Полный текст (233 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين يرجون الشَّفَاعَة فَيُقَال لأهل الْجنَّة وَأهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء عَرفْنَاهُ هَذَا هُوَ الْمَوْت الذى وكل بِنَا فيضجع فَيذْبَح ذبحا على السُّور ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت وَيَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت قَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُؤْتى بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يناد مُنَاد يَا أهل الْجنَّة فَيَقُولُونَ لبيْك رَبنَا فَيُقَال هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم رَبنَا هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح كَمَا تذبح الشَّاة فَيَأْمَن هَؤُلَاءِ وَيَنْقَطِع رَجَاء هَؤُلَاءِ رَوَاهُ أَبُو يعلى والطبرانى فى الْأَوْسَط بِنَحْوِهِ وَالْبَزَّار ورجالهم رجال الصَّحِيح غير نَافِع بن خَالِد الطاحى وَهُوَ ثِقَة والطاحى نِسْبَة إِلَى الطاحية بطن من الأزد ومحلة لَهُم بِالْبَصْرَةِ
وَعَن معَاذ بن جبل أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَى الْيمن فَلَمَّا قدم عَلَيْهِم قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إنى رَسُول الله ﷺ إِلَيْكُم يُخْبِركُمْ ان المُرَاد إِلَى الله إِلَى جنَّة اَوْ نَار خُلُود بِلَا موت وَإِقَامَة بِلَا ظعن رَوَاهُ الطبرانى فى الْكَبِير والأوسط بِنَحْوِهِ وَزَاد فِيهِ فى أجساد لَا تَمُوت وَإسْنَاد الْكَبِير جيد إِلَّا أَن ابْن سابط لم يدْرك معَاذًا
قلت والذى سقط بَينهمَا عمر بن مَيْمُون الأودى كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم فى الْمُسْتَدْرك فى أَوَاخِر كتاب الْأَيْمَان وفى طَرِيقه مُسلم بن خَالِد الزنجى وَهُوَ عقبَة هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا أَن الشَّيْخَيْنِ قد نسباه إِلَى أَن الحَدِيث لَيْسَ من صَنعته وَالله أعلم
وَعَن عبد الله يعْنى ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 177
لَو قيل لأهل النَّار إِنَّكُم مَاكِثُونَ فى النَّار عدد كل حَصَاة فى الدُّنْيَا لفرحوا بهَا وَلَو قيل لأهل الْجنَّة إِنَّكُم مَاكِثُونَ عدد كل حَصَاة لحزنوا وَلَكِن جعل لَهُم الْأَبَد رَوَاهُ الطبرانى وَفِيه الحكم بن ظهير وَهُوَ مجمع على إضعافه
وَعَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ إِن أهل النَّار يدعونَ مَالِكًا وَلَا يُجِيبهُمْ أَرْبَعِينَ عَاما ثمَّ يدعونَ رَبهم فَيَقُولُونَ ﴿رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ﴾ فَلَا يُجِيبهُمْ مثل الدُّنْيَا ثمَّ يَقُول ﴿اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ ثمَّ ييأس الْقَوْم فَمَا هُوَ إِلَّا الزَّفِير والشهيق تشبه أَصْوَاتهم أصوات الْحمير أَولهَا شهيق وَآخِرهَا زفير رَوَاهُ الطبرانى وَرِجَاله رجال الصَّحِيح كَذَا فى مجمع الزَّوَائِد
قَالَ القرطبى هَذِه الْأَحَادِيث مَعَ صِحَّتهَا نَص فى خُلُود أهل النَّار فيهمَا لَا إِلَى غَايَة وَلَا أمد مقيمين على الدَّوَام والسرمد من غير موت وَلَا حَيَاة وَلَا رَاحَة وَلَا نجاة بل كَمَا قَالَ فى كِتَابه الْكَرِيم وأوضح فِيهِ من عَذَاب الْكَافرين ﴿وَالَّذين كفرُوا لَهُم نَار جَهَنَّم لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا كَذَلِك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فِيهَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿من نصير﴾ وَقَالَ ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا﴾
وَقَالَ فَالَّذِينَ كفرُوا قطعت لَهُم ثِيَاب من نَار يصب من فَوق رمءوسهم الْحَمِيم يصهر بِهِ مَا فى بطونهم والجلود وَلَهُم مَقَامِع من حَدِيد كلما ارادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا من غم أعيدوا فِيهَا وَقد تقدّمت هَذِه الْمعَانى كلهَا فَمن قَالَ أَنهم يخرجُون مِنْهَا وَإِن النَّار تبقى خَالِيَة بجملتها خاوية على عروشها وَإِنَّهَا تفنى وتزول فَهُوَ خَارج عَن مُقْتَضى الْعُقُول ومخالف لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْأَئِمَّة الْعُدُول ﴿وَمن يتبع﴾
стр. 178
غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا وَإِنَّمَا تخلى جَهَنَّم وهى الطَّبَقَة الْعليا الَّتِي فِيهَا العصاة من أهل التَّوْحِيد وَهُوَ الذى ينْبت على شفيرها فِيمَا يُقَال الجرجير
قَالَ فضل بن صَالح المغافرى كُنَّا عِنْد مَالك بن أنس ذَات يَوْم فَقَالَ لنا انصرفوا فَلَمَّا كَانَ العشية رَجعْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّمَا قلت لكم انصرفوا لِأَنَّهُ جاءنى رجل يسْتَأْذن على زعم أَنه قدم من الشَّام فى مسئلة فَقَالَ يَا ابا عبد الله مَا تَقول فى أكل الجرجير فانه يتحدثه عَنهُ أَنه ينْبت على شَفير جَهَنَّم فَقلت إِنَّه لَا بَأْس بِهِ فَقَالَ استودعك الله وأقرأ عَلَيْك السَّلَام ذكره الْخَطِيب أَبُو بكر أَحْمد
وَذكر أَبُو بكر عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ يأتى على النَّار زمَان تخفق الرِّيَاح أوابها لَيْسَ فِيهَا أحد يعْنى من الْمُوَحِّدين هَكَذَا رَوَاهُ مَوْقُوفا من قَول عبد الله بن عَمْرو لَيْسَ فِيهِ ذكر النبى ﷺ وَمثله لَا يُقَال من جِهَة الرأى فَهُوَ مَرْفُوع وَالله أعلم
قَالَ القرطبى قد تقدم أَن الْمَوْت معنى وَالْكَلَام فى ذَلِك وفى الاعمال وَإِنَّهَا لَا تنْقَلب جوهرا بل يخلق الله أشخاصا من ثوب الْأَعْمَال وَكَذَلِكَ الْمَوْت يخلق الله كَبْشًا يُسَمِّيه الْمَوْت ويلقى فى قُلُوب الْفَرِيقَيْنِ أَن هَذَا الْمَوْت وَيكون ذبحه دَلِيلا على الخلود فى الدَّاريْنِ
قَالَ الترمذى وَالْمذهب فى هَذَا عِنْد أهل الْعلم من الْأَئِمَّة رضى الله عَنْهُم مثل سُفْيَان الثورى وَمَالك بن أنس وَابْن الْمُبَارك وَابْن عُيَيْنَة ووكيع وَغَيرهم أَنهم رووا هَذِه الْأَشْيَاء وَقَالُوا تروى هَذِه الْأَحَادِيث وَلَا يُقَال كَيفَ وَهَذَا الذى اخْتَارَهُ أهل الحَدِيث أَن تروى هَذِه الْأَشْيَاء ويؤمن بهَا وَلَا تفسر
стр. 179
وَلَا تتوهم وَلَا يُقَال كَيفَ وَهَذَا أَمر أهل الْعلم الذى اخْتَارَهُ وذهبوا اليه
قَالَ القرطبى وَإِنَّمَا يُؤْتى بِالْمَوْتِ كالكبش وَالله أعلم لما جَاءَ أَن ملك الْمَوْت أَتَى آدم ﵇ فى صُورَة كَبْش أَمْلَح قد نشر من أجنحتة اربعة آلَاف جنَاح وفى التَّفْسِير من سُورَة الْملك عَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل والكلبى فى قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي خلق الْمَوْت والحياة﴾ إِن الْمَوْت والحياه جسمان فَجعل الْمَوْت فى هَيْئَة كَبْش لَا يمر بشىء وَلَا يجد رِيحه إِلَّا مَاتَ وَخلق الْحَيَاة على صُورَة فرس أُنْثَى بلقاء وهى الَّتِى كَانَ جِبْرِيل والأنبياء ﵈ يركبونها خطوها مد الْبَصَر فَوق الْحمار دون الْبَغْل لَا تمر بشىء أَن يجد رِيحهَا إِلَّا حيى وَلَا تطَأ على شىء إِلَّا حيى وهى الَّتِى أَخذ السامرى من أَثَرهَا فألقاها على الْعجل فتخور وحيى حَكَاهُ الثعلبى والقشيرى عَن ابْن عَبَّاس والماوردى عَن مقَاتل والكلبى
стр. 180
بَاب فِيمَن يسْتَحق النَّار
عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يسمع بى أحد من هَذِه الْأمة يهودى وَلَا نصرانى ثمَّ يَمُوت وَلم يُؤمن بِمَا أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار كَذَا فى صِحَاح المصابيح قَالَ فى مجَالِس الْأَبْرَار المُرَاد بهَا أمة الدعْوَة فعلى هَذَا يدْخل فِيهِ جَمِيع أهل الْملَل الْبَاطِلَة وَتَخْصِيص الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالذكر لِأَنَّهُمَا مَعَ كَونهمَا أهل كتاب وصاحبى شَرِيعَة إِذا كَانَا من أهل النَّار بترك الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ النبى ﷺ فغيرهما مِمَّن لم يكن لَهُ كتاب وَلَا شَرِيعَة أولى بذلك فَكَأَنَّهُ ﷺ قَالَ اقْسمْ بِاللَّه الذى نفسى بقدرته أَن كل من يسمع بنبوتى وَلَا يُؤمن بِمَا جِئْت بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى حَتَّى يَمُوت يكون من أهل النَّار انْتهى
وَعَن مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا ان من كَانَ قبلكُمْ من أهل الْكتاب افْتَرَقُوا على اثْنَتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَأَن هَذِه الْأمة سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فى النَّار وَوَاحِدَة فى الْجنَّة وهى الْجَمَاعَة أخرجه أَبُو دَاوُد فى كتاب السّنة لَهُ وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيقين أَحدهمَا من طَرِيق أَحْمد ابْن حَنْبَل وَمُحَمّد بن يحيى الذهلى وَالثَّانِي من طَرِيق عمر بن عُثْمَان عَن بَقِيَّة عَن صَفْوَان تفرد بِهِ صَفْوَان عَن أَزْهَر
قَالَ الشوكانى فى فَتَاوَاهُ أما أَحْمد بن حَنْبَل فَهُوَ الإِمَام الْجَلِيل الْحَافِظ
стр. 181
الذى اتّفق المؤالف والمخالف على توثيقه وروى عَنهُ أهل الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَهُوَ أجل قدرا من أَن يحْتَاج إِلَى تَعْدِيل وَأَرْفَع محلا من أَن يتَكَلَّم فِيهِ مُتَكَلم بل هُوَ إِمَام الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِمَام الْحِفْظ والاتقان
وَأما مُحَمَّد بن يحيى فَهُوَ الإِمَام الْجَلِيل الثِّقَة الثبت الْحَافِظ وَأما عمر ابْن عُثْمَان فَهُوَ القرشى مَوْلَاهُم الحمصى الثِّقَة الْمَشْهُور وفى التَّقْرِيب صَدُوق وَأما بَقِيَّة فَهُوَ أحد الْأَعْلَام قَالَ النسائى إِذا قَالَ حَدثنَا وَأخْبرنَا فَهُوَ ثِقَة وَقَالَ ابْن عدى إِذا حدث عَن أهل الشَّام فَهُوَ ثَبت وَقَالَ الجوزجانى إِذا حدث عَن الثِّقَات فَلَا بَأْس بِهِ وَهُوَ هَاهُنَا قد صرح بِالتَّحْدِيثِ وَحدث عَن شامى وَهُوَ صَفْوَان وروى عَن ثِقَة وَهُوَ أَيْضا صَفْوَان فَحصل الشَّرْط الذى ذكره هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَأما صَفْوَان فَقَالَ أَبُو حَاتِم ثِقَة وَقد أخرج لَهُ مُسلم أَيْضا وَأما أَزْهَر فَقَالَ فى التَّقْرِيب صَدُوق تكلمُوا فِيهِ للنصب وَقَالَ فى الْخُلَاصَة صَدُوق
وَإِذا عرفت هَذَا فرجال إِسْنَاد الحَدِيث كلهم ثِقَات أَئِمَّة إِلَّا وَبَقِيَّة وأزهر وقية لم ينْفَرد وأزهر تفرد وَهُوَ ضَعِيف لِأَن قَوْلهم صَدُوق من صِيغ التليين فَيكون هَذَا الحَدِيث فى الطَّرِيق الثَّانِيَة ضَعِيفا انْتهى كَلَام الشوكانى
وَعَن أَبى هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ تَفَرَّقت الْيَهُود على إِحْدَى وَسبعين فرقة الحَدِيث أخرجه أبوداود والترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وفى رِوَايَة عَن أَبى دَاوُد وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى على إِحْدَى وَسبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة الحَدِيث وَأخرجه الترمذى عَن ابْن
стр. 182
عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن بنى إِسْرَائِيل تَفَرَّقت على اثْنَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَسَتَفْتَرِقُ أمتى على ثَلَاث وَسبعين مِلَّة كلهَا فى النَّار إِلَّا وَاحِدَة قَالُوا من هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ من كَانَ على مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابى أخرجه الترمذى وَقَالَ غَرِيب
وَأخرج ابْن ماجة مثل ذَلِك عَن عَوْف بن مَالك وَأنس
والْحَدِيث دَلِيل على أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَفِئَة كَثِيرَة من هَذِه الْأمة على اخْتِلَاف فرقهم ومللهم فى النَّار إِلَّا أَصْحَاب الحَدِيث وَأَتْبَاع الْأَصْحَاب
والْحَدِيث اسْتشْكل من جِهَتَيْنِ الاولى مَا فِيهِ من الحكم على الْأَكْثَر بِالْهَلَاكِ والكون فى النَّار وَذَلِكَ ينافى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فى الْأمة بِأَنَّهَا مَرْحُومَة وبأنها أَكثر الْأُمَم فى الْجنَّة مِنْهَا حَدِيث عَنهُ ﷺ أمتى أمة مَرْحُومَة مغْفُور لَهَا متاب عَلَيْهَا وَغَيره مِمَّا ملئت بِهِ كتب السّنة من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على سَعَة رَحْمَة الله وَلَو سردناها لطال الْكَلَام
وَلما كَانَ حَدِيث الإفتراق مُشكلا كَمَا ترى أجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بالأمة فى هَذَا الحَدِيث أمة الدعْوَة لَا أمة الْإِجَابَة يَعْنِي الْأمة الَّتِى دَعَاهَا رَسُول الله ﷺ إِلَى الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بوحدانيته هِيَ المفترقة إِلَى تِلْكَ الْفرق وَإِن أمة الْإِجَابَة هِيَ الْفرْقَة النَّاجِية يُرِيد بهَا من آمن بِمَا جَاءَ بِهِ النبى ﷺ وَحِينَئِذٍ فَلَا إِشْكَال
قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير الْيُمْنَى وَهَذَا جَوَاب حسن لَوْلَا أَنه يبعد بِوُجُوه الأول أَن لفظ أمتى حَيْثُ جَاءَ فى كَلَامه ﷺ لَا يُرَاد بِهِ إِلَّا امة الْإِجَابَة غَالِبا كَحَدِيث أمتى أمة مَرْحُومَة لَيْسَ لَهَا عَذَاب فى الْآخِرَة وَحَدِيث إِذا وضع السَّيْف فى أمتى وَحَدِيث لَيَكُونن
стр. 183
فى أمتى قوم يسْتَحلُّونَ الْحَرِير وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى
فالأمة فى كَلَامه ﷺ حَيْثُ أطلقت لَا تحمل إِلَّا على مَا تعورف مِنْهَا وعهد بلفظها وَلَا تحمل على خِلَافه وَإِن جَاءَ نَادرا
والثانى قَوْله سَتَفْتَرِقُ بِالسِّين الدَّالَّة على أَن ذَلِك أَمر مُسْتَقْبل
الثَّالِث قَوْله ليَأْتِيَن على أمتى فَإِنَّهُ إِخْبَار بِمَا سَيكون وَيحدث وَلَو جَعَلْنَاهُ إِخْبَارًا بافتراق الْمُشْركين فى الْمُسْتَقْبل لما كَانَ فَائِدَة إِذْ هم على هَلَاك اجْتَمعُوا أَو افْتَرَقُوا
الرَّابِع قرانهم بطائفتين الْيَهُود وَالنَّصَارَى فان المفترقين مِنْهُمَا هم طَائِفَة الْإِجَابَة لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة﴾ وَقَوله تَعَالَى وَمَا اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم وَقَوله تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم
الْخَامِس مَا أخرجه الترمذى عَن ابى وائد الليثى أَن رَسُول الله ﷺ لما خرج إِلَى غَزْوَة خَيْبَر مر بشجرة للْمُشْرِكين كَانُوا يعلقون عَلَيْهَا أسلحتهم يُقَال لَهَا ذَات أنواط فَقَالُوا يَا رَسُول الله اجْعَل لنا ذَات أنواط كَمَا لَهُم ذَات أنواط فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سُبْحَانَ الله إِلَى أَن قَالَ والذى نفسى بِيَدِهِ لتركبن سنَن من قبلكُمْ وَهَذَا خطاب لمن خاطبه من أمة الْإِجَابَة قطعا
فالذى يظْهر لى فى ذَلِك أجوبة أَحدهَا أَنه يجوز أَن هَذِه الْفرق الْمَحْكُوم عَلَيْهَا بِالْهَلَاكِ قَليلَة الْعدَد وَلَا يكون مجموعها أَكثر من الْفرْقَة النَّاجِية فَلَا يتم اكثرية الْهَلَاك وَلَا يرد الْإِشْكَال
стр. 184
فان قيل يمْنَع عَن هَذَا أَنه خلاف الظَّاهِر من ذكر كَثْرَة عدد فرق الْهَلَاك فان الظَّاهِر أَنهم قدرا قلت لَيْسَ ذكر الْعدَد فى الحَدِيث لبَيَان كَثْرَة الهالكين وأنما هُوَ لبَيَان اتساع طرق الضلال وسعتها ووحدة طَرِيق الْحق نَظِير ذَلِك مَا ذكره أَئِمَّة التَّفْسِير فى قَوْله تَعَالَى وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله أَنه جمع السبل المنهى عَن ابتاعها لبَيَان تشعب طرق الضلال وَكَثْرَتهَا وسعتها وأفرد سَبِيل الْهدى وَالْحق لوحدته وَعدم تعدده
ثَانِيهَا أَن الحكم على تِلْكَ الْفرق بِالْهَلَاكِ والكون فى النَّار حكم عَلَيْهَا بِاعْتِبَار ظَاهر أَعمالهَا وتفريطها كَأَنَّهُ قيل كلهَا هالكة بِاعْتِبَار أَعمالهَا مَحْكُوم عَلَيْهَا بِالْهَلَاكِ وَكَونهَا فى النَّار وَلَا ينافى ذَلِك كَونهَا مَرْحُومَة بِاعْتِبَار آخر من رَحْمَة الله لَهَا وشفاعة صالحها لطالحها والفرقة النَّاجِية إِن كَانَت مفتقرة إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى لَكِنَّهَا باعتار ظَاهر أَعمالهَا يحكم لَهَا بالنجاة لأتيانها بِمَا أمرت بِهِ وانتهائها عَمَّا نهيت عَنهُ
ثَالِثهَا أَن ذَلِك الحكم مَشْرُوط بِعَدَمِ عقابها فى الدُّنْيَا وَقد دلّ على عقابها فى الدُّنْيَا الْفِتَن والزلازل وَالْقَتْل والبلايا أخرجه الطبرانى فى الْكَبِير والبيهقى فى شعب الْإِيمَان عَن ابى مُوسَى الأشعرى فَيكون حَدِيث الإفتراق مُقَيّدا بِهَذَا الحَدِيث فى قَوْله هالكة مالم تعاقب فى الدُّنْيَا لَكِنَّهَا تعاقب فى الدُّنْيَا فَلَيْسَتْ بهالكة
رَابِعهَا أَن الأشكال فى حَدِيث الِافْتِرَاق إِنَّمَا نَشأ من جعل الْقَضِيَّة الحاكمة بِهِ وبالهلاك دائمة بِمَعْنى أَن الِافْتِرَاق فى الْأمة وهلاك من يهْلك مِنْهَا دَائِم مُسْتَمر من زمن تكَلمه ﷺ بِهَذِهِ الْجُمْلَة إِلَى قيام السَّاعَة وَبِذَلِك يتَحَقَّق أكثرية الهالكين وأقلية الناجين فَيتم الْإِشْكَال وَالْحق أَن الْقَضِيَّة حينية يَعْنِي أَن
стр. 185
ثُبُوت الِافْتِرَاق للْأمة والهلاك لمن يهْلك ثَابت فى حِين من الأحيان وزمن من الْأَزْمَان وَيدل على أَن المُرَاد ذَلِك وُجُوه
الأول سَتَفْتَرِقُ الدَّالَّة على الِاسْتِقْبَال لتحلية الْمُضَارع بِالسِّين
الثانى قَوْله ليَأْتِيَن فانه إِخْبَار بِأَمْر مُسْتَقْبل
الثَّالِث قَوْله مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابى فان أَصْحَابه من مُسَمّى أمته بِلَا خلاف وَقد حكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم أمة وَاحِدَة وَأَنَّهُمْ الناجون وَأَن من كَانَ على مَا هم عَلَيْهِ هم الناجون فَلَو جعلنَا الْقَضِيَّة دَائِما حِين التَّكَلُّم للَزِمَ أَن تكون تِلْكَ الْفرق كائنة فى أَصْحَابه ﷺ ورضى عَنْهُم وهلم جرا وَقد صرح الحَدِيث نَفسه بِخِلَاف ذَلِك
فَإِذا ظهر لَك أَن الحكم بالافتراق والهلاك إِنَّمَا هُوَ فى حِين من الأحيان وزمن من الْأَزْمَان لم يلْزم أكثرية الهالكين وأقلية الناجين وَهَذَا الْجَواب بِحَمْد الله تَعَالَى والذى قبله جيد وَلَا غُبَار عَلَيْهِ
فان قلت يجوز أَن يكون زمن الِافْتِرَاق أطول من زمن خِلَافه فَيكون أَهله أَكثر فَيكون الهالكون أَكثر من الناجين قلت أَحَادِيث سَعَة الرَّحْمَة وأكثرية الداخلين من هَذِه الْأمة إِلَى الْجنَّة قد دلّت على أَن الهالكين أقل وَذَلِكَ لقصر حينهم المتفرع عَلَيْهِ فَلَا بُد من الْجمع بَين مَا يُوهم التَّنَاقُض وَقد تمّ الْجمع بِهَذَا الْوَجْه وَمَا قبله فَتعين الْمصير إِلَيْهِمَا
هَذَا وَلَا يبعد أَن ذَلِك الْحِين وَالزَّمَان هُوَ آخر الدَّهْر الذى وَردت الْأَحَادِيث بفساده وفشوا الْبَاطِل وخفاء الْحق وَإِن الْقَابِض على دينه كالقابض على الْجَمْر وَأَنه الزَّمَان الذى يصبح الرجل فِيهِ مُؤمنا ويمسى كَافِرًا وَأَنه زمَان غربَة الدّين فَتلك الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِيهِ الَّتِى شحنت بهَا كتب السّنة قَرَائِن دَالَّة على أَنه زمَان
стр. 186
كَثْرَة الهالكين وزمان تفرق وتدابر وَيحْتَمل أَيْضا أَن الِافْتِرَاق كَائِن من بعد الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بالخيرية وَأَن فى كل قرن بعْدهَا فرقا من الهالكين وأكثرها فى آخر الزَّمَان وَهَذَا جَوَاب مُسْتَقل عَن الأشكال
الْجِهَة الثَّانِيَة من جهتى الأشكال فى تعْيين الْفرْقَة النَّاجِية
قد تكلم النَّاس فِيهَا كل فرقة تزْعم أَنَّهَا هى الْفرْقَة النَّاجِية ثمَّ قد يُقيم بعض الْفرق على دَعْوَاهَا برهانا أوهن من بَيت العنكبوت وَمِنْهُم من يشْتَغل بتعداد الْفرق الْمُخَالفَة لما هُوَ عَلَيْهِ ويعمد إِلَى مَا شذت بِهِ من الْأَقْوَال ليبين بذلك أَنَّهَا هالكة لاعتمادها على تِلْكَ الْأَقْوَال وَأَنه نَاجٍ بخلوصه عَنْهَا وَلَو فتش مَا انطوى عَلَيْهِ لوجد عِنْده من المقالات مَا هُوَ أشنع من مقالات من خَالفه لَكِن عين الْمَرْء كليلة عَن عيب نَفسه وَبِالْجُمْلَةِ
فَكل من يدعى وصلا لليلى ... وليلى لَا تقر لَهُم بذاكا
وَكَانَ الْأَحْسَن بالناظر فِي الحَدِيث أَن يَكْتَفِي بالتفسير النبوى لتِلْك الْفرْقَة فقد كَفاهُ معلم الشَّرَائِع الهادى إِلَى كل خير المئونة وَعين الْفرْقَة النَّاجِية بِأَنَّهَا من كَانَ على مَا هُوَ عَلَيْهِ ﷺ وَأَصْحَابه وَقد عرف بِحَمْد الله من لَهُ أدنى همة فى الدّين مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ وَأَصْحَابه وَنقل إِلَيْنَا أَقْوَالهم وأفعالهم حَتَّى أكلهم وشربهم ونومهم ويقظتهم حَتَّى كأنارأيناهم رأى الْيَقِين
وَبعد ذَلِك فَمن رزقه الله إنصافا من نَفسه وَجعله من أولى الْأَلْبَاب لَا يخفاه حَال نَفسه اولا هَل هُوَ مُتبع لما كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ أَو غير مُتبع ثمَّ لَا يخفى حَال غَيره من كل طَائِفَة هَل هِيَ متبعة أَو مبتدعة وَمن أدعى أَنه مُتبع للسّنة النَّبَوِيَّة متقيد بهَا تصدق دَعْوَاهُ أَفعاله وأقواله وتكذبها فان مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ لقد ظهر لكل انسان فَلَا يُمكن التباس المبتدع بالممتبع
стр. 187
وعندى على تَقْدِير ذَلِك الْجَواب أَن زمن الِافْتِرَاق والهلاك هُوَ آخر الزَّمَان أَنه لَا يعد فى أَن الْفرْقَة النَّاجِية هم الغرباء الْمشَار إِلَيْهِم فى الْأَحَادِيث كَحَدِيث بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ الَّذين يصلحون إِذا فسد النَّاس وفى رِوَايَة الَّذين يفرون بدينهم من الْفِتَن وفى رِوَايَة الَّذين يصلحون مَا أفسد النَّاس من سنتى
وفى حَدِيث عبد الله بن عَمْرو قُلْنَا من الغرباء يَا رَسُول الله قَالَ قوم صَالِحُونَ قَلِيل فى اناس سوء كثير من يعصيهم أَكثر مِمَّن يطيعهم وهم المرادون بِحَدِيث وَلَا تزَال طَائِفَة من أمتى ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم أَو خذلهم حَتَّى يأتى أَمر الله وهم المرادون بِمَا أخرجه الطبرانى وَغَيره
عَن أَبى أُمَامَة عَن النبى ﷺ أَنه قَالَ أَن لكل شىء إقبالا وإدبارا وَأَن لهَذَا الدّين اقبالا وإدبارا وَأَن من إدبار الَّذين مَا كُنْتُم عَلَيْهِ من الْعَمى والجهالة وَأَن من اقبال الدّين أَن تفقه الْقَبِيلَة بأسرها حَتَّى لَا تُوجد فِيهَا الا الْفَاسِق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان أَن تكلما قهرا وقمعا واضطهدا وَأَن من أدبار الدّين أَن تجفو الْقَبِيلَة بأسرها حَتَّى لَا يكون فِيهَا الا الْفَقِيه والفقيهان وهما مقهوران ذليلان أَن تكلما فأمرا بِالْمَعْرُوفِ ونهيا عَن الْمُنكر قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لَا يجدان على ذَلِك أعوانا وَلَا انصارا
فَهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا فى مَعْنَاهَا فى وصف آخر الزَّمَان وَأَهله قد دلّت على أَنه زمَان كَثْرَة الهالكين وَقلة الناجين وَأَحَادِيث الغرباء قد دلّت على أوصافهم بِأَنَّهُم الْفرْقَة النَّاجِية فى ذَلِك الزَّمَان وَلَيْسوا بفرقة مشار إِلَيْهَا كالأشعريين والمعتزلة بل هم النزاع من الْقَبَائِل كَمَا فى الحَدِيث وهم متبعوا الرَّسُول ﷺ اتبَاعا قوليا وفعليا من أى فرقة كَانَت هَذَا وَقد ذكر فى الْفرْقَة النَّاجِية أَنهم صالحو كل
стр. 188
فرقة وَذكر انهم أهل الْبَيْت النبوى ﵈ وَمن أتبعهم إِلَّا أَن ذَلِك مبْنى على أَن الْقَضِيَّة دائمة ثمَّ هُوَ لَا يدْفع الأشكال
نعم وَهَذَا كُله توفيق بَين الْأَحَادِيث مبْنى على صِحَة قَوْله كلهَا هالكة الا فرقة وَلَا شكّ أَنه قد ثَبت فى كتب السّنة كَمَا سمعته وَلكنه قد نقل السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم الْوَزير ﵀ فى بعض رسائله عَن أَبى مُحَمَّد بن حزم الأندلسى ﵀ مَا لَفظه قَالَ أَبُو حزم أَن الزِّيَادَة يعْنى قَوْله كلهَا هالكة إِلَّا فرقة مَوْضُوعَة وَإِنَّمَا الحَدِيث الْمَعْرُوف إِنَّمَا تفترق إِلَى نَيف وَسبعين فرقة وَلَا زِيَادَة على هَذَا فى نقل الثِّقَات
فَالْحَدِيث الْمَشْهُور كَانَ عِنْد الْمُحدثين معلا وَمَا زَاده غير صَحِيح وَإِن كَانَ الراوى ثِقَة غير أَن مُخَالفَة الثِّقَات فِيمَا شاركوه فى الحَدِيث يقوى الظَّن على أَنه وهم فِيمَا زَاده أَو أدرج فى الحَدِيث كَلَام بعض الروَاة وحسبه من كَلَام رَسُول الله ﷺ فيعلون الحَدِيث بِهَذَا وَإِن لم يكن مقدوحا فِيهِ على أَن أصل الحَدِيث الذى حكمُوا بِصِحَّتِهِ لَيْسَ مِمَّا اتَّفقُوا على صِحَّته وَقد ترك إِخْرَاجه البخارى وَمُسلم مَعَ شهرته لعدم اجْتِمَاع شرائطهما فِيهِ انْتهى كَلَامه حَرَّره السَّيِّد الْعَلامَة الْأَمِير ﵀ فى سنة ١١٣٣ الهجرية
وفى الْفَتْح الربانى فى فَتَاوَى الشوكانى بعد ذكر حَدِيث أَبى هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم وَالْكَلَام عَلَيْهِ جرحا وتعديلا مَا نَصه فتقرر بِهَذَا أَن رجال حَدِيث ابى هُرَيْرَة رجال الصَّحِيح فَيكون أصل الحَدِيث أعنى افْتِرَاق الْأمة إِلَى تِلْكَ الْفرق صَحِيحا ثَابتا
وَأما الزِّيَادَة الَّتِى فى الحَدِيث الأول فضعيفه فَلَا تقوم بهَا حجَّة
стр. 189
فى حكم شَرْعِي وَلَو على بعض الْمُكَلّفين فَكيف فى مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الذى هُوَ حكم بِالْهَلَاكِ على هَذِه الْأمة المرحومة شرفها واختصها بخصائص لم يشاركها فِيهَا أمة من الْأُمَم السَّابِقَة وزادها شرفا وتعظيما وتجليلا بِأَن جعلهَا شُهَدَاء على النَّاس وأى خير فى أمة تفترق إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة وتهلك جَمِيعًا فَلَا ينجو مِنْهَا إِلَّا فرقة وَاحِدَة
وَلَقَد أحسن بعض الْحفاظ حِين يَقُول واما زِيَادَة كلهَا هالكة إِلَّا وَاحِدَة فَزِيَادَة غير صَحِيحَة الْقَاعِدَة وأظنها من دسيس الْمَلَاحِدَة وَكَذَلِكَ أنكر ثُبُوتهَا الْحَافِظ أَبُو حزم
وَلَقَد جاد ظن من ظن أَنَّهَا من دسيس الْمَلَاحِدَة والزنادقة فان فِيهَا من التنفير عَن الْإِسْلَام والتخويف من الدُّخُول فِيهِ مَالا يقادر قدره فَتحصل لواضعها مَا يَطْلُبهُ من الطعْن على هَذِه الْأمة المرحومة والتنفير عَنْهَا كَمَا هُوَ شَأْن كثير من المخزولين الواضعين للمطاعن المنافية للشريعة السمحة السهلة كَمَا قَالَ الصَّادِق المصدوق ﷺ بعثت بالحنفية السمحة السهلة وَقَالَ الله وَمَا جعل عَلَيْكُم فى الدّين من حرج وَقَالَ ﷺ بشروا وَلَا تنفرُوا يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا
وَهَا أَنا أضْرب لَك مثلا وَهُوَ أَنَّك لَو رَأَيْت جمَاعَة من النَّاس قد اجْتَمعُوا فى مَكَان من الأَرْض عَددهمْ اثْنَان وَسَبْعُونَ رجلا وَقَالَ لَك قَائِل ادخل مَعَ هَؤُلَاءِ فان وَاحِدًا مِنْهُم سيملك مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وسيضرب أَعْنَاق البَاقِينَ أَجْمَعِينَ وَرُبمَا تفوز أَنْت من بَينهم بالسلامة فتعطى تِلْكَ المملكة فَهَل ترْضى أَن تكون وَاحِدًا مِنْهُم دَاخِلا بَينهم وَالْحَال هَكَذَا وَلَا يدرى من هَذَا الْوَاحِد مِنْهُم يدعى لنَفسِهِ أَنه الفائز بالسلامة الظافر بِالْغَنِيمَةِ بِمُجَرَّد الأمنية وَالدَّعْوَى العاطلة عَن الْبُرْهَان
стр. 190
فَإِن قلت أَن قَوْله فى هَذَا الحَدِيث فى الْفرْقَة النَّاجِية هى الْجَمَاعَة وَقَوله فى حَدِيث آخر وهى مَا أَنا عَلَيْهِ واصحابى قلت هَذَا التَّعْيِين وَإِن قلل شَيْئا من ذَلِك التخويف والتنفير لَكِن قد تعاورت هَذِه الْفرْقَة المعنية الدَّعَاوَى وتناوبتها الأمانى فَكل طَائِفَة من طوائف تدعى لنَفسهَا أَنَّهَا الْجَمَاعَة وَأَنَّهَا الظافرة بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ وَأَنَّهُمْ الَّذين لَا يزَالُوا على الْحق ظَاهِرين
فان قلت أَن معرفَة الْجَمَاعَة وَمَعْرِفَة المتصفين بموافقة مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ وَأَصْحَابه مُمكنَة وَمن ادّعى من المبتدعة اثبات ذَلِك الْوَصْف لنَفسِهِ فدعواه مَرْدُودَة عَلَيْهِ مَضْرُوب فيبها فى وَجهه قلت نعم وَلَكِن لَيْسَ هَا هُنَا حجَّة شَرْعِيَّة توجب علينا الْمصير إِلَى هَذَا التَّعْيِين وتلجئنا إِلَى تكلّف تعْيين الْفرق الهالكة وتعدادها فرقة فرقة كَمَا فعله كثير من المتكفلين للْكَلَام على هَذَا الحَدِيث
وَأما أَنه هَل يدل هَذَا الحَدِيث على الِافْتِرَاق قَدِيما وحديثا أم على زمَان مَخْصُوص فَالْجَوَاب عَنهُ أَن الِافْتِرَاق لما كَانَ مَنْسُوبا إِلَى الْأمة حَيْثُ قَالَ ﷺ تفترق أمتى على ثَلَاث وَسبعين فرقة كَمَا فى حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَكَذَلِكَ قَوْله فى حَدِيث مُعَاوِيَة الْمَذْكُور وَإِن هَذِه الْملَّة سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين كَانَ ذَلِك صَادِقا على هَذِه الْأمة بأسرها وعَلى هَذِه الْأمة أَولهَا وَآخِرهَا من دون تَخْصِيص بِبَعْض مِنْهَا دون بعض وَلَا بعصر دون عصر فَأفَاد ذَلِك أَن هَذَا الِافْتِرَاق الْمُنْتَهى إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة كَائِن فى جمع هَذِه الْأمة من اولها إِلَى آخرهَا وَمن زعم اخْتِصَاص ذَلِك بِأَهْل عصر من العصور أَو بطَائفَة من الطوائف فقد خَالف الظَّاهِر بِلَا سَبَب يقتضى ذَلِك
وَأما أَنَّهَا قد ثبتَتْ نجاة الصَّحَابَة فَهَل يدل على أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فى
стр. 191
الْأُصُول أصلا فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه لَا مُلَازمَة بَين نجاة جَمِيع الصَّحَابَة وَبَين عدم اخْتلَافهمْ فى الْأُصُول بل يجوز الحكم بنجاتهم جَمِيعًا مَعَ الحكم بأختلافهم فى الْأُصُول
وَبَيَان ذَلِك أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة عندى مُتَسَاوِيَة الْأَقْدَام منتسبة إِلَى الشَّرْع نِسْبَة وَاحِدَة وَكَون بَعْضهَا رَاجعا إِلَى الْعَمَل لَا يستلوم تعاونها على وَجه يكون الإختلاف فى بَعْضهَا مُوجبا لعدم نجاة بعض الْمُخْتَلِفين وفى بَعْضهَا لَا يُوجب ذَلِك فاعرف هَذَا وأفهمه
وَأعلم أَن مَا صَحَّ عَنهُ ﷺ من أَن الْمُصِيب فى اجْتِهَاده لَهُ أَجْرَانِ والمخطىء لَهُ أجر لَا يخْتَص بمسائل الْعَمَل وَلَا يخرج عَنهُ مسَائِل الِاعْتِقَاد فَمَا يَقُوله كثير من النَّاس من الْفرق بَين الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة والفروعية وتصويب الْمُجْتَهدين فى الْفُرُوع دون الْأُصُول لَيْسَ على مَا ينبغى بل الشَّرِيعَة وَاحِدَة وأحكامها متحدة وَإِن تفاوتت بِاعْتِبَار قطعيه بَعْضهَا وظنية الآخر
فَالْحق عِنْد الله مُتَعَيّن يسْتَحق مُوَافقَة أَجْرَيْنِ وَيُقَال لَهُ مُصِيب من الصَّوَاب دون الاصابة وَيُقَال لمُخَالفَة أَنه مخطىء كَمَا قَالَ النبى ﷺ فِيمَا ثَبت عَنهُ فى الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ أَن اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وفى بعض الرِّوَايَات الْخَارِجَة عَن الصَّحِيح من غير حَدِيثه أَنه ان أصَاب فَلهُ عشرَة أجور وَهَذِه زِيَادَة خَارِجَة من مخرج حسن كَمَا هُوَ مَعْرُوف فالنبي ﷺ قد سمى من خَالف الْحق مخطئا فَمن قَالَ إِنَّه
стр. 192
مُصِيب فى الظنيات الفروعيات إِن أَرَادَ أَنه مُصِيب من الاصابة فقد أَخطَأ وَخَالف النَّص وَإِن أَرَادَ أَنه مُصِيب من الصَّوَاب الذى يَصح إِطْلَاقه بِاعْتِبَار اسْتِحْقَاق الْأجر لَا بِاعْتِبَار إِصَابَة الْحق فَلذَلِك وَجهه فاعرف هَذَا وأفهمه حَتَّى يتَبَيَّن لَك اخْتِلَاف النَّاس فى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب أم لَا
وَاعْلَم أَنه لَا فرق عِنْد التَّحْقِيق بَين مَا تسميه النَّاس فروعا وَبَين مَا يسمونه أصولا هَذَا إِن كَانَ مَطْلُوب السَّائِل مَا هُوَ عِنْد الْمُجيب وَإِن كَانَ مطوبه مَا قَالَه النَّاس فكلامهم مَعْرُوف فى مؤلفاتهم انْتهى كَلَام الشوكانى رَحمَه الله
стр. 193
بَاب فى سوء الخاتمة وَبَيَان الْخَوْف والرجاء
قَالَ فى مجَالِس الْأَبْرَار وَله أَسبَاب يجب على الْمُؤمن أَن يحْتَرز عَنْهَا مِنْهَا الْفساد فى الِاعْتِقَاد وَإِن كَانَ مَعَ كَمَال الزّهْد وَالصَّلَاح فان كَانَ لَهُ فَسَاد فى اعْتِقَاده مَعَ كَونه قَاطعا بِهِ متيقنا لَهُ غير ظان أَنه أَخطَأ فِيهِ قد ينْكَشف لَهُ فى حَال سَكَرَات الْمَوْت بطلَان مَا اعتقده من الاعتقادات الحقة مثل هَذَا الِاعْتِقَاد بَاطِل لَا أصل لَهُ إِن لم يكن عِنْده فرق بَين اعْتِقَاد واعتقاد فَيكون انكشاف بطلَان بعض اعتقاداته سَببا لزوَال بَقِيَّة اعتقاداته فان خُرُوج روحه فى هَذِه الْحَالة قبل أَن يتدارك وَيعود إِلَى أصل الايمان يخْتم لَهُ بالسوء وَيخرج من الدُّنْيَا بِغَيْر إِيمَان فَيكون من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم وبدا لَهُم من الله مالم يَكُونُوا يحتسبون وَقَالَ فى آيَة أُخْرَى قل هَل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فى الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا
فان كل من اعْتقد شَيْئا على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ إِمَّا نظرا بِرَأْيهِ وعقله أَو أخذا مِمَّن هَذَا حَاله فَهُوَ وَاقع فى هَذَا الْخطر وَلَا يَدْفَعهُ الزّهْد وَالصَّلَاح وَإِنَّمَا يَدْفَعهُ الِاعْتِقَاد الصَّحِيح المطابق لكتاب الله وَسنة رَسُوله لِأَن العقائد الدِّينِيَّة لَا يعْتد بهَا إِلَّا مَا أبذت مِنْهَا
وَمِنْهَا الاصرار على المعاصى فان من لَهُ إِصْرَار عَلَيْهَا يحصل فى قلبه إلفها وَجَمِيع وَجمع مَا أَلفه الْإِنْسَان فى عمره يعود ذكره عِنْد مَوته فان كَانَ ميله الى الطَّاعَات أَكثر يكون أَكثر مَا يحضرهُ عِنْد الْمَوْت ذكر الطَّاعَات وَإِن كَانَ ميله إِلَى المعاصى أَكثر يكون أَكثر مَا يحضرهُ عِنْد الْمَوْت ذكر المعاصى فَرُبمَا يغلب
стр. 194
عَلَيْهِ حِين نزُول الْمَوْت بِهِ قبل التَّوْبَة شَهْوَة ومعصية من المعاصى فيتقيد قلبه بهَا وَتصير حِجَابا بَينه وَبَين ربه وسببا لشقاوته فى آخر حَيَاته لقَوْله ﷺ المعاصى بريد الْكفْر
والذى لم يرتكب ذَنبا أصلا أَو ارْتكب وَتَابَ فَهُوَ بعيد عَن هَذَا الْخطر وَأما الذى ارْتكب ذنوبا كَثِيرَة حَتَّى كَانَت أَكثر من طاعاته وَلم يتب عَنْهَا بل كَانَ مصرا عَلَيْهَا فَهَذَا الْخطر فى حَقه عَظِيم جدا إِذْ قد يكون غَلَبَة الإلف بهَا سَببا لِأَن يتَمَثَّل فى قلبه صورتهَا وَيَقَع مِنْهُ ميل إِلَيْهَا وتقبض روحه عَلَيْهَا فَيكون سَببا لسوء خاتمته
وَيعرف ذَلِك بمثال وَهُوَ أَن الانسان لَا شكّ أَنه يرى فى مَنَامه من الْأَحْوَال الَّتِى ألقها طول عمره حَتَّى أَن الذى قضى عمره فى الْعلم يرى من الْأَحْوَال الْمُتَعَلّقَة بِالْعلمِ وَالْعُلَمَاء والذى قضى عمره فى الْخياطَة يرى من الْأَحْوَال الْمُتَعَلّقَة بالخياطة والخياط إِذْ لَا يحضر فى حَال النّوم إِلَّا مَا حصل لَهُ مُنَاسبَة مَعَ قلبه لطول الْألف وَالْمَوْت وَإِن كَانَ فَوق النّوم لَكِن سكراته وَمَا يتقدمه من الغشى قريب من النّوم فطول الالف بالمعاصى يقتضى تذكرها عِنْد الْمَوْت وعودها فى الْقلب وتمثلها فِيهِ وميل النَّفس إِلَيْهَا وَإِن قبض روحه فى تِلْكَ الْحَالة يخْتم لَهُ بالسوء
وَمِنْهَا الْعُدُول على الاسْتقَامَة فَإِن من كَانَ مُسْتَقِيمًا فى ابْتِدَائه ثمَّ تغير عَن حَاله وَخرج مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فى ابْتِدَائه يكون سَببا لسوء خاتمته كابليس الذى كَانَ فى ابْتِدَائه رَئِيس الْمَلَائِكَة ومعلمهم وأشدهم اجْتِهَادًا فى الْعِبَادَة ثمَّ لما أَمر بِالسُّجُود لآدَم أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين وكبلعام بن باعور الذى آتَاهُ الله آيَاته فانسلخ بخلوده إِلَى الدُّنْيَا وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ من الغاوين وَكبر صيصا العابد
стр. 195
الذى قَالَ لَهُ الشَّيْطَان اكفر فَلَمَّا كفر قَالَ إنى برىء مِنْك إنى أَخَاف الله رب الْعَالمين فَإِن الشَّيْطَان أغراه على الْكفْر فَلَمَّا كفر تَبرأ مِنْهُ مَخَافَة أَن يُشَارِكهُ فى الْعَذَاب وَلم يَنْفَعهُ ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى وَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فى النَّار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين
وَمِنْهَا ضعف الايمان فان كَانَ فى إيمَانه ضعف يضعف حب الله تَعَالَى فِيهِ ويقوى حب الدُّنْيَا فِي قلبه ويستولى عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يبْقى فِيهِ مَوضِع لحب الله تَعَالَى إِلَّا من حَيْثُ حَدِيث النَّفس بِحَيْثُ لَا يظْهر لَهُ أَثَره فى مُخَالفَة النَّفس وَلَا يُؤثر فى الْكَفّ عَن المعاصى وَلَا فى الْحَث على الطَّاعَات فينهمك فى الشَّهَوَات وارتكاب السَّيِّئَات فتتراكم ظلمات الذُّنُوب على الْقلب فَلَا تزَال تطفى مَا فِيهِ من نور الايمان مَعَ ضعفه فاذا جَاءَت سَكَرَات الْمَوْت يزْدَاد حب الله ضعفا فى قلبه لما يرى أَنه يُفَارق الدُّنْيَا وهى محبوبة لَهُ وحبها غَالب عَلَيْهِ لَا يُرِيد تَركهَا ويتألم من فراقها وَيرى ذَلِك من الله تَعَالَى فيخشى أَن يحصله فى بَاطِنه بغضه تَعَالَى بدل الْحبّ وينقلب ذَلِك الْحبّ الضَّعِيف بغضا فان خُرُوج روحه فى اللحظة الَّتِى خطرت فِيهَا هَذِه الخطرة يخْتم لَهُ بالسوء وَيهْلك هَلَاكًا مُؤَبَّدًا
وَالسَّبَب المفضى إِلَى هَذِه الخاتمة حب الدُّنْيَا والركون إِلَيْهَا والفرح بهَا مَعَ ضعف الايمان الْمُوجب لضعف حب الله تَعَالَى وَهُوَ الدَّاء العضال الذى قد عَم أَكثر الْخلق فان من يغلب على قلبه عِنْد الْمَوْت أَمر من أُمُور الدُّنْيَا يتَمَثَّل ذَلِك الْأَمر فى قلبه ويستغرقه حَتَّى لَا يبْقى لغيره متسع فان خرج روحه فى تِلْكَ الْحَالة يكون رَأس قلبه منكوسا إِلَى الدُّنْيَا وَوَجهه مصروفا إِلَيْهَا وَيحصل بَينه وَبَين ربه حجاب
حكى أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك لما دخل الْمَدِينَة حَاجا قَالَ هَل بهَا رجل أدْرك عدَّة من الصَّحَابَة قَالُوا نعم أَبُو حَازِم فَأرْسل اليه فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ يَا ابا حَازِم
стр. 196
مالنا نكره الْمَوْت قَالَ انكم عمرتم الدُّنْيَا وخربتم الْآخِرَة فتكرهون الْخُرُوج من الْعمرَان إِلَى الخراب قَالَ صدقت ثمَّ قَالَ لَيْت شعرى مالنا عِنْد الله تَعَالَى قَالَ أعرض عَمَلك على كتاب الله قَالَ فَأَيْنَ أَجِدهُ قَالَ فى قَوْله تَعَالَى إِن الابرار لفى نعيم وَإِن الْفجار لفى جحيم قَالَ فَأَيْنَ رَحْمَة الله قَالَ رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ قَالَ يَا لَيْت شعرى كَيفَ الْعرض على الله تَعَالَى غَدا قَالَ أما المحسن فكالغائب الذى يقدم على أَهله وَأما المسىء فكالآبق يقدم على مَوْلَاهُ فَبكى سُلَيْمَان حَتَّى علا صَوته وأشتد بكاءه ثمَّ قَالَ أوصنى قَالَ إياك أَن يراك الله تَعَالَى حَيْثُ نهاك أَو يفقدك حَيْثُ أَمرك انْتهى
قَالَ الغزالى فى الْأَحْيَاء إِن الْعَمَل على الرَّجَاء أَعلَى مِنْهُ على الْخَوْف لِأَن أقرب الْعباد إِلَى الله احبهم لَهُ وَالْحب يغلب بالرجاء قَالَ وَإِن الرَّجَاء من جملَة مقامات السالكن وأحوال الطالبين
ثمَّ ذكر دَوَاء الرَّجَاء والسبيل الذى يحصل مِنْهُ حَال الرَّجَاء ويغلب ثمَّ ذكر الْآيَات وَالْأَخْبَار والْآثَار الدَّالَّة على ذَلِك ثمَّ اتبعهُ بَيَان حَقِيقَة الْخَوْف وَبَيَان دَوَاء الْخَوْف وَبَيَان معنى سوء الخاتمة وَبَيَان أَحْوَال الْخَائِفِينَ من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَبَيَان دَرَجَات الْخَوْف واختلافه فى الْقُوَّة والضعف وَبَيَان أَن الْأَفْضَل هُوَ غَلَبَة الْخَوْف أَو غَلَبَة الرَّجَاء أَو اعتدالهما وَبَيَان الدَّوَاء الذى يستجيب بِهِ حَال الْخَوْف والايمان بِاللَّه تَعَالَى وَالْيَوْم الآخر يهيج الْخَوْف من النَّار والرجاء للجنة والرجاء وَالْخَوْف يقويان على الصَّبْر فان الْجنَّة قد حفت بالمكاره فَلَا يصبر على تحملهَا إِلَّا بِقُوَّة الرَّجَاء وَالنَّار قد حفت بالشهوات فَلَا يصبر على قمعها إِلَّا بِقُوَّة الْخَوْف وَلذَلِك قَالَ على عَلَيْهِ
стр. 197
السَّلَام من أشْفق من النَّار رَجَعَ عَن الْمُحرمَات وَمن اشتاق إِلَى الْجنَّة سلا عَن الشَّهَوَات
قَالَ النووى فى رياض الصَّالِحين إِن الْمُخْتَار للْعَبد فى حَال الصِّحَّة أَن يكون خَائفًا راجيا وَيكون خَوفه ورجاؤه سَوَاء وفى حَال الْمَرَض يتمحض الرَّجَاء وقواعد الشَّرْع من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَغير ذَلِك متظاهرة على ذَلِك قَالَ تَعَالَى فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون وَقَالَ تَعَالَى إِنَّه لَا ييأس من روح الله الا الْقَوْم الْكَافِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه وَقَالَ تَعَالَى إِن رَبك لسريع الْعقَاب وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم والآيات فى هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة فيجتمع الْخَوْف والرجاء فى آيَتَيْنِ مقترنتين أَو أيات أَو آيَة
عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَو يعلم الْمُؤمن مَا عِنْد الله من الْعقُوبَة مَا طمع بجنته أحد وَلَو يعلم الْكَافِر مَا عِنْد الله من رَحْمَة مَا قنط من جنته أحد رَوَاهُ مُسلم
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْجنَّة أقرب إِلَى أحدكُم من شِرَاك نَعله وَالنَّار مثل ذَلِك رَوَاهُ البخارى وَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يلج النَّار رجل يبكى من خشيَة الله حَتَّى يعود اللَّبن فى الضَّرع رَوَاهُ الترمذى وَحسنه وَصَححهُ
وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَبْعَة يظلهم الله فى ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله إِمَام عَادل وشاب نَشأ فى عبَادَة الله وَرجل قلبه مُعَلّق بِالْمَسْجِدِ ورجلان تحابا فى الله اجْتمعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إنى أَخَاف الله وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ مُتَّفق عَلَيْهِ
стр. 198
وَعَن أَبى أُمَامَة صدى بن عجلَان الباهلى ﵁ عَن النبى ﷺ قَالَ لَيْسَ شىء أحب إِلَى الله تَعَالَى من قطرتين واثرين قَطْرَة دموع من خشيَة الله وقطرة دم تهراق فى سَبِيل الله وَأما الأثران فأثر فى سَبِيل الله وَأثر فى فَرِيضَة من فَرَائض الله تَعَالَى رَوَاهُ الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن وفى الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة
قلت وفى الْأَحْيَاء وَسَوَاء الخاتمة على رتبتين أَحدهمَا أعظم من الْأُخْرَى فَأَما الرُّتْبَة الْعَظِيمَة الهائلة فَهِيَ أَن يغلب على الْقلب عِنْد سَكَرَات الْمَوْت وَظُهُور أهواله أما الشَّك وَإِمَّا الْجُحُود فتقبض الرّوح على تِلْكَ الْحَالة فَتكون حِجَابا بَينه وَبَين الله تَعَالَى أبدا وَذَلِكَ يقتضى الْبعد الدَّائِم وَالْعَذَاب المخلد
وَالثَّانيَِة وهى دونهَا أَن يغلب على قلبه عِنْد الْمَوْت حب أَمر من أُمُور الدُّنْيَا أَو شَهْوَة من شهواتها فيتمثل ذَلِك فى قلبه ويستغرقه حَتَّى لَا يبْقى فى تِلْكَ الْحَالة متسع لغيره فمهما اتّفق قبض الرّوح فى حَالَة غَلَبَة حب الدُّنْيَا فَالْأَمْر مخطر لِأَن الْمَرْء يَمُوت على مَا عَاشَ عَلَيْهِ وَعند ذَلِك تعظم الْحَسْرَة إِلَّا أَن أصل الْأَيْمَان وَحب الله تَعَالَى إِذا كَانَ قد رسخ فى الْقلب مُدَّة طَوِيلَة وتأكد ذَلِك بالاعمال الصَّالِحَة يمحوا عَن الْقلب هَذِه الْحَالة الَّتِى عرضت لَهُ عِنْد الْمَوْت فان كَانَ إيمَانه فى الْقُوَّة إِلَى حد مِثْقَال أخرجه من النَّار فى زمَان أقرب وَإِن كَانَ أقل من ذَلِك طَال مكثه فى النَّار وَلَكِن لَو لم يكن إِلَّا مِثْقَال حَبَّة فَلَا بُد وَأَن يُخرجهُ من النَّار وَلَو بعد الاف سِنِين وكل من اعْتقد فى الله تَعَالَى وفى صِفَاته وأفعاله شَيْئا على خلاف مَا هُوَ بِهِ إِمَّا تقليدا وَأما نظرا بالرأى والمعقول فَهُوَ فى هَذَا الْخطر والزهد وَالصَّلَاح لَا يكفى لدفع هَذَا الْخطر بل لَا يُنجى مِنْهُ إِلَّا الِاعْتِقَاد الْحق على وفْق الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة المطهرة والبلة بمعزل عَن هَذَا الْخطر
وَلَكِن الْآن قد استرخى الْعَنَان وَفَشَا الهذيان وَنزل كل جَاهِل على وفْق
стр. 199
طبعه بِظَنّ أَو حسبان وَهُوَ يعْتَقد أَن ذَلِك علم واستيقان وَأَنه صفوة الْإِيمَان ويظن أَن مَا قنع بِهِ من حدس وتخمين علم الْيَقِين وَعين الْيَقِين وليعلمن نبأه بعد حِين وينبغى لمن ينشد فى هَؤُلَاءِ عِنْد كشف الغطاء
احسنت ظَنك بالايام إِذا حسنت ... وَلم تخف سوء مَا يأتى بِهِ الْقدر
وسالمتك الليالى فاغتررت بهَا ... وَعند صفو الليالى يحدث الكدر
وَأما الخاتمة الثَّانِيَة الَّتِى هِيَ دون الأولى وَلَيْسَت مقتضية للخلود فى النَّار فلهَا أَيْضا سببان أَحدهمَا كَثْرَة المعاصى وَإِن قوى الْإِيمَان وَالْآخر ضعف الْإِيمَان وَإِن قلت المعاصى ووليس الْخَوْف بِكَثْرَة الذُّنُوب بل بصفاء الْقُلُوب وَكَمَال الْمعرفَة وَإِلَّا فَلَيْسَ أمننا لقلَّة ذنوبنا وَكَثْرَة طاعاتنا بل قادتنا شهواتنا وغلبت علينا شهوتنا وصدتنا عَن مُلَاحظَة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا فَلَا قرب الرحيل ينبهنا وَلَا كَثْرَة الذُّنُوب تحركنا وَلَا مُشَاهدَة أَحْوَال الْخَائِفِينَ تخوفنا وَلَا خطر الخاتمة يزعجنا فنسأل الله تَعَالَى أَن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا إِن كَانَ تَحْرِيك اللِّسَان بِمُجَرَّد السُّؤَال دون الاستعداد ينفعنا
فَلَمَّا قسى قلبى وَضَاقَتْ مذاهبى ... جعلت رجائى نَحْو عفوك سلما
يعاظمنى ذنبى فَلَمَّا قرنته ... بعفوك ربى كَانَ عفوك أعظما
فَمَا زلت ذَا عَفْو عَن الذَّنب لم تزل ... تجود وَتَعْفُو مِنْهُ وتكرما
وبالمجلة فالخاتمة مخطره لَا يدرى حَقِيقَتهَا وَقد قَالَ صلَة بن أَشْيَم على قبر أَخ لَهُ
فَإِن تنج مِنْهَا تنج من ذى عَظِيمَة ... وَإِلَّا فانى لَا أخالك ناجيا
وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم تقف فِيهِ الْخَلَائق شاخصة أَبْصَارهم منفطرة قُلُوبهم
стр. 200
لَا يكلمون وَلَا ينظر فى أُمُورهم وَلَا يَأْكُلُون فِيهِ وَلَا يشربون وَلَا يَجدونَ فِيهِ روح نسيم حَتَّى إِذا انْقَطَعت أَعْنَاقهم عطشا واحترقت أَجْوَافهم جوعا انْصَرف بهم إِلَى النَّار فسقوا من عين آنِية قد آن حرهَا وَاشْتَدَّ لفحها فَتَأمل فى طول هَذَا الْيَوْم وَشدَّة الِانْتِظَار فِيهِ حَتَّى يخف عَلَيْك انْتِظَار الصَّبْر عَن المعاصى فى عمرك الْمُخْتَصر
ثمَّ تفكر بعد هَذِه الاهوال فِيمَا يتَوَجَّه عَلَيْك من السُّؤَال شفاها من غير ترجمان فتسأل عَن الْقَلِيل وَالْكثير والنقير والقطمير والجليل والحقير وَيُؤْتى بالميزان ويطار الْكتب إِلَى الشَّمَائِل والأيمان وتكثر الخصماء ويساقون إِلَى الصِّرَاط ويغضب الرب غَضبا لم يغْضب قبله مثله وَلَا يغْضب بعده مثله وَقد أخْبرت بِأَن النَّار مورد للْجَمِيع فَأَنت من الْوُرُود على يَقِين وَمن النجَاة فى شكّ فاستشغر فى قَلْبك هُوَ ذَلِك المورد فعساك تستعد للنجاة مِنْهُ
فَهَذِهِ أهوال يَوْم الْقِيَامَة وأصناف عَذَاب جَهَنَّم على الْجُمْلَة وتفصيل غمومها وأحزانها ومحنها وحسراتها لَا نِهَايَة لَهُ وَقد تصدى لذكرها القرطبى فى التَّذْكِرَة وَأعظم الْأُمُور عَلَيْهِم مَعَ مَا يلاقونه من شدَّة الْعَذَاب حسرة فَوت نعيم الْجنَّة وفوت لِقَاء الله تَعَالَى وفوت رِضَاهُ مَعَ علمهمْ بِأَنَّهُم باعوا كل ذَلِك بِثمن بخس دَرَاهِم مَعْدُودَة إِذْ لم يبيعوا ذَلِك إِلَّا بشهوات حقيرة فى الذنيا أَيَّامًا قَصِيرَة وَكَانَت غير صَافِيَة بل كَانَت مكدرة منغصة
فيا لحسرة هَؤُلَاءِ وَقد فاتهم مَا فاتهم وبلوا بِمَا بلوا بِهِ وَلم يبْق مَعَهم شىء من نعيم الدُّنْيَا ولذاتها قَالَ أَحْمد بن حَرْب أَحَدنَا يُؤثر الظل على الشَّمْس ثمَّ لَا يُؤثر الْجنَّة على النَّار وَقَالَ عِيسَى ﵇ كم من جَسَد صَحِيح وَوجه صبيح ولسان فصيح غَدا بَين أطباق النَّار يَصِيح فَانْظُر فى هَذِه الاحوال
стр. 201
وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق النَّار بأهوالها وَخلق لَهَا أَهلا لَا يزِيدُونَ وَلَا ينقصُونَ وَأَن هَذَا أمرا قد قضى وَفرغ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضى الْأَمر وهم فى غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ ولعمرى الْإِشَارَة بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَكِن مَا قضى الْأَمر يَوْم بل فى أزل الآزال وَلَكِن أظهر يَوْم الْقِيَامَة مَا سبق بِهِ الْقَضَاء فالعجب مِنْك حَيْثُ تضحك وتلهوا وتشتغل بمحقرات الدُّنْيَا ولشك تَدْرِي أَن الْقَضَاء بِمَاذَا سبق فى حَقك
فان قلت فليت شعرى مَاذَا موردى وَإِلَى مَاذَا مآلى ومرجعى وَمَا الذى سبق بِهِ الْقَضَاء فى حقى فلك عَلامَة تستأنس بهَا وَتصدق رجاءك بِسَبَبِهَا وَهُوَ أَن تنظر إِلَى أحوالك وأعمالك
فان كلا ميسر لما خلق لَهُ فان كَانَ قد يَسُرك سَبِيل الْخَيْر فابشر فانك مبعد عَن النَّار وَإِن كنت لَا تقصد خيرا إِلَّا وتحيط بك الْعَوَائِق فتدفعه وَلَا تقصد شرا إِلَّا ويتيسر لَك أَسبَابه فَاعْلَم أَنَّك مقضى عَلَيْك فان دلَالَة هَذَا على الْعَاقِبَة كدلالة الْمَطَر على النَّبَات وَدلَالَة الدُّخان على النَّار فقد قَالَ تَعَالَى إِن الْأَبْرَار لفى نعيم وَإِن الْفجار لفى جحيم فَأَعْرض نَفسك على الْآيَتَيْنِ وَقد عرفت مستقرك من الدَّاريْنِ
стр. 202
بَاب حفت النَّار بالشهوات وحفت الْجنَّة بالمكاره وَذكر عمل اهل النَّار وَأهل
الْجنَّة
عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حفت الْجنَّة بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات أخرجه مُسلم وخرجه أَيْضا البخارى وَقَالَ الترمذى حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب ويعنى بالمكاره الْمَشَقَّة مثل التكاليف الشَّرْعِيَّة أمرا ونهيا وبالشهوات مرارات النَّفس ومستلذاتها وأهويتها وَتقدم فِي اول الْكتاب حَدِيث ارسال الله جِبْرِيل ﵇ إِلَى الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ عِنْد الترمذى وَأَصْحَاب السّنَن عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ فِيهِ أَبُو عِيسَى حَدِيث حسن صَحِيح
قَالَ القرطبى المكاره كل مَا يشق على النَّفس فعله ويصعب عَلَيْهَا عمله كالطهارة فى الصَّلَوَات وَغَيرهَا من أَعمال الطَّاعَات وَالصَّبْر على المصائب والمصيبات وَجَمِيع المكروهات والشهوات كل مَا يُوَافق النَّفس ويلائمها وَتَدعُوا إِلَيْهِ ويوافقها وأصل الحفاف الدائر بالشىء الْمُحِيط بِهِ الذى لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بعد أَن يتخطى فَمثل النبى ﷺ المكاره والشهوات بذلك وَالْجنَّة لَا تنَال إِلَّا بِقطع مفاوز المكاره وَالصَّبْر عَلَيْهَا وَالنَّار لَا يُنجى مِنْهَا إِلَّا بترك الشَّهَوَات وفطام النَّفس عَنْهَا
وَلَقَد روى عَن النبى ﷺ أَنه مثل طَرِيق الْجنَّة وَطَرِيق النَّار بتمثيل آخر فَقَالَ طَرِيق الْجنَّة حزن بِرَبْوَةٍ وَطَرِيق النَّار سهل بِسَهْوَةٍ ذكره صَاحب الشهَاب والحزن وَهُوَ الطَّرِيق الوعر المسلك والربوة هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع وَأَرَادَ بِهِ مَا يكون من الروابى والسهوة بِالسِّين الْمُهْملَة هُوَ الْموضع السهل الذى لَا غلظ فِيهِ وَلَا وعورة
стр. 203
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن العربى فِي سراج المريدين لَهُ فِي الحَدِيث أَي جعلت على حافتها وهى جوابها وتوهم النَّاس أَنه ضرب فِيهَا الْمثل فَجَعلهَا فِي جوانبها من الْخَارِج وَلَو كَانَ ذَلِك مَا كَانَ مثلا صَحِيحا وَإِنَّمَا هِيَ من دَاخل وَهَذِه صورتهَا
وَعَن هَذَا عبر ابْن مَسْعُود بقوله الْجنَّة حفت بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات فَمن اطلع الْحجاب فقد وَاقع مَا وَرَاءه وكل من تصورها من خَارج فقد ضل عَن معنى الحَدِيث وَعَن حَقِيقَة الْحَال وفى الصَّحِيحَيْنِ وحجبت بدل حفت فى الْمَوْضِعَيْنِ
قَالَ القرطبى فان قيل قد قَالَ حجبت النَّار الشَّهَوَات قُلْنَا الْمَعْنى وَاحِد لِأَن الْأَعْمَى عَن التَّقْوَى الذى قد أخذت سَمعه وبصره الشَّهَوَات يَرَاهَا وَلَا يرى النَّار الَّتِى هِيَ فِيهَا وَإِن كَانَت باستيلاء الْجَهَالَة وزين الْغَفْلَة على قلبه كالطائر يرى الْحبَّة فى دَاخل الفخ وَهِي محجوبة عَنهُ لِأَنَّهُ لَا يرى الفخ لغَلَبَة شَهْوَة الْحبَّة على قلبه وَتعلق باله بهَا وجهله بِمَا جعلت فِيهِ وحجبت انْتهى
عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا رايت مثل النَّار نَام هَارِبهَا وَلَا مثل الْجنَّة نَام طالبها أخرجه الترمذى وَقَالَ
стр. 204
هَذَا حَدِيث إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث يحيى بن عبيد الله وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث تكلم فِيهِ شُعْبَة
وَقد سُئِلَ شيخ الاسلام أَحْمد بن تَيْمِية ﵀ مَا عمل أهل النَّار وَمَا عمل أهل الْجنَّة فَأجَاب عمل أهل النَّار الْإِشْرَاك بِاللَّه تَعَالَى والتكذيب للرسل وَالْكفْر والحسد وَالْكذب والخيانة وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش والغدر وَقَطِيعَة الرَّحِم والجبن عَن الْجِهَاد وَالْبخل وَاخْتِلَاف السِّرّ وَالْعَلَانِيَة واليأس من روح الله والأمن من مكر الله والجزع عِنْد المصائب وَالْفَخْر والبطر عِنْد النعم وَترك فَرَائض الله واعتداء حُدُوده وانتهاك حرماته وَخَوف الْمَخْلُوق دون الْخَالِق وَالْعَمَل رِيَاء وَسُمْعَة وَمُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة أى اعتقادا وَعَملا وَطَاعَة الْمَخْلُوق فى مَعْصِيّة الْخَالِق والتعصب للباطل واستهزاء بآيَات الله وَجحد الْحق والكتمان لما يجب إِظْهَاره من علم وَشَهَادَة وَالسحر وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل مَال الْيَتِيم والربا والفرار من الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات
وَأما عمل أهل الْجنَّة فالايمان بِاللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَالْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره والشهادتان شَهَادَة أَن لَا اله إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَأَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك
وَمن أَعمال أهل الْجنَّة صدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَالْوَفَاء بالعهد وبر الْوَالِدين وصلَة الارحام والاحسان إِلَى الْجَار واليتيم والمسكين والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَمن اعمالهم الاخلاص لله والتوكل عَلَيْهِ والمحبة لله وَرَسُوله
стр. 205
وخشية الله ورجاء رَحمته والإنابة إِلَيْهِ وَالصَّبْر على حكمه وَالشُّكْر لنعمته وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَذكر الله ودعاؤه ومسئلته وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله مَعَ الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ
وَمن أَعْمَالهم أَن يصل من قطعه وَيُعْطى من حرمه وَيَعْفُو عَمَّن ظلمه فان الله أعد الْجنَّة لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ على النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ وَمن أَعْمَالهم الْعدْل فِي جَمِيع الامور وعَلى جَمِيع الْخلق حَتَّى الْكفَّار وأمثال هَذِه الاعمال والتجافي عَن دَار الْغرُور والانابة إِلَى دَار الخلود فَعمل أهل الْجنَّة الْإِيمَان وَالطَّاعَة وَعمل أهل النَّار الْكفْر والفسوق والعصيان
وتفصيل الجملتين لَا يُمكن لَكِن أَعمال أهل الْجنَّة كلهَا تدخل فِي طَاعَة الله وَرَسُوله وأعمال أهل النَّار كلهَا تدخل فِي مَعْصِيّة الله وَرَسُوله فَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم وَمن يعْص الله وَرَسُوله يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين انْتهى كَلَام شيخ الاسلام وَهُوَ كالشرح لحَدِيث الْبَاب حفت الْجنَّة بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات وَكتاب شعب الْإِيمَان للبيهقى يشْتَمل على اشياء هى من أَعمال أهل الْجنَّة وَهُوَ سِتّ مجلدات فى سَبْعَة وَسبعين بَابا اخْتَصَرَهُ أَبُو حَفْص عمر بن عَليّ الْقزْوِينِي الإِمَام بِجَامِع الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد فى نَحْو كراستين
وأصل الْكتاب حَدِيث أَبى هُرَيْرَة ﵁ عَن النبى ﷺ أَنه قَالَ الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة أَو بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة أَعْلَاهَا أَو فارفعها أَو فأفضلها على اخْتِلَاف الرِّوَايَات قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من الايمان فالايمان وَشعْبَة هَذِه كلهَا من أَعمال أهل الْجنَّة وَهَذَا بَيَانهَا بِحَذْف الْأَدِلَّة على سَبِيل التعديد
стр. 206
فالاول مِنْهَا الايمان بِاللَّه ثمَّ الايمان برسل الله ثمَّ بِالْمَلَائِكَةِ ثمَّ بِالْقُرْآنِ ثمَّ بِالْقدرِ خَيره وشره وَأَنه من الله ثمَّ بِالْيَوْمِ الآخر ثمَّ بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت ثمَّ بحشر النَّاس بَعْدَمَا يبعثون من قُبُورهم إِلَى الْموقف ثمَّ بِأَن دَار الْمُؤمنِينَ ومآبهم الْجنَّة وَدَار الْكَافرين ومآبهم النَّار ثمَّ بِوُجُوب محبَّة الله تَعَالَى ثمَّ بِوُجُوب الْخَوْف مِنْهُ ثمَّ بِوُجُوب الرَّجَاء مِنْهُ
ثمَّ بِوُجُوب التَّوَكُّل عَلَيْهِ تَعَالَى وتبارك ثمَّ بِوُجُوب حب النبى ﷺ ثمَّ بِوُجُوب تَعْظِيمه ﷺ وتبجيله وتوقيره ثمَّ شح الْمَرْء بِدِينِهِ حَتَّى يكون الْقَذْف فى النَّار أحب إِلَيْهِ من الْكفْر ثمَّ طلب الْعلم وَهُوَ معرفَة البارى تَعَالَى وَصِفَاته وَمَا جَاءَ من عِنْد الله وَعلم النُّبُوَّة وَمَا تميز بِهِ النبى عَن المتنبى وَعلم أَحْكَام الله تَعَالَى وأقضيته وَمَعْرِفَة مَا تطلب الْأَحْكَام مِنْهُ كالكتاب وَالسّنة وَالْقُرْآن والْحَدِيث مشحونان بفضائل الْعلم وَالْعُلَمَاء وَفِيه كتاب مِفْتَاح دَار السَّعَادَة لِلْحَافِظِ ابْن الْقيم ﵀ وَهُوَ كتاب لَا يُوجد نَظِيره فى الْإِسْلَام ثمَّ نشر الْعلم ثمَّ تَعْظِيم الْقُرْآن الْمجِيد بتعلمة وتعليمه وَحفظ حُدُوده وَأَحْكَامه وَعلم حَلَاله وَحَرَامه وتكريم أَهله وحفاظه واستشعار مَا يهيج الْبكاء من مواعظ الله ووعيده ثمَّ الطَّهَارَة ثمَّ الصَّلَوَات الْخمس ثمَّ الزَّكَاة ثمَّ الِاعْتِكَاف ثمَّ الْحَج ثمَّ الْجِهَاد
وفى ذَلِك كتاب الْعبْرَة مِمَّا جَاءَ فى الْغَزْو وَالشَّهَادَة وَالْهجْرَة لهَذَا العَبْد عَفا الله عَنهُ وَهُوَ نَفِيس جدا فى هَذَا الْبَاب مغن عَن كثير من الْكتب ثمَّ المرابطة فِي سَبِيل الله تَعَالَى ثمَّ الثَّبَات لِلْعَدو وَترك الْفِرَار من الزَّحْف ثمَّ أَدَاء الْخمس من الْمغنم إِلَى الإِمَام أَو عَامله على الْغَانِمين وكل ذَلِك مَذْكُور فى كتابى المسطور ثمَّ الْعتْق فك الرَّقَبَة ثمَّ الْكَفَّارَات الْوَاجِبَات بالجنايات وهى فى الْكتاب وَالسّنة أَربع
стр. 207
كَفَّارَة الْقَتْل وَكَفَّارَة الظِّهَار وَكَفَّارَة الْيَمين وَكَفَّارَة الْمَسِيس فى صَوْم رَمَضَان وَمِمَّا يقرب مِنْهَا مَا يجب باسم الْفِدْيَة لِأَنَّهَا إِمَّا عَن ذَنْب سبق أَو يُرَاد بِهِ التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بشىء يُعْفَى أثر أَمر قد وَقع ذَنبا كَانَ أَو غير ذَنْب ثمَّ الأيفاء بِالْعُقُودِ ثمَّ الايفاء بِالْعُقُودِ ثمَّ تعدد نعم الله وَمَا يجب من شكرها ثمَّ حفظ اللِّسَان عَمَّا لَا يحْتَاج اليه وَيدخل فِيهِ الْكَذِب والغيبة والنميمة وَالْفُحْش ثمَّ أَدَاء الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا ثمَّ تَحْرِيم قتل النُّفُوس والجنايات عَلَيْهَا ثمَّ تَحْرِيم الْفروج وَمَا يجب فِيهَا من التعفف ثمَّ قبض الْيَد عَن الْأَمْوَال الْمُحرمَة
وَيدخل فِيهِ تَحْرِيم السّرقَة وَقطع الطَّرِيق وَأكل الرشا وكل مَالا يسْتَحقّهُ شرعا ثمَّ وجوب التورع عَن المطاعم والمشارب والاجتناب عَمَّا لَا يحل مِنْهَا
وَهِي أَنْوَاع كَثِيرَة مبسوطة فى كتب السّنة وَالْكتاب ثمَّ تَحْرِيم الملابس والزى والأوانى وَمَا يكره مِنْهَا ثمَّ تَحْرِيم الملاعب والملاهي الْمُخَالفَة للشريعة ثمَّ الاقتصاد فى النَّفَقَة وَتَحْرِيم أكل المَال بِالْبَاطِلِ ثمَّ ترك الغل والحسد وَنَحْوهمَا من الْخِصَال المذمومة على لِسَان الشَّرْع ثمَّ تَحْرِيم أَعْرَاض النَّاس وَمَا يجب من ترك الوقيعة فِيهَا ثمَّ اخلاص الْعَمَل لله وَترك الرِّيَاء والسمعة ثمَّ السرُور بِالْحَسَنَة والاغتمام بِالسَّيِّئَةِ ثمَّ معالجة كل ذَنْب بِالتَّوْبَةِ ثمَّ القرابين وجملتها الْهدى والاضحية والعقيقة ثمَّ طَاعَة أولى الْأَمر إِلَّا فِي مَعْصِيّة الْخَالِق ثمَّ التَّمَسُّك بِمَا عَلَيْهِ جمَاعَة أهل السّنة وَالْكتاب ثمَّ الحكم بَين النَّاس بِالْعَدْلِ ثمَّ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
ثمَّ التعاون على الْبر وَالتَّقوى ثمَّ الْحيَاء ثمَّ بر الْوَالِدين ثمَّ صلَة الْأَرْحَام
стр. 208
ثمَّ حسن الْخلق وَيدخل فِيهِ كظم الغيظ ولين الْجَانِب والتواضع ثمَّ الاحسان إِلَى الممالك ثمَّ حق السَّادة على المماليك وَهُوَ لُزُوم العَبْد سَيّده وإقامته حَيْثُ يرَاهُ لَهُ وَيَأْمُر بِهِ وطاعته فِيمَا يطبقه
ثمَّ حُقُوق الْأَوْلَاد والأهلين وهى قيام الرجل على وَلَده وَأَهله وتعليمه إيَّاهُم من أُمُور دينهم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ثمَّ مقاربة أهل الدّين وموادتهم وإفشاء السَّلَام بَينهم والمصافحة لَهُم وَنَحْو ذَلِك ثمَّ رد السَّلَام ثمَّ عِيَادَة الْمَرِيض ثمَّ صَلَاة الْجَنَائِز ثمَّ تشميت الْعَاطِس ثمَّ مبعادة الْكفَّار والمفسدين والغلظة عَلَيْهِم
ثمَّ إِكْرَاه الْجَار ثمَّ إكرام الضَّيْف ثمَّ السّتْر على أَصْحَاب القروف أى الذُّنُوب ثمَّ الصَّبْر على المصائب وَعَما تنْزع النَّفس إِلَيْهِ من لَذَّة وشهوة
ثمَّ الزّهْد وَقصر الأمل ثمَّ الْغيرَة وَترك المراء ثمَّ الاعراض عَن اللَّغْو ثمَّ الْجُود والسخاء ثمَّ رَحْمَة الصَّغِير وتوقير الْكَبِير ثمَّ إصْلَاح ذَات الْبَين ثمَّ أَن يحب الرجل لِأَخِيهِ الْمُسلم مَا يحب لنَفسِهِ وَيكرهُ لَهُ مَا يكره لنَفسِهِ
وَيدخل فِيهِ إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق والنصح لكل مُسلم وفى حَدِيث أنس فى صَحِيح البخارى لَا يُؤمن احدكم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ
فَهَذِهِ سبع وَسَبْعُونَ شُعْبَة من شعب الايمان دلّت عَلَيْهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة ذكرهَا البيهقى فِي شعب الايمان وَزَاد الْقزْوِينِي عَلَيْهَا فى بعض الشّعب آيَة أَو آيَات أَو حَدثنَا أَو كَلِمَات أَو حِكَايَة أَو حكايات أَو بَيْتا أَو أبياتا لم يذكرهَا البيهقى
стр. 209
وَإِذا أحطت بِمَا ذكرنَا علما عرفت إِن ذَلِك كُله من المكاره الَّتِى حفت بهَا الْجنَّة وَإِن خلاف ذَلِك كُله من الشَّهَوَات الَّتِى حفت بهَا النَّار وَهَذَا بَاب وَاسع جدا لَا يَتَّسِع لبسطه هَذَا الْمقَام وفقنا الله لاحْتِمَال المكاره المنجيات وجنبنا عَن الشَّهَوَات الموبقات
هَذَا وَأَقُول رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا رَبنَا وَلَا تحملنا مَالا طَاقَة لنا بِهِ وأعف عَنَّا واغفر لنا وارحمنا أَنْت مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين
стр. 210
بَاب من دخل النَّار من الْمُوَحِّدين وَمَات وَاحْتَرَقَ ثمَّ يخرجُون بالشفاعة
عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يعذب نَاس من أهل التَّوْحِيد فى النَّار حَتَّى يَكُونُوا فِيهَا حمما ثمَّ تُدْرِكهُمْ الرَّحْمَة فَيخْرجُونَ ويطرحون على أَبْوَاب الْجنَّة قَالَ فيرش عَلَيْهِم أهل الْجنَّة المَاء فينبتون كَمَا ينْبت الغثاء فى حمالَة السَّيْل ثمَّ يدْخلُونَ الْجنَّة أخرجه الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح قد روى من غير وَجه عَن جَابر
وَعَن أَبى سعيد الخدرى أَن النبى ﷺ قَالَ يخرج من النَّار من كَانَ فى قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان قَالَ أَبُو سعيد فَمن شكّ فليقرأ ان الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة أخرجه الترمذى وَحسنه وَصَححهُ
وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أما أهل النَّار الَّذين هم أَهلهَا فانهم لَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون وَلَكِن نَاس أَصَابَتْهُم النَّار بِذُنُوبِهِمْ أَو قَالَ بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حَتَّى إِذا كَانُوا فحما أذن لَهُم فى الشَّفَاعَة فجىء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أَنهَار الْجنَّة ثمَّ قيل يَا أهل الْجنَّة أفيضوا عَلَيْهِم فينبتون نَبَات الْحبَّة فى حميل السَّيْل فَقَالَ رجل من الْقَوْم كَأَن رَسُول الله قد كَانَ يرْعَى بالبادية
قَالَ القرطبى هَذِه الموتة للعصاة موتَة حَقِيقِيَّة لِأَنَّهُ أكدها بِالْمَصْدَرِ وَذَلِكَ
стр. 211
تكريما لَهُم حَتَّى لَا يحسوا ألم الْعَذَاب بعد الإحتراق بِخِلَاف الحى الذى هُوَ من أَهلهَا مخلدا فِيهَا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب وَقيل يجوز أَن تكون إماتتهم عبارَة عَن تغييبة إيَّاهُم عَن آلامها بِالنَّوْمِ وَلَا يكون ذَلِك موتا حَقِيقَة فان النّوم قد يغيب عَن كثير من الآلام والملاذ
وَقد سَمَّاهُ الله وَفَاة فَقَالَ الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا والتى لم تمت فى منامها فَهُوَ وَفَاة وَلَيْسَ بِمَوْت على الْحَقِيقَة الَّتِى هُوَ خُرُوج الرّوح عَن الْبدن وَكَذَلِكَ الصعقة قد عبر الله بهَا عَن الْمَوْت فى قَوْله تَعَالَى فَصعِقَ من فى السَّمَوَات وَمن فى الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله وَأخْبر عَن مُوسَى ﵇ أَنه خر صعقا وَلم يكن ذَلِك موتا على الْحَقِيقَة غير أَنه لما غيب عَن أَحْوَال الْمُشَاهدَة من الملاذ والآلام جَازَ أَن يُسمى موتا وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكون إماتتهم غيبتهم عَن الآلام وهم أَحيَاء بلطيفة يحدثها الله فيهم كَمَا غيب النسْوَة اللاتى قطعن أَيْدِيهنَّ بِشَاهِد ظهر لَهُنَّ فغبن بِهِ عَن آلامهن
والتأويل أصح لما ذَكرْنَاهُ من تأكيده بِالْمَصْدَرِ وَلقَوْله فى نفس الحَدِيث حَتَّى إِذا كَانُوا فحما فهم أموات على الْحَقِيقَة كَمَا أَن أَهلهَا أَحيَاء على الْحَقِيقَة وَلَيْسوا بأموات
فان قيل مَا معنى ادخالهم النَّار وهم غير عَالمين قيل أَن يجوز أَن يدخلهم تأديبا لَهُم وَأَن لم يعذبهم فِيهَا وَيكون صرف نعيم الْجنَّة عَنْهُم مُدَّة كَونهم فِيهَا عُقُوبَة لَهُم كالمحبوسين فى السجون فان الْحَبْس عُقُوبَة لَهُم وَإِن لم يكن مَعَه غل وَلَا قيد وَالله أعلم
وَعَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يخرج أَو أخرجُوا من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ فى قلبه من الْخَيْر مَا يزن شعيره أخرجُوا من
стр. 212
النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ركان فى قلبه من الْخَيْر مَا يزن بره أخرجُوا من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ قلبه من الْخَيْر مَا يزن ذرة أخرجه الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَعنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَقُول الله أخرجُوا من النَّار من ذَكرنِي يَوْمًا أَو خافني فى مقَام اخرجه الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب
بَاب فى الشفعاء وَذكر الجهنميين
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النبى ﷺ قَالَ أَن الصّيام والقرأن يشفعان للْعَبد يَقُول الصّيام رب منعته الطَّعَام والشهوات بالهنار فشفعنى فِيهِ وَيَقُول الْقُرْآن منعته النّوم بِاللَّيْلِ فشفعني فِيهِ فيشفعان أخرجه ابْن الْمُبَارك
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَفِيه بعد قَوْله فى نَار جَهَنَّم حَتَّى إِذا خلص الْمُؤْمِنُونَ من النَّار فوالذى نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُم من أحد بأشد مناشدة لله تَعَالَى فى اسْتِيفَاء الْحق من الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة لاخوانهم الَّذين فى النَّار يَقُولُونَ رَبنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعنا وَيصلونَ ويحجون فَيُقَال لَهُم أخرجُوا من عَرَفْتُمْ فَتحرم صورهم على النَّار فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا مِنْهُم من أَخَذته النَّار إِلَى نصف سَاقه وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ يَقُولُونَ رَبنَا مَا بَقِي أحد مِمَّن أمرتنا بِهِ فَيَقُول ﷻ ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فى قلبه مِثْقَال دِينَار من خير فاخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا أحدا مِمَّن أمرتنا بِهِ ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فى قلبه مِثْقَال نصف دِينَار من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ
стр. 213
رَبنَا لم نذر مِمَّن أمرتنا أحدا ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فى قلبه مِثْقَال ذرة من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا خيرا وَكَانَ أَبُو سعيد يَقُول إِن لم تصدقونى بِهَذَا الحَدِيث فاقرءوا إِن شِئْتُم إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما فَيَقُول الله تَعَالَى شفعت الْمَلَائِكَة وشفع النَّبِيُّونَ وشفع الْمُؤْمِنُونَ وَلم يبْق إِلَّا أرْحم الرَّاحِمِينَ
وفى البخارى بدله وَبقيت شفاعتى فَيقبض قَبْضَة من النَّار فَيخرج مِنْهَا قوما لم يعملوا خيرا قطّ قد عَادوا حمما فيليهم على نهر على أَفْوَاه الْجنَّة يُقَال لَهُ نهر الْحَيَاة فَيخْرجُونَ كَمَا تخرج الْحبَّة فى حميل السَّيْل أَلا ترونها يكون إِلَى الْحجر أَو إِلَى الشّجر مَا يكون إِلَى الشَّمْس أصيفر وأخيضر وَمَا يكون مِنْهَا إِلَى الظل يكون ابيض
فَقَالُوا يَا رَسُول الله كَأَنَّك كنت ترعى بالبادية قَالَ فَيخْرجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فى رقابهم الخواتيم يعرفونهم أهل الْجنَّة هَؤُلَاءِ عُتَقَاء الله الَّذين أدخلهم الْجنَّة بِغَيْر عمل عملوه وَلَا خير قدموه ثمَّ يَقُول ادخُلُوا الْجنَّة فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لكم فَيَقُولُونَ رَبنَا أَعطيتنَا مالم تعط أحدا من الْعَالمين فَيَقُول لكم عندى أفضل من هَذَا فَيَقُول رَبنَا وأى شىء أفضل من هَذَا فَيَقُول رضاى لَا أَسخط عَلَيْكُم بعده أبدا اخرجه ابْن مَاجَه وفى الْبَاب أَحَادِيث وَرِوَايَات بطرق وألفاظ
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا فرغ الله من الْقَضَاء بَين خلقه أخرج كتابا من تَحت الْعَرْش إِن رحمتى سبقت غَضبى وَأَنا أرْحم الرَّاحِمِينَ قَالَ فَيخرج من النَّار مثل أهل الْجنَّة أَو قَالَ مثلى أهل الْجنَّة قَالَ وَأكْثر ظنى أَنه قَالَ مثلى أهل الْجنَّة مَكْتُوب بَين اعينهم عُتَقَاء الله
стр. 214
وفى هَذِه الْأَحَادِيث فَوَائِد كَثِيرَة مِنْهَا أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَمِنْهَا أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة من شرائع الْإِيمَان وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ أَي صَلَاتكُمْ وَقيل المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث أَعمال الْقُلُوب كَأَنَّهُ يَقُول اخْرُجُوا من عمل عملا بنية من قلبه لقَوْله الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَيجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ رَحْمَة على مُسلم رقة على يَتِيم خوفًا من الله تَعَالَى رَجَاء لَهُ توكلا عَلَيْهِ ثِقَة بِهِ مِمَّا هِيَ أَفعَال الْقلب دون الْجَوَارِح وسماها إِيمَانًا لكَونهَا فى مَحل الْإِيمَان وَهَذَا الذى قواه القرطبى وأيده فِي التَّذْكِرَة
وَعَن أنس عَن النبى ﷺ قَالَ يخرج قوم من النَّار بعد مَا مسهم مِنْهَا سفع فَيدْخلُونَ الْجنَّة فتسميهم أهل الْجنَّة الجهنميين خرجه البخارى وَعَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النبى ﷺ قَالَ ليخرجن قوما من أمتى بشفاعتى يسمون الجهنميين رَوَاهُ الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح أخرجه البخارى وَأَبُو دَاوُد أَيْضا
وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ شفاعتى لأهل الْكَبَائِر من امتى زَاد الطيالسى قَالَ فَقَالَ لى جَابر من لم يكن من أهل الْكَبَائِر فَمَا لَهُ وللشفاعة وَذكر أَبُو دَاوُد والدارقطنى عَن أَبى أُمَامَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم أَنا بشرار أمتى قَالُوا فَكيف أَنْت بخيارها قَالَ أما خِيَارهَا فَيدْخلُونَ الْجنَّة بأعمالهم وَأما شرارهم فَيدْخلُونَ الْجنَّة بشفاعتي
стр. 215
وَعَن ابى مُوسَى الاشعرى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خيرت بَين الشَّفَاعَة وَبَين أَن يدْخل نصف أمتى الْجنَّة فاخترت الشَّفَاعَة لِأَنَّهَا أَعم وأكفى أترونها لِلْمُتقين لَا وَلكنهَا للمذنبين الْخَطَّائِينَ المتلوثين رَوَاهُ ابْن ماجة وفى الْبَاب أَحَادِيث بِأَلْفَاظ وطرق
وَعِنْده من حَدِيث عَوْف بن مَالك الأشجعى نَحوه وفى آخِره قُلْنَا يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يجعلنا من أَهلهَا قَالَ هِيَ لكل مُسلم
قَالَ القرطبى شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ وَالْمَلَائِكَة والنبيين وَالْمُؤمنِينَ لمن كَانَ لَهُ عمل زَائِد على مُجَرّد التَّصْدِيق وَمن لم يكن مَعَه من الْإِيمَان خير من الدّين يتفضل الله عَلَيْهِم فيخرجوهم من النَّار فضلا وكرما وَعدا مِنْهُ حَقًا وكلمته صدقا إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء فسبحان الرءوف بِعَبْدِهِ الوفي بعهده انْتهى
следующие страницы →