مستريح أَو مستراح مِنْهُ فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا المستريح وَمَا المستراح مِنْهُ قَالَ العَبْد الْمُؤمن يستريح من نصب الدُّنْيَا وإيذائها إِلَى رَحْمَة الله وَالْعَبْد الْفَاجِر يستريح مِنْهُ الْعباد والبلاد وَالشَّجر وَالدَّوَاب
وَذكر هَذَا الحَدِيث مُسلم بن الْحجَّاج وَغَيره
وَرُبمَا يكون منا من يَهْتَز عِنْد رُؤْيَة الْجِنَازَة ويرتاع عِنْد مشاهدتها ثمَّ لَا يلبث أَن يعود إِلَى حَاله إِلَّا بِمِقْدَار مَا يكون بَين يَدَيْهِ أَو سَاعَة تمر عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء جَلَست إِلَى جرير وَهُوَ يملي على كَاتبه شعرًا فاطلعت جَنَازَة فَأمْسك وَقَالَ شيبتني وَالله هَذِه الْجَنَائِز وَأَنْشَأَ يَقُول
تروعنا الْجَنَائِز مقبلات ... ونلهو حِين تذْهب مدبرات
стр. 131
كروعة ثلة لمغار ذِئْب ... فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ راتعات
وَكَأن هَذَا البائس الغافل لم يسمع بِرَجُل قد شيع جَنَازَة ثمَّ مَاتَ المشيع بعد جُمُعَة وَرُبمَا كَانَ بعد يَوْم وَاحِد أَو أقل من يَوْم أَو كَأَنَّهُ لم يعلم أَن هَذَا الْمَيِّت كَانَ طَوِيل الأمل ممتد الرَّجَاء يطْمع فِي الْعَيْش ويحرص على الْبَقَاء حَتَّى هجم عَلَيْهِ ملك الْمَوْت فِي الْوَقْت الَّذِي لم يكن يظنّ بِهِ وَقَامَ مَعَه من الْمَكَان الَّذِي لم يكن يحسبه فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَقد كَانَ السّلف الصَّالح ﵃ بِخِلَاف هَذَا كَانُوا إِذا رَأَوْا الْجَنَائِز نظرُوا إِلَيْهَا نظر المعتبرين وَتَكَلَّمُوا عِنْدهَا بِكَلَام الموفقين وَكَانُوا يَقُولُونَ القَوْل ويعملون بِمُقْتَضَاهُ
وسأذكر لَك من كَلَامهم وأحكي لَك من أَقْوَالهم مَا أمكنني لَعَلَّه يُحَرك مِنْك سَاكِنا ويوقظ مِنْك نَائِما وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه سُبْحَانَهُ
ويروى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه كَانَ إِذا رأى جَنَازَة قَالَ امْضِ وَنحن على أثرك
وَكَانَ مَكْحُول الدِّمَشْقِي ﵀ إِذا رأى جَنَازَة قَالَ اغْدُ فَإنَّا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول وَالْآخر لَا عقل لَهُ
وَمَرَّتْ بالْحسنِ الْبَصْرِيّ ﵀ جَنَازَة فَقَالَ يَا لَهَا موعظة مَا أبلغهَا وأسرع نسيانها يَا لَهَا موعظة لَو وَافَقت من الْقُلُوب حَيَاة ثمَّ قَالَ يَا غَفلَة شَامِلَة للْقَوْم كَأَنَّهُمْ يرونها فِي النّوم ميت غَد يدْفن ميت الْيَوْم
وَقَالَ أسيد بن حضير مَا شهِدت جَنَازَة وَحدثت نَفسِي بِشَيْء سوى مَا يفعل بِالْمَيتِ وَمَا هُوَ صائر إِلَيْهِ
وَلما مَاتَ أَخُو مَالك بن دِينَار خرج مَالك فِي جنَازَته فَوقف على قَبره
стр. 132
وَبكى ثمَّ قَالَ وَالله يَا أخي لَا تقر عَيْني بعْدك حَتَّى أعلم إِلَى مَا صرت إِلَيْهِ وَلَا وَالله لَا أعلم ذَلِك مَا دمت حَيا
وَقَالَ الْأَعْمَش كُنَّا نشْهد الْجِنَازَة وَلَا نَدْرِي من المعزى فِيهَا لِكَثْرَة الباكين وَإِنَّمَا بكاؤهم على أنفسهم لَا على الْمَيِّت
وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ كُنَّا نشْهد الْجِنَازَة فَلَا نرى إِلَّا باكيا
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانُوا يشْهدُونَ الْجِنَازَة فَيرى فيهم ذَلِك أَيَّامًا كَأَن فيهم الفكرة فِي حَال الْمَوْت وَفِي حَال الْمَيِّت
وَقَالَ مطرف بن عبد الله بن الشخير عَن أَبِيه أَنه كَانَ يلقى الرجل فِي الْجِنَازَة من خَاصَّة إخوانه قد بعد عَهده بِهِ فَلَا يزِيدهُ على السَّلَام حَتَّى يظنّ الرجل أَن فِي صَدره عَلَيْهِ موجدة كل ذَلِك لانشغاله بالجنازة وتفكره فِيهَا وَفِي مصيرها حَتَّى إِذا فرغ من الْجِنَازَة لقِيه وَسَأَلَهُ ولاطفه وَكَانَ مِنْهُ أحسن مَا عهد
وَرَأى عبد الله بن مَسْعُود صَاحب رَسُول الله ﷺ رجلا يضْحك فِي جَنَازَة فَقَالَ أتضحك وَأَنت فِي جَنَازَة وَالله لَا أُكَلِّمك أبدا
وَفِي الْخَبَر أَن الله يكره لكم ثَلَاثًا الْعَبَث فِي الصَّلَاة والرفث فِي الصَّوْم والضحك عِنْد الْمَقَابِر
وَلما مَاتَ ذَر بن عمر بن ذَر وَوضع فِي قَبره قَالَ أَبوهُ عمر يَا ذَر لقد شغلنا الْحزن لَك عَن الْحزن عَلَيْك فليت شعري مَاذَا قلت وماذا قيل لَك ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن هَذَا وَلَدي ذَر متعتني بِهِ مَا متعتني ووفيته أَجله ورزقه وَلم تنقصه حَقه اللَّهُمَّ وَقد كنت ألزمته طَاعَتك وطاعتي وَإِنِّي قد وهبت لَهُ مَا فرط فِيهِ من طَاعَتي فَهَب لَهُ مَا فرط فِيهِ من طَاعَتك اللَّهُمَّ وَمَا وَعَدتنِي عَلَيْهِ من الْأجر فِي مصيبتي فقد وهبت ذَلِك لَهُ فَهَب لي عَذَابه وَلَا تعذبه وَأَنت أَجود الأجودين وَأكْرم الأكرمين
стр. 133
قَالَ فأبكى النَّاس ثمَّ قَالَ عِنْد انْصِرَافه يَا ذَر مَا علينا بعْدك من خصَاصَة وَمَا بِنَا مَعَ الله إِلَى إِنْسَان من حَاجَة
ياذر مضينا وتركناك وَلَو أَقَمْنَا عنْدك مَا نفعناك
أَلا ترى إِلَى هَذَا لم يشْغلهُ الْحزن على وَلَده وَثَمَرَة كبده عَن الْحزن بِمَا قَالَ وَبِمَا قيل لَهُ لأَنهم إِنَّمَا كَانُوا يقدمُونَ الأهم فالأهم ويبدأون بالأعظم فالأعظم
يرْوى عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حجت امْرَأَة من الْعَرَب وَمَعَهَا ابْن لَهَا فأصيبت بِهِ فَلَمَّا دفن قَامَت على قَبره وَهِي موجعة فَقَالَت يَا بني وَالله لقد غذوتك رضيعا وفقدتك سَرِيعا وَكَأن لم يكن بَين الْحَالَتَيْنِ مُدَّة ألتذ فِيهَا بعيشك وأتمتع فِيهَا بِالنّظرِ إِلَى وَجهك وَبقيت مُدَّة أتذكرك فِيهَا وأذوب فِيهَا بالحزن عَلَيْك
ثمَّ قَالَت اللَّهُمَّ مِنْك الْعدْل وَمن خلقك الْجُود اللَّهُمَّ وهبتني قُرَّة عَيْني فَلم تمتعني بِهِ كثيرا بل سلبتنيه وشيكا ثمَّ أَمرتنِي بِالصبرِ عَلَيْهِ ووعدتني الْأجر فصدقت وَعدك ورضيت قضاءك اللَّهُمَّ ارْحَمْ غربته واستر عَوْرَته يَوْم تنكشف العورات وَتظهر السوآت فرحم الله من ترحم على من استودعته الرَّدْم ووسدته الثرى
فَلَمَّا أَرَادَت الْخُرُوج إِلَى أَهلهَا وقفت على قَبره وَقَالَت أَي بني قد تزودت لسفري من الدُّنْيَا فليت شعري مَا زادك لسفرك وَيَوْم معادك اللَّهُمَّ أَسأَلك الرضى لَهُ برضاي عَنهُ ثمَّ قَالَت استودعك من استودعنيك جَنِينا فِي الأحشاء وأذاقني عَلَيْهِ غُصَّة الثكلى واثكل الولدات مَا أقل أنسهن وَأَشد وحشتهن وصلت عِنْد قَبره رَكْعَتَيْنِ وانصرفت
ولعلك يَا هَذَا مِمَّن يلبس النعش الثِّيَاب الملونة وَيجْعَل عَلَيْهِ الأردية المصبغة ويحليه الْحِلْية المبيضة ويخرجه كالفتاة المحلاة والعروس المجلاة وَلَا يتفكر فِي ميته هَل كسي أَثوَاب الْحَرِير أَو قطران السعير وَإنَّهُ لموْضِع الفكرة وإرسال الْعبْرَة وإطالة العويل وَالْحَسْرَة
стр. 134
وأنشدوا
وألبسوا النعش أثوابا ملونة ... مثل الْعَرُوس تُقَام عِنْد جلوتها
مثل الْعَرُوس تنص فِي منصتها ... لتستميل قلوبا بزينتها
وَفِيه ميت أَزَال الله نضرته ... كالأرض قد زَالَ عَنْهَا ثوب نضرتها
وشيعوه جماعات تَطوف بِهِ ... تعشى الْعُيُون بمرآها وَكَثْرَتهَا
من بَين باك يكف فيض دمعته ... وَبَين صارخة تعدِي بصرختها
حَتَّى أَتَوا حفرا إزاء بلدتهم ... فغادروه بهَا رهين وحشتها
وَمَا دروا هَل تَلَقَّتْهُ بنفحتها ... دَار المقامة أَو لظى بلفحتها
ثمَّ انثنوا نَحْو أَمْوَال قد أحرزها ... للنائبات فحازوا بجملتها
وذاكم البائس الْمَغْرُور مَا دفعت ... عَنهُ الْقَضَاء وَلَا استشفى بلذتها
لَكِن تحمل مِنْهَا كل فادحة ... من الْكَبَائِر لَا يقوى لعدتها
وَمن ترفعه الدُّنْيَا وتسعفه ... فَهُوَ المحير مغمور بحسرتها
فَمَا بكته السَّمَاء وَالْأَرْض حِين مضى ... وَلَا الرياض نضت أَثوَاب زهرتها
стр. 135
الْبَاب الرَّابِع فِي الثَّنَاء الْحسن على الْمَيِّت وَالثنَاء السوء
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ نَبِي الله ﷺ وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شرا فَقَالَ وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَجَبت فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ فدَاك أبي وَأمي مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خيرا فَقلت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شرا فَقلت وَجَبت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض
وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ فَقيل يَا رَسُول الله قلت لهَذَا وَجَبت وَلِهَذَا وَجَبت قَالَ شَهَادَة الْقَوْم الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاء الله فِي الأَرْض
وَعَن عمر بن الْخطاب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من شهد لَهُ أَرْبَعَة بِخَير أدخلهُ الله الْجنَّة قُلْنَا وَثَلَاثَة قَالَ وَثَلَاثَة قُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد وَهَذَا الحَدِيث مَخْصُوص وَالله أعلم
وَالَّذِي قبله يُعْطي الْعُمُوم وَإِن من كثرت شُهُوده وَانْطَلَقت أَلْسِنَة الْمُسلمين فِيهِ بِالْخَيرِ وَالثنَاء الصَّالح كَانَت لَهُ الْجنَّة وَالله أعلم وَغير مستكثر إِذا أحب الله عبدا أَن يلقِي على أَلْسِنَة الْمُسلمين الثَّنَاء عَلَيْهِ وَفِي قُلُوبهم الْمحبَّة لَهُ قَالَ الله ﵎ ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا﴾ وَقَالَ ﵇ إِذا أحب الله عبدا دَعَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 136
فَقَالَ إِن الله يحب فلَانا فَأَحبُّوهُ قَالَ فَيُحِبهُ أهل السَّمَاء ثمَّ يوضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض وَذكر فِي البغض مثل ذَلِك وَهَذَا حَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم بن الْحجَّاج وَغَيره
وَقد شهد رجال من الْمُسلمين عُلَمَاء وصالحون كثر الثَّنَاء عَلَيْهِم وصرفت الْقُلُوب إِلَيْهِم فِي حياتهم وَبعد مماتهم وَمِنْهُم من كثر المشيعون والحاملون لجنازته والمشتغلون بِهِ وَرُبمَا كثر الله الْخلق بِمَا شَاءَ من الْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيرهم مِمَّا يَشَاء يكونُونَ فِي صور النَّاس
ذكر قَاسم بن أصبغ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد الرِّفَاعِي قَالَ مَاتَ عَمْرو بن قيس الملاي بِنَاحِيَة فَارس فَاجْتمع بجنازته مَالا يُحْصى عَددهمْ من الْخلق فَلَمَّا دفن نظرُوا فَلم يرَوا أحدا قَالَ الرِّفَاعِي سَمِعت هَذَا مِمَّن لَا أحصي كَثْرَة
وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يتبرك بِالنّظرِ إِلَى عَمْرو بن قيس هَذَا
وَلما مَاتَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ صلى عَلَيْهِ من الْمُسلمين مَا لَا يُحْصى فَأمر المتَوَكل أَن يمسح مَوضِع الصَّلَاة عَلَيْهِ من الأَرْض فوجدوا موقف ألفي ألف وثلاثمائة ألف أَو نَحْوهَا
وَلما انْتَشَر خبر مَوته أقبل النَّاس من الْبِلَاد يصلونَ على قَبره فصلى عَلَيْهِ مَالا يُحْصى
وَلما مَاتَ الْأَوْزَاعِيّ ﵁ اجْتمع للصَّلَاة عَلَيْهِ خلق لَا يُحْصى ويروى أَنه أسلم ذَلِك الْيَوْم من أهل الذِّمَّة الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحْو ثَلَاثِينَ ألفا لما رَأَوْا من كَثْرَة الْخَلَائق على الْجِنَازَة وَلما رَأَوْا من الْعجب ذَلِك الْيَوْم
وَلما مَاتَ سهل بن عبد الله التسترِي ﵀ انكب النَّاس على جنَازَته وحضرها من الْخلق مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله وَكَانَ فِي الْبَلَد ضجة فَسمع بهَا يَهُودِيّ شيخ كَبِير فَخرج فَلَمَّا رأى الْجِنَازَة صَاح وَقَالَ هَل ترَوْنَ مَا أرى قَالُوا وَمَا ترى قَالَ أرى قوما ينزلون من السَّمَاء يتمسحون بالجنازة ثمَّ أسلم وَحسن إِسْلَامه
стр. 137
وَيُقَال إِن الْكَعْبَة لم تخل من طائف يطوف إِلَّا يَوْم مَاتَ الْمُغيرَة بن حَكِيم فَإِنَّهَا خلت لانحشار النَّاس بجنازته تبركا بهَا ورغبة فِي الصَّلَاة عَلَيْهَا
وَقد شوهد من جنائز الصَّالِحين من تشيعها الطير وتسير مَعهَا حَيْثُ سَارَتْ حدث بذلك الثِّقَات
وَذكر أَبُو الْحسن بن جَهْضَم قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر أَبُو الْحسن سَاكن دمشق قَالَ سَمِعت أَبَا بكر الْمصْرِيّ يَقُول لما مَاتَ أَبُو الْفَيْض ذُو النُّون الْمصْرِيّ بالجيزة حمل فِي قَارب مَخَافَة أَن تتقطع الجسور من كَثْرَة من شيع جنَازَته من النَّاس وَكنت قَائِما مَعَ النَّاس على كوم أنظر فَلَمَّا أخرج من القارب وَوضع على الْجِنَازَة يَعْنِي النعش وَحمله الرِّجَال على أَعْنَاقهم رَأَيْت طيورا خضرًا قد اكتنفت الْجِنَازَة ترفرف عَلَيْهَا حَتَّى عطف بِهِ إِلَى حمام المغار وَغَابَ عني قَالَ أَبُو بكر فَحدثت بِهِ خَالِي الْحسن بن يحيى فَقَالَ قد رَأَيْت مثل هَذِه الطُّيُور على جَنَازَة أبي إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ وَذكر مرثاة رثى بهَا فَقَالَ مِنْهَا
وَرَأَيْت أعجب مَا رَأَيْت وَلم أكن ... من قبل ذَاك رَأَيْته لمشيع
طيرا ترفرف نعشه وتحفه ... حَتَّى توارى فِي حجاب المضجع
قد احْتَجِبْنَ عَن الْعُيُون وَلم أحط ... علما بكنه مسيره فِي الْمرجع
وأظنها رسل الاله تنزلت ... وَالله أعلم فَوق ذَاك الشرجع
وَيجب أَلا يحتقر أحد من الْمُسلمين وَإِن كَانَ ظَاهر الفسوق فَلَعَلَّ لَهُ بطانة من خير وخبيئة من عمل صَالح وَلِأَنَّهُ أَيْضا قد صَار إِلَى أرْحم الرَّاحِمِينَ
وَحكى أَن رجلا من المنهمكين فِي الْفساد مَاتَ فِي نواحي الْبَصْرَة فَلم تَجِد امْرَأَته من يعينها على حمل جنَازَته إِذْ لم يدر بهَا أحد من جِيرَانه لِكَثْرَة فسقه وتحامي النَّاس لَهُ فاستأجرت امْرَأَته حمالين يحملونه إِلَى الْمصلى فَمَا صلى عَلَيْهِ أحد فَحَمَلُوهُ إِلَى الصَّحرَاء ليدفنوه بهَا وَكَانَ بِالْقربِ من الْموضع جبل فِيهِ رجل من
стр. 138
الزهاد الْكِبَار فَنزل ذَلِك الزَّاهِد للصَّلَاة عَلَيْهِ فانتشر الْخَبَر فِي الْبَلَد وَقَالُوا نزل فلَان ليُصَلِّي على فلَان فَخرج النَّاس فصلوا عَلَيْهِ مَعَ الزَّاهِد وَجعلُوا يتعجبون من صلَاته عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم إِنِّي قيل لي فِي الْمَنَام انْزِلْ إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ ترى فِيهِ جَنَازَة رجل لَيْسَ مَعهَا أحد إِلَّا امْرَأَته فصل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مغْفُور لَهُ فَزَاد تعجب النَّاس فاستدعى الزَّاهِد زَوجته فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك وَكَيف كَانَت سيرته فَقَالَت كَانَ كَمَا سَمِعت كَانَ طول النَّهَار فِي الماخور مشتغلا بِشرب الْخمر فَقَالَ انظري هَل تعرفين لَهُ شَيْئا من أَفعَال الْخَيْر
قَالَت لَا وَالله إِلَّا أَنه كَانَ يفِيق فِي كل يَوْم من سكره عِنْد صَلَاة الصُّبْح فيبدل ثِيَابه وَيتَوَضَّأ وَيُصلي الصُّبْح ثمَّ يعود إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فيشتغل بشربه ولهوه وَكَانَ لَا يَخْلُو بَيته من يَتِيم أَو يتيمين يفضله على وَلَده وَكَانَ يفِيق فِي أثْنَاء سكره فيبكي وَيَقُول إلهي أَي زَاوِيَة من زَوَايَا جَهَنَّم تُرِيدُ أَن تملأها بِهَذَا الْخَبيث يَعْنِي نَفسه
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْمَيِّت مَنْبُوذًا أَو مطروحا لَا يعرف أَو لَا يحضرهُ أحد فَلَا تحتقره وَلَا تنظر إِلَى الظَّاهِر من حَاله
يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رب أَشْعَث مَدْفُوع بالأبواب لَو أقسم على الله لَأَبَره ذكره مُسلم بن الْحجَّاج
وَمن غير كتاب مُسلم رب أَشْعَث أغبر ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله لَأَبَره
ويروى عَن عمر بن عُثْمَان بن شُعْبَة قَالَ رَأَيْت فِي بعض اللَّيَالِي فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول لي إِذا كَانَ غَدا فأت مصلى خولان فصل على ولي لنا قَالَ فَخرجت قبل طُلُوع الْفجْر خوف أَن يفوتني ثمَّ قعدت إِلَى قريب من غرُوب الشَّمْس فَلم يُؤْت بميت إِلَى ذَلِك الْمصلى قَالَ فَانْصَرَفت فَبَيْنَمَا أَنا بَين الآكام إِذا أَنا بميت على رَأس حمال على فَرد بَاب وَعَلِيهِ عباءة فَقَالَ لي الْحمال يَا هَذَا إِن هَذَا الْمَيِّت رجل غَرِيب فَهَل لَك أَن تصلي عَلَيْهِ فَقلت فِي نَفسِي
стр. 139
أَنا قَاعد لَهُ مُنْذُ الْيَوْم قَالَ فَصليت عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لي الْحمال ادخل معي حَتَّى نواريه فَنزلت فِي قَبره فصوبه عَليّ فأضجعته وحللت الْعقْدَة من عِنْد رَأسه فَالْتَفت الْمَيِّت إِلَيّ وَقَالَ سَوف أشكرك عِنْد الله غَدا يَا عمر ثمَّ عَاد كَمَا كَانَ
ويروى عَن أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي قَالَ قدم علينا فَقير فَمَاتَ فدفناه فَكشفت عَن خَدّه فَجَعَلته على التُّرَاب ليرحم الله غربته فَفتح عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا عَليّ أتذللني بَين يَدي من يدللني فَقلت يَا سَيِّدي أحياة بعد الْمَوْت فَقَالَ بلَى أَنا محب لله وكل محب لله فَهُوَ حَيّ يَا روذباري لأنصرنك غَدا لجاهي عِنْده
وَقَالَ أَبُو سعيد الخراز كنت بِمَكَّة فجزت على بَاب بني شَيْبه فَرَأَيْت بِهِ شَابًّا حسن الْوَجْه مَيتا فَنَظَرت فِي وَجهه فَتَبَسَّمَ فِي وَجْهي وَقَالَ يَا ابا سعيد أما علمت أَن الأحباء أَحيَاء وَإِن مَاتُوا فَإِنَّمَا ينقلون من دَار إِلَى دَار
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الْمَيِّت وَإِن كَانَ لَا يتَكَلَّم فقد يسمع الله تَعَالَى كلَاما مِنْهُ ويريه على صُورَة حَيَاة بِشَارَة لَهُ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَدَفنه إِيَّاه واشتغاله بِهِ
وَقد حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن يحيى الْقرشِي قَالَ لما مَاتَ أبي غسله المقريء أَبُو الْحسن بن عَطِيَّة فَقَالَ لي أَبُو الْحسن لما كشفت الثَّوْب عَن وَجهه لأغسله ضحك فِي وَجْهي لَا أَشك فِي ذَلِك وَلَا أرتاب
وَإِذا جَازَ الْخَبَر الأول جَازَ هَذَا أَيْضا فَأَبُو الْقَاسِم وَأَبُو الْحسن صادقان عَدْلَانِ من أهل الْمعرفَة والذكاء
وَذكر الْوَلِيد بن عُثْمَان وَكَانَ من الصَّالِحين قَالَ قدم علينا فِي إشبيليه رجل أسود فَأَقَامَ فِي الْمَسْجِد الَّذِي كنت فِيهِ ثمَّ انْتقل عَنهُ لعِلَّة أَصَابَته فَأَقَامَ فِي فرن يرقد فِيهِ على الْحَطب وَيتَصَدَّق عَلَيْهِ ثمَّ إِنَّه مَاتَ فنقلته إِلَى دَاري لأغسله فَكشفت عَنهُ الثَّوْب لأغسله فَبَيْنَمَا أَنا أغسله إِذْ رَأَيْت وَجهه قد ابيض بَيَاضًا شَدِيدا وَصَارَ مثل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر حسنا وَعم الْبيَاض وَجهه وعنقه خَاصَّة دون سَائِر جسده فراعني مَا رَأَيْت وأرعدت وأصابني دهش عَظِيم فَرددت الرِّدَاء على وَجهه وَخرجت فأنذرت جمَاعَة من أَصْحَابِي وَجئْت بهم معي وأعلمتهم قصَّته فَلَمَّا كشفوا الرِّدَاء عَن وَجهه راعهم حسنه وجماله وابيضاضه
стр. 140
وَسَائِر جسده أسود كَمَا كَانَ وتسامع النَّاس بِهِ فَمَا كدنا نبلغ قَبره إِلَى اللَّيْل من كَثْرَة الزحام على نعشه وَكَثْرَة من حضر جنَازَته ﵀
ذكر هَذِه الْقِصَّة ابْن مغيث فِي كتاب التَّهَجُّد وَذكرهَا غَيره أَيْضا
وَذكر عمر بن ذَر أَنه مَاتَ رجل من جِيرَانه وَكَانَ مُسْرِفًا على نَفسه فتحامى كثير من النَّاس جنَازَته فَلم يحضرها وحضرها عمر فَلَمَّا دفن وقف على قَبره فَقَالَ يَرْحَمك الله فَلَقَد عِشْت عمرك بِالتَّوْحِيدِ وعفرت وَجهك بِالسُّجُود وَإِن قَالُوا مذنب وَذُو خَطَايَا فَمن منا غير مذنب وَذي خَطَايَا
стр. 141
الْبَاب الْخَامِس مَا يُقَال عِنْد حُضُور الْمَيِّت وَمَا جَاءَ فِي الْبكاء عَلَيْهِ
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حضرتم الْمَرِيض أَو الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ
قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سَلمَة قد مَاتَ قَالَ قولي اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَله واعقبني مِنْهُ عُقبى حَسَنَة قَالَت فَفعلت فأعقبني الله من هُوَ خير لي مِنْهُ مُحَمَّدًا ﷺ
وعنها قَالَت دخل رَسُول الله ﷺ على أبي سَلمَة وَقد شقّ بَصَره فأغمضه ثمَّ قَالَ لي إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر فَضَجَّ نَاس من أَهله فَقَالَ لَا تدعوا على أَنفسكُم إِلَّا بِخَير فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وارفع دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي عقبه فِي الغابرين واغفر لنا وَله يَا رب الْعَالمين وافسح لَهُ فِي قَبره وَنور لَهُ فِيهِ
وَأَبُو سَلمَة هَذَا كَانَ زوج أم سَلمَة
وَعَن أم سَلمَة قَالَت لما مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت غَرِيب وَفِي أَرض غربَة لأبكينه بكاء يتحدث بِهِ عَنهُ فَكنت قد تهيأت للبكاء عَلَيْهِ إِذْ أَقبلت امْرَأَة من
стр. 142
الصَّعِيد تُرِيدُ أَن تسعدني فَاسْتَقْبلهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن يدْخل الشَّيْطَان بَيْتا أخرجه الله مِنْهُ مرَّتَيْنِ قَالَ فكففت عَن الْبكاء فَلم أبك
وَعَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ قَالَ لما طعن عمر أُغمي عَلَيْهِ فصيح عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أما علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ
وَعَن عمر أَيْضا فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ
وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمعول عَلَيْهِ يعذب
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما مَاتَ عمر ذكرت ذَلِك لعَائِشَة يَعْنِي قَول عمر عَن رَسُول الله فِي الْبكاء على الْمَيِّت فَقَالَت يرحم الله عمر وَالله مَا حدث رَسُول الله ﷺ قطّ أَن الْمَيِّت يعب ببكاء أحد وَلكنه قَالَ إِن الله يزِيد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَقَالَت عَائِشَة حَسبك الْقُرْآن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى قَالَ وَقَالَ ابْن عَبَّاس عِنْد ذَلِك وَالله أضْحك وأبكي
وَعَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ ذكر لعَائِشَة أَن ابْن عمر يرفع إِلَى النَّبِي ﷺ إِن الْمَيِّت يعذب فِي قَبره ببكاء أَهله
فَقَالَت إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله إِنَّه ليعذب بخطيئته أَو بِذَنبِهِ وَإِن أَهله ليبكون عَلَيْهِ الْآن
وَعَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَنَّهَا سَمِعت عَائِشَة ﵂ وَقد ذكر لَهَا أَن عبد الله بن عمر يَقُول إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ فَقَالَت عَائِشَة يغْفر الله لأبي عبد الرَّحْمَن أما أَنه لم يكذب وَلكنه نسي أَو أَخطَأ إِنَّمَا مر رَسُول الله ﷺ بيهوديه يبكى عَلَيْهَا فَقَالَ إِنَّهُم ليبكون عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لتعذب فِي قبرها
стр. 143
قد صَحَّ حَدِيث عمر وَابْن عمر ﵄ فِي تَعْذِيب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ من حَدِيثهمَا وَصَحَّ أَيْضا من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة
وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من نيح عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَعَائِشَة ﵂ إِنَّمَا حدثت بِمَا سَمِعت وَأنْكرت مَا لم تسمع وَقَالَ بعض الْعلمَاء أَو أَكْثَرهم إِنَّمَا يعذب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ عَلَيْهِ إِذا كَانَ الْبكاء من سنة الْمَيِّت واختياره أَو يكون قد وَصِيّ بِهِ
وَقد روى مَا يدل على أَن الْمَيِّت يُصِيبهُ عَذَاب مَا ببكاء الْحَيّ وَإِن لم يكن من سنته وَلَا من اخْتِيَاره وَلَا مِمَّا أوصى بِهِ
ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة من حَدِيث قيلة بنت مخرمَة وَذكرت عِنْد رَسُول الله ﷺ ولدا لَهَا مَاتَ ثمَّ بَكت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أيغلب أحدكُم أَن يصاحب صويحبه فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا فَإِذا حَال بَينه وَبَينه من هُوَ أولى بِهِ مِنْهُ اسْترْجع ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أثبني فِيمَا أمضيت وأعني على مَا أبقيت فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن أحدكُم ليبكي فيستعبر إِلَيْهِ صويحبه فيا عباد الله لَا تعذبوا إخْوَانكُمْ وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ
ومساق هَذَا الحَدِيث يدل على أَن بكاء هَذِه لم يكن من اخْتِيَار ابْنهَا لِأَن ابْنهَا صَاحب من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَلَا كَانَ هَذَا الْبكاء الْمَعْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة الَّذِي كَانَ من اخْتِيَار الْمَيِّت وَمِمَّا يُوصي بِهِ
ذكر البُخَارِيّ من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تبْكي وَتقول واجبلاه واكذا واكذا تعدد عَلَيْهِ فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَأَنْت كَذَلِك فَلَمَّا مَاتَ لم تبك عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضا لم يكن من سنة عبد الله بن رَوَاحَة وَلَا من اخْتِيَاره وَلَا مِمَّا أوصى بِهِ لِأَن منصبه فِي الدّين أجل وَأَرْفَع من أَن كَانَ يَأْمر بِهَذَا أَو يُوصي بِهِ
стр. 144
وَفِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَيِّت يعذب ببكاء الْحَيّ عَلَيْهِ إِذا قَالَت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه جذب الْمَيِّت وَقيل لَهُ أَأَنْت عضدها أَأَنْت ناصرها أَأَنْت كاسبها ذكره أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي الاستذكار
وَأَيْضًا فَإِن الْبكاء عِنْد الْعَرَب يكون الْبكاء الْمَعْرُوف وَتَكون النِّيَاحَة وَقد يكون مَعهَا الصياح وَضرب الخدود وشق الْجُيُوب وَلَا أعلم خلافًا أَن ذَلِك حرَام وَقد ورد الْوَعيد على هَذَا كُله
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج ﵀ من حَدِيث أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ وجع أَبُو مُوسَى وجعا فَغشيَ عَلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة من أَهله فصاحت امْرَأَة من أَهله فَلم يسْتَطع أَن يرد عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا بَرِيء مِمَّن بَرِيء مِنْهُ رَسُول الله ﷺ فَإِن رَسُول الله بَرِيء من الصالقة والحالقة والشاقة
وَفِي لفظ آخر عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَأبي بردة قَالَا أُغمي على أبي مُوسَى فَأَقْبَلت امْرَأَته أم عبد الله تصيح برنة ثمَّ أَفَاق فَقَالَ ألم تعلمي وَكَانَ يحدثها أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ انابريء مِمَّن حلق وصلق وخرق
الصالقة هِيَ الَّتِي ترفع صَوتهَا بالعويل عِنْد الْمُصِيبَة والحالقة الَّتِي تحلق شعرهَا عِنْد الْمُصِيبَة والشاقة الَّتِي تشق ثوبها كل ذَلِك عِنْد الْمُصِيبَة
ذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ منا من ضرب الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة
وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر
стр. 145
الطعْن فِي النّسَب والنياحة على الْمَيِّت
وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَربع فِي أمتِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة لَا يتركوهن الْفَخر فِي الاحساب والطعن فِي الْأَنْسَاب وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم والنياحة على الْمَيِّت
وَقَالَ النائحة على الْمَيِّت إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب
وَأما الْبكاء من غير نياحة فقد ورد فِيهِ الْإِبَاحَة وَهُوَ بكاء الرَّحْمَة والرأفة الَّتِي لَا يكَاد يَخْلُو مِنْهَا الْبشر وَلَا يُوجد قلب إِلَّا وَبِه مِنْهَا أثر
وَقد قَالَ عمر ﵁ دَعْهُنَّ يبْكين على أبي سُلَيْمَان مَا لم يكن نقع أَو لقلقه وَالنَّقْع ارْتِفَاع الصَّوْت وَاللَّقْلَقَة تتَابع ذَلِك
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بَعضهم يُرِيد عمر بالنقع وضع التُّرَاب على الرَّأْس قَالَ أَبُو عبيد وَلَيْسَ النَّقْع عِنْدِي فِي هَذَا الحَدِيث إِلَّا الصَّوْت الشَّديد وَاللَّقْلَقَة رفع الصَّوْت
وَأما حَدِيث النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب فِي إِبَاحَة الْبكاء من غير نياحة وَلَا صياح فَصَحِيح مَشْهُور
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَأرْسلت إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاته تَدعُوهُ وَتُخْبِرهُ أَن صَبيا أَو ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت فَقَالَ للرسول ارْجع إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا أَن لله مَا أَخذ وَله مَا أعْطى وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار بِأَجل الْمُسَمّى فَمُرْهَا فَلتَصْبِر ولتحتسب فَعَاد الرَّسُول فَقَالَ إِنَّهَا قد أَقْسَمت لَتَأْتِيَنَّهَا قَالَ فَقَامَ الرَّسُول ﷺ وَقَامَ مَعَه سعد بن عبَادَة ومعاذ بن جبل وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَرِجَال وَانْطَلَقت مَعَهم فَرفع إِلَيْهِ الصَّبِي وَنَفسه تقَعْقع كَأَنَّهَا شن فَفَاضَتْ عَيناهُ فَقَالَ لَهُ سعد بن عبَادَة مَا هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَذِه رَحْمَة جعلهَا الله فِي قُلُوب الْعباد وَإِنَّمَا يرحم الله من
следующие страницы →