Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَذَلِكَ على قدر الخشية لله وَالْعلم بِهِ والمعرفة لَهُ
وَاعْلَم أَنه من آثر الله آثره وَمن أطاعه فقد أحبه وَمن ترك لَهُ شَيْئا لم يعذبه بِهِ كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك) فَإنَّك لن تَجِد فقد شَيْء تركته لله
стр. 37
واحم الْقلب عَن سوء الظَّن بِحسن التَّأْوِيل وادفع الْحَسَد بقصر الأمل وانف الْكبر باستبطان الْعِزّ واترك كل فعل يضطرك إِلَى اعتذار وجانب كل حَال يرميك فِي التَّكَلُّف وصن دينك بالاقتداء واحفظ أمانتك بِطَلَب الْعلم وحصن عقلك بآداب أهل الْحلم
стр. 38
واستعد الصَّبْر لكل موطن والزم الْخلْوَة بِالذكر واصحب النعم بالشكر
واستعن بِاللَّه فِي كل أَمر واستخر الله فِي كل حَال وَمَا أرادك الله لَهُ فاترك الِاعْتِرَاض فِيهِ وكل عمل تحب أَن تلقى الله بِهِ فألزمه نَفسك وكل أَمر تكرههُ لغيرك فاعتزله من أخلاقك وكل صَاحب لَا تزداد بِهِ خيرا فِي كل يَوْم فانبذ عَنْك صحبته
وَخذ بحظك من الْعَفو
стр. 39
وَاعْلَم أَن الْمُؤمن يختبر صدقه فِي كل حَال مطلب نَفسه بالبلوى رَقِيب لله على نَفسه فَاثْبتْ على محجة الْحق فَإنَّك مُرَاد العون
стр. 40
واصدق فِي الطّلب تَرث علم البصائر وتبد لَك عُيُون المعارف وتميز بِنَفْسِك علم مَا يرد عَلَيْك بخالص التَّوْفِيق فَإِنَّمَا السَّبق لمن عمل والخشية لمن علم والتوكل لمن وثق وَالْخَوْف لمن أَيقَن والمزيد لمن شكر
وَاعْلَم أَن مَا يصل العَبْد إِلَيْهِ من الْفَهم بِقدر تَقْدِيم عقله وموجود علمه بتقواه لله وطاعته
فَمن وهب
стр. 41
الله لَهُ الْعقل وأحياه بِالْعلمِ بعد الْإِيمَان وبصره بِالْيَقِينِ عُيُوب نَفسه فقد نظمت لَهُ خِصَال الْبر فاطلب الْبر فِي التَّقْوَى وَخذ الْعلم من أهل الخشية
стр. 42
واستجلب الصدْق بمباحث الصدْق فِي مَوَاطِن التفكر
قَالَ الله ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (تعلمُوا الْيَقِين فَإِنِّي أتعلمه)
стр. 43
وَاعْلَم أَن كل عقل لَا يَصْحَبهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء فَهُوَ عقل مكار إِيثَار الطَّاعَة على الْمعْصِيَة وإيثار الْعلم على الْجَهْل وإيثار الدّين على الدُّنْيَا وكل علم لَا يَصْحَبهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء فَهُوَ مزِيد فِي الْحجَّة كف الْأَذَى بِقطع الرَّغْبَة وَوُجُود الْعَمَل بالخشية وبذل الْإِنْصَاف بالتباذل وَالرَّحْمَة
وَاعْلَم أَنه مَا تزين أحد بزينة كالعقل وَلَا لبس
стр. 44
ثوبا أجمل من الْعلم لِأَنَّهُ مَا عرف الله إِلَّا بِالْعقلِ
стр. 45
وَلَا أطيع إِلَّا بِالْعلمِ
وَاعْلَم أَن أهل الْمعرفَة بِاللَّه بنوا أصُول الْأَحْوَال على شَاهد الْعلم وتفقهوا فِي الْفُرُوع أَلا ترى لقَوْل
стр. 46
النَّبِي ﷺ (من عمل بِمَا علم وَرثهُ الله علم مَا لم يعلم)
وعلامة ذَلِك هُوَ تزايد الْعلم بالإشفاق ومزيد الْعلم بالاقتدار فَكلما ازْدَادَ علما ازْدَادَ خوفًا وَكلما ازْدَادَ عملا ازْدَادَ تواضعا
وَالْأَصْل الَّذِي بنوا بِهِ فِي طريقهم الْتِزَام الْأَمر
стр. 47
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِالصّدقِ وَتَقْدِيم الْعلم على حظوظ النُّفُوس والاستغناء بِاللَّه عَن جَمِيع خلقه
فاطلب آثَار من زَاده الْعلم خشيَة وَالْعَمَل بَصِيرَة
стр. 48
وَالْعقل معرفَة فَإِن حجبك عَن منهاجهم فقد الْأَدَب فَارْجِع بالذم على نَفسك وَلنْ يخفى على أهل الْعلم صفة المخلصين
وَاعْلَم أَن فِي كل فكرة أدبا وَفِي كل إِشَارَة علما وَإِنَّمَا يُمَيّز ذَلِك من فهم عَن الله مُرَاده وجنى فَوَائِد الْيَقِين من خطابه
وعلامة ذَلِك فِي الصَّادِق إِذا نظر اعْتبر وَإِذا صمت تفكر وَإِذا تكلم ذكر وَإِذا منع صَبر وَإِذا أعطي شكر وَإِذا ابْتُلِيَ اسْترْجع وَإِذا جهل عَلَيْهِ حلم وَإِذا علم تواضع وَإِذا علم رفق وَإِذا سُئِلَ بذل
شِفَاء للقاصد وَعون للمسترشد حَلِيف صدق
стр. 49
وكهف بر قريب الرِّضَا فِي حق نَفسه بعيد الهمة فِي حق الله تَعَالَى
نِيَّته أفضل من عمله وَعَمله أبلغ من قَوْله موطنه الْحق ومعقله الْحيَاء ومعلومه الْوَرع وَشَاهده الثِّقَة لَهُ بصائر من النُّور يبصر بهَا وحقائق من الْعلم ينْطق مِنْهَا وَدَلَائِل من الْيَقِين يعبر عَنْهَا
стр. 50
وَإِنَّمَا يواصل بذلك من جَاهد لله تَعَالَى نَفسه واستقامت لطاعته نِيَّته وخشي الله فِي سره وعلانيته وَقصر الأمل وشمر مئزر الحذر وأقلع برِيح النجَاة فِي بَحر الابتهال
стр. 51
فأوقاته غنيمَة وأحواله سليمَة لم يغتر بزخرف دَار الْغرُور وَلم يَله ببريق سراب نسيمها عَن أهوال يَوْم النشور
وَاعْلَم أَن الْعَاقِل لما صَحَّ علمه وَثَبت يقينه علم أَن لَا ينجيه من ربه إِلَّا الصدْق فسعى فِي طلبه وَبحث عَن أَخْلَاق أَهله رَغْبَة فِي أَن يحيى قبل مماته ليستعد لدار الخلود بعد وَفَاته فَبَاعَ نَفسه وَمَاله من ربه حَيْثُ سَمعه يَقُول ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾
فَعلم بعد الْجَهْل وَاسْتغْنى بعد الْفقر وَأنس بعد الوحشة وَقرب بعد الْبعد واستراح بعد التَّعَب فائتلف أمره وَاجْتمعَ همه
فشعاره الثِّقَة وحاله المراقبة أَلا ترى لقَوْل
стр. 52
رَسُول الله ﷺ (اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك)
يحسبه الْجَاهِل صميتا عييا وحكمته أصمتته ويحسبه الأحمق مهذارا والنصيحة لله أنطقته
ويحسبه غَنِيا وَالتَّعَفُّف أغناه ويحسبه فَقِيرا والتواضع أدناه
لَا يتَعَرَّض لما لَا يعنيه وَلَا يتَكَلَّف فَوق مَا يَكْفِيهِ وَلَا يَأْخُذ مَا لَيْسَ بمحتاج إِلَيْهِ وَلَا يدع مَا وكل بحفظه النَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة وَهُوَ من نَفسه فِي تَعب قد أمات بالورع حرصه وحسم بالتقى طمعه وأفنى بِنور الْعلم شهواته
стр. 53
فَهَكَذَا فَكُن ولمثل هَؤُلَاءِ فاصحب ولآثارهم فَاتبع وبأخلاقهم فتأدب فَهَؤُلَاءِ الْكَنْز الْمَأْمُون
стр. 54
بائعهم بالدنيا مغبون وهم الْعدة فِي الْبلَاء والثقات من الأخلاء إِن افْتَقَرت أغنوك وَإِن دعوا الرب لم ينسوك ﴿أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾
وَاعْلَم وسع الله بالفهم قَلْبك وأنار بِالْعلمِ صدرك وَجمع بِالْيَقِينِ همك أَنِّي وجدت كل بلَاء دَاخل على الْقلب ضَرُورَة من نتائج الفضول وأصل ذَلِك الدُّخُول فِي الدُّنْيَا بِالْجَهْلِ ونسيان الْمعَاد بعد الْعلم
والنجاة من ذَلِك ترك كل مَجْهُول فِي الْوَرع
стр. 55
وَأخذ كل مَعْلُوم فِي الْيَقِين
стр. 56
وَوجدت فَسَاد الْقلب فَسَاد الدّين أَلا ترى لقَوْل رَسُول الله ﷺ (أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب)
وَمعنى الْجَسَد هَا هُنَا الدّين لِأَن بِالدّينِ صَلَاح الْجَوَارِح وفسادها
وأصل فَسَاد الْقلب ترك المحاسبة للنَّفس والاغترار بطول الأمل فَإِذا أردْت صَلَاح قَلْبك فقف مَعَ الْإِرَادَة وَعند الخواطر فَخذ مَا كَانَ لله ودع مَا كَانَ لغيره
стр. 57
واستعن على قصر الأمل بدوام ذكر الْمَوْت
وَوجدت أصُول الفضول المتحركة من الْقلب تظهر على السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان والغذاء واللباس وفضول السّمع يخرج إِلَى السَّهْو والغفلة وفضول الْبَصَر يخرج إِلَى الْغَفْلَة والحيرة وفضول اللِّسَان يخرج إِلَى التزيد والبدعة
стр. 58
وفضول الْغذَاء يخرج إِلَى الشره وَالرَّغْبَة وفضول اللبَاس يخرج إِلَى المباهاة وَالْخُيَلَاء
وَاعْلَم أَن حفظ الْجَوَارِح فَرِيضَة وَترك الفضول فَضِيلَة
وَالتَّوْبَة قبل ذَلِك فَرِيضَة وَقد فَرضهَا الله وَرَسُوله فَقَالَ جلّ ذكره ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ معنى نصُوحًا ترك الْعود فِيمَا تَابَ مِنْهُ العَبْد إِلَى ربه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى ربكُم قبل أَن تَمُوتُوا وتقربوا إِلَى الله بِالْعَمَلِ الصَّالح من قبل أَن تشْغَلُوا)
стр. 59
وَلَا تصح التَّوْبَة إِلَّا بأَرْبعَة أَشْيَاء حل إِصْرَار الْقلب عَن المعاودة وَالِاسْتِغْفَار بالندم ورد التَّبعَات والمظالم وَحفظ الْجَوَارِح من الْحَواس السَّبع السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان والشم وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ وَالْقلب وَهُوَ أميرها وَبِه صَلَاح الْجَسَد وفساده
وَقد جعل الله على كل جارحة أمرا ونهيا فَرِيضَة مِنْهُ وَجعل بَينهمَا سَعَة وَإِبَاحَة تَركهَا فَضِيلَة للْعَبد
فَفرض الْقلب بعد الْإِيمَان وَالتَّوْبَة إخلاص الْعَمَل لله واعتقاد حسن الظَّن عِنْد الشُّبْهَة والثقة بِاللَّه وَالْخَوْف من عَذَابه والرجاء لفضله
стр. 60
وَقد رُوِيَ فِي معنى الْقلب أَخْبَار كَثِيرَة مِنْهَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن من الْمُؤمنِينَ من يلين لَهُ قلبِي) وَقَالَ ﷺ (إِن الْحق يَأْتِي وَعَلِيهِ نور فَعَلَيْكُم بسرائر الْقُلُوب) وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ للقلوب شَهْوَة وإقبال وفتره وإدبار فاغتنموها
стр. 61
عِنْد شهوتها وإقبالها وذروها عِنْد فترتها وإدبارها
قَالَ ابْن الْمُبَارك ﵀ الْقلب مثل الْمرْآة إِذا طَالَتْ فِي الْيَد صدئت وكالدابة إِذا غفل عَنْهَا عدلت
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْقلب مثل بَيت لَهُ سِتَّة أَبْوَاب ثمَّ قيل لَك احذر أَلا يدْخل عَلَيْك من أحد الْأَبْوَاب شَيْء فَيفْسد عَلَيْك الْبَيْت فالقلب هُوَ الْبَيْت والأبواب
стр. 62
العينان وَاللِّسَان والسمع وَالْبَصَر وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ فَمَتَى انْفَتح بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب بِغَيْر علم ضَاعَ الْبَيْت
وَفرض اللِّسَان الصدْق فِي الرِّضَا وَالْغَضَب وكف الْأَذَى فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَترك التزيد بِالْخَيرِ وَالشَّر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من ضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ بن جبل ﵁ (وَهل يكب النَّاس فِي النَّار على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم)
стр. 63
وَقَالَ ﷺ (أنذركم فضول الْكَلَام حسب أحدكُم مَا يبلغ بِهِ حَاجته فَإِن الرجل يسْأَل عَن فضول كَلَامه كَمَا يسْأَل عَن فضول مَاله)
وَقَالَ ﷺ (إِن الله عِنْد
стр. 64
لِسَان كل قَائِل فاتقى الله امروء علم مَا يَقُول)
وَفرض الْبَصَر الغض عَن الْمَحَارِم وَترك التطلع فِيمَا حجب وَستر
قَالَ حُذَيْفَة ﵁ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 65
(النّظر سهم من سِهَام إِبْلِيس فَمن تَركه من خوف الله آتَاهُ الله إِيمَانًا يجد حلاوته فِي قلبه)
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ من غض بَصَره عَن النّظر الْحَرَام زوج من الْحور الْعين حَيْثُ أحب وَمن اطلع فَوق بيُوت النَّاس حشره الله يَوْم الْقِيَامَة أعمى
стр. 66
وَقَالَ دَاوُد الطَّائِي لرجل وَقد أحد النّظر إِلَى بعض من ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ يَا هَذَا ارْدُدْ بَصرك إِلَيْك فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن الرجل يسْأَل عَن فضول نظره كَمَا يسْأَل عَن فضول عمله
وَيُقَال لَك النظرة الأولى وَلَيْسَت لَك الْآخِرَة
فَمَا هجم على النّظر فَهُوَ مَوْضُوع عَن العَبْد وَمَا استبد بِهِ النّظر بمعقول الْفَهم فَالْعَبْد مَأْخُوذ بِهِ
وَفرض السّمع تبع للْكَلَام وَالنَّظَر فَكل مَا لَا يحل لَك الْكَلَام فِيهِ وَالنَّظَر إِلَيْهِ فَلَا يحل لَك استماعه وَلَا التَّلَذُّذ بِهِ والبحث عَمَّا كتم عَنْك تجسس
стр. 67
وَسَمَاع اللَّهْو والغناء وأذى الْمُسلمين حرَام كالميتة وَالدَّم
وَقَالَ عبد الله بن عمر ﵄ نهينَا عَن الْغَيْبَة وَالِاسْتِمَاع إِلَيْهَا وَعَن النميمة وَالِاسْتِمَاع لَهَا
وَسُئِلَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن سَماع الْغناء قَالَ إِذا ميز الله بَين الْحق وَالْبَاطِل يَوْم الْقِيَامَة أَيْن يَقع الْغناء قيل فِي حوز الْبَاطِل قَالَ فأفت نَفسك
стр. 68
وَلَيْسَ من جارحة أَشد ضَرَرا على العَبْد بعد لِسَانه من سَمعه لِأَنَّهُ أسْرع رَسُول إِلَى الْقلب وَأقرب وقوعا فِي الْفِتْنَة
وَقد ذكر عَن وَكِيع بن الْجراح قَالَ سَمِعت كلمة من مُبْتَدع مُنْذُ عشْرين سنة مَا أَسْتَطِيع إخْرَاجهَا من أُذُنِي وَكَانَ طَاوُوس إِذا أَتَاهُ مُبْتَدع سد أُذُنَيْهِ لِئَلَّا يسمع كَلَامه
وَفرض الشم تبع للسمع وَالْبَصَر فَكل مَا حل استماعه وَنَظره جَازَ لَك شمه
وَقد رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه أُتِي بمسك فَأمْسك عَنهُ أَنفه
فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ وَهل ينْتَفع مِنْهُ إِلَّا برائحته
وَفرض الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ أَن لَا تبسطهما إِلَى مَحْظُور وَلَا تقبضهما عَن حق
وَقَالَ مَسْرُوق مَا خطا العَبْد خطْوَة إِلَّا كتبت حَسَنَة أَو سَيِّئَة
وكتبت ابْنة سُلَيْمَان إِلَى عَبدة
стр. 69
بنت خَالِد بن معدان زوديني فَكتبت إِلَيْهَا عَبدة أما بعد فَإِن أبي ﵀ كَانَ يكره أَن يسير مسيرًا لَيْسَ هُوَ فِيهِ ضَامِنا على الله أَو يَأْكُل طَعَاما إِذا سُئِلَ عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة لم يكن عِنْده فِيهِ مخرج وَقد كرهت من ذَلِك مَا كره أبي وَالسَّلَام عَلَيْك
فَإِن قَالَ قَائِل مَا السَّبِيل إِلَى الْعَمَل بذلك قيل لُزُوم منهاج الْأَئِمَّة الْمُتَّقِينَ وَالنَّظَر فِي آدَاب المسترشدين لمعْرِفَة الخطو والتيقظ بالمحاسبة
стр. 70
وَالْعَمَل بالإنصاف والتحرز بكف الْأَذَى وبذل الْفضل بترك الْمِنَّة وَحسن السمت بِغَيْر حسد والقناعة بحب الخمول وَطول الصمت رَغْبَة فِي السَّلامَة والتواضع لِلْخلقِ بِلَا وَحْشَة والأنس بِالذكر فِي الْخلْوَة وتفرغ الْقلب للْخدمَة واجتماع الْهم بالمراقبة وَطلب النجَاة فِي طَرِيق الاسْتقَامَة
стр. 71
قَالَ الله ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾
وَقَالَ سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ يَا رَسُول الله حَدثنِي بِأَمْر أَعْتَصِم بِهِ قَالَ (قل آمَنت بِاللَّه ثمَّ اسْتَقِم)
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أستقاموا لله بِطَاعَتِهِ وَلم يروغوا روغان الثعالب
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي استقاموا أَخْلصُوا لله الدّين والدعوة وَالْعَمَل
وأصل الاسْتقَامَة فِي ثَلَاثَة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَلُزُوم الْجَمَاعَة
стр. 72
وَاعْلَم أَن أنجى طَرِيق للْعَبد الْعَمَل الْعلم والتحرز بالخوف والغنى بِاللَّه
فاشتغل بإصلاح حالك وافتقر إِلَى رَبك وتنزه عَن الشُّبُهَات وأقلل حوائجك إِلَى النَّاس وَأحب واحب لَهُم مَا تحب لنَفسك واكره لَهُم مثل ذَلِك وَلَا تكشفن سترا
وَلَا تحذثن نَفسك بخطيئة وَلَا تصرن على صَغِيرَة وافزع إِلَى الله عِنْد كل فاقة وافتقر إِلَيْهِ فِي كل حَال
стр. 73
وتوكل عَلَيْهِ فِي كل أَمر
وَاعْتَزل الْهوى وَلَا تقنع من نَفسك بالتربص وأخمل ذكرك وأدم لله شكرك وَأكْثر من الاسْتِغْفَار وَاعْتبر بالإفكار
وَعَلَيْك بالتأني عِنْد موارد العجلة وَحسن الْأَدَب فِي المخالطة
وَلَا تغْضب لنَفسك على النَّاس واغضب لله على نَفسك وَلَا تكافئن أحدا بإساءة وَاحْذَرْ المدحة
стр. 74
للجاهل بِنَفسِهِ وَلَا تقبلهَا لنَفسك من أحد
وأقلل الضحك وجانب المزاح
واكتم الأوجاع وَأظْهر التعفف واستبطن الثِّقَة واستشعر الْيَأْس وَحسن الْفقر واصبر على مَا اصابك وَارْضَ بِمَا قسم الله لَك وَكن من وعد الله على يَقِين وَمن آثارك فِي وَجل
وَلَا تتكلفن مَا قد كفيته وَلَا تضيعن مَا وكلت بِطَلَبِهِ وافتقر إِلَى الله فِي كل عطائه وارغب فِي النجَاة مِنْهُ
واعف عَمَّن ظلمك وَأعْطِ من حَرمك وصل فِي الله من قَطعك وآثر فِي الله من أحبك وابذل نَفسك وَمَالك لأخوانك وارع حُقُوق الْمولى فِي دينك وَلَا يعظمك
стр. 75
كَبِير من الْمَعْرُوف تَفْعَلهُ وَلَا تحقرن صَغِيرا من الْمُنكر تَفْعَلهُ
وَاحْذَرْ التزين بِالْعلمِ كَمَا تحذر الْعجب بِالْعَمَلِ وَلَا تعتقدن بَاطِنا من الْأَدَب ينْقضه عَلَيْك ظَاهر من الْعلم وأطع الله فِي مَعْصِيّة النَّاس وَلَا تُطِع النَّاس فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَلَا تدخرن من جهدك عَن الله شَيْئا وَلَا ترض من نَفسك لله عملا وقم بَين يَدَيْهِ فِي صَلَاتك جملَة
следующие страницы →