Полный текст (224 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(وَلَيْسَ اكْتِسَاب المَال دون مشقة ... تحملتها فالعلم كَيفَ يكون)
وَقَالَ الإِمَام مَالك ﵁ لَا يبلغ أحد من هَذَا الْعلم حَتَّى يضر بِهِ الْفقر ويؤثره على كل شَيْء
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْآجُرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى من طلب الْعلم بالفاقة ورث الْفَهم
وَقيل لبَعْضهِم بِمَ أدْركْت الْعلم قَالَ بِالْمِصْبَاحِ وَالْجُلُوس إِلَى الصَّباح
وَقيل لآخر بِمَ نلْت الْعلم قَالَ بِالسَّفرِ والسهر والبكور فِي السحر وَقَالَ بَعضهم لَا يصلح للْعلم من يَأْكُل حَتَّى يشْبع
وَأنْشد بَعضهم
(يَا طَالب الْعلم بَاشر الورعا ... واهجر النّوم واترك الشبعا)
(وَدم على الدَّرْس لَا تُفَارِقهُ ... فالعلم بالدرس قَامَ وارتفعا)
وَقَالَ بَعضهم الْعلم عز لَا ذل فِيهِ لَكِن لَا ينَال إِلَّا بذل لَا عز فِيهِ
وَحكى الْفَخر الرَّازِيّ عَن الشَّافِعِي ﵄ أَنه قَالَ الْعلم حر وطالبه عبد فَإِن خدم الْعلم قبله
стр. 177
الْعلم وَإِن تجبر عَلَيْهِ فالعلم أولى أَن يتجبر عَلَيْهِ وَقَالَ مُجَاهِد ﵀ لَا يتَعَلَّم الْعلم مستحي وَلَا متكبر
وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول ذللت طَالبا فعزرت مَطْلُوبا
وَيُقَال
(الْعلم حَرْب للفتى المتعالي ... كالسيل حَرْب للمكان العالي)
وينشد
(أرى لَك نفسا تشْتَهي أَن تعزها ... وَلست تنَال الْعلم حَتَّى تذلها)
وَقَالَ بَعضهم الْعلم لَا يحصل إِلَّا باستناد الْحجر وافتراش الْمدر وإدمان الْجُوع والسهر
وَقَالَ آخر لن يدْرك الْعلم من لَا يُطِيل درسه وَلَا يكد نَفسه
وينشد
(صابر على الْعلم وَلَا تسترح ... فالعلم لَا يدْرك بالراحة)
وَعَن الشَّافِعِي ﵁ لَا يفلح فِي هَذَا الشَّأْن يَعْنِي الْفِقْه إِلَّا من أثكل أَبَوَيْهِ وأتلف مَاله وَجعل
стр. 178
الْمَسْأَلَة أَمَامه وأغلق دكانه وأحرق قلبه الْجُوع وَتعلق فِي شعره الْقمل وَلم يقل واغربتاه وَأنْشد بَعضهم
(بِقدر الكد تكتسب الْمَعَالِي ... وَمن طلب الْعلَا سهر اللَّيَالِي)
(تروم الْعلم ثمَّ تنام لَيْلًا ... يغوص الْبَحْر من طلب الآلي)
فاصبر يَا بني على تَحْصِيله لتنال الْعِزّ عِنْد حُصُوله فقد قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ من صَبر على نصب الْعلم فِي الإبتداء وجد عواقبه لَذَّة تفوق سَائِر لذات الدُّنْيَا وَإِيَّاك أَن تهتم للرزق فَإِنَّهُ مَكْتُوب مُقَدّر وكل لَهُ قسم مِنْهُ ميسر أَو مُعسر على مَا سبق بِهِ قَضَاء الله الْأَكْبَر
(لَا الْحِرْص زَاد وَلَا الإهمال ينقصهُ ... ثمَّ الْقَضَاء فَلم ينقص وَلم يزدْ)
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء لِبَنِيهِ يَا بني تعلمُوا الْعلم وَإِن لم تنالوا بِهِ من الدُّنْيَا حظا فَلِأَن يذم الزَّمَان لكم أحب إِلَيّ أَن يذم الزَّمَان بكم
كَيفَ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (من طلب الْعلم تكفل الله برزقه)
رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ
стр. 179
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من تفقه فِي دين الله كَفاهُ الله همه ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب)
ذكره الإِمَام أَبُو اللَّيْث ﵀ فِي كِتَابه
ويروى أَن الله سُبْحَانَهُ أوحى إِلَى الأَرْض يَا أَرض حرمت عَلَيْك أَن تطعمي بني آدم إِلَّا بكد الْيَمين وعرق الجبين غير طَالب الْعلم فَإِنِّي تكفلت برزقه
ذكره فِي حقائق التَّفْسِير
وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ ﵀ بِإِسْنَادِهِ فِي كتب رياض المتعلمين أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من غَدا فِي طلب الْعلم صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وبورك لَهُ فِي معاشه وَلم ينقص من رزقه وَكَانَ عَلَيْهِ مُبَارَكًا)
وَاعْتبر يَا بني بِي وَمَا جمعت من كتبي فَإِنِّي كنت لَا لي مَال وَلَا أَسْتَطِيع كسبا للعيال وَلست محترفا وَلَا تَاجر وَلَا أَنا على السّفر للتِّجَارَة جاسر فَمَا دخلت سوقا لبيع وَلَا شِرَاء وَلَا طلبت العشور من الورى وَلَا درت فِي الْقرى للقرا بل اشتغلت بِالْعلمِ وَطَلَبه وأفنيت أيامي بِالْعلمِ وَكتبه فَأَتَانِي الله برزقي من حَيْثُ لَا أحتسب ووهب لي الجزيل وَلست بمكتسب تفضلا من الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَول كن فَكَانَ
стр. 180
(لقد جَاءَنِي الرزق من رَبنَا ... تَعَالَى الَّذِي فَوقِي الرزق صب)
(وَأعْطى الجزيل بِلَا كلفة ... وَلَا فِي اجْتِهَاد وَلَا فِي تَعب)
(وَلَا باتجار وَلَا من رَبًّا ... وَلَا من رشا أَو جنا أَو طلب)
(وَقد كنت فِي الْفقر صفر الْيَدَيْنِ ... أراقب إِحْسَان أم وَأب)
(فَأَعْطَانِي الله مَا قد كفى ... وجاد وَبَارك فِيمَا وهب)
(تَعَالَى وَعز وَجل الَّذِي ... ينيل الْفَتى الرزق لَا فِي سَبَب)
(وَلكنه قَول كن حِكْمَة ... وَقد أحكم الله مَا قد كتب)
وَلما رَزَقَنِي الله سُبْحَانَهُ محبَّة الْعلم وَالْعُلَمَاء وجدت ذَلِك أبرد على قلبِي من المَاء على الظما وحبب إِلَيّ الْعلم حَتَّى لَا أحب من الدُّنْيَا سواهُ وَظَهَرت لي بركته فِي الدُّنْيَا وهداه وَفِي الْآخِرَة أَرْجُو من الله رِضَاهُ وَأَن يحشرني مَعَ
стр. 181
الْعلمَاء لحبي لَهُم وَإِن لم أكن عَاملا عَمَلهم
فالمرء مَعَ من أحب إِن شَاءَ الله
فَاتبع يَا وَلَدي فِي طلبه فني حَتَّى أَقُول لسائلي إِن ابْني مني وَقد قلت فِي ذَلِك أبياتا فاروها عني وَهِي هَذِه
(مَا لَذَّة التَّمْر والحلواء وَالضَّرْب ... وَلَا عنَاق الغواني الخرد وَالْعرب)
(كلذتي فِي انتخاب الْعلم أجمعه ... من المحابر بالأقلام فِي الْكتب)
(من ذَا الْكتاب إِلَى هَذَا مداولة ... وَفِي الْمعَانِي وكشف السّتْر والحجب)
(عَن الدقائق والأشكال أظهره ... أحلى لدي من الحلوا على سغب)
(فمؤنسي دفتري وَالْعلم مفتخري ... وخاطري حاضري فِي الْعلم لم يغب)
(مَا لَذَّة الْخلق فِي الدُّنْيَا جَمِيعهم ... وَلَا الْمُلُوك وَأهل اللَّهْو والطرب)
(كلذتي فِي طلاب الْعلم يَا وَلَدي ... فالعلم معتمدي حَقًا ومكتسبي)
стр. 182
(مهما وصلت إِلَى تَحْقِيق مَسْأَلَة ... سَار السرُور بأعضائي وَبَين بِي)
(وَغَابَ عني جَمِيع الْخلق قاطبة ... وصرت ألهو بفن مونق عجب)
(مَا المَال مَا الْأَهْل مَا الْأَوْلَاد كلهم ... ألذ عِنْدِي من علمي وَمن كتبي)
(إِن جلت فِي الْعلم أنساني السرُور كَمَا ... أنسى الهموم وأنسى شدَّة الكرب)
(فالعلم أنسي ومحبوبي ومطلبي ... ناهيك من متجر حُلْو ومكتسب)
(كل المسرات غير الْعلم فانية ... يَا حبذا الْعلم من فَخر وَمن حسب)
(فاعكف عَلَيْهِ وَلَا تهجره واغن بِهِ ... عَن كل أهل وَعَن مَال وَعَن نسب)
(وَإِن يحل دونه شغل وحادثة ... فاصبر وجد وَكن من أَصْبِر الْعَرَب)
(وَلَا يصدك عَنهُ بعد شقته ... وَمَا تقاسيه من فكر وَمن نصب)
стр. 183
(فَإِن عقباه فِي دنياك مربحة ... وَفِي الْقِيَامَة يعلى أرفع الرتب)
(أشبه بِنَفْسِك أهل الْعلم يَا وَلَدي ... فَذَاك خير بِلَا شكّ وَلَا ريب)
(وَلَا يهمك كَون النَّاس قد هجروا ... أهل الْعُلُوم وعقوهم بِلَا سَبَب)
(من يجهل الْعلم عادى الحاملين لَهُ ... وكل غوغاء فَلَا تعبأ بهم تصب)
(فَالْحق مر وَعلم الشَّرْع يمْنَع عَن ... نيل الْحَرَام وَعَن ظلم وَعَن غلب)
(لذاك قد كَرهُوا من صَار يفطمهم ... عَن الْمعاصِي وَمن يهدي إِلَى الْأَدَب)
(فَكُن غَرِيبا فريدا بالعلوم تَجِد ... عواقب الْعلم عزا غير مُنْقَلب)
(فالعلم كنز وَذخر لَيْسَ يعدله ... كنز من الدّرّ أَو كنز من الذَّهَب)
(يَكْفِيك فضلا بِأَن الله يمدحه ... والصالحون أولو التَّقْوَى وكل نَبِي)
стр. 184
(هَذَا وكل بني حَوَّاء فحاجتهم ... تَدْعُو إِلَيْهِ بِلَا ريب وَلَا كذب)
(فالزمه واحفظه وَاسْتعْمل قواك بِهِ ... واعمل بعلمك كي تنجو من العطب)
وَأنْشد إمامنا وَسَيِّدنَا ﵁ فِي كتاب المعتقد للألباب فَقَالَ فِي بَاب فضل الْعلم مِنْهُ
(إِن الْعُلُوم تميز الطّيب عَن خبث ... وَالْحق عَن بَاطِل فاشدد لَهَا الطلبا)
(ليطمس الْجَهْل بالأنوار جوهرها ... ويرشد الْمَرْء مأوى حَاله عقبا)
(فالعلم يحيي الْقُلُوب الميتات بِهِ ... وَيصْلح الدّين وَالدُّنْيَا إِذا خربا)
(وكل حِين بِهِ تزداد مرتبَة ... وتكسب الْفَهم إِيجَاد الَّذِي عزبا)
(فَالله أثنى عَلَيْهِ فِي الْكتاب بِمَا ... نتلوه فِي آل عمرَان وَبعد سبا)
(واقرأ بطه وآي الرّوم مَعَ قصَص ... وَالْفرق فِي زمر فِي كل ذَاك نبا)
стр. 185
(وَالْعَنْكَبُوت ومدحا فِي مجادلة ... آي أَتَت ذكرهَا للسمع قد عذبا)
(وَفِي الحَدِيث فقد نَص الرَّسُول على ... فضل الْعُلُوم فَكُن للْعلم مطلبا)
(يضيق كل إِنَاء حِين تملؤه ... والصدر إِن يمتلىء علما بِهِ رحبا)
(مَا ورث الرُّسُل إِلَّا الْعلم كن علما ... ووارثا لرَسُول الله منتصبا)
(وَلَا تدع فتش كتب الْعلم إِن بهَا ... مَا يشحذ الْفَهم والأفكار والأدبا)
(وَهَا كنوز الْمَعَالِي والمعارف فِي ... مَاض ومستقبل مجني لمن هدبا)
(هَل غير شرع رَسُول الله مُعْتَمد ... شرع شرِيف على الْأَشْيَاء قد غلبا)
وَهَذَا ذكر الْآيَات الْكَرِيمَة الْوَارِدَة فِي فضل الْعلم وَالْعُلَمَاء الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فِي هَذِه الأبيات وَهِي عشر نذكرها على تَرْتِيب مَا نظمه
وَهِي قَوْله ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾
стр. 186
﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ ﴿رب زِدْنِي علما﴾ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾ على قِرَاءَة من كسر اللَّام ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَالْإِيمَان﴾ ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾
وَاعْلَم أَن الْعُلُوم كلهَا فاضلة وَكلهَا أبازير للفقه قَالَ
стр. 187
الْغَزالِيّ ﵀ وَلأَجل شرف علم الْفِقْه وفر الله دواعي الْخلق على طلبه وَكَانَ الْعَالم بِهِ أرفع الْعلمَاء مَكَانا وأجلهم شَأْنًا وَأَكْثَرهم اتبَاعا وأعوانا قَالَ ﷺ (فَقِيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد)
رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ ﵀ وروى الإِمَام الثعالبي الْمُفَسّر ﵀ بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك ﵀ قَالَ دخلت على سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ بِمَكَّة فَوَجَدته مَرِيضا شَارِب دَوَاء
وَبِه غم شَدِيد فَسلمت عَلَيْهِ فَقلت مَا لَك يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ أَنا شَارِب دَوَاء وَبِي غم شَدِيد
فَقلت أعندك بصلَة قَالَ نعم قلت فائتني بهَا فكسرتها ثمَّ قلت لَهُ شمها فشمها فعطس عِنْد ذَلِك فَقَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين فسكن مَا بِهِ فَقَالَ لي يَا ابْن الْمُبَارك فَقِيه وطبيب أَو قَالَ عَالم وطبيب فَقلت لَهُ مجربا يَا أَبَا عبد الله قَالَ فَلَمَّا رَأَيْته سكن مَا بِهِ وَطَابَتْ نَفسه قلت إِنِّي أُرِيد أَن أَسأَلك حَدِيثا قَالَ سل مَا شِئْت فَقلت أَخْبرنِي من النَّاس قَالَ الْفُقَهَاء قلت فَمن الْمُلُوك قَالَ الزهاد قلت فَمن الْأَشْرَاف قَالَ الأتقياء
قلت فَمن الغوغاء قَالَ الَّذين يَكْتُبُونَ الحَدِيث يستأكلون بِهِ النَّاس
قلت أَخْبرنِي رَحِمك الله من
стр. 188
السفلة قَالَ الظلمَة
ثمَّ ودعته فَخرجت من عِنْده فَقَالَ لي يَا ابْن الْمُبَارك عَلَيْك بِهَذَا الحيز فَإِنَّهُ مَوْجُود رخيص قبل أَن يغلق فَلَا يُوجد بِالثّمن
انْتهى كَلَامه
ذكره من تَفْسِير الْفُقَهَاء سُورَة آل عمرَان
وَهَذَا الَّذِي ذكره من تَفْسِير الْفُقَهَاء والملوك والأشراف هُوَ كَذَلِك لَيْسَ فِيهِ خلاف
وَأما الغوغاء فلغيره فيهم تَفْسِير آخر
قَالَ الشَّيْخ ابْن سُلَيْمَان الْخطابِيّ ﵀ يُرِيد بهم الْجُهَّال وَأهل الدناءة وَقلة الْمُرُوءَة
وَأسْندَ عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ الأَصْل الْجَرَاد إِذا ماج بعضه فِي بعض
قَالَ وَبِه سمي الغوغاء من النَّاس وَقَالَ غَيره الغوغاء من لَا يجمع أَمرهم رَئِيس لَهُم فيركب كل مِنْهُم رَأسه فِيمَا يَشَاء لَا يردهُ عقل وَلَا حَيَاء وهم الَّذين كَانُوا قتلة الْأَنْبِيَاء
نسْأَل الله الْعَافِيَة
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ ﵀ فِي كِتَابه وَلكُل شَيْء عماد وعماد الدّين الْفِقْه
وَأنْشد بَعضهم
(وَعلم الْفِقْه أشرف كل علم ... وَعلم النَّحْو زين للرِّجَال)
(وَتَعْلِيم الْأُصُول أجل أصل ... وَتَعْلِيم الْفُرُوع من الْكَمَال)
стр. 189
وَأنْشد مُحَمَّد بن الْحسن صَاحب أبي حنيفَة ﵄
(تعلم فَإِن الْعلم زين لأَهله ... وَفضل وعنوان لكل المحامد)
(تفقه فَإِن الْفِقْه أفضل قَائِد ... إِلَى الْبر وَالتَّقوى وَأَعْدل قَاصد)
(وَإِن فَقِيها وَاحِدًا متورعا ... أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد)
(هُوَ الْعلم الْهَادِي إِلَى سنَن الْهدى ... هُوَ الْحصن يُنجي من جَمِيع الشدائد)
وَقَالَ آخر عَفا الله تَعَالَى عَنهُ
(إِذا مَا اعتز ذُو علم بِعلم ... فَعلم الْفِقْه أولى باعتزاز)
(وَكم طيب يفوح وَلَا كمسك ... وَكم طير يطير وَلَا كباز)
وَقَالَ غَيره
(غَايَة الْعلم بعيد غورها ... إِنَّمَا الْعلم بحور زاخرة)
стр. 190
(فَعَلَيْك الْفِقْه مِنْهُ يحتوي ... شرفا الدُّنْيَا وَعز الْآخِرَة)
وَقَالَ آخر
(كل الْعُلُوم سوى الْقُرْآن مشغلة ... إِلَّا الحَدِيث وَإِلَّا الْفِقْه فِي الدّين)
стр. 191
فصل
وَقد ذكر إمامنا وَشَيخنَا وَسَيِّدنَا ﵁ فِي كتاب الْإِرْشَاد للملوك والرعايا والعباد نكتا مُوضحَة للشأن فانتخبت مِنْهَا مَا يَلِيق بِهَذَا الْمَكَان
وَإِن كَانَت معاينها مكررة زِيَادَة للْبَيَان وَلَا بَأْس بالتكرار فقد ورد بِهِ الْقُرْآن فَمن جملَة مَا قَالَه شَيخنَا ﵁ فِي ذَلِك الْكتاب قَوْله وَقد هداه الله للصَّوَاب والآن فقد انْتهى الْأَمر كُله إِلَى الْعلمَاء الْأَثْبَات وَالْأَئِمَّة الثِّقَات والمفتين والقضاة الَّذين نقلوا أَحْكَام الرسالات فهم الرؤساء فِي كل الْحَالَات وَلَهُم فِي الدُّنْيَا شرف الولايات
وهم أهل الْحل وَالْعقد والرئاسات وإليهم تَنْتَهِي الإشارات وبهم تفهم الْعبارَات وعنهم تحفظ الحكايات وَتَصِح الرِّوَايَات وَتحصل الإفادات
стр. 192
فهم فِي الدُّنْيَا رُؤُوس الرؤساء وَبعد أَنْبيَاء الله هم الْخُلَفَاء وَفِي يَوْم الْقِيَامَة هم الشفعاء وَفِي الْجنَّة يحْتَاج النَّاس إِلَيْهِم ويعول عِنْد طلب الأمنية عَلَيْهِم
كَمَا ورد فِي الْأَثر عَن معَاذ ﵁ قَالَ إِن الْعلمَاء ليحتاج إِلَيْهِم فِي الْجنَّة إِذْ يُقَال لأهل الْجنَّة تمنوا فَلَا يَدْرُونَ كَيفَ يتمنون حَتَّى يتعلموا من الْعلمَاء كَذَا ذكره الإِمَام الْغَزالِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات من كِتَابه وَرَفعه صَاحب كتاب الفردوس عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن أهل الْجنَّة ليحتاجون إِلَى الْعلمَاء فِي الْجنَّة)
ثمَّ قَالَ شَيخنَا وإمامنا فِي الْبَاب بعده فعلى الْكل يَعْنِي من الرَّاعِي والرعية أَن يحسنوا الظَّن بحملة الْقُرْآن وبالقائمين بِالْعلمِ وَالتَّقوى والبرهان وَأَن يعزوهم ويجلوهم على مر الزَّمَان وَأَن يرفعوا قدرهم على كل الإخوان بل يقدموهم على الْوَالِدين والولدان فوجدوهم زِيَادَة فِي الْإِيمَان وسعادة فِي الْبلدَانِ وَعمارَة للأوطان وَصَلَاح للرعية وَالسُّلْطَان وإرغام لأنف الشَّيْطَان فَيَنْبَغِي إعانتهم على مَا هم فِيهِ من الشَّأْن ونصرهم عِنْد النوائب
стр. 193
والحدثان وتعظيمهم بِقدر الْإِمْكَان فَإِنَّهُم عِنْد الله سُبْحَانَهُ بمَكَان وهم أشرف من يكون وَمن كَانَ
ثمَّ قَالَ ﵀ فيهم فهم الَّذين اصْطفى الله من الْعباد وأورثهم كِتَابه الْعَزِيز الْمُسْتَفَاد واختارهم للمعاش والمعاد وَأَنَّهُمْ لَهُم قدوة المهتدين وقادة الْمُتَّقِينَ وأئمة الْمُسلمين وَرَغمَ العصاة والمفسدين وهم حفاظ الشَّرِيعَة وَالدّين وسرج أهل الْيَقِين وكواكب الْأَرْضين وَهُدَاة الْعَالمين ومصابيح المتعلمين وأعداء الشَّيَاطِين وبركة السلاطين وأحباب الْمَلَائِكَة المقربين والداعون إِلَى الْحق الْمُبين
ثمَّ قَالَ عَفا الله عَنهُ وجزاه خيرا فعلى الْكل أَن يعينوا الْعلمَاء للتفرغ للعلوم ويمنعوا عَنْهُم من يشغلهم عَن ذَلِك الْمَعْلُوم ويتفقدوهم لِئَلَّا ترد عَلَيْهِم الغموم وينصروهم عِنْد أَن يظْهر لَهُم الْخُصُوم وَأَن يرفهوهم لاقتباس الْعلم وإظهاره ونشره وَبسطه واختصاره
فَإِن الْعلمَاء هم عماد الْإِسْلَام وهم المعروفون بِجَمِيعِ الْأَحْكَام وهم الفارقون بَين الْحَلَال وَالْحرَام وهم المرشدون إِلَى دَار الْمقَام وهم المجددون لما درس من
стр. 194
الْحق بِصَحِيح الْأَثر واستنباط الأفهام
وهم الَّذين يحلونَ الشّبَه المشكلة بِصَرِيح الْكَلَام وهم الَّذين يروون الْآثَار الصَّحِيحَة بالأقلام ويفصلون بَين النَّاس عِنْد التَّنَازُع وَالْخِصَام وَمِنْهُم الْحفاظ والوعاظ والحكام وهم نور الزَّمَان المذهبون لكل جهل وظلام وهم الشموس المشرقة الَّتِي لَا يغطيها الْغَمَام والشهب الثاقبة الَّتِي يَقْتَدِي بنورها الْأَنَام يرشدون الغوي الْجَاهِل وَيُنْكِرُونَ على كل ذِي بَاطِل وَيحلونَ مشكلات الْمسَائِل ويوضحون الْحق بالدلائل فهم السَّادة الأكابر الَّذين يتخذون المحابر ويرقمون بِمَائِهَا الدفاتر وهم الَّذين يكتسبون المفاخر ويرتقون ذرْوَة المنابر وهم الَّذين يزينون المحاضر ويفرقون بَين الرابح والخاسر وَبَين الْبر والفاجر وَبَين النَّجس والطاهر
فهم زِينَة الدَّهْر وجمال الْعَصْر فَالنَّاس على مَا قَالَه الْعلمَاء يعتمدون وَفِي كل الْأَشْيَاء لَهُم مقلدون وحزبهم العالي وحزب غَيرهم الدون إِن سئلوا عَن معنى الْقُرْآن الْكَرِيم فسروا وَإِن سئلوا عَن سنة الرَّسُول أخبروا وَعَن أَسبَاب التَّنْزِيل ذكرُوا وَعَن الإجتهاد قاسوا واعتبروا وَعَن
стр. 195
سير الْأَوَّلين حققوا وسيروا وَعَن خبر يَوْم الْقِيَامَة عرفُوا وحذروا
فهم أعرف النَّاس بالماضي والمستقبل وهم الَّذين فِي كل حَال عَلَيْهِم الْمعول إِن حَضَرُوا ظَهَرُوا وَإِن غَابُوا ذكرُوا وَإِن تواضعوا كبروا وَإِن تكلمُوا أَصَابُوا وأجروا وَإِن سكتوا أجروا وعذروا وَإِن أوذوا صَبَرُوا وَإِن عودوا نصروا وَإِن اطلعوا على عيب ستروا وهم المحترمون أَيْن مَا عبروا
وهم المقدمون أَيْنَمَا حَضَرُوا فمدحهم لَا يُحْصى وشرفهم لَا يستقصى
وَمَا عَسى أَن يكون مدح من أثنى الله سُبْحَانَهُ وَمَلَائِكَته عَلَيْهِم وكل دين لَا يُؤْخَذ إِلَّا من لديهم وكل خير فَإِنَّهُ يقتبس مِنْهُم وَيعود إِلَيْهِم وَقَالَ مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا مُصَنف كتاب الْإِرْشَاد فيهم ﵁ وعنهم
(أولو الْعلم فِي الدُّنْيَا بِأَعْلَى الْمنَازل ... وهم وارثوا الرُّسُل الْكِرَام الْأَوَائِل)
(فهم أنجم الدُّنْيَا وَنور لأَهْلهَا ... أَئِمَّة أهل الأَرْض زين المحافل)
(وهم حجَّة الرَّحْمَن أَيْضا على الورى ... يُقِيمُونَ أَسبَاب الهدا والدلائل)
стр. 196
(يدلون خلق الله مَا فِيهِ رشدهم ... وَينْهَوْنَ عَن نكر وَجَهل وباطل)
(وهم شُفَعَاء النَّاس فِي الْحَشْر عِنْدَمَا ... تحيط الْمعاصِي عِنْد هول النَّوَازِل)
(وَفِي جنَّة الفردوس يحْتَاج أَهلهَا ... إِلَيْهِم فقد خصوا بِطيب الشَّمَائِل)
(فهم عدَّة فِي كل حَال وَسَائِل ... إِلَى الْخَيْر أكْرم بِالْهدى والوسائل)
(وهم رُؤَسَاء النَّاس فِي كل موقف ... فَهَل فَوْقهم حَال وَفضل لقَائِل)
(علا قدرهم دنيا وآخرى محلهم ... بِأَعْلَى الْمَعَالِي من مراقي الْفَضَائِل)
(جزاهم إلهي الْخَيْر عَنَّا وأكرموا ... جَزَاء كَمَا قد أيقظوا رب غافل)
(واسأل رَبِّي أَن يُبَارك فيهم ... وَلَا زَالَ مِنْهُم قادم بعد راحل)
(أعيذهم بِاللَّه من فتْنَة الْهوى ... وَمن خسر حبر عَالم غير عَامل)
стр. 197
انْتهى كَلَامه ﵁
وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (جالسوا الْعلمَاء وزاحموهم بركبكم فَإِن الله يحيي الْقُلُوب الْميتَة بِنور الْحِكْمَة كَمَا يحيى الأَرْض بوابل السَّمَاء
ذكره الإِمَام ابْن عبد الْمجِيد فِي إيضاحه عَفا الله عَنهُ
وَقَالَ الثعالبي الْمُفَسّر ﵀ الْعلمَاء أَعْلَام الْإِسْلَام وَالسَّابِقُونَ إِلَى دَار السَّلَام وسرج الْأَمْكِنَة وحجج الْأَزْمِنَة وحصون الضعفة وَحَملَة الْكتاب وَالسّنة ومقيمو حُدُود الله وَشَرَائِع دينه فِي أرضه قَالَ
(وَالْحكم سيف الله فِي أرضه ... وَحجَّة الْحق على الْبَاطِل)
(وموضح النُّور لأهل الْعَمى ... وَمذهب الشَّك عَن الْجَاهِل)
(وحاسم الْجور عَن الْأمة ... وراحة الْمَسْئُول والسائل)
стр. 198
فصل
وَيجب على الْعَوام أَن لَا يعترضوا على عُلَمَائهمْ بل يقلدونهم فِي أديانهم فيهتدون بهداهم ويعلمون بفتواهم
وَلَا يُنكرُونَ على الْعلمَاء مَا يَفْعَلُونَهُ وَلَا يتعقبون عَلَيْهِم مَا يأتونه مِمَّا ظَاهره مستنكر
فَإِن الْعلمَاء بِالْحَقِّ أعرف وهم بِهِ أخبر وهم بمداخله ومخارجه أبْصر
والعالم الْوَرع بِمَا قد أصلح الله من قلبه لاينبغي لأحد أَن يدْخل بَينه وَبَين ربه فقد يفعل الْعَالم مَا ظَاهره الْفساد وباطنه صَوَاب عِنْد رب الْعباد بِمَا اطلع عَلَيْهِ الْعَالم من الْفساد والسداد
وَاعْتبر بِقصَّة الْخضر ﵇ لما خرق سفينة الْمَسَاكِين وَقتل بِيَدِهِ الْغُلَام أنكر عَلَيْهِ مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم ذَلِك ولامه على مَا جرى هُنَالك
فَلَمَّا عرفه الْخضر بتأويله أقرّ مُوسَى لَهُ بتفضيله وَقد شرح الله
стр. 199
قصتهما فِي الْكتاب وَأَنه مَأْذُون لَهُ من رب الأرباب فر يعْتَرض على الْعَالم إِلَّا عَالم يكون فَوْقه أَو مثله ليراجعه بِالْحَقِّ وَيفهم بِهِ فعله وَأَن الَّذِي يُنكر على أعلم مِنْهُ مليم وَفَوق كل ذِي علم عليم
وَقد قَالَ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ ﵀ فِي بعض مصنفاته أوصيك يَا أخي بِإِحْسَان الظَّن بالعلماء وَمن جملَة إِحْسَان الظَّن بهم أَن تطلب لكلامهم وَجها وعذرا مَا أمكن فَإِن لم تعثر عَلَيْهِ فتتهم نَفسك عَن دركه وَالله أعلم
وَقَالَ ﵀ فِي كِتَابه الْإِمْلَاء على مُشكل الْأَحْيَاء لَا تعجل على أَخذ بالتخطية وَلَا تبادر بالتجهيل فَرُبمَا عَاد عَلَيْك ذَلِك وَأَنت لَا تشعر فَلِكُل عَالم غور وَله فِي بعض مَا يَأْتِي بِهِ احتجاجات وَالله الْمُوفق بكرمه
стр. 200
فصل
وَقَالَ شَيخنَا شرف الدّين الذوالي ﵀ فِي كِتَابه معارج التصنيف إِن من أعظم الْخيرَات التَّوْفِيق لطلب الْعلم والعكوف على طلب الْعلم النافع ودفاتر الْحِكْمَة وَذكر فِيهِ أَيْضا إِن الله سُبْحَانَهُ أثنى بِنَفسِهِ على الْعلم وَشرف أَهله
ثمَّ أثنى سيد الْمُرْسلين ﷺ على الْعلمَاء وَأَطْنَبَ فِي مدحهم وَأمر بِالْجُلُوسِ إِلَيْهِم وَالْأَخْذ مِنْهُم
وَقَالَ ﷺ (إِنَّمَا بعثت معلما
ثمَّ أثنى على الْعلم بعده عيه السَّلَام صحابته ﵃ وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان ودعوا خلق الله إِلَيْهِ وحضوهم عَلَيْهِ حَتَّى ضرب النَّاس أكباد الْإِبِل فِي طلابه وَقَطعُوا المسافات الشاسعة فِي اكتسابه ثمَّ أثنى على الْعلم
стр. 201
بعدهمْ عقلاء النَّاس وَخيَار عباد الله المنقطعين إِلَى خدمته سُبْحَانَهُ وتبعهم على ذَلِك دهماء النَّاس مَعَ اخْتِلَاف طبقاتهم
قَالَ ﵀ وشذ مُرَاد من النَّاس خذلهم الله فاسترذلوا الْعلم واستحمقوا أَهله
قَالَ ولسنا بصدد الرَّد على هَؤُلَاءِ وَلَا بِنَا حَاجَة إِلَى ذَلِك إِذْ قد تولى ذَلِك عَنَّا إلهنا سُبْحَانَهُ وَرُسُله وأنبياؤه وَخيَار عباده الَّذين اصطفاهم الله لخلافه نبيه ﷺ
انْتهى كَلَامه رَحمَه الله
стр. 202
فصل
وكل هَذَا فِي عَالم تَقِيّ ورع نقي يعْمل بِعِلْمِهِ وَلَا يقنع مِنْهُ باسمه بل يكذب نَفسه فِيهِ وَيُحِبهُ ويقتفيه فَمن لم يجد من نَفسه محبَّة الْعلم وأسبابه وَلَا يجد للْعلم ومطالعة كِتَابه لَذَّة تغلب لَذَّة نَومه وَطَعَامه وَشَرَابه فَإِنَّهُ لَيْسَ بفقيه وَإِن تسمى بِهِ وَلَا ينجب فِيهِ وَلَا يعد من أَصْحَابه
وَأنْشد إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ونفع بِهِ وبعلومه آمين
(إِذا رَأَيْت شباب الْحَيّ قد نشأوا ... لَا يحملون قلال الحبر والورقا)
(وَلَا تراهم لَدَى الْأَشْيَاخ فِي حلق ... يعون من طيب الْأَخْبَار مَا اتسقا)
(فعد عَنْهُم وَاعْلَم أَنهم همج ... قد بدلُوا بعلو الهمة الحمقا)
стр. 203
وَإِنَّمَا يعد من أهل الْعلم من جد فِيهِ وَمهر وَترك سَائِر لذاته لَهُ وهجر واستلذ الْجُوع لأَجله والسهر لِأَنَّهُ كلما دخل روضا مِنْهُ تبدى لَهُ مَا هُوَ أحسن وأبرع فَهُوَ فِي رياضه وفنونه وبساتينه يرتع لَا يمل مِنْهُ وَلَا يقنع وَلَا يرْوى وَلَا يشْبع فَهُوَ كَمَا قيل
(يَا نسيم الرّيح قل لي للرشا ... لم يزدني الرّيّ إِلَّا عطشا)
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (منهومان لَا يشبعان طَالب علم وطالب دنيا وَلَا يستويان
أما طَالب الْعلم فَيَزْدَاد رضى الرَّحْمَن وَأما طَالب الدُّنْيَا فَيَزْدَاد فِي الطغيان)
رَوَاهُ الإِمَام الواحدي ﵀ فِي وسيطه وَأَبُو اللَّيْث ﵀ فِي تنبيهه
وَقد ورد لَا يشْبع عَالم من علم حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة وَلَفظ التِّرْمِذِيّ ﵀ فِيهِ لن يشْبع الْمُؤمن من خير سَمعه حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ يَوْمًا لأَصْحَابه من أحْوج النَّاس إِلَى طلب الْعلم قَالُوا قل يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ لَيْسَ أحد أحْوج إِلَى طلب الْعلم من الْعَالم لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجَهْل بِأحد أقبح بِهِ من الْعَالم
وَقَالَ
стр. 204
أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى وَابْن الْمُبَارك ﵏ لَا يزَال الرجل عَالما مَا طلب الْعلم فَإِذا ظن أَنه قد علم فقد جهل
وَقَالَ سعيد بن جُبَير ﵀ لَا يزَال الرجل عَالما مَا تعلم فَإِذا ترك التَّعَلُّم وَظن أَنه قد اسْتغنى وَاكْتفى بِمَا عِنْده كَانَ أَجْهَل مَا يكون وَقيل لبَعْضهِم من مَتى التَّعَلُّم وَإِلَى مَتى قَالَ من المهد إِلَى اللَّحْد
وَقَالَ ﷺ (كل صَاحب علم غرثان إِلَى علم)
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم ﵁
وَأَن الْعلمَاء كلهم والحكماء من الْمُتَأَخِّرين وَمن سبقهمْ من القدماء هم الَّذين يَجدونَ للْعلم لَذَّة تفوق سَائِر اللَّذَّات ويحقرون عِنْدهَا لَذَّة الْمُلُوك وَسَائِر الطَّيِّبَات فيعكفون على إدمان النّظر فِيهِ والمطالعات ويأنسون بالمذاكرة فِيهِ وَكَثْرَة المراجعات ويرون أنسهم بذلك خيرا من أنس النديم وألذ من الرَّحِيق الْمَخْتُوم الَّذِي ختامه مسك ومزاجه من تسنيم وَفِي ذَلِك أنْشد إمامنا الشَّافِعِي ﵁ أَمِين
стр. 205
(لمحبرة تجالسني نهاري ... أحب إِلَى من أنس الصّديق)
(ورزمة كاغد فِي الْبَيْت عِنْدِي ... أحب إِلَيّ من عدل دَقِيق)
(ولطمة عَالم فِي الخد مني ... أحب إِلَيّ من شرب الرَّحِيق)
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ أَيْضا
(إِن صَحِبنَا الْمُلُوك تاهوا علينا ... واستبدوا بِالرَّأْيِ دون الجليس)
(أَو خدمناهم بِقَبض وَبسط ... كَانَ أدعى إِلَى دُخُول الحبوس)
(أَو صَحِبنَا التُّجَّار عدنا إِلَى اللوم ... وصرنا إِلَى حِسَاب الْفُلُوس)
(أَو لزمنا السِّلَاح نبغي بِهِ الْعِزّ ... تعدى إِلَى احترام النُّفُوس)
(فلزمنا الْبيُوت نتَّخذ الحبر ... ونطلي بِهِ وُجُوه الطروس)
стр. 206
(ونناجي الْعُلُوم فِي كل فن ... عوضا عَن منادمات الكؤوس)
وَأنْشد الإِمَام أَبُو مُحَمَّد اليحيوي لنَفسِهِ فِي مَسْجده بِمَدِينَة دَار السَّلَام بَغْدَاد
(إجعل كتابك كالصندوق تفتحه ... فتأخذ المَال مِنْهُ ثمَّ تطبقه)
(فَالْمَال يذهب فِيمَا لَا التذاذ بِهِ ... وَالْعلم يبْقى وَيبقى فِيك رونقه)
(فِيهِ الْجمال على التَّأْبِيد تلبسه ... وَهُوَ الَّذِي للسان العي ينطقه)
وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْكتب جلاء الْقُلُوب ومسلاة الهموم ولنعم الصاحب الْكتاب فِي الْحَضَر السّفر
وَقَالَ بهاء الدّين ابْن حمدون ﵀ وجدت الْكتاب خير صَاحب وقرين وَأفضل رَفِيق وخدين لَا يخون وَلَا يَمِين وَلَا يماكر وَلَا يناكر وَلَا يَعْصِي وَلَا ينافر مَأْمُون الهفوة والزلة مَحْمُود الْخلْوَة والخلة فَهُوَ لمن وفْق للاعتزال أسلم خَلِيل وَأكْرم
стр. 207
أَخ بر وُصُول
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي ﵀ فِي الْكتب
(لنا جلساء لَا يمل حَدِيثهمْ ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا)
(فَلَا فتْنَة نخشى وَلَا سوء عشرَة ... وَلَا نتقي مِنْهُم لِسَانا وَلَا يدا)
(يفيدوننا من علمهمْ علم مَا مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مُسَددًا)
(فَإِن قلت أموات فلست بكاذب ... وَإِن قلت أَحيَاء فلست مفندا)
وَكتب بعض الْأَعَاجِم على خزانَة كتبه مَا هَذِه صورته
(إِذا مَا خلا النَّاس فِي دُورهمْ ... بِخَمْر سلاف وخود كعاب)
(وآنسهم حَسَنَات الليال ... بعز الندامى وزهر الصحاب)
(خلوت وصحبي كتب الْعُلُوم ... وَبَيت عروسي بَيت الْكتاب)
стр. 208
(ودرس الْعُلُوم شراب الْعُقُول ... فدوروا عَليّ بِذَاكَ الشَّرَاب)
(وَمَا يجمع الْمَرْء فِي دهره ... سوى الْعلم يجمعه للتراب)
وَقَالَ غَيره عَفا الله عَنهُ آمين
(فِي كل شَيْء لَذَّة تشْتَهى ... وَلَذَّة الْعَالم فِي كتبه)
(وَكلما قَلبهَا زَاده ... تقليبها لبا إِلَى لبه)
وَقَالَ آخر عَفا الله عَنهُ
(أنست إِلَى التفرد طول عمري ... فَمَالِي فِي الْبَريَّة من أنيس)
(جعلت محادثي ونديم نَفسِي ... وأنسي دفتري بدل الْعَرُوس)
وَقيل لأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ ﵀ عِنْد مَوته مَا تشْتَهي قَالَ النظرة فِي حَوَاشِي الْكتب
وَقَالَ غَيره الْكتب بساتين الْعُقَلَاء وَأنْشد بَعضهم
стр. 209
(إِذا مَا خلوت من المؤنسين ... جعلت المؤانس لي دفتري)
(فَلم أخل من شَاعِر محسن ... وَمن عَالم صَالح مُنْذر)
(وَمن حكم بَين أَثْنَائِهَا ... فرائد للنَّاظِر المفكر)
وَقَالَ المتنبي
(أعز مَكَان فِي الدنا سرج سابح ... وَخير جليس فِي الزَّمَان كتاب)
وَقيل لعبد الله بن الْمُبَارك ﵁ أتجلس فِي الْبَيْت وَحدك وَلَا تجْلِس مَعنا قَالَ مَا أصنع مَعكُمْ أَنْتُم تغتابون النَّاس مَا أَجْلِس إِلَّا مَعَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ يُرِيد مطالعة أخبارهم وَالنَّظَر فِي سيرهم وآثارهم
قَالَ الْمُقْرِئ أَبُو الْحسن السخاوي ﵀ فِي خطْبَة كتاب الْوَسِيلَة لَهُ مَتى أردْت مجالسة إِمَام من الْأَئِمَّة الماضين فَانْظُر إِلَى كتبه الَّتِي صنفها ومجموعاته الَّتِي ألفها فَإنَّك تَجدهُ لَك مُخَاطبا ومعلما ومرشدا ومفهما فَهُوَ حَيّ من هَذِه الْجِهَة ومرشد من هَذَا الْجَانِب وَأنْشد بَعضهم
стр. 210
(لَذَّة الْعَيْش أَن تكون مكبا ... أَبَد الدَّهْر نَاظرا فِي كتاب)
(إِنَّمَا الْكتب نزهة وبساتين ... وفيهَا فكاهة الْأَلْبَاب)
(فاعص من لَام فِي الحَدِيث وَفِي الْكتب ... فَفِيهَا معادن الْآدَاب)
وَقَالَ آخر
(وَلكُل صَاحب لَذَّة متنزه ... أبدا وَلَذَّة عَالم فِي كتبه)
стр. 211
فصل
ثمَّ وصيتي لنَفْسي ولسائر الْمُسلمين بتقوى الله رب الْعَالمين فَإِنَّهَا وَصِيَّة الله سُبْحَانَهُ الَّتِي أوصى بهَا الْأَوَّلين والآخرين
وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ﴿وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَإِيَّاكُم أَن اتَّقوا الله﴾
وَهِي وَصِيَّة جَمِيع رسل الله لخلق الله وَهِي الَّتِي وصّى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب
فتقوى الله سُبْحَانَهُ هِيَ النافعة فِي الدَّاريْنِ وَهِي الرافعة فِي الدَّاريْنِ وَهِي الموصلة إِلَى خير الدَّاريْنِ وَهِي الدافعة لشر الدَّاريْنِ وَهِي ثَمَرَة الْعلم الْمَطْلُوبَة مِنْهُ إِذْ ثَمَرَة الْعلم هِيَ تقوى الله سُبْحَانَهُ
وَحَقِيقَة التَّقْوَى امْتِثَال أَمر الله سُبْحَانَهُ بِفعل جَمِيع مَا أَمر بِهِ وبترك مَا نهى عَنهُ على مَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم
стр. 212
وَأخْبر بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم
وَلم يُكَرر الله فِي كِتَابه أَكثر من التَّقْوَى وَالصَّبْر ووعد على كل وَاحِد مِنْهُمَا النَّصْر والجزيل من الْأجر
فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَالْآخِرَة عِنْد رَبك لِلْمُتقين﴾ ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ من أمره يسرا﴾ ﴿وَمن يتق الله يكفر عَنهُ سيئاته ويعظم لَهُ أجرا﴾
وَمحل التَّقْوَى هِيَ الْقُلُوب الطاهرة وَمِنْهَا تصدر الطَّاعَات الظَّاهِرَة
قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَعمالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ
فالقلب هُوَ مَوضِع نظر الرب سُبْحَانَهُ نسْأَل الله سُبْحَانَهُ أَن يطهر قُلُوبنَا عَن الأدناس وَإِن يصلح منا الْقُلُوب والجوارح والحواس وَيَكْفِينَا شَرّ أَنْفُسنَا وَشر الْجنَّة وَالنَّاس وَأَن يجعلنا من أهل الرشاد والسداد وَأَن يرزقنا حسن الْعَمَل للمعاد وَأَن ينجينا من الكرب الشداد وَأَن
стр. 213
يجعلنا من المتمسكين بطرق الْحق وَإِن ضَاقَتْ مواردها المستوحشين من طرق الضَّلَالَة وَإِن طَالَتْ مسالكها وَالله الْمُسْتَعَان على نوب الزَّمَان وَهُوَ الدَّافِع للأشجان وَالْأَحْزَان نسْأَل الله سُبْحَانَهُ الْعَافِيَة والأمان لنا ولوالدينا وللولدان وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَسَائِر الإخوان وَأَن يحفظ علينا بكرمه الْإِيمَان حَتَّى يوصلنا بِهِ إِلَى الْجنان فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ كريم رَحِيم منان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
عَلَيْهِ توكلنا وَإِلَيْهِ أنبنا وَإِلَيْهِ الْمصير وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى وَالصَّلَاة على مُحَمَّد الْمُجْتَبى وَالْحَمْد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى
وَقد رَأَيْت أَن أختم هَذَا الْجُزْء بقصيدتين إِحْدَاهمَا فِي تعديد بعض النعم والرضى بالمقدور وَالْقسم وَحسن الصُّحْبَة للصديق وَالْمُتَّهَم وَهِي هَذِه
(سُبْحَانَ رَبِّي لقد سواك معتدلا ... خلقا جميلا تَعَالَى رَبنَا وَعلا)
(سُبْحَانَ من أنشأ الْإِنْسَان من علق ... وَاخْتَارَهُ وحباه الْعقل والخولا)
стр. 214
(من نُطْفَة رده حَيا وأكرمه ... أَعَادَهُ الله خلقا كَامِلا رجلا)
(سُبْحَانَ من رتب الْأَعْضَاء وصورها ... وَالْأَرْض أحكم مِنْهَا السهل والجبلا)
(والفلك تمخر وسط الْبَحْر جَارِيَة ... وَالْخَيْل سخرها والفيل والجملا)
(وَالشَّمْس أَنْشَأَهَا لِلْخلقِ مَنْفَعَة ... والبدر والنجم يهدينا بِهِ السبلا)
(سُبْحَانَ من أبدع الْأَشْيَاء كَيفَ يَشَأْ ... من أبْصر الْخلق لم ينظر بِهِ خللا)
(الْملك والخلق وَالدُّنْيَا بقبضته ... كل لهيبته صَارُوا لَهُ ذللا)
(وَالرِّيح سخرها والسحب أَنْشَأَهَا ... والغيث أنزلهُ يروي بِهِ العللا)
(وَانْظُر إِلَى الأَرْض يسقيها إِذا عطشت ... غيثا مغيثا مريعا مُغْدِقًا هطلا)
(سَحا هنيا مريا طيبا غدقا ... عذبا فراتا فيروى القاع والقللا)
стр. 215
(فَيظْهر النبت من آثَار رَحمته ... للشم هَذَا وَذَا حُلْو لمن أكلا)
(وتطلع النّخل أكماما مرتبَة ... طلعا نضيدا فكم من حملهَا حملا)
(وَيظْهر الزَّرْع مخضرا يلقحه ... مر الرّيح فيبدي الْحبّ والسبلا)
(كل لأرزاقنا أبداه خالقنا ... تبَارك الله كم أعْطى وَكم نحلا)
(هذاك قوت وَذَا حُلْو وَفَاكِهَة ... وَأَنْشَأَ الْقطن وَالزَّيْتُون والعسلا)
(والخز والقز والديباج أكسية ... وَالصُّوف وَالشعر للغاني وَمن رحلا)
(والمسك وَالْعود والأحجار فَهِيَ لنا ... هَذَا حَدِيد وَذَا كحل لمن كحلا)
(وَذَا عقيق وَيَاقُوت وَذَا ذهب ... وَفِضة وَجَمِيع الْبر قد حصلا)
(وألهم الدّين أهل الرشد فَارْتَفعُوا ... وَالشَّر للجاهل العَاصِي الَّذِي خذلا)
следующие страницы →