← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6878

نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف

الوصابي

Полный текст (224 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين وَلَا إِلَه إِلَّا الله الْحق الْمُبين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَصَحبه وَأهل بَيته أَجْمَعِينَ وعَلى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وَبعد فَإنَّا نشْهد الله وَمَلَائِكَته وأنبياءه وَرُسُله وَجَمِيع خلقه أَنا رَضِينَا بِاللَّه رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ صلى ﷺ نَبيا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وبالشريعة هاديا ودليلا وبآل مُحَمَّد ﷺ أَوْلِيَاء وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا وَأَنا حامدون لله على نعمائه راضون بتقديره وكل قَضَائِهِ معتقدون أَن الله سُبْحَانَهُ عدل فِي جَمِيع أقضيته حَكِيم فِي كل مَا قدره فِي بريته لَا يعْتَرض عَلَيْهِ فِيمَا قضى بل يجب تلقي ذَلِك بالرضى إِذْ أَفعاله سُبْحَانَهُ كلهَا عدل وَمَا أعْطى فَهُوَ مِنْهُ بر وَفضل وَهُوَ ﵎ أعلم بمصالح خلقه فَيجب على

стр. 2

كل عَاقل الرِّضَا برزقه وَمن اعْتقد هَذَا فقد أَفْلح وأنجح فَإِن الله تَعَالَى لَا يقْضِي لِلْمُؤمنِ إِلَّا مَا هُوَ لَهُ أصلح قَالَ رَسُول الله ﷺ (عجبا لأمر الْمُؤمن إِن أمره كُله خير وَلَيْسَ ذَاك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء شكر فَكَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء صَبر فَكَانَ خيرا لَهُ) رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه فالمؤمن متقلب بَين خيرين اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من حالتين إِن أنعم عَلَيْهِ فَشكر أجر وَإِن ابْتُلِيَ فَصَبر أجر فَالْحَمْد لله على مَا أنعم ﷺ وَقد أرسل الله سُبْحَانَهُ وَله الْحَمد رَسُوله مُحَمَّدًا ﷺ على حِين فَتْرَة من الرُّسُل وضلالة فِي السبل وعماية فِي الْقبل وَجَهل فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلا وانصراف عَن الطَّرِيقَة المثلى فَدَعَا الْخلق كلهم إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى طَاعَته وَأمرهمْ بامتثال أَمر الله تَعَالَى ومتابعته وَشرع لَهُم من دين الله مَا وصّى بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى بِإِقَامَة الدّين

стр. 3

وتقوى الله رب الْعَالمين وأوضح ﷺ لَهُم الطَّرِيق وأخرجهم من الْمضيق وهداهم إِلَى الصَّوَاب بِمَا أنزل عَلَيْهِ من الْكتاب وَشرع لَهُم الشَّرِيعَة المطهرة وسلك بهم الطَّرِيق الميسرة وَلم يزل ﷺ يبين لَهُم الْأَحْكَام وَينصب لَهُم الْأَعْلَام ويوضح لَهُم شرائع الْإِسْلَام وَأنزل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ امتنانا وإيضاحا وتبيينا ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ ثمَّ دَعَاهُ الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَنَقله من الدُّنْيَا وأزلفه لَدَيْهِ ﷺ فَترك بعده الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة الهداة المهتدين الحماة على الشَّرِيعَة وَالدّين ﵃ أَجْمَعِينَ فتبعوا سَبيله المستبين وبينوا الشَّرِيعَة للْمُسلمين وَوَضَعُوا لَهَا قَوَاعِد وقوانين وَجعلُوا يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ ودعوا إِلَى الْحجَج الْوَاضِحَة المنيعة وَأَقَامُوا الْخلق على قانون الشَّرِيعَة وَلم يزل الْأَمر يزكو وينمو وَالدّين يَعْلُو ويسمو قد شرف الله سُبْحَانَهُ وَله الْحَمد الْعلم وَالْعُلَمَاء وجعلهم أفضل من تَحت أَدِيم السَّمَاء وَأثْنى الله سُبْحَانَهُ

стр. 4

على الْعلمَاء بِنَفسِهِ فِي الْآيَات الزاهرة وَرفع مَنَازِلهمْ وَجعلهَا بَيِّنَة ظَاهِرَة وَأَعْلَى مَرَاتِبهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأوجب الله تَعَالَى على جَمِيع عباده وعَلى الْمُلُوك الَّذين مكنهم الله فِي بِلَاده طَاعَة الْعلمَاء والانقياد لأمرهم وجعلهم حجَّة على خلقه بأسرهم فهم النُّور الَّذِي يستضيئون بِهِ فِي برهم وبحرهم وهم خلفاء الله وخلفاء رسله فِي أرضه وهم أمناؤه فِي تَبْيِين شَرعه وفرضه وهم حجَّته على عباده اكْتفى بهم عَن بعث نَبِي وإرسال نَذِير كَمَا قيل (حجج الْإِلَه على الورى علماؤهم ... فِي كل عصر بعد كل رَسُول) قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي الرَّاوِي عَن عَليّ ﵄ لَيْسَ شَيْء أعز من الْعلم الْمُلُوك حكام على النَّاس وَالْعُلَمَاء حكام على الْمُلُوك ذكره الثعالبي فِي تَفْسِيره سُورَة النِّسَاء وَذكره صَاحب كتاب زهرَة الْعُيُون وَغَيرهمَا فَمَا زَالَ الْعلمَاء حكاما على السلاطين والسلاطين سَيْفا ونصرة للدّين وَمَا برح الْمُلُوك بالعلماء يقتدون

стр. 5

وبقولهم يَهْتَدُونَ لَا يضع الْمُلُوك سَيْفا وَلَا يغمدونه إِلَّا بِمَا قَالَه علماؤهم لَا يعتدونه قد عرفُوا للْعُلَمَاء حُقُوقهم وسلكوا بأفعالهم طريقم وأذلوا من رام عقوقهم ونصروا الشَّرِيعَة بِالسَّيْفِ وردوا إِلَيْهَا من أظهر الحيف وَلم يَقُولُوا لم هَذَا وَلَا كَيفَ بل مهدوا الأَرْض للْعُلَمَاء تمهيدا وتبعوا أحكامهم وقلدوهم تقليدا ونصروا الشَّرْع وَالْعُلَمَاء نصرا حميدا علمُوا أَن الْعلمَاء هم الوسائط بن الله وَبَين خلقه وَأَنَّهُمْ العارفون بِمَا يجب من رِعَايَة حَقه فقدروهم قدرهم وشدوا بهم أزرهم وَجعلُوا من طَاعَة الله نَصرهم وتواضعوا للْعلم وَالْعُلَمَاء وَلم يتكبروا وانقادوا تَحت أَمر عُلَمَائهمْ وَلم يتجبروا رُوِيَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد لما قدم الْمَدِينَة حَاجا وَجه الْبَرْمَكِي إِلَى الإِمَام مَالك بن أنس الْفَقِيه ﵄ وَقَالَ لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ احْمِلْ إِلَيْهِ الْكتاب الَّذِي صنفته يَعْنِي الْمُوَطَّأ ليسمعه عَلَيْك فَقَالَ لَهُ مَالك أقرئه السَّلَام وَقل لَهُ إِن الْعلم يزار وَلَا يزور وَيُؤْتى وَلَا يَأْتِي

стр. 6

فَرجع الْبَرْمَكِي إِلَى هَارُون فَأخْبرهُ ثمَّ قَالَ لَهُ الْبَرْمَكِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يبلغ أهل الْعرَاق أَنَّك وجهت إِلَى مَالك بِأَمْر فخالفك اعزم عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيك فَبينا هم كَذَلِك إِذْ بِمَالك ﵀ قد دخل وَلَيْسَ مَعَه الْكتاب جَاءَ مُسلما على الْخَلِيفَة فَسلم وَجلسَ فَقَالَ لَهُ هَارُون يبلغ أهل الْعرَاق أَنِّي سَأَلتك أمرا من الْأُمُور سهلا فأبيت عَليّ فَقَالَ مَالك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله قد جعلك فِي هَذَا الْموضع لعلمك فَلَا تكن أول من يضع الْعلم فيضعك الله وَلَقَد رَأَيْت من لَيْسَ هُوَ فِي حَسبك ونسبك يعز هَذَا الْعلم ويجله فَأَنت أَحْرَى أَن تجله وَلم يزل يعدد عَلَيْهِ من ذَلِك أَشْيَاء حَتَّى بَكَى هَارُون ثمَّ قَالَ مَالك أَخْبرنِي الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة قَالَ قَالَ زيد بن ثَابت كنت أكتب بَين يَدي رَسُول الله ﷺ الْوَحْي فِي كتف ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله﴾ وَابْن أم مَكْتُوم عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا رجل ضَرِير الْبَصَر فَهَل لي

стр. 7

من رخصَة يَعْنِي فِي ترك الْجِهَاد فَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا أَدْرِي قَالَ زيد وقلمي رطب مَا جف حَتَّى غشي النَّبِي ﷺ الْوَحْي فَوَقَعت فَخذه على فَخذي فَكَادَتْ تندق من شدَّة الْوَحْي ثمَّ سري عَنهُ ﷺ فَقَالَ اكْتُبْ يَا زيد ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ قَالَ فحرف وَاحِد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بعث فِيهِ جِبْرِيل ﵇ وَالْمَلَائِكَة من مسيرَة خمسين ألف عَام حَتَّى نزل على النَّبِي ﷺ أَفلا يَنْبَغِي لي أَن أعزه وأجله قَالَ بلَى ثمَّ إِن هَارُون أَتَى إِلَى منزل مَالك ليسمع مِنْهُ الْكتاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَلما رَحل الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ إِلَى الْعرَاق أَتَاهُ رَسُول مُحَمَّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف يطلبانه الْقدوم عَلَيْهِمَا ليسألاه عَن الشَّيْء من الْعلم فَقَالَ لرسولهما قل لَهما إِن من حكم الْعلم أَن يُؤْتى وَلَا يَأْتِي فَإِن كَانَ لَهما حَاجَة فليأتياني فَرد عَلَيْهِمَا الْجَواب فَأتيَاهُ لذَلِك وَقد قيل بَقَاء الدُّنْيَا بسيوف الْأُمَرَاء ولسان الْعلمَاء فَعَلَيْك بطاعتهما إِلَّا فِي مَعْصِيّة الله سُبْحَانَهُ

стр. 8

وروى أَبُو نعيم فِي كتاب حلية الْأَوْلِيَاء أَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد أرسل إِلَى أبي حَازِم ﵀ أَن ائتنا حَتَّى نَسْأَلك وتحدثنا فَقَالَ أَبُو حَازِم معَاذ الله أدْركْت أهل الْعلم لَا يحملون الدّين إِلَى أهل الدُّنْيَا فَلَنْ أكون أول من فعل ذَلِك فَإِن كَانَ لَك حَاجَة فأبلغنا فتصدى لَهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن وَقَالَ ازددت بهَا علينا كَرَامَة وروينا فِي كتاب تَقْيِيد المهمل لِلْحَافِظِ الجباني ﵀ بِإِسْنَادِهِ أَن الْأَمِير خَالِد بن أَحْمد الذهلي وَالِي بُخَارى بعث إِلَى الإِمَام البُخَارِيّ ﵀ أَن احْمِلْ إِلَيّ كتاب الْجَامِع والتاريخ وَغَيرهمَا لأسْمع فَقَالَ البُخَارِيّ لرَسُوله أَنا لَا أذلّ الْعلم وَلَا أحملهُ إِلَى أَبْوَاب النَّاس فَإِن كَانَ لَك إِلَى شَيْء مِنْهُ حَاجَة فاحضرونى فِي مجلسي فِي دَاري فَإِن لم يُعْجِبك هَذَا فَأَنت سُلْطَان فامنعني من الْمجْلس ليَكُون عذرا لي عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة وَمن أَمْثَال الْعَرَب الْمَشْهُورَة المتداولة بَينهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام قَوْلهم فِي بَيته يُؤْتى الحكم حَتَّى إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ بَينه وَبَين أبي ﵁ خُصُومَة فِي مَوَارِيث فَأتيَا

стр. 9

زيد بن ثَابت ﵁ فِي منزله ليحكم بَينهمَا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَمرتنِي لجئتك قَالَ عمر فِي بَيته يُؤْتى الحكم وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من الشَّرِيعَة أَن يجل أهل الشَّرِيعَة ويحكى أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور خرج حَاجا إِلَى بَيت الله الْحَرَام فَلَمَّا قرب من الْمَدِينَة تَلقاهُ وُجُوه أَهلهَا من قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَغَيرهم وَكَانَ فِيمَن تَلقاهُ عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ فِي رجال من قُرَيْش ووجوه بني هَاشم مشَاة ولقيه مُحَمَّد بن عمرَان رَاكِبًا وَكَانَ قاضيه على الْمَدِينَة وَكَانَ رجلا بدينا فغاظ أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور تلقيه لَهُ رَاكِبًا وَبلغ مِنْهُ كل مبلغ وَقَالَ لوزيره الرّبيع يتلقاني سراة قُرَيْش وَالْأَنْصَار ورؤوس الْعَرَب مشَاة ويتلقاني عبد الله بن الْحسن رَاجِلا فِي بني هَاشم ويتلقاني ابْن عمرَان رَاكِبًا وَالله لأعاقبنه ولأنكلن بِهِ أَو يخرج مِمَّا فعل قَالَ فَلَمَّا اسْتَقر قراره وَجه إِلَيْهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَمثل

стр. 10

بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ يَا ابْن عمرَان بَلغنِي أَن فِيك ثَلَاث خِصَال لتخْرجن مِنْهَا أَو لأجعلنك نكالا قَالَ وَمَا هن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ بَلغنِي أَنَّك لَا تصلي فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَأَنَّك لَا تخالط أَشْرَاف النَّاس وَلَا سوقتهم تيها وكبرا وَأَنَّك بخيل بِذَات يدك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما تركي للصَّلَاة فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَإِنِّي مَا تركت ذَلِك رَغْبَة عَنهُ وَلَا جهلا بفضيلته وَلَكِنِّي رجل بدين لَا ألحق الإِمَام فِي رُكُوعه وَسُجُوده وَلَا قِيَامه وقعوده فلزمت الصَّلَاة فِي منزلي لأؤدي فَرضِي كَمَا وَجب عَليّ وَأتم ركوعي وسجودي وَلَوْلَا ذَلِك مَا تلقيت أَمِير الْمُؤمنِينَ رَاكِبًا وَأما مَا ذكره أَمِير الْمُؤمنِينَ من تركي مُخَالطَة أَشْرَاف النَّاس وسوقتهم تيها وكبرا فَإِنَّمَا تركت ذَلِك خوفًا أَن أخالط أَشْرَاف النَّاس فيجترئوا على ضعافئهم أَو أخالط ضعفاءهم فيجترئوا على أَشْرَافهم وَأَنا عَامل من عُمَّال أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يسعني فِيمَا استرعاني فِيهِ إِلَّا الْعدْل فِيمَا بَينهم فَتركت هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء لذَلِك

стр. 11

وَأما قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي بخيل بِذَات يَدي فَإِنِّي مَا أَحْمد فِي حق وَلَا أَذمّ فِي بَاطِل وَإِنَّمَا هُوَ رزق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أملك غَيره فَإِن تفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِزِيَادَة سمحت وَبسطت يَدي وَلَكِن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن رَأَيْت أَن تنظر فِي أَمر بني مَخْزُوم فَإِنَّهُم ذكرُوا أَن عينا وَنَخْلًا لَهُم فِي يدك وَقد أَكْثرُوا فِي ذَلِك وَذكروا أَنَّهَا لَهُم وَأَن مَعَهم بذلك بَيِّنَة عادلة تشهد لَهُم فَقَالَ الْمَنْصُور يَا ابْن عمرَان تِلْكَ الْعين وَالنَّخْل كَانَت للْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اثْبتْ على حجتك وتقيم وَكيلا وَتشهد لَهُ شَاهِدين مِمَّن حضر مجلسك فيتكلم بحجتك وَمَا قضي لَهُ أَو عَلَيْهِ كَانَ لَك أَو عَلَيْك قَالَ أَبُو جَعْفَر قد أَقمت وَكيلا وأشهدت لَهُ فلَانا وَفُلَانًا فَقَالَ ابْن عمرَان للشاهدين اشهدا على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا وَجب لَهُ أَو عَلَيْهِ فلأمير الْمُؤمنِينَ أَو عَلَيْهِ قَالَا نعم قَالَ ابْن عمرَان فَإِنِّي أشهدكما وَمن حضر أَنِّي قد حكمت بِالْعينِ وَالنَّخْل الَّتِي فِي يَده لبني مَخْزُوم بِمَا صَحَّ عِنْدِي لَهُم قَالَ فَرَأَيْت أَبَا جَعْفَر وَقد نزل بِهِ من الغيظ مَا

стр. 12

لم يملك نَفسه مَعَه ثمَّ قَامَ فَدخل وَقَامَ ابْن عمرَان إِلَى مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس يحكم بن النَّاس قَالَ فَجَاءَهُ قوم من الجمالين فَقَالُوا أصلح الله القَاضِي إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور اكترى منا جمالنا على أَن لانقيم فِي الْمَدِينَة إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام وَهَذَا الْيَوْم الثَّالِث فإمَّا رَحل بِنَا ووفى لنا وَإِلَّا علف لنا جمالنا فَقَالَ لكَاتبه قُم مَعَهم إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فإمَّا أنصفهم وَإِمَّا حضر مَعَهم مجْلِس الحكم وَأَعْطَاهُ خَاتمًا بإحضاره فَقَامَ الْكَاتِب مَعَ الجمالين إِلَى بَاب الْملك فَوَافى الرّبيع فَقَالَ لَهُ أصلحك الله أَنا رَسُول القَاضِي ابْن عمرَان مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكَذَا وَكَذَا وَلَا أَحسب القَاضِي إِلَّا قد خولط فِي عقله وَمَعِي خَاتمه وَدفعه إِلَى الرّبيع فَدخل الرّبيع مغضبا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك بسطت لِابْنِ عمرَان حَتَّى تناولك بِمثل هَذَا قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِنَّه وَجه كَاتبه مَعَ الجمالين وَمَعَهُ خَاتمه بجلبك إِلَى مَجْلِسه مَعَ خصمائك قَالَ الرّبيع فَنَظَرت إِلَى وَجه الْمَنْصُور وَهُوَ يَتلون يحمر ويصفر ثمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ

стр. 13

يَا مسرور ائْتِنِي بجبة أسماط بَيْضَاء أضعها فَوق ثِيَابِي وقلنسوة طَوِيلَة وعكاز أتوكأ عَلَيْهِ ونعلين عربيتين وناد فِي النَّاس بَرِئت الذِّمَّة من رجل قَامَ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الْيَوْم إِذا رَآهُ فَلَيْسَ ذَلِك ثمَّ خرج من دَار الْإِمَارَة حَتَّى دخل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَأتى سَارِيَة عَليّ ﵁ فصلى عِنْدهَا رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ ابْن عمرَان جَالِسا ينظر فِي أُمُور النَّاس لَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالا وَلَا يحول وَجهه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا يَدْعُو بِهِ فَلَمَّا فرغ الْمَنْصُور من ركعتيه قَالَ للربيع لَئِن زادني ابْن عمرَان على حَقي شَيْئا لأجعلنه نكالا فِي هَذَا الْيَوْم قَالَ الرّبيع فَقلت فِي نَفسِي لأَنْت أَهْون عَلَيْهِ من ذَلِك فَلَمَّا خف مَجْلِسه دَعَا بالجمالين ثمَّ نَادَى مناديه أَيْن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ فَلم يقم الْمَنْصُور ثمَّ قَالَ الْمُنَادِي أَيْن عبد الله بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي فَقَامَ الْمَنْصُور قَائِما فَدخل فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ ابْن عمرَان تكلمُوا فَقَالُوا أصلح الله القَاضِي هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 14

اكترا منا جمالنا إِلَى مَكَّة على أَن لَا نُقِيم بِالْمَدِينَةِ إِلَّا ثَلَاثًا وَهَذَا الْيَوْم الثَّالِث فإمَّا وفى لنا بشرطنا وَإِمَّا علف لنا جمالنا فَقَالَ القَاضِي لأبي جَعْفَر مَا تَقول أَنْت قَالَ مَا هَكَذَا شارطناهم فَقَالَ للجمالين قد سَمِعْتُمْ مقَالَته فَهَل عنْدكُمْ بَيِّنَة تشهد عَلَيْهِ قَالُوا لنا وَلَكِن يحلف قَالَ لأبي جَعْفَر قد سَمِعت مَا قَالُوا قَالَ لَهُ لَا أَحْلف لَهُم وَلَكِن أعلف لَهُم جمَالهمْ مَا أَقَامُوا بِالْمَدِينَةِ ثمَّ نَهَضَ الْمَنْصُور فَلَمَّا فرغ ابْن عمرَان من نظره بَين النَّاس قَامَ من مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَدخل إِلَى منزله فَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ اغْتسل وتطيب وَركب إِلَى الْخَلِيفَة فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فَدخل وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة ووقف بَين يَدَيْهِ يبكي فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مَالك يَا ابْن عمرَان قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك قد قلدتني الحكم وجعلتني حجَّة بَين الله وَبَيْنك فَلم يسعني فِي الحكم عَلَيْك وعَلى رعيتك إِلَّا الْعدْل والإنصاف قَالَ لَهُ الْمَنْصُور وَالله يَا ابْن عمرَان مَا أردْت بذلك إِلَّا الله وَمَالك عِنْدِي إِلَّا الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ فجزاك الله

стр. 15

خيرا ... وَإِنِّي لأعْلم أَنَّك صَادِق أَمِين ارْجع إِلَى حكمك بَين النَّاس فقد أمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِينَار فاصرفها فِي حوائجك وزد فِي بسط يدك واحكم بَين النَّاس بِالسَّوِيَّةِ وَلَا تأخذك فِي الله لومة لائم فَأَخذهَا ابْن عمرَان وَانْصَرف فَهَكَذَا كَانُوا فِي اتِّبَاع شَرِيعَة رَسُول الله ﷺ وَفِي التَّوَاضُع لَهَا واحترامها واحترام أَهلهَا

стр. 16

فصل ثمَّ ظهر بعد ذَلِك مُلُوك جهلة ووزراء خونة وأجناد فسقة فظلموا وهضموا بأعذار وضعوها ورسومات ابتدعوها وتمويهات صنعوها وَمَا نقل عَن أحد مِمَّن ظلم وهضم من مُلُوك الْعَرَب والعجم مِمَّن وحد الله وَأسلم أَنه عكس قانون الشَّرِيعَة وَلَا رام خذلانها فِي الدُّنْيَا الوسيعة وَلَا غير قانونها الرفيع وَلَا رمى أَهلهَا بالثلب والتبديع بل أَقَامُوا الدّين على رؤوسهم وآثروا نصر الشَّرِيعَة على نُفُوسهم وبذلوا الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال لنصره وقدروا شرع الله سُبْحَانَهُ حق قدره وأوصوا بتوقيره أخدامهم وأجروا بذلك فِي كتبهمْ أقلامهم فَكَانُوا إِذا ولوا أَمِيرا على نَاحيَة أَو بَلْدَة قاصية فَمن أول مَا يعهدون إِلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِ الْقيام بإعزاز الشَّرِيعَة والحكام اللَّذين بهما قوام الْإِسْلَام

стр. 17

وَمن أَمْثِلَة مَا يكتبونه لَهُ مَا حَكَاهُ الْوَزير ضِيَاء الدّين نصر الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْأَثِير ﵀ فِي كتاب الْمثل السائر عَن الْخَلِيفَة الطائع لله إِذْ قَالَ فِيمَا كتبه لبَعض من ولاه وَأمره أَن يُوصي عماله بالشد على أَيدي الْحُكَّام وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام وَأَن يحضروا مجْلِس الْقُضَاة حُضُور الموقرين لَهَا الذابين عَنْهَا المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطَّاعَة فِيهَا وَمن خرج عَن ذَلِك من ذِي عقل ضَعِيف وَحكم سخيف نالوه بِمَا يردعه وَأَحلُّوا بِهِ مَا يزعجه اه وَمَتى تقاعس متقاعس عَن حُضُوره مَعَ خصم يستدعيه بِأَمْر يُوجِبهُ الله فِيهِ أَو التوى ملتو بِحَق مقضي عَلَيْهِ وَدين مُسْتَقر لَدَيْهِ قادوه إِلَى الشَّرِيعَة بأزمة الصغار وجرائم الإضطرار وَأَن يحبسوا ويطلقوا بأقوال الْحُكَّام وقضاياهم ويثبتوا الْأَيْدِي فِي الْأَمْلَاك وينزعوها بحكمهم وفتواهم فَإِنَّهُم أُمَنَاء الله فِي فصل مَا يقضون وَبث مَا يبتون وَعَن كتاب الله وَسنة نبيه يوردون وَيَصْدُرُونَ فِي كَلَام كثير يدل على التبجيل والتوقير وَمن تَقْلِيد آخر يَقُول فِيهِ الْملك للمشد الْقَائِم على

стр. 18

النّظر فِي الْمَظَالِم وَأمره بِإِقَامَة الْحق ونصرته وإبانته وأزرته وَأَن لَا يرد لحَاكم حُكُومَة وَلَا يغل لَهُ قَضِيَّة وَلَا يتعقب مَا ينفذهُ الْحَاكِم ويمضيه وَلَا يتتبع مَا يحكم بِهِ ويقضيه فِي كَلَام طَوِيل جزل يَأْمر بتعظيم الشَّرْع ويحث على الْعدْل وَمن تَقْلِيد آخر يَقُول فِيهِ بعض الْخُلَفَاء قد جِيءَ بِنَا فِي زمن أصبح النَّاس فِيهِ سدى وَعَاد الْإِسْلَام فِيهِ غَرِيبا كَمَا بدا وَهُوَ الزَّمن الَّذِي كثرت فِيهِ أَشْرَاط الْيَوْم الْأَخير وغربلت فِيهِ الْأمة حَتَّى لم يبْق إِلَّا حثالة كحثالة التَّمْر وَالشعِير وَمن أهم مَا نقرر بناءه ونقدم عناءه ونصلح بِهِ الدّين وأبناءه أَن نمضي أَحْكَام الشَّرِيعَة المطهرة على مَا قَرّرته فِي تَعْرِيف مَا عَرفته وتنكير مَا نكرته وَلم يَأْتِ بِنَا الله وَلَا ولانا الله إِلَّا لنعيد الدّين قَائِما على أُصُوله صادعا بِحكم الله فِيهِ وَحكم رَسُوله فِي كَلَام طَوِيل يدل على التبجيل والتجليل للشريعة وَالدّين الْحسن الْجَمِيل وَذكر الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ ﵀ عَن بعض البلغاء أَنه قَالَ الْعلم عصمَة الْمُلُوك لِأَنَّهُ يمنعهُم من الظُّلم ويردهم إِلَى الْحِكْمَة ويصدهم عَن الأذية ويعطفهم على

стр. 19

الرّعية فَمن حَقهم أَن يعرفوا فَضله ويستبطنوا أَهله أَي يجعلوهم بطانتهم وخواصهم وَقد رُوِيَ أَن زيادا قَامَ فِي وَقت إمارته خَطِيبًا على مِنْبَر الْكُوفَة فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي قد رَأَيْت خلالا أقدم إِلَيْكُم فِيهِنَّ النَّصِيحَة رَأَيْت إعظام الشريف وإجلال ذَوي الْعلم وتوقير ذَوي الْأَسْنَان وَإِنِّي أعَاهد الله تَعَالَى أَنِّي لَا أُوتى بِرَجُل رد على ذِي شرف ليرد بِهِ شرفه وَيَضَع مِنْهُ إِلَّا عاقبته وَلَا أُوتى بجاهل رد على ذِي علم ولاحاه ليهجنه وَيَضَع بذلك من علمه إِلَّا عاقبته وَلَا أُوتى بشاب رد على ذِي شيبَة لم يعرف لَهُ سنه إِلَّا عاقبته إِنَّمَا النَّاس بأعلامهم وعلمائهم وَذَوي أسنانهم انْتهى كَلَامه ﵀ فِي هَذِه الْخطْبَة الشَّرِيفَة فَلم يزل الْمُلُوك والأمراء والأعوان لَهُم والوزراء صادعين بِإِقَامَة الشَّرِيعَة ذابين عَن معالمها الرفيعة قد جعلُوا من استخف بهَا مُرْتَدا عَن الْإِسْلَام وَالدّين وأجروا عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُرْتَدين من قَتله وسلبه وَدَفنه بِغَيْر مَقَابِر الْمُسلمين بِهَذَا جرت الْوُلَاة على إعزاز الشَّرَائِع

стр. 20

تترى مقيمين لدين الله سرا وجهرا من زمن النُّبُوَّة وهلم جرا هَذَا الْملك الْمُجَاهِد ﵀ الَّذِي عرف مِنْهُ ضرب الرّقاب والإيعاد والإيجاف والإرهاب يَقُول فِي جَوَابه لبَعض فُقَهَاء وصاب حِين شكا إِلَيْهِ من رجل سَفِيه جسر على فَقِيه بالذم والتنويه فَكتب الْملك إِلَى الْأَمِير أجر حكم الله فِيهِ فالمستهزىء بِالْعلمِ وَالْعُلَمَاء مُلْحق بِمن اسْتَهْزَأَ بِالْآيَاتِ والأنبياء والمستهزىء بذلك كَافِر بِنَصّ الْقُرْآن الْكَرِيم قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ فَجعل المستهزىء بالعالم كَافِرًا وَلم يكن لَهُ عاذرا وَوَقع هَذَا الْملك أَيْضا على قَضِيَّة أُخْرَى شكي إِلَيْهِ فِيهَا عدم قيام الْوَالِي بنصر الشَّرْع الشريف وَالدّين الْمُؤَيد الحنيف مَا صورته قد أمرنَا بمنشور يقْرَأ على المنابر باحترام الشَّرِيعَة المطهرة واحترام أَرْبَابهَا حَيْثُ كَانُوا علما منا بِأَن من نصرها نَصره الله وَمن أذلها خذله الله

стр. 21

قَالَ أقضى الْقُضَاة ابْن الْجُنَيْد ﵀ وَقد رَأينَا هَذَا عيَانًا قَرِيبا فِي عصرنا يَعْنِي أَن من أَقَامَهَا فَهُوَ مَنْصُور وَمن أهانها فَهُوَ مخذول وَيشْهد لذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تنصرُوا الله ينصركم﴾ أَرَادَ بنصر الله نصر دينه وشريعته ورد النَّاس بِالسَّيْفِ إِلَى طَاعَته وَكتب هَذَا الْملك أَيْضا خطْبَة بِيَدِهِ توقيعا على قَضِيَّة وَردت من بعض الْقُضَاة إِلَيْهِ مَا مِثَاله نَحن خدام الشَّرِيعَة وأعوانها نَحن سيف الشَّرِيعَة وسنانها أجر الشَّرْع الشريف مجْرَاه وَلَو على أحد أَوْلَادنَا وَلَا تحتشم اه هَذَا لَفظه مَنْقُول من خطه فَذكر الْملك الْمَذْكُور هَذَا الْكَلَام الَّذِي هُوَ أشرف من در النظام وَهُوَ متشرف بقوله هَذَا بَين الْأَنَام وَيَا لَهُ من شرف مَا أسناه وَبَين الْمُلُوك مَا أَعْلَاهُ وَمَا أحْسنه وأولاه وَمَا أشرفه من مقَال وَمَا أكْرمه من فعال فَإِن جَمِيع الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ والأتقياء والعارفين وَالْفُقَهَاء والمحدثين وَالْأَئِمَّة المتصدرين والجبابرة المتكبرين والملوك الظلمَة والولاة الغشمة يتشرفون بالإمتداح بِخِدْمَة

стр. 22

الشَّرِيعَة شرفها الله لِأَن خَادِمهَا مُطِيع لله نَاصِر لدين الله مُقيم لسنة رَسُول الله ﷺ وَشرف وكرم وناهيك بهَا فَضِيلَة ورتبة جليلة يفاخر عَلَيْهَا ويدعى إِلَيْهَا ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ و ﴿لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ﴾

стр. 23

فصل وَقد نجم فِي هَذَا الْوَقْت ناجم وهجم على الْعلمَاء هاجم باللوم والعقوق وإهمال الشَّرَائِع والحقوق ورام عكس الْأُمُور الشَّرْعِيَّة بإثارة الْمَظَالِم البدعية (فَلَا الْحق مسلوك وَلَا الشَّرْع قَائِم ... ) لم يعرف للشَّرْع الشريف حَقه بل أهمله وجفاه وعقه فَلم ينصر حَاكما وَلَا منع مُتَعَدِّيا ظَالِما قد أتعبه حسده وجهله حَتَّى عزب عَنهُ رشده وعقله فَجعل يتبع الْعلمَاء بذمه ويغتابهم بمقته ولومه ويضحك النَّاس مِنْهُم ويعجب ويبحث عَن زلاتهم ويثرب وَلَيْسَ بضارهم شَيْئا إِن شَاءَ الله فَإِن قد أعز الْعلم وَالْعُلَمَاء وشرفهم فِي الأَرْض وَالسَّمَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ (مثل الْعلمَاء فِي النَّاس كَالنُّجُومِ

стр. 24

يَهْتَدُونَ بهَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَذكره فِي كتاب زهرَة الْعُيُون وَغَيره وَقَالَ ﷺ (مَا انتعل عبد قطّ وَلَا تخفف وَلَا لبس ثوبا ليغدو فِي طلب الْعلم إِلَّا غفر لَهُ حِين يخطو عتبَة دَاره) ورويناه فِي كتاب الْأَرْبَعين المحررة فِي أَحَادِيث الْمَغْفِرَة وَقَالَ ﷺ (مَا من متعلم يخْتَلف إِلَى بَاب الْمعلم إِلَّا كتب الله لَهُ بِكُل قدم عبَادَة سنة وَبنى لَهُ بِكُل قدم مَدِينَة فِي الْجنَّة وَيَمْشي على الأَرْض تستغفر لَهُ ويمسي وَيُصْبِح مغفورا لَهُ وَشهِدت لَهُ الْمَلَائِكَة يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ عُتَقَاء الله من النَّار) رَوَاهُ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀ فِي تنبيهه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ ﷺ (إِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رضى لطَالب الْعلم وَإِن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض) رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَقَالَ ﷺ (لَيْسَ منا من لم يجل كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا حَقه) رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ

стр. 25

فَالْعُلَمَاء هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وهم قدوة الأتقياء بل هم صفوة الْأَوْلِيَاء اه روى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ الْمَشْهُورَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَإِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه فقد أَخذ بحظ وافر) وَذكر الإِمَام النَّوَوِيّ فِي كتاب التِّبْيَان وَغَيره عَن الْإِمَامَيْنِ الجليلين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى أَنَّهُمَا قَالَا إِن لم يكن الْعلمَاء أَوْلِيَاء لله فَلَيْسَ لله ولي وروى الإِمَام الْحَافِظ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْخَلِيل بن أَحْمد ﵀ أَنه قَالَ إِن لم يكن أهل الْقُرْآن والْحَدِيث أَوْلِيَاء الله فَلَيْسَ لله فِي الأَرْض ولي وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن أبي عمرَان الصُّوفِي ﵀ أَنه قَالَ رأى أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ أَصْحَاب الحَدِيث وَقد خَرجُوا من عِنْد مُحدث والمحابر بِأَيْدِيهِم فَقَالَ أَحْمد إِن لم يكن هَؤُلَاءِ النَّاس فَلَا أَدْرِي من النَّاس

стр. 26

وَالْعُلَمَاء أَيْضا هم خلفاء رَسُول الله ﷺ روى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَأَبُو نعيم الْحَافِظ وَالْقَاضِي الْحسن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي بأسانيدهم عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (اللَّهُمَّ ارْحَمْ خلفائي) قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله وَمن خلفاؤك قَالَ (الَّذين يأْتونَ من بعدِي يروون أحاديثي وسنتي ويعلمونها النَّاس) وَأنْشد الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن النُّعْمَان ﵀ شعرًا فِي الْمَعْنى يَقُول فِيهِ (هم خلفاء للنَّبِي كَمَا أَتَى ... عَليّ رَوَاهُ ثمَّ عَنهُ روينَاهُ) فالعالم خَليفَة رَسُول الله ﷺ فِي أمته وَهُوَ وَاسِطَة بَين الله تَعَالَى وَبَين بريته يحرم ويبيح ويميز الْفَاسِد من الصَّحِيح وَهُوَ كَمَا ذكر موقع عَن الله ومعبر عَن رَسُول الله ﷺ وَهَذِه هِيَ الْمرتبَة الْعليا وَهَذَا هُوَ الشّرف الْأَقْصَى

стр. 27

رُوِيَ أَن مُعَاوِيَة نزل بِالْأَبْطح حَاجا فِي خِلَافَته مَعَه زَوجته فاخته بنت قرظة وَالنَّاس يصدرون وَإِذا بِرَجُل قد حف بِهِ لفيف من النَّاس يسألونه عَن أَشْيَاء أشكلت عَلَيْهِم من أَمر دينهم وَذَلِكَ الرجل يفتيهم فَالْتَفت مُعَاوِيَة إِلَى بنت قرظة وَقَالَ هَذَا وَأَبِيك الشّرف هَذَا وَالله شرف الدُّنْيَا وَشرف الْآخِرَة وَلَقَد صدق مُعَاوِيَة فِي قَوْله فَإِن الْعَالم قَائِم فِي الْأمة مقَام الْأَنْبِيَاء وَهُوَ سراج الْأمة وضياؤها بِلَا مراء يبين لَهُم الْأَحْكَام وَيفرق لَهُم الْحَلَال من الْحَرَام ويخرجهم بفتواه من الآثام ويوضح لَهُم شرائع الْإِسْلَام قَالَ الإِمَام أَبُو عَمْرو بن الصّلاح رَحمَه لله فِيمَا يرويهِ عَن سهل بن عبد الله التسترِي ﵀ وَكَانَ أحد الصَّالِحين المعروفين بالمعارف والكرامات أَنه قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى مجَالِس الْأَنْبِيَاء ﵈ فَلْينْظر إِلَى مجَالِس الْعلمَاء يَجِيء الرجل فَيَقُول يَا فلَان أيش تَقول فِي رجل حلف على امْرَأَته بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُول طلقت امْرَأَته وَهَذَا مقَام الْأَنْبِيَاء فاعرفوا لَهُم ذَلِك هَذَا آخر كَلَامه رَحمَه الله

стр. 28

فيا لَهُ من شرف مَا أَعْلَاهُ وَمن عز ومنصب مَا أسماه وَمَا أخطره على من لم يتحر فِي فتواه وَلم يراقب فِي علمه وَعَمله مَوْلَاهُ قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀ فِي كتاب أدب التَّعْلِيم وَيَنْبَغِي أَن يَنْوِي المتعلم بِطَلَب الْعلم رضى الله تَعَالَى وَالدَّار الْآخِرَة وَإِزَالَة الْجَهْل عَن نَفسه وَعَن سَائِر الْجُهَّال وإحياء الدّين وإبقاء الْإِسْلَام فَإِن بَقَاء الْإِسْلَام بِالْعلمِ وَلَا يَصح الزّهْد وَالتَّقوى مَعَ الْجَهْل وَقَالَ فِي تنبيهه الْعلمَاء سرج الأَرْض وكل عَالم مِصْبَاح زَمَانه يستضيء بِهِ أهل زَمَانه وعصره وَقيل الْعَالم كَالْعَيْنِ العذبة نَفعهَا دَائِم وَقيل الْعَالم كالغيث حَيْثُ وَقع نفع وَقيل هُوَ كالسراج من مر بِهِ اقتبس وَقيل مثل الْعَالم كَمثل الْحمة يَأْتِيهَا الْبعدَاء وَيَتْرُكهَا الأقرباء فَبينا هِيَ كَذَلِك إِذْ غَار مَاؤُهَا وَقد انْتفع بهَا قوم وَبَقِي قوم يتفكنون أَي يتندمون قَالَ أهل اللُّغَة الْحمة بِفَتْح الْحَاء عين مَاء حَار يستشفى بالاغتسال فِيهَا وَقَالَ الْحسن ﵀ مثل الْعلمَاء كَمثل النُّجُوم إِذا بَدَت اهتدوا بهَا وَمَوْت الْعَالم ثلمة فِي الْإِسْلَام لَا يسدها شَيْء مَا اخْتلف اللَّيْل وَالنَّهَار

стр. 29

وَقَالَ أَبُو جَعْفَر لمَوْت عَالم أحب إِلَى إِبْلِيس من موت سبعين عابدا ذكره عَنهُ فِي كتاب التَّرْغِيب والترهيب وَأنْشد للشَّافِعِيّ ﵁ (الأَرْض تحيى إِذا مَا عَاشَ عالمها ... مَتى يمت عَالم مِنْهَا يمت طرف) (كالأرض تحيى إِذا مَا الْغَيْث حل بهَا ... وَإِن نأى عَاد فِي أكنافها التّلف) وروى الثعالبي عَن عَطاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم يرَوا أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾ قَالَ موت علمائها وفقهائها وَعَن سعيد بن جُبَير ﵁ عَلامَة هَلَاك النَّاس هَلَاك عُلَمَائهمْ فَإِن بهم صَلَاح الدّين وقمع الْمُعْتَدِينَ وَمَعْرِفَة رب الْعَالمين

стр. 30

فصل وَقد بَين رَسُول الله ﷺ أَن الْعلمَاء ثِقَات عدُول وأوضح بقوله ﵇ (يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين) // وَهَذَا حَدِيث حسن مَشْهُور // وَهُوَ فِي كتب الْأَئِمَّة مُسْند مَذْكُور فَأخْبر ﷺ أَن حَملَة الْعلم فِي كل أَوَان هم عدُول أهل ذَلِك الْقرن وَالزَّمَان وَلَا شرف أشرف من تَعْدِيل رَسُول الله ﷺ وَشرف وكرم ومجد وَعظم قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ ﵀ فِي أول كتاب التَّهْذِيب وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ ﷺ بصيانة الْعلم وعدالة ناقليه وَأَن الله تَعَالَى يوفق فِي كل عصر خلفاء

стр. 31

من الْعُدُول يحملونه وَهَذَا تَصْرِيح بعدالة حامليه هَذَا كَلَامه ﵀ عقب ذكره هَذَا الحَدِيث وَمَا عَسى أَن يَقُول ذَوُو الْحَسَد والفضول بعد تَعْدِيل الرَّسُول لحملة الشَّرْع الْمَنْقُول وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْأَنْبِيَاء قادة وَالْفُقَهَاء سادة ومجالستهم زِيَادَة) ذكره الْقُضَاعِي فِي شهابه والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه وَمن عدله رَسُول الله ﷺ فَمَا أَن يُبَالِي بذم النَّاس وَلَا بِمَا جرى عَلَيْهِ من باس وَلَا يسؤوه لومة لائم وَلَا يشينه شتم شاتم وَلَا يضرّهُ هضم هاضم إِن شَاءَ الله وَله الْحَمد على مَا أنعم من قبل وَمن بعد وَأنْشد الإِمَام أَبُو الْحسن التَّمِيمِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵏ (عَابَ التفقه قوم لَا عقول لَهُم ... وَمَا عَلَيْهِ إِذا عابوه من ضَرَر) (مَا ضرّ شمس الضُّحَى فِي الْأُفق طالعة ... أَن لَا يرى ضؤها من لَيْسَ ذَا بصر)

стр. 32

كَذَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي كتاب الطَّبَقَات لَهُ وَزَاد بَعضهم بَيْتا وَهُوَ (وَمَا يضر بِأَهْل الْعلم ماقتهم ... إِلَّا كضر نباح الْكَلْب بالقمر) فَالْعُلَمَاء هم الحافظون لكتاب الله القائمون بشرع رَسُول الله ﷺ وهم الموضحون لحكم الله وهم الناصرون لدين الله وهم الْمَأْمُور بِلُزُوم جَمَاعَتهمْ وَترك مفارقتهم ومنازعتهم قَالَ الإِمَام البُخَارِيّ ﵀ فِي كتاب الإعتصام من جَامعه أَمر رَسُول الله ﷺ بِلُزُوم الْجَمَاعَة وهم أهل الْعلم هَذَا لَفظه وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من فَارق الْجَمَاعَة شبْرًا فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه) وَنَحْوه فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا وَقَالَ ﷺ (من أَرَادَ بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ // حَدِيث حسن صَحِيح // وَرُوِيَ أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ (يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى (يَد الله على

стр. 33

الْجَمَاعَة وَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار) وَقد سبق أَن الْجَمَاعَة هم الْعلمَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَالْعُلَمَاء أَيْضا هم المسمون فِي كتاب الله أهل الْأَمر الْمَأْمُور بطاعتهم فِي السِّرّ والجهر قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أولُوا الْأَمر الْعلمَاء حَيْثُ كَانُوا وَكَذَا قَالَه جَابر وَمُجاهد وَعَطَاء وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَالْمبَارك بن فضَالة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد رَحِمهم الله تَعَالَى ذكره الثعالبي وَغَيره وَقَالَ الواحدي ﵀ أولُوا الْأَمر الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَقَالَ الثعالبي ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم﴾ إِنَّهُم حَملَة الْفِقْه وَالْحكمَة حَكَاهُ عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس ﵃ وَقد قيل فيهمَا غير ذَلِك لَكِن هَذَا هُوَ الْأَصَح

стр. 34

وَقَالَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ﵀ النَّاس عِنْد عُلَمَائهمْ كالصبيان فِي حجور أمهاتهم مَا أمروهم بِهِ ائْتَمرُوا وَمَا نهوهم عَنهُ انْتَهوا رَوَاهُ عَنهُ أَبُو نعيم فِي كتاب حلية الْأَوْلِيَاء وروى الثعالبي ﵀ بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اعْمَلُوا بِالْقُرْآنِ أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه وآمنوا بِهِ وَمَا اشْتبهَ عَلَيْكُم فَردُّوهُ إِلَى الله وَإِلَى أولي الْعلم من بعدِي كَيْمَا يُخْبِرُوكُمْ بِهِ وآمنوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلْيَسَعْكُمْ الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْبَيَان فَإِنَّهُ شَافِع مُشَفع وَمَا حل مُصدق وَإنَّهُ بِكُل حرف نور يَوْم الْقِيَامَة) فَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن المشتبه مَرْدُود إِلَى أهل الْعلم دون غَيرهم وَكفى بِهِ شرفا وتنبيها على فَضلهمْ وَالله الْمُوفق سُبْحَانَهُ والأكابر من الْعلمَاء هم ركن الدّين وأصاغرهم غرس الدّين وروى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ﵀ فِي كِتَابه عَن ابْن الْمُبَارك ﵀ أَنه كَانَ إِذا رأى صبيان أهل الحَدِيث فِي أَيْديهم المحابر يقربهُمْ وَيَقُول هَؤُلَاءِ غرس الدّين أخبرنَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ

стр. 35

(لَا يزَال الله سُبْحَانَهُ يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يشد بهم الدّين هم الْيَوْم أصاغر ويوشك أَن يَكُونُوا كبارًا من بعدكم) وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضا عَن عبد الْعَزِيز بن أبي راود ﵁ أَنه نظر إِلَى شَاب وَفِي يَده محبرة فَقَالَ هَذِه قناديل الْإِيمَان وأعلام الْمُتَّقِينَ يَعْنِي قَارُورَة الحبر قَالَ وَأنْشد بَعضهم فِي المحبرة (قناديل دين الله يسْعَى بحملها ... رجال بهم يحيى حَدِيث مُحَمَّد) (هم حملُوا الْآثَار عَن كل عَالم ... تَقِيّ صَدُوق فَاضل متعبد) (محابرهم زهر تضيء كَأَنَّهَا ... قناديل حبر ناسك وسط مَسْجِد) (تساق إِلَى من كَانَ فِي الْفِقْه عَالما ... وَمن صنف الْأَحْكَام من كل مُسْند) فَكل هَذِه نُصُوص متظاهرة تدل على شرفهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فسيحرق ماقتهم بنارهم فَإِنَّهُم خدم شَرعه وسنته وهم الموصلون لَهما إِلَى أمته وَقد قَالَ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر ﵀ فِي بعض رسالاته

стр. 36

مَا هَذِه صورته اعْلَم يَا أخي وفقنا الله وَإِيَّاك لمرضاته وَجَعَلنَا مِمَّن يخشاه ويتقيه حق تُقَاته أَن لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة وَعَادَة الله فِي هتك أَسْتَار منتقصهم مَعْلُومَة وَأَن من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب بلاه الله قبل مَوته بِمَوْت الْقلب ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ وَكَذَا حَكَاهُ عَنهُ الإِمَام النَّوَوِيّ رحمهمَا الله فِي كتاب التِّبْيَان وَأي مُصِيبَة أعظم من موت الْقلب الَّذِي هُوَ دَلِيل على غضب الرب سُبْحَانَهُ فَإِن الَّذِي مَاتَ قلبه لَا يخشع وَلَا فِيهِ المواعظ قطّ تنجع وَإِذا تليت عَلَيْهِ آيَات ربه أصر مستكبرا كَأَن لم يسمع فبشره بِعَذَاب أَلِيم وخطب عَظِيم جسيم حِين قسا قلبه وران عَلَيْهِ ذَنبه نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَأَن يوفقنا لطاعته أَجْمَعِينَ وَأَن يجعلنا من الخاشعين المتعظين وَأنْشد بَعضهم فِي معنى مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر ﵀ شعرًا يَقُول فِيهِ (وتجنب الْعلمَاء وَإِن هم خلطوا ... فالعلم يغْفر زلَّة الْعلمَاء)

стр. 37

(فلحومهم مَسْمُومَة وبأكلها ... يخْشَى هَلَاك الشّعْر وَالشعرَاء) قَالَ الإِمَام السهروردي ﵀ فِي أول كتاب عوارف المعارف والعالم وَإِن لم يعْمل بِعَمَلِهِ ترجى لَهُ التَّوْبَة فَإِن الْعلم فِي الْإِسْلَام لَا يضيع أَهله ويرجى عود الْعَالم ببركته هَذَا كَلَامه ﵀ فالعالم وَإِن لم يكن بِعِلْمِهِ عَاملا فَإِن لَهُ شرف الْعلم إِذْ صَار لَهُ حَامِلا وحامل الشَّيْء الشريف قد شرف بِمَا حمل وَمن أحب شَيْئا أحب حامله وَإِن لم يكن حامله حسن الْعَمَل وَقد شبه النَّبِي ﷺ من أُوتِيَ الْقُرْآن وَلم يقم بِهِ بجراب أوكي على مسك فِي حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ رحمهمَا الله فِي سُنَنهمَا وَهَذَا الْمثل من أشرف الْأَمْثَال الْمعرفَة لَك بأحوال الرِّجَال فكم بَين من حمل الْمسك الموكى وَبَين من حمل قذرا من النوكى وَفِي الحَدِيث (اتَّقوا زلَّة الْعَالم وَلَا تقطعوه وَانْتَظرُوا فيئته) ذكره السهروردي فِي عوارفه أَيْضا وَفِي حَدِيث رتن المعمر الْمَشْهُور عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 38

قَالَ تبرك بالعالم إِن عمل وَإِن لم يعْمل فتبرك بِهِ فللعالم حُرْمَة الْعلم الشريف وَإِن لم يعْمل ويرجى لَهُ ببركة الْعلم صَلَاحه فِي الْمُسْتَقْبل وَمن أحب عَالما لأجل الْعلم الَّذِي فِي قلبه وَلم ينظر إِلَى مَا يتخيل من زلته وذنبه فقد أدّى مَا يجب من حق الْعَالم لأجل ربه فقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من أحب الْعلم وَالْعُلَمَاء لم تكْتب عَلَيْهِ خَطِيئَة أَيَّام حَيَاته وَمن مَاتَ على محبَّة الْعلم وَالْعُلَمَاء فَهُوَ رفيقي فِي الْجنَّة) وَقَالَ (من أحب طَالب الْعلم فقد أحب الْأَنْبِيَاء وَمن أحب الْأَنْبِيَاء كَانَ مَعَهم وَمن أبْغض طَالب الْعلم فقد أبْغض الْأَنْبِيَاء وَمن أبْغض الْأَنْبِيَاء فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم) وَقَالَ ﵇ (من حقر عَالما فَهُوَ مُنَافِق مَلْعُون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) وَقَالَ عَليّ ﵁ سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن صَاحب الْعلم فَقَالَ (هُوَ سراج أمتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة طُوبَى لمن عرفهم وأحبهم وويل لمن أنكر معرفتهم وأبغضهم وَمن أحبهم شَهِدنَا لَهُ أَنه فِي الْجنَّة وَمن أبْغضهُم أبغضناه وَشَهِدْنَا أَنه فِي النَّار) وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اكتبوا الْعلم فَإِن لله

стр. 39

سُبْحَانَهُ مَلَائِكَة فِي السَّمَاء السَّابِعَة يَسْتَغْفِرُونَ للفقهاء والمتعلمين ويعطيهم الله تَعَالَى بِكُل حرف ثَوَاب نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَيكْتب لَهُم كل يَوْم ألف حَسَنَة) ذكر هَذِه الْخَمْسَة الْأَحَادِيث الإِمَام مُوسَى بن أَحْمد الوصابي فِي كِتَابه الْحجَّة من تصانيفه وَقَالَ ﷺ (يُوزن حبر الْعلمَاء وَدم الشُّهَدَاء فيرجح ثَوَاب حبر الْعلمَاء على ثَوَاب دم الشُّهَدَاء وَيُقَال للْعَالم اشفع فِي تلامذتك وَلَو بلغ عَددهمْ عدد نُجُوم السَّمَاء وَمن تقلد مَسْأَلَة وَاحِدَة قَلّدهُ الله يَوْم الْقِيَامَة ألف قلادة من نور وَغفر لَهُ ألف ذَنْب وَبنى لَهُ مَدِينَة من ذهب) وَقَالَ ﵇ (أفضل الْعِبَادَة طلب الْعلم) ذكرهمَا الإِمَام عمر بن عبد الْمجِيد الميانشي ﵀ فِي إيضاحه وَقَالَ ﷺ (من جَاءَهُ الْمَوْت وَهُوَ يطْلب الْعلم ليحيي بِهِ الْإِسْلَام فبينه وَبَين الْأَنْبِيَاء دَرَجَة وَاحِدَة فِي الْجنَّة) رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن

стр. 40

الدَّارمِيّ فِي سنَنه وَعَن عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿السائحون﴾ قَالَ هم طلبة الْعلم رَوَاهُ الثعالبي فِي تَفْسِيره عَنهُ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من طلب الْعلم كَانَ كَفَّارَة لما مضى) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فَلم يذكر ﷺ غير الطّلب وَقَالَ ﵇ (من خرج فِي طلب الْعلم فَهُوَ فِي سَبِيل الله حَتَّى يرجع) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ ﷺ (سارعوا فِي طلب الْعلم فلحديث عَن صَادِق خير من الأَرْض وَمَا عَلَيْهَا من ذهب وَفِضة) رَوَاهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه وَقَالَ ﷺ (سَاعَة من عَالم يتكىء على فرَاشه وَينظر فِي علمه خير من عبَادَة العابد سبعين عَاما) رَوَاهُ الإِمَام الثعالبي ﵀ فِي تَفْسِيره فِي أول سُورَة آل عمرَان وَتَابعه الْحُسَيْن الطَّبَرِيّ ﵀ فِي درره عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي منتخبه عَلَيْكُم بِالْعلمِ فَكفى بِهِ عملا وَقَالَ رجل لأبي هُرَيْرَة ﵁ إِنِّي أُرِيد
следующие страницы →