Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قَالَ الله ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾
وَقَالَ سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ يَا رَسُول الله حَدثنِي بِأَمْر أَعْتَصِم بِهِ قَالَ (قل آمَنت بِاللَّه ثمَّ اسْتَقِم)
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أستقاموا لله بِطَاعَتِهِ وَلم يروغوا روغان الثعالب
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي استقاموا أَخْلصُوا لله الدّين والدعوة وَالْعَمَل
وأصل الاسْتقَامَة فِي ثَلَاثَة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَلُزُوم الْجَمَاعَة
стр. 72
وَاعْلَم أَن أنجى طَرِيق للْعَبد الْعَمَل الْعلم والتحرز بالخوف والغنى بِاللَّه
فاشتغل بإصلاح حالك وافتقر إِلَى رَبك وتنزه عَن الشُّبُهَات وأقلل حوائجك إِلَى النَّاس وَأحب واحب لَهُم مَا تحب لنَفسك واكره لَهُم مثل ذَلِك وَلَا تكشفن سترا
وَلَا تحذثن نَفسك بخطيئة وَلَا تصرن على صَغِيرَة وافزع إِلَى الله عِنْد كل فاقة وافتقر إِلَيْهِ فِي كل حَال
стр. 73
وتوكل عَلَيْهِ فِي كل أَمر
وَاعْتَزل الْهوى وَلَا تقنع من نَفسك بالتربص وأخمل ذكرك وأدم لله شكرك وَأكْثر من الاسْتِغْفَار وَاعْتبر بالإفكار
وَعَلَيْك بالتأني عِنْد موارد العجلة وَحسن الْأَدَب فِي المخالطة
وَلَا تغْضب لنَفسك على النَّاس واغضب لله على نَفسك وَلَا تكافئن أحدا بإساءة وَاحْذَرْ المدحة
стр. 74
للجاهل بِنَفسِهِ وَلَا تقبلهَا لنَفسك من أحد
وأقلل الضحك وجانب المزاح
واكتم الأوجاع وَأظْهر التعفف واستبطن الثِّقَة واستشعر الْيَأْس وَحسن الْفقر واصبر على مَا اصابك وَارْضَ بِمَا قسم الله لَك وَكن من وعد الله على يَقِين وَمن آثارك فِي وَجل
وَلَا تتكلفن مَا قد كفيته وَلَا تضيعن مَا وكلت بِطَلَبِهِ وافتقر إِلَى الله فِي كل عطائه وارغب فِي النجَاة مِنْهُ
واعف عَمَّن ظلمك وَأعْطِ من حَرمك وصل فِي الله من قَطعك وآثر فِي الله من أحبك وابذل نَفسك وَمَالك لأخوانك وارع حُقُوق الْمولى فِي دينك وَلَا يعظمك
стр. 75
كَبِير من الْمَعْرُوف تَفْعَلهُ وَلَا تحقرن صَغِيرا من الْمُنكر تَفْعَلهُ
وَاحْذَرْ التزين بِالْعلمِ كَمَا تحذر الْعجب بِالْعَمَلِ وَلَا تعتقدن بَاطِنا من الْأَدَب ينْقضه عَلَيْك ظَاهر من الْعلم وأطع الله فِي مَعْصِيّة النَّاس وَلَا تُطِع النَّاس فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَلَا تدخرن من جهدك عَن الله شَيْئا وَلَا ترض من نَفسك لله عملا وقم بَين يَدَيْهِ فِي صَلَاتك جملَة
стр. 76
وأد زَكَاة مَا افْترض الله عَلَيْك بالنشاط وَالرَّغْبَة واحفظ صومك من الْكَذِب والغيبة
وارع حق الْجَار والمسكين والقريب وأدب أهلك وارفق بِمَا ملكت يَمِينك وَكن قواما بالنشاط كَمَا أَمرك وَإِذا حركت لخير فتعجله وَمَا اشْتبهَ عَلَيْك فَدَعْهُ
стр. 77
والزم الرَّحْمَة للْمُؤْمِنين وَقل الْحق حَيْثُمَا كنت
وَلَا تكْثر الْأَيْمَان وَإِن كنت صَادِقا وَاحْذَرْ التَّوَسُّع فِي الْمنطق وَإِن كنت بليغا وَإِيَّاك والتكلف فِي الدّين وَإِن كنت عَالما
وَقدم الْعلم قبل كل مقَال
стр. 78
والزم الإشفاق بعد الِاجْتِهَاد وَدَار النَّاس مَا سلم لَك الدّين وَاحْذَرْ المداهنة أصلا
стр. 79
وخالق النَّاس بِخلق حسن
وَلَا تستحين أَن تَقول فِيمَا لَا تعلم الله أعلم
وَلَا تنشر حَدِيثك عِنْد من لَا يُريدهُ وَلَا تبذل دينك عِنْد من يبغضه إِلَيْك
وَلَا تتعرض من الْبلَاء مَا لَا طَاقَة لَك بِهِ وَأكْرم نَفسك عَمَّن يهينها ونزه همتك عَن دناءة الْأَخْلَاق وَلَا تواخ إِلَّا أَمينا وَلَا تبد أسرارك لكل النَّاس وَلَا تجَاوز بِالْمَرْءِ حَاله وَلَا تخاطبه من الْعلم بِمَا لَا يحْتَملهُ عقله وَلَا تدخل فِي أَمر لم تدع إِلَيْهِ
وَوقر مجَالِس الْعلمَاء واعرف قدر الْحُكَمَاء
стр. 80
وَلَا تدع الْمُكَافَأَة والصنائع وَأعْرض عَن الْجُهَّال واحلم عَن السُّفَهَاء وشاور فِي أَمرك الَّذين يَخْشونَ الله
وانصر أَخَاك مَظْلُوما ورده إِلَى الْحق إِن كَانَ ظَالِما وابذل لَهُ حَقه مِنْك وَلَا تطالبه فِي حَقك مِنْهُ وَيسر
стр. 81
على الْغَرِيم وارفق بالأرملة واليتيم وَأكْرم الصابرين من الْفُقَرَاء وَارْحَمْ أهل الْبلَاء من الْأَغْنِيَاء وَلَا تحسدن أحدا على نعْمَة
وَلَا تذكر أحدا بغيبة وسد على نَفسك بَاب سوء الظَّن بخوف الْمَسْأَلَة وَافْتَحْ بَاب حسن الظَّن بسعة التَّأْوِيل وأغلق بَاب الطمع بالإياس واستفتح بَاب الْغنى بالقناعة ونزه ذكر الله عَن إِضَافَة المكاره
стр. 82
وَحصل الْأَوْقَات واعرف مَا يذهب بِهِ ليلك ونهارك
стр. 83
وجدد فِي كل وَقت تَوْبَة وَاجعَل عمرك ثَلَاث سَاعَات
سَاعَة للْعلم وَسَاعَة للْعَمَل وَسَاعَة لحقوق نَفسك وَمَا يلزمك
وَاعْتبر بِمن مضى وتفكر فِي منصرف الْفَرِيقَيْنِ بَين يَدي الله تَعَالَى فريق فِي الْجنَّة بِرِضَاهُ وفريق فِي السعير بسخطه واعرف قرب الله مِنْك وَأكْرم الْحفظَة الْكَاتِبين
стр. 84
وَتَنَاول نعم الله بالفهم وردهَا إِلَيْهِ بِحسن الثَّنَاء وَالشُّكْر
стр. 85
وَاحْذَرْ من اتهام النَّفس بِرُؤْيَة المقامات وتسفه الْحق بغمط النَّاس فَإِنَّهُ سم قَاتل وَاعْتَزل خوف السُّقُوط من أعين النَّاس لخوف مقتهم وَخَوف الْفقر بِقرب الْأَجَل
وأخف أثرك مَا اسْتَطَعْت
стр. 86
وابذل الْجهد عِنْد المشورة وَأحب فِي الله بعزم واقطع فِي الله بحزم
وَلَا تخالل إِلَّا تقيا عَالما وَلَا تخالط إِلَّا عَاقِلا بَصيرًا
وَكن مقتديا بِمن قبلك من الائمة ومعلما لمن بعْدك من الْأمة
إِمَامًا لِلْمُتقين كهفا للمسترشدين
وَلَا تظهرن إِلَى أحد شكوى وَلَا تَأْكُل بِدينِك الدُّنْيَا
стр. 87
وَخذ بحظك من الْعُزْلَة وَلَا تأخذن إِلَّا حَلَالا وجانب الْإِسْرَاف واقنع من الدُّنْيَا بالكفاف
стр. 88
واطلب الْأَدَب فِي بساتين الْعلم والأنس فِي مَوَاطِن الْخلْوَة وَالْحيَاء فِي شعاب النَّفس وَالِاعْتِبَار فِي أَوديَة التفكر وَالْحكمَة فِي رياض الْخَوْف
واعرف دوَام إِحْسَان الله إِلَيْك مَعَ مخالفتك لأَمره وحلمه عَنْك مَعَ إعراضك عَن ذكره وستره عَلَيْك مَعَ قلَّة حيائك مِنْهُ وغناه عَنْك مَعَ فقرك إِلَيْهِ
أَيْن عَالم بربه أَيْن خَائِف من ذَنبه أَيْن مسرور بِقُرْبِهِ أَيْن مَشْغُول بِذكرِهِ أَيْن مُشفق من بعده هُوَ ذَا مغْفُور لَهُ يَا مغرور ألم يَرك الْجَلِيل قد هتكت الستور
وَاعْلَم يَا أخي أَن الذُّنُوب تورث الْغَفْلَة والغفلة
стр. 89
تورث الْقَسْوَة وَالْقَسْوَة تورث الْبعد من الله والبعد من الله يُورث النَّار وَإِنَّمَا يتفكر فِي هَذِه الْأَحْيَاء وَأما الْأَمْوَات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدُّنْيَا
стр. 90
وَاعْلَم أَنه كَمَا لَا يُغني ضوء النَّهَار الْأَعْمَى كَذَلِك لَا يضيء بِنور الْعلم إِلَّا أهل التقى
وكما أَن الْمَيِّت لَا يَنْفَعهُ الدَّوَاء كَذَلِك لَا يُفِيد الْأَدَب فِي أهل الدَّعْوَى
وكما لَا ينْبت الوابل الصَّفَا كَذَلِك لَا تثمر الْحِكْمَة بقلب محب الدُّنْيَا وَمن ألف هَوَاهُ قل أدبه وَمن
стр. 91
خَالف دلَالَة علمه كثر جَهله وَمن لم يَنْفَعهُ دواءه كَيفَ يداوي غَيره
وَاعْلَم أَن أروح النَّاس أبدانا أهل الزّهْد فِي الدُّنْيَا
وأتعب النَّاس قلوبا وَأَكْثَرهم شغلا أهل الاهتمام بالدنيا
وأعون الْأَخْلَاق على الزّهْد قصر الأمل وَأقرب حالات أهل الْمعرفَة ذكر الْقيام لله
قَالَ الله ﴿إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا﴾ وَاعْلَم أَنه لَا طَرِيق أقرب من الصدْق وَلَا دَلِيل
стр. 92
أنجح من الْعلم وَلَا زَاد أبلغ من التَّقْوَى وَمَا رَأَيْت أنفى للوسواس من ترك الفضول وَلَا أنور للقلب من سَلامَة الصَّدْر
وَوجدت كَرَامَة الْمُؤمن تقواه وحلمه صبره وعقله تجمله ومودته تجاوزه وعفوه وشرفه
стр. 93
تواضعه ورفقه
وَاعْلَم أَن محبَّة الْغنى مَعَ اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْفقر تسخط ومحبة الْفقر مَعَ اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْغنى جور وكل ذَلِك هرب من الشُّكْر لقلَّة الْمعرفَة وتضييع للأوقات من قصر الْعلم
وَذَلِكَ أَن ايمان الْغَنِيّ لَا يصلحه الْفقر إِيمَان الْفَقِير لَا يصلحه الْغنى كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى يَقُول (إِن من عبَادي من لَا يصلح إيمَانه إِلَّا الْفقر وَلَو أغنيته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي من لَا يصلح إيمَانه إِلَّا الْغنى وَلَو أفقرته لأفسده ذَلِك)
стр. 94
وَكَذَلِكَ فِي الصِّحَّة والسقم فَمن عرف الله لم يتهمه وَمن فهم عَن الله رَضِي بِقَضَائِهِ
وَلَو لم يكن لأهل الْعلم إِلَّا هَذِه الْآيَة لكفتهم ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾
وَاحْذَرْ أَخْلَاق الْجَاهِلين ومجالسة المذنبين
стр. 95
ودعاوى المعجبين ورجاء المغترين ويأس القانطين
وَكن بِالْحَقِّ عَاملا وَبِاللَّهِ واثقا وبالمعروف آمرا وَعَن الْمُنكر ناهيا
فَإِن من صدق الله نصحه وَمن تزين لغيره فضحه وَمن توكل عَلَيْهِ كَفاهُ وَمن وثق بِغَيْرِهِ مقته وَمن خافه أَمنه وَمن شكره زَاده وَمن أطاعه أكْرمه وَمن آثره أحبه
стр. 96
وَاحْذَرْ أَن تدين لله بِالْعقلِ وتعمل بالهوى وتترك الْحق وتبوء بِالْبَاطِلِ وتتمنى الْمَغْفِرَة وَأَنت نَاس للتَّوْبَة
وَاعْلَم أَنه لَا يرضى من الْعلم وَالْعَمَل إِلَّا مَا ثَبت بِالْيَقِينِ أَصله وَعلا بِالصّدقِ فَرعه وأثمر بالورع نَبَاته وَقَامَ بالإشفاق برهانه وحجب بالخشية أستاره فَلَا ترض من نَفسك بالتواني فَإِنَّهُ لَا عذر لأحد فِي التَّفْرِيط وَلَا لأحد عَن الله غنى
وَاعْلَم أَن من سَعَادَة الْمَرْء حسن النِّيَّة فِيمَا عِنْد الله تَعَالَى والتوفيق لمحابه
وَمن أَرَادَ الله بِهِ خيرا وهب
стр. 97
لَهُ الْعقل وحبب إِلَيْهِ الْعلم
стр. 98
وحباه بالإشفاق وَاسْتَعْملهُ بالرفق وأغناه بالقناعة
стр. 99
وبصره عَيبه
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الصدْق وَالْإِخْلَاص أصل كل حَال فَمن الصدْق يتشعب الصَّبْر والقناعة والزهد وَالرِّضَا والأنس
وَعَن الْإِخْلَاص يتشعب الْيَقِين وَالْخَوْف والمحبة والإجلال وَالْحيَاء والتعظيم
وَلكُل مُؤمن فِي هَذِه المقامات موطن يعرف بِهِ حَاله فَيُقَال لَهُ خَائِف وَفِيه الرَّجَاء وراج وَفِيه الْخَوْف وصابر وَفِيه الرِّضَا ومحب وَفِيه الْحيَاء
وَقُوَّة كل حَال وَضَعفه بِحَسب إِيمَان العَبْد ومعرفته
وَلكُل أصل من هَذِه الْأَحْوَال ثَلَاث عَلَامَات يعرف بهَا الْحَال
فالصدق فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تتمّ إِلَّا بِهِ صدق الْقلب بِالْإِيمَان تَحْقِيقا وَصدق النِّيَّة فِي الْأَعْمَال وَصدق اللَّفْظ فِي الْكَلَام
وَالصَّبْر فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا تتمّ إِلَّا بِهِ الصَّبْر عَن محارم الله وَالصَّبْر على اتِّبَاع أَمر الله وَالصَّبْر عِنْد المصائب احتسابا لله
стр. 100
والقناعة فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء قلَّة الْغذَاء بعد وجوده وصيانة الْفقر عِنْد الْعَدَم وَقلة الْأَسْبَاب والسكون إِلَى أَوْقَات الله مَعَ حُلُول الْفَاقَة
وللقناعة أول وَآخر فأولها ترك الفضول مَعَ وجود الاتساع وَآخِرهَا وجود الْغنى مَعَ فقد الْأَسْبَاب وَمن هَاهُنَا قَالَ بَعضهم القناعة أَعلَى من الرِّضَا
وَإِنَّمَا أَرَادَ قناعة التَّمام لِأَن الراضي لَا يتَعَرَّض فِي الْمَنْع وَالعطَاء والقانع غَنِي بربه لَا يحب الزِّيَادَة مَعَه من حَظّ هُوَ لَهُ إِلَّا مِنْهُ لَهُ
والزهد فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا يُسمى زاهدا إِلَّا بهَا خلع الْأَيْدِي من الْأَمْلَاك ونزاهة النَّفس عَن الْحَلَال والسهو عَن الدُّنْيَا بِكَثْرَة الْأَوْقَات
وَيكون الرجل متزهدا بِثَلَاثَة أخر حمية النَّفس عِنْد
стр. 101
ترامي الإرادات والهرب من مَوَاطِن الْغنى وَأخذ الْمَعْلُوم عِنْد الْحَاجة
والأنس فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء أنس بِالْعلمِ وَالذكر فِي الْخلْوَة وَأنس بِالْيَقِينِ والمعرفة مَعَ الْخلْوَة وَأنس بِاللَّه فِي كل حَال
وَالرِّضَا نظام الْمحبَّة
وَنَفس التَّوَكُّل روح الْيَقِين
وَقد ذكر عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ والفضيل بن عِيَاض رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ الرِّضَا التَّوَكُّل
فَهَذِهِ شعب الصدْق الْمَأْخُوذَة بأوصاف الْعلم
وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ يَقُول إِذا كمل صدق الصَّادِق لم يملك مَا فِي يَدَيْهِ
وَأما شعب الْإِخْلَاص فَلَا يُسمى المخلص مخلصا حَتَّى يفرد الله من الْأَشْبَاه والأنداد والصاحبة وَالْأَوْلَاد
стр. 102
ثمَّ إِرَادَته الله بِإِقَامَة التَّوْحِيد وَجمع الْهم لَهُ وَبِه فِي النَّفْل وَالْفَرْض
وَصِحَّة الْيَقِين فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء سُكُون الْقلب إِلَى الثِّقَة بِاللَّه والانقياد لأمر الله والإشفاق والوجل من سَابق الْعلم
ولليقين أول وَآخر فأوله الطُّمَأْنِينَة وَآخره إِفْرَاد الله بالكفاية لقَوْله جلّ وَعز ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ والحسب هُوَ الْكَافِي والمكتفي هُوَ العَبْد الراضي بِمَا قضى
وَإِنَّمَا قُلْنَا آخر الْيَقِين من وجود أَوْصَاف العَبْد مقَام الْإِيمَان لَا فِي آخر الْيَقِين من الْعلم وَلنْ يبلغ ذَلِك
стр. 103
أحد من خلق الله كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (لن يبلغ أحد من الله كنها) قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا بلغنَا أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ كَانَ يمشي على المَاء قَالَ لَو ازْدَادَ يَقِينا وخوفا لمشى فِي الْهَوَاء
وَلَا يكون الْخَوْف إِلَّا بعد الْيَقِين وَهل رَأَيْت خَائفًا لما لم يستيقنه
стр. 104
وَالْخَوْف فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء خوف الْإِيمَان وعلامته مُفَارقَة الْمعاصِي والذنُوب وَهُوَ خوف المريدين
وَخَوف السّلف وعلامته الخشية والإشفاق والورع وَهُوَ خوف الْعلمَاء
وَخَوف الْفَوْت وعلامته بذل الْجهد فِي طلب مرضاة الله بِوُجُود الهيبة والإجلال لله وَهُوَ خوف الصديقين
ومقام رَابِع فِي الْخَوْف خص الله بِهِ الْمَلَائِكَة والأنبياء ﵈ وَهُوَ خوف الإعظام لأَنهم آمنون فِي أنفسهم بِأَمَان الله لَهُم فخوفهم تعبدهم لله إجلالا وإعظاما
والمحبة فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا يُسمى محبا لله إِلَّا بهَا محبَّة الْمُؤمنِينَ فِي الله وعلامة ذَلِك
стр. 105
كف الْأَذَى عَنْهُم وجلب الْمَنْفَعَة إِلَيْهِم
ومحبة الرَّسُول ﷺ لله وعلامة ذَلِك اتِّبَاع سنته
стр. 106
قَالَ الله جلّ ذكره ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ ٢
ومحبة الله فِي إِيثَار الطَّاعَة على الْمعْصِيَة وَيُقَال ذكر النِّعْمَة يُورث الْمحبَّة
стр. 107
وللمحبة أول وَآخر فأولها محبَّة الله بالأيادي والمنن قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ جبلت الْقُلُوب على حب من أحسن إِلَيْهَا
وأعلاها الْمحبَّة لوُجُوب حق الله قَالَ عَليّ بن الفضيل رَحْمَة الله عَلَيْهِ إِنَّمَا يحب الله لِأَنَّهُ هُوَ الله
وَقَالَ رجل لطاووس أوصني قَالَ أوصيك أَن تحب الله حبا حَتَّى لَا يكون شَيْء أحب إِلَيْك مِنْهُ وخفه خوفًا حَتَّى لَا يكون شَيْء أخوف إِلَيْك مِنْهُ وارج الله رَجَاء يحول بَيْنك وَبَين ذَلِك الْخَوْف وَارْضَ للنَّاس مَا ترْضى لنَفسك قُم فقد جمعت لَك التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان
والإجلال والتعظيم من الْحيَاء بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد
стр. 108
الَّذِي لَا غنى لأَحَدهمَا عَن صَاحبه وَإِذا استحيا العَبْد من ربه أَجله
وَأفضل الْحيَاء المراقبة لله
والمراقبة فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء مراقبة الله فِي طَاعَته بِالْعَمَلِ ومراقبة الله فِي مَعْصِيَته بِالتّرْكِ ومراقبة الله فِي الْهم والخواطر لقَوْل النَّبِي ﷺ (اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك)
ومراقبة الْقلب لله أَشد تعبا على الْبدن من مكابدة قيام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار وإنفاق المَال فِي سَبِيل الله
стр. 109
وَقد ذكر عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه كَانَ يَقُول إِن لله فِي أرضه آنِية وَإِن من آنيته فِيهَا الْقُلُوب فَلَا يقبل مِنْهَا إِلَّا مَا صفي وصلب ورق
وَمعنى ذَلِك أَن يصفي الْقلب لله بِاتِّبَاع أمره وَنَهْيه ومشاهدة الصدْق والإشفاق وصفاه لرَسُول الله ﷺ بِقبُول مَا أَتَى بِهِ قولا وَعَملا وَنِيَّة
وصفاه للْمُؤْمِنين بكف الْأَذَى وإيصال النَّفْع
وَأما معنى قَوْله وصلب فَمَعْنَاه قوي فِي إِقَامَة الْحُدُود لله تَعَالَى وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
وَقَوله ورق فالرقة على وَجْهَيْن رقة بالبكاء
стр. 110
ورقة بالرأفة
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل