← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6875

مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢١ - فصل فِي بَيَان الْمنَازل فِي رِعَايَة التَّقْوَى وَالتَّقوى تتَعَلَّق بالقلوب والجوارح فنبدأ بِمَا يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ إِذا خطرت خطرة يكرهها الله تَعَالَى من أَعمال الْقُلُوب كالكبر والرياء والحسد وَالْعجب فَأول الْمنَازل فِي رِعَايَة التَّقْوَى أَن يقطع اسْتِمْرَار خطورها عَن الْقلب على الْفَوْر

стр. 37

الثَّانِيَة أَن يَدعهَا حَتَّى تتمكن من قلبه وتغلب على لبه وتميل إِلَيْهَا نَفسه ويحثه عَلَيْهَا شَيْطَانه وَلَا يعزم عَلَيْهَا حَتَّى يحضرهُ خوف من الله تَعَالَى أَو حَيَاء أَو إجلال فيقطعها وَلَا يُحَقّق الْعَزْم عَلَيْهَا الثَّالِثَة أَن يعزم عَلَيْهَا ثمَّ يقطع الْعَزْم عَلَيْهَا قبل ملابستها الرَّابِعَة أَن يسْتَمر عزمه عَلَيْهَا فيلابسها فيشرع فِيهَا ثمَّ يوفق للتَّوْبَة عَنْهَا فيقطعها خوفًا أَو حَيَاء أَو إجلالا وَأما أَعمال الْبدن فأقسام أَيْضا أَحدهَا أَن يقطع الخطرة على الْفَوْر من خطورها الثَّانِي أَن يَدعهَا حَتَّى تستمكن من قلبه وتستحكم فِي لبه ويميل طبعه إِلَيْهَا فتحثه النَّفس والشيطان عَلَيْهَا ثمَّ يقطعهَا الثَّالِث أَن يقصدها ويعزم عَلَيْهَا ثمَّ يقطع الْعَزْم عَلَيْهَا الرَّابِع أَن يسْتَمر الْعَزْم عَلَيْهَا إِلَى أَن يشرع فِيهَا فَيقطع الشُّرُوع فِيهَا الْخَامِس أَن يرجع عَنْهَا قبل إكمالها وإتمامها أَو بعد الشُّرُوع فِيهَا كمن نظر إِلَى محرم أَو اسْتمع إِلَى محرم أَو تكلم بِمحرم أَو أصغى إِلَى محرم أَو بَطش بِمحرم أَو سعى إِلَى محرم ثمَّ حَضَره خوف أَو حَيَاء أَو إجلال فَترك إتْمَام مَا شرع فِيهِ قبل بُلُوغ مقْصده مِنْهُ

стр. 38

السَّادِس أَن يكمل الْفِعْل الْمحرم الَّذِي عزم عَلَيْهِ ثمَّ أدْركهُ النَّدَم على فعله وَمُخَالفَة أَمر ربه فَتَابَ وَعقد عزمه أَن لَا يعود إِلَيْهِ وَقد يبلغ بِهِ بِحَيْثُ يَتُوب من جَمِيع الذُّنُوب لفرط خَوفه أَو حيائه أَو إجلاله السَّابِع أَن يَتُوب من الْبَعْض دون الْبَعْض إِمَّا لفرط شَهْوَته لَهُ أَو لشدَّة مشقة تَركه أَو لِأَنَّهُ يعْتَقد أَنه من الصَّغَائِر وَخير من هَؤُلَاءِ كلهم من طهر الله تَعَالَى قلبه من هَذِه الخطرات إِلَّا فِي أنذر الْأَوْقَات والمذنبون أَقسَام أحدهم من يسْعَى فِي التخويف الْحَامِل على التَّوْبَة مَعَ شدَّة مشقة التخويف عَلَيْهِ وَهُوَ مستشعر الأسى والبكاء والحزن على مَا فَاتَ فَهُوَ يخوف نَفسه فِي كثير من الْأَوْقَات بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْخَوْف الناجع الْمُفِيد

стр. 39

الثَّانِي من يكره ذنُوبه ويحزنه تَقْصِيره وَلَا يسْعَى فِي التخويف الْحَامِل للتَّوْبَة وَلكنه يسوف بِهِ من وَقت إِلَى وَقت وَمن زمَان إِلَى زمَان الثَّالِث الْمصر على الذُّنُوب غير مكترث بهَا وَلَا عازم على الإقلاع عَنْهَا وَلَا على التخويف لَهَا لِأَنَّهُ يحتقرها وَلَا يَرَاهَا عَظِيمَة عِنْد الله ﴿وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ النُّور أَو لاعْتِقَاده أَن تَوْبَة مثله لَا تقبل أَو لاعْتِقَاده أَن التخويف لَا ينجع فِي مثله وَطَرِيق الْقسمَيْنِ الْأَوَّلين أَن يذكرَا شَيْئَيْنِ أَحدهمَا مباغتة الْمَوْت ومعالجته قبل التَّوْبَة فيلقيا ربهما وَهُوَ عَلَيْهِمَا ساخط غَضْبَان وَالثَّانِي التخويف من أَن يؤديهما الْإِصْرَار على الذُّنُوب إِلَى الرين والطبع على الْقُلُوب فَيُقَال للَّذي يسوف بِالتَّوْبَةِ ويؤخرها أَنْت لَا تَخْلُو من ثَلَاثَة أَحْوَال إِمَّا أَن تَمُوت قبل التَّوْبَة فتتعرض لسخط الله تَعَالَى أَو أَن يران على قَلْبك فَلَا يُؤمن عَلَيْك سوء الخاتمة

стр. 40

أَو أَن توفق للتَّوْبَة بعد التسويف فَيطول وقوفك فِي موقف الْحساب مَعَ مذلة التوبيخ والتعنيف وَلَو أَنَّك عجلت التَّوْبَة لأمنت من ذَلِك فَانْظُر لنَفسك قبل أَن تروم التَّوْبَة فَلَا تقدر عَلَيْهَا وتسأل الرّجْعَة إِلَى الدُّنْيَا فَلَا تجاب إِلَيْهَا والاستعداد للقاء الله تَعَالَى ضَرْبَان أَحدهمَا وَاجِب وَهُوَ التَّوْبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ الثَّانِي التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بأنواع الطَّاعَات المندوبات ويحمله على ذَلِك قصر الأمل ويحمله على قصر الأمل علمه بِأَن أجل الْمَوْت مطوي عَنهُ وَأَنه مَا يدْرِي مَتى يَأْتِيهِ الطّلب وَلَا مَتى يكون المنقلب وَإِنَّمَا ينجع ذَلِك بإدمان الْفِكر فِيهِ والإكباب عَلَيْهِ ٢٢ - فصل فِيمَا يجب على العَبْد إِذا وقف على أفضل الْأَعْمَال وأولاها إِذا وقف على أفضل الْأَعْمَال وَتحقّق فَحق عَلَيْهِ أَن لَا يقدم عَلَيْهِ حَتَّى يخلصه لرب الأرباب فَلَا يقْصد بِهِ سواهُ والتائب من الزلات تَنْقَسِم أَعماله إِلَى ظَاهر وباطن

стр. 41

فَأَما الْبَاطِن الَّذِي فِي قلبه فَلَا يُمكنهُ الرِّيَاء بِهِ فَإِن النَّاس لَا ينظرُونَ إِلَيْهِ وَلَا يقفون عَلَيْهِ إِلَّا أَن يسمعهم بذلك ليعظموه ويفخموه ويوقروه ويشكروه ويجلبون إِلَيْهِ مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من نفع ويدفعون عَنهُ مَا يقدرُونَ على دَفعه من ضرّ فَأَما عمل الْجَوَارِح والأعضاء فَمِنْهُ مَا يُمكن إخفاؤه وَمِنْه مَا لَا يُمكن إخفاءه وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الرِّيَاء فيصونه عَن الرِّيَاء كحزنه بعد سروره وإمساكه عَن الْكَلَام الَّذِي لَا يحل بعد خوضه فِيهِ والانقطاع من أهل الفسوق والعصيان إِلَى أهل الطَّاعَة وَالْإِيمَان وَكَذَلِكَ كل عبَادَة فَضلهَا فِي إظهارها فَإِذا عزم عَلَيْهَا اعْتَرَضَهُ النَّفس والشيطان ليحملاه على الرِّيَاء والتصنع بهَا أما الشَّيْطَان فيحمله على ذَاك ليفسد عَلَيْهِ عمله وَأما النَّفس فتنال غرضها من التَّعْظِيم والتوقير وَمن دفع الضَّرَر عَنْهَا وَمن جلب النَّفْع إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ مَا يظْهر عَلَيْهِ من زِيّ الصَّالِحين فِي المآكل والمشارب والملابس والمناكح فيقصد الرِّيَاء وَقد أعمت شَهْوَته بصيرته عَن إِدْرَاك الرِّيَاء وَمَا أخْفى الرِّيَاء عَن مُعظم النَّاس لِأَنَّهُ قصد خَفِي غمرته شَهْوَة عَظِيمَة فأعمت البصيرة وأفسدت السريرة بِخِلَاف معاصي الْأَعْضَاء فَإِنَّهَا ظَاهِرَة محسوسة لَا تخفى على أحد

стр. 42

وَاعْلَم أَن النَّفس والشيطان يدعوان الْإِنْسَان إِلَى ترك الْوَرع فَإِن أَطَاعَهُمَا فَاتَتْهُ منَازِل أهل الْوَرع وَإِن عصاهما دَعْوَاهُ إِلَى ترك الرِّيَاء بالورع وَإِن أَطَاعَهُمَا هلك وَفَسَد ورعه وَإِن عصاهما دَعْوَاهُ إِلَى ترك النَّوَافِل وَقَالا تكفيك الْفَرَائِض والورع فَإِن أَطَاعَهُمَا فَاتَتْهُ فَضِيلَة النَّوَافِل وَقد قَالَ الله (لَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه) وَإِن عصاهما حملاه على الرِّيَاء بالنوافل فَإِن أَطَاعَهُمَا فَسدتْ نوافله وحبط أجره وَصَارَ مقتا عِنْد الله تَعَالَى وَإِن عصاهما وأخلص أوهماه أَنه مراء وَقَالا لَهُ لَا خلاص لَك من الرِّيَاء إِلَّا بترك الْعَمَل فَإِن أَطَاعَهُمَا وَترك النَّوَافِل فَاتَهُ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من ثَوَاب الله تَعَالَى ومحبته وَإِن عصاهما أخذا فِي مجادلته ومخاصمته فِي كَونه مرائيا متصنعا ليشوشا عَلَيْهِ قلبه ويمنعاه من إِحْضَار قلبه فِي طَاعَة ربه أما الشَّيْطَان فَلِأَنَّهُ عَدو للْإنْسَان حَاسِد لَهُ على طَاعَة الرَّحْمَن

стр. 43

وَأما النَّفس فتنال هَواهَا وتدرك مناها بفكرها فِي لذات دنياها فَإِنَّهَا مجبولة على حب العاجل والإعراض عَن الآجل وَقد حذرنا الرَّحْمَن من الشَّيْطَان فَقَالَ ﴿إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا﴾ أَي لَا تلتفتوا عَلَيْهِ وَلَا تصغوا إِلَيْهِ وحذرنا من النَّفس بقوله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ يُوسُف وَقَلِيل مَا هم ٢٣ - فصل فِي بَيَان الْإِخْلَاص والرياء الْإِخْلَاص أَن يُرِيد الله بِطَاعَتِهِ وَلَا يُرِيد بِهِ سواهُ وَهُوَ أَقسَام أَحدهَا أَن يُرِيد الْخَلَاص من الْعقَاب الثَّانِي أَن يُرِيد الْفَوْز بالثواب الثَّالِث أَن يُرِيدهُمَا جَمِيعًا الرَّابِع أَن يفعل ذَلِك حَيَاء من الله تَعَالَى من غير خطور ثَوَاب أَو عِقَاب الْخَامِس أَن يفعل ذَلِك حبا لله تَعَالَى من غير مُلَاحظَة ثَوَاب أَو عِقَاب السَّادِس أَن يفعل ذَلِك إجلالا وتعظيما

стр. 44

وَأما الرِّيَاء فَهُوَ أَن يُرِيد النَّاس بِطَاعَة الله تَعَالَى وعبادته وهما ضَرْبَان أَحدهمَا أَن لَا يُرِيد بِتِلْكَ الطَّاعَة إِلَّا النَّاس وَالثَّانِي أَن يُرِيد بِطَاعَتِهِ النَّاس وَرب النَّاس وَهَذَا أخف الريائين لِأَنَّهُ أقبل على الله من وَجه وعَلى النَّاس من وَجه وَأما الأول فَإِنَّهُ إِعْرَاض عَن الله بِالْكُلِّيَّةِ وإقبال على النَّاس وَكِلَاهُمَا محبط للْعَمَل لقَوْل الله (أَنا أغْنى الشُّرَكَاء عَن الشّرك فَمن عمل عملا أشرك فِيهِ معي غَيْرِي تركته لشَرِيكه) وَفِي رِوَايَة (تركته لشريكي وَلَا يتَصَوَّر شرك الرِّيَاء لمن عبد الله تَعَالَى تَعْظِيمًا وإجلالا لِأَن تَعْظِيمه يمنعهُ من أَن يعصيه بشرك الرِّيَاء وَكَذَلِكَ الْحيَاء أَيْضا يزعه عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ الْحبّ مَانع من عصيان المحبوب فِيمَا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْهِ

стр. 45

٢٤ - فصل فِي الْأَسْبَاب الحاملة على الرِّيَاء النُّفُوس مجبولة على طلب مَا يلائمها من شهواتها ولذاتها وَمن أعظم شهواتها التَّعْزِير والتوقير وَدفع مَا يؤلمها وجلب مَا يلذ لَهَا والنفوس مستشعرة بِأَن النَّاس برهم وفاجرهم يعظمون أهل الدّين ويثنون عَلَيْهِم ويتقربون إِلَيْهِم ببذل أَمْوَالهم وأنفسهم فِي مُبَاشرَة خدمتهم واحترامهم حَتَّى الْمُلُوك الَّذين هم أعظم النَّاس عِنْد النَّاس فَإِذا علمت النُّفُوس ذَلِك مَالَتْ إِلَى أَن تتصنع لَهُم بِطَاعَة الله تَعَالَى ليوقروها ويعظموها ويثنوا عَلَيْهَا ويتقربوا إِلَى الله بخدمتها بالأنفس وَالْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد ويصغوا إِلَيْهِم إِذا قَالُوا ويطيعوهم إِذا أمروا ويعتذروا عَنْهُم إِذا أخطؤوا ويكفوا عَنْهُم أذية من آذاهم وعداوة من عاداهم

стр. 46

فَإِذن للرياء ثَلَاثَة أَسبَاب أَحدهمَا التَّعْظِيم والإجلال وَهُوَ أعظمها وَعنهُ ينشأ السببان الْآخرَانِ أَحدهمَا الطمع فِيمَا فِي أَيدي النَّاس من الْمَنَافِع وَالْأَمْوَال وَالثَّانِي دفع الضَّرَر وَذَلِكَ على قدر همم النَّاس فِيمَا يَلْتَمِسُونَ فَمنهمْ من لَا يُؤثر إِلَّا التَّعْظِيم والإجلال وَإِن بذلت لَهُ الْأَمْوَال لم يقبل عَلَيْهَا وَلم يلْتَفت إِلَيْهَا لعلمه بِأَنَّهُ يعظم بِتَرْكِهَا ويؤثر الْإِعْرَاض عَنْهَا وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَعِين بِأحد يدْفع الضّر تصنعا بِأَنَّهُ مستغن عَن النَّاس إِمَّا بقوته على دَفعه وَإِمَّا بتوكله على ربه وَمِنْهُم من يُؤثر بريائه جلب النَّفْع وَإِن قل وَمِنْهُم من يُؤثر بريائه دفع الضَّرَر وَلَا يَخْلُو هَذَا من قصد التَّعْظِيم والتوقير فَمَا من رِيَاء إِلَّا فِيهِ طلب تَعْظِيم وتوقير وَقد يكون الرِّيَاء ناشئا عَن هَذِه الْأَسْبَاب الثَّلَاثَة

стр. 47

٢٥ - فصل فِي أَمْثِلَة الرِّيَاء لدفع الضَّرَر والذم وَله أَمْثِلَة أَحدهَا أَن يتَقَدَّم مَعَ الْمُجَاهدين إِلَى الصَّفّ الأول وَهُوَ لَا يُؤثر التَّقَدُّم مَعَهم لجبنه وَلكنه يتَقَدَّم خوفًا أَن يذم بالجبن وَقلة الشجَاعَة فيتقدم مَعَهم دفعا للمذمة الثَّانِي أَن يكون قَائِما فِي الصَّفّ فتجبن نَفسه عَن الثُّبُوت فيخاف على نَفسه فَيثبت لِئَلَّا ينْسب إِلَى الْجُبْن والفشل والتعرض لسخط الله تَعَالَى وَلَو غفل عَنهُ أَصْحَابه أَو كَانَ بَين قوم لَا يعرفونه لانهزم فَهَذَا قد تعرض لسخط الله تَعَالَى وَإِن كَانَ ظَاهر فعله أَنه مُجَاهِد فِي سَبِيل الله الثَّالِث أَن يكون بَين قوم يتصدقون بِالْقدرِ الْكثير من المَال وَمن عَادَته أَن لَا يتَصَدَّق وَإِن تصدق تصدق بِالْقَلِيلِ فيخشى أَن يبخل وينسب إِلَى قلَّة الرَّحْمَة فيوافقهم على التَّصَدُّق بالكثير دفعا لريبة الْبُخْل وَقلة الرَّحْمَة وَكَذَلِكَ لَو كَانَ من عَادَته أَن لَا يتَصَدَّق بِقَلِيل وَلَا بِكَثِير فَيتَصَدَّق من أَجلهم بِالْقَلِيلِ ليدفع بذلك بعض التبخيل الرَّابِع أَن يحاضر قوما يصلونَ فِي اللَّيْل أَو النَّهَار صَلَاة لم يعتدها فيخاف أَن ينسبوه إِلَى قلَّة الرَّغْبَة فِي الْخَيْر أَو يحضر مَعَ قوم يطيلون الصَّلَاة ويحسنونها فيصنع مثل صنعهم أَو دون ذَلِك على خلاف عاداته دفعا للذم

стр. 48

أَو بعضه وَمِمَّا يشبه الرِّيَاء لمشاركته إِيَّاه فِي الْعلَّة وَلَيْسَ برياء أَن ينزل بِهِ نازلة يجهل حكم الله فِيهَا فيخشى أَن ينْسب إِلَى الْجَهْل بذلك الحكم فَيتْرك السُّؤَال عَنهُ خوفًا من النِّسْبَة إِلَى الْجَهْل بِمثلِهِ وَكَذَلِكَ أَن يسْأَل الْفَقِيه أَو الشَّيْخ من الْمَشَايِخ عَن حكم من أَحْكَام الله فيجيبنا عَن ذَلِك بِمَا لَا يعلمَانِهِ خوفًا أَن ينسبا إِلَى الْجَهْل بِمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ يخْشَى أَن ينْسب إِلَى قلَّة الْمعرفَة فيدعي أَنه كتب من الْأَحَادِيث مَا لم يَكْتُبهُ وَسمع مِنْهَا مَا لم يسمعهُ دفعا للذم ٢٦ - فصل فِي الرِّيَاء لجلب النَّفْع والطمع فِيمَا فِي أَيدي النَّاس وَله أَمْثِلَة الأول أَن يحاضر من يَرْجُو بره وصلته وإحسانه فيرائيه بِطَاعَة الله تَعَالَى لينيله مارجا مِنْهُ من الْبر الصِّلَة وَلَو اطلع مِنْهُ هَذَا المرجو على زلته لاغتم لاطلاعه عَلَيْهَا مَا لَا يغتم لاطلاع غَيره خوفًا من انْقِطَاع بره وصلته وَلَو اطلع على عِبَادَته وطاعته لارتاح بذلك وَفَرح بِهِ مَا لم يرتح إِلَى إطلاع غَيره مِمَّن لَا يرجوه الثَّانِي أَن يكون لَهُ من يعامله بِالنَّسِيئَةِ والمسامحة وَالصَّبْر بِالثّمن الْحَال فيتصنع لَهُ بِعبَادة الله تَعَالَى وطاعته رَغْبَة فِي الِاسْتِمْرَار على مُعَامَلَته ومسامحته وَصَبره

стр. 49

الثَّالِث الْأَجِير وَالْوَكِيل يبالغان فِي النصح وَأَدَاء الْأَمَانَة طَمَعا فِي اسْتِمْرَار التَّوْكِيل وَالْإِجَارَة ٢٧ - فصل فِيمَا يهيج أَسبَاب الرِّيَاء خوف الذَّم من حب الْحَمد وَحب الطمع فِيمَا أَيدي النَّاس الَّذِي يهيج الرِّيَاء ويحث عَلَيْهِ معرفَة العَبْد بِأَن النَّاس يعظمون من ظهر صَلَاحه وديانته ويوقرونه ويؤثرونه ويصدرونه فِي الْمجَالِس ويبدؤونه بِالسَّلَامِ ويقبلون عَلَيْهِ ويصغون إِلَيْهِ ويحسنون الْجُلُوس بَين يَدَيْهِ ويستشيرونه فِي المهام وَإِن أذْنب تأولوا ذَنبه وَإِن كذب تأولوا كذبه ويبذلون لَهُ أَمْوَالهم وينكحونه بناتهم ويتقربون إِلَى الله بولايته ويتبركون بدعائه ويبذلون لَهُ الندى ويكفون عَنهُ الْأَذَى فَإِذا شَعرت النَّفس بِمثل هَذِه الْمنزلَة الَّتِي لَا ينَال مثلهَا إِلَّا بِالطَّاعَةِ تصنعت عِنْدهم بِطَاعَة الله تَعَالَى وعبادته لتنال هَذِه الْمنَازل أَو بَعْضهَا وَيدْفَع النَّاس عَنْهَا مَا تكره خوفًا من الله أَن يؤذوا وليا من أوليائه فَإِن من آذَى لله وليا فقد بارز بالمحاربة

стр. 50

٢٨ - فصل فِيمَا يضعف دواعي الرِّيَاء وَيكسر أَسبَابه تضعف دواعي الرِّيَاء بِأَسْبَاب مِنْهَا تذكير النَّفس بِمَا يحرمه الله من توفيقه أَو صَلَاح قلبه بِسَبَب الرِّيَاء وَمِنْهَا خوف مقت الله تَعَالَى إِذا اطلع على قلبه وَهُوَ مُعْتَقد الرِّيَاء وَمِنْهَا مَا يفوتهُ أَو ينقص لَهُ من ثَوَابه على الْإِخْلَاص وَمِنْهَا مَا ينقص من ثَوَابه فِي الْآخِرَة وَمِنْهَا مَا يتَعَرَّض لَهُ من عِقَاب الله تَعَالَى وَسخطه وعذابه الْأَلِيم فِي الْآخِرَة وَمِنْهَا أَنه لَا يَأْمَن أَن يعجل الله تَعَالَى بعض الْعُقُوبَات وَلَا يمهله فيفضحه ويمقته لمن كَانَ يتحبب إِلَيْهِ بريائه وَمِنْهَا تقبيح مَا يحببه إِلَى الْعباد بِمَا يبغضه إِلَى رب الْعباد وَمِنْهَا تزيينه لَهُم بِمَا يشينه عِنْد الله تَعَالَى وَمِنْهَا التَّقَرُّب إِلَيْهِم بِمَا يبعده عَن رَحْمَة الله تَعَالَى وَمن بعد عَن الله فقد هوى بِهِ ريح شُؤْم الْمعْصِيَة فِي مَكَان سحيق وضل ضلالا بَعيدا وخسر خسرانا مُبينًا

стр. 51

وَمِنْهَا التحمد إِلَيْهِم بِمَا يُوجب ذمَّة عِنْد الله تَعَالَى وَمِنْهَا إرضاؤهم بالتعرض لسخط الله تَعَالَى مَعَ حبوط عمله يَوْم فقره وفاقته وَالله لَو لم يكن إِلَّا خجلته بَين يَدي رب الْعَالمين إِذا عرض عَلَيْهِ إقباله على النَّاس وإعراضه عَن الله تَعَالَى لَكَانَ ذَلِك من أعظم الْعُقُوبَات وأوضعها وَمِنْهَا أَن رضَا النَّاس عَنهُ غَايَة لَا تدْرك ومطلوب لَا يملك فقد يُرْضِي بَعضهم مَا يسْخط الآخرين وَمِنْهَا أَن مَا ينَال مِنْهُم لَو حصل لَهُ مَعَ تعرضه لَهَا بالآفات لَكَانَ من أخسر الخاسرين مَعَ أَنه يجهل مَا يحصل لَهُ من الْمنزلَة فِي قُلُوب النَّاس مِمَّا يظهره من أَعماله وريائه وَلَا يَأْمَن أَن يطلعهم الله تَعَالَى على ريائه فيمقتوه ويحرموه ويضروه وَلَا ينفعوه فيخسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين وَلِأَنَّهُ إِن راآى لدفع الضَّرَر كَانَ مَا يَنَالهُ من ضَرَر الْآخِرَة أعظم من الضَّرَر الَّذِي راآهم بِهِ دفعا لَهُ وَإِن راآهم لجلب نفع كَانَ الَّذِي يفوتهُ من نفع الْآخِرَة أعظم من ذَلِك النَّفْع وَقد يطلعون على ريائه فيفوته النفعان وَإِن راآهم ليمدحوه أَو ليعظموه وليوقروه كَانَ مَا فَاتَهُ من مدح الله تَعَالَى فِي ذَلِك كُله على ريائه فيفوته ذَلِك كُله مَعَ عَظِيم مَا تعرض لَهُ من غضب الله تَعَالَى

стр. 52

ومقته وعذابه وعقابه الَّذِي لَا يدْفع وَلَا يُطَاق ونعوذ بِاللَّه من سخطه وغضبه وعقابه فَإِذا واظب من رغب فِي الْإِخْلَاص لله تَعَالَى على مَا ذَكرْنَاهُ بإحضاره وإدمانه الْفِكر فِيهِ وتضرع إِلَى الله تَعَالَى فِي أَن يُعينهُ ويثبته على الْإِخْلَاص ويوفقه إِلَيْهِ اضمحل رياؤه وتلاشى شَيْئا فَشَيْئًا فمجته نَفسه بِمَا فِيهِ من عظم الضَّرَر وفوات عَظِيم النَّفْع وَلَا يزَال يتدرج فِي الْإِخْلَاص إِلَى أَن يصير من المخلصين برحمة رب الْعَالمين ٢٩ - فصل فِي بَيَان مَا يرائى بِهِ من الطَّاعَات وَغَيرهَا يراءي النَّاس فِي دينهم ودنياهم بِخَمْسَة أَشْيَاء والرياء بالدنيا أخف من

стр. 53

الرِّيَاء بالأديان فيرائي أهل الدّين وَالدُّنْيَا بأبدانهم وأقوالهم وأعمالهم وبزيهم فِي أبدانهم ولباسهم فَأَما رِيَاء أهل الدّين بأبدانهم فيرائي العَبْد بالنحول واصفرار اللَّوْن ليوهم النَّاس أَنه شَدِيد الِاجْتِهَاد وَالْخَوْف والحزن وبضعف صَوته وغور عَيْنَيْهِ وذبول شَفَتَيْه إعلاما للنَّاس بذلك أَنه صَائِم فالنحول دَلِيل على قلَّة الْغذَاء وَكَثْرَة الهموم وَالْأَحْزَان والاصفرار دَلِيل على قيام اللَّيْل وَغَلَبَة الهموم وَالْأَحْزَان وَلَيْسَ هَذَا رِيَاء على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ تسميع بِلِسَان الْحَال لَا بِلِسَان الْمقَال وَأما رِيَاء أهل الدُّنْيَا بالأبدان فبسمتها وحسنها وصفاء ألوانها وَأما رِيَاء أهل الدّين بالزي واللباس فبشعث الرؤوس وَحلق الشَّوَارِب واستئصال الشّعْر أَو فرقه نَهَارا لكَونه مُتَابعًا للرسول ﷺ فِي زيه وَكَذَلِكَ غلظ الثِّيَاب وآثار السُّجُود وتشمير القمص وَقصر الأكمام وخصف النِّعَال وحذوها على زِيّ أهل الدّين

стр. 54

وَمن هَؤُلَاءِ من يُؤثر مدح أهل الدُّنْيَا وَالدّين فيطلب بريائه ليمدحه الْفَرِيقَانِ وَينْفق عَلَيْهِم ليصل إِلَى أغراضه مِنْهُم فيلبس الثِّيَاب الخشان لينفق عِنْد أهل الدُّنْيَا وَيقصر أكمامها ويشمر ذيولها لينفق على أهل الدّين وَكَذَلِكَ يلبس النِّعَال الْخصاف محذوة على نعال أهل الدّين وَمِنْه من يُبَالغ فِي جودة الثِّيَاب وَغَيرهَا من اللبَاس وَيجْعَل هيأتها على هَيْئَة لِبَاس أهل الدّين ليحمده الْفَرِيقَانِ وَينْفق عِنْدهمَا ويتقرب من السلاطين زعما مِنْهُ أَنه إِنَّمَا يتَقرَّب إِلَيْهِمَا لقَضَاء حوائج الْمُسلمين وَمِنْهُم من يتصنع بِالطَّاعَةِ لينفق على أهل السّنة وَأهل الْبِدْعَة وَمن هَؤُلَاءِ من لَو أعطي مَا أعطي من الْأَمْوَال الخطيرة لما خرج عَن زيه الَّذِي عرف بِهِ لِئَلَّا يُقَال خرج عَن اقتدائه بِنَبِيِّهِ ﵊ وفتر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من تقشفه وخوفا من الكساد عِنْد من تحبب إِلَيْهِم ونفق عِنْدهم ويرائي أهل الدُّنْيَا بالثياب النفيسة والطيالسة الرفيعة والجباب المصبغة وَغير ذَلِك من زيهم الْمَعْرُوف عِنْدهم فَيخْرجُونَ عَن زِيّ أهل الدّين فِي ذَلِك كُله وَأما الرِّيَاء بالأقوال فيرائي أهل الدّين بالنطق بالحكم وَإِقَامَة الْحجَج عِنْد إِقَامَة المناظرة وبالحفظ للْحَدِيث وأقوال الْمُخْتَلِفين وَذكر الله تَعَالَى بالألسن وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وتضعيف الصَّوْت عِنْد

стр. 55

الْجَواب وبتحسين الصَّوْت وَرَفعه عِنْد الْقِرَاءَة أَو تحزينه والتأوه عِنْد الْقِرَاءَة ليدل بذلك على المخافة وَأما رِيَاء أهل الدُّنْيَا بالأقوال فيراؤون بالنطق بِالطَّاعَةِ وَغير الطَّاعَة وبالفصاحة وَبِحسن الْبَيَان فِي المحاورة وَحسن الصَّوْت وإنشاد الشّعْر وَمَعْرِفَة الْغناء والنحو والعربية واللغة وَكَانَ السّلف إِذا اجْتَمعُوا يكْرهُونَ أَن يذكر الرجل أفضل مَا عِنْده وَأما الرِّيَاء بِالْأَعْمَالِ فيرائي أهل الدّين من أَعْمَالهم بطول الصَّلَاة وتحسين ركوعها وسجوداتها وبالصوم والغزو وَالْحج وَطول الصمت وبذل الْأَمْوَال وإطعام الطَّعَام والإخبات بِالْمَشْيِ إِذا لقوا النَّاس بإرخاء الجفون وتنكس الرؤوس والتثبت عِنْد السُّؤَال وَمِنْهُم من يمشي سَرِيعا فَإِذا اطلع عَلَيْهِ أهل الدّين مَشى مشْيَة أهل الدّين فَإِذا جاوزه عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ويرائي أهل الدُّنْيَا بِصُحْبَة أهل الدّين من الْعلمَاء والعباد ليقال فلَان يمشي إِلَى فلَان الْعَالم أَو العابد ويصحبه ويتردد إِلَيْهِ إِمَّا لينفق عِنْد الْمُلُوك أَو ليتولى الْقَضَاء أَو ليستشهد أَو يستودع أَو يوصى إِلَيْهِ فيخون الْأَمَانَة

стр. 56

٣٠ - فصل فِي مَرَاتِب نفي الرِّيَاء للشَّيْطَان فِي الرِّيَاء ثَلَاثَة أَحْوَال إحداهم أَن يخْطر الرِّيَاء بقلب العَبْد الثَّانِيَة أَن يزينه ويحببه إِلَى العَبْد الثَّالِثَة أَن يَدعُوهُ إِلَيْهِ ويحثه عَلَيْهِ بعد أَن حببه إِلَيْهِ فأسعد النَّاس من يدْفع الخطرة ويصرفها عَن قلبه ويليه الَّذِي يَدْفَعهُ بعد تحسينه وتزيينه ويليه الَّذِي لَا يتعاطاه بعد حث الشَّيْطَان عَلَيْهِ ودعائه إِلَيْهِ وَهَذَا جَار فِي جَمِيع الْمعاصِي ويندفع دُعَاء الشَّيْطَان إِلَى الرِّيَاء وَإِلَى جَمِيع أَنْوَاع الْعِصْيَان بشيئين أَحدهمَا كَرَاهِيَة الْمعْصِيَة والرياء وَالثَّانِي الِامْتِنَاع مِمَّا كرهه وَإِنَّمَا تحصل الْكَرَاهَة بتذكر مَا فِي تِلْكَ الْمعْصِيَة أَو الرِّيَاء من سخط الله تَعَالَى وغضبه وعقابه وَبِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ مِمَّا ذَكرْنَاهُ من مضار الدَّاريْنِ فَإِن الله تَعَالَى جبل الْإِنْسَان على محبَّة مَا يَنْفَعهُ وَكَرَاهَة مَا يضرّهُ وَخلق النَّفس ميالة إِلَى مَا ينفعها نافرة عَمَّا يَضرهَا والشيطان عون لَهَا على ذَلِك وَخلق

стр. 57

الْعقل ليدفع أعظم الضررين بأدناهما وَيقدم أَعلَى النفعين على أدناهما وَالشَّرْع هُوَ الْمُعَرّف للنفع والضر وَالْعقل كالبصر لَا يرى النَّفْع والضر إِلَّا فِي نور الشَّرْع كَمَا أَن الْبَصَر لَا يرى الْحسن والقبيح إِلَّا فِي نور الْعقل وَإِذا زين الشَّيْطَان الْمعْصِيَة وحببها إِلَى النَّفس امْتَلَأَ الْقلب بحبها فنسي العَبْد مَا كَانَ عزم عَلَيْهِ من الطَّاعَة وَالْإِخْلَاص فيغفل عَمَّا فِي الْفِعْل من مضرته فِي دينه ودنياه وَإِنَّمَا يقطع ذَلِك باستجلاب التَّذَكُّر لما فِي الذَّنب من الْمَفَاسِد الَّتِي تربى على مَا فِي الشَّهْوَة من الْمصَالح فَإِذا علم مَا فِي طَاعَة الشَّهْوَة من الضَّرَر الْعَظِيم كرهتها النَّفس حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا مجبولة على دفع أعظم الضررين بِالْتِزَام أخفهما

стр. 58

وَلَا شكّ أَن ضَرَر الذُّنُوب فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أعظم من ضَرَر فَوَات شَهْوَة فانية فَإِذا اطَّلَعت النَّفس على ذَلِك صَارَت مَعَ الْعقل فيغلب جند الرَّحْمَن جند الشَّيْطَان إِذْ لَا يتَصَوَّر فِي الْعَادة أَن يتَذَكَّر العَبْد مَا فِي الطَّاعَة وَالْإِخْلَاص من مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ويستحضره وَمَا فِي الرِّيَاء وَالْمَعْصِيَة من مفاسد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ يقدم على الرِّيَاء والعصيان مَعَ الْعلم بِمَا فيهمَا من فَوَات الصَّالح وَحُصُول الْمَفَاسِد ٣١ - فَائِدَة فِي أَحْوَال العَبْد إِذا حَضَره الرِّيَاء فِي شَيْء من الطَّاعَات إِذا حضر الشَّيْطَان الرِّيَاء فِي شَيْء من الطَّاعَات كَالصَّلَاةِ مثلا فللعبد أَرْبَعَة أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن لَا يلْتَفت عَلَيْهِ وَلَا يصغي إِلَيْهِ الثَّانِيَة أَن ينتهره ويسبه فتنقض صلَاته لِأَنَّهُ اشْتغل بسب الشَّيْطَان عَن مُنَاجَاة الرَّحْمَن

стр. 59

الثَّالِثَة أَن يجادله ويناظره وَيبين لَهُ أَن يخدعه فَهَذَا أَيْضا قد اشْتغل بمخاصمة الشَّيْطَان عَن الإقبال على الْملك الديَّان الرَّابِعَة أَن لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَكِن يزِيد فِي تَحْسِين صلَاته بخضوعها وخشوعها وإتمام سجودها وركوعها إرغاما للشَّيْطَان وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَل لِأَنَّهُ إِذا أدمن على ذَلِك هرب مِنْهُ الشَّيْطَان لِأَن غَرَضه بالوسواس وإحضار الرِّيَاء أَن يفْسد عبَادَة الْإِنْسَان فَإِذا صَار إِحْضَاره ووسواسه سَببا للتكثير من الطَّاعَة هرب مِمَّن يفعل ذَلِك لِأَن سَعْيه فِي ذَلِك سَبَب لإرغامه بتحسين الطَّاعَة وتكميل الْعِبَادَة وَذَلِكَ مرض للرحمن مرغم للشَّيْطَان

стр. 60

٣٢ - فصل فِي حكم التَّحَرُّز من الشَّيْطَان والحذر مِنْهُ اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَت طَائِفَة يَنْبَغِي أَن يشْتَغل العَبْد بالعبادات والطاعات وَلَا يلْتَفت إِلَى الشَّيْطَان وَلَا يشْتَغل بالتحذر مِنْهُ بل يَجْعَل بدل التحذر مِنْهُ طَاعَة الله وَقَالَت طَائِفَة التحذر من الشَّيْطَان وَأخذ الحذر مِنْهُ منَاف للتوكل على الله تَعَالَى والاعتماد عَلَيْهِ إِذْ لَا قدرَة للشَّيْطَان على إضلال وَلَا إغواء إِلَّا بِمَشِيئَة الرَّحْمَن وَإِرَادَة الديَّان وَهَاتَانِ الفرقتان غالطتان مخالفتان لنصوص الْقُرْآن واتفاق أهل الْإِسْلَام على وجوب التَّحَرُّز من الْكفَّار وإعداد مَا استطعنا لَهُم من قُوَّة وكراع وَسلَاح وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا خُذُوا حذركُمْ﴾ وَكَيف يكون امْتِثَال أَمر الله سُبْحَانَهُ شغلا عَن الله متوكلا على غَيره وَقد دخل سيد المتوكلين مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر وَظَاهر يَوْم أحد بَين درعين

стр. 61

وَإِذا أمرنَا بِأخذ الحذر من عَدو نرَاهُ كَمَا يَرَانَا فَمَا بَال الظَّن بعدو يَرَانَا وَلَا نرَاهُ وَيجْرِي منا مجْرى الدَّم وَقد أَمر الله رَسُوله ﷺ بالاستعاذة من الشَّيْطَان الرَّجِيم بل أمره بالاستعاذة من جَمِيع الشَّيَاطِين بقوله تَعَالَى ﴿وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون﴾ أَي فِي شَيْء من أحوالي كلهَا والتحرز من الشَّيَاطِين أولى من التَّحَرُّز من الْكَافرين لِأَن الشَّيْطَان إِذا نكبك بِشَيْء من مكره كنت من العاصين الخاسرين وَالْكفَّار إِذا نكبوك بِشَيْء من مَكْرهمْ كَانَ ذَلِك مكفرا لسيئاتك رَافعا لدرجاتك فَالصَّوَاب أَخذ الحذر مِنْهُ والتحرز مِنْهُ كَمَا أَمر رب الْعَالمين وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بذلك فِي كَيْفيَّة التَّحَرُّز مِنْهُ وَأخذ الحذر فَقَالَت طَائِفَة يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ الحذر مِنْهُ فِي أغلب الْأَحْوَال ترقبا لخطره يخطرها فَيدْفَع تِلْكَ الخطرة بِمَا غلب على الْقلب من ذكره والتحرز مِنْهُ وَقَالَت طَائِفَة يُؤْخَذ الحذر مِنْهُ عِنْد كل طَاعَة تعرض مَخَافَة أَن يدْخل فِيهَا مَا يُفْسِدهَا وأخطأت الطَّائِفَة الأولى بجعلها ذكر الشَّيْطَان أغلب من ذكر الرَّحْمَن

стр. 62

وأخطأت الطَّائِفَة الثَّانِيَة بتسويتها بَين ذكر الشَّيْطَان وَذكر الرَّحْمَن وَالصَّوَاب أَن يتحرز مِنْهُ تَحَرُّزًا يتَنَبَّه بِمثلِهِ عِنْد خطرته على مَعْصِيَته ومخالفته ورد خطرته وَأَن يكثر الِاشْتِغَال بالطاعات والقربات والأذكار وتلاوة الْقُرْآن وَلَا تضره الْغَفْلَة عَنهُ فِي أَكثر الْأَوْقَات أَلا ترى أَن من اهتم بِشَيْء ثمَّ رقد فَإِن اهتمامه يُوجب انتباهه لأَجله مَرَّات فَإِذا كَانَ الاهتمام مُوجبا لتنبيه النَّائِم فإيجابه لتذكير الغافل أولى ٣٣ - فصل فِي ترك الْعَمَل مَخَافَة الرِّيَاء الشَّيْطَان يَدْعُو إِلَى ترك الطَّاعَات فَإِن غَلبه العَبْد وَقصد الطَّاعَة الَّتِي هِيَ أولى من غَيرهَا أخطر لَهُ الرِّيَاء ليفسدها عَلَيْهِ فَإِن لم يطعه أَوْهَمهُ أَنه مراء وَأَن ترك الطَّاعَة بالرياء أولى من فعلهَا مَعَ الرِّيَاء فيدع الْعَمَل خيفة من الرِّيَاء لِأَن الشَّيْطَان أَوْهَمهُ أَن ترك الْعَمَل خيفة الرِّيَاء إخلاص والشيطان كَاذِب فِي إيهامه إِذْ لَيْسَ ترك الْعَمَل خوف الرِّيَاء إخلاص وَإِنَّمَا الْإِخْلَاص إِيقَاع الطَّاعَة خَالِصَة لله تَعَالَى دون النَّاس وَقد تتْرك الْعَمَل مَخَافَة الرِّيَاء فيوهمك الشَّيْطَان أَنَّك مراء بترك الْعَمَل لينغص عَلَيْك الْعَيْش فِيمَا تعمله وَفِيمَا تتركه مِثَال ذَلِك أَن يكون فِي قِرَاءَة أَو تَعْلِيم أَو ذكر أَو أَمر

стр. 63

بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر فيوهمك أَنَّك مراء بذلك فتتركه فيوهمك أَنَّك مراء بِالصَّمْتِ وَأَن يُقَال إِنَّمَا صمت خيفة من الرِّيَاء فتغيب عَن النَّاس خوفًا من الرِّيَاء فيوهمك أَنَّك مراء بالهروب مِنْهُم والاعتزال عَنْهُم وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا فر بِدِينِهِ خوفًا من الرِّيَاء فتستحلي النَّفس أَن تَقول النَّاس إِنَّمَا فر بِدِينِهِ خوف الرِّيَاء وَلَا خلاص لَك من مثل ذَلِك إِلَّا بِالْكَرَاهَةِ والإباء فَإِن أشكل عَلَيْك أَمرك فَإِن وجدت نَفسك مائلة إِلَيْهِ من غير كَرَاهَة وَلَا إباء فقد صدقك الشَّيْطَان فِيمَا أخْبرك بِهِ من أَنَّك مراء فَإِن لم تنفك عَن خطرة الرِّيَاء وَلم يجد من نَفسك الْكَرَاهَة والإباء فَإِن كَانَ ذَلِك الْعَمَل نفلا فَدَعْهُ وَإِن كَانَ فرضا لزمك أَن تُجَاهِد نَفسك على حسب إمكانك فِي استحضار نَفسك الْكَرَاهَة والإباء وَإِن دخلت فِي الْفَرْض على الْإِخْلَاص فأوهمك أَنَّك مراء فَلَا تصغ إِلَيْهِ وَلَا تلْتَفت عَلَيْهِ لِأَنَّك تحققت الْإِخْلَاص وَشَكَكْت فِي الرِّيَاء وَالْيَقِين لَا يزَال بِالشَّكِّ ٣٤ - فصل فِي بَيَان أَوْقَات الخطرات بالرياء والتسميع لَا يكون التسميع إِلَّا بعد انْقِضَاء الْعَمَل على الْإِخْلَاص فَيسمع العَبْد

стр. 64

النَّاس بِمَا فعله لأجل الله تَعَالَى ليحصل على الْأَغْرَاض الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الرِّيَاء من التوقير والتعظيم وَالْإِكْرَام والاحترام والتصدر فِي الْمجَالِس والبداءة بِالسَّلَامِ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح (من سمع سمع الله بِهِ) ولخطرات الرِّيَاء ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ قبل الشُّرُوع فِي الْعَمَل وَالثَّانيَِة عِنْد الشُّرُوع فِيهِ وَالثَّالِثَة بعد الشُّرُوع فِي الْعَمَل الْخَالِص فَأَما مَا يقْتَرن بِأول الْعَمَل فقد ذَكرْنَاهُ

стр. 65

وَأما مَا يَقع قبل الْعَمَل فللخطرة فِيهِ أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يخْطر لَهُ عمل لَا يقدر عَلَيْهِ ويتمنى أَن لَو قدر عَلَيْهِ ليرائى بِهِ وَيحصل على أغراض الرِّيَاء فَهَذَا متمن غير أَنه لَا يُرِيد مَعْصِيّة الله تَعَالَى الثَّانِيَة أَن يخْطر لَهُ الرِّيَاء إِرَادَة بِحَمْد المخلوقين وَلَا يُرِيد عِنْد ذَلِك رِيَاء وَلَا إخلاصا وَالثَّالِثَة أَن تخطر لَهُ خطرة الرِّيَاء لحمد المخلوقين لَا غير مَعَ ذكر الْإِخْلَاص والرياء فيتغافل عَن الْإِخْلَاص وَلَا يفزع من الرِّيَاء وَالرَّابِعَة أَن تخطر الخطرة فيكرهها وَيُحب الْعِصْمَة مِنْهَا وَلَا يَدعهَا لفرط شَهْوَته فِي الرِّيَاء كَمَا يتَّفق مثل ذَلِك فِي سَائِر الذُّنُوب وَهَذَا أقرب من غَيره لأجل توجعه وكراهته الْخَامِسَة أَن يخْطر لَهُ إِرَادَة الله تَعَالَى وَإِرَادَة الْخلق وَالسَّادِسَة أَن يخْطر لَهُ الْإِخْلَاص ثمَّ يطْرَأ عَلَيْهِ الرِّيَاء ثمَّ يدْخل فِي الْعَمَل بنية الرِّيَاء وَأما الخطرة بعد الدُّخُول فِي الْعَمَل فلهَا حالان أَحدهمَا أَن يخْطر لَهُ الرِّيَاء الْمَحْض وَله حالتان

стр. 66

أَحدهمَا أَن يسْتَمر على عمله مرائيا بِهِ من غير زِيَادَة فِيهِ الثَّانِيَة أَن يزِيد فِي تَحْسِين الْعَمَل وتكميل نوافله لأجل الرِّيَاء الثَّانِي من الْحَالَتَيْنِ الْأَوَّلين أَن تخطر لَهُ رِيَاء الشّرك فيزيد فِي الْعَمَل رِيَاء أَو يسْتَمر عَلَيْهِ فَهَذِهِ خطرات الْمرَائِي وَأما المسمع فَلهُ أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يحدث بِهِ صَرِيحًا ليَكُون على ثِقَة من حُصُول أغراض الرِّيَاء الثَّانِيَة أَن يعرض بِهِ تعريضا مَخَافَة أَن يفطنوا بتسميعه فَلَا يحصل غَرَضه ورجاء أَن يفهم بَعضهم ذَلِك فَيحصل على غَرَضه وَقد يخْطر لَهُ ذَلِك فَيُحِبهُ ويؤثره وَلَا يعرض بِهِ وَلَا يُصَرح اكْتِفَاء بِمَا ظهر عَلَيْهِ من الدلالات كاصفرار لَونه ونحول جِسْمه وغور عَيْنَيْهِ وذبول شَفَتَيْه ٣٥ - فصل فِي دركات الرِّيَاء والتسميع شَرّ دركات الرِّيَاء الرِّيَاء بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَان وَذَلِكَ رِيَاء الْمُنَافِقين ويليه الرِّيَاء بالفرائض كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْعمْرَة وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَغير ذَلِك مِمَّا فَرْضه الله على عباده فَيَأْتِي بِهِ العَبْد لأجل الرِّيَاء تصنعا للنَّاس وَكَرَاهَة للذم وحبا للحمد

стр. 67

وَلَو تمكن من ذَلِك جَمِيعه لما فعل شَيْئا وَقد يسمع بِعبَادة لم يَفْعَلهَا وَطَاعَة لم يأتها فَيكون جَامعا بَين ذنبين أَحدهمَا التسميع وَالثَّانِي الْكَذِب ويليه الرِّيَاء بِمَا تَأَكد فِي الشَّرْع كَصَلَاة جمَاعَة وقرى الضَّيْف وعيادة المرضى وتشييع الْجَنَائِز يَأْتِي ذَلِك لأجل النَّاس كي لَا يذم بترك مَا سنه الله تَعَالَى وأكده وَإِرَادَة حمدهم وَلَو أمكنه أَن يتْرك ذَلِك كُله لتَركه وَقد يرائي أحدهم بالورع وَإِظْهَار النّسك فيطيل الصمت وَيتْرك الاغتياب وَينْهى عَنهُ وَيُؤَدِّي الْأَمَانَة ويجتنب الْخِيَانَة وَإِذا ظَهرت مِنْهُ زلَّة أظهر التوجع والتندم والحزن والكآبة ويستحل مِمَّن ظلمه وَالله تَعَالَى يعلم أَنه لَو تمكن من ترك ذَلِك كُله أَو من ترك بعضه لتَركه غير مبال بِتَرْكِهِ ويليه الَّذِي يكمل الْفَرَائِض بسننها كإطالة الرُّكُوع وَالسُّجُود والاعتدال وَالْقعُود يَفْعَله إِذا رَآهُ النَّاس ويتركه إِذا لم يروه وَكَذَلِكَ يُؤَدِّي الزَّكَاة من أَجود أَمْوَاله وَلَوْلَا النَّاس لاقتصر على الْقدر المجزئ وَكَذَلِكَ يصمت فِي الصَّوْم عَن الْغَيْبَة وَالْكذب ويمسك عَن النّظر إِلَى مَا لَا يحل وَلَوْلَا الرِّيَاء لما فعل شَيْئا من ذَلِك ويليه الْمُبَادرَة إِلَى التَّكْبِيرَة الأولى وَرفع الْيَدَيْنِ وَأخذ شِمَاله بِيَمِينِهِ وتسكين أَعْضَائِهِ لَا يفعل ذَلِك إِلَّا رِيَاء وَلَو خلا بِصَلَاتِهِ لم يفعل شَيْئا من ذَلِك

стр. 68

ويليه الْمُبَادرَة إِلَى الصَّفّ الأول عَن يَمِين الإِمَام وإكرام الضَّيْف فَوق مَا يسْتَحق ويليه من يرائي بالتطوع والتورع وَغير ذَلِك من طلب الْعلم والتخشع ومجالسة الصَّالِحين وإتيان مجَالِس المذكرين والواعظين ليصل بذلك إِلَى مَعْصِيّة من معاصي الله تَعَالَى كإتيان الغلمان والنسوان وَأَن يُولى أَمَانَة أَو مَعْصِيّة أَو قَضَاء أَو شَهَادَة فيخون فِي ذَلِك كُله ويليه من يصر على الْمعْصِيَة ويخشى أَن تشاع عَنهُ فَيظْهر من النَّوَافِل والتطوعات والخضوع والخشوع والبكاء مَا يُوجب تَكْذِيب من يخبر عَنهُ بالمعصية الَّتِي هُوَ مصر عَلَيْهَا فقد جعل الله تَعَالَى وقاية لعرضه ويليه من يَأْتِي بِكَثِير من الطَّاعَات لينال بِهِ شَيْئا من الْمُبَاحَات مثل أَن يتصنع لقوم يرغب فِي النِّكَاح إِلَيْهِم فَيكون كمهاجر أم قيس ويليه من يطلع مِنْهُ على نقيصه فَيظْهر من الطَّاعَة مَا يجبرها ويمحوها من قُلُوب النَّاس كمن يمشي منبسطا فِي مَشْيه فَإِذا اطلع على من يتنقصه مَشى بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار ونكس رَأسه وأسبل يَدَيْهِ وأرخى عَيْنَيْهِ وَكَذَلِكَ الضاحك المنبسط فِي حَدِيثه يطلع عَلَيْهِ فيخشى أَن ينْسب إِلَى قلَّة الْأَدَب وَترك التخلق بآداب الصَّالِحين والاستكانة لرب الْعَالمين فَيتْرك ذَلِك وَيظْهر النَّدَم عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ خوفًا من تغير اعْتِقَاد النَّاس فِيهِ

стр. 69

ويليه من يرى النَّاس يتهجدون فيتهجد مَعَهم لِئَلَّا ينْسب إِلَى قلَّة الرَّغْبَة فِي الْخَيْر ويراهم يتصدقون فَيتَصَدَّق لمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ سَائِر التطوعات يَأْتِي بهَا ليحمد ويشكر ويولى وَالله تَعَالَى يعلم مِنْهُ أَنه لَو خلا عَن النَّاس لم يفعل شَيْئا من ذَلِك ويليه من يعْمل الْعَمَل لله تَعَالَى وَلأَجل الْعباد وَلَوْلَا الْعباد لما فعله ويليه من يعْمل الْعَمَل لله تَعَالَى إِذا خلا فَإِذا رَآهُ النَّاس فعل ذَلِك لأجلهم وَلأَجل الثَّوَاب ويليه من يُوهم النَّاس أَنه صَائِم تَطَوّعا وَهُوَ مفطر لكنه يخْشَى أَن ينْسب إِلَى قلَّة الرَّغْبَة فِي الْخَيْر وَيكون مِمَّن يظنّ بِهِ الْخَيْر فَيسْقط اعْتِقَاد الظَّان فِيهِ فَيمْتَنع من الطَّعَام وَالشرَاب مَعَ حَاجته إِلَيْهِمَا وَقلة صبره عَنْهُمَا وَفِي بعض هَذِه الرتب نظر ٣٦ - فصل فِيمَا يورثه الرِّيَاء من الْخِصَال المذمومة يُورث الرِّيَاء خِصَالًا مذمومة مِنْهَا حب الرياسة والمباهاة بِالْعلمِ وَالْعَمَل والتفاخر بِالدّينِ وَالدُّنْيَا ومحبة الْعُلُوّ وَالتَّكَاثُر بِالْمَالِ وَغَيره من أُمُور الدُّنْيَا وبالعلم وَالْعَمَل والتحاسد عَلَيْهِمَا من غير مُنَافَسَة بل خوفًا من

стр. 70

أَن ينَال من يحاسده من الْمنزلَة وَالْحَمْد لَا يَنَالهُ هُوَ ورد الْحق على من أَمر بِهِ أَو نَاظر فِيهِ لِئَلَّا يُقَال هُوَ أعلم مِنْهُ وَحب الْغَلَبَة فِي المناظرة وَترك تعلم من يحْتَاج إِلَى تَعْلِيمه وَحب الرياسة أَن يحب التَّعْظِيم والإجلال وتسخير الْعباد والاحتقار بهم وان لَا يرد عَلَيْهِ شَيْء من أَقْوَاله وَأَن لَا يساوى فِي الْعلم بأمثاله وَأَن يصر على الْخَطَأ كي لَا تنكسر رياسته وَإِن وعظ عنف وَإِن وعظ أنف والمباهاة بِالْعلمِ أَن يخبر عَن نَفسه بِكَثْرَة الْحِفْظ والمواظبة عَلَيْهِ وَكَثْرَة عدد من لَقِي من الْمُحدثين والمبادرة بِالْجَوَابِ حِين يسْأَل هُوَ أَو غَيره يُرِيد بذلك كُله أَن يَعْلُو على غَيره وَأَن يُعلمهُ أَنه أعلم مِنْهُ وَإِن أخبر بِحَدِيث ذكر أَنه يعرفهُ مباهاة والمباهاة بِالْعَمَلِ أَن يحاضر من يعْمل عملا من أَعمال الْبر كَالصَّلَاةِ وَالْجهَاد وَغَيرهمَا فَيَأْتِي بِمثل مَا يَأْتِي بِهِ وَيزِيد عَلَيْهِ لَا يُرِيد بذلك إِلَّا تَعْرِيفه أَنه افضل مِنْهُ وَلَو خلا بِنَفسِهِ لما فعل شَيْئا من ذَلِك

стр. 71

وَأما المباهاة بالدنيا فبأن يزِيد على أَبنَاء جنسه بالأبنية والمآكل والمشارب والملابس والمناكح والأثاث والخدم لَا يُرِيد بذلك إِلَّا أَن يفوق غَيره وَأَن يعرفهُ أَنه أفضل مِنْهُ فِي ذَلِك والمفاخرة كالمباهاة وتزيد عَلَيْهَا بِأَن يذكر مَا فَضله بِهِ تَعْظِيمًا لنَفسِهِ وتحقيرا لصَاحبه مثل أَن يَقُول كم سَمِعت أَنْت وَهل تحسن شَيْئا وَمَا تَقول فِي مَسْأَلَة كَذَا وَكَذَا أَو يَقُول مَا يحسن فلَان مثل مَا أحسن وَلَا قَامَ مقَامي قطّ فِي حَرْب وَلَا فِي غَيره وَكم تحفظ من الحَدِيث وَمن لقِيت من الشُّيُوخ وَمن أدْركْت من الْعلمَاء والمفاخرة بالدنيا كَقَوْلِه أَنْت فَقير وَلَا مَال لَك وَكم ربحت وَأي شَيْء ملكت وعبدي ومولاي أغْنى مِنْك وَالتَّكَاثُر كالمفاخرة وَيزِيد عَلَيْهَا بالتعديد مثل أَن يَقُول سَمِعت كَذَا وَكَذَا من الحَدِيث وغزوت وَحَجَجْت كَذَا وَكَذَا غَزْوَة وَحجَّة وَأدْركت كَذَا وَكَذَا من الْمَشَايِخ وَمَا أفطرت من كَذَا وَكَذَا وَمن ينَام بِالسحرِ فَإِن كَانَ المفاخر المكاثر فطنا يحب أَن يحمد بِمَا فاخر بِهِ أَو كاثر ويخشى أَن يذم بالمفاخرة والمكاثرة عرض بالمفاخرة والمكاثرة ليحصل على غرضيه وَهَذِه الْأَخْلَاق الذميمة يُجَامع بَعْضهَا بَعْضًا وَيزِيد بَعْضهَا على بعض وَلأَجل ذَلِك فرق الْكتاب وَالسّنة بَينهمَا فَفِي الْكتاب ﴿وتفاخر بَيْنكُم وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد﴾

стр. 72

) وَفِي الحَدِيث (من طلب الدُّنْيَا مفاخرا مكاثرا مرائيا) وَمن الْأَخْلَاق الذميمة الْحَسَد وَيكون مسببا عَن الرِّيَاء وَغَيره كَمَا يكون التفاخر وَالتَّكَاثُر كَذَلِك فالحسد أَن يتَمَنَّى زَوَال مَا فضل الله تَعَالَى بِهِ غَيره عَلَيْهِ مَخَافَة أَن يعْتَقد النَّاس فَضله عَلَيْهِ وَحب الْغَلَبَة يكون عَن الرِّيَاء وَغَيره فيحب أَن يغلب فِي المناظرة وَأَن يُخطئ خَصمه فِيهَا ليظْهر صَوَابه ليعظم بذلك ويوقر أَكثر مِمَّا يعظم خَصمه وَلَو أصَاب خَصمه أَو ساواه فِي الْمُعَارضَة لساءه ذَلِك ولطال همه وغمه وَقد يتْرك السُّؤَال عَمَّا يلْزمه تعلمه أَو يُجيب بِمَا لَا يُعلمهُ مَخَافَة أَن ينْسب إِلَى الْجَهْل بذلك وَهَذَا على الْحَقِيقَة تسميع بِالْعلمِ بِلِسَان الْحَال

стр. 73

٣٧ - فَائِدَة فِي عَلامَة الرِّيَاء فِي نفس الْإِنْسَان من أَرَادَ أَن يعلم من نَفسه أَنه مراء أَو مخلص فعلامة كَونه مرائيا أَن يحب الْحَمد على الطَّاعَة وَيكرهُ الذَّم فيفعل الطَّاعَة خوفًا من الذَّم وَإِذا أخْلص الْعَمَل لله تَعَالَى أَو علم علما لَا يُعلمهُ النَّاس لم يقنع بِعلم الله مِنْهُ ذَلِك وهاج قلبه لمحبة إطلاع النَّاس عَلَيْهِ فَأحب النَّاس إِلَيْهِ من يمدحه على ذَلِك وَإِن طَالب نَفسه بِطَاعَة خُفْيَة ثقلت عَلَيْهِ وَلم تطاوعه على ذَلِك وَلَا تتمنى طَاعَة لَا يعلم بهَا أحد وينفى الرِّيَاء بِأَن يعْمل العَبْد الْعَمَل لَا يُرِيد بِهِ إِلَّا الله تَعَالَى اقتصارا على علم الله الَّذِي بِيَدِهِ النَّفْع والضر فقد يعْمل الْعَمَل فِي السِّرّ بجوارحه أَو بِقَلْبِه كالفكر الَّذِي يهيج الْبكاء وَالْأَحْزَان فتجزع نَفسه من خَفَاء ذَلِك عَن النَّاس فَتَقول لَهُ كَيفَ تخفي مثل هَذِه الْفَضِيلَة عَن النَّاس وَلَو علمُوا بهَا لقمت عِنْدهم مقَاما عَظِيما وَلَا يعلم العَبْد أَن فِي ذَلِك ضعة قدره عِنْد ربه حَتَّى يلْزم قلبه الْإِخْلَاص فيقنع بِعلم

стр. 74

الله تَعَالَى فَإِن اطلع عَلَيْهِ منع قلبه من الارتياح إِلَى اطلاعهم عَلَيْهِ فَإِن غلبته على الارتياح رد عَلَيْهَا بِالْكَرَاهَةِ والإباء وَامْتنع من الركون إِلَيْهِ وَلَا يزَال حذرا حَتَّى يفرغ من الْعَمَل فَإِذا فرغ من الْعَمَل منع نَفسه من طلب التسميع بِهِ فَإِن كَانَ الْعَمَل ظَاهرا كتشييع الْجَنَائِز وَطلب الْعلم والتطوع يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد فليوطن نَفسه على أَن تقنع بِعلم الله تَعَالَى وَلَا ينظر إِلَى علم من لَا يضر وَلَا ينفع وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ ٣٨ - فصل فِيمَن يخلص الْعَمَل فِي السِّرّ فَيطلع عَلَيْهِ فيعجبه ذَلِك من أخْلص الْعَمَل لله سرا فَاطلع عَلَيْهِ فأفرحه ذَلِك وَأَعْجَبهُ فَلهُ أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يفرح بذلك لِأَن الله ستر مساوءه وَأظْهر محاسنه وَلَا يفرح بِسَبَب اطلَاع النَّاس على ذَلِك فَهَذَا فَرح بإنعام الله عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ يُرْجَى لَهُ الْأجر على ذَلِك وَقد يَرْجُو أَن يستر الله عَلَيْهِ ذنُوبه فِي الْآخِرَة كَمَا سترهَا فِي الدُّنْيَا فَيكون محسنا للظن بربه وَقد قَالَ تَعَالَى (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي)

стр. 75

الثَّانِيَة أَن يسر كَون أَن النَّاس اطلعوا عَلَيْهِ فأطاعوا الله فِيهِ بِإِحْسَان الظَّن بِهِ فَيكون سروره بكونهم أطاعوا الله تَعَالَى فِيهِ فَهَذَا سرُور مِنْهُ للْمُسلمين بِطَاعَة الله فِيهِ الثَّالِثَة أَن يطلعوا عَلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فيسر بكونهم اقتدوا بِهِ وَبِأَن الله تَعَالَى جعل طَاعَته سَبَب الِاقْتِدَاء بِهِ فَأحْسن بِهِ من سرُور وَقد أمرنَا الله أَن نفرح بفضله وبرحمته الرَّابِعَة أَن يسر باطلاعهم عَلَيْهِ ليعظموه ويشكروه وَأَن ينَال مِنْهُم مَا يرجوه أهل الرِّيَاء فَلَا يحبط عمله بذلك لِأَنَّهُ مضى على الْإِخْلَاص وَلم يَأْثَم بِهِ لِأَن من طبع الْإِنْسَان الْميل إِلَى مَا يُوَافق طبعه والنفور مِمَّا يُخَالف طبعه وَمَا كلف أحد أَن يخرج عَن طبعه وَلكنه إِذا ظهر حبه لذَلِك لم يَأْمَن أَن يكون خطرت لَهُ خطرة رِيَاء فخفيت عَلَيْهِ لِأَن الرِّيَاء فِي العبيد أخْفى من دَبِيب النَّمْل فَإِن اطلع عَلَيْهِ فِي أثْنَاء الْعَمَل فسر بذلك لأجل الْمنزلَة عِنْد النَّاس فقد اخْتلف فِيهِ وَتردد الشَّيْخ فِيهِ ثمَّ اخْتَار الإحباط وَهَذَا بعيد إِذا لم يراء بِبَقِيَّة عمله فَإِن مُجَرّد الْحبّ لاطلاع النَّاس ميل طبعي لَا مَعْصِيّة فِيهِ فَكيف تحبط الطَّاعَة بِمَا لَا مَعْصِيّة فِيهِ وَلَو مَال قلب الْإِنْسَان فِي الصَّلَاة أَو الصَّوْم أَو الْحَج إِلَى شَيْء من الْمعاصِي لم تبطل عِبَادَته بذلك فَمَا الْفرق بَين هَذَا أَو بَين الْميل إِلَى الرِّيَاء
следующие страницы →