Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
عَن ابْن عمر رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ معقدة بِالْغَدَاةِ والعشى إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن اهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة أخرجه الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَزَاد ابْن مرْدَوَيْه ثمَّ قَرَأَ ﴿النَّار﴾ الْآيَة
وَاحْتج بعض أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على اثبات عَذَاب الْقَبْر أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهُ بمنه وَكَرمه وَقَالَ القرظى إِن أَرْوَاحهم فى جَوف طير سود تَغْدُو على جَهَنَّم وَتَروح كل يَوْم مرَّتَيْنِ فَذَلِك عرضهَا
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن هَذَا الْعرض هُوَ البرزخ
وَقَالَ تَعَالَى قَالَ الَّذين فى النَّار أى من الْأُمَم الْكَافِرَة مستكبرهم وضعيفهم جَمِيعًا ﴿لخزنة جَهَنَّم﴾ وهم القائمون بتعذيب أهل النَّار وَإِنَّمَا لم يقل لخزنتها لِأَن فى ذكر جَهَنَّم تهويلا وتفظيعا أَو لبَيَان محلهم فِيهَا فَإِن جَهَنَّم هى أبعد النَّار قعرا وفيهَا أَعْتَى الْكفَّار وأطغاهم فَلَعَلَّ الْمَلَائِكَة الموكلين بِعَذَاب أُولَئِكَ أجوب دَعْوَة لزِيَادَة قربهم من الله فَلهَذَا تعمدهم أهل النَّار لطلب الدعْوَة مِنْهُم ادعوا ربكُم يُخَفف عَنَّا يَوْمًا من الْعَذَاب قَالُوا أَو لم تَكُ تَأْتيكُمْ رسلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بلَى قَالُوا فَادعوا وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فى ضلال أى فى ضيَاع وَبطلَان وخسارة وتبار وانعدام وَفِيه إقناط لَهُم عَن الْإِجَابَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فينسلخ كل شىء عَلَيْهِم من جلد وَلحم وعرق حَتَّى يصير فى عقبه حَتَّى إِن لَحْمه قدر طوله وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا ثمَّ يكسى جلدا آخر ﴿ثمَّ فِي النَّار يسجرون﴾
стр. 72
عَن ابْن عَمْرو قَالَ تلى رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة فَقَالَ لَو أَن رصاصة مثل هَذِه وَأَشَارَ إِلَى جمجمة أرْسلت من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وهى مسيرَة خَمْسمِائَة سنة لبلغت الأَرْض قبل اللَّيْل وَلَو أَنَّهَا ارسلت من رَأس السلسلة لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْل وَالنَّهَار قبل أَن يبلغ أَصْلهَا أَو قَالَ قعرها أخرجه أَحْمد والترمذى وَحسنه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه والبيهقى فى الْبَعْث والنشور
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يحْشر أَعدَاء الله إِلَى النَّار فهم يُوزعُونَ﴾ أى يحبس أَوَّلهمْ على آخِرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا حَتَّى إِذا مَا جاءوها شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ فى الدُّنْيَا من المعاصى وفى كَيْفيَّة هَذِه الشَّهَادَة ثَلَاثَة أَقْوَال
أَولهَا إِن الله يخلق للفهم وَالْقُدْرَة والنطق فِيهَا فَتشهد كَمَا يشْهد الرجل على مَا يعرفهُ
ثَانِيهَا أَنه تَعَالَى يخلق فِي تِلْكَ الْأَعْضَاء الْأَصْوَات والحروف الدَّالَّة على تِلْكَ الْمعَانى
ثَالِثهَا أَن يظْهر فى تِلْكَ الْأَعْضَاء أَحْوَال تدل على صُدُور تِلْكَ الْأَعْمَال من ذَلِك الْإِنْسَان وَتلك الأمارات تسمى شَهَادَات ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء وَهُوَ خَلقكُم أول مرّة وَإِلَيْهِ ترجعون وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فَإِن يصبروا فَالنَّار مثوى لَهُم وَإِن يستعتبوا فَمَا هم من المعتبين﴾ أى إِن يطلبوا الرِّضَا لم يَقع الرِّضَا عَنْهُم بل لَا بُد لَهُم النَّار وَتَمام الْكَلَام على هَذِه الْآيَة فى تفسيرنا فتح الْبَيَان
стр. 73
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وفى يَده كِتَابَانِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكتابان قُلْنَا لَا إِلَّا أَن تخبرنا يَا رَسُول الله قَالَ للذى فى يَده الْيُمْنَى هَذَا كتاب من رب الْعَالمين بأسماء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ أجل على آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم
ثمَّ قَالَ للذى فى شِمَاله هَذَا كتاب من رب الْعَالمين بأسماء أهل النَّار وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ أجل آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم أبدا فَقَالَ أَصْحَابه فَفِيمَ الْعَمَل يَا رَسُول الله إِن كَانَ أَمر قد فرغ مِنْهُ فَقَالَ سددوا وقاربوا فَإِن صَاحب الْجنَّة يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة وَإِن عمل أى عمل وَإِن صَاحب النَّار يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل النَّار وَإِن عمل أى عمل قَالَ رَسُول الله ﷺ بيدَيْهِ فنبذهما ثمَّ قَالَ فرغ ربكُم من الْعباد فريق فى الْجنَّة وفريق فى السعير
أخرجه الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَأحمد والنسائى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وروى بن جرير طرفا مِنْهُ مَوْقُوفا على ابْن عَمْرو قَالَ هَذَا الْمَوْقُوف أشبه بِالصَّوَابِ قَالَ الشوكانى بل الْمَرْفُوع أشبه بِهِ فقد رَفعه الثِّقَة وَرَفعه زِيَادَة ثَابِتَة من وَجه صَحِيح ويقوى الرّفْع مَا أخرجه بن مرْدَوَيْه عَن الْبَراء قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وفى يَده كتاب ينظر فِيهِ قَالُوا انْظُرُوا إِلَيْهِ كَيفَ وَهُوَ أمى لَا يقْرَأ قَالَ فَعلمه رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَذَا كتاب من رب الْعَالمين بأسماء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء قبائلهم لَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم وَقَالَ ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ فرغ ربكُم من أَعمال الْعباد انْتهى
قلت وَأَيْضًا لَا يُقَال مثل هَذَا من قبل الرأى
стр. 74
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي عَذَاب جَهَنَّم خَالدُونَ لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ أى آيسون من النجا وَقيل ساكتون سكُوت يأس قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك﴾ أى بِالْمَوْتِ قَالَ انكم مَا كثون أى مقيمون فى الْعَذَاب هَانَتْ وَالله دعوتهم على مَالك وَرب مَالك قَالَ الخازن سكت عَن إجابتهم أَرْبَعِينَ سنة انْتهى وَالسّنة ثلثمِائة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَالْيَوْم كألف سنة مِمَّا تَعدونَ قَالَه القرطبى وَقيل ثَمَانِينَ سنة وَقيل مائَة سنة وَقَالَ ابْن عَبَّاس يمْكث عَنْهُم ألف سنة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم كَالْمهْلِ يغلي فِي الْبُطُون كغلي الْحَمِيم خذوه فاعتلوه إِلَى سَوَاء الْجَحِيم ثمَّ صبوا فَوق رَأسه من عَذَاب الْحَمِيم ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ تقدم تَفْسِير مثل هَذِه الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويل لكل أفاك أثيم﴾ الاثم أى لكل كَذَّاب كثير مرتكب لما يُوجِبهُ وويل وَاد فى جَهَنَّم أَو كلمة عَذَاب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا فاليوم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تفسقون﴾ عرض الشَّخْص على النَّار أَشد فى اهانته من عرض النَّار عَلَيْهِ إِذْ عرضه عَلَيْهَا يُفِيد أَنه كالحطب الْمَخْلُوق للاحتراق وَقيل فى الْكَلَام قلب أَن تعرض النَّار عَلَيْهِم وَمعنى يعرض يعذب والهون مَا فِيهِ ذل وخزى وَمَا أخوف هَذِه الْآيَة فى شَأْن المترفين المتكبرين عَن عبَادَة الله الخارجين عَن طَاعَته بِفعل السَّيِّئَات والمعاصى والمستمتعين باللذات الفانية من المناكح والملابس والمراكب والمساكن النفيسة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾
стр. 75
قَالُوا بلَى وربنا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَالْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى مَا هُوَ مشَاهد لَهُم يَوْم عرضهمْ على النَّار وفى الِاكْتِفَاء بِمُجَرَّد الْإِشَارَة من التهويل من الْمشَار إِلَيْهِ والتفخيم لشأنه مَالا يخفى كَأَنَّهُ امْر لَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَسقوا مَاء حميما فَقطع أمعاءهم﴾ أى مصارينهم فَخرجت من أدبارهم لفرط حرارته وَقَالَ تَعَالَى ﴿الظانين بِاللَّه ظن السوء عَلَيْهِم دَائِرَة السوء وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ وَهَذَا إِخْبَار عَن وُقُوع السوء بهم على ظنهم أَن كلمة الْكفْر تعلو كلمة الْإِسْلَام
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألقيا فِي جَهَنَّم كل كفار عنيد مناع للخير مُعْتَد مريب الَّذِي جعل مَعَ الله إِلَهًا آخر فألقياه فِي الْعَذَاب الشَّديد قَالَ قرينه رَبنَا مَا أطغيته وَلَكِن كَانَ فِي ضلال بعيد قَالَ لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبدل القَوْل لدي وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ الْخطاب للسائق والشهيد أَو للملكين من خَزَنَة النَّار أَو الْوَاحِد على تَنْزِيل تَثْنِيَة الْفَاعِل منزلَة تَثْنِيَة الْفِعْل وتكريره وَالْمعْنَى كفار للنعم مُجَانب للايمان معاد لأَهله وَلَا يبْذل خيرا وَلَا يُؤدى زَكَاة مَفْرُوضَة أَو كل حق وَجب عَلَيْهِ فى مَاله ظَالِم لَا يقر بتوحيد الله شَاك فِي الْحق وفيهَا نهى عَن الاختصام فى مَوَاقِف الْحساب وَنفى الظُّلم عَن الله تَعَالَى على الْعباد وَلَا مَفْهُوم لقَوْله ظلام
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم نقُول لِجَهَنَّم هَل امْتَلَأت وَتقول هَل من مزِيد﴾ جعله الزمخشرى وَمن تبعه من بَاب الْمجَاز وَهُوَ مَرْدُود لما ورد تَحَاجَّتْ النَّار وَالْجنَّة واشتكت إِلَى رَبهَا قَالَ النسفى هَذَا على تَحْقِيق القَوْل من جَهَنَّم
وَعَن أنس رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تزَال جَهَنَّم
стр. 76
تلقى فِيهَا وَتقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قدمه فينزوى بَعْضهَا إِلَى بعض وَتقول قطّ قطّ وَعزَّتك وكرمك وَلَا يزَال فى الْجنَّة فضل حَتَّى ينشىء الله لَهَا خلقا آخر فيسكنهم فى فضول الْجنَّة أخرجه الشَّيْخَانِ وَهَذَا لفظ مُسلم وَأَخْرَجَا من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة نَحوه وَفِيه فَأَما النَّار فَلَا تمتلىء حَتَّى يضع الله عَلَيْهَا وَرجله وَيَقُول لَهَا قطّ قظ وفى الْبَاب أَحَادِيث وَمذهب جُمْهُور السّلف الْإِيمَان بالقدم وَالرجل من غير تَأْوِيل وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَحْرِيف وَلَا تَمْثِيل وإمرارها على ظَاهرهَا وَهَذَا هُوَ الْحق الذى لَا محيد عَنهُ
قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم هم على النَّار يفتنون﴾ أى يحرقون ويعذبون فِيهَا وأصل الْفِتْنَة إذابة الْجَوْهَر ليظْهر غشه ثمَّ اسْتعْمل فى التعذيب والاحراق وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر﴾ أى فى ذهَاب عَن الْحق وَبعد عَنهُ وفى نَار تسعر عَلَيْهِم وسقر علم لِجَهَنَّم غير منصرف ومسها مقاساة حرهَا وَشدَّة عَذَابهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام﴾ الْمَعْنى أَنَّهَا تجْعَل الاقدام مَضْمُومَة إِلَى النواصى وتلقيهم الْمَلَائِكَة فى النَّار قَالَ الضَّحَّاك يجمع بَين ناصيته وَقدمه فى سلسلة من وَرَاء ظَهره وَقيل تسحبهم الْمَلَائِكَة تَارَة إِلَى النَّار بِأخذ النواصى وَتارَة تجرهم على الْوُجُوه وَتارَة بِأخذ أَقْدَامهم وَتارَة تجرهم على رُؤْسهمْ قَالَ ابْن عَبَّاس تَأْخُذ الزَّبَانِيَة بناصيته وقدميه وَيجمع فيكسر كَمَا يكسر الْحَطب فى التَّنور
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يطوفون بَينهَا﴾ أى بَين جَهَنَّم فتحرقهم ﴿وَبَين حميم آن﴾ أى فَيُصِيب وُجُوههم فيحرقون والآن الذى قد انْتهى حره وَبلغ غَايَته وَقيل هُوَ وَاد من أَوديَة جَهَنَّم يجمع فِيهِ صديد أهل النَّار فيغمسون فِيهِ بأغلالهم حَتَّى تنخلع
стр. 77
أوصالهم قَالَ قَتَادَة يطوفون أى يَتَرَدَّدُونَ ويسعون مرّة فى الْحَمِيم وَمرَّة فى الْحَمِيم وَمرَّة بَين الْجَحِيم
وَقَالَ تَعَالَى وَأَصْحَاب الشمَال فى سموم مَا أَصْحَاب الشمَال وحميم وظل من يحموم وَلَا بَارِد وَلَا كريم إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك مترفين السمُوم حر النَّار وَتقدم تَفْسِير الْحَمِيم مرَارًا واليحموم الشَّديد السوَاد وَالْمعْنَى أَنهم يفزعون إِلَى الظل فيجدونه ظلا من دُخان جَهَنَّم شَدِيد السوَاد قَالَ الضَّحَّاك النَّار سَوْدَاء وَأَهْلهَا سود كل مَا فِيهَا أسود قَالَ ابْن عَبَّاس يحموم دُخان أسود وفى لفظ دُخان جَهَنَّم وَقيل وَاد فى جَهَنَّم وَقيل اسْم من أسمائها وَالْأول أظهر
والنعتان لقَوْله ظلّ لَا ليحموم وَهَذَا الظل أشجى لحلوقهم وَأَشد لتحسرهم وفى الْأُمُور الثَّلَاثَة إِشَارَة إِلَى كَونهم فى الْعَذَاب دَائِما وفيهَا ذمّ الترفه لِأَنَّهُ مَنعهم من الانزجار وشغلهم عَن الِاعْتِبَار
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون مِنْهَا الْبُطُون فشاربون عَلَيْهِ من الْحَمِيم فشاربون شرب الهيم هَذَا نزلهم يَوْم الدّين﴾ وَتقدم تَفْسِير هَذِه الْآيَة والهيم الْإِبِل العطاش الَّتِى لَا تروى لداء يُصِيبهَا
وفى الصِّحَاح الهيام أَشد الْعَطش والنزل الرزق والغذاء وفى هَذَا تهكم بهم لِأَن النزل هُوَ مَا يعد للاضياف تكرمة لَهُم وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين﴾ أى مَحْضَة وخالصة وَالْمعْنَى وَاضح
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة﴾ أى فى الْفضل والرتبة ﴿أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون﴾ أى الظافرون بِكُل مَطْلُوب الناجون من كل مَكْرُوه وَهَذَا تَنْبِيه للنَّاس وإيذان بِأَنَّهُم لفرط غفلتهم وَقلة فكرهم
стр. 78
فى الْعَاقِبَة وتهالكهم فى إِيثَار العاجلة وَاتِّبَاع الشَّهَوَات كَأَنَّهُمْ لَا يعْرفُونَ الْفرق بَين الْجنَّة وَالنَّار والبون الْعَظِيم بَين أصحابهما وَأَن الْفَوْز الْعَظِيم مَعَ أَصْحَاب الْجنَّة وَالْعَذَاب الدَّائِم الْأَلِيم مَعَ أَصْحَاب النَّار فَمن حَقهم أَن يعملوا ذَلِك وينبهوا عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى إِذا ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقا وهى تَفُور تكَاد تميز من الغيظ كلما ألْقى فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شىء إِن أَنْتُم إِلَّا فى ضلال كَبِير وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فى أَصْحَاب السعير فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير
الْمَعْنى إِذا طرحوا طرح الْحَطب فى النَّار سمعُوا لَهَا صَوتا مبكرا كصوت الْحمير عِنْد أول نهيقها وهى تغلى غليان الْمرجل بِمَا فِيهِ تكَاد تتقطع من الغيظ على الْكفَّار وَكلما ألْقى فى جَهَنَّم جمَاعَة مِنْهُم سَأَلَهُمْ مَلَائِكَة النَّار عَمَّا ذكر فى الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى خذوه فغلوه ثمَّ الْجَحِيم صلوه ثمَّ فى سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه إِنَّه كَانَ لَا يُؤمن بِاللَّه الْعَظِيم وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَهُنَا حميم وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين لَا يَأْكُلهُ إِلَّا الخاطئون قَالَ الْمُفَسِّرُونَ السلسلة حلق منتظمة كل حَلقَة مِنْهَا فى حَلقَة وَالله أعلم بأى ذِرَاع هى وَقيل بِذِرَاع الْملك قَالَ نوف الشامى كل ذِرَاع سَبْعُونَ باعا كل بَاعَ أبعد مَا بَيْنك وَبَين مَكَّة وَكَانَ نوف فى رحب الْكُوفَة قَالَ مقَاتل لَو أَن حَلقَة مِنْهَا وضعت على ذرْوَة جبل لذاب كَمَا يذوب الرصاص وَقَالَ ابْن جريج لَا يعرف قدرهَا إِلَّا الله وَهَذَا الْعدَد حَقِيقَة أَو مُبَالغَة قَالَ سُفْيَان بلغنَا أَنَّهَا تدخل فى دبره حَتَّى تخرج من فِيهِ
وَقَالَ سُوَيْد بن أَبى نجيح بلغنى أَن جَمِيع أهل النَّار فى تِلْكَ السلسلة والغسلين
стр. 79
صديد أهل النَّار وَمَا ينغسل من أبدانهم من الْقَيْح والصديد وَقَالَ أهل اللُّغَة هُوَ مَا يجْرِي من الْجراح إِذا مَا غسلت وَقَالَ الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس هُوَ شجر يَأْكُلهُ أهل النَّار وَقَالَ قَتَادَة هُوَ شَرّ الطَّعَام وَقَالَ ابْن زيد لَا يعلم مَا هُوَ وَلَا مَا الزقوم إِلَّا الله تَعَالَى
وَقَالَ ابْن عَبَّاس الغسلين الدَّم وَالْمَاء والصديد الَّذِي يسيل من لحومهم وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن ص قَالَ لَو أَن دلوا من غسلين يهراق فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدُّنْيَا اخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا الغسلين اسْم طَعَام من أَطْعِمَة أهل النَّار
والتوفيق بَين مَا هُنَا وَبَين قَوْله إِلَّا من ضَرِيع وَقَوله الزقوم وَقَوله مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار أَنه يجوز أَن يكونه طعامهم جَمِيع ذَلِك أَو أَن الْعَذَاب أَنْوَاع المعذبونطبقات فَمنهمْ أكله الغسلين وَمِنْهُم أَكلَة الضريع وَمِنْهُم أَكلَة الزقومومنهم أَكلَة النَّار لكل مِنْهُم جُزْء مقسوم
وَقَالَ تَعَالَى يود المجرم لَو يفتدي من عَذَاب يَوْم إِذْ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته الَّتِى تؤيه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ ينجيه كلا إِنَّهَا لظي نزاعة للشوي تَدْعُو من أدبر وَتَوَلَّى وَجمع فأوعى لظي علم جَهَنَّم وَهُوَ التلهب وَقيل هِيَ الدركة الثَّانِيَة من طباق جَهَنَّم والشوى الْأَطْرَاف وجلدة الرَّأْس وَمَكَارِم الْوَجْه وَحسنه
قَالَ قَتَادَة تبرى اللَّحْم وَالْجَلد عَن الْعظم حَتَّى لَا تتْرك فِيهِ شَيْئا وَقَالَ الْكسَائي هِيَ المفاصل وَقَالَ أَبُو صَالح هِيَ أَطْرَاف الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وقالابن عَبَّاس تنْزع أم الرَّأْس وَفِي هَذَا ذمّ لمن أدبر عَن الْحق وَأعْرض عَنهُ وَجمع المَال فأوعاه وكثره وَلم يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الْخَيْر وَلم يؤد زَكَاته
стр. 80
وَقَالَ تَعَالَى ان لدينا انكالا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَعَذَابًا أَلِيمًا جمع نكل وَهُوَ الْقَيْد وَقيل الغل من الْحَدِيد وَالْأول أعرف فى اللُّغَة قَالَ مقَاتل هى أَنْوَاع الْعَذَاب الشَّديد وَطَعَام لَا يسوغ فى الْحلق بل ينشب فِيهِ فَلَا ينزل وَلَا يخرج قيل هُوَ الزقوم وَقيل الضريع وَقيل شوك العوسج والغصة الشنجى فى الْحلق
وَقَالَ تَعَالَى سأصليه سقر وَمَا أَدْرَاك مَا سقر لَا تبقى وَلَا تذر لواحة للبشر عَلَيْهَا تِسْعَة عشر وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا السقر النَّار أَو من أسمائها أَو دركة مِنْهَا لَا تبقى لَهُم لَحْمًا وَلَا تذر لَهُم عظما أَو لَا تبقى من فِيهَا حَيا وَلَا تذره مَيتا تظهر لَهُم وتلوح حَتَّى يروها عيَانًا كَقَوْلِه وبرزت الْجَحِيم لمن يرى وَقيل لواحة مُغيرَة لَهُم ومسودة وَهَذَا أرجح من الأول وَإِلَيْهِ ذهب جُمْهُور الْمُفَسّرين وَقيل معطشة
وَقَالَ ابْن عَبَّاس تلوح الْجلد فتحرقه وَتغَير لَونه فَيصير أسود من اللَّيْل وَعنهُ محوقة وَالْمرَاد بالبشر إِمَّا جلدَة الْإِنْسَان الظَّاهِرَة كَمَا قَالَه الْأَكْثَر أَو المُرَاد بِهِ أهل النَّار من الْإِنْس كَمَا قَالَ الْأَخْفَش وعَلى النَّار تِسْعَة عشر من الْمَلَائِكَة خزنتها أَو من أَصْنَاف الْمَلَائِكَة أَو من صفوفهم وَقيل تِسْعَة عشر نَقِيبًا مَعَ كل نقيب جمَاعَة من الْمَلَائِكَة وَالْأول أولى
قَالَ الرازى وَتَخْصِيص هَذَا الْعدَد لحكمة اخْتصَّ الله بهَا
وَقَالَ تَعَالَى مَا سلككم فى سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين وَالصَّحِيح أَن هَذِه الْآيَة فى الْكفَّار قَالَه سُلَيْمَان الْجمل
стр. 81
وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا اعتدنا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيرا تقدم تَفْسِير هَذِه الامور الثَّلَاثَة وَعَن يعلى بن مُنَبّه وهى أمة وَأَبوهُ أُميَّة رفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ ينشىء الله سَحَابَة لأهل النَّار سَوْدَاء مظْلمَة فَيُقَال يَا أهل النَّار أى شىء تطلبون فَيذكرُونَ بهَا سَحَابَة الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ رَبنَا الشَّرَاب فتمطرهم أغلالا يزِيد فى أغلالهم وسلاسل فى سلاسلهم وجمرا تلهب عَلَيْهِم رَوَاهُ الطبرانى فى الْأَوْسَط قَالَ فى مجمع الزَّوَائِد وَفِيه وَمن فِيهِ ضعف قَلِيل وَمن لم أعرفهُ
وَقَالَ تَعَالَى انْطَلقُوا إِلَى ظلّ ذى ثَلَاث شعب لَا ظَلِيل وَلَا يغنى من من اللهب إِنَّهَا ترمى بشرر كالقصر كَأَنَّهُ جمالة صفر ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون أى يَقُول لَهُم خَزَنَة جَهَنَّم انْطَلقُوا إِلَى ظلّ من دُخان جَهَنَّم قد سَطَعَ ثمَّ افترق ثَلَاث فرق يكونُونَ فِيهِ حَتَّى يفرغ من الْحساب وَهَذَا شَأْن الدُّخان الْعَظِيم إِذا ارْتَفع تشعب شعبًا وَقيل المُرَاد بالظل هُنَا السرادق وَهُوَ لِسَان من النَّار تحيط بهم وَهُوَ الظل من يحموم وَقيل إِن الشّعب الثَّلَاث هى الضريع والزقوم والغسلين لِأَنَّهَا أَوْصَاف النَّار وكل شررة مِنْهَا كالقصر فى عظمها ثمَّ شبه الشرر بِاعْتِبَار لَونه بالجمال أَو الْجبَال
قَالَ ابْن مَسْعُود لَيست كالشجر وَالْجِبَال وَلكنهَا مثل الْمَدَائِن والحصون
وَقَالَ تَعَالَى إِن جَهَنَّم كَانَت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فِيهَا أحقابا لَا يذوقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا إِلَّا حميما وغساقا جَزَاء وفَاقا أى جَهَنَّم مَوضِع رصد يرصد فِيهِ خَزَنَة النَّار الْكفَّار ليعذبوهم فِيهَا أَو هى فى نَفسهَا متطلعة لما يأتى إِلَيْهَا من الْكفَّار والأحقاب الدهور جمع حقب قَالَ الواحدى قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِنَّه بضع وَثَمَانُونَ سنة السّنة ثلثمِائة وَسِتُّونَ يَوْمًا
стр. 82
الْيَوْم ألف سنة من أَيَّام الدُّنْيَا وروى مَرْفُوعا من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة عِنْد الطبرانى وَغَيره وَسَنَده ضَعِيف قَالَه السيوطى وفى الْبَاب أَحَادِيث ذَكرنَاهَا فى فتح الْبَيَان
وَالْمَقْصُود بِالْآيَةِ التَّأْبِيد لَا التَّأْبِيد قَالَ الْحسن وَالله مَا هى إِلَّا أَنه إِذا مضى حقب دخل آخر كَذَلِك إِلَى الْأَبَد
وَقَالَ تَعَالَى فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هى المأوى أى أَنَّهَا منزله الذى ينزله لَا غَيرهَا
وَقَالَ تَعَالَى وَأما من أُوتى كِتَابه وَرَاء ظَهره فَسَوف يَدْعُو ثبورا وَيصلى سعيرا أى يُنَادى هَلَاكه وَيدخل النَّار ويقاسى حرهَا وشدتها
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تصلى نَارا حامية﴾ أى متناهية فى الْحر ﴿تسقى من عين آنِية﴾ الَّتِى انْتهى حرهَا ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ وَهُوَ نوع من الشوك لَا ترعاه دَابَّة لخبثه يُقَال لَهُ الشبرق فى لِسَان قُرَيْش إِذا كَانَ رطبا فَإِذا يبس فَهُوَ الضريع قيل وهم سم قَاتل وَقيل هُوَ الْحِجَارَة وَقيل الشَّجَرَة فى نَار جَهَنَّم وَقَالَ ابْن كيسَان هُوَ طَعَام يضرعون عِنْده ويذلون وَقيل هُوَ الزقوم وَقيل وَاد فى جَهَنَّم وَقَالَ الْحسن هُوَ بعض مَا أخفاه الله من الْعَذَاب ﴿لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع﴾ أى كِلَاهُمَا منفيان عَنهُ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ رددناه أَسْفَل سافلين﴾ قَالَ مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن الْمَعْنى ثمَّ رددنا الْكَافِر وَذَلِكَ أَن النَّار دَرَجَات بَعْضهَا أَسْفَل من بعض فالكافر يرد إِلَى أَسْفَل الدَّرَجَات السافلة وَلَا ينافى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ فَلَا مَانع من كَون الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ مُجْتَمعين فى ذَلِك الدَّرك الْأَسْفَل
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين فِي نَار جَهَنَّم﴾
стр. 83
﴿خَالِدين فِيهَا أُولَئِكَ هم شَرّ الْبَريَّة﴾ وَظَاهر الْآيَة الْعُمُوم وَقيل هم الَّذين عاصروا الرَّسُول ﷺ وَالْأول أولى وَشر أفعل تَفْضِيل وفى هَذَا تَنْبِيه على أَن وَعِيد عُلَمَاء السوء أعظم من وَعِيد كل أحد
وَقَالَ تَعَالَى وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية وَمَا أَدْرَاك مَاهِيَّة نَار حامية اى فمسكنه جَهَنَّم وسماها أمه لِأَنَّهُ يأوى إِلَيْهَا كَمَا يأوى إِلَى أمه والهاوية من أَسمَاء جَهَنَّم وَسميت بهَا لِأَنَّهُ يهوى فِيهَا مَعَ بعد قعرها
عَن أنس رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ الْمُؤمن تَلَقَّتْهُ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ يسألونه مَا فعل فلَان مَا فعلت فُلَانَة فَإِذا كَانَ مَاتَ وَلم يَأْتهمْ قَالُوا خُولِفَ بِهِ إِلَى أمه الهاوية فبئست الْأُم وبئست المربية أخرجه ابْن مرْدَوَيْه وَأخرج من حَدِيث أَبى أَيُّوب الانصارى نَحوه أَيْضا وَابْن الْمُبَارك من حَدِيثه نَحوه أَيْضا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ وهى الْمُشَاهدَة والمعاينة قيل هُوَ إِخْبَار عَن دوَام بقائهم فى النَّار أى هى رُؤْيَة دائمة مُتَّصِلَة وَقيل الْمَعْنى لَو تعلمُونَ الْيَوْم علم الْيَقِين وَأَنْتُم فى الدُّنْيَا لترون الْجَحِيم بعيون قُلُوبكُمْ وَهُوَ أَن تتصوروا أَمر الْقِيَامَة وأهوالها
وَقَالَ تَعَالَى كلا لينبذن فى الحطمة وَمَا أَدْرَاك مَا الحطمة نَار الله الموقده الَّتِى تطلع على الأفئدة إِنَّهَا عَلَيْهِم موصده فى عمد ممدة وَالْمعْنَى ليطرحن فى النَّار وليلقين فِيهَا وَسميت حطمة لِأَنَّهَا تحطم كل مَا يلقى فِيهَا وتهشمه قيل هى الطَّبَقَة السَّادِسَة من طَبَقَات جَهَنَّم وَقيل الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَقيل الرَّابِعَة وَهَذِه النَّار يخلص حرهَا إِلَى الْقُلُوب فيعلوها ويغشاها وَخص الأفئدة مَعَ كَونهَا تغش جَمِيع أبدانهم لِأَنَّهَا مَحل العقائد الزائغة أَو لكَونه إِذا وصل اليها مَاتَ صَاحبهَا أى أَنهم فى حَال من يَمُوت وهم لَا يموتون وَقيل الْمَعْنى أَنَّهَا تعلم بِمِقْدَار مَا يسْتَحقّهُ
стр. 84
كل وَاحِد من الْعَذَاب وَذَلِكَ بأمارات عرفهَا الله بهَا وَأَنَّهَا عَلَيْهِم مطبقة مغلقة وهم موثوقون فى عمد ممددة
قَالَ مقَاتل أطبقت الْأَبْوَاب عَلَيْهِم ثمَّ شدت بِأَوْتَادٍ من حَدِيد فَلَا يفتح عَلَيْهِم بَاب وَلَا يدْخل عَلَيْهِم روح وَمعنى ممددة مُطَوَّلَة وَقيل الْعمد أغلال فى جَهَنَّم وَقيل قيود
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ أى سيصلى هُوَ بِنَفسِهِ نَارا ذَات اشتعال وتوقد وهى نَار جَهَنَّم أجارنا الله مِنْهَا برحمته وَكَرمه إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبالاجابة جدير
وَهَذَا آخر الْآيَات الكريمات الْوَارِدَة فى أَحْوَال جَهَنَّم وأهوال النَّار وَذكر أَصْحَابهَا وَبقيت آيَات مكررة جَاءَت فى ذَلِك وَلَا حَاجَة تدعوا إِلَى إيرادها فى هَذَا الْكتاب المبنى على الِاخْتِصَار
قَالَ القرطبى فى التَّذْكِرَة أَبْوَاب جَهَنَّم وَمَا جَاءَ فِيهَا وفى أهوالها وأسمائها انْتهى ثمَّ ذكر ذَلِك فى أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وأتى بِأَحَادِيث وآثار وَردت فى هَذِه الْأَبْوَاب فها أَنا أحذو حذوه فى تَحْرِير ذَلِك مَعَ زِيَادَة على مَا ذكره وَحذف لما تكَرر وَتقدم فى بابى الْآيَات مَعَ الْإِشَارَة إِلَيْهِ لِئَلَّا يطول ذيل الْكَلَام وَبِاللَّهِ الِاعْتِصَام
стр. 85
بَاب مَا جَاءَ فى أَن النَّار لما خلقت فزعت مِنْهَا الْمَلَائِكَة حَتَّى طارت أفئدتها
عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ لما خلقت النَّار فزعت الْمَلَائِكَة وطارت أفئدتها فَلَمَّا خلق آدم سكن ذَلِك عَنْهُم وَذهب مَا كَانُوا يَجدونَ أخرجه ابْن الْمُبَارك وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان لما خلق الله جَهَنَّم أمرهَا فزفرت زفرَة لم يبْق فى السَّمَوَات السَّبع ملك إِلَّا خر على وَجهه فَقَالَ لَهُم الْجَبَّار ﷻ ارْفَعُوا رؤوسكم أما علمْتُم أَنى خلقتكم لطاعتى وعبادتى وخلقت جَهَنَّم لأهل معصيتى من خلقى فَقَالُوا رَبنَا لَا نأمنها حَتَّى نرى أَهلهَا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وهم من خَشيته مشفقون﴾ فَالنَّار عَذَاب الله فَلَا ينبغى لأحد أَن يعذب بهَا وَقد جَاءَ النهى عَن ذَلِك فَقَالَ لَا تعذبوا بِعَذَاب الله
وَعَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَنْذَرْتُكُمْ النَّار أَنْذَرْتُكُمْ النَّار فَمَا زَالَ يَقُولهَا حَتَّى لَو كَانَ فى مقامى هَذَا سَمعه أهل السُّوق وَحَتَّى سَقَطت خميصة كَانَت عَلَيْهِ عِنْد رجلَيْهِ رَوَاهُ الدارمى
وَعَن يزِيد بن سُورَة قَالَ رَأَيْت عبَادَة بن الصَّامِت وَهُوَ على حَائِط الْمَسْجِد المشرف على وادى جَهَنَّم وَاضِعا صَدره عَلَيْهِ وَهُوَ يبكى فَقلت أَبَا الْوَلِيد مَا يبكيك قَالَ هَذَا الْمَكَان الذى أخبرنَا رَسُول الله ﷺ أَنه رأى فِيهِ جَهَنَّم رَوَاهُ الطبرانى قَالَ فى مجمع الزَّوَائِد وَيزِيد لم أعرفهُ وَفِيه ضعفاء قد وثقوا
стр. 86
وَعَن عمر أَن جِبْرِيل ﵇ جَاءَ إِلَى النبى ﷺ حَزينًا لَا يرفع رَأسه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مالى أَرَاك يَا جِبْرِيل حَزينًا قَالَ إنى رَأَيْت لفحة من جَهَنَّم فَلم ترجع إِلَى روحى بعد رَوَاهُ الطبرانى فى الْأَوْسَط وَفِيه على بن خلف وَهُوَ ضَعِيف
وَعَن عمر بن الْخطاب قَالَ جَاءَ جِبْرِيل ﵇ إِلَى النبى ﷺ فى حِين غير حِينه الذى كَانَ يَأْتِيهِ فِيهِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا جِبْرِيل مَالِي أَرَاك متغير اللَّوْن فَقَالَ مَا جئْتُك حَتَّى أَمر الله بمفاتيح النَّار فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا جِبْرِيل صف لى النَّار وانعت لى جَهَنَّم فَقَالَ جِبْرِيل إِن الله ﵎ أَمر بجهنم فَأوقد عَلَيْهَا حَتَّى اسودت فهى سَوْدَاء مظْلمَة لَا تضىء شررها وَلَا يطفى لهيبها والذى بَعثك بِالْحَقِّ لَو أَن قدر ثقب ابرة فتح من جَهَنَّم لمات من فى الأَرْض كلهم جَمِيعًا من حره
والذى بَعثك بِالْحَقِّ لَو أَن خَازِنًا من خَزَنَة جَهَنَّم برز إِلَى أهل الدُّنْيَا فنظروا إليهلمات من فى الأَرْض كلهم من قبح وَجهه وَمن نَتن رِيحه والذى بَعثك بِالْحَقِّ لَو أَن حَلقَة من حلق سلسلة أهل النَّار الَّتِى نعت الله فى كِتَابه وضعت على جبال الدُّنْيَا لارفضت وَمَا تقارت حَتَّى تنتهى إِلَى الأَرْض السلفى
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ حسبى يَا جِبْرِيل لَا يتصدع قلبى فأموت قَالَ فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى جِبْرِيل وَهُوَ يبكى فَقَالَ تبكى يَا جِبْرِيل وَأَنت من الله بِالْمَكَانِ الذى أَنْت فِيهِ فَقَالَ ومالى لَا أبكى وَأَنا أَحَق بالبكا لعلى أكون فى علم الله على غير الْحَال الَّتِى أَنا عَلَيْهَا وَمَا أدرى لعلى
стр. 87
أبتلى بِمَا ابتلى بِهِ إِبْلِيس فقد كَانَ من الْمَلَائِكَة وَمَا أدرى لعلى أبتلى بِمَا ابتلى بِهِ هاروت وماروت قَالَ فَبكى رَسُول الله ﷺ وَبكى جِبْرِيل فَمَا زَالا يَبْكِيَانِ حَتَّى نودى أَن يَا جِبْرِيل وَيَا مُحَمَّد إِن الله قد أمنكما تعصياه فارتفع جِبْرِيل
وَخرج رَسُول الله ﷺ فَمر بِقوم من الْأَنْصَار يَضْحَكُونَ ويلعبون فَقَالَ اتضحكون ووراءكم جَهَنَّم فَلَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا وَلما استغتم الطَّعَام وَالشرَاب ولخرجتم إِلَى الصعدات تجأرون إِلَى الله فنودى يَا مُحَمَّد لَا تقنط عبادى إِنَّمَا بَعَثْتُك ميسرًا وَلم أَبْعَثك مُعسرا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سددوا وقاربوا رَوَاهُ الطبرانى فى الاوسط وَفِيه سَلام الطَّوِيل وَهُوَ مجمع على ضعفه كَذَا قَالَ الهيثمى أَن مجمع الزَّوَائِد
стр. 88
بَاب مَا جَاءَ فى الْبكاء عِنْد ذكر النَّار وَالْخَوْف مِنْهَا
عَن زيد بن أسلم قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النبى ﷺ وَمَعَهُ إسْرَافيل فَلَمَّا سلما على النبى ﷺ فَإِذا إسْرَافيل منكسر الطّرف فَقَالَ النبى ﷺ يَا جِبْرِيل مَال إسْرَافيل منكسر الطّرف متغير اللَّوْن قَالَ لاحت لَهُ آنِفا حِين هَبَط لمحة من جَهَنَّم فَذَلِك الذى يرى كسر طرفه رَوَاهُ بن وهب
وَعَن مُحَمَّد بن مطرف عَن الثِّقَة أَن فَتى من الْأَنْصَار دَخلته خشيَة من النَّار فَكَانَ يبكى عِنْد ذكر النَّار حَتَّى حَبسه ذَلِك فِي الْبَيْت فَلَمَّا دخل النبى ﷺ اعتنقه الْفَتى فَخر مَيتا فَقَالَ النبى ﷺ جهزوا صَاحبكُم فان الْفَزع من النَّار فلذ كبده رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك
وروى أَن عِيسَى ﵇ مر بأَرْبعَة آلَاف امْرَأَة متغيرات الألوان وعليهن مدارع الشّعْر وَالصُّوف فَقَالَ عِيسَى ﵇ مَا الذى غير ألوانكن معاشر النسْوَة قالن فَإِن ذكر النَّار غير ألواننا يَا ابْن مَرْيَم إِن من دخل النَّار لَا يَذُوق فِيهَا بردا وَلَا شرابًا ذكره الخرائطى فى كتاب النشور
وروى أَن سلمَان الفارسى لما سمع قَوْله إِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ فر ثَلَاثَة ايام هَارِبا من الْخَوْف لَا يعقل فجىء بِهِ إِلَى النبى ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله أنزلت هَذِه الْآيَة ﴿وَإِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ﴾ فوالذى بَعثك بِالْحَقِّ لقد قطعت قلبى فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون﴾ الْآيَة ذكره الثعلبى وَغَيره وَالله أعلم بأسانيدها وَلم يتَكَلَّم عَلَيْهَا القرطبى فى التَّذْكِرَة
стр. 89
بَاب مَا جَاءَ فِيمَن استجار من النَّار وَسَأَلَ الله الْجنَّة
عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سَأَلَ الله الْجنَّة ثَلَاث مَرَّات قَالَت الْجنَّة اللَّهُمَّ ادخله الْجنَّة وَمن استجار بِاللَّه من النَّار قَالَت النَّار اللَّهُمَّ اجره من النَّار أخرجه التِّرْمِذِيّ وَعَن أَبى سعيد الخدرى أَو عَن أَبى حجيرة الْأَكْبَر عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن أَحدهمَا حَدثهُ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا كَانَ يَوْم حَار ألْقى الله سَمعه وبصره إِلَى أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض فَإِذا قَالَ العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله مَا اشد حر هَذَا الْيَوْم اللَّهُمَّ أجرنى من حر جَهَنَّم قَالَ لِجَهَنَّم إِن عبدا من عبادى استجار بى مِنْك وإنى أشهدك أَنى قد أجرته
وَإِذا كَانَ يَوْم شَدِيد الْبرد ألْقى الله سَمعه وبصره إِلَى أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض فَإِذا قَالَ العَبْد لَا اله إِلَّا الله مَا أَشد برد هَذَا الْيَوْم اللَّهُمَّ أجرنى من زمهرير جَهَنَّم قَالَ الله لِجَهَنَّم إِن عبدا من عبادى استجار بى من زمهريرك وانى أشهدك أَنى قد أجرته فَقَالُوا وَمَا زمهرير جَهَنَّم قَالَ جب يلقى فِيهِ الْكَافِر قد تميز من شدَّة برده بعضه من بعض رَوَاهُ البيهقى
قَالَ القرطبى فى التَّذْكِرَة تقرر من الْكتاب وَالسّنة أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَالْإِخْلَاص فِيهَا مَعَ الْإِيمَان موصلة إِلَى الْجنان ومباعدة عَن النيرَان وَذَلِكَ يكثر إِيرَاده وَالْقطع بِهِ مَعَ الموافاة على ذَلِك يغنى عَن ذكر ذَلِك وَيَكْفِيك الْآن من ذَلِك مَا ثَبت فى الصَّحِيحَيْنِ عَن أَبى سعيد الخدرى رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من عبد يَصُوم يَوْمًا فى سَبِيل الله إِلَّا باعد الله بذلك الْيَوْم وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا قلت الخريف السّنة
стр. 90
وَأخرج النسائى عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ عَن النبى ﷺ قَالَ من صَامَ يَوْمًا فى سَبِيل الله زحزح الله وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا وَأخرج الترمذى عَن أَبى أُمَامَة رضى الله عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من صَامَ يَوْمًا فى سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب ويروى كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أَبى أُمَامَة
وَخرج الطبرانى عَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أطْعم أَخَاهُ حَتَّى يشبعه وسقاه من المَاء حَتَّى يرويهِ بعده الله من النَّار سبع خنادق مَا بَين كل خَنْدَق مسيرَة مائَة عَام وَعَن أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء وَعَاد أَخَاهُ الْمُسلم بوعد من جَهَنَّم سبعين خَرِيفًا قلت يَا ابا حَمْزَة مَا الخريف قَالَ الْعَام رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فى كِتَابه وَعَن عدى بن حَاتِم قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يسْتَتر من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيفْعَل أخرجه الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظ لمُسلم
стр. 91
بَاب احتجاج الْجنَّة وَالنَّار وَصفَة أهلهما
عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ احتجت النَّار وَالْجنَّة فَقَالَت هَذِه يدخلنى الجبارون والمتكبرون وَقَالَت هَذِه يدخلنى الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين فَقَالَ الله تَعَالَى لهَذِهِ أَنْت عذابى أعذب بك من أَشَاء وَقَالَ لهَذِهِ أَنْت رحمتى أرْحم بك من أَشَاء وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا رَوَاهُ البخارى وَمُسلم والترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
قَالَ الْحَاكِم ابو عِيسَى فى عُلُوم الحَدِيث سُئِلَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ابْن خُزَيْمَة عَن هَذَا الحَدِيث من الضَّعِيف قَالَ الذى يبرىء نَفسه من الْحول وَالْقُوَّة يعْنى فى الْيَوْم وَاللَّيْلَة عشْرين مرّة أَو خمسين مرّة قَالَ القرطبى وَمثل هَذَا لَا يُقَال من جِهَة الرأى فَهُوَ مَرْفُوع وَالله أعلم وَأما الْمَسَاكِين فَالْمُرَاد بهم المتواضعون وهم الْمشَار إِلَيْهِم فى قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ أحينى مِسْكينا وأمتنى مِسْكينا واحشرنى فى زمرة الْمَسَاكِين وَلَقَد أحسن من قَالَ
إِذا أردْت شرِيف النَّاس كلهم ... فَانْظُر إِلَى ملك فى زى مِسْكين ذَاك الذى عظمت فى الله رغبته ... وَذَاكَ يصلح للدنيا وللدين
стр. 92
بَاب فى صفة النَّار وفى شرار النَّاس من هم
عَن عِيَاض بن حمَار المجاشعى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَات يَوْم فى خطبَته أهل النَّار خَمْسَة الضَّعِيف الذى لَا زبر لَهُ الَّذين هم فِيكُم تبع لَا يَبْتَغُونَ أَهلا وَلَا مَالا والخائن الذى لايخفى لَهُ طمع وَإِن دق إِلَّا خانه وَرجل يصبح وَلَا يمسى إِلَّا وَهُوَ يخادعك عَن أهلك وَمَالك وَذكر الْبُخْل وَالْكذب والشنظير الفحاش أخرجه مُسلم بِطُولِهِ وَعَن حَارِثَة بن وهب الخزاعى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار كل عتل جواظ مستكبر وفى رِوَايَة زنيم متكبر أخرجه مُسلم وَابْن ماجة والجواظ اللَّفْظ الغليظ وَقيل الجافى الْقلب والعتل الشَّديد الْخُصُومَة وَقيل هُوَ الأكول الشروب الظلوم والزنيم المستحلق فى قوم لَيْسَ هُوَ مِنْهُم وَقيل اللَّئِيم
وَعَن ابْن عمر رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ان الله لَا يعذب من عباده إِلَّا المارد المتمرد الذى يتمرد على الله وأبى أَن يَقُول لَا إِلَه الا الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَعَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل النَّار إِلَّا شقى قيل يَا رَسُول
стр. 93
الله وَمن الشقى قَالَ من لم يعْمل لله بِطَاعَة وَلم ينزل لَهُ عَن مَعْصِيّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَعِنْده عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أهل النَّار من مَلأ الله أُذُنَيْهِ من ثَنَاء النَّاس شرا وَهُوَ يسمع وَعَن أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ قَالَ مر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا شَرّ فَقَالَ النبى ﷺ من أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار أَنْتُم شُهَدَاء الله فى الأَرْض رَوَاهُ مُسلم بِطُولِهِ قَالَت عَائِشَة النَّار دَار البخلاء وَقَالَ زيد بن أسلم نهاك الله ان تكون لئيما فَتدخل النَّار وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أنبئكم بشراركم قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ من أكل وَحده وَمنع رفده وَجلد عَبده أفأنبئكم بشر من هَذَا قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ من يبغض النَّاس ويبغضونه قَالَ أفأنبئكم بشر من هَذَا قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ من لَا يقبل عَثْرَة وَلَا يقبل معزرة وَلَا يغْفر ذَنبا قَالَ أفأنبئكم بشر من هَذَا قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ من لَا يُرْجَى خَيره وَلَا يُؤمن شَره أخرجه الْحَافِظ أَبُو نعيم من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب القرظى بِطُولِهِ قَالَ وَهَذَا الحَدِيث لَا يحفظ بِهَذَا السِّيَاق عَن النبى ﷺ إِلَّا من حَدِيثه عَن ابْن عَبَّاس
стр. 94
بَاب فى صفة أهل النَّار
عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئكم بِأَهْل النَّار كل سَفِيه جعظرى رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه الْبَراء بن عبد الله وَهُوَ ضَعِيف وَعَن ابْن عَمْرو ابْن الْعَاصِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ عِنْد ذكر أهل النَّار كل جعظرى جواظ مستكبر جماع مناع وَأهل الْجنَّة الضُّعَفَاء المغلوبون رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَعَن ابْن غنم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة الجواظ الجعظرى والعتل الزنيم رَوَاهُ أَحْمد واسناده حسن إِلَّا أَن ابْن غنم لم يسمع من النبى ﷺ
وَعَن على بن رَبَاح قَالَ بلغنى عَن سراقَة بن مَالك أَن النبى ﷺ قَالَ يَا سراقَة أَلا أخْبرك بِأَهْل الْجنَّة وَأهل النَّار قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ أما أهل النَّار فَكل جعظرى جواظ مستكبر وَأما أهل الْجنَّة فالضعفاء المغلوبون رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا أَن فِيهِ رَاوِيا لم يسم قَالَه فى مجمع الزَّوَائِد وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا بعث الله نَبيا إِلَى قوم فَقَبضهُ إِلَّا جعل بعده فَتْرَة يمْلَأ من تِلْكَ الفترة جَهَنَّم رَوَاهُ الطبرانى فى الْأَوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح غير صَدَقَة ابْن سَابق وَهُوَ ثِقَة
وَعَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ صنفان من أمتى لم أرهما قوم مَعَهم سياط من نَار كأذناب الْبَقر يضْربُونَ بهَا النَّاس وَنسَاء كاسيات عاريات مائلات مميلات رُؤْسهنَّ كأسنمة البخت المائلة لَا يدخلن الْجنَّة وَلَا يجدن رِيحهَا وَأَن رِيحهَا لتوجد من مسيرَة كَذَا وَكَذَا أخرجه
стр. 95
مُسلم قَالَ الْخَلِيل الصِّنْف الطَّائِفَة من كل شىء وَالسَّوْط اسْم الْعَذَاب وَإِن لم يكن ثمَّ ضرب قَالَه الْفراء
قَالَ القرطبى وَهَذِه الصّفة للسياط مُشَاهدَة عندنَا بالمغرب إِلَى الْآن انْتهى
قلت بل هُوَ مشَاهد فى كل مَكَان وزمان ويزداد يَوْمًا فيوما عِنْد الامراء والأعيان فنعوذ بِاللَّه من جَمِيع مَا كرهه الله
وَالْمعْنَى أَنَّهُنَّ كاسيات بالثيات عاريات من الدّين لانكشافهن وابداء محاسنهن وَقيل كاسيات ثيابًا رقاقا يظْهر مَا تحتهَا وَمَا خلفهَا فهن كاسيات فى الظَّاهِر عاريات فى الْحَقِيقَة وَقيل كاسيات فى الدُّنْيَا بأنواع الزِّينَة من الْحَرَام وَمِمَّا لَا يجوز لبسه ومائلات مَعْنَاهُ زائغة عَن طَاعَة الله وَطَاعَة الْأزْوَاج وَمَا يلزمهن من صِيَانة الْفروج والتستر عَن الْأَجَانِب وعميلات مَعْنَاهُ يعلمن غَيْرهنَّ الدُّخُول فى مثل فعلهن وَقيل مائلات متبخترات فى مشيتهن مميلات يملن رُؤْسهنَّ وأعطافهن للخيلاء والتبختر ومميلات لقلوب الرِّجَال إلَيْهِنَّ بِمَا يبدين من زينتهن وَطيب رائحتهن وَقيل يمتشطن الميلاء وهى مشطة البغايا والمميلات اللواتى يمشطن غَيْرهنَّ المشطة الميلاء يغطين رُؤْسهنَّ بِالْخمرِ والمقانع ويجعلن رُؤْسهنَّ شَيْئا يُسمى عِنْدهن النازة لَا عقص الشّعْر والذوائب الْمُبَاح للنِّسَاء حسب مَا ثَبت فى الصَّحِيح عَن ام سَلمَة قَالَت قلت رَسُول الله انى امْرَأَة أَشد ضفر رأسى الحَدِيث
стр. 96
.. بَاب أول من يكسى من حلل النَّار
عَن أنس بن مَالك أول من يكسى حلَّة من النَّار إِبْلِيس فَيَضَعهَا على حَاجِبه أَو حاجبيه ويسحبها من بعده وَذريته من بعده أَو من خَلفه وَهُوَ يُنَادى يَا ثبوراء وينادون يَا ثبورهم فَيُقَال لَهُم لَا تدعوا الْيَوْم ثبورا وَاحِدًا وَادعوا ثبورا كثيرا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار قَالَ فى مجمع الزَّوَائِد ورجالهما رجال الصَّحِيح غير على بن زيد وَقد وثق
بَاب مَا جَاءَ فى أَكثر أهل النَّار
عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قُمْت على بَاب النَّار فاذا عَامَّة من دَخلهَا النِّسَاء أخرجه مُسلم وَمن حَدِيث ابْن عَبَّاس فى حَدِيث كسوف الشَّمْس وَرَأَيْت النَّار فَلم ار منْظرًا كَالْيَوْمِ قطّ وَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء قَالُوا بِمَ يَا رَسُول الله بكفرهن قيل ايكفرن بِاللَّه قَالَ يكفرن العشير ويكفرن الاحسان لَو احسنت إِلَى احداهن الدَّهْر كُله ثمَّ رات مِنْك شَيْئا قَالَت مَا رَأَيْت مِنْك خيرا قطّ
وَعَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أقل ساكنى الْجنَّة النِّسَاء أى لما يغلب عَلَيْهِنَّ من الْهوى والميل إِلَى عَاجل زِينَة الدُّنْيَا لنُقْصَان عقولهن أَن تنفذ بصائرها إِلَى الْأُخْرَى فيضعفن عَن عمل الْآخِرَة وَالتَّأَهُّب لَهَا لميلهن إِلَى الدُّنْيَا والتزين بهَا ثمَّ مَعَ ذَلِك هن أقوى أَسبَاب الدُّنْيَا الَّتِى تصرف الرِّجَال عَن الْأُخْرَى لما لَهُم فِيهِنَّ من الْهوى فأكثرهن معرضات عَن الْآخِرَة
стр. 97
بِأَنْفُسِهِنَّ صارفات عَنْهَا لغيرهن سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عَن الدّين عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إِلَى الْآخِرَة وأعمالها من الْمُتَّقِينَ
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اطَّلَعت فى الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء وأطلعت فى النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء رَوَاهُ الترمذى وَرَوَاهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن أَيْضا وَقَالَ فِيهِ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وكلا الْحَدِيثين لَيْسَ فيهمَا مقَال
وَعَن حَارِثَة بن وهب الخزاعى يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَلا أخْبركُم بِأَهْل الْجنَّة كل ضَعِيف متضعف لَو أقسم على الله لَأَبَره أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار كل عتل جواظ متكبر أخرجه الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح والعتل الشَّديد الجافى والجواظ الجموع المنوع وَقيل الْكثير اللَّحْم المختال فى مَشْيه وَقيل الْقصير البطين
وَعَن عبد الرَّحْمَن ابْن شبْل قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْفُسَّاق أهل النَّار قَالُوا يَا رَسُول الله وَمن الْفُسَّاق قَالَ النِّسَاء قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَو لَيْسَ أمهاتنا وأخواتنا وَأَزْوَاجنَا قَالَ بلَى ولكنهن إِذا اعطين لم يشكرن وَإِذا ابتلين لم يصبرن رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله وَرِجَال الصَّحِيح غير أَبى رَاشد الحبرانى وَهُوَ ثِقَة
وَعَن حَكِيم بن حزَام قَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ النِّسَاء بِالصَّدَقَةِ وحثهن عَلَيْهَا وَقَالَ تصدقن فانكن أَكثر أهل النَّار فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ لم ذَلِك يَا رَسُول اللهلانكن تكثرن اللَّعْن وتسوفن الْخَيْر وتكفرن العشير رَوَاهُ الطبرانى فى الْأَوْسَط وَرِجَاله ثِقَات
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بَاب النَّار لَا يدْخلهُ إِلَّا من يشفى غيظه بسخط الله رَوَاهُ الْبَزَّار من طَرِيق قدامَة بن مُحَمَّد
стр. 98
عَن إِسْمَاعِيل ابْن شيبَة وهما ضعيفان وَقد وثقا وَبَقِيَّة رِجَاله رجال الصَّحِيحَيْنِ وَعنهُ قَالَ يُؤْتى الدُّنْيَا يَوْم الْقِيَامَة فى صُورَة عَجُوز شَمْطَاء زرق أنيابها مُشَوه خلقهَا فنشرف على الْخَلَائق فَيُقَال هَل تعرفُون هَذِه يَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه من معرفَة هَذِه فَيُقَال هَذِه الدُّنْيَا الَّتِى تفاخرتم عَلَيْهَا وَبهَا تقاطعتم الارحام وَبهَا تحاسدتم وتباغضتم وإتررتم ثمَّ تقذف فى جَهَنَّم فتنادى أى رب أَيْن أتباعى وأشياعى فَيَقُول الله تَعَالَى الحقوا بهَا أتباعها وأشياعها
وَعَن غَالب الْقطَّان عَن رجل عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن العرافة حق وَلَا بُد للنَّاس من عرفاء وَلَكِن العرفاء فى النَّار أخرجه أَبُو دَاوُد قَالَ أهل الْعلم العريف الْقيم بِأَمْر الْقَبِيلَة والمحلة يلى أُمُورهم ويتعرف أخبارهم وَيعرف الْأَمِير مِنْهُ أَحْوَالهم
وَمعنى قَوْله إِن العرافة حق يُرِيد أَن فِيهَا مصلحَة للنَّاس ورفقا بهم إِلَّا ترَاهُ يَقُول لَا بُد للنَّاس من عرفاء
وَقَوله فى النَّار مَعْنَاهُ التحذير من الرياسة والتأمر على النَّاس لما فِيهِ من الْفِتْنَة وَالله أعلم
وَعَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ويل لِلْأُمَرَاءِ وويل للأمناء وويل للعرفاء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم كَانَت معلقَة بِالثُّرَيَّا يتذبذبون بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِنَّهُم لم يعملوا عملا أخرجه أَبُو دَاوُد الطيالسى
стр. 99
وَعَن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه عَن النبى ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة قَاطع رَوَاهُ البخارى قَالَ سُفْيَان يعْنى يعْنى قَاطع رحم وَعَن عقبَة بن عَامر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يدْخل الْجنَّة صَاحب مكس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ومفهومها إنَّهُمَا يدخلَانِ النَّار
قَالَ أهل الْعلم صَاحب المكس هُوَ الذى يعشر أَمْوَال النَّاس وَيَأْخُذ من التُّجَّار والمختلفين مَا لَا يجب عَلَيْهِم إِذا مروا بِهِ مكسا باسم الْعشْر وَالزَّكَاة وَلَيْسَ هُوَ الساعى الذى يَأْخُذ الصَّدقَات وَالْحق الْوَاجِب للْفُقَرَاء
قَالَ القرطبى إِن التبديل إِذا كَانَ فى الْأَعْمَال وَلَيْسَ هُوَ فى العقائد فصاحبه فى الْمَشِيئَة ان عذب فَإِنَّهُ يخرج بالشفاعة وَهَكَذَا القَوْل فى أَصْحَاب الْكَبَائِر المتوعد عَلَيْهَا بالنَّار واللعنة فانهم يخرجُون بالشفاعة إِذا ارتكبوها على غير وَجه الاستحلال
стр. 100
بَاب مَا جَاءَ فى أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار
عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار أَمِير متسلط وَذُو ثروة من مَال لَا يُؤدى حَقه وفقير فجور أخرجه أَبُو بكر ابْن أَبى شيبَة بِطُولِهِ
بَاب بعث النَّار وَأول من يدعى يَوْم الْقِيَامَة
عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أول من يدعى يَوْم الْقِيَامَة آدم ﵇ فَيَقُول يَا آدم فَيَقُول لبيْك وَسَعْديك فَيَقُول اخْرُج بعث جَهَنَّم من ذريتك فَيَقُول يَا رب كم أخرج فَيَقُول اخْرُج من كل مائَة تِسْعَة وَتِسْعين قيل فَمَا يبْقى منا يَا رَسُول الله قَالَ إِن أمتى فى الْأُمَم كالشعرة الْبَيْضَاء فى الثور الْأسود أخرجه البخارى
وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن إِبْرَاهِيم يرى أَبَاهُ يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ الغبرة والقترة فَيَقُول لَهُ إِبْرَاهِيم ألم أقل لَك لَا تعصيني فَيَقُول الْيَوْم لَا أعصيك فَيَقُول إِبْرَاهِيم يَا رب ألم تعدنى إِنَّك لَا تخزينى يَوْم يبعثون فأى خزى أخزى من أَبى الْأَبْعَد فَيَقُول الله تَعَالَى إنى حرمت الْجنَّة على الْكَافرين ثمَّ يُقَال يَا إِبْرَاهِيم مَا تَحت رجليك فَينْظر فَإِذا هُوَ بِذبح متلطخ فَيُؤْخَذ بقوائمه فَيلقى فى النَّار أخرجه البخارى والقترة غبره مَعهَا سَواد والذبخ ذكر الضباع
стр. 101
وفى الحَدِيث دَلِيل على أَن الْكَافِر فى النَّار وَإِن كَانَ أَبَا أحد من الرُّسُل وَقد تعصب قوم أَوَّلهمْ السيوطى فى أَن أبوى النبى ﷺ فى الْجنَّة وَاسْتدلَّ لذَلِك بأخبار لَا تصح وَلَا تثبت وَتوقف قوم فى ذَلِك وَلَيْسَ الْخَوْض عندى فى هَذَا الْبَاب من شَأْن أهل الْعلم
وَقد ينجر هَذَا الْبَحْث إِلَى إساءة الْأَدَب فى حق من لَا يجوز الْإِسَاءَة فِيهِ وَالله أعلم بِحَال أَبَوَيْهِ ﷺ وَمَا لَهما يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يلْحق عَار وَلَا شنار لَهُ ﷺ بكونهما فى النَّار كَمَا لَا يلْحق لإِبْرَاهِيم ﵇ من كَون أَبِيه فِيهَا نعم لَو جَاءَ رَسُول الله ﷺ فى ذَلِك شىء وَصَحَّ لوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ وَلَا يعبأ بأقوال الرِّجَال وأباطيل الْأَخْبَار ومواضيع الْآثَار فى أَمْثَال هَذِه الأبحاث فَلَا يغتر الْمُسلم بقول زيد وَعَمْرو بل عَلَيْهِ أَن يكون على بَصِيرَة من دينه وعَلى بَلل من إيمَانه وعَلى سَلامَة من إِسْلَامه وَلَا يَخُوض مَعَ الخائضين فان الْجَهْل لمقاصد الشَّرْع وَضعف الْعُقُول وفقدان الْفَهم قد غلب على النَّاس أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى وفقهه فى الدّين وَقَلِيل مَا هم وَقَلِيل من عباده الشكُور
وَعَن أَبى الدَّرْدَاء عَن النبى ﷺ قَالَ إِن الله يَقُول يَوْم الْقِيَامَة لآدَم ﵇ قُم فَجهز من ذريتك تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين إِلَى النَّار وَوَاحِد إِلَى الْجنَّة فَبكى أَصْحَابه وَبكوا ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ ارْفَعُوا رؤوسكم فوالذى نفسى بِيَدِهِ مَا أمتى فى الامم إِلَّا كالشعرة الْبَيْضَاء فى الثور الْأسود فَخفف ذَلِك عَنْهُم رَوَاهُ أَحْمد والطبرانى قَالَ فى
стр. 102
مجمع الزَّوَائِد وَإِسْنَاده جيد
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الله يبْعَث مناديا يُنَادى يَا آدم أَن الله يَأْمُرك أَن تبْعَث بعثا من ذريتك إِلَى النَّار فَيَقُول آدم يَا رب وَمن كم قَالَ فَيُقَال لَهُ من كل مائَة تِسْعَة وَتِسْعين فَقَالَ رجل من الْقَوْم من هَذَا الناجى منا بِمد هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَل تَدْرُونَ مَا أَنْتُم فى النَّاس إِلَّا كَالشَّامَةِ فى صدر الْبَعِير رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَفِيه ابراهيم بن مُسلم الهجرى وَهُوَ ضَعِيف
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة وَأَصْحَابه عِنْده ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم﴾ إِلَى آخر الْآيَة قَالَ هَل تَدْرُونَ أى يَوْم ذَلِك قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ ذَاك يَوْم يَقُول الله يَا آدم فَابْعَثْ بعثا إِلَى النَّار فَيَقُول وَمَا بعث النَّار فَيَقُول من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين إِلَى النَّار وَوَاحِد إِلَى الْجنَّة فشق ذَلِك على الْقَوْم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إنى لأرجوا أَن تَكُونُوا ربع أهل الْجنَّة ثمَّ قَالَ انى لأرجو أَن تَكُونُوا ثلث أهل الْجنَّة ثمَّ قَالَ إِنِّي لأرجوا أَن تَكُونُوا شطر أهل افجنة ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ اعْمَلُوا وابشروا فَإِنَّكُم بَين خَلِيقَتَيْنِ لم تَكُونَا مَعَ أحد إِلَّا كثرتا يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَأَن أَنْتُم فى النَّاس أَو قَالَ فى الْأُمَم إِلَّا كَالشَّامَةِ فى جنب الْبَعِير أَو كالرقمة فى ذِرَاع الدَّابَّة إِنَّمَا امتى جُزْء من ألف جُزْء رَوَاهُ الْبَزَّار وَرِجَاله رجال الصَّحِيح غير هِلَال ابْن خباب وَهُوَ ثِقَة
وَعَن أنس قَالَ نزلت ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾
стр. 103
نزلت على النبى ﷺ فى مسير لَهُ فَرفع بهَا صَوته حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِ أَصْحَابه فَقَالَ أَتَدْرُونَ أى يَوْم هَذَا يَوْم يَقُول الله لآدَم قُم فَابْعَثْ بعثا إِلَى النَّار من كل ألف تِسْعمائَة تِسْعَة وَتِسْعين إِلَى النَّار وَوَاحِد إِلَى الْجنَّة فشق ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالَ النبى ﷺ سددوا وقاربوا وابشروا فوالذى نفسى بِيَدِهِ مَا أَنْتُم فى النَّاس إِلَّا كَالشَّامَةِ فى جنب الْبَعِير أَو كالرقمة فى ذِرَاع الدَّابَّة ان مَعكُمْ لخليقتين مَا كَانَتَا فى شىء قطّ إِلَّا كَثرَتَاهُ يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَمن هلك من كفرة الْجِنّ والانس رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرِجَاله رجال الصَّحِيح غير مُحَمَّد بن مهدى وَهُوَ ثِقَة كَذَا فى مجمع الزَّوَائِد
стр. 104
بَاب مَا جَاءَ فى أول من تسعر بهم جَهَنَّم
عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أول نَاس يقْضى عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة رجل اسْتشْهد فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعْمَة فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأَن يُقَال جرىء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه ثمَّ ألْقى فى النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت الْعلم ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارىء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألْقى فى النَّار
وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من اصناف المَال كُله فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل يجب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألْقى فى النَّار أخرجه مُسلم والترمذى بِمَعْنَاهُ وَقَالَ فى آخِره ثمَّ ضرب رَسُول الله ﷺ على ركبتى فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق الله تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة
стр. 105
بَاب مَا جَاءَ فى جَهَنَّم وَأَنَّهَا أَدْرَاك وَلمن هى
وَإِنَّمَا قُلْنَا أَدْرَاك وَلم نقل دَرَجَات لاستعمال الْعَرَب لكل مَا تسافل دَرك وَلما تَعَالَى درج فَيُقَال للجنة درج وللنار أَدْرَاك والمنافقون فى الدَّرك الاسفل مِنْهَا وفى الهاوية لغلظ كفره وكثره غوائله وتمكنه من اذى الْمُؤمنِينَ وَالنَّار دركات سَبْعَة أى طَبَقَات ومنازل
عَن كَعْب الاحبار إِن فى النَّار لبئرا مَا فتحت أَبْوَابهَا بعد مغلقة مَا جَاءَ على جَهَنَّم يَوْم مُنْذُ خلقهَا الله تَعَالَى إِلَّا تستعيذ بِاللَّه من شَرّ مَا فى تِلْكَ الْبِئْر مَخَافَة إِذا فتحت تِلْكَ الْبِئْر أَن يكون فِيهَا من عَذَاب الله مَالا طَاقَة لَهَا بِهِ وَلَا صَبر لَهَا عَلَيْهِ وهى الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار رَوَاهُ ابْن وهب عَن طَرِيق ابْن زيد
وَعَن ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ قَالَ توابيت من حَدِيد مصمتة عَلَيْهِم فى أَسْفَل النَّار أخرجه ابْن الْمُبَارك وَعَن على قَالَ هَل تَدْرُونَ كَيفَ أَبْوَاب جَهَنَّم قُلْنَا هى مثل أبوابنا هَذِه قَالَ لَا هى هَكَذَا بَعْضهَا فَوق بعض رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن هَارُون الغنوى قَالَ أهل الْعلم أَعلَى الدركات جَهَنَّم وهى مُخْتَصَّة بالعصاة من أمة مُحَمَّد ﷺ وهى الَّتِى تخلى من أَهلهَا فيصفق الرِّيَاح أَبْوَابهَا ثمَّ لظى ثمَّ الحطمة ثمَّ السعير ثمَّ سقر ثمَّ الْجَحِيم ثمَّ الهاوية
قَالَ القرطبى وَقد يُقَال للدركات دَرَجَات لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ وَوَقع فى كتاب الزّهْد والرقاق أَسمَاء هَذِه الطَّبَقَات وَأَسْمَاء
стр. 106
أَهلهَا من أهل الْأَدْيَان على تَرْتِيب لم يرد فى أثر صَحِيح قَالَ الضَّحَّاك فى الدَّرك الْأَعْلَى المحمديون وفى الثانى النَّصَارَى وفى الثَّالِث الْيَهُود وفى الرَّابِع الصابئون وفى الْخَامِس الْمَجُوس وفى السَّادِس مشركو الْعَرَب وفى السَّابِع المُنَافِقُونَ
وَقَالَ معَاذ بن جبل وَذكر عُلَمَاء السوء من إِذا وعظ عنف وَإِذا وعظ أنف فَذَاك فى أول دَرك من النَّار وَمن الْعلمَاء من يَأْخُذ علمه مَأْخَذ السُّلْطَان فَذَلِك فى الدَّرك الثانى من النَّار وَمن الْعلمَاء من يحرز علمه فَذَلِك فى الدَّرك الثَّالِث من النَّار وَمن الْعلمَاء من يتَخَيَّر الْكَلَام وَالْعلم لوجوه النَّاس وَلَا يرى سفلَة النَّاس لَهُ موضعا فَذَلِك فى الدَّرك الرَّابِع من النَّار وَمن الْعلمَاء من يتَعَلَّم كَلَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى وأحاديثهم ليكْثر حَدِيثهمْ فَذَلِك فى الدَّرك الْخَامِس من النَّار وَمن الْعلمَاء من ينصب نَفسه للفتيا يَقُول للنَّاس سلونى فَذَلِك الذى يكْتب عِنْد الله متكلفا وَالله لَا يحب المتكلفين فَذَلِك فى الدَّرك السَّادِس من النَّار وَمن الْعلمَاء من يتَّخذ علمه مُرُوءَة وعقلا فَذَلِك فى الدَّرك السَّابِع من النَّار ذكره غير وَاحِد من الْعلمَاء قَالَ القرطبى مقله لَا يكون رَأيا وَإِنَّمَا يدْرك توقيفا
ثمَّ من هَذِه الْأَسْمَاء مَا هُوَ اسْم علم للنار كلهَا بجملتها نَحْو جَهَنَّم وسقر ولظى وسموم فَهَذِهِ اعلام وَلَيْسَت لباب دون بَاب فَاعْلَم وفى التَّنْزِيل وقنا عَذَاب السمُوم يُرِيد النَّار أجارنا الله مِنْهَا بجاه مُحَمَّد ﷺ وَآله
стр. 107
بَاب مَا جَاءَ أَن جَهَنَّم تسعر كل يَوْم وتفتح أَبْوَابهَا إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة
عَن عبد الله بن عمر أَن النبى ﷺ قَالَ إِن جَهَنَّم تسعر كل يَوْم وتفتح أَبْوَابهَا إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهَا لَا تفتح وَلَا تسعر أخرجه أَبُو نعيم وَهَذَا غَرِيب من حَدِيثه وَمَكْحُول لم يَكْتُبهُ إلامن حَدِيث النُّعْمَان قَالَ القرطبى وَلِهَذَا الْمَعْنى كَانَت النَّافِلَة جَائِزَة يَوْم الْجُمُعَة عِنْد قَائِم الظهيرة دون غَيرهَا من الْأَيَّام وَالله أعلم
بَاب مَا جَاءَ أَن جَهَنَّم لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم
تقدم الْكَلَام على ذَلِك فى الْبَاب الثانى من الْآيَات الْكَرِيمَة
عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِجَهَنَّم سَبْعَة أَبْوَاب بَاب مِنْهَا لمن سل السَّيْف على أمتى أَو قَالَ أمة مُحَمَّد ﷺ خرجَة الإمامان الحافظان أَبُو عبد الله وَأَبُو عِيسَى وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلامن حَدِيث مَالك بن مغول ﵀ قَالَ القرطبى مَالك أَبُو عبد الله البجلى الكوفى امام ثِقَة خرج لَهُ البخارى وَمُسلم والائمة
وَقَالَ أَبى ابْن كَعْب لِجَهَنَّم سَبْعَة أَبْوَاب بَاب مِنْهَا للحرورية وَعَن عَطاء الخراسانى قَالَ إِن لِجَهَنَّم سَبْعَة أَبْوَاب أَشدّهَا غما وكربا وحرا وأنتنها ريحًا للزناة الَّذين ركبُوا بعد الْعلم رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ
وَعَن أنس بن مَالك عَن النبى ﷺ فى قَول الله تَعَالَى يعْنى الْآيَة الْمُتَقَدّمَة جُزْء اشركوا بِاللَّه وجزء شكوا فى الله وجزء غفلوا عَن الله
стр. 108
آثروا شهواتهم على الله وجزء شفوا غيظهم بغضب الله وجزء صيروا رغبتهم بحظهم عَن الله وجزء عتوا على الله ذكره الحليمى فى كتاب منهاج الدّين لَهُ وَقَالَ فان كَانَ ثَابتا فالمشركون بِاللَّه هم الثنوية والشاكون هم الَّذين لَا يَدْرُونَ أَن لَهُم إِلَهًا أَو لَا إِلَه لَهُم ويشكون فى شَرِيعَته إِنَّهَا من عِنْده أم لَا والغافلون هم الَّذين يجحدونه أصلا وَلَا يثبتونه وهم الدهرية والمؤثرون شهواتهم هم المنهمكون فى المعاصى لتكذيبهم برسل الله وَأمره وَنَهْيه والشاقون هم القتالون أَنْبيَاء الله وَسَائِر الداعين لَهُ المعذبون من ينصح لَهُم أَو يذهب غير مَذْهَبهم والمصيرون رغبتهم المفكرون للبعث والحصاب والعاتون الَّذين لَا يبالون بِأَن يكون مَا مِنْهُم حَقًا أَو بَاطِلا فَلَا يتفكرون وَلَا يعتبرون وَلَا يستبدلون وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ رَسُوله ﷺ إِن كَانَ الحَدِيث ثَابتا
стр. 109
بَاب فى بعد أَبْوَاب جَهَنَّم بَعْضهَا من بعض
وَمَا أعد الله تَعَالَى فِيهَا من الْعَذَاب
قَالَ بعض أهل الْعلم فى قَوْله تَعَالَى ﴿لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم﴾ قَالَ من الْكَفَّارَة وَالْمُنَافِقِينَ وَالشَّيَاطِين بَين الْبَاب وَالْبَاب خَمْسمِائَة عَام فالباب الأول يُسمى جَهَنَّم لِأَنَّهُ يتجهم فى وُجُوه الرِّجَال وَالنِّسَاء فيأكل لحومهم وَهُوَ أَهْون عذَابا من غَيره وَالْبَاب الثانى يُقَال لَهُ لظى نزاعة للشوى وَيَقُول آكِلَة لِلْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ يَدْعُو من أدبر عَن التَّوْحِيد ﴿وَتَوَلَّى﴾ عَمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وَالْبَاب الثَّالِث يُقَال لَهُ سقر وَإِنَّمَا سمى سقر لِأَنَّهُ يَأْكُل لُحُوم الرِّجَال وَالنِّسَاء لَا يبْقى لَهُم لَحْمًا على عظم وَالْبَاب الرَّابِع يُقَال لَهُ الحطمة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا الحطمة﴾ الْآيَة تحطم الْعِظَام وَتحرق الأفئدة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تطلع على الأفئدة﴾ تَأْخُذ النَّار من قَدَمَيْهِ وتطلع فُؤَاده وَتحرق جُلُودهمْ وأيديهم وأبدانهم فَيكون الدمع حَتَّى ينفذ ثمَّ يَبْكُونَ الدِّمَاء حَتَّى تنفذ ثمَّ يَبْكُونَ الْقَيْح حَتَّى إِن السفن لَو أرْسلت تجرى فِيمَا خرج من أَعينهم لجرت وَالْبَاب الْخَامِس يُقَال لَهُ الْجَحِيم وَإِنَّمَا سمى الْجَحِيم لِأَنَّهُ عَظِيم والجمرة الْوَاحِدَة مِنْهُ أعظم من الدُّنْيَا
وَالْبَاب السَّادِس يُقَال لَهُ السعير لِأَنَّهُ يسعر لم يسعر مُنْذُ خلق فِيهِ ثلثمِائة قصر فى كل قصر ثلثمِائة بَيت فى كل بَيت ثلثمِائة لون من الْعَذَاب وَفِيه الْحَيَاة والعقارب والقيود والسلاسل والأغلال والانكال وَفِيه جب الْحزن لَيْسَ فى النَّار عَذَاب أَشد مِنْهُ إِذا فتح الْجب حزن أهل النَّار حزنا
стр. 110
شديداالباب السَّابِع يُقَال لَهُ الهاوية من وَقع فِيهِ لم يخرج مِنْهُ أبدا وَفِيه بِئْر اللهب إِذا فتح تخرج مِنْهُ نَار تستعيذ مِنْهُ النَّار وَفِيه الذى قَالَ الله ﴿سَأُرْهِقُهُ صعُودًا﴾ وَهُوَ جبل من نَار تصعده أَعدَاء الله على وُجُوههم مغلولة أَيْديهم إِلَى أَعْنَاقهم فهم مَجْمُوعَة أَعْنَاقهم إِلَى اقدامهم والزبانية وقُوف على رُءُوسهم بِأَيْدِيهِم مَقَامِع من حَدِيد إِذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضرب سمع صَوتهَا الثَّقَلَان أَبْوَاب النَّار حَدِيد فرشها السخى غشاوتها الظلمَة أرْضهَا نُحَاس ورصاص وزجاج النَّار من فَوْقهم وَالنَّار من تَحْتهم لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار وَمن تَحْتهم ظلّ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مدلهمة مظْلمَة قد مزجت بغضب الله
وَذكر القتيبي فى كتاب عُيُون الاحبار وَذكر عَن ابْن عَبَّاس إِن جَهَنَّم سَوْدَاء مظْلمَة لَا ضوء لَهَا وَلَا لَهب وهى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب﴾ على كل بَاب سَبْعُونَ ألف جبل سَبْعُونَ الف شعب من النَّار فى كل شعب سَبْعُونَ الف شقّ من نَار فى كل شقّ سَبْعُونَ ألف وَاد من نَار فى كل وَاد سَبْعُونَ ألف قصر من النَّار فى كل قصر سَبْعُونَ الف حَيَّة وَسَبْعُونَ الف عقرب لكل عقرب سَبْعُونَ الف ذَنْب وَلكُل ذَنْب سَبْعُونَ الف نقار لكل نقار سَبْعُونَ الف قلَّة من سم فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة كشف عَنْهَا الغطاء فتطير مِنْهَا سرادق عَن يَمِين الثقلَيْن وَآخر عَن شمالهم وسرادق أمامهم وسرادق من فَوْقهم وَآخر من ورائهم فَإِذا نظر الثَّقَلَان إِلَى ذَلِك جثوا على ركبهمْ وكل يُنَادى رب سلم سلم
следующие страницы →