← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6878

نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف

الوصابي

Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مَا هَذِه صورته اعْلَم يَا أخي وفقنا الله وَإِيَّاك لمرضاته وَجَعَلنَا مِمَّن يخشاه ويتقيه حق تُقَاته أَن لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة وَعَادَة الله فِي هتك أَسْتَار منتقصهم مَعْلُومَة وَأَن من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب بلاه الله قبل مَوته بِمَوْت الْقلب ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ وَكَذَا حَكَاهُ عَنهُ الإِمَام النَّوَوِيّ رحمهمَا الله فِي كتاب التِّبْيَان وَأي مُصِيبَة أعظم من موت الْقلب الَّذِي هُوَ دَلِيل على غضب الرب سُبْحَانَهُ فَإِن الَّذِي مَاتَ قلبه لَا يخشع وَلَا فِيهِ المواعظ قطّ تنجع وَإِذا تليت عَلَيْهِ آيَات ربه أصر مستكبرا كَأَن لم يسمع فبشره بِعَذَاب أَلِيم وخطب عَظِيم جسيم حِين قسا قلبه وران عَلَيْهِ ذَنبه نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَأَن يوفقنا لطاعته أَجْمَعِينَ وَأَن يجعلنا من الخاشعين المتعظين وَأنْشد بَعضهم فِي معنى مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر ﵀ شعرًا يَقُول فِيهِ (وتجنب الْعلمَاء وَإِن هم خلطوا ... فالعلم يغْفر زلَّة الْعلمَاء)

стр. 37

(فلحومهم مَسْمُومَة وبأكلها ... يخْشَى هَلَاك الشّعْر وَالشعرَاء) قَالَ الإِمَام السهروردي ﵀ فِي أول كتاب عوارف المعارف والعالم وَإِن لم يعْمل بِعَمَلِهِ ترجى لَهُ التَّوْبَة فَإِن الْعلم فِي الْإِسْلَام لَا يضيع أَهله ويرجى عود الْعَالم ببركته هَذَا كَلَامه ﵀ فالعالم وَإِن لم يكن بِعِلْمِهِ عَاملا فَإِن لَهُ شرف الْعلم إِذْ صَار لَهُ حَامِلا وحامل الشَّيْء الشريف قد شرف بِمَا حمل وَمن أحب شَيْئا أحب حامله وَإِن لم يكن حامله حسن الْعَمَل وَقد شبه النَّبِي ﷺ من أُوتِيَ الْقُرْآن وَلم يقم بِهِ بجراب أوكي على مسك فِي حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ رحمهمَا الله فِي سُنَنهمَا وَهَذَا الْمثل من أشرف الْأَمْثَال الْمعرفَة لَك بأحوال الرِّجَال فكم بَين من حمل الْمسك الموكى وَبَين من حمل قذرا من النوكى وَفِي الحَدِيث (اتَّقوا زلَّة الْعَالم وَلَا تقطعوه وَانْتَظرُوا فيئته) ذكره السهروردي فِي عوارفه أَيْضا وَفِي حَدِيث رتن المعمر الْمَشْهُور عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 38

قَالَ تبرك بالعالم إِن عمل وَإِن لم يعْمل فتبرك بِهِ فللعالم حُرْمَة الْعلم الشريف وَإِن لم يعْمل ويرجى لَهُ ببركة الْعلم صَلَاحه فِي الْمُسْتَقْبل وَمن أحب عَالما لأجل الْعلم الَّذِي فِي قلبه وَلم ينظر إِلَى مَا يتخيل من زلته وذنبه فقد أدّى مَا يجب من حق الْعَالم لأجل ربه فقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من أحب الْعلم وَالْعُلَمَاء لم تكْتب عَلَيْهِ خَطِيئَة أَيَّام حَيَاته وَمن مَاتَ على محبَّة الْعلم وَالْعُلَمَاء فَهُوَ رفيقي فِي الْجنَّة) وَقَالَ (من أحب طَالب الْعلم فقد أحب الْأَنْبِيَاء وَمن أحب الْأَنْبِيَاء كَانَ مَعَهم وَمن أبْغض طَالب الْعلم فقد أبْغض الْأَنْبِيَاء وَمن أبْغض الْأَنْبِيَاء فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم) وَقَالَ ﵇ (من حقر عَالما فَهُوَ مُنَافِق مَلْعُون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) وَقَالَ عَليّ ﵁ سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن صَاحب الْعلم فَقَالَ (هُوَ سراج أمتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة طُوبَى لمن عرفهم وأحبهم وويل لمن أنكر معرفتهم وأبغضهم وَمن أحبهم شَهِدنَا لَهُ أَنه فِي الْجنَّة وَمن أبْغضهُم أبغضناه وَشَهِدْنَا أَنه فِي النَّار) وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اكتبوا الْعلم فَإِن لله

стр. 39

سُبْحَانَهُ مَلَائِكَة فِي السَّمَاء السَّابِعَة يَسْتَغْفِرُونَ للفقهاء والمتعلمين ويعطيهم الله تَعَالَى بِكُل حرف ثَوَاب نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَيكْتب لَهُم كل يَوْم ألف حَسَنَة) ذكر هَذِه الْخَمْسَة الْأَحَادِيث الإِمَام مُوسَى بن أَحْمد الوصابي فِي كِتَابه الْحجَّة من تصانيفه وَقَالَ ﷺ (يُوزن حبر الْعلمَاء وَدم الشُّهَدَاء فيرجح ثَوَاب حبر الْعلمَاء على ثَوَاب دم الشُّهَدَاء وَيُقَال للْعَالم اشفع فِي تلامذتك وَلَو بلغ عَددهمْ عدد نُجُوم السَّمَاء وَمن تقلد مَسْأَلَة وَاحِدَة قَلّدهُ الله يَوْم الْقِيَامَة ألف قلادة من نور وَغفر لَهُ ألف ذَنْب وَبنى لَهُ مَدِينَة من ذهب) وَقَالَ ﵇ (أفضل الْعِبَادَة طلب الْعلم) ذكرهمَا الإِمَام عمر بن عبد الْمجِيد الميانشي ﵀ فِي إيضاحه وَقَالَ ﷺ (من جَاءَهُ الْمَوْت وَهُوَ يطْلب الْعلم ليحيي بِهِ الْإِسْلَام فبينه وَبَين الْأَنْبِيَاء دَرَجَة وَاحِدَة فِي الْجنَّة) رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن

стр. 40

الدَّارمِيّ فِي سنَنه وَعَن عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿السائحون﴾ قَالَ هم طلبة الْعلم رَوَاهُ الثعالبي فِي تَفْسِيره عَنهُ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من طلب الْعلم كَانَ كَفَّارَة لما مضى) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فَلم يذكر ﷺ غير الطّلب وَقَالَ ﵇ (من خرج فِي طلب الْعلم فَهُوَ فِي سَبِيل الله حَتَّى يرجع) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ ﷺ (سارعوا فِي طلب الْعلم فلحديث عَن صَادِق خير من الأَرْض وَمَا عَلَيْهَا من ذهب وَفِضة) رَوَاهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه وَقَالَ ﷺ (سَاعَة من عَالم يتكىء على فرَاشه وَينظر فِي علمه خير من عبَادَة العابد سبعين عَاما) رَوَاهُ الإِمَام الثعالبي ﵀ فِي تَفْسِيره فِي أول سُورَة آل عمرَان وَتَابعه الْحُسَيْن الطَّبَرِيّ ﵀ فِي درره عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي منتخبه عَلَيْكُم بِالْعلمِ فَكفى بِهِ عملا وَقَالَ رجل لأبي هُرَيْرَة ﵁ إِنِّي أُرِيد

стр. 41

أَن أتعلم الْعلم وأخاف أَن أضيعه فَقَالَ لَهُ كفى بترك الْعلم إِضَاعَة وَقَالَ رجل لأبي ذَر ﵁ إِنِّي أُرِيد أَن أتعلم الْعلم وأخاف أَن أضيعه وَلَا أعمل بِهِ فَقَالَ إِنَّك إِن توسد الْعلم خير من أَن توسد الْجَهْل وَيُقَال نَفَقَة دِرْهَم فِي طلب الْعلم خير من عشرَة آلَاف دِرْهَم ينفقها فِي سَبِيل الله وَقَالَ الْمَأْمُون لِعَمِّهِ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لِأَن تَمُوت طَالبا للْعلم خير من أَن تعيش قانعا بِالْجَهْلِ قَالَ وَإِلَى مَتى يحسن بِي طلب الْعلم قَالَ مَا حسنت بك الْحَيَاة وَقَالَ الشّعبِيّ ﵀ لَو أَن رجلا خرج من أقْصَى الْمشرق إِلَى أقْصَى الْمغرب فاستفاد حرفا مَا ظَنَنْت أَن عمره ذهب بَاطِلا وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ لِأَن أتعلم مَسْأَلَة أحب إِلَيّ من قيام لَيْلَة وَقَالَ يحيى بن كثير ﵀ تعلم الْفِقْه صَلَاة ودراسة الْقُرْآن صَلَاة رَوَاهُ عَنهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي حليته وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀ لَا يزَال الْفَقِيه فِي الصَّلَاة قيل لَهُ كَيفَ ذَاك قَالَ لِأَنَّك لَا تَلقاهُ إِلَّا وَذكر الله على لِسَانه يحل حَلَالا وَيحرم حَرَامًا ذكره أَبُو اللَّيْث فِي تنبيهه وَقَالَ ابْن

стр. 42

جريج ﵀ أحب الْعباد إِلَى الله الغرباء فِي طلب الْعلم وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعلمُوا وَعَلمُوا وَاعْمَلُوا فَإِن أجر الْعَالم والمتعلم سَوَاء) قيل وَمَا أجرهما قَالَ (مائَة مغْفرَة وَمِائَة دَرَجَة فِي الْجنَّة) وَقَالَ ﷺ (أجر الْمعلم كَأَجر الصَّائِم الْقَائِم) وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (التفقه فِي الدّين حق على كل مُسلم أَلا فتعلموا وَعَلمُوا وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالًا) ذكر هَذِه كلهَا الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه أدب الدُّنْيَا وَالدّين وَقَالَ ﷺ (مَا من مُؤمن ذكر أَو أُنْثَى وَلَا مَمْلُوك إِلَّا وَللَّه عَلَيْهِ حق وَاجِب أَن يتَعَلَّم من الْقُرْآن ويتفقه) ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾ رَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ عَن معَاذ ﵁ وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه حَسَنَة وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح

стр. 43

والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه من لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأَهله قربَة أَلا إِن الْعلم سَبِيل منَازِل أهل الْجنَّة وَهُوَ المؤنس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل على السَّرَّاء والمعين على الضّر اء والزين عِنْد الأ خلاء وَالسِّلَاح على الْأَعْدَاء يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة أَئِمَّة تقتفى آثَارهم ويقتدى بأفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيهمْ وترغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم وَيُصلي عَلَيْهِم كل رطب ويابس وحيتان الْبَحْر وهوام الأَرْض وسباع الْبر وَالْبَحْر والأنعام لِأَن الْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْجَهْل ومصباح الْأَبْصَار من الظلمَة وَقُوَّة الْأَبدَان من الضعْف ويبلغ بِالْعَبدِ منَازِل الأخيار والأبرار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والتفكر فِيهِ يعدل بالصيام ومذاكرته تعدل بِالْقيامِ وَبِه توصل الْأَرْحَام وَيعرف الْحَلَال من الْحَرَام وَهُوَ إِمَام وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء ... ذكره صَاحب تَنْبِيه الغافلين وزهرة الْعُيُون وَغَيرهمَا وَقد رُوِيَ بعضه مَرْفُوعا وَرَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 44

وَعَن يحيى بن كثير ﵀ فِي قَوْله تعلى ﴿واصبر نَفسك مَعَ الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ قَالَ هِيَ مجَالِس الْفِقْه وَذكر الإِمَام النَّوَوِيّ فِي أذكاره عَن عَطاء رحمهمَا الله أَنه قَالَ مجَالِس الذّكر هِيَ مجَالِس الْحَلَال وَالْحرَام كَيفَ تشتري وتبيع وَتصلي وتصوم وَتنْكح وَتطلق وتحج وَأَشْبَاه ذَلِك وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كتاب حلية الْأَوْلِيَاء عَنهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ وَزَاد فِي أَوله من جلس مجْلِس ذكر كفر الله عَنهُ بذلك الْمجْلس عشرَة مجَالِس من مجَالِس الْبَاطِل فَقيل لَهُ مَا مجَالِس الذّكر قَالَ مجَالِس الْحَلَال وَالْحرَام إِلَى آخر مَا ذكره النَّوَوِيّ رحمهمَا الله وروى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ عَن عَطاء بن رَبَاح أَنه قَالَ النّظر إِلَى الْعَالم عبَادَة وَذكر الإِمَام أَبُو اللَّيْث فِي تنبيهه عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ إِن الله لم يخلق على وَجه الأَرْض أكْرم من مجَالِس الْعلمَاء وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم ﵀ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابه رياضة المتعلمين أَن رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 45

قَالَ (أَصْبَحْتُم فِي زمَان كثير فقهاؤه قَلِيل خطباؤه قَلِيل سُؤَاله كثير معطوه الْعَمَل فِيهِ خير من الْعلم وَسَيَأْتِي زمَان قَلِيل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سُؤَاله قَلِيل معطوه الْعلم فِيهِ خير من الْعَمَل) وَفِي تَنْبِيه الغافلين عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ أَنْتُم فِي زمَان الْعَمَل فِيهِ خير من الْعلم وَسَيَأْتِي زمَان الْعلم فِيهِ خير من الْعَمَل وروى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ﵀ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن أبي شيبَة أَنه رأى بعض أَصْحَاب الحَدِيث يضطربون فَقَالَ أما إِن فاسقهم خير من عَابِد غَيرهم وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عمر بن حَفْص بن غياث ﵀ وَقد قيل لَهُ أما ترى أَصْحَاب الحَدِيث كَيفَ تغيرُوا كَيفَ فسدوا فَقَالَ هم على مَا هم خِيَار الْقَبَائِل وَكَذَا رَوَاهُ صَاحب الْفَاصِل بَين الرَّاوِي والواعي بِإِسْنَادِهِ رَحمَه الله

стр. 46

فصل فَعرف بِهَذَا وَأَمْثَاله أَن حُرْمَة الْعلم لَا تسْقط بالزلل وَلَا يُبَاح عرض الْعَالم بترك الْعَمَل فبركة الْعلم ترده إِلَى الصَّوَاب ويرجى لحامله التَّوْفِيق للمتاب لطفا من الله الرَّحِيم الْوَهَّاب وروى أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من طلب الْعلم لغير الله لم يخرج من الدُّنْيَا حَتَّى يَأْبَى عَلَيْهِ الْعلم فَيكون لله وَمن طلب الْعلم لله فَهُوَ كالصائم نَهَاره الْقَائِم ليله وَإِن بَابا من الْعلم يتعلمه الرجل خير لَهُ من أَن لَو كَانَ لَهُ أَبُو قبيس ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله) رَوَاهُ الإِمَام أَبُو اللَّيْث ﵀ فِي تنبيهه وَقيل ليحيى بن يمَان ﵀ إِنَّهُم يطلبونه وَلَيْسَ لَهُم فِيهِ نِيَّة فَقَالَ طَلَبهمْ إِيَّاه لَهُ نِيَّة وَقَالَ مُجَاهِد ﵀ طلبنا هَذَا الْعلم وَلَيْسَ لنا فِيهِ نِيَّة ثمَّ

стр. 47

أحسن الله النِّيَّة بعد وَقَالَ رجل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵀ نشدتك بِاللَّه أطلبت هَذَا الْعلم يَوْم طلبته لله فَقَالَ سُفْيَان اللَّهُمَّ لَا إِنَّمَا طلبناه تأدبا وتطرفا فَأبى الله إِلَّا أَن يكون لَهُ ويروى طلبنا الْعلم لغير الله فَأبى الْعلم إِلَّا أَن يكون لله وَقَالَ أَبُو ذَر ﵁ لِأَن يبْعَث الرجل عَالما خير لَهُ من أَن يبْعَث جَاهِلا وَنَحْوه عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي هُرَيْرَة ﵄ وَقد اشْتهر عَن المقرىء الْمَعْرُوف بِابْن شنبوذ أَنه غير حروفا من الْقُرْآن تخَالف الْمُصحف الْكَرِيم وَالْإِجْمَاع فقرأها وأقرأها فَأنْكر عَلَيْهِ أهل زَمَانه فَأحْضرهُ الْوَزير ابْن مقلة وحبسه وشدد عَلَيْهِ وَأمر بضربه حَتَّى رَجَعَ الْمُقْرِئ عَمَّا فعله وَأشْهد على تَوْبَته وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَثَلَاث مائَة وَقد كَانَ دَعَا وَهُوَ يضْرب على ابْن مقلة بِقطع يَده وتشتت شَمله فَاسْتَجَاب الله دعاءه عَلَيْهِ فعزل ابْن مقلة سنة أَربع وَعشْرين وَجرى عَلَيْهِ من الضَّرْب والإهانة أَمر عَظِيم وتشتت شَمله وَقطعت يَده وَلسَانه مَعَ أَن ابْن مقلة قصد رده إِلَى الْحق الْمُبين وَأنكر عَلَيْهِ مَا يجب إِنْكَاره على كل متدين والمقرئ الْمَذْكُور قد أَتَى بمنكر مَشْهُور حِين خَالف الْجُمْهُور لَكِن خطأه فِي قَضِيَّة لَا تسْقط حَظه من

стр. 48

حُرْمَة الْقُرْآن وَالْعلم فَكَانَ رده بالرفق أولى من العنف رِعَايَة لحق الْعلم وَلَكِن الله يفعل مَا يَشَاء ذكره الإِمَام ابْن أبي شامة فِي كِتَابه المرشد بِمَا هَذَا مَعْنَاهُ وَذكر الإِمَام ابْن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام أَنه قَالَ لَو رفعت صغائر الْأَوْلِيَاء إِلَى الْأَئِمَّة والحكام لم يجز تعزيرهم عَلَيْهَا بل تقال عثرتهم وَتغْفر زلتهم فهم أولى من أقيلت عثرته وغفرت زلته هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ وَقد قَالَ ﷺ (أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم ... . .) فَأهل الْعلم أشرف ذَوي الهيئات إِذْ هم الْأَوْلِيَاء بقول الثِّقَات فَثَبت أَن الْقُرْآن وَالْعلم أَعلَى من أَن يهان حاملهما أَو يضام ناقلهما وَالْحَمْد لله الَّذِي أعزهما وأعز أهلهما رَوَت عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من وقر عَالما فقد وقر ربه) ذكره الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه والتوقير هُوَ التبجيل والتعظيم وَقَالَ ﷺ (الْمَشْي بَين يَدي الكبراء من الْكَبَائِر وَلَا يمشي بَين يَدي الكبراء إِلَّا مَلْعُون يَعْنِي قدامهم) قيل يَا رَسُول الله من الكبراء قَالَ (الْعلمَاء والصالحون) وَذكره الإِمَام مُوسَى بن أَحْمد الوصابي

стр. 49

رَحمَه الله فِي كتاب الْحجَّة وَقَالَ ﷺ (ثَلَاث من توقير جلال الله إكرام ذِي الشيبة فِي الْإِسْلَام وحامل كتاب الله وحامل الْعلم من كَانَ من صَغِير أَو كَبِير) روينَاهُ فِي مجَالِس الإِمَام الميانشي بِسَنَدِهِ وَقد كَانُوا يوقرون علماءهم ويتواضعون لَهُم وَإِن كَانُوا فِي النّسَب دونهم هَذَا ابْن عَبَّاس ﵄ لَا يجهل شرفه وَنسبه إِذْ هُوَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْخُذ بركاب زيد بن ثَابت الخزرجي إِذا أَرَادَ أَن يركب ليضع رجله فِي الركاب قيل لَهُ تمسك بركابه وَأَنت ابْن عَم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنَّا هَكَذَا نصْنَع بالعلماء وَكَانَ زيد هَذَا من فُقَهَاء الْأَنْصَار ﵃ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ من آذَى فَقِيها فقد آذَى رَسُول الله ﷺ وَمن آذَى رَسُول الله ﷺ فقد آذَى رَسُول الله ﷺ فقد آذَى الله ذكره الْخَطِيب فِي كتاب الْفَقِيه والمتفقه وَقد أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه عَن الْجَزَاء لمن آذاه مَا هُوَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾

стр. 50

) وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الثعالبي ﵀ فِي كتاب الفرائد والقلائد لَا يستخف بِالْعلمِ وَأَهله إِلَّا رفيع جَاهِل أَو وضيع خامل ذكره الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ فِي كِتَابه إحْيَاء عُلُوم الدّين عَن حُذَيْفَة ﵁ أَنه قَالَ إِنَّكُم لن تزالوا بِخَير مَا عَرَفْتُمْ الْحق وَكَانَ الْعَالم فِيكُم غير مستخف بِهِ وَذكر الإِمَام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ ﵀ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ والأصبحي وَغَيرهم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَن الوقيعة فِي الْعلمَاء مُحرمَة أَشد تَحْرِيم وألحقوها بالكبائر الَّتِي ترد بهَا الشَّهَادَات وَتسقط بهَا الولايات وَهَذَا مَا لم يقْصد بذلك استهزاء فَإِن قصد الإستهزاء بِالْعلمِ أَو بالعلماء أَو بالشريعة الْعُظْمَى أَو بِشَيْء من أَحْكَام الدّين فقد كفر بِاللَّه رب الْعَالمين وَصَارَ مُرْتَدا تجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُرْتَدين على مَا سبق فِي أول الْجُزْء بدليله من كتاب الله تَعَالَى وتنزيله وَالله الْهَادِي إِلَى سَبيله وَالْحَمْد لله على جَمِيع نعمه ونسأله الْمَزِيد من جوده وَكَرمه

стр. 51

وَقد أفْصح الْقُرْآن الْكَرِيم بِأَن حَملته هم أهل الشّرف العميم وَأَنَّهُمْ الموصوفون بالتعظيم والإصطفاء والتكريم والنجاة من الْعَذَاب الْأَلِيم فضلا من الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب﴾ أَي أعطينا الْقُرْآن ﴿الَّذين اصْطَفَيْنَا﴾ أَي الَّذين اخترنا ﴿من عبادنَا﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين هم أمة مُحَمَّد ﷺ ثمَّ قسمهم ثَلَاث طَبَقَات ورتبهم على ثَلَاث دَرَجَات فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات﴾ وَجعل كلهم فِي الْجنَّة بِحرْمَة الْقُرْآن وَكلمَة الْإِخْلَاص وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي معنى الظَّالِم والمقتصد وَالسَّابِق فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله﴾ فَقَالَ ﷺ (أما السَّابِق فَيدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَأما المقتصد فيحاسب حسابا يَسِيرا وَأما

стр. 52

الظَّالِم لنَفسِهِ فَيحْبس فِي الْمَحْشَر ثمَّ الَّذين تلافاهم الله برحمته وهم الَّذين يَقُولُونَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن) وَقَالَ عُثْمَان ﵁ سَابِقنَا أهل جهادنا وَمُقْتَصِدنَا أهل حَضَرنَا وَظَالِمنَا أهل بدونا وَقَالَت عَائِشَة ﵂ السَّابِق بالخيرات من مضى على عهد رَسُول الله ﷺ شهد لَهُ بِالْجنَّةِ والمقتصد من اتبع أَثَره من أَصْحَابه والظالم مثلي ومثلكم وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ السَّابِق المخلص والمقتصد الْمرَائِي والظالم الْكَافِر نعْمَة الله عَلَيْهِ غير الجاحد لَهَا وَقيل الظَّالِم لنَفسِهِ الَّذِي مَاتَ على كَبِيرَة وَلم يتب مِنْهَا والمقتصد الَّذِي لم يصب كَبِيرَة وَالسَّابِق الَّذِي لم يعْص الله والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ وَعَن الْحسن ﵀ السَّابِق من رجحت حَسَنَاته على سيئاته والمقتصد من اسْتَوَت حَسَنَاته وسيئاته والظالم الَّذِي ترجح سيئاته على حَسَنَاته وَقَالَ سهل بن عبد الله السَّابِق الْعَالم والمقتصد المتعلم والظالم الْجَاهِل وَقيل الظَّالِم طَالب الدُّنْيَا والمقتصد طَالب

стр. 53

العقبى وَالسَّابِق طَالب الْمولى وَقيل الظَّالِم الْمُسلم والمقتصد الْمُؤمن وَالسَّابِق المحسن وَقيل الظَّالِم الْمرَائِي والمقتصد من يكون بعض عمله رِيَاء وَبَعضه إخلاصا وَالسَّابِق المخلص فِي أَعماله كلهَا وَقيل الظَّالِم من أَخذ الدُّنْيَا كَيفَ سنحت والمقتصد الْمُجْتَهد فِي طلب الْحَلَال وَالسَّابِق الَّذِي ترك الدُّنْيَا جملَة وَأعْرض عَنْهَا وَقيل الظَّالِم من ظَاهره خير من بَاطِنه والمقتصد من اسْتَوَى ظَاهره وباطنه وَالسَّابِق من بَاطِنه خير من ظَاهره وَقيل الظَّالِم الَّذِي يجزع عِنْد الْبلَاء والمقتصد الَّذِي يصبر على الْبلَاء والمقتصد الَّذِي يصبر على الْبلَاء وَالسَّابِق المتلذذ بالبلاء وَقيل الظَّالِم الَّذِي أعطي فَمنع والمقتصد الَّذِي أعطي فبذل وَالسَّابِق الَّذِي منع فَشكر وَقيل الظَّالِم التَّالِي لِلْقُرْآنِ والمقتصد الْقَارئ لَهُ والعالم بِهِ وَالسَّابِق الْقَارئ لَهُ الْعَالم بِهِ الْعَامِل بِهِ وَقَالَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ ﵀ الظَّالِم الَّذِي يذكر الله بِلِسَانِهِ والمقتصد الَّذِي يذكرهُ بِقَلْبِه وَالسَّابِق الَّذِي لَا ينسى ربه وَقيل الظَّالِم الَّذِي يعبد الله خوفًا من النَّار والمقتصد الَّذِي يعبده طَمَعا فِي الْجنَّة وَالسَّابِق الَّذِي يعبده سُبْحَانَهُ لَا لسَبَب وَقيل السَّابِق الَّذِي يدْخل الْمَسْجِد قبل تأذين الْمُؤَذّن والمقتصد الَّذِي يدْخل الْمَسْجِد وَقد أذن

стр. 54

والظالم الَّذِي يدْخل الْمَسْجِد وَقد أقيم وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بن حبيب ﵀ الظَّالِم من ينتصف وَلَا ينصف والمقتصد من ينصف وينتصف وَالسَّابِق من ينصف وَلَا ينتصف وَقَالَ أَحْمد بن قَاسم الْأَنْطَاكِي ﵀ الظَّالِم صَاحب الْأَقْوَال والمقتصد صَاحب الْأَفْعَال وَالسَّابِق صَاحب الْأَحْوَال ... ثمَّ جمعهم الله على اخْتِلَاف طبقاتهم فَقَالَ ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا﴾ قَالَ مقَاتل ﵀ يَعْنِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَأسْندَ الإِمَام الْمُفَسّر الثعالبي ﵀ عَن أُسَامَة بن زيد ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله﴾ قَالَ (كلهم فِي الْجنَّة) وروى بِإِسْنَادِهِ أَيْضا عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَرَأَ على الْمِنْبَر قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله﴾ فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (سَابِقنَا

стр. 55

سَابق وَمُقْتَصِدنَا نَاجٍ وَظَالِمنَا مغْفُور لَهُ) ذكر بعض ذَلِك الواحدي ﵀ فِي وسيطه وَذكر ذَلِك كُله الثعالبي الْمُفَسّر فِي كِتَابه الْكَشْف وَالْبَيَان فِي تَفْسِير الْقُرْآن وَكفى بِهَذَا شرفا لقراء الْقُرْآن وَالله الْمُسْتَعَان على مَا يرضيه بمنه ولطفه

стр. 56

فصل وَقد حكم رَسُول الله ﷺ بِأَن الْفُقَهَاء هم خِيَار النَّاس بقوله ﵇ (النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا) روياه إِمَامًا الْمُحدثين البُخَارِيّ وَمُسلم رحمهمَا الله فِي صَحِيحهمَا اللَّذين هما أصح الْكتب بعد الْقُرْآن وَقَالَ ﷺ (من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) روياه فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا زَاد أَبُو نعيم فِي حليته يفقهه فِي الدّين ويلهمه فِيهِ رشده هَذَا وَفِي كتاب الله تَعَالَى ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ فَمنع الله سُبْحَانَهُ

стр. 57

الْمُسَاوَاة بَين الْعَالم وَالْجَاهِل لما خص بِهِ الْعَالم من الْعلم وَقَالَ ﷺ (خِيَار أمتِي علماؤها وَخيَار علمائها فقهاؤها) ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه وروينا عَن الإِمَام بطال بن أَحْمد ﵀ فِي كتاب وروينا عَن الإِمَام بطال بن أَحْمد رَحمَه فِي كتاب الْأَرْبَعين فِي لفظ الْأَرْبَعين بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي ﷺ ال (خِيَار أمتِي علماؤها وَخيَار علمائها حلماؤها) وَأنْشد بَعضهم فِي الْمَعْنى فَقَالَ (الْعلم والحلم حلتا كرم ... للمرء زين إِذا هما اجْتمعَا) (صنْوَان لَا يستتم حسنهما ... إِلَّا بِجمع لذا وَذَاكَ مَعًا) (كم من وضيع سما بِهِ الْعلم ... والحلم فنال الْعلَا وارتفعا) (وَمن رفيع الْبناء أضاعهما ... أخمله مَا أضاع فاتضعا) وَقَالَ آخر (الْعلم زين ومنجاة لصَاحبه ... من المهالك والآفات والعطب)

стр. 58

(وَمَا تلحف إِنْسَان بملحفة ... أبهى وأجمل من علم وَمن أدب) وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ ﵀ فِي كِتَابه رياضة المتعلمين بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الْأجر وَلَا خير فِي سَائِر النَّاس بعد) وَكَذَا روينَاهُ فِي كتاب الْأَرْبَعين الآجرى ﵀ ثمَّ قَالَ الْآجُرِيّ بعد ذكر هَذَا الحَدِيث فقد أعلمك ﷺ أَن الْخَيْر إِنَّمَا هُوَ فِيمَن يطْلب الْعلم وَمن يعلم فَمن لم يكن كَذَلِك فَلَا خير فِيهِ هَذَا كَلَامه رَحمَه الله تَعَالَى وَيُؤَيّد قَوْله هَذَا مَا روينَاهُ فِي جَامع الْحَافِظ التِّرْمِذِيّ ﵀ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وَمَا وَالَاهُ أَو عَالما أَو متعلما ورويناه فِي كتاب الْفَاضِل لِابْنِ خَلاد ﵀ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا خير فِي الْعَيْش إِلَّا لِرجلَيْنِ مستمع واع أَو عَالم نَاطِق) وَذكر الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀ فِي الْإِحْيَاء أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أفضل

стр. 59

النَّاس الْمُؤمن الْعَالم الَّذِي إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ نفع وَإِن استغني عَنهُ أغْنى نَفسه) وَأنْشد بَعضهم (الْعَالم الْعَاقِل ابْن نَفسه ... أغناه جنس علمه عَن جنسه) (كن ابْن من شِئْت وَكن مؤدبا ... فَإِنَّمَا الْمَرْء بِفضل كيسه) (وَلَيْسَ من تكرمه لغيره ... كَمثل من تكرمه لنَفسِهِ) وَذكر صَاحب زهرَة الْعُيُون أَنه ﵇ قَالَ (الْعَالم من ذهب والمتعلم من فضَّة وَالثَّالِث من نُحَاس) وَذكر صَاحب تَنْبِيه الغافلين عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ كن عَالما أَو متعلما أَو مستمعا وَلَا تكن الرَّابِع فتهلك قَالَ مُصَنفه ﵀ يَعْنِي بالرابع من لَا يعلم وَلَا يتَعَلَّم وَلَا يسمع ورويناه عَن صَاحب كتاب التَّرْغِيب والترهيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن درسْتوَيْه قَالَ سَمِعت سهل بن عبد الله وَنحن بَين يَدَيْهِ إِذْ أقبل أَصْحَاب الحَدِيث وَمَعَهُمْ المحابر فَقَالَ سهل اجهدوا أَن

стр. 60

لَا تلقوا الله إِلَّا وَمَعَكُمْ المحابر فغمزت بَعضهم وَقلت لَهُ قل لَهُ يملي شَيْئا فَقَالَ أَيهَا الشَّيْخ قد مدحتها فَذَكرنَا بِشَيْء قَالَ اكتبوا الدُّنْيَا كلهَا لَا شَيْء إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا علم وَالْعلم كُله حجَّة إِلَّا مَا كَانَ مِنْهُ عمل وَالْعَمَل كُله هباء إِلَّا مَا كَانَ مِنْهُ إخلاص وَأهل الْإِخْلَاص على وَجل ثمَّ تَلا ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ انْتهى كَلَامه ﵀ وَمَا أحْسنه وَقَالَ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ ﵀ الْعلم عِنْد أهل الْجَهْل قَبِيح كَمَا أَن الْجَهْل عِنْد أهل الْعلم قَبِيح وَالْعلم ذكر لَا يُحِبهُ من الرِّجَال إِلَّا مذكروهم وَلَا يبغضه مِنْهُم إِلَّا مؤنثوهم وَأنْشد أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الْخُرَاسَانِي فِي الْمَعْنى (لَا يطْلب الْعلم إِلَّا بازل ذكر ... وَلَيْسَ يبغضه إِلَّا المخانيث) وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ من لَا يحب الْعلم فَلَا خير فِيهِ فَلَا تكن بَيْنك وَبَينه معرفَة وصداقة

стр. 61

وينشد لعَلي ﵁ (النَّاس من جِهَة التَّمْثِيل أكفاء ... أبوهم آدم وَالأُم حَوَّاء) (فَإِن يكن لَهُم من أصلهم شرف ... يفاخرون بِهِ فالطين وَالْمَاء) (لَا تحقرن امْرَءًا مهما تكون لَهُ ... أم من الرّوم أَو سَوْدَاء عجماء) (فَإِنَّمَا أُمَّهَات النَّاس أوعية ... مستودعات وللأحساب آبَاء) (مَا الْفَخر إِلَّا لأهل الْعلم إِنَّهُم ... على الْهدى لمن استهدى أدلاء) (وَقِيمَة الْمَرْء مَا قد كَانَ يُحسنهُ ... والجاهلون لأهل الْعلم أَعدَاء) وَمن هَذِه الأبيات أَيْضا (ففز بِعلم تعش حَيا بِهِ أبدا ... فَالنَّاس موتى وَأهل الْعلم أَحيَاء) وَذكر الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ ﵀ فِي

стр. 62

كتاب أدب الدُّنْيَا وَالدّين أَن عبد الله بن عمر ﵄ روى أَن رَسُول الله ﷺ دخل الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بمجلسين أَحدهمَا يذكرُونَ الله وَالْآخر يتفقهون فِي الدّين فَقَالَ ﵇ (كلا المجلسين على خير وَأَحَدهمَا أحب إِلَيّ من صَاحبه أما هَؤُلَاءِ فَيذكرُونَ الله ويسألونه فَإِن شَاءَ أَعْطَاهُم وَإِن شَاءَ مَنعهم وَأما الآخر فيتعلمون الْفِقْه ويعلمون الْجَاهِل وَإِنَّمَا بعثت معلما فَجَلَسَ إِلَى أَصْحَاب الْفِقْه) وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كتاب رياضة المتعلمين بِإِسْنَادِهِ وَرَوَاهُ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي كِتَابه وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (خير النَّاس وَخير من يمشي على جَدِيد الأَرْض المعلمون كلما خلق الدّين جددوه) رَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ وَتَبعهُ الطَّبَرِيّ عَلَيْهِ رَحْمَة الله وَأنْشد بَعضهم (رَأَيْت الْعلم صَاحبه شرِيف ... وَإِن ربته آبَاء لئام) (فَفِي الْعلم النجَاة من المخازي ... وَفِي الْجَهْل المذلة والغرام)

стр. 63

(وَلَوْلَا الْعلم مَا سعدت نفوس ... وَلَا عرف الْحَلَال وَلَا الْحَرَام) (هُوَ الْعلم الدَّلِيل إِلَى الْمَعَالِي ... ومصباح يضيء بِهِ الظلام)

стр. 64

فصل وَقد أخبر ﷺ بِأَن هَذِه الطَّائِفَة لَا يزَال أمرهَا ناميا على السَّلامَة وشرفها عَالِيا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فروى البُخَارِيّ وَمُسلم ﵄ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا يزَال من أمتِي أمة قَائِمَة بِأَمْر الله لَا يضرهم من خذلهم وَلَا من خالفهم حَتَّى يَأْتِيهم أَمر الله وهم على ذَلِك) قَالَ النواوي ﵀ فِي كِتَابه تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات حمل الْعلمَاء هَذَا على أَنهم حَملَة الْعلم ورويناه بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة عَن الإِمَام أبي عبد الله البُخَارِيّ ﵁ أَنهم أهل الْعلم ذكره قرب آخر كِتَابه

стр. 65

وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي صَحِيح مُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي يُقَاتلُون على الْحق ظَاهِرين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) فَفِي هَذَا إِشَارَة عَظِيمَة لطائفة أهل الْعلم بِأَنَّهَا منصورة ظَاهِرَة مجبورة حَتَّى تقوم السَّاعَة إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ بقول الصَّادِق المصدوق الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ ﷺ وَالْحَمْد لله على مَا أرشد وَعلم وعَلى جَمِيع مَا أسدى وأنعم وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (تكون فتْنَة يصبح الرجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا إِلَّا من أجاره الله بِالْعلمِ) وَفِي الشهَاب أَنه ﷺ قَالَ (إِن الْفِتْنَة تَجِيء فتنسف الْعباد نسفا ينجو مِنْهَا الْعَالم بِعِلْمِهِ) نسْأَل الله سُبْحَانَهُ توفيقه وَرضَاهُ والوصول إِلَى مَا نتمناه بمنه وَكَرمه آمين

стр. 66

فصل وَاعْلَم أَن الشَّرِيعَة فَضلهَا قد تقادم مُنْذُ بعث الله آدم وَقد جعل الله تَعَالَى لكل قوم شَرِيعَة يحكم بهَا أنبياؤهم ويتلقاها بعدهمْ علماؤهم ثمَّ أنزل الله تَعَالَى التَّوْرَاة على مُوسَى ﵇ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار﴾ أَي وَيحكم بهَا الربانيون والأحبار واحدهم رَبِّي وَحبر وهم الْعلمَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب﴾ أَي كونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء قَالَه عَليّ وَابْن عَبَّاس وَالْحسن وَالضَّحَّاك ﵃ ذكره الثعالبي ﵀ وَقَالَ

стр. 67

سُبْحَانَهُ ﴿وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾ ثمَّ أنزل الله الزبُور على دَاوُد ﵇ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى﴾ ثمَّ أنزل الله تَعَالَى الْإِنْجِيل على عِيسَى ﵇ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ﴾ أَي ليحكموا ويعملوا بِالْقِسْطِ وَهُوَ الْعدْل ثمَّ حصلت الفترة وَظَهَرت الْجَاهِلِيَّة وكفرت الْعَرَب بِالْكُلِّيَّةِ وهم مَعَ كفرهم لم يخلوا نُفُوسهم من حكام يصيرون إِلَى قَوْلهم ويقلدونهم بِمَا أشكل عَلَيْهِم وَقت

стр. 68

كفرهم فيذعنون لقَولهم وينقادون لأمرهم ويسعون بإقامتهم ونصرهم ويردون من مَال مِنْهُم إِلَى طاعتهم وَمن الدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ﵄ أَن أَبَا شُرَيْح الْحَارِثِيّ وَفد على رَسُول الله ﷺ مَعَ قومه مُسلمين فسمعهم النَّبِي ﵌ يكنونه بِأبي الحكم فَدَعَاهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لم تكنى أَبَا الحكم قَالَ لِأَن قومِي إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء أَتَوْنِي فحكمت فَرضِي كلا الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ ﷺ (مَا أحسن هَذَا) فَلَمَّا من الله سُبْحَانَهُ بِظُهُور الشَّرِيعَة المحمدية وَالْملَّة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة الْمُبَارَكَة السمحة القوية أنزل الله بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم الَّذِي فِيهِ النبأ الْعَظِيم وَالذكر الْحَكِيم وَأمر نبيه مُحَمَّدًا ﷺ بالحكم بِمَا أنزل الله إِلَيْهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ حَتَّى قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾

стр. 69

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَي جعل الله لأهل كل مِلَّة شرعة ومنهاجا فلأهل التَّوْرَاة شَرِيعَة وَلأَهل الْإِنْجِيل شَرِيعَة وَلأَهل الْقُرْآن شَرِيعَة يحلل الله فِيهَا مَا يَشَاء وَيحرم مَا يَشَاء فالدين وَاحِد والإله سُبْحَانَهُ وَاحِد وَلكُل أمة رَسُول وَشَرِيعَة شرعها الله تَعَالَى لَهُم ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ لنَبيه ﷺ مؤكدا مكررا ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَلَمَّا لم يكن بعد مُحَمَّد ﷺ نَبِي وَلَا رَسُول وَلَا شَرِيعَة تنسخ وَلَا تبدل وَلَا تحول إِذْ هُوَ خَاتم الْأَنْبِيَاء

стр. 70

جعل الله بعده الْعلمَاء فورثوا أَحْكَامه وسننه وطلبوا من كل علم أحْسنه وحفظوا لمن بعده مَا بَينه وحكموا بِالشَّرْعِ وَاتبعُوا سنَنه امتثالا لقَوْل الله ﴿وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ﴾ ثمَّ وبخ الله تَعَالَى من اتبع حكم الْجَاهِلِيَّة وذم من لم يحكم بالشريعة المرضية فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ وَحكم الله الَّذِي أذن بِهِ هُوَ الَّذِي رقمه الْعلمَاء فِي الدفاتر وَنَقله الأول مِنْهُم إِلَى الآخر فَمن عدل عَنهُ وَمَال فقد وَقع فِي الضلال وَاسْتحق الذَّم والنكال قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾

стр. 71

ثمَّ ذمّ أَقْوَامًا امْتَنعُوا وَلم يجيبوا لحكم الله وَلَا اتبعُوا فَقَالَ ﴿وَإِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون﴾ ومدح أَقْوَامًا أجابوا إِلَى الحكم فَقَالَ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَقد سبق أَن الْعلمَاء هم القائمون فِي الْأمة مقَام الرَّسُول وهم الموضحون والحافظون لما جَاءَ من الْمَنْقُول وهم الداعون إِلَى مِلَّته الذابون عَن شَرعه وسنته فسنته وَللَّه الْحَمد بَاقِيَة وشريعته وَللَّه الْمِنَّة غالبة عالية قد أكد الله على الْخلق طاعتها وَأوجب على الْكل رعايتها وَفرض عَلَيْهِم حمايتها وَجعل من مَال عَنْهَا أَو تكره أمرهَا ظَالِما وَمن أهملها وضيعها فَاسِقًا آثِما لِأَن بتضييع الشَّرِيعَة هدم الْإِسْلَام وتغيير جملَة الْأَحْكَام والوقوع ف ي الشّبَه والآثام والتسبب إِلَى إهدار دِمَاء الْأَنَام قَالَ كَعْب الْأَحْبَار لِابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم

стр. 72

إِذا رَأَيْتُمْ السيوف قد أعريت والدماء قد أهرقت فاعلموا أَن حكم الله سُبْحَانَهُ قد ضيع فانتقم الله لبَعْضهِم من بعض وَقيل فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ يَعْنِي وشريعتك فيهم ذكره أَبُو جَعْفَر فِي كتاب عجائب الملكوت وَغَيره وَمُقْتَضى هَذَا أَنهم إِذا ضيعوا الشَّرِيعَة حل بهم الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب وَقد ورد فِي الحَدِيث (لَا قدست أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها حَقه من قويها) رَوَاهُ صَاحب التَّرْغِيب والترهيب وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ (إِنَّمَا هلك الَّذين قبلكُمْ أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف قطعوه) فَأخْبر ﷺ أَن تَضْييع الشَّرْع سَبَب الْهَلَاك وَمن تَضْييع حكم الله تَعَالَى أَن يَقُول الرجل لصَاحبه بيني وَبَيْنك مَا قَالَ الله أَو مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَو مَا قَالَ حَاكم الْمُسلمين فَيَقُول لَهُ خَصمه لَا أقبل هَذَا وَلَا أجيبك إِلَى ذَا وَقَائِل

стр. 73

هَذَا فَاسق بِالْإِجْمَاع مَعْدُود من الفجرة بل كَافِر إِن قصد بِهِ الإستخفاف بالشريعة المطهرة إِذْ قد سبق وتقرر بِجَمِيعِ مَا تقدم وتكرر أَن الْفُقَهَاء والحكام هم القائمون مقَام الرَّسُول ﷺ وَمن عصاهم فقد عصى الله وَمن أطاعهم فقد أطَاع الله إِذْ هم وراث رسل الله فمخالفهم مارق عَن الدّين وخاذلهم فَاسق بِيَقِين وَقد عرض رجل بذم الْمُفْتِي فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ ضربا فأدبه عمر ﵁ ضربا بِالدرةِ وَقَالَ لَهُ تغمص الْفتيا أَي تحتقرها وتطعن فِيهَا هَكَذَا كَانَت شدتهم فِي دين الله وتعصبهم لشريعة رَسُول الله ﷺ لِأَن بإضاعة حكم الله التَّعَرُّض لسخط الله والتسبب إِلَى مقت الله وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ (إِن من عَلَامَات السَّاعَة بيع الحكم) وَمن بَيْعه أَن يبْذل مَال على تَغْيِير الحكم أَو على عزل الْحَاكِم من غير جرم أَو على أَن لَا يحضر من ادعِي عَلَيْهِ ظلم فَمن فعل هَذِه الْأَسْبَاب فقد بعد عَن الرشد وَالصَّوَاب ويخشى عَلَيْهِ تَعْجِيل الْعَذَاب وَالله الْهَادِي بِلُطْفِهِ إِلَى المتاب

стр. 74

وَلَقَد أرشد من أنْشد فِي الْحَث على التَّقْوَى وَالصَّبْر عِنْد تغير الْوُلَاة فِي الدَّهْر شعرًا (إِذا كَانَ وَالِي النَّاس لَا يدْفع الظلما ... وَلَا يقمع الْجَانِي وَلَا ينصر الحكما) (وَلَا يسمع الْمَظْلُوم إِن جَاءَ شاكيا ... وَلَا يتبع الْإِنْصَاف وَالْعدْل والعلما) (وَلَا ينصر الشَّرْع الشريف بِنَفسِهِ ... فأخسس بِهِ قد خس قدرا وَهَان آسما) (وَإِن قيل هَذَا الشَّرْع شرع مُحَمَّد ... وسنته الْبَيْضَاء وبرهانه الأسمى) (تولى وَلم ينصف وَأدبر معرضًا ... وأتبع أهل الْعلم والفقها ذما) (وَصَارَ طلاب الْعلم وَالدّين عِنْده ... هباء وَذُو التَّقْوَى ينيلونه شتما) (إِذا كَانَ هَذَا فاترك الْقَوْم جانبا ... وعذ بإله الْعَرْش ذِي الْعِزَّة الْعُظْمَى) (إِذا استهزؤا بِالدّينِ وَالشَّرْع والتقى ... فَمَا فيهم خير يُرْجَى وَلَا سِيمَا)

стр. 75

(وَلَا خير فِي عبد يرد أُمُوره ... إِلَيْهِم ويرجو من جوانبهم غنما) (فلذ بحبال الصَّبْر وَالدّين دَائِما ... تنَلْ خير مَا ترجو وتكفى الَّذِي هما) (وقم بِكِتَاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُول الله والعلما قدما) (ولازم على درس البُخَارِيّ وَمُسلم ... وإحيا عُلُوم الدّين واجل بِهِ الهما) (وواظب على التَّقْوَى وَكن متورعا ... صبورا على الْبلوى وبالدين كن شهما) (وَشرع رَسُول الله فَالْزَمْ بحبله ... وخل رجال الظُّلم يرتكبوا الإثما) (ودعهم جَمِيعًا يحطبوا لحريقهم ... ويحتقبوا شرا ويكتسبوا جرما) (فَكل أنَاس ضيعوا الشَّرْع والتقى ... سيأتيهم خطب فيحطمهم حطما) (فَمَا الدّين وَالدُّنْيَا وَلَا الْخَيْر كُله ... سوى سنة الْمُخْتَار يَا حسنها أما)
следующие страницы →