Полный текст (233 стр.). Показаны 211–233 · переход к 216.
стр. 211
تكريما لَهُم حَتَّى لَا يحسوا ألم الْعَذَاب بعد الإحتراق بِخِلَاف الحى الذى هُوَ من أَهلهَا مخلدا فِيهَا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب وَقيل يجوز أَن تكون إماتتهم عبارَة عَن تغييبة إيَّاهُم عَن آلامها بِالنَّوْمِ وَلَا يكون ذَلِك موتا حَقِيقَة فان النّوم قد يغيب عَن كثير من الآلام والملاذ
وَقد سَمَّاهُ الله وَفَاة فَقَالَ الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا والتى لم تمت فى منامها فَهُوَ وَفَاة وَلَيْسَ بِمَوْت على الْحَقِيقَة الَّتِى هُوَ خُرُوج الرّوح عَن الْبدن وَكَذَلِكَ الصعقة قد عبر الله بهَا عَن الْمَوْت فى قَوْله تَعَالَى فَصعِقَ من فى السَّمَوَات وَمن فى الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله وَأخْبر عَن مُوسَى ﵇ أَنه خر صعقا وَلم يكن ذَلِك موتا على الْحَقِيقَة غير أَنه لما غيب عَن أَحْوَال الْمُشَاهدَة من الملاذ والآلام جَازَ أَن يُسمى موتا وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكون إماتتهم غيبتهم عَن الآلام وهم أَحيَاء بلطيفة يحدثها الله فيهم كَمَا غيب النسْوَة اللاتى قطعن أَيْدِيهنَّ بِشَاهِد ظهر لَهُنَّ فغبن بِهِ عَن آلامهن
والتأويل أصح لما ذَكرْنَاهُ من تأكيده بِالْمَصْدَرِ وَلقَوْله فى نفس الحَدِيث حَتَّى إِذا كَانُوا فحما فهم أموات على الْحَقِيقَة كَمَا أَن أَهلهَا أَحيَاء على الْحَقِيقَة وَلَيْسوا بأموات
فان قيل مَا معنى ادخالهم النَّار وهم غير عَالمين قيل أَن يجوز أَن يدخلهم تأديبا لَهُم وَأَن لم يعذبهم فِيهَا وَيكون صرف نعيم الْجنَّة عَنْهُم مُدَّة كَونهم فِيهَا عُقُوبَة لَهُم كالمحبوسين فى السجون فان الْحَبْس عُقُوبَة لَهُم وَإِن لم يكن مَعَه غل وَلَا قيد وَالله أعلم
وَعَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يخرج أَو أخرجُوا من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ فى قلبه من الْخَيْر مَا يزن شعيره أخرجُوا من
стр. 212
النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ركان فى قلبه من الْخَيْر مَا يزن بره أخرجُوا من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ قلبه من الْخَيْر مَا يزن ذرة أخرجه الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَعنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَقُول الله أخرجُوا من النَّار من ذَكرنِي يَوْمًا أَو خافني فى مقَام اخرجه الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب
بَاب فى الشفعاء وَذكر الجهنميين
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النبى ﷺ قَالَ أَن الصّيام والقرأن يشفعان للْعَبد يَقُول الصّيام رب منعته الطَّعَام والشهوات بالهنار فشفعنى فِيهِ وَيَقُول الْقُرْآن منعته النّوم بِاللَّيْلِ فشفعني فِيهِ فيشفعان أخرجه ابْن الْمُبَارك
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَفِيه بعد قَوْله فى نَار جَهَنَّم حَتَّى إِذا خلص الْمُؤْمِنُونَ من النَّار فوالذى نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُم من أحد بأشد مناشدة لله تَعَالَى فى اسْتِيفَاء الْحق من الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة لاخوانهم الَّذين فى النَّار يَقُولُونَ رَبنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعنا وَيصلونَ ويحجون فَيُقَال لَهُم أخرجُوا من عَرَفْتُمْ فَتحرم صورهم على النَّار فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا مِنْهُم من أَخَذته النَّار إِلَى نصف سَاقه وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ يَقُولُونَ رَبنَا مَا بَقِي أحد مِمَّن أمرتنا بِهِ فَيَقُول ﷻ ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فى قلبه مِثْقَال دِينَار من خير فاخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا أحدا مِمَّن أمرتنا بِهِ ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فى قلبه مِثْقَال نصف دِينَار من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ
стр. 213
رَبنَا لم نذر مِمَّن أمرتنا أحدا ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فى قلبه مِثْقَال ذرة من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا خيرا وَكَانَ أَبُو سعيد يَقُول إِن لم تصدقونى بِهَذَا الحَدِيث فاقرءوا إِن شِئْتُم إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما فَيَقُول الله تَعَالَى شفعت الْمَلَائِكَة وشفع النَّبِيُّونَ وشفع الْمُؤْمِنُونَ وَلم يبْق إِلَّا أرْحم الرَّاحِمِينَ
وفى البخارى بدله وَبقيت شفاعتى فَيقبض قَبْضَة من النَّار فَيخرج مِنْهَا قوما لم يعملوا خيرا قطّ قد عَادوا حمما فيليهم على نهر على أَفْوَاه الْجنَّة يُقَال لَهُ نهر الْحَيَاة فَيخْرجُونَ كَمَا تخرج الْحبَّة فى حميل السَّيْل أَلا ترونها يكون إِلَى الْحجر أَو إِلَى الشّجر مَا يكون إِلَى الشَّمْس أصيفر وأخيضر وَمَا يكون مِنْهَا إِلَى الظل يكون ابيض
فَقَالُوا يَا رَسُول الله كَأَنَّك كنت ترعى بالبادية قَالَ فَيخْرجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فى رقابهم الخواتيم يعرفونهم أهل الْجنَّة هَؤُلَاءِ عُتَقَاء الله الَّذين أدخلهم الْجنَّة بِغَيْر عمل عملوه وَلَا خير قدموه ثمَّ يَقُول ادخُلُوا الْجنَّة فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لكم فَيَقُولُونَ رَبنَا أَعطيتنَا مالم تعط أحدا من الْعَالمين فَيَقُول لكم عندى أفضل من هَذَا فَيَقُول رَبنَا وأى شىء أفضل من هَذَا فَيَقُول رضاى لَا أَسخط عَلَيْكُم بعده أبدا اخرجه ابْن مَاجَه وفى الْبَاب أَحَادِيث وَرِوَايَات بطرق وألفاظ
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا فرغ الله من الْقَضَاء بَين خلقه أخرج كتابا من تَحت الْعَرْش إِن رحمتى سبقت غَضبى وَأَنا أرْحم الرَّاحِمِينَ قَالَ فَيخرج من النَّار مثل أهل الْجنَّة أَو قَالَ مثلى أهل الْجنَّة قَالَ وَأكْثر ظنى أَنه قَالَ مثلى أهل الْجنَّة مَكْتُوب بَين اعينهم عُتَقَاء الله
стр. 214
وفى هَذِه الْأَحَادِيث فَوَائِد كَثِيرَة مِنْهَا أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَمِنْهَا أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة من شرائع الْإِيمَان وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ أَي صَلَاتكُمْ وَقيل المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث أَعمال الْقُلُوب كَأَنَّهُ يَقُول اخْرُجُوا من عمل عملا بنية من قلبه لقَوْله الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَيجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ رَحْمَة على مُسلم رقة على يَتِيم خوفًا من الله تَعَالَى رَجَاء لَهُ توكلا عَلَيْهِ ثِقَة بِهِ مِمَّا هِيَ أَفعَال الْقلب دون الْجَوَارِح وسماها إِيمَانًا لكَونهَا فى مَحل الْإِيمَان وَهَذَا الذى قواه القرطبى وأيده فِي التَّذْكِرَة
وَعَن أنس عَن النبى ﷺ قَالَ يخرج قوم من النَّار بعد مَا مسهم مِنْهَا سفع فَيدْخلُونَ الْجنَّة فتسميهم أهل الْجنَّة الجهنميين خرجه البخارى وَعَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النبى ﷺ قَالَ ليخرجن قوما من أمتى بشفاعتى يسمون الجهنميين رَوَاهُ الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح أخرجه البخارى وَأَبُو دَاوُد أَيْضا
وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ شفاعتى لأهل الْكَبَائِر من امتى زَاد الطيالسى قَالَ فَقَالَ لى جَابر من لم يكن من أهل الْكَبَائِر فَمَا لَهُ وللشفاعة وَذكر أَبُو دَاوُد والدارقطنى عَن أَبى أُمَامَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم أَنا بشرار أمتى قَالُوا فَكيف أَنْت بخيارها قَالَ أما خِيَارهَا فَيدْخلُونَ الْجنَّة بأعمالهم وَأما شرارهم فَيدْخلُونَ الْجنَّة بشفاعتي
стр. 215
وَعَن ابى مُوسَى الاشعرى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خيرت بَين الشَّفَاعَة وَبَين أَن يدْخل نصف أمتى الْجنَّة فاخترت الشَّفَاعَة لِأَنَّهَا أَعم وأكفى أترونها لِلْمُتقين لَا وَلكنهَا للمذنبين الْخَطَّائِينَ المتلوثين رَوَاهُ ابْن ماجة وفى الْبَاب أَحَادِيث بِأَلْفَاظ وطرق
وَعِنْده من حَدِيث عَوْف بن مَالك الأشجعى نَحوه وفى آخِره قُلْنَا يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يجعلنا من أَهلهَا قَالَ هِيَ لكل مُسلم
قَالَ القرطبى شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ وَالْمَلَائِكَة والنبيين وَالْمُؤمنِينَ لمن كَانَ لَهُ عمل زَائِد على مُجَرّد التَّصْدِيق وَمن لم يكن مَعَه من الْإِيمَان خير من الدّين يتفضل الله عَلَيْهِم فيخرجوهم من النَّار فضلا وكرما وَعدا مِنْهُ حَقًا وكلمته صدقا إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء فسبحان الرءوف بِعَبْدِهِ الوفي بعهده انْتهى
стр. 216
بَاب فِي الشافعين لمن دخل النَّار وَمَا جَاءَ أَن النبى ﷺ يشفع رَابِع أَرْبَعَة وَذكر
من يبْقى فى جَهَنَّم بعد ذَلِك
عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يشفع يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء أخرجه ابْن مَاجَه وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ يشفع نَبِيكُم رَابِع أَرْبَعَة جِبْرِيل ثمَّ ابراهيم ثمَّ مُوسَى أَو عِيسَى ثمَّ نَبِيكُم ﷺ ثمَّ الْمَلَائِكَة ثمَّ النَّبِيُّونَ ثمَّ الصديقيون ثمَّ الشُّهَدَاء وَيبقى قوم فى جَهَنَّم فَيُقَال لَهُم مَا سلككم فى سقر إِلَى قَوْله فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين
قَالَ ابْن مَسْعُود فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين يبقون فى جَهَنَّم أخرجه ابْن السماك أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد وَقيل أَن هَذَا هُوَ الْمقَام الْمَحْمُود لنبينا ﷺ كَمَا أخرج أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن عبد الله أى ابْن مَسْعُود وَلَفظه قَالَ ثمَّ يَأْذَن الله فى الشَّفَاعَة فَيقوم روح الْقُدس جِبْرِيل ﵇ ثمَّ يقوم إِبْرَاهِيم ثمَّ يقوم مُوسَى أَو عِيسَى ﵉ ثمَّ يقوم نَبِيكُم رَابِعا فَيشفع لَا يشفع لأحد من بعده فى أَكثر مِمَّا يشفع وَهُوَ الْمقَام الْمَحْمُود الذى قَالَه الله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾
وَعَن عبد الله بن أَبى الجدعا أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ليدخلن الْجنَّة بشفاعة رجل من أمتى أَكثر من بنى تَمِيم قيل يَا رَسُول الله سواك قَالَ سواي قلت أَنْت سمعته من رَسُول الله قَالَ أَنا سمعته أخرجه ابْن مَاجَه والترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
стр. 217
غَرِيب وَلَا يعرف لِابْنِ الجدعا غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد وخرجه الْبَيْهَقِيّ فى دَلَائِل النُّبُوَّة
وَعَن أَبى أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يدْخل بشفاعة رجل من أمتى الْجنَّة مثل أحد الحبين ربيعَة وَمُضر قَالَ قيل يَا رَسُول الله وَمَا ربيعَة من مُضر قَالَ إِنَّمَا أَقُول مَا أَقُول قَالَ فَكَانَ المشيخة يرَوْنَ أَن ذَلِك الرجل عُثْمَان بن عَفَّان أخرجه ابْن السماك
وَعَن أَبى سعيد الخدرى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن من أمتى من يشفع للفئام وَمِنْهُم من يشفع للقبيلة وَمِنْهُم من يشفع للْعصبَةِ وَمِنْهُم من يشفع للرجل حَتَّى يدْخلُونَ الْجنَّة أخرجه الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن وَعَن ثَابت أَنه سمع أنس بن مَالك يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليشفع للرجلين وَالثَّلَاثَة قَالَ القاضى عِيَاض فى الشِّفَاء عَن كَعْب إِن لكل رجل من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم شَفَاعَة
قَالَ القرطبى إِن قَالَ قَائِل كَيفَ تكون الشَّفَاعَة لمن دخل النَّار وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ وَقَالَ لايشفعون إِلَّا لمن ارتضى وَقَالَ وَكم من ملك فى السَّمَوَات لَا تغنى شفاعتهم شَيْئا إِلَّا من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى وَمن يرضاه الله لَا يخزيه أبدا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه نورهم يسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم﴾ الْآيَة
قُلْنَا هَذَا مَذْهَب أهل الْوَعيد الَّذين ضلوا عَن الطَّرِيق وحادوا عَن التَّحْقِيق وَأما مَذْهَب أهل السّنة الَّذين جمعُوا بَين الْكتاب وَالسّنة فَإِن الشَّفَاعَة تَنْفَع العصاة من أهل الْملَّة حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم أحدا إِلَّا دخل الْجنَّة ثمَّ أجَاب عَن الْآيَات بِأَنَّهَا خَاصَّة جَاءَت فى قوم لَا يخرجُون من النَّار
стр. 218
قَالَ أَبُو حَامِد الغزالى ﵀ فى الاحياء إِذا حق دُخُول النَّار على طوائف من الْمُؤمنِينَ فان الله تَعَالَى بفضله يقبل فيهم شَفَاعَة الْأَنْبِيَاء وَالصديقين بل شَفَاعَة الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ وكل من لَهُ عِنْد الله تَعَالَى جاه وَحسن مُعَاملَة فان لَهُ شَفَاعَة فى أَهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه فَكُن حَرِيصًا على أَن تكتسب لنَفسك عِنْدهم رُتْبَة للشفاعة وَذَلِكَ بِأَن لَا تستصغر مَعْصِيّة أصلا فان الله تَعَالَى خبأ غَضَبه فى مَعَاصيه فَلَعَلَّ مقت الله فِيهِ
وشواهد الشَّفَاعَة فى الْقُرْآن وَالْأَخْبَار كَثِيرَة انْتهى
ثمَّ ذكر آيَات وأخبار مِنْهَا حَدِيث اخْتِلَاف النَّاس إِلَى آدم ونوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ثمَّ إِلَى مُحَمَّد ﷺ قَالَ فَهَذِهِ شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ والأحاد أمته من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ شَفَاعَة أَيْضا
قلت وَلَكِن هَذِه الشَّفَاعَة تكون باذن من الله سُبْحَانَهُ كَمَا نطق بِهِ الْكتاب الْعَزِيز فى مَوَاضِع وَرَسُول الله ﷺ أول شَافِع وَأول مُشَفع يَوْم الْقِيَامَة اللَّهُمَّ ارزقنا شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا لمن أذن لَهُ
وَقَالَ فى الْمَوَاهِب اللدنية وَأما مَا يغتر بِهِ الْجُهَّال من أَنه لَا يرضى رَسُول الله ﷺ أَن يدْخل اُحْدُ من أمته النَّار فَهُوَ غرور الشَّيْطَان لَهُم ولعبه بهم فانه يرضى بِمَا يرضى بِهِ ربه ﵎ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يدْخل النَّار من يَسْتَحِقهَا من الْكفَّار والعصاة ثمَّ يحد لرَسُول الله ﷺ حدا يشفع فيهم وَرَسُول الله أعرف بِهِ وبحقه من أَن يَقُول لَا أرْضى أَن يدْخل أحدا من أمتى النَّار ويدعه فِيهَا بل ربه ﵎ يَأْذَن لَهُ فى الشَّفَاعَة فِيمَن شَاءَ الله أَن يشفع فِيهِ وَلَا يشفع فى غَيره من أذن لَهُ ويرضيه
стр. 219
وَقَالَ الخازن تَحت الْآيَة الأولى هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وَالْمعْنَى لَا يشفع عِنْده أحدا إِلَّا بأَمْره وإرادته وَذَلِكَ إِن الْمُشْركين زَعَمُوا أَن الْأَصْنَام يشفعون لَهُم فَأخْبر أَنه لاشفاعة لأحد عِنْده إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ بقوله ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يُرِيد بذلك شَفَاعَة النبى ﷺ وشفاعة الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وشفاعة الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض
وفى الْكَبِير لَا يقدر أحد على الشَّفَاعَة إِلَّا بِإِذن الله تَعَالَى فَيكون الشَّفِيع فى الْحَقِيقَة الذى يَأْذَن الله لَهُ فى تِلْكَ الشَّفَاعَة
وَقَالَ فِي الخازن أَيْضا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا﴾ أى لَا يشفع أحدا إِلَّا بِإِذْنِهِ وفى الحَدِيث فَاسْتَأْذن على ربى فَيَأْذَن لى وَقَالَ الشَّيْخ زين الدّين بن على المقرى فى مرشد الطلاب أعلم إِنَّه ﷺ لَا يشفع لجَمِيع عباد الله بل يشفع لمن أذن الله فى شَفَاعَته انْتهى
وفى تَفْسِير الحدادى لَا يشفع أحد لأحد عِنْد الله إِلَّا بأَمْره وَرضَاهُ كَمَا يشفع الْمُؤْمِنُونَ بَعضهم لبَعض بِالدُّعَاءِ كَمَا يشفع الْأَنْبِيَاء للْمُؤْمِنين
وفى الْبَاب أَخْبَار وآثار كَثْرَة واقوال لأهل الْعلم غزيرة لَا يَتَّسِع هَذَا الْمقَام لبسطها
стр. 220
الخاتمة
فِيمَا يُرْجَى من رَحْمَة الله تَعَالَى ومغفرته وعفوه يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار وَالله يَدْعُو إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَبك الْغَنِيّ ذُو الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ ﴿عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى هُوَ ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ وَهَذِه الْآيَة فى مَوَاضِع من الْقُرْآن الْكَرِيم
وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تيئسوا من روح الله إِنَّه لَا ييئس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى نبىء عبادى إنى أَنا الغفور الرَّحِيم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَبك الغفور ذُو الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن حَملَة الْعَرْش أَنهم يَقُولُونَ ﴿رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم﴾
стр. 221
﴿وأزواجهم وذرياتهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعف عَن كثير﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَهَذِه غير الأولى
وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الرَّحْمَن الرَّحِيم وهما مشتقتان من الرَّحْمَة على طَرِيق الْمُبَالغَة والرحمن أَشد مُبَالغَة من الرَّحِيم وفى كَلَام ابْن جرير مَا يفهم حِكَايَة الِاتِّفَاق على هَذَا وَلذَلِك قَالُوا رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَرَحِيم الدُّنْيَا وَقد تقررأن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى
قَالَ القرطبى وصف نَفسه الْكَرِيمَة بهما لِأَنَّهُ لما كَانَ باتصاف رب الْعَالمين ترهيب قربه بالرحمن الرَّحِيم لما تضمن من التَّرْغِيب ليجمع فى صِفَاته بَين الرهبة مِنْهُ وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فَيكون أعون على طَاعَته وَأَمْنَع وَقيل فَائِدَة تكريره هُنَا بعد الذّكر فى الْبَسْمَلَة أَو الْعِنَايَة بِالرَّحْمَةِ أَكثر من غَيرهَا من الْأُمُور وَإِن الْحَاجة إِلَيْهَا أَكثر فنبه بتكرير ذكر الرَّحْمَة على كثرتها وَأَنه هُوَ الْمفضل لَهَا على خلقه ذكره الشوكانى رح فى تَفْسِيره فتح الْقَدِير
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات قَالَ الحليمى فى معنى الرَّحْمَن أَنه المزيج للعلل وفى معنى الرَّحِيم أَنه المشيب على الْعَمَل فَلَا يضيع لعامل عملا وَلَا يهدر لساع سعيا وينيله بفضله رَحمته من الثَّوَاب أَضْعَاف عمله
وَقَالَ الخطابى ذهب بَعضهم إِلَى أَن الرَّحْمَن غير مُشْتَقّ من الرَّحْمَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مشتقا مِنْهَا لاتصل بِذكر المرحوم وَلَا تنكره الْعَرَب حِين سَمِعُوهُ وَزعم بَعضهم أَنه اسْم عبرانى وَذهب الْجُمْهُور من النَّاس إِلَى أَنه مُشْتَقّ من الرَّحْمَة ينبىء عَن الْمُبَالغَة وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَة لَا نَظِير لَهُ فِيهَا وَلذَلِك لَا يثنى
стр. 222
وَلَا يجمع فالرحمن ذُو الرَّحْمَة الشاملة الَّتِى وسعت الْخلق فى ارزاقهم واسباب مَعَايشهمْ ومصالحهم وعمت الْمُؤمن وَالْكَافِر والصالح والطالح
وَأما الرَّحِيم فخاص للْمُؤْمِنين كَقَوْلِه ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ والرحيم بِمَعْنى رَاحِم وَبِنَاء فعيل أَيْضا للْمُبَالَغَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس الرَّحْمَن هُوَ الرفيق والرحيم هُوَ العاطف على خلقه بالرزق وهما اسمان رقيقان احدهما أرق من الآخر وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن يحيى الرَّحْمَن خَاص فى التَّسْمِيَة عَام فى الْفِعْل والرحيم عَام فى التَّسْمِيَة خَاص فى الْفِعْل
قَالَ ابْن عَبَّاس فى قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ وَقَالَ قل ادعو الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تَدْعُو فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَقَالَ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ وَقَالَ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ وَقَالَ فى فواتح السُّور غير التَّوْبَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَالَ فى فَاتِحَة الْآيَات الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَالَ ﴿تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾
وَبِالْجُمْلَةِ فالرحمة صفة عَظِيمَة عَامَّة من صِفَات الرَّحْمَن الرَّحِيم يظْهر أَثَرهَا على وَجه الْكَمَال إِن شَاءَ الله تَعَالَى يَوْم الدّين وتعم الصَّالِحين والطالحين من الْمُؤمنِينَ حِين يغْفر الله سبحانهوتعالى ذنُوب المذنبين وَيَعْفُو الْخَطَايَا والجرائم للخاطئين
وَمن نعم الله سُبْحَانَهُ على عباده أَن وصف نَفسه الْكَرِيمَة بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّة وَالْمَغْفِرَة الشاملة وَوصف رَسُوله مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين وشفيع المذنبين بقوله فى كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ فَوَقَعت أمته المرحومة بَين رحيمين كريمين والرحيم إِذا قدر رحم والكريم إِذا غلب غفر فالرحمة وَالْمَغْفِرَة للعصاة من الْمُوَحِّدين المتبعين للسّنة وَالْكتاب
стр. 223
والمقرين على أنفسهم بالقصور عَن بُلُوغ ذرْوَة كَمَال الِامْتِثَال بإتيان صوالح الاعمال ثابتتان بأدلة الْقُرْآن ونصوص السّنة لَا سِيمَا أَنه سُبْحَانَهُ يَتُوب على التائبين وَيغْفر للمستغفرين ويفرح بتوبة عباده الْمُؤمنِينَ ويجزى الْمُحْسِنِينَ وَيُحب المتطهرين التوابين وَقد سبقت رَحمته على غَضَبه وَرضَاهُ على سخطه وعفوه على انتقامه وَهُوَ أَحَق بذلك وَأولى وَقد وَردت فى ذَلِك أَخْبَار كَثِيرَة صَحِيحَة لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها لما أَنه يستدعى مؤلفا مُسْتقِلّا وَلَكِن مَالا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله فلنذكر من ذَلِك شَيْئا ندرا رَجَاء الْعَفو والغفران من الرَّحِيم الرَّحْمَن فانه على مَا يَشَاء قدير وبالاجابة جدير
وَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما قضى الله الْخلق كتب فى كتاب فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش أَن رحمتى تغلب غَضبى أخرجه الشَّيْخَانِ والترمذى وَعند البخارى ﵀ فى رِوَايَة أُخْرَى أَن رحمتى غلبت غَضبى وَعند الشَّيْخَيْنِ فى أُخْرَى سبقت غَضبى وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ جعل الله الرَّحْمَة مائَة جُزْء فَأمْسك عِنْده تِسْعَة وَتسْعُونَ وَأنزل الله فى الأَرْض جُزْءا وَاحِدًا فَمن ذَلِك الْجُزْء تتراحم الْخَلَائق حَتَّى ترفع الدَّابَّة حافرها عَن وَلَدهَا خشيَة أَن تصيبه أخرجه الشَّيْخَانِ والترمذى
وَعَن سُلَيْمَان الفارسى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله تَعَالَى مائَة رَحْمَة فَمِنْهَا رَحْمَة يتراحم بهَا الْخلق بَينهم وتسع وَتسْعُونَ ليَوْم الْقِيَامَة أخرجه مُسلم وَله فى أُخْرَى أَن الله تَعَالَى خلق يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض مائَة رَحْمَة كل رَحْمَة طباق مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَجعل مِنْهَا فى الأَرْض رَحْمَة فِيهَا تعطف الوالدة على وَلَدهَا والوحش وَالطير بَعْضهَا على بعض فاذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أكملها الله تَعَالَى بِهَذِهِ الرَّحْمَة
стр. 224
وَأخرج ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى سعيد الخدرى وفى بعض طرق أَبى هُرَيْرَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رد هَذِه على تِلْكَ التِّسْعَة وَالتسْعين فأكملها مائَة رَحْمَة فرحم بهَا عبَادَة يَوْم الْقِيَامَة
وفى رِوَايَة أُخْرَى فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمعت الْوَاحِدَة إِلَى التِّسْعَة وَالتسْعين فكملن مائَة رَحْمَة حَتَّى أَن ابليس ليتطاول اليها رَجَاء أَن ينَال مِنْهَا شَيْئا
وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَلنْ تزَال الرَّحْمَة بِالنَّاسِ حَتَّى أَن أبليس ليهتز صَدره يَوْم الْقِيَامَة مِمَّا يرى من رَحْمَة الله وشفاعة الشافعين وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قدم على رَسُول الله ﷺ سبي فاذا أمْرَأَة من السبى تسْعَى قد تحلب ثديها إِذْ وجدت صَبيا فى السبى فَأَخَذته فالزقته بِبَطْنِهَا فأرضعته فَقَالَ ﷺ أَتَرَوْنَ هَذِه الْمَرْأَة طارحة وَلَدهَا فى النَّار قُلْنَا لَا وَالله وهى تقدر على أَن لَا تطرحه قَالَ فَالله تَعَالَى أرْحم بعباده من هَذِه بِوَلَدِهَا أخرجه الشَّيْخَانِ
وَعَن جرير بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يرحم الله من لَا يرحم النَّاس مُتَّفق عَلَيْهِ عَن ابى هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الصَّادِق المصدوق ﷺ يَقُول لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقى رَوَاهُ احْمَد والترمذى
وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن أرحموا من فى الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فى السَّمَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والترمذى
قَالَ الْحسن يَقُول يَقُول الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة جوزوا الصِّرَاط بعفوى وادخلوا الْجنَّة برحمتى واقتسموها بأعمالكم وَقَالَ ﷺ يُنَادى مُنَاد من تَحت
стр. 225
الْعَرْش يَا أمة مُحَمَّد أما مَا كَانَ لى قبلكُمْ فقد وهبته لكم وَبقيت النبعات فتواهبوها فِيمَا بَيْنكُم وادخلوا الْجنَّة برحمتى
ويروى أَن أَعْرَابِيًا سمع ابْن عَبَّاس يقْرَأ ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ فَقَالَ الْأَعرَابِي أنقذهم مِنْهَا وَهُوَ يُرِيد أَن يوقعهم فِيهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس خذوها من غير فَقِيه وَقَالَ الصنَابحِي دخلت على عبَادَة بن الصَّامِت وَهُوَ فى الْمَوْت فَبَكَيْت فَقَالَ مهلا لم تبك فوَاللَّه مَا من حَدِيث سمعته من رَسُول الله ﷺ لكم فِيهِ خير إِلَّا حَدَّثتكُمُوهُ إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا وسوف أحدثكموه الْيَوْم وَقد أحيط بنفسى سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله عَلَيْهِ النَّار أَو حرمه الله على النَّار أخرجه مُسلم وَالْأَخْبَار بِهَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة خرجها البخارى وَمُسلم وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة
وَقَالَ الأصمعى كَانَ رجل يحدث بأهوال يَوْم الْقِيَامَة وأعرابى جَالس يسمع فَقَالَ يَا هَذَا من يَلِي هَذَا منالعباد قَالَ الله تَعَالَى فَقَالَ الأعرابى إِن الْكَرِيم إِذا قد غفر وَعَن جَابر ﵁ قَالَ جَاءَ أعرابى إِلَى النبى ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الموجبتان قَالَ من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة وَمن مَاتَ يُشْرك بِهِ دخل النَّار رَوَاهُ مُسلم
وَعَن عتْبَان بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قد حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يبتغى بذلك وَجه الله أخرجه الشَّيْخَانِ وَعَن ابى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفسى بِيَدِهِ لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَجَاء بِقوم يذنبون فيستغفرون الله تَعَالَى فَيغْفر لَهُم رَوَاهُ مُسلم
стр. 226
وَعَن ابى ايوب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَوْلَا إِنَّكُم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغْفر لَهُم أخرجه مُسلم
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل مُسلم يَمُوت فَيقوم على جنَازَته اربعون رجلا لَا يشركُونَ بِاللَّه شَيْئا إِلَّا شفعهم الله فِيهِ رَوَاهُ مُسلم
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة نَاس من الْمُسلمين بذنوب أَمْثَال الْجبَال يغْفر الله لَهُم رَوَاهُ مُسلم
وَعَن ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدنى الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من ربه حَتَّى يضع عَلَيْهِ كتفه فيقرره بذنوبه فَيَقُول أتعرف ذَنْب كَذَا أتعرف ذَنْب كَذَا فَيَقُول رب أعرف قَالَ فانى قد سترتها عَلَيْك فى الدُّنْيَا وَأَنا أغفرها لَك الْيَوْم فَيعْطى صحيفَة حَسَنَاته أخرجه الشَّيْخَانِ
وَعَن أَبى مُوسَى ﵁ عَن النبى ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسىء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسىء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا رَوَاهُ مُسلم
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يجىء يَوْم الْقِيَامَة نَا من الْمُسلمين بذنوب أَمْثَال الْجبَال يغْفر الله لَهُم رَوَاهُ مُسلم
وَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله أَنا عِنْد ظن عبدى بِي وَأَنا مَعَه حَيْثُ يذكرنى وَالله لله أفرح بتوبة عَبده من احدكم يجد ضالته بالفلاة وَمن تقرب إِلَى ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِذا أقبل إِلَى يمشى اقبلت اليه أهرول مُتَّفق عَلَيْهِ
وَعَن جَابر رضى الله عَنهُ إِنَّه سمع النبى ﷺ يَقُول لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه رَوَاهُ مُسلم
стр. 227
وَعَن أنس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتنى ورجوتنى غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أبالى يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتنى غفرت لَك يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتنى بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتنى لَا تشرك بى لأتيتك بقرابها مغْفرَة رَوَاهُ الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة﴾ قَالَ فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أهل أَن أتقى فَلَا يَجْعَل معى إِلَه آخر فَمن اتَّقى أَن يَجْعَل معى إِلَهًا آخر فَأَنا أهل أَن أَغفر لَهُ أخرجه ابْن مَاجَه وخرجه أَبُو عِيسَى الترمذى بِمَعْنَاهُ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وروى عَن عبد الله بن أَبى أوفى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفسى بِيَدِهِ لله أرْحم بِعَبْدِهِ من الوالدة الشفيقة بِوَلَدِهَا
وَقَالَ أَبُو غَالب كنت اخْتلف إِلَى أَبى امامة بِالشَّام فَدخلت يَوْمًا على فَتى مَرِيض من جيران أَبى أُمَامَة رضى الله عَنهُ وَعِنْده عَم لَهُ وَهُوَ يَقُول يَا عَدو الله ألم آمُرك ألم أَنْهَك فَقَالَ الْفَتى يَا عماه لَو أَن الله تَعَالَى دفعنى إِلَى والدتى كَيفَ كَانَت صانعة بى قَالَ تدخلك الْجنَّة قَالَ الله ارْحَمْ بى من والدتى وَقبض الْفَتى فَدخلت الْقَبْر مَعَ عَمه فَلَمَّا آن سواهُ صَاح وَفرع فَقلت لَهُ مَالك فَقَالَ فسح لَهُ فى قَبره وملىء نورا
وَقَالَ هِلَال بن سعيد يُؤمر باخراج رجلَيْنِ من النَّار فَيَقُول الله تَعَالَى كَيفَ وجدتما مقيلكما فَيَقُولَانِ شَرّ مقيل فَيَقُول الله تَعَالَى ذَلِك بِمَا قدمت أيديكما وَمَا أَنا بظلام للعبيد وَيُؤمر بصرفهما إِلَى النَّار فيعدو أَحَدكُمَا فى سلاسله حَتَّى يقتحمها ويتلكأ الآخر فَيُؤْمَر بردهما ويسألهما عَن
стр. 228
فعلهمَا فَيَقُول الذى عدا قد خبرت من وبال الْمعْصِيَة مالم أكن لأتعرض لسخطك ثَانِيًا وَيَقُول الذى تلكأ حسن ظن بك إنت لَا تردنى إِلَيْهَا بعد مَا أخرجتنى مِنْهَا فيأمر بهما إِلَى الْجنَّة
قَالَ القرطبى هَذَا الْخَبَر رَفعه الترمذى ابو عِيسَى بِمَعْنَاهُ
عَن أَبى هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن رجلَيْنِ مِمَّن دخل النَّار اشْتَدَّ صياحهما فَقَالَ الرب ﵎ اخرجوهما فَلَمَّا أخرجَا قَالَ لَهما لأي شىء اشْتَدَّ صياحكما قَالَا فعلنَا ذَلِك لترحمنا قَالَ إِن رحمتى لَكمَا أَن تنطلقا فتلقيا نفسكما حَيْثُ كنتما من النَّار فينطلقان فَيلقى أَحدهمَا نَفسه فيجعلها عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَيقوم الآخر فَلَا يلقى نَفسه فَيَقُول الله ﵎ مَا مَنعك أَن تلقى نَفسك كَمَا القى صَاحبك فَيَقُول رب إنى أَرْجُو أَن لَا تعيدني بَعْدَمَا أخرجتنى مِنْهَا فَيَقُول الله ﵎ لَك رجاؤك فيدخلان الْجنَّة جَمِيعًا برحمة الله تَعَالَى
قَالَ ابو عِيسَى إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف لِأَنَّهُ عَن رشدين بن سعد وَرشْدِين ضَعِيف عَن ابْن انْعمْ وَهُوَ الأفريقى والأفريقى ضَعِيف عِنْد اهل الحَدِيث
وَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن إِسْحَاق بن سُوَيْد قَالَ صَحِبت مُسلم بن يسَار عَاما إِلَى مَكَّة فَلم أسمعهُ يكلم بِكَلِمَة حَتَّى بلغنَا ذَات عرق قَالَ ثمَّ حَدثنَا قَالَ بلغنى أَنه يُؤْتى بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة وَيُوقف بَين يدى الله تَعَالَى فَيَقُول انْظُرُوا فى حَسَنَاته فَلَا يُوجد لَهُ حَسَنَة فَيَقُول انْظُرُوا فى سيئاته فيوجد لَهُ سيئات كَثِيرَة فَيذْهب بِهِ إِلَى النَّار وَهُوَ يلْتَفت فَيَقُول أى الرب تَعَالَى ردُّوهُ إِلَى لم تلْتَفت فَيَقُول أى رب لم يكن هَذَا ظنى أَو رجائى فِيك شكّ إِبْرَاهِيم فَيَقُول صدقت فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى الْجنَّة
стр. 229
قَالَ القرطبى هَذَا الحَدِيث رَفعه ابْن الْمُبَارك فَقَالَ أخبرنَا رشدين بن سعد قَالَ حَدَّثَنى ابو هانىء الخولانى عَن عَمْرو بن مَالك الْجُهَنِىّ ان فضَالة بن عبيد وَعبادَة ابْن الصَّامِت رضى الله عَنْهُمَا حَدَّثَاهُ ان رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَفرغ الله من قَضَاء الْخلق يُؤْتى برجلَيْن فَيُؤْمَر بهما إِلَى النَّار فيلتفت أَحدهمَا فَيَقُول الْجَبَّار تبَارك اسْمه وَتَعَالَى جده ردُّوهُ فيردوه فَيُقَال لَهُ لم الْتفت فَيَقُول كنت أَرْجُو أَن تدخلنى الْجنَّة فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى الْجنَّة قَالَ فَيَقُول لقد أعطانى ربى حَتَّى لَو أطعمت أهل الْجنَّة مَا نقص ذَلِك مِمَّا عندى شَيْئا قَالَا أى فضَالة وَعبادَة فَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذكره يرى السرُور فى وَجهه
قَالَ القرطبى وفى هَذَا الْمَعْنى خبر الرجل الذى يرفع لَهُ شَجَرَة بعد أُخْرَى حِين يخرج من النَّار إِلَى أَن يدْخل الْجنَّة أخرجه مُسلم فى الصَّحِيح انْتهى وَقد تقدم فِيمَا سبق
وَعَن معَاذ بن جبل رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن شِئْتُم أنبأتكم بِأول مَا يَقُول الله للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة وبأول مَا يَقُولُونَ قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِن الله يَقُول للْمُؤْمِنين هَل أَحْبَبْتُم لقائى فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا قَالَ وَمَا حملكم على ذَلِك فَيَقُولُونَ رحمتك اى رب ورضوانك وعفوك فَيَقُول فانى قد أوجبت لكم رحمتى
وَعَن زيد بن اسْلَمْ ان رجلا كَانَ فى الْأُمَم الْمَاضِيَة يجْتَهد فى الْعِبَادَة ويشدد على نَفسه ويقنط النَّاس من رَحْمَة الله ثمَّ مَاتَ فَقَالَ أى رب مالى عنْدك قَالَ النَّار قَالَ يَا رب فاين عبادتى واجتهادى فَقيل لَهُ إِنَّك كنت تقنط النَّاس من رحمتى فى الدُّنْيَا وَأَنا اقنطك الْيَوْم من رحمتى
стр. 230
وَقَالَ مقَاتل قَالَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ الْفَقِيه من لم يؤيس النَّاس من رَحْمَة الله وَلم يرخص لَهُم فى معاصى الله ذكر ذَلِك كُله القرطبى فى التَّذْكِرَة لَهُ وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَإِن الله سيخلص رجلا من أمتى على رُءُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة فينشر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعين سجلا كل سجل مثل مد الْبَصَر
ثمَّ يَقُول أتنكر من هَذَا شَيْئا أظلمك كتبتى الحافظون فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول املك عذر فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول بلَى إِن لَك عندنَا حَسَنَة وَإنَّهُ لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَتخرج بطاقة فِيهَا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله واشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُول أحضر وزنك فَيَقُول يَا رب مَا هَذِه البطاقة مَعَ هَذِه السجلات فَيَقُول انك لَا تظلم قَالَ فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة قَالَ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فَلَا يثقل مَعَ اسْم الله شىء رَوَاهُ الترمذى وَابْن مَاجَه
كَذَا فى مشكاة المصابيح والسجل الْكتاب الْكَبِير والبطاقة على وزن الْكِتَابَة الرقعة الصَّغِيرَة المثوطة بِالثَّوْبِ يكْتب فِيهَا وزن مَا يَجْعَل هى فِيهِ إِن كَانَ عينا فوزنه أَو عدده وَإِن كَانَ مَتَاعا فثمنه قيل سميت بِهِ لِأَنَّهَا تشد بطاقة هدب الثَّوْب كَذَا فى الْقَامُوس قَالَ الطيبى فَيكون حِينَئِذٍ الْبَاء زَائِدَة
قَالَ فى اللمعات وَكَأَنَّهُ أبقيت الْبَاء الجارة الَّتِى هى صلَة الْفِعْل وهى لُغَة أهل مصر وَلَيْسَ مادته بطق انْتهى وَهَذَا الحَدِيث يُسمى حَدِيث البطاقة
وَمَا أحسن مَا قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير اليمانى أطاب الله ثراه وَجعل الْجنَّة مثواه
مهما تفكرت فى ذنوبى ... خفت على قلبى احتراقه
لكنه ينطفى لهيبى ... بِذكر مَا جَاءَ فى البطاقة
стр. 231
ولشيخنا وبركتنا القاضى مُحَمَّد بن على الشوكانى ﵀ كتاب سَمَّاهُ الدُّرَر الفاخرة الشاملة على سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ كتاب نَافِع جدا ينبغى لأهل الْعلم وَالدّين الِاشْتِغَال بِهِ ليسعدوا بِكُل سَعَادَة ويتجافوا عَن كل مُوجب للشقاوة
هَذَا وَنحن نَسْتَغْفِر الله تَعَالَى من كل ذَنْب زلت بِهِ الْقدَم أَو طَغى بِهِ الْقَلَم فى كتَابنَا هَذَا وفى سَائِر كتبنَا وَنَسْتَغْفِرهُ من أقوالنا الَّتِى لَا توافقها أَعمالنَا وَنَسْتَغْفِرهُ من كل علم وَعمل قصدنا بِهِ وَجهه الْكَرِيم ثمَّ خالطه غَيره وَمن كل نعْمَة أنعم بهَا علينا فاستعملناها فى مَعْصِيّة وَمن كل تَصْرِيح وتعريض بِنُقْصَان نَاقص وتقصير مقصر كُنَّا متصفين بِهِ وَمن كل خطره دعتنا إِلَى تصنع وتكلف تزينا للنَّاس فى كتاب سطرناه أَو علم أفدناه أَو استفدناه
ونرجوا بعد الاسْتِغْفَار من جَمِيع ذَلِك كُله لنا أَن نكرم بالمغفرة وَالرَّحْمَة والتجاوز عَن جَمِيع السَّيِّئَات ظَاهرا أَو بَاطِنا أَولا وآخرا فان الْكَرم عميم وَالرَّحْمَة وَاسِعَة والجود على أَصْنَاف الْخَلَائق فائض وَنحن خلق من خلق الله عز الله وَلَا وَسِيلَة لنا إِلَيْهِ إِلَّا فَضله وَكَرمه
وَقد قَالَ جَابر بن عبد الله مَا زَادَت حَسَنَاته على سيئاته يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك الذى يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَمن اسْتَوَت حَسَنَاته وسيئاته يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك الذى يُحَاسب حسابا يَسِيرا وَمن زَادَت سيئاته على حَسَنَاته يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك الذى لَا يدْخل الْجنَّة وَإِنَّمَا شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ لمن أوبق نَفسه وأثقل ظَهره بَعْدَمَا يَأْذَن الله لَهُ فى حق من شَاءَ
وَنَرْجُو من الله تَعَالَى أَن لَا يعاملنا بِمَا نستحقه ويتفضل علينا بِمَا هُوَ أَهله بمنه وسعة جوده وَرَحمته إِنَّه قريب مُجيب الدَّعْوَات
стр. 232
وَقد قَالَ تَعَالَى وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما وَقَالَ تَعَالَى وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا الْآيَة والآيات فى الْبَاب كَثِيرَة مَعْلُومَة
عَن وائله بن الْأَسْقَع عَن النبى ﷺ قَالَ قَالَ الله ﵎ أَنا عِنْد ظن عبدى بى فليظن بى مَا شَاءَ أخرجه الدارمى
وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قاربوا وسددوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن ينجه عمله قَالُوا يَا رَسُول الله وَلَا أَنْت قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدنى الله برحمة مِنْهُ وفضلا رَوَاهُ الدرامى وَعِنْده عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل بنى آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه الحَدِيث رَوَاهُ الدارمى وَعنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله عَلَيْهِ النَّار رَوَاهُ مُسلم
وَعَن عُثْمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة أخرجه مُسلم
اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم إنى أعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله وأنى أشهد أَن مُحَمَّدًا
стр. 233
رَسُولك وَأَن الْجنَّة حق وَأَن النَّار حق وَقد قَالَ رَسُولك فى حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت من شهد بذلك أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ من الْعَمَل
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ وإنى أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك وَأَرْجُو رحمتك الَّتِى سبقت على غضبك فتب على يَا تواب واغفر لى يَا غَافِر الذَّنب وأجرنى من النَّار وَاخْتِمْ لى بِالْحُسْنَى وَزِيَادَة وارحمنى رَحْمَة فى عِبَادك الصَّالِحين فَإنَّك كَمَا قلت فى مَوَاضِع من كتابك أرْحم الرَّاحِمِينَ وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين تمّ وَالْحَمْد لله