Полный текст (164 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
التغاشي فيوهم الضعْف فِي قَوْله وبدنه وَجَمِيع جوارحه
وَقد يحضر ذَلِك عاشق لبَعض الْأَشْخَاص أَو من مَاتَ لَهُ حبيب عَن قرب فيبكي ويصيح وَيسْقط ويغمى عَلَيْهِ من فرط عشقه وحزنه على ميته وَيظْهر أَن ذَلِك من حبه لرَبه أَو من حزنه على تَقْصِيره فِي حق ربه
٦٤ - فصل فِيمَا ينفى بِهِ التخشع والتصنع بِمَا ذكر فِي الْفَصْل قبله
إِذا أبدى من الْخُشُوع مَا لَيْسَ فِي قلبه أَو خشع ظَاهره كَمَا خشع بَاطِنه ثمَّ زَاد فِي ذَلِك تصنعا أَو أظهر السُّقُوط أَو الصياح والتنهد تصنعا بالحب أَو الْخَوْف وَلَيْسَ بمحب وَلَا خَائِف أَو أظهر ذَلِك عَن خوف من غير تصنع ثمَّ أحدث التصنع أَو أظهر السُّقُوط أَو الغشي عَن الْخَوْف وَلَيْسَ بخائف أَو أظهر ذَلِك عَن خوف حَقِيقِيّ ثمَّ تصنع أَو زَاد رِيَاء أَو بَكَى مَغْلُوبًا أَو تباكى تصنعا أَو غير هَذَا مِمَّا فِي مَعْنَاهُ فطريقه فِي نفي ذَلِك كُله أَن يفكر فِي نظر الله إِلَيْهِ واطلاعه عَلَيْهِ وَأَنه يظْهر الْخَوْف من الله تَعَالَى وَهُوَ آمن أَو يظْهر الْحزن على مَا فَاتَهُ من الله تَعَالَى وَهُوَ خلي من الْحزن وَأَنه يتحبب إِلَى النَّاس بِمَا يتبغض بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَأَنه لَا يَأْمَن أَن يطلع الله
стр. 107
الْعباد على تَصنعهُ فيمقتوه فيجتمع مقت النَّاس إِلَى مقت الله تَعَالَى فيخسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا أدمن على ذَلِك بالفكر والملاحظة والاستحضار ذهب تَصنعهُ لمن لَا يملك لَهُ ضرا وَلَا نفعا وأخلص عمله لمن لَهُ الْأَمر كُله
٦٥ - فَائِدَة فِي زِيَادَة خشوع العَبْد إِذا نظر النَّاس إِلَيْهِ
إِذا نظر النَّاس إِلَى الخاشع فَزَاد خشوعه فَإِن تصنع بِهِ فمراء وَإِن زَاد فِيهِ من غير تصنع فَلهُ أَحْوَال
إِحْدَاهَا أَن يزِيدهُ لله وَحده فَهَذَا مخلص
الثَّانِيَة أَن يزِيد فِي خشوعه لِئَلَّا يطْمع النَّاس فِيهِ فيمنعوه من خشوعه
الثَّالِثَة أَن يفعل ذَلِك ليقتدى بِهِ فَفِيهِ فَضِيلَة الْخُشُوع وَالسَّبَب إِلَى الِاقْتِدَاء
الرَّابِعَة أَن يزِيد فِي خشوعه إرغاما للشَّيْطَان الَّذِي حمله على التصنع بالخشوع فَهَذَا مخلص مُجَاهِد الشَّيْطَان
стр. 108
٦٦ - فصل فِي إِيثَار الْأَصْحَاب الْأَغْنِيَاء على الْفُقَرَاء
من صحب غَنِيا وَفَقِيرًا أَو كَانَت مخالطته للغني أَكثر من مخالطته للْفَقِير وزيارته للغني أَكثر من زيارته للْفَقِير فَلهُ أَحْوَال
إِحْدَاهَا أَن تكون مخالطته للغني أسلم لَهُ فِي دينه أَو أَزِيد فِي علمه وَعَمله أَو لِأَنَّهُ أَجْهَل من الْفَقِير فيزيد تَعْلِيمه وإرشاده فمخالطته للغني على هَذَا الْوَجْه أولى من مُخَالطَة الْفَقِير
الثَّانِيَة أَن يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ فَتكون مُخَالطَة الْفَقِير أولى من مُخَالطَة الْغَنِيّ
الثَّالِثَة أَن يَسْتَوِي حَال الْفَقِير وَحَال الْغَنِيّ فَيتَخَيَّر بَينهمَا إِلَّا أَن يتَرَجَّح أَحدهمَا بِقرَابَة أَو مجاورة أَو رحم
الرَّابِعَة أَن يلتبس عَلَيْهِ الْأَمر فَيعرض على نَفسه أَن الْفَقِير لَو كَانَ غَنِيا والغني فَقِيرا أَكَانَ يُؤثر الْغَنِيّ أم لَا فَإِن كَانَ بِحَيْثُ أَن يُؤثر الْغَنِيّ على الْفَقِير فَليعلم أَنه إِنَّمَا آثره عَلَيْهِ لغناه وَإِن كَانَ بِحَيْثُ لَا يؤثره عَلَيْهِ فَهُوَ مُخَيّر مَا لم يسنح سَبَب يَقْتَضِي إِيثَار أَحدهمَا على الآخر
стр. 109
٦٧ - فصل فِيمَا يعين على ترك الْمعاصِي رِيَاء كَانَ أَو غَيره
وَلذَلِك أَمْثِلَة
أَحدهمَا مَا يعين على ترك الرِّيَاء وَهُوَ أَن لَا يحاضر قوما يرائيهم إِلَّا لضَرُورَة كأداء فَرِيضَة أَو معيشة كافيه لنَفسِهِ وَعِيَاله ويتحرز من ذَلِك جهده وطاقته
الثَّانِي أَن يكون مِمَّن لَا يقدر على حفظ بَصَره من الْمَحَارِم فَلَا يخرج إِلَى الْأَسْوَاق وَلَا يجلس على الطَّرِيق وَلَا ينظر فِي طاق يتَعَرَّض فِيهِ لرؤية الْمَحَارِم إِلَّا أَن يخرج لأَدَاء فَرِيضَة أَو كِفَايَة معيشة
الثَّالِث أَن لَا يخالط أَقْوَامًا لَا يكَاد يسلم مَعَهم دينه مثل أَن يوافقهم على الْغَيْبَة أَو على تَصْدِيق كاذبهم أَو تَكْذِيب صادقهم أَو على الإزراء بِالْمُسْلِمين واحتقارهم فَلَا يخالط هَؤُلَاءِ إِلَّا لضَرُورَة مَعَ التَّحَرُّز من موافقتهم على أغراضهم
فَإِن خالطهم لغير ضَرُورَة دعت ل ذَلِك فقد غرر بِدِينِهِ
стр. 110
وَتعرض لإسخاط ربه
فَإِن جالسهم على مذاكرة علم أَو نَحْوهَا من الطَّاعَات المندوبات فانجر بهم الْحَال إِلَى شَيْء من الْمعاصِي فليعرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره فَإِن جرت نَفسه فِي مخالطتهم فتكرر ذَلِك مِنْهُم مرَارًا فليجتنب مخالطتهم لما تجر إِلَيْهِ من الْمعْصِيَة إِذْ لَا تقوم المذاكرات والتطوعات بالمعصية وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِإِخْوَان وَلَا أصدقاء وَلَا أَصْحَاب لِأَن الْأَخ وَالصديق والصاحب من يسلم مَعَه دينك أَو تزداد بمجالسته خيرا
وَأما من يعرضك لسخط الله تَعَالَى ومعصيته فَإِنَّهُ باسم الْعَدو أولى مِنْهُ باسم الصّديق فَعَلَيْك أَن لَا تستهين بِمَا يجْرِي بَيْنكُم من الْكَلم فَرب كلمة يكْتب الله بهَا لقائلها سخطه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾
وَمن هَؤُلَاءِ من لَا يرضى مِنْك إِلَّا بالتصنع ويلتمس مِنْك أَن تعادي من عَادَاهُ أَو توالي من وَالَاهُ وَتصدقه فِي كذبه وتعينه على ظلمه
والجليس السوء كصاحب الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك شرره وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا مُنْتِنَة وَقد قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى يَا مُوسَى كن يقظان مرتادا لنَفسك إخْوَانًا فَكل خدن لَا يؤاتيك على مسرتي فَلَا تصحبه فَإِنَّهُ عَدوك وَهُوَ يقسى عَلَيْك قَلْبك
стр. 111
وَلَا يُؤْتى النَّاس فِي الْأَغْلَب إِلَّا مِمَّن يشاكلهم فيجتمعون تَارَة على الْخَيْر فيحسدهم الشَّيْطَان عَلَيْهِ فيزين لَهُم الِانْتِقَال مِنْهُ إِلَى الحَدِيث الْمُبَاح من الفكاهة وَغَيرهَا فَإِن أجابوه إِلَى ذَلِك طمع فيهم وَحَملهمْ على الْخُرُوج إِلَى اغتياب من يبغضونه وَإِلَى احتقار من لَا يجوز احتقاره فَإِن أجابوه إِلَى ذَلِك دعاهم إِلَى مَا هُوَ أَشد مِنْهُ من السّعَايَة فِيمَن يكرهونه وَفِي أذيته وَحط مَنْزِلَته عِنْد النَّاس
والشيطان صياد حاذق يصطاد كل إِنْسَان بشكله وَنَظِيره كَمَا يفعل الصيادون فِي اصطياد كل طير بشكله
فالويل كل الويل لمن آثر طَاعَة الشَّيْطَان على طَاعَة الرَّحْمَن فَقدم إرضاء الإخوان على إرضاء الديَّان
٦٨ - فَائِدَة فِي المجالسة
يسهل عَلَيْك مقاطعة من ذكرت وَترك مُجَالَسَته بِأَن تعرض على نَفسك مَا فِي مُجَالَسَته من التَّعَرُّض لغضب الله تَعَالَى وَسخطه وتطيل التفكر فِي ذَلِك فتكره لقاءه بِسَبَبِهِ وَمَا مثلك فِي ذَلِك إِلَّا كَمثل من يلقى إخوانه
стр. 112
فَكلما لَقِي وَاحِدًا مِنْهُم أَخذ شَعْرَة من لحيته أَو سلكا من ثَوْبه فَإِنَّهُ يكره لقاءهم فَإِنَّهُ لَو واظب على لقائهم على تِلْكَ الْحَال لأصبح بَادِي الْعَوْرَة منتوف اللِّحْيَة وَهَذَا مِمَّا يأنف مِنْهُ كل عَاقل
وَمهما دعتك نَفسك إِلَى مجالستهم ومخالطتهم لما ألفته من مصاحبتهم فاعرض ذَلِك على نَفسك فَإِنَّهَا تنفر مِنْهُم وَتكره لقاءهم
فَإِن بليت بمخالطة من لَا تقدر على مُفَارقَته كالأهل وَمن تشتغل مَعَهم بِالْعلمِ أَو بِالشّركَةِ فِي الصَّنَائِع والتجارات أَو بِمن يستأجرك أَو تستأجره فالطريق فِي فطامهم أَن تظهر لَهُم شدَّة كراهتك لمشاركتهم فِي معاصيهم وغفلتهم فَإِن أَبَوا عَلَيْك فالطريق فِي ذَلِك أَن تعظهم وتأمرهم بِالْمَعْرُوفِ وتنهاهم عَن الْمُنكر فَتكون مأجورا أَجْرَيْنِ أَحدهمَا على كفك عَن مشاركتهم فِي عصيانهم وَالْآخر فِي أَمرهم بِالْمَعْرُوفِ ونهيهم عَن الْمُنكر فَإِن أجابوك إِلَى ذَلِك كَانَ لَك أجر ثَالِث على إجابتهم فَإِن من دعى إِلَى هدى كَانَ لَهُ أجره وَمثل أجور من دعاهم إِلَيْهِ فَإِن شقّ عَلَيْك ذَلِك فِي
стр. 113
ابْتِدَاء الْأَمر فواظبت عَلَيْهِ ابْتِغَاء مرضات الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى يهونه عَلَيْك وييسره لَك بِحَيْثُ يصير ألفا وَعَادَة لَك وَالله لَا يضيع أجر من أحسن عملا
٦٩ - فصل فِي بَيَان أَن النَّفس شَرّ أَعدَاء الْإِنْسَان
الشَّيْطَان عَدو فاتن للْإنْسَان وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا وَلِهَذَا جمع الله تَعَالَى بَينهمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾
وَكَذَلِكَ كل شَيْطَان إنسي يَدْعُوك إِلَى مَعْصِيّة الله تَعَالَى
وَشر أعدائك نَفسك الَّتِي بَين جنبيك لِأَن الدُّنْيَا والشيطان يدعوانك بغرورهما وَكَذَلِكَ شَيْطَان الْإِنْس
وَلَا ضَرَر عَلَيْك فِي دُعَاء هَؤُلَاءِ إِلَى مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَإِنَّمَا تضررك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بإجابة هَؤُلَاءِ إِلَى مَا يدعونك إِلَيْهِ فهم متسببون وَهِي مُبَاشرَة
والعهدة الْعُظْمَى على الْمُبَاشر دون المتسبب مَا لم يكن قاهرا مجبرا وَلذَلِك يَقُول الشَّيْطَان يَوْم الْقِيَامَة ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي فَلَا تلوموني﴾ لِأَنِّي متسبب ولوموا أَنفسكُم لأنكم مباشرون وَإِذا أردْت أَن تعرف نَفسك فَانْظُر فِي كَثْرَة مخالفتها ومعصيتها
стр. 114
كَيفَ عرضتك بِكُل ذَنْب من ذنوبها لسخط الله تَعَالَى وعقابه ثمَّ انْظُر فِي حسناتها وَفِي مقاصدها بأعمالها قل مَا ينفعك عمل من أَعمالهَا من رِيَاء أَو كبر أَو عجب فَإِذا كشفت عَن ذَلِك حق الْكَشْف وفتشت عَنهُ حق التفتيش عرفت أَنَّهَا هِيَ الْمُبَاشرَة لأسباب إهلاكك بمعاصيها وصور طاعتها الَّتِي لَا تنفك عَن رِيَاء أَو كبر أَو إعجاب
وَمِمَّا يبين لَك كذبهَا وغدرها أَنَّهَا تعدك بِكَثِير من الطَّاعَات قبل حُدُوث أَسبَاب تِلْكَ الطَّاعَات فَإِذا أحدثت أَسبَابهَا أخلفت وعدها وَظهر تعزيرها وأبدلت مَا وعدته من الطَّاعَات بِمَعْصِيَة أَو معاص عِظَام وَمَا مثلهَا فِي غدرها وغرورها إِلَّا كَمثل رجل وَعدك أَنه يساعدك عِنْد الضَّرُورَة وينصرك عِنْد الْغَلَبَة فَإِذا حدثت الضَّرُورَة وَالْغَلَبَة خذلك وأسلمك للهلكة
ولكذبها وإخلاف وعدها أَمْثِلَة مِنْهَا أَن تعدك بالحلم عِنْد جهل الْجَاهِلين أَو أذية المؤذين فَإِذا جهل عَلَيْك جَاهِل أَو آذَاك مؤذ أخلفت وعدها فَلم تحلم عَنهُ وارتكبت من سبه وإضراره وَالسَّعْي فِي أذيته مَا لَا يحل مثله
стр. 115
وَمِنْهَا أَن تعدك بالإخلاص فِي جَمِيع الْأَفْعَال وَأَن لَا تفعلها إِلَّا لله وَحده فَإِذا سنحت الْعِبَادَة وَوجدت من ترائيه غدرت بك ونقضت عزمها وراءت بأعمالها وتصنعت بأحوالها وأقوالها
وَمِنْهَا أَن تعدك بالورع عِنْد حُصُول أَسبَابه فَإِذا حصلت أَسبَابه لم تتورع وارتكبت أعظم الشُّبُهَات غدرا مِنْهَا وَقلة حَيَاء من رَبهَا
وَمن ذَلِك أَن تعدك بالزهد فِي الْأَشْيَاء قبل تَملكهَا وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا فَإِذا ملكتها وقدرت عَلَيْهَا تكالبت عَلَيْهَا واشتدت رغبتك فِيهَا
وَكَذَلِكَ أَيْضا تعدك بِالرِّضَا بِالْقضَاءِ قبل نُزُوله فَإِذا نزل الْقَضَاء كرهت مَا زعمت أَنَّهَا ترْضى بِهِ وتسخطت بِالْقضَاءِ وَلم تصبر على الْبلَاء ولمثل هَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث (وَأَسْأَلك الرضاء بعد الْقَضَاء)
وَمن ذَلِك أَن تعدك بالتوكل مَعَ قيام الْأَسْبَاب عِنْد انْقِطَاع الْأَسْبَاب فَإِذا انْقَطَعت الْأَسْبَاب رجعت إِلَى المخلوقين فخافتهم ورجتهم وَكَانَت قبل ذَلِك تتوهم أَنَّهَا متوكلة على الله تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَت متوكلة على الْأَسْبَاب فتظن أَنَّهَا من الراضين بِالْقضَاءِ وَلَيْسَت براضية بل عازمة عَلَيْهِ
стр. 116
وَكَذَلِكَ تظن الْإِخْلَاص قبل الْعَمَل وَلَيْسَت بمخلصة وَإِنَّمَا هِيَ عازمة على الْإِخْلَاص
وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَحْوَال قبل حُضُور أَسبَابه فَإِنَّهَا عازمة عَلَيْهِ متصفة بِهِ فَالْتبسَ عَلَيْهَا الْعَزْم بالمعزوم عَلَيْهِ جهلا مِنْهَا بأوصافها ومتعلقات أوصافها
وَلَو أَنَّك خوفتها بأنواع التخويف وحثثتها على الطَّاعَة بأنواع الْحَث فأجابت إِلَى الطَّاعَة لَصَارَتْ إِلَى الْمعاصِي الْخفية كالرياء وَالْكبر والإعجاب وَغير ذَلِك مِمَّا يسنح للعباد دون أهل الغي وَالْفساد وَلَيْسَ غرضها بِمَا تدعوك إِلَيْهِ من الْمعاصِي الجلية والخفية أَن تهلكك وَأَن تعرضك لعذاب الله تَعَالَى وَإِنَّمَا غرضها أَن تنَال شهوتها ولذتها أَيْنَمَا كَانَت وَحَيْثُ مَا عجلت سفها مِنْهَا وغفلا وجهلا بعواقب الْأُمُور بِخِلَاف الشَّيْطَان فَإِنَّهُ يَأْمُرك بِطَاعَة هَوَاك ليهلكك ويرديك لَا لتلتذ بنيل هَوَاك وبلوغ مناك
وَلَو قدر أَن يهلكك بِمَا لَا لَذَّة فِيهِ لفعل لفرط عداوته إياك وَكَيف لَا تتحرز من عَدو لم ترد خيرا قطّ إِلَّا نازعتك إِلَى خِلَافه إِن لم يكن مُوَافقا لهواها وَلَا عرض لَك شَرّ قطّ يُوَافق هَواهَا إِلَّا كَانَت هِيَ الداعية إِلَيْهِ والحاثة عَلَيْهِ وَلَا ضيعت خيرا قطّ إِلَّا بهواها وَلَا ركبت مَكْرُوها قطّ إِلَّا بمحبتها
стр. 117
ومناها فَكيف لَا تحذر مِمَّن هَذَا شَأْنهَا وَقد شهد عَلَيْهَا خَالِقهَا بِأَنَّهَا أَمارَة بالسوء كَمَا شهد على الشَّيْطَان أَنه يَأْمر بالسوء والفحشاء
إِن تيقظت لمعادك شغلتك عَن ذَلِك بالفكر فِي شهواتها وَأمر دنياها فَإِن قهرتها بعقلك نازعتك أَشد الْمُنَازعَة حَتَّى لَا يَخْلُو شَيْء من صلواتك من فكرها فِي هَواهَا وَأمر دنياها وَلَو عاملك بعض أعدائك بِمَا تعاملك بِهِ على الدَّوَام لأبغضته ومقته وقاطعته وهجرته وَلَكِن هَذَا عَدو لَا تقدر على مقاطعته وَلَا على مهاجرته إِذْ لَا يمكنك مفارقتها وَلَا يجوز لَك قَتلهَا فَهِيَ الْعَدو الملازم الَّذِي لَا يُفَارق وجهادها أعظم من جِهَاد الْكفَّار لِأَنَّك إِذا قتلت عَدوك الْكَافِر أجرك الله على ذَلِك وَإِن قَتلك أَعْطَاك الله تَعَالَى منَازِل الشُّهَدَاء وَلَو قتلتك نَفسك أَو قتلتها لخسرت الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فشرها قَائِم وغرورها دَائِم
فَيَنْبَغِي لَك أَن تقَابل شَرها وغرورها بقمع أوصافها وردع أخلاقها حَتَّى تسوقها إِلَى الله وَهِي كارهة
فَعَلَيْك بِأخذ حذرك مِنْهَا متوكلا على رَبك لَا على حذرك وَهِي مَعَ هَذِه الْأَوْصَاف الخسيسة والأخلاق الذميمة إِذا وفقك الله تَعَالَى لشَيْء من الطَّاعَة وابتغاء مرضاته على خلاف غرضها نسبت ذَلِك إِلَى نَفسهَا ونسيت
стр. 118
منَّة خَالِقهَا وَإِن نبهك الله سُبْحَانَهُ على خير نسبت ذَلِك إِلَى نَفسهَا وأدلت بِهِ على رَبهَا مَعَ أَنه لم ينبهك للخير سواهُ
فإياك إياك أَن تنْسب الْخَيْر إِلَى من لم تعرفه إِلَّا بِالشَّرِّ وانسب ذَلِك إِلَى رَبك الَّذِي وفقك لذَلِك ونبهك عَلَيْهِ ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ وَاعْتمد فِي ذَلِك كُله على لطف الله تَعَالَى وَحسن توفيقه فَمَا التَّوْفِيق إِلَّا من عِنْد الله وَمَا التَّحْقِيق إِلَّا من رفده
٧٠ - فَائِدَة فِي أَخذ الحذر من الْعجب
وَاعْلَم أَنَّك إِذا اسْتَقَمْت وقمعت نَفسك استعظمت أفعالك فأعجبت
стр. 119
بذلك فألقتك فِي مهالك الْعجب الَّذِي أهلك كثيرا من الْعَالمين والعابدين والزاهدين
لِأَن من أعجب بِعَمَلِهِ لم ير لنَفسِهِ ذَنبا فيتوب مِنْهُ وَلم ير لنَفسِهِ تقصيرا فيقلع عَنهُ وَقد جَاءَت الشَّرِيعَة بذم الْإِعْجَاب لأدائه إِلَى مَا ذكرته
فالعجب معم لأكْثر الذُّنُوب والعيوب مُوجب لاستعظام الطَّاعَات والإدلال بهَا على رب السَّمَاوَات مفض إِلَى الْعِزَّة وَالْكبر والتعظيم على الْعباد حَتَّى يصير المعجب كَأَن لَهُ منَّة على الله تَعَالَى لاستعظامه أَعماله وَكَذَلِكَ يمن على عباد الله بِمَا يسديه إِلَيْهِم من معروفه وإحسانه فِي زَعمه فَمَا أجدره بِأَن يحبط الله عمله بإعجابه ويكله ربه على نَفسه
وَاعْلَم أَن سَبَب الْعجب استعظام واستكثار لما فِيك من خير وَعلم وَعمل بزعمك
فَأَما الْعلم فمعرفة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة
стр. 120
وَيَقَع الْإِعْجَاب أَيْضا بِالرَّأْيِ الصَّوَاب وَهُوَ الْقيَاس الصَّحِيح
وَيَقَع أَيْضا بِالرَّأْيِ الْخَطَأ وَهُوَ الْقيَاس الْفَاسِد وَالِاسْتِدْلَال الْبَاطِل وَهُوَ خطأ من وُجُوه
أَحدهَا زيغه عَن الْحق
الثَّانِي فرحه بِالْبَاطِلِ
الثَّالِث إعجابه بِمَا لَا يجوز إعجابه بِهِ وَالْعجب فرحة فِي النَّفس بِإِضَافَة الْعَمَل إِلَيْهَا وحمدها عَلَيْهِ مَعَ نِسْيَان أَن الله تَعَالَى هُوَ الْمُنعم بِهِ والمتفضل بالتوفيق لَهَا
وَمن فَرح بذلك بِكَوْنِهِ منَّة من الله تَعَالَى واستعظمه لما يَرْجُو عَلَيْهِ من ثَوَاب الله وَلم يضف ذَلِك إِلَى نَفسه وَلم يحمدها عَلَيْهِ فَلَيْسَ بمعجب
وَكَذَلِكَ إِذا علمت أَن كل نعْمَة من الله ثمَّ استعظمت شَيْئا من أعمالك نَاسِيا غافلا عَن كَونه من الله تَعَالَى وَمن نَفسك غير حَامِد لنَفسك عَلَيْهِ فلست بمعجب وَلَو استحضرت كَونهَا من الله تَعَالَى كَانَ ذَلِك أفضل
فالفرح بِنِسْبَة النعم إِلَى الله تَعَالَى مَأْمُور بِهِ فِي كتاب الله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ وَإِنَّمَا الشَّرّ والإعجاب فِي نِسْبَة تِلْكَ النعم إِلَى النَّفس ونسيان كَونهَا من الله تَعَالَى وَمَا أَجْدَر من فعل ذَلِك أَن يكله الله إِلَى نَفسه كَمَا فعل بأصحاب رَسُول الله ﷺ تَسْلِيمًا يَوْم حنين إِذْ أعجبتهم كثرتهم فنسبوا
стр. 121
النَّصْر إِلَى الْكَثْرَة ونسوا نسبته إِلَى الله تَعَالَى ﴿علوا كَبِيرا﴾ فخذلوا فهزموا مَعَ أَنهم خير خلق الله
وَقد يُؤَدِّي الْعجب إِلَى الإدلال على الله تَعَالَى
والإدلال أَن يرى العَبْد أَن لَهُ عِنْد الله قدرا عَظِيما قد اسْتَحَقَّه وَاسْتحق الثَّوَاب عَلَيْهِ مَعَ الْأَمْن من عِقَاب الله تَعَالَى وَلَيْسَ رَجَاء الْمَغْفِرَة مَعَ الْخَوْف إدلالا
واللإدلال عَلَامَات
مِنْهَا أَن يُنَاجِي ربه بإدلاله بِعَمَلِهِ
وَمِنْهَا أَن يستنكر أَن ينزل بِهِ بلَاء
وَمِنْهَا أَن يستنكر أَن ينصر عَلَيْهِ غَيره أَو ترد دَعوته مَعَ كَونه عَامل بِالْعَمَلِ الَّذِي استعظمه حَتَّى حمله الْعجب والإدلال فَمَا أَجْهَل المدل على الله تَعَالَى بِعَمَلِهِ كَيفَ يدل على ربه بإنعامه عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَالشُّكْر على النعم من جملَة النعم وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا﴾ وَقد قَالَ سيد الْأَوَّلين والآخرين ﷺ (مَا مِنْكُم من أحد ينجيه عمله) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله مِنْهُ برحمة وَفضل)
стр. 122
٧١ - فَائِدَة فِي أَن الْإِعْجَاب لَا يَقع إِلَّا بِصفة كَمَال
لَا يَقع الْعجب إِلَّا بِصفة كَمَال أَو مَا يعْتَقد انه صفة كَمَال
فَمن أَخطَأ فِي اعْتِقَاده أَو فِي مَسْأَلَة من مسَائِل الْفُرُوع فَإِنَّمَا أَتَاهُ الْإِعْجَاب من جِهَة أَنه ظن أَنه على الصَّوَاب فأعجب بصوابه إِذْ لَا يَصح الْإِعْجَاب إِلَّا بِمَا يعلم أَو يظنّ أَنه من بَاب الخيور وَمَا فَرح هَؤُلَاءِ بخطئهم إِلَّا باعتقادهم أَنهم أَصَابُوا
وَقد ذمّ الله ﵎ فَرَحهمْ فِي كِتَابه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾
٧٢ - فصل فِيمَا يَنْفِي الْإِعْجَاب بِالْعلمِ وَالْعَمَل والرأي الصَّوَاب
وينفى ذَلِك باستحضار أَن الَّذِي وفقك للْعَمَل إِنَّمَا هُوَ الله وَأَن النَّفس لَا صنع لَهَا فِي ذَلِك وَأَنَّك إِنَّمَا فعلته على كَرَاهَة مِنْهَا وَأَن من الْخَطَأ أَن تنْسب الْخَيْر إِلَى من لم تعرفه إِلَّا بِالشَّرِّ وَأَن تقطعه عَن من لَهُ الْأَمر كُله وَأَن النعم كلهَا مِنْهُ
فَإِذا لاحظت ذَلِك وداومت عَلَيْهِ ارْتَفع عَنْك الْعجب
стр. 123
فَإِن غفلت عَن ذَلِك فَعَادَت إِلَى الْإِعْجَاب ونسيت منَّة الله رب الأرباب فعاودها بالدواء الَّذِي ذكرته كلما عَادَتْ
٧٣ - فصل فِيمَا يَنْفِي الْإِعْجَاب بِالرَّأْيِ الْخَطَأ
لَيْسَ الْخَطَأ نعْمَة حَتَّى يَقع الْإِعْجَاب بهَا وَإِنَّمَا هِيَ بلية من الله يتَوَهَّم الْمُخطئ أَنَّهَا نعْمَة من الله تَعَالَى فيعجب بهَا
وَطَرِيقه فِي نفي الْإِعْجَاب بِهِ أَن يعلم أَنه من جملَة بني آدم وَأَن بني آدم قد أخطؤوا وَضَلُّوا فِي كثير من الْفُرُوع وَالْأُصُول وأعجبوا بخطئهم ظنا مِنْهُم أَنه صَوَاب وَهُوَ بشر مثلهم يجوز عَلَيْهِ مَا جَازَ عَلَيْهِم ومآخذ الْحق وَالصَّوَاب
стр. 124
مَوْجُودَة فِي السّنة وَالْكتاب فَمن ذَلِك مَا هُوَ مُحكم ظَاهر لَا يَقع فِيهِ خطأ وَمِنْه مَا هُوَ متشابه قَابل للخطأ وَالصَّوَاب فَيجب عَلَيْهِ أَن يتَوَقَّف فِيهِ وَأَن لَا يجْزم فِيهِ بِرَأْي حَتَّى يقف على دَلِيل شَرْعِي يعْتَمد على مثله
فَإِن لم يقف على دَلِيل يرشده إِلَى مُرَاد الله تَعَالَى وَمُرَاد رَسُوله ﷺ من ذَلِك الْمُتَشَابه فليسأل الْعلمَاء عَن ذَلِك فَإِن وَقَفُوهُ على مَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ أصغى إِلَيْهِ وَاعْتمد عَلَيْهِ وَإِن لم يقفوه على ذَلِك آمن بالمتشابه وَلم يتأوله حَتَّى يقف على دَلِيل شَرْعِي مُوجب للتأويل وعَلى الْعَامَّة الْإِيمَان بالمتشابه ورد مَعْنَاهُ إِلَى الْعلمَاء
وَقد يَقع الْإِعْجَاب بِمَا يسْتَقْبل من الْأَعْمَال بِنَاء على عزمه وحزمه وَمَا جربه من نَفسه نَاسِيا لمنة ربه ومضيفا لَهُ إِلَى نَفسه الأمارة بالسوء
٧٤ - فصل فِيمَا يَقع بِهِ الْإِعْجَاب من الْأَسْبَاب الدُّنْيَوِيَّة غير الْأَسْبَاب الدِّينِيَّة
وَيَقَع الْإِعْجَاب بِأَسْبَاب أخر غير الْعلم وَالدّين
فَمن ذَلِك إعجاب الْمَرْء بِحسن صَوته نَاسِيا لإنعام الله تَعَالَى عَلَيْهِ بذلك
стр. 125
وَقد يحملهُ حسن الصَّوْت على الْفُجُور والافتخار بِهِ على غَيره وينفي ذَلِك بنظره فِي بَدْء خلقه وَأَنه خلق من نُطْفَة قدره وَفِيمَا يَنْقَلِب إِلَيْهِ من الأقذار وَبِمَا يصير إِلَيْهِ فِي آخر أمره من سيلان صديده وتبديل صورته ونتنه وَتغَير رِيحه وَفِي تضييعه مَا وَجب عَلَيْهِ من شكر ربه وَفِيمَا يتَعَرَّض لَهُ بترك الشُّكْر من سخط الله وَدخُول النَّار الْمُغيرَة لشكله وَحسن صورته
وَمن ذَلِك الْإِعْجَاب بِالْقُوَّةِ باستعظامها والاعتماد عَلَيْهَا ونسيان شكرها مَعَ ترك الاتكال على خَالِقهَا كَمَا قَالَت عَاد من أَشد منا قُوَّة وكما أدل سُلَيْمَان ﵇ بقوته فَقَالَ لأطوفن اللَّيْلَة على سبعين امْرَأَة
وَلم يقل إِن شَاءَ الله
وينفي الْعجب بذلك بِأَن يعلم أَنَّهَا نعْمَة من الله تَعَالَى ابتلاه بهَا هَل يستعملها فِي طَاعَته أم فِي مَعْصِيَته وَإِن الله قَادر على أَن يسلبها مِنْهُ فَيُصْبِح من اضعف خلق الله
وَمن ذَلِك الْعجب بِالْعقلِ والذهن والفطنة باستعظام ذَلِك واستحسانه ونسيان نعم الله تَعَالَى بِهِ والاتكال عَلَيْهِ أَن يدْرك بِهِ من أُمُور دينه ودنياه مَا لَا يصل إِلَيْهِ غَيره نَاسِيا لإنعام الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ للتوكل على الله
стр. 126
عز وَجل فِي ذَلِك كُله وَقد يحملهُ ذَلِك على الْجِدَال بِالْبَاطِلِ ورد الْحق على أَهله واستصغار علم الْعلمَاء بِالْإِضَافَة إِلَى علمه
وَقد يستصغر مَا علموه من الْبر وَالْخَيْر مَعَ تضييعه الْعَمَل بذلك اجتراء مِنْهُ بفهمه وفطنته وينفي الْعجب بذلك بِأَن يعلم بَان الله هُوَ الْمُنعم عَلَيْهِ بذلك نعْمَة من الله ابتلاه بهَا لتَكون حجَّة عَلَيْهِ آكِد مِنْهَا على غَيره وَأَنه لَا يَأْمَن أَن يسلبه الله تَعَالَى ذَلِك كَمَا فعل بِغَيْرِهِ وَكَيف يَنْفَعهُ عقله وجودة ذهنه إِذا كَانَ غَيره أطوع لله تَعَالَى مِنْهُ فَمَا أغْنى عَنْهُم سمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم من شَيْء
وَمن ذَلِك الْعجب بالحسب وَهُوَ أَن يتعظم بانتسابه إِلَى من عظم الله قدره فِي الدّين وَالْعلم والرسالة والنبوة نَاسِيا لإنعام الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ ومحتقرا لعباد الله ومعتقدا أَن لَهُ الْحق عَلَيْهِم
وَقد يعْتَقد أحدهم أَن ينجو بِغَيْر عمل وَقد يفتخر على النَّاس بذلك مَعَ عصيانه وفجوره
وينفي الْعجب بذلك بِأَن يعده من إنعام الله تَعَالَى عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَأَن الأحساب لَا تجلب شَيْئا من الثَّوَاب وَلَا تدفع شَيْئا من
стр. 127
الْعقَاب وَأَن أكْرم النَّاس عِنْد الله أَتْقَاهُم وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لابنته فَاطِمَة وَعَمَّته صَفِيَّة ﵄ (لَا أُغني عنكما من الله شَيْئا) وَأَن الأحساب لَيست من أَسبَاب الثَّوَاب
وليعلم أَن أسلافه الَّذين يفتخر بهم إِنَّمَا شرفوا بِطَاعَة الله وَاجْتنَاب مَعْصِيَته وَقد كَانَ أَبُو طَالب وَأَبُو لَهب من اقْربْ النَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلم يغن ذَلِك عَنْهُمَا من الله شَيْئا وَلَا يغتر بِمَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ من الشَّفَاعَة لبني عبد الْمطلب فَإِن الله لَا يشفع فِي أحد من ذَوي الأحساب وَلَا من غَيرهم إِلَّا لمن ارتضى مِنْهُم فَهُوَ وَغَيره مِمَّا لَا حسب لَهُ فِي ذَلِك سَوَاء
وَقد يبلغ الْحمق بأحدهم بِأَن يعجب بالانتماء إِلَى جمَاعَة من أكَابِر مُشْركي الْعَرَب وينفي الْإِعْجَاب بذلك بِأَن يعلم أَن الَّذين افتخر بهم عِنْد الله وَعند عباده الْمُؤمنِينَ شَرّ من الْكلاب مَعَ التخليد فِي الْعَذَاب وَلَو تصاغرت بِهِ نَفسه إِلَى الانتماء إِلَى هَؤُلَاءِ لَكَانَ أولى بِهِ
وأحمق من هَؤُلَاءِ من يعجب بالانتماء إِلَى الْمُلُوك الْمُشْركين من غير الْعَرَب استعظاما لقدره ونسيانا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ من السخط وَالْعَذَاب وينفي الْإِعْجَاب بذلك بِأَن يعلم أَن
стр. 128
مَا كَانُوا فِيهِ من السعَة والسطوة وبال عَلَيْهِم من الله فَإِذا لاحظ ذَلِك وَعلم هوانهم عِنْد الله انْتَفَى إعجابه بذلك
وَمِنْهُم من يعجب بِكَثْرَة الْعدَد وَالْأَوْلَاد والمماليك والموالي والعشائر وَالْأَصْحَاب متكلا عَلَيْهِم نَاسِيا للتوكل على رب الأرباب وَقد يحملهُ ذَلِك على أَن يَسْطُو بِمن خَالفه ويبطش بِمن آسفة اعْتِمَادًا على كَثْرَة عدده ومدده
وينفي الْعجب بذلك بِأَن يعلم أَن النَّصْر من عِنْد الله وان الْكَثْرَة لَا تغني شَيْئا كَمَا لم تغن كَثْرَة الصَّحَابَة عَنْهُم يَوْم حنين شَيْئا مَعَ أَنهم خير عِصَابَة على وَجه الأَرْض وَبِأَن يعلم أَن وَلَده وعشيرته وخوله وَإِن كَثُرُوا لن يغنوا عَنهُ شَيْئا إِذا حضر الْمَوْت وأفرد فِي قَبره وَيَوْم يبْعَث مُنْفَردا وكل مِنْهُم مَشْغُول عَنهُ بِنَفسِهِ ﴿يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه لكل امْرِئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه﴾ وَبِأَن يعلم أَن كَثْرَة مَا ذَكرْنَاهُ من النعم الْمُوجبَة للشكر وَأَن من شكرها أَن لَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَلَا يسْتَند إِلَيْهَا
وَمِنْهُم من يعجب بِكَثْرَة الْأَمْوَال فيفتخر بهَا على الْفُقَرَاء ويحتقرهم بِسَبَب فَقرهمْ وخصاصتهم وينفي عجبه بذلك بِأَن يعلم أَن الْأَمْوَال فتْنَة ومحنة ابْتُلِيَ بهَا الْعباد ﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾
стр. 129
وَأَن الْأَكْثَرين هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة وَأَن الله قد عافى الْفُقَرَاء من التَّعَرُّض لهَذِهِ الْفِتْنَة وخلصهم من هَذِه المحنة وَأَن غنى قَارون كَانَ سَببا لإهلاكه
٧٥ - فصل فِي الْكبر
الْكبر أَن يتعظم على غَيره أَنَفَة مِنْهُ واحتقارا لَهُ
وَله أَسبَاب من جُمْلَتهَا الْعجب وَهُوَ أكبرها وَكَذَلِكَ يُطلق الْكبر على الْعجب لِأَنَّهُ سَبَب عَنهُ وَلَا يتكبر إِلَّا من جهل قدره وعظمة ربه
وَقد تهدد الله تَعَالَى المتكبرين فِي كِتَابه الْعَزِيز وعَلى لِسَان نبيه ﷺ لِأَن العظمة والكبرياء لَا يليقان إِلَّا بِرَبّ الأرباب
وَقد تسمى أَخْلَاق الْكبر كبرا أَيْضا لكَونهَا مسببة عَنهُ
стр. 130
وَالْكبر أَقسَام أَحدهَا الْكبر عَن بعض طَاعَة الله تَعَالَى
الثَّانِي الْكبر عَن مُتَابعَة رَسُول الله ﷺ
الثَّالِث الْكبر على الْعباد أَن يرى أَنه خير مِنْهُم فَينْظر إِلَيْهِم بِعَين الازدراء والأنفة والحقرية وَأَن لَا يقبل مِنْهُم الْحق لعلمه أَنه حق فَمن أمره بِخَير تكبر عَن قبُوله مِنْهُ مَعَ علمه أَنه صَوَاب كَمَا تكبرت الْيَهُود عَن مُتَابعَة رَسُول الله ﷺ وهم يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وكما تكبر إِبْلِيس على آدم مَعَ علمه بِأَن الله تَعَالَى فَضله عَلَيْهِ
وَقد يحمل التكبر على الْمَخْلُوق على التكبر على الْخَالِق كَمَا فعل إِبْلِيس إِذْ حمله التكبر على آدم على التكبر عَن السُّجُود فَمن رأى أَنه خير من أَخِيه حقرية لَهُ وازدراء بِهِ أَو رد الْحق وَهُوَ يعرفهُ فقد تكبر على الْعباد
وَمن تعظم وأنف عَن الذل والخضوع لطاعة الله تَعَالَى فقد تكبر على الله تَعَالَى
فَأصل الْكبر التَّعْظِيم وَحَقِيقَته الأنفة والازدراء ورد الْحق مَعَ الْعلم بِهِ
стр. 131
٧٦ - فصل فِي الْكبر الْمُسَبّب عَن الْعجب بِالْعلمِ
من أعجب بِعِلْمِهِ تكبر على من هُوَ دونه فِي الْعلم وعَلى الْعَامَّة وينتهر من يُعلمهُ وَإِن وعظ عنف وَإِن وعظ أنف وَإِن أَمر بِالْحَقِّ لم يقبله وَإِن نَاظر ازدرأ بمناظريه وينقبض عَن النَّاس ليبدؤوا بِالسَّلَامِ ويسخرهم فِي أغراضه ويغضب على من لم يقم بحوائجه
فَمن المتكبرين من يجمع بَين هَذِه الْخلال القبيحة لفرط غفلته عَن الله
وَمِنْهُم من يُعَامل النَّاس بِبَعْض ذَلِك
وَالْعلم كالغيث ينزل من السَّمَاء حلوا صافيا فتغيره الْأَشْجَار إِلَى طباعها فَيَزْدَاد المر مرَارَة والحلو حلاوة وَكَذَلِكَ الْعلم إِذا حصله المتكبرون ازدادوا كبرا إِلَى كبرهم وَإِذا ناله المتواضعون ازدادوا تواضعا إِلَى تواضعهم
стр. 132
٧٧ - فصل فِي الْكبر الْمُسَبّب عَن الْعجب بِالْعَمَلِ
من تكبر إعجابا بِعَمَلِهِ احتقر من لَا يعْمل مثل عمله فَإِن كَانَ أَجْهَل مِنْهُ قَالَ مضيع جَاهِل وَإِن كَانَ أعلم مِنْهُ قَالَ الْحجَّة عَلَيْهِ أعظم مِنْهَا عَليّ فَينْظر إِلَى النَّاس بِعَين الاحتقار والازدراء منقبضا عَنْهُم ليبدؤه بِالسَّلَامِ وَلَا يبدؤهم ويزوروه وَلَا يزورهم ويعودوه وَلَا يعودهم ويخدموه وَلَا يخدمهم وَإِن بَدَأَ أحدا مِنْهُم بِالسَّلَامِ أَو زَارَهُ أَو عَاده رأى أَنه قد تفضل عَلَيْهِ وَأحسن إِلَيْهِ وَأَن مثلهم لَا يسْتَحق ذَلِك مِنْهُ ويرجو لنَفسِهِ أَكثر مِمَّا يرجوه لَهُم وَيخَاف عَلَيْهِم أَكثر مِمَّا يخَاف على نَفسه آمنا من عَذَاب الله تَعَالَى وهم يتواضعون لَهُ ويوقرونه ويقومون بحقوقه الْوَاجِبَة والمندوبة تقربا إِلَى الله وَهُوَ يعاملهم بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْأَوْصَاف مَعْصِيّة لله فيهم فهم عِنْد الله تَعَالَى خير مِنْهُ
٧٨ - فصل فِي الْكبر الْمُسَبّب عَن الرِّيَاء
من تكبر على الرِّيَاء حمله ذَلِك على أَن يرد الْحق على من أمره بِهِ أَو ناظره فِيهِ وَإِن كَانَ أفضل مِنْهُ وَأعلم كي لَا يُقَال غلب فلَان فلَانا
стр. 133
أَو خطاه أَو قهره فيخرجه ذَلِك إِلَى الأنفة من قبُول الْحق وَالِاعْتِرَاف بِهِ وَقد يُوجب الحقد تكبرا مُوجبا لرد الْحق مَعَ الْعلم بِهِ كَمَا ذَكرْنَاهُ من الْكبر الْمُسَبّب عَن الْعجب
٧٩ - فَائِدَة فِي أَن الْإِعْجَاب وَالْكبر فِي الْغَالِب لَا يكون إِلَّا بنعم دينية أَو دنيوية
لَا يكون الْإِعْجَاب وَالْكبر فِي الْغَالِب إِلَّا بنعم دينية أَو دنيوية وَنعم الدّين أعظم من نعم الدُّنْيَا وَقل أَن يَخْلُو عَارِف أَو عَابِد أَو عَالم عَن نوع من الْكبر وَلَكِن قد يَخْلُو الْقوي عَن آثَار الْكبر فَإِن تكبر بِقَلْبِه لم يحملهُ ذَلِك على رد الْحق وَلَا على شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ من أَفعَال الْجَوَارِح المذمومة
وَقد جَاءَ عَن حُذَيْفَة ﵁ أَنه ترك إِمَامَة قومه لِأَن نَفسه حدثته أَنه أفضلهم
وَاسْتَأْذَنَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِمَام قوم فِي أَن يَدْعُو بدعوات بعد الصَّلَوَات فَمَنعه من ذَلِك خوفًا عَلَيْهِ من الْكبر وَقَالَ أَخَاف أَن تنتفخ حَتَّى تبلغ الثريا
стр. 134
٨٠ - فصل فِي التكبر بالأسباب الدُّنْيَوِيَّة
وَهِي ضروب
أَحدهَا التكبر بِالْأَحْسَابِ الْمُوجبَة احتقار النَّاس واجتنابهم والافتخار عَلَيْهِم مثل أَن يَقُول أَنا فلَان بن فلَان فَمن أَبوك وَمثلك يُقَاوم مثلي أَو يخاطبه وَقد يَقع ذَلِك لبَعض الصَّالِحين فِي بعض الْأَحَايِين فِي أَوْقَات الغفلات وَلَكِن لَا يخرجهم ذَلِك إِلَى جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ
الثَّانِي التكبر بِالْقَوِيّ وَحسن الصُّور وَيخرج إِلَى الافتخار بذلك على من هُوَ دونه وَإِلَى حقريته واجتنابه
الثَّالِث التكبر بالأموال وَالْأَوْلَاد وَكَثْرَة العشائر وَالْأَنْصَار يخرج إِلَى الافتخار والاحتقار لمن لَيْسَ كَذَلِك
стр. 135
٨١ - فصل فِيمَا ينفى بِهِ الْكبر
ينفى الْكبر بِأَن يعلم الْإِنْسَان أَن الله خلق أَبَاهُ من التُّرَاب ثمَّ من حمأ مسنون أَي طين منتن ثمَّ جعل نَسْله من نُطْفَة قدره فِي مَكَان قذر فأوجده بعد الْعَدَم وأسمعه بعد الصمم وأنطقه بعد الْبكم وَخلق لَهُ الْعقل الَّذِي يعرف بِهِ أَوْصَافه ثمَّ أخرجه من بطن أمه ضَعِيفا عَاجِزا جَاهِلا ثمَّ رباه إِلَى أَن أدْركهُ أَجله وَهُوَ فِيمَا بَين ذَلِك ملابس الأقذار كالبول وَالْغَائِط والمخاط والبزاق لَا يَنْفَكّ عَن ذَلِك وَلَا يتَخَلَّص مِنْهُ يُرِيد أَن يذكر فينسى وَأَن يعلم فيجهل وَأَن يَصح فيسقم وَأَن يقدر فيعجز وَأَن يَسْتَغْنِي فيفتقر لَا يملك لنَفسِهِ ضرا وَلَا نفعا وَلَا خفضا وَلَا رفعا وَهُوَ مَعَ ذَلِك كثير الْكبر على الْعباد والجرأة على رب الأرباب لَا يشْكر إحسانه إِلَيْهِ وَلَا يذكر إنعامه عَلَيْهِ وَلَا يستحي من وُقُوفه غَدا بَين يَدَيْهِ عُرْيَان حافيا حاسرا فيسأله عَن أَعماله كلهَا دقها وجلها فيا خجلته بَين يَدَيْهِ من عرض أَعماله القبيحة عَلَيْهِ بل لَو ذكر انْفِرَاده فِي الْقَبْر عَن الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد والحشم والأحفاد وَقد صَار جيفة قذرة مُنْتِنَة لَكَانَ ذَلِك مَانِعا لَهُ من الْكبر الَّذِي لَا يَلِيق إِلَّا بِمن لَا يَزُول وَلَا يحول وَلَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع
стр. 136
الْبَصِير
فسبحان من العظمة إزَاره والكبرياء رِدَاؤُهُ فَمن نازعه من ذَلِك كَانَ جَدِيرًا بِالْعَذَابِ وَسُوء المآب
وعَلى الْمَرْء إِذا خَافَ الْإِعْجَاب أَن يتفقد نَفسه فَإِن خطرت لَهُ خطرة للكبر فطريقه فِي ذَلِك أَن يردعها عَن ذَلِك بِمَا ذَكرْنَاهُ فَإِن أَبَت نَفسه زجرها بوعيد الله وتهديده
وَإِن تكبر فِي مناظرة أَو فِي سُؤال من دونه فليردعها عَن ذَلِك حَتَّى تقبل الْحق مِمَّن هُوَ دونهَا وتعترف لمن يناظرها بِالْحَقِّ وَالصَّوَاب وَكَذَلِكَ يردعها عَن الِامْتِنَاع من الْكسْب الدنيء إِذا كَانَ حَلَالا وَعَن الأنفة من حمل سلعتها وَكَذَلِكَ يزجرها عَن إِجَابَة الدَّاعِي وَإِن كَانَ عبدا أَو فَقِيرا وَكَذَلِكَ عِيَادَة الضُّعَفَاء والفقراء وَإِن كَانَ أرفع مِنْهُم فِي حَسبه وَنسبه وَكَذَلِكَ لَا يأنف من الانتساب إِلَى أَصله وَإِن كَانَ دنيا وَكَذَلِكَ لَا يأنف من لبس الخشن من الثِّيَاب وَأكل الخشن من الطَّعَام وَمن جَمِيع مَا يأنف مِنْهُ الجبارون والمتكبرون
стр. 137
وَإِذا شكّ فِي نَفسه هَل تواضعت أم لَا فليمتحنها بِهَذِهِ الْأَسْبَاب فَإِن أنفت مِنْهَا واستكبرت عَنْهَا فَهُوَ بَاقٍ على كبره متوهم أَنه صَار من أهل التَّوَاضُع وَقد جرب عبد الله بن سَلام ﵁ نَفسه فِي ذَلِك بِأَن حمل حزمة حطب مَعَ كَثْرَة غلمانه وَأَتْبَاعه تجربة لنَفسِهِ
وَقد يحملهُ الْكبر على أَن يتصنع بِمَا لَيْسَ عِنْده من الْعلم وَالْعَمَل والحسب الشريف ونزاهة النَّفس وسلامة الْعرض وَكَذَلِكَ يحملهُ على ترك الِاخْتِلَاف إِلَى الْعلمَاء إِظْهَارًا مِنْهُ أَنه مثلهم أَو أفضل مِنْهُم وَأَن يأنف أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ غَيره فِي الصَّلَاة كل ذَلِك تكبرا أَو خوفًا من سُقُوط مَنْزِلَته عِنْد النَّاس
وَرُبمَا أوهمته نَفسه أَنه يتْرك السُّؤَال وَغَيره حَيَاء من النَّاس وَهُوَ متكبر غير مستح يخيل إِلَيْهِ أَن كبره استحياء إِلَيْهِ ليروج عَلَيْهِ الْكبر وَيدْفَع ذَلِك كُله بِمَا ذكر أول الْفَصْل
стр. 138
٨٢ - فصل فِي ترك الْكبر على الْفُسَّاق وَالْتِبَاس الْكبر بالبغض لله سُبْحَانَهُ وَالْغَضَب لله
النَّاس بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك أَقسَام
أَحدهَا من لَا تعرفه وَلَا تعرف أَنَّك فضلت عَلَيْهِ
الثَّانِي من تعرفه بذنوب أقل من ذنوبك فَلَا يمكنك أَن تتكبر على هَذَا وَلَا على الْقسم الأول
الثَّالِث من عرفت أَن ذنُوبه أَكثر من ذنوبك وعيوبه أكبر من عيوبك مَعَ أَنَّك من عيوبك على يَقِين وَمن عيوبه على ظن
فَإِن كنت تخَاف على نَفسك من الْعقُوبَة أَكثر مِمَّا تخَاف عَلَيْهِ فلست بمتكبر عَلَيْهِ وَإِن خفت عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا تخَاف على نَفسك فَأَنت متكبر عَلَيْهِ فَإِن سَبَب الْخَوْف الْعِصْيَان
فَلَو كَانَ خوفك لأجل مَعْصِيَته مَعَ قلتهَا لَكَانَ خوفك على نَفسك مَعَ كَثْرَة مَعَاصِيك أَكثر وَإِن كَانَت مَعَاصيه أَكثر من مَعَاصِيك فالطريق فِي ترك الْكبر عَلَيْهِ بِأَن تعرف نعْمَة الله عَلَيْك بعصمته إياك من مثل عمله وَأَن تغْضب عَلَيْهِ وتجانبه غضب الله تَعَالَى مَعَ خوفك على نَفسك بِحَيْثُ لَا ترى أَنَّك نَاجٍ وَهُوَ هَالك إِذْ لَا تَدْرِي بِمَا يخْتم لَهُ وَبِمَا يخْتم لَك
وَأَنَّك أمرت بالخوف على نَفسك دون الْخَوْف عَلَيْهِ إِلَّا من طَرِيق الإشفاق مَعَ ملازمتك الْخَوْف من سوء الخاتمة وَمِمَّا اقْترن بأعمالك الصَّالِحَة من المفسدات كالرياء وَالْعجب وَغَيرهمَا
فكم من عَاص ختم الله أَعماله بِأَحْسَن الْأَعْمَال وَكم
стр. 139
من مُطِيع ختم الله أَعماله بسيء الْأَعْمَال ﴿لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم﴾
وَكَذَلِكَ أهل الْبدع المضلون للنَّاس يجب عَلَيْك أَن تبغضهم فِي الله وَأَن لَا تنكر عَلَيْهِم بِحَيْثُ تظن أَنَّك عِنْد الله خير مِنْهُم فَإِن الْأَعْمَال بالخواتيم وَلَا تَدْرِي بِمَاذَا يخْتم لَك من الْأَعْمَال وبماذا يخْتم لَهُم
وَكَذَلِكَ الْكفَّار تبغضهم فِي الله وتعاديهم فِيهِ وَلَا تتكبر عَلَيْهِم بِنَاء على أَن عاقبتك عِنْد الله خير من عاقبتهم إِذْ لَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا
وَلَا يدْرِي أحد بِمَاذَا تختم أَعماله فقد ارْتَدَّ جمَاعَة من الصَّحَابَة وماتوا على الرِّدَّة
وَكم من كَافِر احتقره الْمُؤْمِنُونَ وَكَانَ عِنْد الله خيرا مِنْهُم
أَلا ترى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ تَأَخّر إِسْلَامه عَن إِسْلَام جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ ولعلهم كَانُوا ينظرُونَ إِلَيْهِ قبل إِسْلَامه بِعَين الإزراء وَلَا يَدْرُونَ أَنه عِنْد الله تَعَالَى أفضل مِنْهُم
стр. 140
وَلَيْسَ من الْكبر أَن يعرف الْإِنْسَان مَا فَضله الله تَعَالَى بِهِ على غَيره وَإِنَّمَا الْكبر أَن يحتقره وينكر عَلَيْهِ أَنه عِنْد الله فِي الْآخِرَة خير مِنْهُ مَعَ جَهله بِمَا يؤول إِلَيْهِ أَمرهمَا
٨٣ - فصل فِي الْحَسَد والتنافس
التنافس عبارَة عَن طلب الْأَنْفس وَهُوَ مَأْمُور بِهِ فِي الدّين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ والحسد تمن وَهُوَ من أَعمال الْقُلُوب وَله آثَار من الْأَقْوَال والأعمال
وَالتَّمَنِّي ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يتَمَنَّى مثل مَا لغيره من الْفضل وَالْخَيْر فِي الدّين أَو الدُّنْيَا ويعبر عَنهُ بالغبطة
وَالثَّانِي أَن يتَمَنَّى زَوَال مَا لغيره من فضل فِي دين أَو دنيا فَهَذَا مَنْهِيّ عَنهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بِهِ بَعْضكُم على بعض﴾ وَأمر بالغبطة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ والحسد المذموم ضَرْبَان شرهما أَن يتَمَنَّى زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود وَإِن لم تصل إِلَيْهِ
وَالثَّانِي أَن يتَمَنَّى زَوَالهَا عَن الْمَحْسُود إِلَيْهِ
стр. 141
وَقد أجمع الْعلمَاء على تَحْرِيم هذَيْن الضربين وَورد بذلك الْكتاب وَالسّنة فِي غير مَا مَوضِع
وَشر الْحَسَد الْحَسَد على معاصي الله وَهُوَ أَن يتَمَنَّى أَن يتَمَكَّن من الْمعاصِي الَّتِي يَفْعَلهَا غَيره
وَلَيْسَ من الْحَسَد أَن لَا ينَال غَيره خيرا من خيور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَن الْحَسَد مَخْصُوص بِمَا حصل من النعم
وينشأ التحاسد فِي الدّين عَن فرط الْمحبَّة لطاعة الله تَعَالَى وَفِي الدُّنْيَا عَن فرط الْمحبَّة للدنيا وَقد يكون مسببا عَن الْكبر وَعَن الْعجب وَعَن الرياسة وَحب الْمنزلَة والرياء وَقد يكون مسببا عَن الْعَدَاوَة والبغضاء وَهُوَ أَشدّهَا فَإِنَّهُ قد يحث على السَّعْي فِي إهلاك النُّفُوس وَالْأَمْوَال
وَلَا يتَصَوَّر الْحَسَد لمحبوب لِأَن الْمُحب يتَمَنَّى زِيَادَة النعم للمحبوب وَلَا يتَمَنَّى زَوَال النعم عَنهُ
وَقد يَقع التحاسد على تَفْضِيل دُنْيَوِيّ كإيثار الْأَب أحد ابنيه وَالزَّوْج لإحدى زوجتيه
وَقد يَقع التحاسد بَين أَرْبَاب الصَّنَائِع والمتعلقين بالأمراء والملوك
стр. 142
وَقد يَقع التحاسد بِسَبَب الْإِعْجَاب بالفضائل فِي الْأَنْسَاب وَكَذَلِكَ التَّمَاثُل فِي الْأَنْسَاب كالأخوة وَبني الْأَعْمَام بحسد بَعضهم بَعْضًا وَكَذَلِكَ يحْسد الْعباد الْعباد وَالْعُلَمَاء الْعلمَاء
وَالْغَالِب أَن الْحَسَد لَا يَقع إِلَّا بَين المشتركين فِي فَضِيلَة من الْفَضَائِل أَو فِي شَيْء من الْأَسْبَاب الدُّنْيَوِيَّة فَلَا يحْسد الْفَقِيه النَّحْوِيّ وَلَا التَّاجِر الْجمال وَلَا الصَّانِع الْبَقَّال
وَمن أَسبَاب الْحَسَد التجاوز وَلذَلِك أَمر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْأَقَارِب أَن يتزاوروا وَلَا يتجاوروا
وَقَالَ كَعْب ﵁ مَا من حَكِيم فِي قوم إِلَّا حسدوه وكثروا عَلَيْهِ
وَشر أَنْوَاع الْحَسَد تمني زَوَال النعم عَن عباد الله وَإِن لم تصل إِلَى الْحَاسِد
ويزال هَذَا النَّوْع بِأَن تعلم أَنَّك لم تحب لأخيك الْمُسلم مَا أَحْبَبْت لنَفسك وَأَنَّك شاركت الشَّيْطَان فِي عَدَاوَة أَخِيك الْمُسلم وسخطت لما أعْطى الله عباده من غير أَن يحصل لَك بذلك نفع أَو غَرَض صَحِيح
وَمَا الحاسدون إِلَّا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن يهْلكُونَ إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
стр. 143
وَمثل الْحَاسِد مَعَ الْمَحْسُود كَمثل رجل رمى إنْسَانا بِحجر ليَقْتُلهُ أَو يفقأ عينه فَرجع الْحجر عَلَيْهِ فَقتله أَو فَقَأَ عينه بل حَال الْحَسَد أَشد لِأَنَّهُ يتَعَرَّض بحسده لغضب الله تَعَالَى وَسخطه عَلَيْهِ
٨٤ - فَائِدَة فِي مدافعة خطرة الْحَسَد
لم يُكَلف الله تَعَالَى الْعباد أَن يخرجُوا عَن مُقْتَضى طباعهم فِي الْحَسَد وَلَا فِي شَيْء من الشَّهَوَات وَإِنَّمَا عَلَيْك إِذا خطرت لَك خطرة الْحَسَد ودعاك الشَّيْطَان إِلَيْهِ أَن تكره ذَلِك أَشد الْكَرَاهَة لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من السَّعْي فِي مضارة الْمَحْسُود وَكَذَلِكَ كَرَاهَة جَمِيع الشَّهَوَات تكرهها إِذا نازعتك نَفسك وعدوك إِلَيْهَا
٨٥ - فَائِدَة أُخْرَى فِي آثَار الْحَسَد
للحسد آثَار قبيحة وَهِي السَّعْي فِي أذية الْمَحْسُود بالأقوال وَالْأَفْعَال وَإِزَالَة النِّعْمَة عَنهُ فَمن حسد وَترك آثَار الْحَسَد فَلهُ حالان
стр. 144
أَحدهمَا أَن يكره الْحَسَد وَلَا يُرِيد ضَرَر الْمَحْسُود فَلَيْسَ هَذَا بحاسد
الثَّانِي أَن لَا يكره الْحَسَد فقد قَالَ بعض النَّاس لَا إِثْم عَلَيْهِ إِذْ لَا حسد على الْحَقِيقَة إِلَّا السَّعْي فِي أذية الْمَحْسُود وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْحَسَد من أَفعَال الْقُلُوب وَقد يتجوز بِهِ عَن آثاره فتسمى حسدا وَإِنَّمَا نهى عَن الْحَسَد لكَونه إِذا تمكن من الْقلب حمل على الْمُعَامَلَة بآثاره فَيكون تَحْرِيمه من بَاب تَحْرِيم الْوَسَائِل
٨٦ - فَائِدَة فِي إِثْم الْحَسَد وآثاره
الْحَسَد بِالْقَلْبِ ذَنْب بَين الْحَاسِد وَبَين الرب تَعَالَى لَا تقف صِحَة التَّوْبَة عَنهُ على تَحْلِيل الْمَحْسُود وإبرائه بِخِلَاف آثَار الْحَسَد فَإِنَّهَا أذية للمحسود فَلَا تصح التَّوْبَة عَنْهَا إِلَّا بِالْخرُوجِ عَن عهدتها لِأَن الضَّرَر لَيْسَ بِمُجَرَّد الْحَسَد وَإِنَّمَا هُوَ بتعاطي آثاره
٨٧ - فصل فِي النَّهْي عَن الْغرَّة
الْغرَّة اعْتِمَاد الْقلب على مَا لَا يَنْبَغِي أَن يعْتَمد عَلَيْهِ كاعتماد الْعَالم على
стр. 145
علمه والحليم على حلمه والزاهد على زهادته وَالْعَابِد على عِبَادَته والعارف على مَعْرفَته والعصاة على إمهال الله تَعَالَى إيَّاهُم والأغنياء على غناهم وَهَذَا شرك فَإِن الِاعْتِمَاد لَيْسَ إِلَّا على رَحْمَة الله إِذْ لَا يُنجي أحدا عمله إِلَّا أَن يتغمده الله برحمة مِنْهُ وَفضل وَقد يلتبس على الْعَامَّة الرَّجَاء بالغرة فيجترئ على الْمعاصِي اغْتِرَارًا بسعة الرَّحْمَة وَكَثْرَة النِّعْمَة وجهلا بِالْفرقِ بَين الْغرُور والرجاء فَإِن الرَّجَاء إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد أَسبَاب الْفَلاح وطرق النجاح
فَمن بذر بذرا فِي أَرض طيبَة وتعهد بذره تعهد مثله كَانَ راجيا لاستغلاله
وَمن بذر بذرا فِي أَرض خبيثة أَو فِي أَرض طيبَة وَلم يتعهده تعهده مثله ثمَّ قَالَ أَنا راج لاستغلاله قيل لَهُ بل أَنْت مغرور لِأَن الرَّجَاء إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد الْقيام بِأَسْبَاب المرجو
ومدار الْغرُور كُله على الْجَهْل فَمَا اغْترَّ الْكفَّار بعبادتهم إِلَّا جهلا مِنْهُم بحبوطها وَمَا اغْترَّ المبتدعة ببدعهم إِلَّا جهلا مِنْهُم ببطلانها وَمَا اغْترَّ الْأَغْنِيَاء بغناهم إِلَّا جهلا مِنْهُم بِأَنَّهُ فتْنَة ومحنة وظنا مِنْهُم أَنه كَرَامَة ونعمة
следующие страницы →