← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6875

مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (164 стр.). Показаны 141–164 · переход к 146.

стр. 141

وَقد أجمع الْعلمَاء على تَحْرِيم هذَيْن الضربين وَورد بذلك الْكتاب وَالسّنة فِي غير مَا مَوضِع وَشر الْحَسَد الْحَسَد على معاصي الله وَهُوَ أَن يتَمَنَّى أَن يتَمَكَّن من الْمعاصِي الَّتِي يَفْعَلهَا غَيره وَلَيْسَ من الْحَسَد أَن لَا ينَال غَيره خيرا من خيور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَن الْحَسَد مَخْصُوص بِمَا حصل من النعم وينشأ التحاسد فِي الدّين عَن فرط الْمحبَّة لطاعة الله تَعَالَى وَفِي الدُّنْيَا عَن فرط الْمحبَّة للدنيا وَقد يكون مسببا عَن الْكبر وَعَن الْعجب وَعَن الرياسة وَحب الْمنزلَة والرياء وَقد يكون مسببا عَن الْعَدَاوَة والبغضاء وَهُوَ أَشدّهَا فَإِنَّهُ قد يحث على السَّعْي فِي إهلاك النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَلَا يتَصَوَّر الْحَسَد لمحبوب لِأَن الْمُحب يتَمَنَّى زِيَادَة النعم للمحبوب وَلَا يتَمَنَّى زَوَال النعم عَنهُ وَقد يَقع التحاسد على تَفْضِيل دُنْيَوِيّ كإيثار الْأَب أحد ابنيه وَالزَّوْج لإحدى زوجتيه وَقد يَقع التحاسد بَين أَرْبَاب الصَّنَائِع والمتعلقين بالأمراء والملوك

стр. 142

وَقد يَقع التحاسد بِسَبَب الْإِعْجَاب بالفضائل فِي الْأَنْسَاب وَكَذَلِكَ التَّمَاثُل فِي الْأَنْسَاب كالأخوة وَبني الْأَعْمَام بحسد بَعضهم بَعْضًا وَكَذَلِكَ يحْسد الْعباد الْعباد وَالْعُلَمَاء الْعلمَاء وَالْغَالِب أَن الْحَسَد لَا يَقع إِلَّا بَين المشتركين فِي فَضِيلَة من الْفَضَائِل أَو فِي شَيْء من الْأَسْبَاب الدُّنْيَوِيَّة فَلَا يحْسد الْفَقِيه النَّحْوِيّ وَلَا التَّاجِر الْجمال وَلَا الصَّانِع الْبَقَّال وَمن أَسبَاب الْحَسَد التجاوز وَلذَلِك أَمر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْأَقَارِب أَن يتزاوروا وَلَا يتجاوروا وَقَالَ كَعْب ﵁ مَا من حَكِيم فِي قوم إِلَّا حسدوه وكثروا عَلَيْهِ وَشر أَنْوَاع الْحَسَد تمني زَوَال النعم عَن عباد الله وَإِن لم تصل إِلَى الْحَاسِد ويزال هَذَا النَّوْع بِأَن تعلم أَنَّك لم تحب لأخيك الْمُسلم مَا أَحْبَبْت لنَفسك وَأَنَّك شاركت الشَّيْطَان فِي عَدَاوَة أَخِيك الْمُسلم وسخطت لما أعْطى الله عباده من غير أَن يحصل لَك بذلك نفع أَو غَرَض صَحِيح وَمَا الحاسدون إِلَّا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن يهْلكُونَ إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

стр. 143

وَمثل الْحَاسِد مَعَ الْمَحْسُود كَمثل رجل رمى إنْسَانا بِحجر ليَقْتُلهُ أَو يفقأ عينه فَرجع الْحجر عَلَيْهِ فَقتله أَو فَقَأَ عينه بل حَال الْحَسَد أَشد لِأَنَّهُ يتَعَرَّض بحسده لغضب الله تَعَالَى وَسخطه عَلَيْهِ ٨٤ - فَائِدَة فِي مدافعة خطرة الْحَسَد لم يُكَلف الله تَعَالَى الْعباد أَن يخرجُوا عَن مُقْتَضى طباعهم فِي الْحَسَد وَلَا فِي شَيْء من الشَّهَوَات وَإِنَّمَا عَلَيْك إِذا خطرت لَك خطرة الْحَسَد ودعاك الشَّيْطَان إِلَيْهِ أَن تكره ذَلِك أَشد الْكَرَاهَة لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من السَّعْي فِي مضارة الْمَحْسُود وَكَذَلِكَ كَرَاهَة جَمِيع الشَّهَوَات تكرهها إِذا نازعتك نَفسك وعدوك إِلَيْهَا ٨٥ - فَائِدَة أُخْرَى فِي آثَار الْحَسَد للحسد آثَار قبيحة وَهِي السَّعْي فِي أذية الْمَحْسُود بالأقوال وَالْأَفْعَال وَإِزَالَة النِّعْمَة عَنهُ فَمن حسد وَترك آثَار الْحَسَد فَلهُ حالان

стр. 144

أَحدهمَا أَن يكره الْحَسَد وَلَا يُرِيد ضَرَر الْمَحْسُود فَلَيْسَ هَذَا بحاسد الثَّانِي أَن لَا يكره الْحَسَد فقد قَالَ بعض النَّاس لَا إِثْم عَلَيْهِ إِذْ لَا حسد على الْحَقِيقَة إِلَّا السَّعْي فِي أذية الْمَحْسُود وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْحَسَد من أَفعَال الْقُلُوب وَقد يتجوز بِهِ عَن آثاره فتسمى حسدا وَإِنَّمَا نهى عَن الْحَسَد لكَونه إِذا تمكن من الْقلب حمل على الْمُعَامَلَة بآثاره فَيكون تَحْرِيمه من بَاب تَحْرِيم الْوَسَائِل ٨٦ - فَائِدَة فِي إِثْم الْحَسَد وآثاره الْحَسَد بِالْقَلْبِ ذَنْب بَين الْحَاسِد وَبَين الرب تَعَالَى لَا تقف صِحَة التَّوْبَة عَنهُ على تَحْلِيل الْمَحْسُود وإبرائه بِخِلَاف آثَار الْحَسَد فَإِنَّهَا أذية للمحسود فَلَا تصح التَّوْبَة عَنْهَا إِلَّا بِالْخرُوجِ عَن عهدتها لِأَن الضَّرَر لَيْسَ بِمُجَرَّد الْحَسَد وَإِنَّمَا هُوَ بتعاطي آثاره ٨٧ - فصل فِي النَّهْي عَن الْغرَّة الْغرَّة اعْتِمَاد الْقلب على مَا لَا يَنْبَغِي أَن يعْتَمد عَلَيْهِ كاعتماد الْعَالم على

стр. 145

علمه والحليم على حلمه والزاهد على زهادته وَالْعَابِد على عِبَادَته والعارف على مَعْرفَته والعصاة على إمهال الله تَعَالَى إيَّاهُم والأغنياء على غناهم وَهَذَا شرك فَإِن الِاعْتِمَاد لَيْسَ إِلَّا على رَحْمَة الله إِذْ لَا يُنجي أحدا عمله إِلَّا أَن يتغمده الله برحمة مِنْهُ وَفضل وَقد يلتبس على الْعَامَّة الرَّجَاء بالغرة فيجترئ على الْمعاصِي اغْتِرَارًا بسعة الرَّحْمَة وَكَثْرَة النِّعْمَة وجهلا بِالْفرقِ بَين الْغرُور والرجاء فَإِن الرَّجَاء إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد أَسبَاب الْفَلاح وطرق النجاح فَمن بذر بذرا فِي أَرض طيبَة وتعهد بذره تعهد مثله كَانَ راجيا لاستغلاله وَمن بذر بذرا فِي أَرض خبيثة أَو فِي أَرض طيبَة وَلم يتعهده تعهده مثله ثمَّ قَالَ أَنا راج لاستغلاله قيل لَهُ بل أَنْت مغرور لِأَن الرَّجَاء إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد الْقيام بِأَسْبَاب المرجو ومدار الْغرُور كُله على الْجَهْل فَمَا اغْترَّ الْكفَّار بعبادتهم إِلَّا جهلا مِنْهُم بحبوطها وَمَا اغْترَّ المبتدعة ببدعهم إِلَّا جهلا مِنْهُم ببطلانها وَمَا اغْترَّ الْأَغْنِيَاء بغناهم إِلَّا جهلا مِنْهُم بِأَنَّهُ فتْنَة ومحنة وظنا مِنْهُم أَنه كَرَامَة ونعمة

стр. 146

وَكَذَلِكَ اغترار العابد بِعِبَادَتِهِ والزاهد بزهادته والعارف بمعرفته وَرُبمَا أقدم هَؤُلَاءِ على مَعْصِيّة رَبهم ظنا مِنْهُم أَن الله لَا يؤاخذهم بقربهم إِلَيْهِ وكرامتهم عَلَيْهِ والرجاء ضَرْبَان أَحدهمَا مَا يخرج عَن الْقنُوط من رَحْمَة الله تَعَالَى كرجاء العصاة للتَّوْبَة وَالثَّانِي رَجَاء ارْتِفَاع الدَّرَجَات وَكَثْرَة المثوبات والكرامات وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا من العاملين المقبلين على إرضاء رب الْعَالمين قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله﴾ وَقَالَ فِي الرَّجَاء الْقَاطِع للقنوط ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله﴾ ٨٨ - فَائِدَة فِي تخويف النَّفس من خطرة الْمعْصِيَة إِذا خطرت خطرة بِمَعْصِيَة فليخوف النَّفس من الْقَصْد إِلَيْهَا والعزم عَلَيْهَا فَإِن قصدتها فليخوف النَّفس من الْإِقْدَام عَلَيْهَا فَإِن غلبته وأقدمت عَلَيْهَا فليخوفها من الْإِصْرَار عَلَيْهَا وليأمرها بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا فَإِن حَدثهُ الشَّيْطَان بِأَن تَوْبَته لَا تقبل وَأَن تَوْبَته لَا تغْفر فليرجها سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى وليذكرها أَنه يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي فَإِن أصرت على الذَّنب قنوطا من رَحْمَة الله فليذكرها أَنه لَا يقنط من رَحْمَة الله إِلَّا الظَّالِمُونَ ويعرفها أَن الْقنُوط من رَحْمَة

стр. 147

الله سَبَب الانهماك فِي الْمعاصِي والمخالفات وَكَذَلِكَ مَتى مَا رأى كَثْرَة غرتها بِاللَّه تَعَالَى فليجتهد فِي تخويفها من غضب الله تَعَالَى وعقابه وأليم عَذَابه فَيكون بذلك وَاضِعا للخوف فِي موَاضعه وللرجاء فِي مظانه ٨٩ - فصل فِي الْغرَّة بأنواع دينه وَهِي أَنْوَاع أَحدهَا كَثْرَة الرِّوَايَات والتبحر فِي علم الحَدِيث يغتر بِهِ من قَامَ بِهِ مُعْتَقدًا أَنه ينجيه نَاسِيا الِاعْتِمَاد على ربه مقصرا فِي طَاعَته محتقرا لعباد الله عَاملا بِمَعْصِيَة الله تَعَالَى لَا يرى أَن أحدا يكافيه وَرُبمَا ارْتكب بَعضهم الْكَبَائِر مُعْتَقدًا ان مثله لَا يُؤَاخذ بذلك وتنفى الْغرَّة بذلك بِأَن يعلم أَن علمه حجَّة لله عَلَيْهِ وَأَنه إِذا لم يعْمل بِالْعلمِ كَانَ وبالا عَلَيْهِ وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث (إِن أول من يدْخل النَّار الْعلمَاء الَّذين لَا يعْملُونَ بعلمهم فَيَقُولُونَ أَي رَبنَا بُدِئَ بِنَا قبل عَبدة الْأَوْثَان فَيُقَال لَهُم لَيْسَ من علم كمن لم يعلم) وَيَنْبَغِي أَن يواظب على هَذِه الملاحظة إِلَى أَن تَزُول غرته ويعتمد على

стр. 148

رَحْمَة ربه نَاظرا إِلَى قَوْله ﷺ (لن يُنجي أحدكُم عمله) فَإِذا كَانَ الْعَمَل الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود لَا يُنجي فَمَا الظَّن بالوسيلة الَّتِي هِيَ الْعلم النَّوْع الثَّانِي فِي الاغترار بالفقه والتبحر فِي معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام وَسَائِر الْأَحْكَام والتأهل للْقَضَاء والفتيا فغرة هَذَا أَشد من غرَّة من تفرد بالرواية لِأَن هَذَا يعْتَقد أَن بِهِ قوام الدّين لمعرفته بِالشَّرْعِ ويعتقد أَنه هُوَ الطَّبِيب وَأَن الرَّاوِي هُوَ الصيدلاني فيعميه ذَلِك حَتَّى يخفى عَلَيْهِ أَكثر ذنُوبه وعيوبه وَإِن عرف ذنُوبه وعيوبه اعْتمد على علمه وَقَالَ مثلي لَا يُؤَاخذ بذلك وينفي الْغرَّة بذلك بِأَن يعلم أَن الْمعرفَة بِجلَال الله تَعَالَى وكماله وسعة رَحمته وَشدَّة نقمته وبمعرفة أَحْكَام الْقُلُوب وأعمالها أفضل من علمه الَّذِي وصل إِلَيْهِ وَاعْتمد عَلَيْهِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِنَّمَا يخشاني من عبَادي من علم عزتي وملكوتي وسلطاني وَكَذَلِكَ يكثر ذكر الْمعَاد وَمَا أعد الله تَعَالَى فِيهِ من الْحساب والمناقشة على الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب

стр. 149

النَّوْع الثَّالِث الاغترار بِمَعْرِِفَة الْأَحْوَال والآداب وأخلاق النُّفُوس الذميمة والحميدة وَكَيْفِيَّة السَّعْي فِي إِبْطَالهَا وَتَقَلُّبهَا وَكَذَلِكَ معرفَة التَّعْظِيم والإجلال وَالتّرْك والإهمال وَالْخَوْف وأسبابه والرجاء وموجباته والمحبة والمهابة وَالتَّوْبَة وأركانها وشرائطها والزهد وَالرَّغْبَة ورتب المجهود فِيهِ والمرغوب فِيهِ والتوكل على الله تَعَالَى والرياء وَالْإِخْلَاص ويبالغ فِي حسن التَّعْبِير عَن ذَلِك كُله ويظن بجهله أَنه متصف بِهَذِهِ الْأَوْصَاف توهما مِنْهُ أَن حسن الْعبارَة عَنْهَا تدل على تحقيقها فيعتقد أَنه راج وَهُوَ مغرور ويعتقد أَنه خَائِف وَهُوَ متوهم ويعتقد أَنه متوكل على الله تَعَالَى وَهُوَ متوكل على الْأَسْبَاب ويعتقد أَنه مقبل على الله وَهُوَ معرض عَنهُ ويعتقد أَنه محب مَعَ خلوه من آثَار الْحبّ ويعتقد أَنه مشمر وَهُوَ متهاون إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يُوهِمهُ الشَّيْطَان أَنه من أَهله وَلَيْسَ من أَهله وَإِنَّمَا يعرف هَذَا غلطه بِأَن يجرب نَفسه فِيمَا يَدعِيهِ من الْأَوْصَاف فَإِن ادَّعَت عَلَيْهِ الْخَوْف جربها عِنْد همه بمعصيته لله تَعَالَى فَإِن أقدم على مَا هم بِهِ فَلَيْسَ بخائف ثمَّ ينظر فِي قطع الْإِصْرَار عَن ذَنبه وَالتَّوْبَة مِنْهُ فَإِن لم تسمح نَفسه بِالتَّوْبَةِ علم أَنه غير خَائِف لِأَن أول رتب الْخَوْف الْخَوْف من الذُّنُوب فَكيف يَدعِي الْخَوْف من لَيْسَ فِي رتب أدنى الْخَائِفِينَ

стр. 150

وَكَذَلِكَ توهمه نَفسه الزّهْد فِي الدُّنْيَا مَا دَامَ فاقدا لَهَا فَإِذا سنحت لَهُ الدُّنْيَا أخلد إِلَيْهَا وَأَقْبل عَلَيْهَا فَيعلم بذلك أَن زهده كَانَ من أماني نَفسه وَكَذَلِكَ يعْتَبر الْمحبَّة لله تَعَالَى بآثارها من الْأنس والمبادرة إِلَى الطَّاعَة وتجنب أَسبَاب السخط والالتذاذ بِذكرِهِ وحلاوة مناجاته وَكَثْرَة اللهج بِذكرِهِ فَإِذا لم يكن عِنْده ذَلِك علم أَن نَفسه قد كَذبته وَكَذَلِكَ يعرف أَنه متوكل على الْأَسْبَاب دون رب الأرباب بِأَن يزِيل الْأَسْبَاب فَإِذا جزعت نَفسه لذَلِك علم أَنه كَانَ مُعْتَمدًا على الْأَسْبَاب دون رب الأرباب وَمِثَال ذَلِك بِأَن يكون لرزقه أَسبَاب يعْتَمد عَلَيْهَا كضيعة أَو صَنْعَة أَو راتبا أَو من يقوم بأَمْره من ولد ووالد فتسكن نَفسه إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب فيتوهم أَن سكونه إِلَى الله فَإِذا أزيلت تِلْكَ الْأَسْبَاب جزعت نَفسه واضطربت وَتبين أَنَّهَا كَانَت مُعْتَمدَة على الْأَسْبَاب دون رَبهَا وَكَذَلِكَ يعْتَقد أَنه من المخلصين فِي أَعماله وأقواله وأحواله فَإِذا سنحت لَهُ أَسبَاب الرِّيَاء لم يملك نَفسه حَتَّى يرائي بأقواله وأعماله وأحواله

стр. 151

وَكَذَلِكَ يعْتَقد الْبَرَاءَة من الْكَذِب والإعجاب والإدلال بِالْأَعْمَالِ فَإِذا وَقعت أَسبَاب ذَلِك مَالَتْ نَفسه إِلَيْهِ وغلبته عَلَيْهِ وَإِنَّمَا غلط هَذَا فِيمَا اعتقده من الْأَحْوَال الْمَذْكُورَة من جِهَة أَن الْمُسلم الْمُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر لَا يَخْلُو عَن أصُول هَذِه الْأَحْوَال فَلَا يَنْفَكّ أحد من الْمُؤمنِينَ عَن الْإِخْلَاص لله تَعَالَى وَلَو فِي التَّوْحِيد وَلَا عَن التَّوَكُّل ولوفي حَال الشدائد وَلَا عَن محبَّة الله تَعَالَى إِمَّا لملاحظته جماله وكماله أَو بملاحظته إنعامه وإحسانه وإفضاله وَقد جبلت النُّفُوس على حب من أنعم عَلَيْهَا وَأحسن إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَا تَخْلُو عَن الرَّجَاء عِنْد مُلَاحظَة سَعَة الرَّحْمَة وَلَا عَن الْخَوْف عِنْد مُلَاحظَة شدَّة النقمَة وَلَا عَن التَّوَكُّل عِنْد مُلَاحظَة توَحد الله تَعَالَى بالنفع والضر فَلَمَّا كَانَت أصُول الْأَحْوَال مَوْجُودَة فِيهِ توهم أَن تِلْكَ الْأَحْوَال فِي رتب الْكَمَال فَإِذا دعى النَّاس إِلَى شَيْء من ذَلِك فَإِن أوهمهم أَنه متصف بِأَعْلَى رتب هَذِه الْأَحْوَال فقد تصنع بِمَا لَيْسَ فِيهِ بِلِسَان الْحَال إِلَّا أَن يَقع فِي أثْنَاء ذَلِك قَول يدل على ذَلِك فَيكون متصنعا بِلِسَان الْمقَال و (المتشبع بِمَا لَيْسَ فِيهِ كلابس ثوبي زور)

стр. 152

النَّوْع الرَّابِع الاغترار بِمَا يحفظ من كَلَام الْقصاص والوعاظ والمذكرين وَلَا يفهم مَعَانِيه وَلَا يعرف صَحِيحه من فاسده فَتَارَة يحدث بِهِ الْعَامَّة وَتارَة يخص بِهِ أَصْحَابه وَهُوَ مغتبط بِهِ يظنّ أَنه سَبَب نجاته ويقتصر فِي ذَلِك فِي طَاعَة ربه وينتفي الاغترار بذلك بِأَن يعرض أَعماله على أَقْوَاله فَإِذا وجد نَفسه واصفة للزهد وَهُوَ من الراغبين وللخوف وَهُوَ من الْآمنينَ وللإخلاص وَهُوَ من المرائين وللعفاف وَهُوَ من الْفَاسِقين وللاجتهاد وَهُوَ من الْمُقَصِّرِينَ وللإقبال على الله وَهُوَ من المعرضين علم حِينَئِذٍ أَنه من المغترين النَّوْع الْخَامِس الاغترار بِعلم الْكَلَام والجدل وَالرَّدّ على أهل الْأَدْيَان وَإِبْطَال مذاهبهم وَالرَّدّ على أهل الْبدع وَإِبْطَال بدعهم ودحض حججهم يعْتَقد أحدهم أَنه لَا يعرف الله تَعَالَى سواهُ وَأَنه لَا يَصح الْعَمَل إِلَّا بِأَحْكَام مَا عرفه وهم مَعَ ذَلِك حُفَاة عصاة يظنون علمهمْ ينجيهم من سخط رَبهم فَمنهمْ من يضيع الصَّلَوَات وَيتبع الشَّهَوَات وَلَا يقدرُونَ لأحد قدرا وَلَا يُقِيمُونَ لَهُ وزنا وتنتفي غرَّة هَؤُلَاءِ بِأَن يعلمُوا بَان الْكتاب وَالسّنة مشتملان على الْمُحكم والمتشابه وَأَن النّظر بِالْعقلِ قد يُخطئ ويصيب وَلَا يغره جزمه بمذهبه فَإِن خَصمه كَذَلِك جازم بمذهبه مضلل غَيره ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ﴾

стр. 153

وَالطَّرِيق فِي استقامة الِاقْتِدَاء بِمَا اتّفق عَلَيْهِ السّلف الصَّالح فِي أصُول الدّين وفروعه فيتابعه فَلَا يلْزمه سوى ذَلِك وَمِمَّا ينجع فِيهِ أَن الِاعْتِقَاد قد يلتبس بِالْعلمِ فيظن المعتقد الْجَازِم بانه عَارِف عَالم وبمثل هَذَا ضل أَكثر الْمُخْتَلِفين وَيدل على ذَلِك أَن الْإِنْسَان يقطع بالشَّيْء ويجزم بِهِ ثمَّ يظْهر لَهُ بطلَان جزمه لاعتقاد يَعْتَقِدهُ أَو علم يُعلمهُ فالجزم أَن يتَمَسَّك بِالسنةِ الَّتِي درج النَّاس عَلَيْهَا وَأَن لَا يتعداها إِلَى غَيرهَا لما فِي ذَلِك من المخاطرة بِالدّينِ وَمُخَالفَة سيد الْمُرْسلين ﷺ وَالسَّلَف الصَّالِحين ﵃ أَجْمَعِينَ النَّوْع السَّادِس الاغترار بِالْعبَادَة والزهادة والتقشف وَالصِّيَام وَالْقِيَام وَدَعوى محبَّة الله حَتَّى يصعق أحدهم عِنْد ذكره ويتغاشى فِي السماع إيهاما لغَلَبَة الْحبّ عَلَيْهِ وَمن هَؤُلَاءِ من يتْرك الأهم بِمَا لَيْسَ كَذَلِك ككسب الْحَلَال وتضييع الْعِيَال وَالْخُرُوج لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة بِغَيْر زَاد وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا وكل من هَؤُلَاءِ مُعْتَقد أَنه قد أَقَامَ التَّقْوَى على حُدُودهَا وحقوقها وَأَنه قد صَار إِلَى منَازِل الْمُتَّقِينَ الورعين وَطَرِيقه فِي نفي ذَلِك أَن يعْتَبر اكتسابه وأقواله وأعماله وَجَمِيع أَحْوَاله فَإِذا بحث عَن كَسبه وجده حَرَامًا أَو شُبْهَة فقد تبين لَهُ مجانبة التَّقْوَى فِي مكسبه وَإِذا حج بِغَيْر زَاد زاعما أَنه متوكل على ربه تَعَالَى فليعتبر توكله بِمَا ذَكرْنَاهُ عِنْد ارْتِفَاع الْأَسْبَاب وليعلم أَنه مُخَالف لرَسُول الله ﷺ ولأصحابه فِي تزودهم فِي أسفارهم لِلْحَجِّ وَغَيره وَإِن ظهر أَن أَقْوَاله وأعماله مُوَافقَة فِي ظَاهرهَا للْكتاب وَالسّنة فَلْينْظر فِي إخلاصها لله وليعرضها فِي نَفسه عملا عملا فَإِذا اطلع على تَصنعهُ وريائه زَالَت

стр. 154

غرته بأعمال كَانَ يعْتَقد صِحَّتهَا وَهِي بَاطِلَة عِنْد الله تَعَالَى بالرياء وَكَذَلِكَ يعْتَبر جَمِيع أَعماله الظَّاهِرَة والباطنة فَإِذا اطلع من ذَلِك على نَفسه زَالَت غرته وَأَقْبل على إصْلَاح أَعماله وأقواله النَّوْع السَّابِع الاغترار بالتورع فِي المآكل والمشارب والملابس مَعَ ظن فَاعل ذَلِك أَنه قد قَامَ بالتقوى فِي جَمِيع مَا أَمر بِهِ وَهُوَ مضيع لكثير من التَّقْوَى فِي ظَاهره وباطنه ظنا مِنْهُ أَن تقشفه فِي الْمطعم والملبس ينجيه وينفي اغتراره بذلك بَان يعلم أَن التَّقْوَى لَيست بمحصورة فِيمَا تورع فِيهِ وَأَنَّهَا مُتَعَلقَة بالقلوب والأسماع وَسَائِر الْأَعْضَاء وَأَن الله توعد من أضاع تقواه بِالْعَذَابِ الشَّديد مَعَ طيب مشربه ومطعمه وملبسه النَّوْع الثَّامِن الاغترار بالخلوة وَالْعُزْلَة والانقطاع عَن النَّاس مَعَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا وَالسُّرُور بِمَا ينْسبهُ النَّاس إِلَيْهِ من الِانْقِطَاع إِلَى الله وينفي الاغترار بذلك بِأَن ينظر فِيمَا حرمه الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ظَاهره وباطنه من

стр. 155

حِين كلف وَإِلَى وقته فَلَا يكَاد أَن يسلم فِي ذَلِك كُله بل لَا يسلم فِي بعضه فَكيف يغتر بانقطاعه وعزلته مَعَ وُقُوعه فِي مَعْصِيّة ربه الَّتِي قد تحبط أَعماله وَتسقط آماله ثمَّ ينظر بعد ذَلِك فِي جَمِيع مَا أوجبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا يكَاد يسلم من تفريطه فِي وَاجِب أَو وَاجِبَات فَإِن ظهر تفريطه فِيهَا لم يَأْمَن من أَن يكون تفريطه سَببا لإحباط عمله وحسناته وَفِي التَّنْزِيل ﴿لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾ وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث (إِن من ضيع صَلَاة الْعَصْر حَبط عمله) وَإِن أَتَى بهَا على وَجههَا لم يَأْمَن الرِّيَاء المحبط لَهَا وَإِن أخلصها لم يَأْمَن التصنع بهَا فَإِن لم يتصنع بهَا لم يَأْمَن الْإِعْجَاب بهَا والإدلال بهَا على ربه والتكبر بهَا على عباد الله تَعَالَى فَإِن سلم لَهُ ذَلِك لم يَأْمَن من إحباطه بِبَعْض ذنُوبه وَفِي إحباط الْعَمَل بالعجب نظر النَّوْع التَّاسِع الاغترار بالغزو وَالْحج وَقيام اللَّيْل وَصَوْم النَّهَار مَعَ تَضْييع أَكثر التَّقْوَى الظَّاهِرَة والباطنة وَترك التفقد لأقواله وأعماله وأحواله ظنا مِنْهُ أَن مثله لَا يحْتَاج إِلَى التفقد ونسيانا لتضييع الْوَاجِبَات وارتكاب المنهيات وتنتفي الْغرَّة بذلك بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْفَصْل قبله واغترار الَّذِي قبله

стр. 156

بالعزلة والانقطاع أقبح من اغترار هَذَا لِأَن ذَلِك اغترار بمندوب لَيْسَ بمفروض وَلَيْسَت رتبته فِي المندوبات كرتبة الْقيام وَالصِّيَام وَالْحج والغزو وَلَا يَقع إِلَّا وَاجِبا لِأَن الصُّفُوف إِذا الْتَقت تعين الْقِتَال النَّوْع الْعَاشِر الاغترار برعاية التَّقْوَى الظَّاهِرَة والباطنة والاهتمام بتقديمها على غَيرهَا من الطَّاعَات المسنونات والمندوبات مَعَ اعْتِقَاد أحدهم التوحد فِي عصره وَأَنه النَّاجِي دون غَيره وَهُوَ لَو سلمت تقواه لَهُ لم يَأْمَن أَن يحبط الله تقواه بِمَا يَقع مِنْهُ فِي الِاسْتِقْبَال أَو أَن يعذبه بِمَا تقدم من ذنُوبه قبل تقواه وينتفي الاغترار بذلك بِأَن يعرض تقواه على تقوى سلف هَذِه الْأمة وخوفه على خوفهم ووجله على وجلهم واستشعار نَفسه على استشعار أنفسهم فقد كَانُوا كَمَا وَصفهم رَبهم بقوله ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا﴾ من التَّقْوَى وَالطَّاعَة ﴿وَقُلُوبهمْ وَجلة أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون﴾ أَي خائفة من رجوعهم إِلَى جَزَاء رَبهم وَلَقَد انْتهى بهم الوجل وَالْخَوْف إِلَى أَن تمنى أحدهم أَن يكون شَجَرَة تعضد وَتمنى بَعضهم أَن يكون كَبْشًا سمنه أَهله فذبحوه وأكلوه وَقد كَانَ سيد الْأَوَّلين والآخرين ﷺ أخوفهم لله تَعَالَى مَعَ أَن هَذَا المغتر بتقواه لَا يَأْمَن أَن يكون ضيع من التَّقْوَى مَا يحبط تقواه

стр. 157

النَّوْع الْحَادِي عشر الاغترار بالعزم على التَّقْوَى وبالعزم على الْأَفْعَال الرضية وَالْأَحْوَال السّنيَّة كالبصر والتوكل وَالرِّضَا وَالْإِخْلَاص وَغير ذَلِك من الْأَحْوَال الْعلية وبالعزم على ترك الْأَخْلَاق الدنية كالغضب والحسد والرياء ويظن كل من هَؤُلَاءِ أَنه من أهل مَا عزم عَلَيْهِ بِمُجَرَّد عزمه فَإِذا سنحت لَهُ الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للمعزوم جَاشَتْ عَلَيْهِ نَفسه فَخرج عَمَّا عزم عَلَيْهِ إِلَّا الْقَلِيل مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ فَيَزْدَاد غروره لاعْتِقَاده أَنه من أهل مَا عزم عَلَيْهِ مِثَال ذَلِك أَن يعزم على الصَّبْر على مَا يُصِيبهُ فَإِذا حضر مَا يصبر عَلَيْهِ كَذبته نَفسه وَجَزِعت وَكَذَلِكَ يعزم على الْإِخْلَاص فَإِذا وجد من يرائيه جَاشَتْ نَفسه إِلَى الرِّيَاء وَحَمَلته عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ يعزم على الرِّضَا بِالْقضَاءِ فَإِذا نزل الْقَضَاء كَانَ من أَسخط النَّاس بِهِ وتنتفي الْغرَّة بذلك بِأَن يتامل التَّفْرِقَة بَين الْعَزْم وَبَين المعزوم عَلَيْهِ فَيعلم أَن الْعَزْم على الْإِخْلَاص لَيْسَ بإخلاص وعَلى التَّوَكُّل لَيْسَ بتوكل وعَلى الْحلم لَيْسَ بحلم وعَلى الصَّبْر لَيْسَ بصبر وعَلى الرِّضَا لَيْسَ بِرِضا وَأَنه مغرور بِعَمَل لم يصدر مِنْهُ بِخِلَاف من تقدم ذكره من المغرورين فَإِنَّهُم صدرت مِنْهُم أَعمال وأحوال اغتروا بهَا واعتمدوا عَلَيْهَا النَّوْع الثَّانِي عشر الاغترار بستر الله تَعَالَى على الذُّنُوب والعيوب وبإمهاله عَن الْمُؤَاخَذَة مَعَ تَضْييع كثير من حُقُوق الله تَعَالَى ظنا مِنْهُ أَن الله

стр. 158

تَعَالَى إِنَّمَا أمهله وَستر عَلَيْهِ لكرامته عَلَيْهِ وحظوته لَدَيْهِ وَأَنه إِنَّمَا حببه إِلَى إخوانه وَإِلَى غَيرهم من الْأَجَانِب لمنزلته عِنْده وتنتفي الْغرَّة بذلك بِأَن يعلم بَان ثناءهم حجَّة لله تَعَالَى عَلَيْهِ وَأَنه يلْزمه أَن يشْكر الله تَعَالَى على إِظْهَار محاسنه وَستر ذنُوبه وعيوبه وَأَنه لَا يَأْمَن أَن يخْتم لَهُ بذنوبه الَّتِي سترت عَلَيْهِ فَيكون عِنْد الله سُبْحَانَهُ من الهالكين وَأَن من أَشد الْجَهْل اغترار الْإِنْسَان بِمَا يَقُوله النَّاس بِالظَّنِّ الْكَاذِب وَترك الوجل مِمَّا يتحققه من ذنُوبه وعيوبه وَيَنْبَغِي لمن مدح بِمَا لَيْسَ فِيهِ أَن يَقُول اللَّهُمَّ لَا تؤاخذني بِمَا يَقُولُونَ واجعلني خيرا مِمَّا يظنون واغفر لي مَا لَا يعلمُونَ ٩٠ - فصل فِي سيرة المريد فِي نَومه ويقظته يَنْبَغِي للمريد إِذا أَرَادَ النّوم أَن يجدد التَّوْبَة من معاصي الله تَعَالَى وَأَن يعزم فِيمَا بَقِي من عمره على طَاعَة الله وَاجْتنَاب مَعْصِيَته وَأَن يحذر من أَن يفاجئه الْمَوْت فِي نومته وَأَن يَقُول اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَحْيَا وباسمك أَمُوت اللَّهُمَّ أَنْت خلقت نَفسِي وَأَنت تتوفاها لَك مماتها ومحياها إِن أَمْسَكتهَا فَاغْفِر لَهَا وَإِن أرسلتها فاحفظها بِمَا تحفظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحين

стр. 159

فَإِذا اسْتَيْقَظَ حمد الله تَعَالَى على إمهاله إِيَّاه وَذكر الْمعَاد وليستعد لَهُ فَإِن الْيَقَظَة من النّوم مشبهة للحياة بعد الْمَوْت وَقد كَانَ ﷺ يفعل ذَلِك فَيَقُول (الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور) ثمَّ يتَذَكَّر مَا عَاهَدَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ عِنْد نَومه استحياء مِنْهُ وإجلالا لَهُ عَن أَن ينْقض عَهده عَن قريب فَإِذا أَرَادَ أَن يلبس ثَوْبه فلينو بلبسه امْتِثَال أَمر ربه فِي ستر عَوْرَته ثمَّ ليستاك نَاوِيا للاقتداء بِسنة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ ﷺ إِذا قَامَ من النّوم شاص فَاه بِالسِّوَاكِ ثمَّ يقْضِي حَاجته ليدْخل الصَّلَاة وَهُوَ غير مدافع للأخبثين نَاوِيا لذَلِك ويبسمل قبل دُخُوله الْخَلَاء وَيَقُول (أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث)

стр. 160

فَإِذا خرج فَلْيقل (الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني مَا يُؤْذِينِي وَأبقى عَليّ مَا يَنْفَعنِي) ثمَّ يتَوَضَّأ الْوضُوء الْمَشْرُوع بسننه وآدابه راجيا تَكْفِير خطيئاته بِمَا يغسلهُ من أَعْضَائِهِ ثمَّ يقْصد إِلَى الْمَسْجِد مَاشِيا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار وبالزيارة لِلْمَسْجِدِ وَإِظْهَار الشعار ثمَّ يَأْتِي بِصَلَاة الْفجْر بشرائطها وأركانها وخشوعها وخضوعها إِن اسْتَطَاعَ ثمَّ ينظر مَا هُوَ الأهم بِهِ فِي دينه ودنياه فَليخْرجْ إِلَيْهِ فَإِن اخْتَار الْخُرُوج إِلَى منزله فَلْيدْخلْ إِلَيْهِ مشفقا من عَذَاب الله تَعَالَى ومعلما لأَهله مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي أَمر دينهم وحاثا لَهُم عَلَيْهِ امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا﴾ وليدخل فِي مدحه بقوله ﴿إِنَّا كُنَّا قبل فِي أهلنا مشفقين﴾ وَإِذا سلك طَرِيقا إِلَى منزله أَو من منزله إِلَى سوقه فلينو أَنه إِذا رأى مُنْكرا أنكرهُ أَو صَادف أمرا بِمَعْرُوف أَمر بِهِ أَو صَادف من يشرع السَّلَام عَلَيْهِ سلم

стр. 161

عَلَيْهِ فَإِن وَقع ذَلِك أثيب على نِيَّته وَفعله وَإِن لم يَقع ذَلِك أثيب على نِيَّته وَكَذَلِكَ يَنْوِي نصْرَة الْمَظْلُوم وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وليسلم فِي طَرِيقه على من مر بِهِ غير مستوعب لجميعهم وَإِن لقيك أحد من أَصْحَابك أَو معارفك فَسَأَلته عَن حَاله وَحَال أَهله كَانَ ذَلِك حسنا وآكد من يبْدَأ بِالسَّلَامِ من إِذا تركت التَّسْلِيم عَلَيْهِ سَاءَهُ ذَلِك وحقد عَلَيْك ولتكن فِي ذَلِك مخلصا لله فَإِذا سلمت على أحد من إخوانك أَو سلم عَلَيْك فاحترز كل التَّحَرُّز من التصنع والرياء بأقوالك وأفعالك أَو شَيْء من أعمالك وَإِيَّاك والتصنع بِلِسَان الْحَال فَإِنَّهُ كالتصنع بِلِسَان الْمقَال وَإِن خرجت لِاكْتِسَابِ مَا تنفقه على نَفسك أَو عِيَالك أَو على إخوانك أَو فِي حق لزمك أَو ندبت إِلَيْهِ فاقصد بذلك كُله امْتِثَال أَمر الله تَعَالَى وَطلب مرضاته وتوكل فِي ذَلِك على رَبك لَا على حسن صناعتك وَلَا على كسبك فِي تجارتك قَاصِدا لترك اكْتِسَاب الشُّبُهَات فَإِن اجتنابها أَبْرَأ لدينك وعرضك وَأكْثر من ذكر الله تَعَالَى فِي سوقك وحانوتك فَإِن ذكر الله تَعَالَى فِي الغافلين كالشجرة الخضراء فِي وسط الهشيم

стр. 162

وتجنب الْخَوْض مَعَ أَرْبَاب الْأَسْوَاق فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ وَلَا تشتغل بدنياك عَن طَاعَة مَوْلَاك وتستعمل مثل هَذَا فِي جَمِيع الْعُقُود والمعاملات وَالْقَضَاء والاقتضاء وَإِن غَدَوْت طَالبا للْعلم فاقصد بِطَلَبِهِ وتعلمه أَن تستقيم فِي نَفسك وتأمر بالاستقامة بِمُقْتَضَاهُ وان تعلمه النَّاس ابْتِغَاء وَجه الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ يكون قصدك فِي جَمِيع أقوالك وأعمالك كعيادة المرضى وتشييع الْجَنَائِز وإطعام الجيعان وَكِسْوَة الْعُرْيَان وقرى الضيفان وإغاثة اللهفان فَإِن الله تَعَالَى لَا يقبل من الْأَعْمَال إِلَّا مَا أُرِيد بِهِ وَجهه ٩١ - فَائِدَة فِي حسد الشَّيْطَان من استقام على رِعَايَة حُقُوق الله تَعَالَى فَمن استقام على رِعَايَة حُقُوق الله تَعَالَى فِي ظَاهره وباطنه كَمَا ذَكرْنَاهُ حسده الشَّيْطَان على ذَلِك فَأَرَادَ أَن يُخرجهُ عَن حيّز الرِّعَايَة إِلَى حيّز الْمعْصِيَة بِأَن

стр. 163

زين لَهُ طَاعَة من الطَّاعَات تَسْتَلْزِم كثيرا من الْمعاصِي والمخالفات فَيَقُول لَهُ انْظُر إِلَى عباد الله قد فَسدتْ قُلُوبهم واعرضوا عَن رَبهم وَأَقْبلُوا على دنياهم وَتركُوا أَمر مَوْلَاهُم فَاخْرُج إِلَى عباد الله وانصحهم فِي دين الله بدلالتهم عَلَيْهِ وإرشادهم إِلَيْهِ فَلِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس فتحثه نَفسه على ذَلِك لعلمها بِمَا يحصل لَهَا من الرِّئَاسَة والتعظيم والإجلال والخدمة ونفوذ الْكَلِمَة واعتقاد الْولَايَة فَيخرج إِلَى النَّاس لِيَدْعُوهُمْ إِلَى ذَلِك فيعظموه ويوقروه ويبذلوا لَهُ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ ويبجلونه غَايَة التبجيل ويعظمونه أقْصَى التَّعْظِيم وتستشعر النَّفس بلذة لم تستشعرها قطّ فترائي فِي بعض المواطن لِئَلَّا تَزُول تِلْكَ الْمنزلَة وَإِذا رد عَلَيْهِ شَيْء من كَلَامه غضب كَيفَ يرد على مثله وَرُبمَا قَابل الرَّاد بالشتم والسب مَعَ كَونه محقا فِي رده وَرُبمَا اغتابه ونال مِنْهُ وَنسبه إِلَى الْجَهْل وَسُوء الْأَدَب وَرُبمَا وَقعت مِنْهُ زلَّة أَو ركُوب أَمر مُبَاح لَا يَلِيق بأمثاله فيخشى من نقص مَنْزِلَته عِنْد أَصْحَابه فَيَأْتِي من الرِّيَاء والتصنع والتسميع مَا يمحو بِهِ ذَلِك من قُلُوب أَصْحَابه فَيصير معرضًا عَن الله تَعَالَى بعد أَن كَانَ مُقبلا عَلَيْهِ وظاعنا عَنهُ بعد أَن كَانَ سائرا إِلَيْهِ ومتباعدا مِنْهُ بعد أَن كَانَ متقربا إِلَيْهِ وَلَو لم يخرج إِلَى النَّاس ليسلم من هَذَا كُله وَإِنَّمَا يخرج إِلَى النَّاس من رسخت قدمه فِي التَّقْوَى ووثق بالسلامة من هَذِه الْمَفَاسِد فِي غَالب الْأَمر وَإِنَّمَا يحصل

стр. 164

لَهُ ذَلِك بعد تجربة نَفسه فِي الْوَعْظ والتذكير وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى مَعَ غَلَبَة السَّلامَة عَلَيْهِ فِي ذَلِك