← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6878

نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف

الوصابي

Полный текст (224 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿إِن تسخروا منا فَإنَّا نسخر مِنْكُم كَمَا تسخرون فَسَوف تعلمُونَ من يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه وَيحل عَلَيْهِ عَذَاب مُقيم﴾ وَإِن تهددك بالسطوة عَلَيْك والعدوان فَقل لَهُ إِن الله ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ يرفع وَيَضَع ويعز ويهين فبه نَعُوذ ونستجير وإياه نستعين وَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يفعل مَا يُرِيد وَهُوَ الَّذِي بقبضته كل العبيد وَلَيْسَ لعبد أَن يبلغ مُرَاده وَلَا يقدر أَن ينفع نَفسه وَلَا أَن يضر أضداده إِلَّا بِشَيْء قد قدره الله سُبْحَانَهُ وأراده وَإِذا خفت من الْأَهْوَال والخطب الجسيم وأعياك الْمخْرج وتحير فِي أَمرك الْحَلِيم وَلم ينفعك الصّديق وَلَا أعانك الْحَمِيم فَأكْثر قَول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَإِن الله سُبْحَانَهُ يدْفع بهَا سبعين بَابا من الضّر أدناها الْهم كَذَا قَالَه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 142

وَمهما ظَهرت الْفِتَن وانضربت فِيهَا الْأَقَاوِيل وَخيف من شَرها التَّعْرِيض والتطويل والتهويل فافرع إِلَى التوقي بِمَا يقي من أمرهَا الوبيل بترداد قَول حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فَإِنَّهَا الْكَلِمَة الَّتِي ألهمها إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم فَقَالَهَا لما رَمَوْهُ وألقوه فِي الْجَحِيم فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم وَأَرَادُوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ وَإِن افتخر عَلَيْك مفتخر بسلاحه وزيه وَعظم سطوته وَكَثْرَة ليه فَقل إِنَّمَا الْفَخر لمن خدم شرع الله وَسنة نبيه وَلَيْسَ الْفَخر بِحسن الزي واللباس وَلَا بارتفاع الْحُصُون وقهر النَّاس وَلَا بظُلْم الْخلق وَشدَّة الباس وَلَا بِحمْل السِّلَاح وَالْحلَل الملاح لَكِن الْفَخر بالتقى وَالصَّبْر والرضى وخدمة شَرِيعَة الْمُصْطَفى ﷺ وَشرف وكرم (وَنحن بِحَمْد الله خدام شَرعه ... وخادم شرع الله لَا يخْش من غلب)

стр. 143

(لنا شرف الْعلم الْعَزِيز الَّذِي بِهِ ... رزقنا بِحَمْد الله من أرفع الرتب) (بِهِ أنسنا والعز وَالْفَخْر والعلا ... فَفِي الْعلم عز للفتى أَيْنَمَا ذهب) (وَمن كنز الْعلم الشريف بصدره ... ينله إِلَه الْخلق من كل مَا أحب) (لنا الْفِقْه بُسْتَان لنا الشَّرْع عُمْدَة ... وأحسابنا التَّقْوَى فيا لَك من حسب) (وَسنة خير الْخلق فَهِيَ سِلَاحنَا ... وَتَفْسِير كتب الله يَا حبذا أدب) (لنا الشّعْر ميدان لنا النَّحْو سلوة ... لنا اللُّغَة الفصحى لنا النثر والخطب) (وَكم مشكلات فِي الْعُلُوم نحلهَا ... نرى حلهَا أغْلى من الدّرّ وَالذَّهَب) (وَمَا الدّرّ والياقوت فِي جنب علمنَا ... وَمَا المَال إِلَّا مثل بعر لَدَى عِنَب) (وَكم من فنون رايقات بسوحنا ... تروق الَّذِي قد مارس الْعلم وانتصب)

стр. 144

(نغوص ببحر الْعلم نستخرج الَّذِي ... يدق عَن الأفهام من كل مَا احتجب) (وأصحابنا فِي كل أَرض نجومها ... وَأهل التقى وَالْعلم صَارُوا لنا نسب) (وَذَاكَ بِفضل الله لَيْسَ بفعلنا ... تبَارك من أعْطى وَمن لَا سواهُ رب) (نُحدث بالنعماء شكرا لربنا ... على مَا حبا من كل خير وَمَا وهب) (نقُول بِهَذَا لَا لفخر ونخوة ... وَلَكِن لشكر الله فالشكر قد وَجب) (وَقد أَمر الرَّحْمَن بالشكر خلقه ... فَقَالَ اشكروا لَا تكفرُوا أَيهَا الْعَرَب)

стр. 145

فصل فمهما أبقى الله سُبْحَانَهُ علينا نعْمَة الْإِسْلَام وَمَا أنعم بِهِ علينا من معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وجنبنا جَمِيع الْفَوَاحِش والآثام فقد خصنا مِنْهُ بِأَفْضَل إكرام وتفضل علينا سُبْحَانَهُ بِكُل إنعام وَلَا نبالي بعد ذَلِك بِمَا تغير وتكدر من أَسبَاب الدُّنْيَا وَلَا بِمَا تعسر وَتعذر من بَقِيَّة الْأَشْيَاء لِأَن الدُّنْيَا عرض حَاضر يَأْكُل مِنْهُ الْبر والفاجر نسْأَل الله أَن يديم علينا نعمه وَأَن يصرف عَنَّا بِلُطْفِهِ نقمه فالدين وَالْعلم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول وَهُوَ الْعِزّ الَّذِي لَا يضيع وَلَا يتَحَوَّل وَإنَّهُ لَهو الآخر وَهُوَ الأول وَإِن شرع الله لمحمود صَاحبه وَهُوَ الَّذِي لَا يفلح لأئمه وجاذبه وَهُوَ الَّذِي عز فِي الورى جَانِبه وَالْغَالِب بِالْبَاطِلِ مغلوب تَحْقِيقا ﴿وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ وَأنْشد شَيخنَا

стр. 146

وأستاذنا وإمامنا وَسَيِّدنَا والدنا لنَفسِهِ عَفا الله عَنهُ وجزاه خيرا (يَد الشَّرْع أَعلَى وَهِي أكْرم منصب ... وبالحق تنجى فَالْحق الْحق واصحب) (فَمَا ذَاك بعد الْحق إِلَّا ضَلَالَة ... وَمَا بعد شرع الله غير التكذب) (وكل امْرِئ لم يتبع الشَّرْع فَاسق ... وَمن غَالب الشَّرْع المشرف يغلب) (وَمن رام ذل الشَّرْع أَو ذل أَهله ... يعد رومه ذلا عَلَيْهِ ويسغب) (فَمَا الْعِزّ إِلَّا للإله وَحزبه ... وَأهل كتاب الله أهل التحزب) (وأخيار أهل الأَرْض فِي كل موطن ... وشرق وَغرب مَعَ يمَان ومغرب) (هم الْأَوْلِيَاء السَّادة الْفُضَلَاء لم ... يزل نورهم للنَّاس فِي كل مَذْهَب) (أضاءوا ظلام الْجَهْل فَالْحق وَاضح ... وصانوا صميم الْحق فِي كل مشعب)

стр. 147

(كواكب أهل الأَرْض عمرانها بهم ... وَمَا تنجلي الظلماء إِلَّا بكوكب) (فَمن ينتقصهم أَو يرد ذلهم لَهُ ... فقد ظن أمرا لَيْسَ فيهم بِمُوجب) (وَمن شَيْخه السُّلْطَان والحصن أَوله ... جنود فَأهل الْعلم شيخهم النَّبِي) (وَمن حزبه أهل السِّلَاح فحزبهم ... كتاب عَزِيز مَانع كل مُصعب) وَقَالَ أَيْضا ﵁ وجزاه خيرا (أيا حَامِل الْعلم اسْتَقِم أَنْت غَالب ... وقم بِحُقُوق الْعلم ذَلِك وَاجِب) (وَلَا تخش أهل الْجَهْل فَالله دَافع ... عَن الدّين من للدّين مِنْهُم محَارب) (عَلَيْك بتقوى الله وَالصَّبْر والرضى ... بمقدور رَبِّي تكف مَا أَنْت رَاهِب) (وَلَا تخش إِلَّا الله فالخلق ملكه ... وَإِن الْإِلَه الله للْكُلّ غَالب) (وَإنَّك إِن عودت نَفسك بالرضى ... بمقدوره هَانَتْ عَلَيْك المصائب)

стр. 148

(فَإِن كنت لَا ترْضى سوى مَا هويته ... بَدَت مِنْك بَين الْعَالمين معايب) (ففوض إِلَى الله الْأُمُور جَمِيعهَا ... سيكفيك من تخشاهم وتراقب) (وَلَا تكترث من ظَالِم واستعذ بِمن ... يعيذك مِنْهُ ينْدَفع وَهُوَ خائب) (إِذا كَانَ رَبِّي رَاضِيا عَنْك لَا تبل ... بِمن مِنْهُم رَاض وَمن هُوَ غاضب) (وَمن ظن أَن يجْرِي كَمَا شَاءَ أمره ... من الْخلق فَاعْلَم أَن ذَلِك كَاذِب) والعاقل لَا يجهل أَن لله تَعَالَى حكما يَضَعهَا الله فِي بِلَاده ويختبر بهَا من يَشَاء من صفوة عباده فَلَا يتزعزع لجهل جَاهِل يروم تَغْيِير مَا شَرعه الله وَلَا يتواضع لجَاهِل وَفَاجِر قد أهانه الله فَإِذا رَأَيْت ذَا جهل قد عدل عَن الصَّوَاب وَمَال عَمَّا شَرعه الله سُبْحَانَهُ فِي الْكتاب وَأعْرض عَن قَول الْعلمَاء وتغلب وتمرد عَن طاعتهم وَتَوَلَّى وأضرب وأتبعهم ذمه وتهدد وأرهب فخله وجهله وبأسه وَاضْرِبْ بتقوى الله تَعَالَى رَأسه وراقب الله وَحده وَاحْذَرْ بأسه فَإِن الله سُبْحَانَهُ

стр. 149

هُوَ الَّذِي يضر وينفع وَهُوَ الَّذِي يهين ويعين وَيرْفَع وَهُوَ الَّذِي لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَهُوَ الَّذِي يعلم السِّرّ والجهر وَيعلم وَسْوَسَة الصَّدْر فلازم طَرِيق شَرِيعَته وَلَا تدعها واعمل بِسنة نبيه واتبعها وَإِن بقيت بهَا غَرِيبا فريدا وصرت بطريقها مفارقا وحيدا فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء الَّذِي يصلحون مَا أفسد النَّاس من سنتي) رَوَاهُ البُخَارِيّ ﵀ فَاتق الله وَلَا تبالي بِمن سلك سَبِيل الضلال واعتصم بالكبير المتعال فَإِن الله تَعَالَى لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل

стр. 150

فصل وَبعد فَإِنِّي أوصِي وَلَدي وأحبائي وَمن تَبِعَهُمْ من بني أبي وأصحابي بفن الْعلم وحرفته وَأَن يَكُونُوا من محبيه وَحَمَلته فَإِنَّهُ فن الأتقياء وَسلَاح الْأَوْلِيَاء ووراثة الْأَنْبِيَاء وَهُوَ الْكَنْز الَّذِي لَا يضيع وَلَا يفوت وَهُوَ الرفيق الَّذِي لَا يفارقك حِين تَمُوت وَهُوَ الَّذِي ينفع صَاحبه فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي يشفع لمن عمل بِهِ فِي العقبى قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه لكميل بن زِيَاد ﵁ الْعلم خير من المَال الْعلم يحرسك وَأَنت تحرس المَال المَال تنقصه النَّفَقَة وَالْعلم يزكو على الْإِنْفَاق وَالْعلم حَاكم وَالْمَال مَحْكُوم عَلَيْهِ محبَّة الْعلم دين يدان الله بِهِ الْعلم يكْسب الْعَالم الطَّاعَة فِي حَيَاته وَجَمِيل الأحدوثة بعد وَفَاته مَاتَ خزان الْأَمْوَال وهم أَحيَاء

стр. 151

وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر أعيانهم مفقودة وأمثالهم فِي الْقُلُوب مَوْجُودَة انْتهى كَلَامه ﵁ وينشد فِي الْمَعْنى (وَفِي الْجَهْل قبل الْمَوْت موت لأَهله ... وأجسامهم قبل الْقُبُور قُبُور) (وكل فَتى لم يحي بِالْعلمِ ميت ... وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النشور نشور) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْعلم سلاحي وَالصَّبْر رِدَائي وَالرِّضَا غنيمتي) ذكره فِي الشفا وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ الْعلم أفضل من المَال لِأَنَّهُ مِيرَاث الْأَنْبِيَاء وَالْمَال مِيرَاث الفراعنة وَلِأَن الْعلم يحرسك وَأَنت تحرس المَال وَلِأَن الْعلم لَا يُعْطِيهِ الله إِلَّا من يُحِبهُ وَالْمَال يُعْطِيهِ من يُحِبهُ وَمن لَا يُحِبهُ وَلِأَن الْعلم لَا ينقص بالبذل والإنفاق وَالْمَال ينقص بذلك وَلِأَن صَاحب المَال ميت وَصَاحب الْعلم لَا يَمُوت وَلِأَن صَاحب المَال إِذا مَاتَ انْقَطع ذكره والعالم إِذا مَاتَ فَذكره بَاقٍ حَكَاهُ السَّمرقَنْدِي فِي كِتَابه عَنهُ وينشد

стр. 152

(الجاهلون فموتى قبل مَوْتهمْ ... والعالمون وَإِن مَاتُوا فأحياء) وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ من أَرَادَ الدُّنْيَا فَعَلَيهِ بِالْعلمِ وَمن أَرَادَ الْآخِرَة فَعَلَيهِ بِالْعلمِ وَقَالَ أَيْضا من نظر فِي الْفِقْه نبل قدره وَمن كتب الحَدِيث قويت حجَّته حَكَاهُمَا عَنهُ النواوي ﵀ فِي أول شرح الْمُهَذّب وَغَيره وَأنْشد بَعضهم (الْعلم فِيهِ جلالة ومهابة ... وَالْعلم أَنْفَع من كنوز الْجَوْهَر) (تفنى الْكُنُوز على الزَّمَان وَصَرفه ... وَالْعلم يبْقى باقيات الأعصر) وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس ﵀ كَاد الْعلمَاء أَن يَكُونُوا أَرْبَابًا وكل عز لم يوطد بِعلم فَإلَى الذل يصير وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء مَا رفع الله امْرأ عَن مَحَله بِغَيْر التقى وَالْعلم إِلَّا وحطه وَقَالَ ابْن المعتز ﵀ علم الْإِنْسَان وَلَده المخلد وَأنْشد أَبُو الْفَتْح البستي رَحمَه الله

стр. 153

(يَقُولُونَ ذكر الْمَرْء يبْقى بنسله ... وَلَيْسَ لَهُ ذكر إِذا لم يكن نسل) (فَقلت لَهُم نسلي بَدَائِع حكمتي ... فَمن سره نسل فَإنَّا بذا نسلوا) وَكَانَ يحيى بن كثير ﵀ يَقُول مِيرَاث الْعلم خير من الذَّهَب وَفِي تَفْسِير الثعالبي ﵀ إِن مُصعب بن الزبير ﵀ قَالَ لِابْنِهِ يَا بني تعلم الْعلم فَإِن كَانَ لَك مَال كَانَ لَك جمالا وَإِن لم يكن لَك مَال كَانَ لَك مَالا وينشد قيل إِنَّه لأبي الْأسود الدؤَلِي ﵁ (يَا طَالب الْعلم نعم الشَّيْء تطلبه ... لَا تعدلن بِهِ درا وَلَا ذَهَبا) (الْعلم زين وتشريف لصَاحبه ... فاطلب هديت فنون الْعلم والأدبا) (الْعلم كنز وَذخر لَا نفاد لَهُ ... نعم الْوَزير إِذا مَا عَاقل صحبا) (فجامع الْعلم مغبوط بِهِ أبدا ... وَلَيْسَ يحذر مِنْهُ الْفَوْت والسلبا)

стр. 154

(فاشدد يَديك بِهِ تحمد مغبته ... يقيك حر زفير النَّار واللهبا) وَقَالَ يحيى بن أَكْثَم ﵀ قَالَ لي الرشيد مَا أنبل الْمَرَاتِب قلت مَا أَنْت فِيهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أفتعرف من أجل مني قلت لَا قَالَ لكني أعرفهُ رجل فِي حَلقَة يَقُول حَدثنَا فلَان عَن فلَان عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا خير مِنْك وَأَنت ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَولي عهد الْمُسلمين وأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ نعم وَيلك هَذَا خير مني لِأَنَّهُ لَا يَمُوت أبدا وَنحن نموت ونفنى وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر وَأنْشد بَعضهم (لَئِن مَاتَ قوم بعد علم وَطَاعَة ... فَذكرهمْ فِي النَّاس لَيْسَ يَمُوت) (لقد نطقت آثَارهم بعد مَوْتهمْ ... بفضلهم والجاهلون سكُوت) وَقَالَ آخر (النَّاس موتى وَأهل الْعلم أَحيَاء ... وَالنَّاس مرضى وهم فيهم أطباء)

стр. 155

(وَالنَّاس أَرض وَأهل الْعلم فَوْقهم ... سَمَاء نور فَمَا فِي النُّور ظلماء) (لَا تركنن إِلَى الْجُهَّال إِنَّهُم ... وَحقّ رَبِّي لأهل الْعلم أَعدَاء) فالعلم ولَايَة لَا يخْشَى عَلَيْهَا الْعَزْل وَلَا يَنْعَزِل صَاحبهَا بِمَوْت وَلَا قتل بل طَاعَة الْعَالم بعد مَوته قَائِمَة والأعمال بِحكمِهِ وفتاويه من بعده لَازِمَة وآثاره ومعالمه شاهدة عَلَيْهِ دائمة كَمَا قيل (لعمري لَئِن أضحت رميما عظامهم ... لقد آذَنت آثَارهم بحياتها) وسلفنا ومشايخنا الماضون كَأَنَّهُمْ لما لدينا من علمهمْ موجودن كَمَا قيل (يَمُوت قوم ويحيي الْعلم ذكرهم ... وَالْجهل يلْحق أَمْوَاتًا بأموات) وَأنْشد البطليوسي النَّحْوِيّ الْمَشْهُور رَحمَه الله تَعَالَى (أَخُو الْعلم حَيّ خَالِد بعد مَوته ... وأوصاله تَحت التُّرَاب رَمِيم)

стр. 156

(وَذُو الْجَهْل ميت وَهُوَ ماش على الثرى ... يظنّ من الْأَحْيَاء وَهُوَ عديم) وَلم يمت من خلف علما نَافِعًا وَلَا كَانَ سَعْيه بذلك ضائعا بل حَسَنَاته متزايدة وَإِن كَانَ رميما وأجره مضاعف وَإِن كَانَ شخصه مَعْدُوما قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (سبع يجْرِي للْعَبد أجرهن من بعد مَوته وَهُوَ فِي قَبره من علم علما أَو أجْرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته) ذكره فِي كتاب الْكَوْكَب عَن مُسْند الْبَزَّار وَنَحْوه فِي منتخب ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فيا حسنها من كَرَامَة يتضاعف أجرهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيَا لَهَا من ولَايَة لَيْسَ لَهَا نِهَايَة وَأنْشد أَبُو بكر بن عَليّ الْحسن الْكَاتِب القستهاني ﵀ فِيمَا حَكَاهُ السلَفِي عَنهُ وَمَا أحسن مَا قَالَ

стр. 157

(تعلم الْعلم فَمَا أَن على ... صَاحبه ضنك وَلَا أزل) (فَإِنَّمَا الْعلم لأربابه ... ولَايَة لَيْسَ لَهَا عزل) وَقَالَ آخر قيل إِنَّه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ ﵀ ونفع بِهِ وَبِمَا جمعه (عَلَيْكُم بالمحابر فالزموها ... وَلَا تعبوا بأصحاب الدواة) (فَمَا لولاية الْفُقَهَاء عزل ... وعزل ولَايَة الْكتاب يَأْتِي) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لهِلَال بن يسَار ﵀ (لَا تفارق المحبرة فَإِن الْخَيْر فِيهَا وَفِي أَهلهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) وَذكره أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي كِتَابه أدب التَّعْلِيم وَتَبعهُ على ذكره رشيد الدّين الكاشغري ﵀ فِي كِتَابه مُخْتَصر الْوَسِيلَة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ الْعلم يزِيد

стр. 158

الشريف شرفا وَيجْلس الْمَمْلُوك على الأسرة وَرَفعه أَي الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ وَعَن الْمَاوَرْدِيّ ﵀ فِي كِتَابه عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الْحِكْمَة تزيد الشريف شرفا وترفع العَبْد الْمَمْلُوك حَتَّى تجلسه مجَالِس الْمُلُوك) وَقَالَ الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي وَصيته لوَلَده الْعلم يرفع الأراذل فقد كَانَ خلق كثير لَا نسب لَهُم يذكر وَلَا صُورَة تستحسن فعزوا وشرفوا بِالْعلمِ كَانَ عَطاء بن أبي رَبَاح ﵁ مَمْلُوكا لامْرَأَة من أهل مَكَّة وَكَانَ أسود مستوحش الْخلقَة كَأَن أَنفه باقلاه فتعلم الْعلم فنال بِهِ الْعِزّ والرفعة حَتَّى أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك جَاءَهُ هُوَ وولداه فجلسوا يسألونه عَن الْمَنَاسِك فَحَدثهُمْ وَهُوَ معرض بِوَجْهِهِ عَنْهُم من هوانهم لَدَيْهِ وعزته بِالْعلمِ وَسليمَان يَوْمئِذٍ هُوَ الْخَلِيفَة فَقَالَ سُلَيْمَان لِوَلَدَيْهِ لما خرجا من عِنْده لَا تنيا عَن طلب الْعلم فَمَا أنسى ذلنا بَين يَدي هَذَا العَبْد الْأسود وَكَانَ زيد بن أسلم مولى وَكَانَ زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ يتخطى

стр. 159

مجَالِس قومه حَتَّى يَأْتِيهِ فيجلس عِنْده فَقيل لَهُ يغْفر الله لَك أَنْت سيد النَّاس وأفضلهم تذْهب إِلَى هَذَا العَبْد فتجلس مَعَه فَقَالَ إِنَّه يَنْبَغِي للْعلم أَن يتبع حَيْثُ مَا كَانَ رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي حليته بِإِسْنَادِهِ وَنَحْوه ذكر الإِمَام النواوي ﵀ فِي تهذيبه حِكَايَة عَن تَارِيخ البُخَارِيّ ﵀ وَفِيه فَقيل لَهُ تَتَخَطَّى مجَالِس قَوْمك إِلَى عبد عمر بن الْخطاب فَقَالَ إِنَّمَا يجلس الْمَرْء إِلَى من يَنْفَعهُ فِي دينه وَكَانَ الْحسن مولى وَكَذَلِكَ ابْن سِرين وَمَكْحُول ﵃ وَخلق كثير فشرفوا بِالْعلمِ وَالتَّقوى وَبَقِي ذكرهم وشرفهم إِلَى آخر الدُّنْيَا وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه كَانَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الأوقص عُنُقه دَاخِلا فِي بدنه وَكَانَ منكباه خَارِجين كَأَنَّهُمَا زجان فَقَالَت لَهُ أمه يَا بني إِنَّك خلقت خلقَة لَا تكون فِي قوم إِلَّا كنت المضحوك مِنْهُ المسخور بِهِ فَعَلَيْك بِطَلَب الْعلم فيرفعك فَطلب الْعلم ثمَّ ولي قَضَاء مَكَّة عشْرين سنة وَكَانَ الْخصم إِذا قعد بَين يَدَيْهِ يرعد من هيبته لأجل علمه وَحكى أَبُو اللَّيْث ﵀ فِي تنبيهه عَن

стр. 160

سَالم بن أبي الْجَعْد ﵀ أَنه قَالَ اشتراني مولَايَ بِثَلَاث مئة وأعتقني فَقلت فِي أَي الْحَرْف احترف فاخترت الْعلم على كل حِرْفَة فَلم تمض لي مُدَّة حَتَّى أَتَانِي الْخَلِيفَة زَائِرًا فَلم آذن لَهُ قَالَ وَدخل صَالح المري ﵀ على الْملك فأجلسه على وسادته فَجَلَسَ فَقَالَ صَالح قَالَ الْحسن وَصدق الْحسن قَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ وأيش قَالَ الْحسن قَالَ قَالَ الْحسن إِن الْعلم يزِيد الشريف شرفا ويبلغ بِالْعَبدِ منَازِل الْأَحْرَار وَإِلَّا فَمن صَالح المري حَتَّى يجلس على وسَادَة أَمِير الْمُؤمنِينَ لَوْلَا الْعلم وَأنْشد بَعضهم (الْعلم ينْهض بالخسيس إِلَى الْعلَا ... وَالْجهل يقْعد بالفتى الْمَنْسُوب) وَقد قيل ضمن الْعلم لكل من خدمه أَن يَجْعَل النَّاس كلهم خدمه وَأنْشد بَعضهم (إِذا أَحْبَبْت أَن تحيى سعيدا ... وتلقى الله بِالْعَمَلِ الْكَرِيم) (فَلَا تصْحَب سوى الأخيار واقطع ... زَمَانك فِي مدارسة الْعُلُوم)

стр. 161

وَقَالَ أَبُو الْفَتْح البستي فِي قصيدته الْمَشْهُورَة (يَا أَيهَا الْعَالم المرضي سيرته ... أبشر فَأَنت بِغَيْر المَاء رَيَّان) (وَيَا أَخا الْجَهْل لَو أَصبَحت فِي لجج ... فَأَنت مَا بَينهَا لَا شكّ ظمآن) وَمن شرف الْعلم وفضله أَن الهدهد مَعَ ضعفه وَقلة خطره لما تهدده سُلَيْمَان ﵇ مَعَ علو قدره وَشدَّة سطوته أَجَابَهُ الهدهد بصولة الْعلم وقوته ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ وجئتك من سبإ بنبإ يَقِين﴾ وَعَن مُجَاهِد ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء﴾ قَالَ الْفِقْه وَالْعلم وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لم أجد رُتْبَة أرفع وَلَا شَيْء أَنْفَع وَلَا خيرا أجمع من الْعلم إِذا قارنته سكينَة وَإِنِّي رَأَيْته يرفع وضيع الْحسب إِلَى أرفع الرتب حَتَّى تكون لَهُ الْأَشْرَاف أتباعا والأخيار أشياعا وَأنْشد بَعضهم

стр. 162

(الْعلم زين ومحمود عواقبه ... فَمن ينله يكن من أسعد النَّاس) (وَهُوَ الْمُقدم وَالْمُخْتَار بَينهم ... كالرأس مَا فِي الْفَتى أعلا من الراس) وَقَالَ آخر (الْعلم للمرء مثل التَّاج للْملك ... وَالْعلم للمرء مثل الشَّمْس للفلك) (فاشدد يَديك بِحَبل الْعلم معتصما ... فالعلم للمرء مثل المَاء للسمك) وَأنْشد آخر (الْعلم زين وفخر لَا خَفَاء بِهِ ... من ناله نَالَ أَعلَى عالي الرتب) (يكسو الْفَتى حللا تبقى عَلَيْهِ وَمَا ... نَالَ الْفَتى حلَّة أبهى من الْأَدَب) وَقَالَ غَيره (تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما ... وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل)

стр. 163

(وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده ... صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل) (وَإِن صَغِير الْقَوْم إِن كَانَ عَالما ... فأكثرهم يرضون مَا هُوَ قَائِل) وللفقيه إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود الإلبيري رَحمَه الله تَعَالَى قصيدة طَوِيلَة مشهروة يحض وَلَده أَبَا بكر على طلب الْعلم ويعظه فَأَحْبَبْت أَن آخذ مِنْهَا مَا يَلِيق بِهَذَا المُصَنّف وَهُوَ قَوْله عَفا الله عَنهُ وجزاه خيرا آمين آمين آمين (أَبَا بكر دعوتك لَو أجبتا ... إِلَى مَا فِيهِ حظك إِن عقلتا) (إِلَى علم تكون بِهِ إِمَامًا ... مُطَاعًا إِن نهيت وَإِن أمرتا) (ويجلو مَا بِعَيْنِك من عشاها ... ويهديك السَّبِيل إِذا ضللتا) (وَتحمل مِنْهُ فِي ناديك تاجا ... ويكسوك الْجمال إِذا اغتربتا) (ينالك نَفعه مَا دمت حَيا ... وَيبقى ذخره لَك إِن ذهبتا)

стр. 164

(هُوَ العضب المهند لَيْسَ ينبو ... تصيب بِهِ مقَاتل من ضربتا) (وكنز لَا تخَاف عَلَيْهِ لصا ... خَفِيف الْحمل يُوجد حَيْثُ كنتا) (يزِيد بِكَثْرَة الْإِنْفَاق مِنْهُ ... وَينْقص إِن بِهِ كفا شددتا) (فَلَو قد ذقت من حلواه طعما ... لآثرت التَّعَلُّم واجتهدتا) (وَلم يشغلك عَنهُ هوى مُطَاع ... وَلَا دنيا بزخرفها فتنتا) (وَلَا ألهاك عَنهُ أنيق روض ... وَلَا خدر بربته كلفتا) (فقوت الرّوح أَرْوَاح الْمعَانِي ... وَلَيْسَ بِأَن طعمت وَأَن شربتا)

стр. 165

(فواظبه وَخذ بالجد فِيهِ ... فَإِن أعطاكه الله أخذتا) (وَإِن أُوتيت فِيهِ طَوِيل بَاعَ ... وَقَالَ النَّاس إِنَّك قد سبقتا) (فَلَا تأمن سُؤال الله عَنهُ ... بتوبيخ علمت فَهَل عملتا) (فرأس الْعلم تقوى الله حَقًا ... وَلَيْسَ بِأَن يُقَال لقد رأستا) (وَلَا تحفل بِمَالك واله عَنهُ ... فَلَيْسَ المَال إِلَّا مَا علمتا) (وَلَيْسَ لجَاهِل فِي النَّاس معنى ... وَلَو ملك الْعرَاق لَهُ تأتى)

стр. 166

(وَمَا يُغْنِيك تشييد المباني ... إِذا بِالْجَهْلِ نَفسك قد هدمتا) (جعلت المَال فَوق الْعلم جهلا ... لعمرك فِي الْقَضِيَّة مَا عدلتا) (وَبَينهمَا بِنَصّ الْوَحْي بون ... ستعلمه إِذا طه قرأتا) (لَئِن رفع الْغَنِيّ لِوَاء مَال ... لأَنْت لِوَاء علم قد رُفِعَتَا) (وَإِن جلس الْغَنِيّ على الحشايا ... لأَنْت على الْكَوَاكِب قد جلستا) (وَإِن ركب الْجِيَاد مسومات ... لأَنْت مَنَابِر التَّقْوَى ركبتا) (وَمهما افتض أبكار الغواني ... فكم بكر من الحكم افتضضتا) (وَلَيْسَ يَضرك الإقتار شَيْئا ... وَإِذا مَا أَنْت رَبك قد عرفتا)

стр. 167

(فَمَاذَا عِنْد رَبك من جميل ... إِذا بِفنَاء طَاعَته أنختا) (فقابل بِالْقبُولِ صَحِيح نصحي ... وَإِن أَعرَضت عَنهُ فقد خسرتا) (فَلَيْسَتْ هَذِه الدُّنْيَا بِشَيْء ... تسوؤك حقبة وتسر وقتا) (وغايتها إِذا فَكرت فِيهَا ... كفيئك أَو كحلمك إِن حلمتا) (سجنت بهَا وَأَنت لَهَا محب ... فَكيف تحب مَا فِيهِ سجنتا) (وتطعمك الطَّعَام وَعَن قريب ... ستطعم مِنْك مَا مِنْهَا طعمتا) (وتعرى إِن لبست لَهَا ثيابًا ... وتكسى إِن ملابسها خلعتا) (وَتشهد كل يَوْم دفن خل ... كَأَنَّك لَا ترَاد بِمَا شهدتا) (وَلم تخلق لتعمرها وَلَكِن ... لتعبرها فجد لما خلقتا)

стр. 168

(وَلَا تحزن على مَا فَاتَ مِنْهَا ... إِذا مَا أَنْت فِي أخراك فزتا) (وَلَا تضحك مَعَ السُّفَهَاء لهوا ... فَإنَّك سَوف تبْكي إِن ضحكتا) (وَكَيف لَك السرُور وَأَنت رهن ... وَلَا تَدْرِي. . أتفدى أم غلقتا) (وسل من رَبك التَّوْفِيق فِيهَا ... واخلص فِي الدُّعَاء إِذا سألتا) (وناد إِذا سجدت لَهُ اعترافا ... بِمَا ناداه ذون النُّون بن مَتى) ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ وَأنْشد شَيخنَا والدنا ﵁ واسْمه عمر (عَلَيْكُم بِجمع الْعلم فَهُوَ أنيسكم ... بِكُل مَكَان والرفيق الْمُوفق)

стр. 169

(بِهِ تكسب العلياء والعون وَالْهدى ... بِهِ الْمَرْء فِي الدَّاريْنِ يَعْلُو ويسبق) (فَإِن قَارن الْعلم اهتمام وفطنة ... وَبحث وفكر فَهُوَ يعلي ويشرق) وَقَالَ بعض البلغاء تعلم الْعلم فَإِنَّهُ يقومك ويسددك صَغِيرا ويقدمك ويسودك كَبِيرا وَيصْلح زيغك وفاسدك ويرغم عَدوك وحاسدك وَيُقِيم عوجك وميلك ويصحح همتك وأملك وَقَالَ آخر من تفرد بِالْعلمِ لم توحشه الْخلْوَة وَمن تسلى بالكتب لم تفته سلوة وَمن آنسته قِرَاءَة الْقُرْآن لم توحشه مُفَارقَة الإخوان وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لِبَنِيهِ يَا بني تعلمُوا الْعلم فَإِن كُنْتُم سادة فقتم وَإِن كُنْتُم وسطا سدتم وَإِن كُنْتُم سوقة عشتم وَأنْشد بَعضهم (الْعلم زين مَا تعلمه الْفَتى ... فانهض إِلَيْهِ وَلَا تكن كسلانا) (إِن شِئْت للدنيا عَلَوْت بِهِ الْعلَا ... أَو شِئْت لِلْأُخْرَى ظَفرت جنَانًا)

стр. 170

وَقَالَ آخر (تعلم فَإِن الْعلم زين لأَهله ... وَلنْ تَسْتَطِيع الْعلم حَتَّى تعلما) (وَلَا خير فِيمَن عَاشَ لَيْسَ بعالم ... بَصِير بِمَا يَأْتِي وَلَا متعلما) وَقَالَ آخر (الْعلم زين ومنجاة لصَاحبه ... وَمن المهالك والآفات والعطب) (وَمَا تلحف إِنْسَان بملحفة ... أبهى وأجمل من علم وَمن أدب) وَقَالَ الْغَزالِيّ ﵀ فِي أول الْمُسْتَصْفى الْعلم أربح المكاسب والمتاجر وأشرف الْمَعَالِي والمفاخر وَأكْرم المحامد والمآثر وَأحمد الْمَوَارِد والمصادر فشرفت بإثباته الأقلام والمحابر وتزينت بأسماعه المحاريب والمنابر وتحلت برقومه الأوراق والدفاتر وَتقدم بشرفه الأصاغر على الأكابر واستضاءت ببهائه الْأَسْرَار والضمائر وتنورت بأنواره الْقُلُوب والبصائر واستحقر فِي ضيائه ضِيَاء الشَّمْس الباهر على الْفلك الدائر وَأنْشد بَعضهم

стр. 171

(الْعلم يجلو الْعَمى عَن قلب صَاحبه ... كَمَا يجلي سَواد الظلمَة الْقَمَر) (وَالْعلم يحيي قُلُوب الحاملين لَهُ ... كالأرض تحيى إِذا مَا مَسهَا الْمَطَر) وَقَالَ آخر (مَعَ الْعلم فاسلك حَيْثُ مَا سلك الْعلم ... وَعنهُ فسائل كل من عِنْده فهم) (فَفِيهِ جلاء الْقلب من شدَّة الْعَمى ... وَعون على الدّين الَّذِي أمره حتم) (فَإِنِّي رَأَيْت الْجَهْل يزري بأَهْله ... وَذُو الْعلم فِي الأقوام يرفعهُ الْعلم) (يعد كَبِير الْقَوْم وَهُوَ صَغِيرهمْ ... وَينفذ مِنْهُ فيهم القَوْل وَالْحكم) (فخالط رُوَاة الْعلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زين وخلطتهم غنم) (وَلَا تَعدونَ عَيْنَاك عَنْهُم فَإِنَّهُم ... نُجُوم إِذا مَا غَابَ نجم بدا نجم) وَقَالَ آخر

стр. 172

(الْعلم بلغ قوما ذرْوَة الشّرف ... وَصَاحب الْعلم مَحْفُوظ من الخرف) (يَا صَاحب الْعلم مهلا لَا تدنسه ... بالموبقات فَمَا للْعلم من خلف) وَقَالَ غَيره رَحمَه الله تَعَالَى (وقرة الْعين عِنْد النَّاس أَكْثَرهم ... لبس الثِّيَاب وَذَات الطرز وَالْعلم) (وقرة الْعين عِنْدِي أنني رجل ... ملئت بِالْعلمِ من قَرْني إِلَى قدمي) (فَمن يكن هَكَذَا تمّ الفخار لَهُ ... وَصَاحب الْجَهْل مَعْدُود من النعم) وَأنْشد الإِمَام السلَفِي ﵀ لنَفسِهِ (يَا من تصدى لطلاب الْعلَا ... عَلَيْك بِالْعلمِ وتطلابه) (فَلَيْسَ فِي الْعَالم أَعلَى وَلَا ... أرفع من رُتْبَة طلابه) قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ وَأنْشد الشَّيْخ برهَان الدّين رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 173

(أرى الْعلم أَعلَى رُتْبَة فِي الْمَرَاتِب ... وَمن دونه عز الْعلَا فِي المواكب) (وَذُو الْعلم يبْقى عمره متضاعفا ... وَذُو الْجَهْل بعد الْمَوْت تَحت الترائب) (هُوَ النُّور كل النُّور يهدي من الْعَمى ... وَذُو الْجَهْل مر الدَّهْر بَين الغياهب) (هُوَ الذرْوَة الشماء يحمي من التجا ... إِلَيْهَا ويمسي آمنا فِي النوائب) (بِهِ ينتجي وَالنَّاس فِي غفلاتهم ... بِهِ يرتجي وَالروح بَين الترائب) (فَمن رامه رام المآرب كلهَا ... وَمن حازه قد حَاز كل المطالب) (هُوَ المنصب الْكُلِّي يَا صَاحب الحجى ... إِذا نلته هون بفوت المناصب) (وَإِن فاتك الدُّنْيَا وَطيب نعيمها ... فَلَا تحزنن فالعلم خير الْمَوَاهِب)

стр. 174

فصل فَعَلَيْك يَا وَلَدي بِالْعلمِ فَإِنَّهُ الْموصل إِلَى كل خير وَهُوَ الدَّافِع لكل ضير وَهُوَ الَّذِي شرفه الله فِي الْجُمْلَة وفضله وَشرف أَهله فِي كل مِلَّة وَاعْلَم أَنه خلق نَفِيس لَا ينَال بالهوينا والدعة وَإِنَّمَا ينَال بجد واجتهاد ومكابدة جوع وسهاد فَإِن نيل الْعَظِيم لَا يدْرك إِلَّا بِأَمْر عَظِيم وعَلى قدر الرَّاحَة يكون التَّعَب وأعز الْعلم مَا كَانَ عَن ذل الطّلب وبقدر مَا تتعنى تنَال مَا تتمنى (فاشدد يَديك بِحَبل الدَّرْس مُجْتَهدا ... وَإِن أمضك طول الْجُوع والسهر) (إِن التُّجَّار إِذا راحوا وَقد ربحوا ... أنساهم الرِّبْح مَا عناهم السّفر)

стр. 175

وَفِي صَحِيح مُسلم وَحلية الْأَوْلِيَاء لأبي نعيم عَن يحيى بن أبي كثير رَحِمهم الله تَعَالَى لَا يُسْتَطَاع الْعلم براحة الْجِسْم وروى الْحسن بن خَلاد ﵀ فِي كِتَابه الْفَاضِل بِإِسْنَادِهِ عَن إمامنا الشَّافِعِي ﵁ إِنَّه قَالَ لَا يطْلب هَذَا الْعلم من يَطْلُبهُ بِالْملكِ وغنى النَّفس فيفلح وَلَكِن من طلبه بذلة النَّفس وضيق الْعَيْش وخدمة الْعلمَاء أَفْلح وَقَالَ أَيْضا ﵁ لَا يدْرك الْعلم إِلَّا بِالصبرِ على الذل وَقَالَ أَيْضا ﵁ حق على طلبة الْعلم بُلُوغ غَايَة جهدهمْ فِي الإستكثار من علمه وَالصَّبْر على كل عَارض يعرض دون طلبه وإخلاص النِّيَّة لله تَعَالَى فِي إِدْرَاك علمه نصا واستنباطا وَالرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى فِي العون عَلَيْهِ وَقَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵁ يستعان على الْفِقْه بِجمع الهمة ويستعان على حذف العلائق بِأخذ الْيَسِير عِنْد الْحَاجة وَأنْشد بعض الْمُتَقَدِّمين (تمنيت أَن تمسي فَقِيها مناظرا ... بِغَيْر عناء فالجنون فنون)

стр. 176

(وَلَيْسَ اكْتِسَاب المَال دون مشقة ... تحملتها فالعلم كَيفَ يكون) وَقَالَ الإِمَام مَالك ﵁ لَا يبلغ أحد من هَذَا الْعلم حَتَّى يضر بِهِ الْفقر ويؤثره على كل شَيْء وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْآجُرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى من طلب الْعلم بالفاقة ورث الْفَهم وَقيل لبَعْضهِم بِمَ أدْركْت الْعلم قَالَ بِالْمِصْبَاحِ وَالْجُلُوس إِلَى الصَّباح وَقيل لآخر بِمَ نلْت الْعلم قَالَ بِالسَّفرِ والسهر والبكور فِي السحر وَقَالَ بَعضهم لَا يصلح للْعلم من يَأْكُل حَتَّى يشْبع وَأنْشد بَعضهم (يَا طَالب الْعلم بَاشر الورعا ... واهجر النّوم واترك الشبعا) (وَدم على الدَّرْس لَا تُفَارِقهُ ... فالعلم بالدرس قَامَ وارتفعا) وَقَالَ بَعضهم الْعلم عز لَا ذل فِيهِ لَكِن لَا ينَال إِلَّا بذل لَا عز فِيهِ وَحكى الْفَخر الرَّازِيّ عَن الشَّافِعِي ﵄ أَنه قَالَ الْعلم حر وطالبه عبد فَإِن خدم الْعلم قبله

стр. 177

الْعلم وَإِن تجبر عَلَيْهِ فالعلم أولى أَن يتجبر عَلَيْهِ وَقَالَ مُجَاهِد ﵀ لَا يتَعَلَّم الْعلم مستحي وَلَا متكبر وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول ذللت طَالبا فعزرت مَطْلُوبا وَيُقَال (الْعلم حَرْب للفتى المتعالي ... كالسيل حَرْب للمكان العالي) وينشد (أرى لَك نفسا تشْتَهي أَن تعزها ... وَلست تنَال الْعلم حَتَّى تذلها) وَقَالَ بَعضهم الْعلم لَا يحصل إِلَّا باستناد الْحجر وافتراش الْمدر وإدمان الْجُوع والسهر وَقَالَ آخر لن يدْرك الْعلم من لَا يُطِيل درسه وَلَا يكد نَفسه وينشد (صابر على الْعلم وَلَا تسترح ... فالعلم لَا يدْرك بالراحة) وَعَن الشَّافِعِي ﵁ لَا يفلح فِي هَذَا الشَّأْن يَعْنِي الْفِقْه إِلَّا من أثكل أَبَوَيْهِ وأتلف مَاله وَجعل

стр. 178

الْمَسْأَلَة أَمَامه وأغلق دكانه وأحرق قلبه الْجُوع وَتعلق فِي شعره الْقمل وَلم يقل واغربتاه وَأنْشد بَعضهم (بِقدر الكد تكتسب الْمَعَالِي ... وَمن طلب الْعلَا سهر اللَّيَالِي) (تروم الْعلم ثمَّ تنام لَيْلًا ... يغوص الْبَحْر من طلب الآلي) فاصبر يَا بني على تَحْصِيله لتنال الْعِزّ عِنْد حُصُوله فقد قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ من صَبر على نصب الْعلم فِي الإبتداء وجد عواقبه لَذَّة تفوق سَائِر لذات الدُّنْيَا وَإِيَّاك أَن تهتم للرزق فَإِنَّهُ مَكْتُوب مُقَدّر وكل لَهُ قسم مِنْهُ ميسر أَو مُعسر على مَا سبق بِهِ قَضَاء الله الْأَكْبَر (لَا الْحِرْص زَاد وَلَا الإهمال ينقصهُ ... ثمَّ الْقَضَاء فَلم ينقص وَلم يزدْ) وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء لِبَنِيهِ يَا بني تعلمُوا الْعلم وَإِن لم تنالوا بِهِ من الدُّنْيَا حظا فَلِأَن يذم الزَّمَان لكم أحب إِلَيّ أَن يذم الزَّمَان بكم كَيفَ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (من طلب الْعلم تكفل الله برزقه) رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ

стр. 179

وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من تفقه فِي دين الله كَفاهُ الله همه ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب) ذكره الإِمَام أَبُو اللَّيْث ﵀ فِي كِتَابه ويروى أَن الله سُبْحَانَهُ أوحى إِلَى الأَرْض يَا أَرض حرمت عَلَيْك أَن تطعمي بني آدم إِلَّا بكد الْيَمين وعرق الجبين غير طَالب الْعلم فَإِنِّي تكفلت برزقه ذكره فِي حقائق التَّفْسِير وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ ﵀ بِإِسْنَادِهِ فِي كتب رياض المتعلمين أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من غَدا فِي طلب الْعلم صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وبورك لَهُ فِي معاشه وَلم ينقص من رزقه وَكَانَ عَلَيْهِ مُبَارَكًا) وَاعْتبر يَا بني بِي وَمَا جمعت من كتبي فَإِنِّي كنت لَا لي مَال وَلَا أَسْتَطِيع كسبا للعيال وَلست محترفا وَلَا تَاجر وَلَا أَنا على السّفر للتِّجَارَة جاسر فَمَا دخلت سوقا لبيع وَلَا شِرَاء وَلَا طلبت العشور من الورى وَلَا درت فِي الْقرى للقرا بل اشتغلت بِالْعلمِ وَطَلَبه وأفنيت أيامي بِالْعلمِ وَكتبه فَأَتَانِي الله برزقي من حَيْثُ لَا أحتسب ووهب لي الجزيل وَلست بمكتسب تفضلا من الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَول كن فَكَانَ

стр. 180

(لقد جَاءَنِي الرزق من رَبنَا ... تَعَالَى الَّذِي فَوقِي الرزق صب) (وَأعْطى الجزيل بِلَا كلفة ... وَلَا فِي اجْتِهَاد وَلَا فِي تَعب) (وَلَا باتجار وَلَا من رَبًّا ... وَلَا من رشا أَو جنا أَو طلب) (وَقد كنت فِي الْفقر صفر الْيَدَيْنِ ... أراقب إِحْسَان أم وَأب) (فَأَعْطَانِي الله مَا قد كفى ... وجاد وَبَارك فِيمَا وهب) (تَعَالَى وَعز وَجل الَّذِي ... ينيل الْفَتى الرزق لَا فِي سَبَب) (وَلكنه قَول كن حِكْمَة ... وَقد أحكم الله مَا قد كتب) وَلما رَزَقَنِي الله سُبْحَانَهُ محبَّة الْعلم وَالْعُلَمَاء وجدت ذَلِك أبرد على قلبِي من المَاء على الظما وحبب إِلَيّ الْعلم حَتَّى لَا أحب من الدُّنْيَا سواهُ وَظَهَرت لي بركته فِي الدُّنْيَا وهداه وَفِي الْآخِرَة أَرْجُو من الله رِضَاهُ وَأَن يحشرني مَعَ
следующие страницы →