← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6875

مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (164 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَأما المباهاة بالدنيا فبأن يزِيد على أَبنَاء جنسه بالأبنية والمآكل والمشارب والملابس والمناكح والأثاث والخدم لَا يُرِيد بذلك إِلَّا أَن يفوق غَيره وَأَن يعرفهُ أَنه أفضل مِنْهُ فِي ذَلِك والمفاخرة كالمباهاة وتزيد عَلَيْهَا بِأَن يذكر مَا فَضله بِهِ تَعْظِيمًا لنَفسِهِ وتحقيرا لصَاحبه مثل أَن يَقُول كم سَمِعت أَنْت وَهل تحسن شَيْئا وَمَا تَقول فِي مَسْأَلَة كَذَا وَكَذَا أَو يَقُول مَا يحسن فلَان مثل مَا أحسن وَلَا قَامَ مقَامي قطّ فِي حَرْب وَلَا فِي غَيره وَكم تحفظ من الحَدِيث وَمن لقِيت من الشُّيُوخ وَمن أدْركْت من الْعلمَاء والمفاخرة بالدنيا كَقَوْلِه أَنْت فَقير وَلَا مَال لَك وَكم ربحت وَأي شَيْء ملكت وعبدي ومولاي أغْنى مِنْك وَالتَّكَاثُر كالمفاخرة وَيزِيد عَلَيْهَا بالتعديد مثل أَن يَقُول سَمِعت كَذَا وَكَذَا من الحَدِيث وغزوت وَحَجَجْت كَذَا وَكَذَا غَزْوَة وَحجَّة وَأدْركت كَذَا وَكَذَا من الْمَشَايِخ وَمَا أفطرت من كَذَا وَكَذَا وَمن ينَام بِالسحرِ فَإِن كَانَ المفاخر المكاثر فطنا يحب أَن يحمد بِمَا فاخر بِهِ أَو كاثر ويخشى أَن يذم بالمفاخرة والمكاثرة عرض بالمفاخرة والمكاثرة ليحصل على غرضيه وَهَذِه الْأَخْلَاق الذميمة يُجَامع بَعْضهَا بَعْضًا وَيزِيد بَعْضهَا على بعض وَلأَجل ذَلِك فرق الْكتاب وَالسّنة بَينهمَا فَفِي الْكتاب ﴿وتفاخر بَيْنكُم وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد﴾

стр. 72

) وَفِي الحَدِيث (من طلب الدُّنْيَا مفاخرا مكاثرا مرائيا) وَمن الْأَخْلَاق الذميمة الْحَسَد وَيكون مسببا عَن الرِّيَاء وَغَيره كَمَا يكون التفاخر وَالتَّكَاثُر كَذَلِك فالحسد أَن يتَمَنَّى زَوَال مَا فضل الله تَعَالَى بِهِ غَيره عَلَيْهِ مَخَافَة أَن يعْتَقد النَّاس فَضله عَلَيْهِ وَحب الْغَلَبَة يكون عَن الرِّيَاء وَغَيره فيحب أَن يغلب فِي المناظرة وَأَن يُخطئ خَصمه فِيهَا ليظْهر صَوَابه ليعظم بذلك ويوقر أَكثر مِمَّا يعظم خَصمه وَلَو أصَاب خَصمه أَو ساواه فِي الْمُعَارضَة لساءه ذَلِك ولطال همه وغمه وَقد يتْرك السُّؤَال عَمَّا يلْزمه تعلمه أَو يُجيب بِمَا لَا يُعلمهُ مَخَافَة أَن ينْسب إِلَى الْجَهْل بذلك وَهَذَا على الْحَقِيقَة تسميع بِالْعلمِ بِلِسَان الْحَال

стр. 73

٣٧ - فَائِدَة فِي عَلامَة الرِّيَاء فِي نفس الْإِنْسَان من أَرَادَ أَن يعلم من نَفسه أَنه مراء أَو مخلص فعلامة كَونه مرائيا أَن يحب الْحَمد على الطَّاعَة وَيكرهُ الذَّم فيفعل الطَّاعَة خوفًا من الذَّم وَإِذا أخْلص الْعَمَل لله تَعَالَى أَو علم علما لَا يُعلمهُ النَّاس لم يقنع بِعلم الله مِنْهُ ذَلِك وهاج قلبه لمحبة إطلاع النَّاس عَلَيْهِ فَأحب النَّاس إِلَيْهِ من يمدحه على ذَلِك وَإِن طَالب نَفسه بِطَاعَة خُفْيَة ثقلت عَلَيْهِ وَلم تطاوعه على ذَلِك وَلَا تتمنى طَاعَة لَا يعلم بهَا أحد وينفى الرِّيَاء بِأَن يعْمل العَبْد الْعَمَل لَا يُرِيد بِهِ إِلَّا الله تَعَالَى اقتصارا على علم الله الَّذِي بِيَدِهِ النَّفْع والضر فقد يعْمل الْعَمَل فِي السِّرّ بجوارحه أَو بِقَلْبِه كالفكر الَّذِي يهيج الْبكاء وَالْأَحْزَان فتجزع نَفسه من خَفَاء ذَلِك عَن النَّاس فَتَقول لَهُ كَيفَ تخفي مثل هَذِه الْفَضِيلَة عَن النَّاس وَلَو علمُوا بهَا لقمت عِنْدهم مقَاما عَظِيما وَلَا يعلم العَبْد أَن فِي ذَلِك ضعة قدره عِنْد ربه حَتَّى يلْزم قلبه الْإِخْلَاص فيقنع بِعلم

стр. 74

الله تَعَالَى فَإِن اطلع عَلَيْهِ منع قلبه من الارتياح إِلَى اطلاعهم عَلَيْهِ فَإِن غلبته على الارتياح رد عَلَيْهَا بِالْكَرَاهَةِ والإباء وَامْتنع من الركون إِلَيْهِ وَلَا يزَال حذرا حَتَّى يفرغ من الْعَمَل فَإِذا فرغ من الْعَمَل منع نَفسه من طلب التسميع بِهِ فَإِن كَانَ الْعَمَل ظَاهرا كتشييع الْجَنَائِز وَطلب الْعلم والتطوع يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد فليوطن نَفسه على أَن تقنع بِعلم الله تَعَالَى وَلَا ينظر إِلَى علم من لَا يضر وَلَا ينفع وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ ٣٨ - فصل فِيمَن يخلص الْعَمَل فِي السِّرّ فَيطلع عَلَيْهِ فيعجبه ذَلِك من أخْلص الْعَمَل لله سرا فَاطلع عَلَيْهِ فأفرحه ذَلِك وَأَعْجَبهُ فَلهُ أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يفرح بذلك لِأَن الله ستر مساوءه وَأظْهر محاسنه وَلَا يفرح بِسَبَب اطلَاع النَّاس على ذَلِك فَهَذَا فَرح بإنعام الله عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ يُرْجَى لَهُ الْأجر على ذَلِك وَقد يَرْجُو أَن يستر الله عَلَيْهِ ذنُوبه فِي الْآخِرَة كَمَا سترهَا فِي الدُّنْيَا فَيكون محسنا للظن بربه وَقد قَالَ تَعَالَى (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي)

стр. 75

الثَّانِيَة أَن يسر كَون أَن النَّاس اطلعوا عَلَيْهِ فأطاعوا الله فِيهِ بِإِحْسَان الظَّن بِهِ فَيكون سروره بكونهم أطاعوا الله تَعَالَى فِيهِ فَهَذَا سرُور مِنْهُ للْمُسلمين بِطَاعَة الله فِيهِ الثَّالِثَة أَن يطلعوا عَلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فيسر بكونهم اقتدوا بِهِ وَبِأَن الله تَعَالَى جعل طَاعَته سَبَب الِاقْتِدَاء بِهِ فَأحْسن بِهِ من سرُور وَقد أمرنَا الله أَن نفرح بفضله وبرحمته الرَّابِعَة أَن يسر باطلاعهم عَلَيْهِ ليعظموه ويشكروه وَأَن ينَال مِنْهُم مَا يرجوه أهل الرِّيَاء فَلَا يحبط عمله بذلك لِأَنَّهُ مضى على الْإِخْلَاص وَلم يَأْثَم بِهِ لِأَن من طبع الْإِنْسَان الْميل إِلَى مَا يُوَافق طبعه والنفور مِمَّا يُخَالف طبعه وَمَا كلف أحد أَن يخرج عَن طبعه وَلكنه إِذا ظهر حبه لذَلِك لم يَأْمَن أَن يكون خطرت لَهُ خطرة رِيَاء فخفيت عَلَيْهِ لِأَن الرِّيَاء فِي العبيد أخْفى من دَبِيب النَّمْل فَإِن اطلع عَلَيْهِ فِي أثْنَاء الْعَمَل فسر بذلك لأجل الْمنزلَة عِنْد النَّاس فقد اخْتلف فِيهِ وَتردد الشَّيْخ فِيهِ ثمَّ اخْتَار الإحباط وَهَذَا بعيد إِذا لم يراء بِبَقِيَّة عمله فَإِن مُجَرّد الْحبّ لاطلاع النَّاس ميل طبعي لَا مَعْصِيّة فِيهِ فَكيف تحبط الطَّاعَة بِمَا لَا مَعْصِيّة فِيهِ وَلَو مَال قلب الْإِنْسَان فِي الصَّلَاة أَو الصَّوْم أَو الْحَج إِلَى شَيْء من الْمعاصِي لم تبطل عِبَادَته بذلك فَمَا الْفرق بَين هَذَا أَو بَين الْميل إِلَى الرِّيَاء

стр. 76

فَإِن قَالَ الشَّيْخ لَا آمن عَلَيْهِ الرِّيَاء لم يستقم ذَلِك لِأَنَّهُ تَيَقّن صِحَة الْعِبَادَة وَإِنَّمَا انْعَقَدت على الْإِخْلَاص وَشك فِيمَا يُفْسِدهَا وَقد جَاءَ فِي حَدِيث وَقفه أَكثر رُوَاته على أبي صَالح أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أسر الْعَمَل لَا أحب أَن يطلع عَلَيْهِ فَيطلع عَلَيْهِ فيسرني فَقَالَ (لَك أَجْرَانِ أجر السِّرّ وَأجر الْعَلَانِيَة) فَهَذَا مَحْمُول على من سر بذلك لستر الله عَلَيْهِ لَا لاطلاع النَّاس ونيل الْمنزلَة عِنْدهم أَو على من سره ذَلِك لِأَن النَّاس وقروا من أطَاع الله فِيهِ وَلم يقعوا فِيهِ أَو لأَنهم اقتدوا بِهِ لما اطلعوا عَلَيْهِ وَلَا وَجه لإحباط الْعَمَل وَلَا لبعضه بِمُجَرَّد الرِّيَاء إِلَّا أَن يقْتَرن بهَا رِيَاء أَو إِرَادَة رِيَاء

стр. 77

٣٩ - فَائِدَة فِي عدم جَوَاز الدُّخُول فِي الْعَمَل إِلَّا بعد التيقن من الْإِخْلَاص لَا يجوز أَن يدْخل فِي الْعَمَل إِلَّا وَهُوَ مُتَيَقن بالإخلاص الْحَقِيقِيّ أَو الْحكمِي فَإِذا شرع فِي الْعَمَل وَمضى عَلَيْهِ زمَان يُمكن أَن يخْطر فِيهِ الرِّيَاء ثمَّ أنساه أَجْزَأته الْعِبَادَة لِأَنَّهُ تَيَقّن الْإِخْلَاص فِي أَولهَا وَشك فِي الرِّيَاء الْمُفْسد لَهَا فَأشبه من دخل فِيهَا فِي الصَّلَاة على يَقِين من الطَّهَارَة ثمَّ شكّ فِي زَوَالهَا فَإِن تخوف من ذَلِك كَانَ مأجورا على خَوفه من صِحَة عِبَادَته ٤٠ - فصل فِي الْإِخْلَاص فِي النِّيَّة الْحكمِيَّة والحقيقية يتَعَلَّق بِكُل عبَادَة نيتان إِحْدَاهمَا أَن يَنْوِي كَونهَا عبَادَة وَالثَّانيَِة أَن يَنْوِي كَونهَا لله فَأَما نِيَّة الْعِبَادَة فضربان أَحدهمَا حكمِيَّة وَالثَّانِي حَقِيقِيَّة فَأَما الْحَقِيقِيَّة فَيشْتَرط اقترانها بِأول الْعِبَادَة

стр. 78

وَأما الْحكمِيَّة فتجزأ فِي سَائِر الْعِبَادَات إِذا تحققت فِي أَولهَا وَكَذَلِكَ تجزأ فِي أول الْعِبَادَة إِذا تعذر اقتران النِّيَّة الْحَقِيقِيَّة بأولها كَمَا هِيَ فِي الصّيام إِذْ لَا تقترن النِّيَّة الْحَقِيقِيَّة بأوله وَأما الْإِخْلَاص فَإِن كَانَ قد تقدم من الْمُكَلف أَنه مهما فعله من الطَّاعَات إِنَّمَا يَفْعَله خَالِصا لله تَعَالَى فتجزئه هَذِه النِّيَّة الْحكمِيَّة من أول الْعَمَل إِلَى آخِره إِن كَانَ اسْم ذَلِك الْفِعْل فِي الشَّرِيعَة عبَادَة أَو طَاعَة وَالْأولَى أَن يَأْتِي فِي أول الْفِعْل بنية الْإِخْلَاص حَقِيقَة كَمَا يفعل ذَلِك فِي نِيَّة الْعِبَادَة كَالصَّلَاةِ وتشييع الْجِنَازَة وَالنِّيَّة الْحكمِيَّة فِي الْإِخْلَاص وَغَيره لَا تجزأ إِلَّا إِذا لم يطْرَأ مُنَاقض لَهَا وَإِن كَانَ الْعَمَل مِمَّا الْغَالِب عَلَيْهِ أَن يفعل لأجل النَّاس كالمساعدة على قَضَاء الْحَاجَات فَهَذَا لَا يُجزئ إِلَّا بنية حَقِيقِيَّة إِلَّا فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء نفع الْعَالم وَالْعَابِد والمضطر وَالرحم وَالظَّاهِر أَنه لَا يحْتَاج إِلَى تَجْدِيد النِّيَّة فِي ذَلِك

стр. 79

٤١ - فَائِدَة فِي إِدْخَال السرُور على الْمُؤمن بالتعليم والإفادة إِدْخَال السرُور على الْمُؤمن بالتعليم والإفادة إِن أَرَادَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى فَهُوَ مثاب عَلَيْهِ وَإِن أَرَادَ بِهِ أَن يعظمه المتعلم أَو يوقره وَيَحْمَدهُ أَو ينَال مِنْهُ مَالا أَو غَيره من الْمَنَافِع الدُّنْيَوِيَّة فَلَا يقدم على ذَلِك وليغير إِرَادَته مَا اسْتَطَاعَ حَتَّى تكون لله وَحده إِذْ ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى﴾ وَإِن الْتبس عَلَيْهِ الْأَمر فَلَا يقدم على ذَلِك حَتَّى يتَحَقَّق أَنه لَا يُرِيد بِإِدْخَال السرورة عَلَيْهِ إِلَّا لوجه الله تَعَالَى

стр. 80

٤٢ - فصل فِي من افْتتح طَاعَة لله تَعَالَى مخلصا لله فِيهَا ثمَّ حدث لَهُ فِيهَا نشاط فَزَاد فِيهَا وَكَانَ ذَلِك بمرأى من النَّاس فأشكل عَلَيْهِ أَمر الزِّيَادَة أهوَ مخلص فِيهَا أم لَا من افْتتح طَاعَة الله تَعَالَى على الْإِخْلَاص أَو افْتتح عملا مِمَّا يتَعَلَّق بِالنَّاسِ على الْإِخْلَاص أَيْضا وَكَانَ ذَلِك بمرأى من النَّاس ثمَّ وجد نشاطا لزِيَادَة ذَلِك الْعَمَل فَزَاد فِيهِ فَإِن أَرَادَ بِالزِّيَادَةِ الرِّيَاء فَهُوَ مراء وَإِن أَرَادَ بهَا الْإِخْلَاص فَهُوَ مخلص وَإِن الْتبس عَلَيْهِ الْأَمر فَلم يدر أمخلص هُوَ أم مراء فَالْأولى بِهِ أَن يجدد النِّيَّة لإخلاص تِلْكَ الزِّيَادَة فَإِن لم يجددها صَحَّ عمله لِأَنَّهُ تحقق إخلاصه وَشك فِي الرِّيَاء ٤٣ - فَائِدَة فِي أَن الرِّيَاء وَالْإِخْلَاص إرادتان زائدتان على إِرَادَة الْعِبَادَة الرِّيَاء وَالْإِخْلَاص إرادتان زائدتان على إِرَادَة الْعِبَادَة فإرادة الْعِبَادَة أَن يُرِيد إِيقَاع تِلْكَ الطَّاعَة وَالْإِخْلَاص أَن يُرِيد بهَا ثَوَاب الله تَعَالَى دون شَيْء من الْأَغْرَاض الدُّنْيَوِيَّة والرياء أَن يُرِيد بِعَمَلِهِ التَّعْظِيم والمدح وَغير ذَلِك من أغراض الرِّيَاء

стр. 81

٤٤ - فصل فِيمَا لَا يدْخل فِيهِ الْإِخْلَاص لَا يدْخل الْإِخْلَاص فِي مُبَاح لَا يشْتَمل على قربَة وَلَا يُؤَدِّي إِلَى قربَة كرفع الْبُنيان لَا لغَرَض وَالِد وَلَا وَالِدَة بل لمحض رعونة النَّفس وَكَذَلِكَ لَا إخلاص فِي محرم وَلَا مَكْرُوه كمن ينظر إِلَى مَا لَا يحل النّظر إِلَيْهِ وَيَزْعُم أَنه ينظر إِلَى ذَلِك يتفكر فِي صنع الصَّانِع فَهَذَا لَا إخلاص فِيهِ بل لَا قربَة فِيهِ الْبَتَّةَ ٤٥ - فصل فِي حكم من سُئِلَ عَن طَاعَة من الطَّاعَات أَو عبَادَة من الْعِبَادَات فَقَالَ لَا تحضرني نِيَّة وَلِهَذَا حالان أَحدهمَا أَن يَقُول لَا تحضرني نِيَّة لكسلي عَن هَذَا الْعَمَل المتطوع بِهِ أَو لاشتغالي بِغَيْرِهِ فَهَذَا صَادِق فِي قَوْله محروم من طَاعَة ربه وَلَا حرج

стр. 82

عَلَيْهِ فِي ذَلِك لجَوَاز ترك التطوعات وَالْأولَى بِهِ أَن يحث نَفسه على تِلْكَ الطَّاعَة واستحضار نِيَّتهَا فَإِن التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بالنوافل سَبَب لمحبة الله تَعَالَى العَبْد وَأحسن بِهِ وَأعظم بِهِ من سَبَب الثَّانِيَة أَن لَا يعوقه عَن تِلْكَ الطَّاعَة عائق وَيَقُول لَا تحضرني النِّيَّة الَّتِي هِيَ الْإِخْلَاص فَهَذَا غالط باعتذاره لِأَنَّهُ لم يُؤمر بترك الْعَمَل لعزوب الْإِخْلَاص وَإِنَّمَا أَمر بِأَن يستجلب الْإِخْلَاص على حسب إِمْكَانه وَلَو ترك الْعَمَل لعزوب نِيَّة الْإِخْلَاص لحمله الشَّيْطَان على ترك الْوَاجِبَات لعزوب نِيَّة الْإِخْلَاص وَلَا يضرّهُ فِي ذَلِك مَا يوسوسه الشَّيْطَان من ترك الطَّاعَة وَلَا اشْتِغَال النَّفس بِتِلْكَ الطَّاعَة وَلَا محبتها لحمد النَّاس على الطَّاعَة وَلَا محبتها لتعظيمهم إِيَّاه وتوقيرهم لِأَن الله جبل النُّفُوس على محبَّة مَا وافقها طَاعَة كَانَت أَو غير طَاعَة وعَلى كَرَاهَة مَا خالفها من الطَّاعَات وَغَيرهَا وَمَا أَمر الله ﵎ أحدا من خلقه أَن يخرج عَن طبعه إِذْ لَا قدرَة للْعَبد على ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا يقدر على دفع وسواس الشَّيْطَان وَإِنَّمَا أَمر بمخالفة طبعه بِمَا فِيهِ رضَا الرَّحْمَن وإرغام الشَّيْطَان وَأهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا الْمَلَائِكَة وَقد ركبت فِيهَا الْعُقُول دون الْكَرَاهَة والملال

стр. 83

وَلذَلِك يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون وَلَا يسأمون وَلَا يثابون على أَعْمَالهم لأَنهم لم يجاهدوا أنفسهم وَلم يخالفوا أهواءهم الْقسم الثَّانِي الْبَهَائِم وَالطير والوحش وَقد ركبت فِيهَا الشَّهَوَات الَّتِي تقوم بمصالحها والنفرة مِمَّا يؤذيها وَيُخَالف طبعها وَلم يركب فِيهَا عقول تعرف بهَا الْأَمر وَالنَّهْي فَلم يؤاخذها بِشَيْء لعدم الْعقل وَلَا ثَوَاب لَهَا فِي الْآخِرَة إِذْ لَا طَاعَة لَهَا وَلَا عِقَاب عَلَيْهَا فِيمَا تتلفه من النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَغير ذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي يُعَاقب عَلَيْهَا الثَّقَلَان الْقسم الثَّالِث الثَّقَلَان وَقد ركبت فيهم الْعُقُول كالملائكة وَجعلت فيهم الشَّهَوَات كالوحش وَالطير وَالدَّوَاب فكلفوا لأجل عُقُولهمْ وأثيبوا لطاعتهم ومخالفتهم أهواءهم وعوقبوا على معاصيهم وَمُخَالفَة أَمر رَبهم لِأَن لَهُم عقولا تردعهم عَن مُوَافقَة أهوائهم وتزجرهم عَن مُخَالفَة أَمر رَبهم وَلم يكلفوا إِلَّا بِمَا يُطِيقُونَ وَلم يكلفوا بِالْخرُوجِ عَن طباعهم وَلَا بِإِخْرَاج الشَّيْطَان من صُدُورهمْ وَلَا حرج على الْإِنْسَان فِي وسواس الشَّيْطَان فَإِن شياطين الْجِنّ مثل شياطين الْإِنْس وَلَو أَمرك شَيْطَان إنسي بِمَعْصِيَة الديَّان وَمُخَالفَة الرَّحْمَن لم يكن عَلَيْك حرج فِي أمره إياك بذلك وَإِنَّمَا الْحَرج فِي إِجَابَة الشَّيْطَان وموافقة الطباع فِيمَا يكرههُ الرَّحْمَن ويزجر عَنهُ الْقُرْآن

стр. 84

٤٦ - فصل فِي حكم من ابْتَدَأَ طَاعَته على الرِّيَاء ثمَّ أخلصها فِي أَثْنَائِهَا والأعمال ضَرْبَان أَحدهمَا مُتَعَدد حكما وَصُورَة كَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّدَََقَة المترتبة فَهَذَا إِذا افتتحه على الرِّيَاء ثمَّ أخْلص صَحَّ مَا اقْترن بِهِ الْإِخْلَاص وَبَطل مَا اقْترن بِهِ الرِّيَاء لِأَن ذَلِك بِمَثَابَة عبادات راءى فِي بَعضهنَّ وأخلص فِي بَعضهنَّ الثَّانِي الْعِبَادَة المتخذة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج إِذا افتتحها مرائيا ثمَّ أخْلص فِي أَثْنَائِهَا فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم لَا يعْتد لَهُ بِشَيْء مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر وَقَالَ بَعضهم لَا يعْتد لَهُ إِلَّا بافتتاحها دون مَا عداهُ وَقَالَ آخَرُونَ يعْتد لَهُ بِالْجَمِيعِ لِأَنَّهُ مَا أَتَى بذلك إِلَّا لله فَإِن التَّكْبِير وَالتَّسْبِيح وَالرُّكُوع وَالسُّجُود لَا يكون إِلَّا لله وَهَذَا يشكل عَلَيْهِ سَائِر الْأَعْمَال الَّتِي لَا تكون إِلَّا لله عز وَجل

стр. 85

وَلَعَلَّ هَذَا يَقُول لَا يبطل الرِّيَاء الْعَمَل إِلَّا إِذا اقْترن بِهِ من أَوله إِلَى آخِره وَقد بنى أمره على أَن النّظر إِلَى خَاتِمَة الْعِبَادَة وَقد وَقعت خَالِصَة لله وَلَعَلَّ من يَقُول بِالصِّحَّةِ فِي الْجَمِيع يَجْعَل الرِّيَاء محرما اقْترن بِالصَّلَاةِ فَلَا يُبْطِلهَا كمن صلى لابسا ثوب حَرِير أَو متختما بِخَاتم من ذهب أَو من صلى فِي دَار مَغْصُوبَة وَلَكِن هَذَا لَا يَسْتَقِيم لِأَن الشَّيْخ نَص على أَن مَا اقْترن بالرياء غير مُعْتَد بِهِ وَلَيْسَ هَذَا الْفَصْل صافيا من كدر الْإِشْكَال ٤٧ - فصل فِيمَن يحمده النَّاس على الطَّاعَة وَيشكل عَلَيْهِ سُكُون نَفسه إِلَى حمدهم وَطَرِيقه فِي تعرف ذَلِك أَن يعرض على نَفسه أَنهم إِن ذموه وعابوه أَو تركُوا حَمده من غير ذمّ فَإِن كره ذَلِك واشتغل لَهُ قلبه لم يُؤمن عَلَيْهِ الرِّيَاء وَإِن لم يبال بذلك وَلم يلْتَفت عَلَيْهِ فَالظَّاهِر أَنه مخلص وَقد يكون قبل ذَلِك مرائيا وَاقِفًا مَعَ حمدهم ثمَّ يخْطر لَهُ ترك الْوُقُوف مَعَ الْحَمد وَكَذَلِكَ قد يكون مخلصا فَإِذا تركُوا حَمده شقّ عَلَيْهِ ذَلِك وَمثل هَذَا أَن يكون للْعَبد أَسبَاب عتيدة لرزقه فتسكن نَفسه وَلَا يدْرِي هَل سكونه اعْتِمَاد على الله أَو اعْتِمَاد على تِلْكَ الْأَسْبَاب فَيعْتَبر ذَلِك

стр. 86

بِأَن يقدر زَوَال الْأَسْبَاب فَإِن بَقِي سكونه فَالظَّاهِر أَنه كَانَ متوكلا على الله تَعَالَى وَيجوز خلاف ذَلِك وَإِن قلقت نَفسه فَالظَّاهِر أَنه كَانَ مُعْتَمدًا على الْأَسْبَاب ٤٨ - فصل فِيمَن يتْرك النَّوَافِل كي لَا يَأْثَم النَّاس بنسبته إِلَى الرِّيَاء قد يكره المتطوع نسبته إِلَى الرِّيَاء فَيتْرك الْعَمَل دفعا لذَلِك وَقد يتْركهُ شَفَقَة على النَّاس أَن يأثموا بنسبته إِلَى الرِّيَاء وَطَرِيقه إِلَى معرفَة ذَلِك أَن ينظر إِلَى ذنُوب النَّاس فَإِن شقَّتْ عَلَيْهِ كمشقة نسبته إِلَى الرِّيَاء أَو أعظم فَلَيْسَ يغالط فِي ذَلِك وَإِن لم يشق عَلَيْهِ ذنوبهم كَمَا يشق عَلَيْهِ نسبتهم إِيَّاه إِلَى الرِّيَاء فَهُوَ مُخطئ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه ترك الْعَمَل الْمُحَقق نَفعه خوفًا مِمَّا ظَنّه وَالثَّانِي أَنه أَسَاءَ الظَّن بِالْمُسْلِمين أَن يعصوا الله فِيهِ بنسبته إِلَى الرِّيَاء ٤٩ - فصل فِي إِظْهَار الْعَمَل للاقتداء من أظهر عمله ليقتدي بِهِ فَلهُ حالان أَحدهمَا أَن يكون مِمَّن لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يقْتَدى بأفعاله فَلَا يظْهر

стр. 87

شَيْئا من أَعماله لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن فِي إظهارها الرِّيَاء وَلَيْسَ على ثِقَة من الِاقْتِدَاء بِهِ الثَّانِيَة أَن يكون مِمَّن يقْتَدى بِهِ فِيمَا يظْهر من أَعماله فَإِن كَانَ ذَلِك الْعَمَل من أَعماله الْعَلَانِيَة كالجهاد وَأمن من الرِّيَاء فأظهر من أَعماله التَّقَدُّم إِلَى الْعَدو والثبوت فِي نَحره وَالصَّبْر إِذا انهزم النَّاس على مكافحة الْعَدو فَإِن أَمن الرِّيَاء فَلهُ أَجْرَانِ أجر الْجِهَاد وَأجر التَّسَبُّب إِلَى الِاقْتِدَاء بِهِ لِأَن (الدَّال على الْخَيْر كفاعله) وَكَذَلِكَ إِظْهَار الصَّدَقَة مَعَ الْأَمْن من الرِّيَاء إظهارها للاقتداء مِمَّن يقْتَدى بِمثلِهِ أفضل من إخفائها إِلَّا أَن يتَأَذَّى آخذ الصَّدَقَة بأخذها فِي الْعَلَانِيَة فَيكون إِخْفَاؤُهَا أولى لِأَن الْمَنّ والأذى قد يحبطان أجر الصَّدَقَة وَلَا يُقَاوم تسببه إِلَى الِاقْتِدَاء بِهِ تعريضه أَخَاهُ الْمُسلم للضيم والأذى وَإِن أشكل عَلَيْهِ الْأَمر فِي ذَلِك فليعرض الْإخْفَاء والإظهار على نَفسه فَإِن جزعت نَفسه من الْإخْفَاء وشق عَلَيْهَا فَلَا يظهره ذَلِك إِذْ لَا يَأْمَن على نَفسه الرِّيَاء وَإِن جزعها إِنَّمَا كَانَ لفَوَات غرضها من الرِّيَاء لَا لفَوَات الِاقْتِدَاء

стр. 88

٥٠ - فصل فِي الْإِخْبَار بِالطَّاعَةِ من عمل طَاعَة ثمَّ أخبر بهَا النَّاس فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يظْهر ذَلِك ليعظم ويوقر وَيحصل أغراض المرائين فَهَذَا مسمع و (من سمع سمع الله بِهِ) الثَّانِي أَن يفعل ذَلِك ليقتدي بِهِ وَيكون سَببا يحث المخبرين على الطَّاعَات والعبادات فَلهُ حالان

стр. 89

أَحدهمَا أَن يكون مِمَّا لَا يقْتَدى بِهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ فَلَا يتحدث بِشَيْء من ذَلِك احْتِرَازًا من التسميع والتصنع للنَّاس وَقد يسخر مِنْهُ إِذا أظهر عمله وَنسب إِلَى الرِّيَاء فَيكون مخاطرا بالتسميع متسببا إِلَى وُقُوع النَّاس فِيهِ الثَّانِيَة أَن يكون مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ وَله حالان أَحدهمَا أَن يكون مِمَّن يعْتَقد فِيهِ عَامَّة النَّاس كالخلفاء الرَّاشِدين وَالْعُلَمَاء الْمُتَّقِينَ فَإِن وثق من أَمنه من الرِّيَاء إِذا تحدث بذلك فليتحدث بِهِ وَقد فعل ذَلِك جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذين يقْتَدى بهم فِي أَقْوَالهم وأفعالهم وَقد تسبب بِإِظْهَار ذَلِك إِلَى نصح الْمُسلمين وحثهم على طَاعَة رب الْعَالمين الثَّانِيَة أَن يكون مِمَّن يعْتَقد فِيهِ بعض النَّاس دون بعض فَلَا يتحدث بِهِ من لَا يعْتَقد فِيهِ ويذكره عِنْد من يعْتَقد فِيهِ إِذا أَمن الرِّيَاء وَإِن اجْتمع الْفَرِيقَانِ فَفِيهِ تَفْصِيل الْحَالة الثَّالِثَة أَن يخْشَى من التحدث بِالْعَمَلِ للرياء والتسميع فَلَا يتحدث بذلك احْتِيَاطًا وتحرزا عَن التصنع والتسميع

стр. 90

٥١ - فصل فِي تَفْضِيل عمل السِّرّ على عمل الْعَلَانِيَة اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَقَالَت فرقة عمل السِّرّ أفضل من عمل الْعَلَانِيَة للقدوة وَغير الْقدْوَة وَعمل الْعَلَانِيَة للقدوة أفضل من عمل الْعَلَانِيَة لغير الْقدْوَة وَالْفرق بَينهمَا أَنه فِي إِظْهَار عمل السِّرّ لَا يَأْمَن الرِّيَاء فيمكنه أَن يحفظ عمله عَن الرِّيَاء بإسراره وإخفائه وَحفظ إخلاص الْعَمَل أولى من المخاطرة بِهِ وَأما عمل الْعَلَانِيَة فَلَا يقدر على التَّحَرُّز فِيهِ من الرِّيَاء وَقَالَت طَائِفَة عمل السِّرّ أفضل من عمل الْعَلَانِيَة لغير الْقدْوَة وَعمل الْعَلَانِيَة للقدوة أفضل من عمل السِّرّ لِأَن من تسبب إِلَى خير أَو سنّ سنة حَسَنَة أجر على ذَلِك أَجْرَيْنِ أَو أجورا كَثِيرَة على عدد المقتدين بِهِ

стр. 91

وَجَاء فِي حَدِيث (إِن عمل الْعَلَانِيَة يُضَاعف على عمل السِّرّ إِذا اسْتنَّ بعامله بسبعين ضعفا) وَعمل السِّرّ مَا شرع إسراره من أول أمره كالنوافل والأذكار وَعمل الْعَلَانِيَة مَا شرعت الْعَلَانِيَة فِي أول أمره أَو مَا لَا يَتَأَتَّى عمله إِلَّا فِي الْعَلَانِيَة كعيادة المرضى وتشييع الْجَنَائِز وَحُضُور الأعياد فالإسرار بأعمال السِّرّ أولى إِلَّا رَجَاء الِاقْتِدَاء لمن يَأْمَن الرِّيَاء وَعمل الْعَلَانِيَة مَعَ مجاهدة النَّفس من خطرات الرِّيَاء أولى من تَركه مَخَافَة الرِّيَاء وَقد ترك جمَاعَة من السّلف الْأَعْمَال لما اطلع عَلَيْهِم مَعَ كَونهم أعْلنُوا مَا هُوَ أفضل وَمِنْهَا وَمَا تركُوا ذَلِك إِلَّا عِنْد ضعف الْحَال فِي بعض الْأَوْقَات خوفًا من خطرة التصنع والرياء

стр. 92

٥٢ - فصل فِي ترك الْعَمَل خوفًا من الرِّيَاء لخطرة الرِّيَاء ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يخْطر قبل الشُّرُوع فِي الْعَمَل لَا يَنْوِي بِعَمَلِهِ إِلَّا الرِّيَاء فَعَلَيهِ أَن يتْرك الْعَمَل إِلَى أَن يستحضر الْإِخْلَاص الثَّانِيَة أَن يخْطر رِيَاء الشّرك فَيتْرك وَلَا يقدم على الْعَمَل حَتَّى يمحض الْإِخْلَاص الثَّالِثَة أَن يخْطر فِي أثْنَاء الْعَمَل الْخَالِص فليدفعها وَيسْتَمر فِي الْعَمَل فَإِن دَامَت الخطرة وَلم يجب نَفسه إِلَى الرِّيَاء صَحَّ عمله استصحابا لنيته الأولى

стр. 93

٥٣ - فصل فِيمَا ينْدب إِلَى تَركه من الْأَعْمَال الْخَالِصَة الْأَعْمَال قِسْمَانِ أَحدهمَا عَام كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم والغزو وَالْجهَاد وَالذكر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَهَذِهِ وَمَا أشبههَا من الْأَعْمَال الْعَامَّة لَا يتْرك شَيْء مِنْهَا بل يَفْعَلهَا الْخَاص وَالْعَام وَالثَّانِي خَاص كالخلافة والإمرة وَالْقَضَاء والانتصاب للحق بِالدُّعَاءِ إِلَى الله تَعَالَى فَهَذَا الْقسم يُؤمر الْعَامَّة بِتَرْكِهِ خوفًا من الْعَجز عَن الْقيام بِحقِّهِ وَلَا يتَوَلَّى ذَلِك إِلَّا الأقوياء الواثقون بِأَنْفسِهِم وَقد جَاءَ تَشْدِيد عَظِيم فِي النَّهْي عَن الولايات وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْوُلَاة أفضل من غَيرهم وتفصيل ذَلِك أَن الولايات تشْتَمل على غَرَض شَرْعِي وغرض طبعي فنهي عَنْهَا من يغلبه طبعه وهواه وَأمر بهَا من يكون قاهرا لطبعه غَالِبا لهواه فَلَا يتولاها من لَا يملك هَوَاهُ وَلَا يرد نَفسه إِلَّا أَن يتَعَيَّن لَهَا فَيجب عَلَيْهِ أَن يتَوَلَّى وَأَن يُجَاهد نَفسه فِي دفع هَواهَا مَا اسْتَطَاعَ وَأما الْأَعْمَال الْعَامَّة فَلَا يتْرك شَيْء مِنْهَا

стр. 94

وَأما الِاكْتِسَاب بالأسباب الْمُبَاحَة ليتصدق مِمَّا يكسبه ويصرفه فِي القربات فقد اخْتلف فِيهِ هَل تَركه أفضل أم فعله فَقَالَت طَائِفَة تَركه أفضل وَقَالَ آخَرُونَ بل فعله مَعَ السَّلامَة أولى كَمَا فِي الصَّلَاة وَالصِّيَام ٥٤ - فَائِدَة فِي أَن الْعَمَل بِطَاعَة الله إِرَادَة محبَّة النَّاس رِيَاء من الرِّيَاء أَن يعْمل العَبْد بِطَاعَة الله تَعَالَى إِرَادَة محبَّة النَّاس وَمن أخْلص عمله لله وَأحب أَن يُحِبهُ النَّاس من غير أَن يعْمل لأجلهم فَلَا بَأْس ٥٥ - فَائِدَة فِيمَن اطلع النَّاس على ذَنبه وتقصيره فَاشْتَدَّ غمه من اطلع النَّاس على ذَنبه وتقصيره فَاشْتَدَّ غمه لذَلِك فَلَا بَأْس عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك من فعل الطَّبْع والغريزة الَّتِي لَا يُكَلف بترك آثارها وَله أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يكون اغتمامه باطلاع النَّاس على تَقْصِيره أَشد من اغتمامه باطلاع الله عَلَيْهِ فَهَذَا خاسر فِي دينه الثَّانِيَة أَن يكون اغتمامه باطلاع الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَشد من اغتمامه باطلاعهم عَلَيْهِ فَهَذَا أفضل فِي الدّين

стр. 95

الثَّالِثَة أَن يخْشَى سُقُوط الْمنزلَة عِنْد النَّاس فيعتذر بِالْكَذِبِ أَو يتصنع بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة ليمحو ذَلِك من قُلُوبهم فَلَا يجوز ذَلِك الرَّابِعَة أَن يجزع أَن يشْغلهُ غمه عَن الْقيام بوظائف الطَّاعَات فَهَذَا أفضل لعزة دينه عَلَيْهِ الْخَامِسَة أَن لَا يبتنى على اغتمامه شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ فَلَا بَأْس عَلَيْهِ إِذْ لَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِمُجَرَّد الاغتمام ٥٦ - فَائِدَة فِي أَنه لَا يفعل فِي الْخلْوَة إِلَّا مَا يسهل فعله فِي الْعَلَانِيَة يَنْبَغِي للمريد أَن لَا يفعل فِي الْخلْوَة إِلَّا مَا يسهل عَلَيْهِ فعله فِي الْعَلَانِيَة وَلذَلِك قَالَ عمر ﵁ عَلَيْكُم بِعَمَل الْعَلَانِيَة وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا يستحي مِنْهُ كالجماع وَقَضَاء الْحَاجة وَلَيْسَ كتم الْإِنْسَان ذنُوبه وإخفاؤها وإخفاء عيوبه من أَبْوَاب الرِّيَاء إِلَّا أَن يظْهر من أَعماله وأقواله مَا يدل على أَنه عفيف عَن تِلْكَ الذُّنُوب منزه عَنْهَا فَيكون حِينَئِذٍ كَاذِبًا ومسمعا بِلِسَان الْحَال وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن المجاهرة بالذنب محظورة إِلَّا أَن تمس إِلَيْهَا حَاجَة كَالْإِقْرَارِ بِمَا يُوجب الْحُدُود أَو الْكَفَّارَة كَمَا فِي حَدِيث

стр. 96

مَاعِز والأعرابي الَّذِي وَاقع فِي رَمَضَان وَكَذَلِكَ الْإِقْرَار للعباد بحقوقهم ومعصية الله تَعَالَى فيهم فَيلْزمهُ تَعْرِيف الْمُسْتَحق لذَلِك ليبرئه أَلا يُقيم عَلَيْهِ الْعقُوبَة الشَّرْعِيَّة ٥٧ - فصل فِي التباس سَبَب الرِّيَاء بِالْحَيَاءِ اعْلَم أَن الله جبل الْآدَمِيّ على أَوْصَاف جالبة للنفع وعَلى أَوْصَاف دافعة للضر فخلق صفة الْجُوع لِأَنَّهَا جاذبة لنفع تَنْفِيذ الْغذَاء وَخلق صفة الظمأ لِأَنَّهَا جالبة لنفع تنفيذه للغذاء وَخلق شَهْوَة الْجِمَاع لِأَنَّهَا فِي الْغَالِب سَبَب للنسل وَخلق الْغَضَب لدفع الضيم وَخلق الْحيَاء لجلب النَّفْع وَدفع الضّر جَمِيعًا فَيحمل الْحيَاء العَبْد على فعل مَا يستحي من تَركه

стр. 97

وَترك مَا يستحي من فعله فقد جمع من الْخَيْر مَا تفرق فِي غَيره وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْحيَاء من الْإِيمَان) شبهه بِالْإِيمَان لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَث على كل حسن والزجر عَن كل قَبِيح وَقد يفعل الْإِنْسَان الْبر حَيَاء وَقد يَفْعَله رِيَاء مِثَال مَا يَفْعَله حَيَاء أَن يسْأَل شَيْئا من أَنْوَاع الْبر فيدفعه حَيَاء من السَّائِل أَن يمنعهُ فَلهُ أَرْبَعَة أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يَدْفَعهُ رِيَاء فَهَذَا مَذْمُوم لِأَنَّهُ قدم الْحيَاء من الْخلق على الْحيَاء من الله الثَّانِي أَن يَفْعَله إخلاصا وحياء فَهَذَا ممدوح مأجور لِأَنَّهُ اسْتعْمل الْحيَاء فِي مَوضِع يَنْبَغِي أَن يسْتَعْمل الْحيَاء فِيهِ الثَّالِث أَن يتَرَدَّد بَين كَونه مرائيا أَو كَونه مستحيا فَلَا يقْضى بإثمه

стр. 98

وَلَا بِكَوْنِهِ مخلصا لِأَنَّهُ لَا نتحقق إخلاصه فَيكون مأجورا وَلَا نتحقق رياءه فَيكون مأزورا الرَّابِع أَنه يعلم أَنه فعله حَيَاء من غير إخلاص وَلَا رِيَاء فَهَذَا مَحْمُود لَا مأجور وَلَا مأزور وَمثل هَذَا عَزِيز الْوُجُود أَن يفعل العَبْد فعلا لَا لغَرَض وَمِثَال ترك الْبر حَيَاء أَن يرى شَيخا ذَا شيبَة ووقار وهيبة قد ألم بذنب يجب الْإِنْكَار عَلَيْهِ فَيتْرك الْإِنْكَار عَلَيْهِ حَيَاء من شيبته ووقاره فَهَذَا عَاص لله تَعَالَى من وَجْهَيْن بترك النكير على من يجب عَلَيْهِ الْإِنْكَار وبتقديم استحيائه من الشَّيْخ الْكَبِير على استحيائه من الْملك الْقَدِير وَلَو لاحظ عَظمَة الله تَعَالَى لم يستح إِلَّا مِنْهُ وَلَكِن الْغَفْلَة عَن مُلَاحظَة العظمة أوجبت لَهُ ذَلِك ٥٨ - فصل فِي أَسبَاب كَرَاهَة العَبْد لذم النَّاس كَرَاهَة الذَّم أَمر طبيعي لَا يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف وَقد يكره لأسباب

стр. 99

أَحدهَا أَن يكره ذمهم مَخَافَة أَن يكون ذمهم دَلِيلا على ذمّ الله تَعَالَى لَهُ إِذْ هم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض الثَّانِي أَن يكره ذمهم لكَونه شاغلا لِقَلْبِهِ عَن طَاعَة ربه الثَّالِث أَن يكره ذمهم مَخَافَة أَن يَعْصِي الله تَعَالَى فيهم بِقَلْبِه أَو بجوارحه الرَّابِع أَن يكره ذمهم مَخَافَة أَن يعصوا الله تَعَالَى فِيهِ بذمهم إِيَّاه فَهَذَا كُله لَا بَأْس بِهِ وَلَا حرج عَلَيْهِ فِيهِ الْخَامِس أَن يكره ذَلِك مَخَافَة أَن يَزُول عَنهُ مدح النَّاس واعتقادهم فِيهِ الْوَرع فَإِن لم يراء بِشَيْء من الْأَعْمَال فَهَذَا نقص فِي دينه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تقدم وَإِن راءى بِشَيْء من الطَّاعَات أَو اعتذر كَاذِبًا فقد عصى الله الَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن لَا يُلَاحظ حمد النَّاس إِيَّاه على طَاعَة ربه وَلَا ذمهم على مَعْصِيّة ربه وَأَن يخلي قلبه من ذَلِك كُله وَأَن يَجْعَل من يعرفهُ كمن لَا يعرفهُ فيتفرغ عَن حمد معارفه وَكَرَاهَة ذمهم كَمَا يتفرغ من ذَلِك فِي حق من لَا يعرفهُ وَلَو اطلع على حمدهم فسره ذَلِك لأَنهم أطاعوا الله تَعَالَى فِيهِ فَلَا بَأْس بذلك وَكَذَلِكَ لَو سره أَن الله تَعَالَى ستر مساوئه وَأظْهر محاسنه فَذَلِك سرُور بإنعام الله تَعَالَى عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ

стр. 100

٥٩ - فصل فِي بَيَان مَا يسوى فِيهِ بَين الحامد والذام وَمَا يفترقان فِيهِ على العَبْد أَن يُسَوِّي بَين حامده وذامه فِي كَونهمَا لَا يقدران بحمدهما وَلَا ذمهما على نَفعه وَلَا ضره لَا فِي دينه وَلَا فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي آخرته فَيصير الذَّم والمدح فِي حَقه مستويين فِي كَونهمَا لَا يجلبان خيرا أَو لَا يدفعان ضرا وَهَذَا معنى قَول ابْن مَسْعُود ﵁ حَتَّى يكون حامده وذامه فِي الْحق سَوَاء بِخِلَاف ذمّ الله تَعَالَى ومدحه فَإِنَّهُ هُوَ الضار النافع الْمُعْطِي الْمَانِع الْخَافِض الرافع فمدحه زين وذمه شين مَعَ مَا يَتَرَتَّب على مدحه من الْعَطاء وَالرَّفْع وعَلى ذمه من الْخَفْض وَالْمَنْع وَأما مَا يفْتَرق فِيهِ مدح الْعباد وذمهم فنفور النَّفس من الذَّم وسكونها إِلَى الْمَدْح وَلِلْعَبْدِ فِي تَأْثِيره بالذم والمدح أَحْوَال أَحدهَا أَن يتأثر لنَفسِهِ كَمَا قدمْنَاهُ الثَّانِي أَن يتأثر لأجل ربه كَمَا ذَكرْنَاهُ الثَّالِث أَن يلتبس عَلَيْهِ أمره فِي ذَلِك فطريقه فِي ذَلِك أَن ينظر إِلَى مدح النَّاس لغيره وذمهم فَإِن تأثر بِهِ كَمَا

стр. 101

يتأثر بِهِ فِي حق نَفسه بتين بذلك أَن محبته وكراهته لأجل ربه سُبْحَانَهُ وَإِن لم يتأثر بِهِ عرف بذلك أَن كَرَاهَته ومحبته لأجل نَفسه لِأَنَّهُ لَو كره ذَلِك أَو أحبه لأجل الله لكَانَتْ محبته وكراهته فِي حق غَيره كمحبته وكراهته فِي حق نَفسه وَإِن تأثر بذلك فِي حق غَيره أقل مِمَّا يتأثر بِهِ فِي حق نَفسه دلّ ذَلِك على أَنه قد شرك فِي الْمحبَّة وَالْكَرَاهَة بَين نَفسه وربه ٦٠ - فَائِدَة فِي التوسل بالرياء إِلَى طَاعَة الرَّحْمَن لَا يجوز لأحد أَن يرائي الْعَالم بِعَمَلِهِ لِيَزْدَادَ علما بذلك وَلَا أَن يرائي وَالِديهِ بِشَيْء من عمله ليرضيا عَنهُ لِأَن الرِّيَاء مَعْصِيّة لله تَعَالَى وَلَيْسَ لأحد أَن يتوسل بمعاصي الله تَعَالَى إِلَى طَاعَته قَالَ الشَّيْخ وَفِي هَذَا نظر لِأَن هَذَا توسل بِطَاعَة الله إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى بِخِلَاف الْمرَائِي فَإِنَّهُ توسل بِطَاعَة الله تَعَالَى إِلَى هوى نَفسه

стр. 102

٦١ - فصل فِيمَن راءى من يُطِيع الله تَعَالَى بِطَاعَة لم يعتدها هُوَ فوافقه على تِلْكَ الطَّاعَة من راءى المتهجدين فتهجد والقارئين فَقَرَأَ أَو المتصدقين فَتصدق أَو الصائمين فصَام أَو الآمرين بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر فوافقهم وَلم يكن شَيْء من ذَلِك من عَادَته فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا أَن يفعل ذَلِك خَالِصا لله واقتداء بِمن رَآهُ يفعل ذَلِك فَهَذَا مُطِيع لله تَعَالَى حثه مَا رَآهُ على طَاعَة ربه الثَّانِي أَن يخْشَى الذَّم بترك الطَّاعَة فيفعلها رِيَاء لدفع الذَّم وجلب الْحَمد أَو لأَحَدهمَا فَهَذَا مراء شقي فَإِن كَانَ ذَلِك الْعَمَل وَاجِبا جَاهد نَفسه فِي دفع الرِّيَاء وجلب الْإِخْلَاص وَإِن كَانَ ندبا لم يجز لَهُ فعله حَتَّى يتَحَقَّق إخلاصه الثَّالِث أَن يلتبس عَلَيْهِ أمره فِي ذَلِك فَلَا يدْرِي أمخلص هُوَ أم مراء فطريقه معرفَة ذَلِك أَن يقدر نَفسه مستترا عَنْهُم بِحَيْثُ لَا يرونه فَإِن طابت نَفسه بالإقتداء بهم مَعَ الاستتار عَنْهُم فَهُوَ مخلص وَإِن لم تطب بذلك فَهُوَ مراء فَلَا يقدم على ذَلِك الْعَمَل حَتَّى يخلصه لله تَعَالَى

стр. 103

وَكَذَلِكَ من راءى الباكين من خشيَة الله تَعَالَى فَاسْتَحْضر أَسبَاب الْبكاء فَبكى فَإِن بَكَى رِيَاء فَهُوَ مراء وَإِن بَكَى خَالِصا من خشيَة الله تَعَالَى فَهُوَ مخلص وَإِن أشكل أمره عَلَيْهِ قدر نَفسه غَائِبا عَنْهُم فَإِن بَكَى مَعَ الْغَيْبَة فَهُوَ مخلص وَإِلَّا فَلَا ٦٢ - فصل فِي التصنع بالصياح والتنهد والزفير والشهيق والتحزن من سمع وعظا أَو قُرْآنًا أَو رأى أسبابا يهيج مثلهَا الْخَوْف والحزن وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا فتنهد لذَلِك أَو تنفس أَو صَاح أَو أظهر الْحزن والتندم والزفير والشهيق أَو مَا فِي معنى ذَلِك فَلهُ حالان أَحدهمَا أَن لَا يكون فِي قلبه شَيْء من الْحزن وَالْخَوْف والندم وَلكنه يظْهر ذَلِك تصنعا للنَّاس إِمَّا ليحمدوه على ذَلِك أَو لِئَلَّا يذموه وينسبوه إِلَى الْقَسْوَة وَترك الْخَوْف أَو يتصنع بذلك ليشككهم فِيمَا بَلغهُمْ عَنهُ من الذُّنُوب أَو يوهمهم أَنه قد تَابَ من ذنُوبه وأقلع عَن عيوبه الثَّانِي أَن يكون إِذا سمع الْقُرْآن أَو الْوَعْظ أَو تفكر فِيمَا يُوجب الْحزن أَو الْخَوْف فخاف خوفًا يَسِيرا اَوْ حزن حزنا خَفِيفا فأظهر مَا ذَكرْنَاهُ ليوهم النَّاس أَن حزنه وخوفه شَدِيد فَهَذَا وَالَّذِي تقدمه مسمعان بِلِسَان

стр. 104

الْحَال لَا بِلِسَان الْمقَال وَهَذَا أخف حَالا من الَّذِي قبله وَإِن خطر لَهُ التصنع بذلك فَلم يتصنع فقد خلص وَسلم وَإِن تصنع فقد سمع بِلِسَان الْحَال وَعَلِيهِ إثمان إِثْم الْكَذِب وإثم التصنع بِخِلَاف التسميع بِالْأَعْمَالِ الْخَالِصَة فَإِنَّهُ صَادِق فِي الْإِخْبَار عَنْهَا آثم فِي التسميع بهَا والمتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور وَإِن هجم عَلَيْهِ سَبَب من أَسبَاب الْخَوْف أَو الْحزن فهاجت نَفسه ليصنع بذلك فَإِن قبل ذَلِك وتصنع بِهِ فَهُوَ مسمع بِلِسَان الْحَال وَإِن لم يقبله فَلَا بَأْس بِهِ وَلكنه نقص وَكَذَلِكَ حكم من ظهر مِنْهُ الشهيق والتنفس والتنهد لخوف أوجب ذَلِك فخطر لَهُ خطرة التصنع بِالزِّيَادَةِ فَإِن لم يقبلهَا فَلَا بَأْس عَلَيْهِ وَإِن قبلهَا فَهُوَ متصنع وَحكم المتصنع فِي الْبكاء كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي التصنع فِي الشهيق والتنفس والتنهد

стр. 105

٦٣ - فصل فِي التصنع فِي السُّقُوط وَالْإِغْمَاء من سقط عِنْد الْأَسْبَاب المحزنة أَو المخوفة فَلهُ أَحْوَال إِحْدَاهُنَّ أَن يسْقط لغَلَبَة حزنه أَو خَوفه بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أَن يَتَمَالَك فَلَا بَأْس عَلَيْهِ فَإِن إفراط الْخَوْف والحزن قد يوجبان ذَلِك الثَّانِي أَن يتعاطى ذَلِك تصنعا بِإِظْهَار الشدَّة الْخَوْف والحزن فَهَذَا كَاذِب مسمع بِلِسَان الْحَال وَقد يتَوَهَّم هَذَا الْكَاذِب أَن النَّاس قد فطنوا لتصنعه فيتغاشى ويوهمهم أَن عقله قد ذهب وَأَن سُقُوطه إِنَّمَا كَانَ لذهاب عقله وَقد يسْقط ويغشى عَلَيْهِ لفرط خَوفه وحزنه أَو لفرط غرامه وحبه ثمَّ يفِيق عَن قريب فيطيل ذَلِك فيوهم أَنه لم يكن متصنعا فِي سُقُوطه أَو يُوهم أَن خَوفه شَدِيد لَا يفِيق من غَشيته عَن قريب فيطيل الغشية تصنعا وإيهاما لشدَّة الْخَوْف وَقد يسْقط لفرط ضعفه لَا لخوف ربه ويفيق عَن قرب فيزيد ذَلِك لإيهام خَوفه فيطيل التغاشي أَو يعجز عَن

стр. 106

التغاشي فيوهم الضعْف فِي قَوْله وبدنه وَجَمِيع جوارحه وَقد يحضر ذَلِك عاشق لبَعض الْأَشْخَاص أَو من مَاتَ لَهُ حبيب عَن قرب فيبكي ويصيح وَيسْقط ويغمى عَلَيْهِ من فرط عشقه وحزنه على ميته وَيظْهر أَن ذَلِك من حبه لرَبه أَو من حزنه على تَقْصِيره فِي حق ربه ٦٤ - فصل فِيمَا ينفى بِهِ التخشع والتصنع بِمَا ذكر فِي الْفَصْل قبله إِذا أبدى من الْخُشُوع مَا لَيْسَ فِي قلبه أَو خشع ظَاهره كَمَا خشع بَاطِنه ثمَّ زَاد فِي ذَلِك تصنعا أَو أظهر السُّقُوط أَو الصياح والتنهد تصنعا بالحب أَو الْخَوْف وَلَيْسَ بمحب وَلَا خَائِف أَو أظهر ذَلِك عَن خوف من غير تصنع ثمَّ أحدث التصنع أَو أظهر السُّقُوط أَو الغشي عَن الْخَوْف وَلَيْسَ بخائف أَو أظهر ذَلِك عَن خوف حَقِيقِيّ ثمَّ تصنع أَو زَاد رِيَاء أَو بَكَى مَغْلُوبًا أَو تباكى تصنعا أَو غير هَذَا مِمَّا فِي مَعْنَاهُ فطريقه فِي نفي ذَلِك كُله أَن يفكر فِي نظر الله إِلَيْهِ واطلاعه عَلَيْهِ وَأَنه يظْهر الْخَوْف من الله تَعَالَى وَهُوَ آمن أَو يظْهر الْحزن على مَا فَاتَهُ من الله تَعَالَى وَهُوَ خلي من الْحزن وَأَنه يتحبب إِلَى النَّاس بِمَا يتبغض بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَأَنه لَا يَأْمَن أَن يطلع الله

стр. 107

الْعباد على تَصنعهُ فيمقتوه فيجتمع مقت النَّاس إِلَى مقت الله تَعَالَى فيخسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا أدمن على ذَلِك بالفكر والملاحظة والاستحضار ذهب تَصنعهُ لمن لَا يملك لَهُ ضرا وَلَا نفعا وأخلص عمله لمن لَهُ الْأَمر كُله ٦٥ - فَائِدَة فِي زِيَادَة خشوع العَبْد إِذا نظر النَّاس إِلَيْهِ إِذا نظر النَّاس إِلَى الخاشع فَزَاد خشوعه فَإِن تصنع بِهِ فمراء وَإِن زَاد فِيهِ من غير تصنع فَلهُ أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن يزِيدهُ لله وَحده فَهَذَا مخلص الثَّانِيَة أَن يزِيد فِي خشوعه لِئَلَّا يطْمع النَّاس فِيهِ فيمنعوه من خشوعه الثَّالِثَة أَن يفعل ذَلِك ليقتدى بِهِ فَفِيهِ فَضِيلَة الْخُشُوع وَالسَّبَب إِلَى الِاقْتِدَاء الرَّابِعَة أَن يزِيد فِي خشوعه إرغاما للشَّيْطَان الَّذِي حمله على التصنع بالخشوع فَهَذَا مخلص مُجَاهِد الشَّيْطَان

стр. 108

٦٦ - فصل فِي إِيثَار الْأَصْحَاب الْأَغْنِيَاء على الْفُقَرَاء من صحب غَنِيا وَفَقِيرًا أَو كَانَت مخالطته للغني أَكثر من مخالطته للْفَقِير وزيارته للغني أَكثر من زيارته للْفَقِير فَلهُ أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن تكون مخالطته للغني أسلم لَهُ فِي دينه أَو أَزِيد فِي علمه وَعَمله أَو لِأَنَّهُ أَجْهَل من الْفَقِير فيزيد تَعْلِيمه وإرشاده فمخالطته للغني على هَذَا الْوَجْه أولى من مُخَالطَة الْفَقِير الثَّانِيَة أَن يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ فَتكون مُخَالطَة الْفَقِير أولى من مُخَالطَة الْغَنِيّ الثَّالِثَة أَن يَسْتَوِي حَال الْفَقِير وَحَال الْغَنِيّ فَيتَخَيَّر بَينهمَا إِلَّا أَن يتَرَجَّح أَحدهمَا بِقرَابَة أَو مجاورة أَو رحم الرَّابِعَة أَن يلتبس عَلَيْهِ الْأَمر فَيعرض على نَفسه أَن الْفَقِير لَو كَانَ غَنِيا والغني فَقِيرا أَكَانَ يُؤثر الْغَنِيّ أم لَا فَإِن كَانَ بِحَيْثُ أَن يُؤثر الْغَنِيّ على الْفَقِير فَليعلم أَنه إِنَّمَا آثره عَلَيْهِ لغناه وَإِن كَانَ بِحَيْثُ لَا يؤثره عَلَيْهِ فَهُوَ مُخَيّر مَا لم يسنح سَبَب يَقْتَضِي إِيثَار أَحدهمَا على الآخر

стр. 109

٦٧ - فصل فِيمَا يعين على ترك الْمعاصِي رِيَاء كَانَ أَو غَيره وَلذَلِك أَمْثِلَة أَحدهمَا مَا يعين على ترك الرِّيَاء وَهُوَ أَن لَا يحاضر قوما يرائيهم إِلَّا لضَرُورَة كأداء فَرِيضَة أَو معيشة كافيه لنَفسِهِ وَعِيَاله ويتحرز من ذَلِك جهده وطاقته الثَّانِي أَن يكون مِمَّن لَا يقدر على حفظ بَصَره من الْمَحَارِم فَلَا يخرج إِلَى الْأَسْوَاق وَلَا يجلس على الطَّرِيق وَلَا ينظر فِي طاق يتَعَرَّض فِيهِ لرؤية الْمَحَارِم إِلَّا أَن يخرج لأَدَاء فَرِيضَة أَو كِفَايَة معيشة الثَّالِث أَن لَا يخالط أَقْوَامًا لَا يكَاد يسلم مَعَهم دينه مثل أَن يوافقهم على الْغَيْبَة أَو على تَصْدِيق كاذبهم أَو تَكْذِيب صادقهم أَو على الإزراء بِالْمُسْلِمين واحتقارهم فَلَا يخالط هَؤُلَاءِ إِلَّا لضَرُورَة مَعَ التَّحَرُّز من موافقتهم على أغراضهم فَإِن خالطهم لغير ضَرُورَة دعت ل ذَلِك فقد غرر بِدِينِهِ

стр. 110

وَتعرض لإسخاط ربه فَإِن جالسهم على مذاكرة علم أَو نَحْوهَا من الطَّاعَات المندوبات فانجر بهم الْحَال إِلَى شَيْء من الْمعاصِي فليعرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره فَإِن جرت نَفسه فِي مخالطتهم فتكرر ذَلِك مِنْهُم مرَارًا فليجتنب مخالطتهم لما تجر إِلَيْهِ من الْمعْصِيَة إِذْ لَا تقوم المذاكرات والتطوعات بالمعصية وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِإِخْوَان وَلَا أصدقاء وَلَا أَصْحَاب لِأَن الْأَخ وَالصديق والصاحب من يسلم مَعَه دينك أَو تزداد بمجالسته خيرا وَأما من يعرضك لسخط الله تَعَالَى ومعصيته فَإِنَّهُ باسم الْعَدو أولى مِنْهُ باسم الصّديق فَعَلَيْك أَن لَا تستهين بِمَا يجْرِي بَيْنكُم من الْكَلم فَرب كلمة يكْتب الله بهَا لقائلها سخطه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ وَمن هَؤُلَاءِ من لَا يرضى مِنْك إِلَّا بالتصنع ويلتمس مِنْك أَن تعادي من عَادَاهُ أَو توالي من وَالَاهُ وَتصدقه فِي كذبه وتعينه على ظلمه والجليس السوء كصاحب الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك شرره وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا مُنْتِنَة وَقد قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى يَا مُوسَى كن يقظان مرتادا لنَفسك إخْوَانًا فَكل خدن لَا يؤاتيك على مسرتي فَلَا تصحبه فَإِنَّهُ عَدوك وَهُوَ يقسى عَلَيْك قَلْبك
следующие страницы →