خشينا أن يفتن أبناءَنا ونساءَنا! قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبدُ ربَّه في داره، ولا يستعلنُ بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناء داره، وبَرَزَ، فكان يصلِّي فيه، ويقرأ القرآنَ، فيتقصَّف عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفْزَعَ ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة فقَدِمَ عليهم، فقالوا له: إنَّا كنَّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربَّه في داره، وإنَّه جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأْتِهِ؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربَّه في داره فعل، وإن أبَى إلا أن يعلن ذلك فسَلْهُ أن يرد إليك ذمَّتك، فإنا كرهنا أن نُخْفِرَكَ، ولسنا مقرِّين لأبي بكر الاسْتعلانَ. قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإمَّا أن تقتصر على ذلك، وإما أن تردَّ إليَّ ذِمَّتِي، فإنِّي لا أحبُّ أن تسمع العربُ أنِّي أُخفرتُ في رجلٍ عقدتُ له. قال أبو بكر: إنِّي أردُّ إليك جواركَ، وأرضَى بجوار الله. (١)
стр. 37
دخول جماعة من السابقين الأوَّلين ﵃ في أمان قومٍ مشركين:
ومنهم: جماعة من الصحابة الذين رجعوا من الحبشة عندما بلغهم إسلام أهل مكَّة.
قال ابن إسحاق ﵀ (١): «وبلغ أصحابَ رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلامُ أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدَّثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحدٌ إلا بجوارٍ أو مستخفيًا. فكان من دخل منهم بجوارٍ ـ فيمن سُمِّيَ لنا ـ: عثمان بن مظعون بن حبيب الجُمَحيُّ، دخل بجوارٍ من الوليد بن المغيرة. وأبو سلمةَ ابنُ عبدِ الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزومٍ، دخل بجوارٍ من أبي طالب بن عبد المطلب، وكان خالَه، وأُمُّ أبي سلمة: بَرَّةُ بنتُ عبد المطَّلب». (٢)
السابقون الأولون ﵃ واللجوء الجماعيُّ إلى دولة عادلة:
إنَّ الأمثلة السابقة تمثل دخول شخصٍ أو بعض الأشخاص في حماية شخصٍ آخرَ، وذلك لما لذلك الشخص من منزلة ونفوذ في مجتمعه لأسباب
стр. 38
طَبَقِيَّةٍ أو اجْتِماعِيَّةٍ، وهذا هو «الجوار» الذي كان من الأعراف الجاهلية المصانة، وكان موافقًا لشرع الله تعالى، فأقرَّه الإسلام، وجعله ملزمًا ديانةً.
أما الهجرة إلى الحبشة فهو مثالٌ آخرُ، أكثر أهميةً وأثرًا، وأشبه بنظام «اللجوء السياسي» أو «الإنساني» الذي جَعلت له الدول الكبرى في العصر الحديث قوانين وقواعد ملزمة لجميع الدول، ولا شكَّ أنَّه من محاسن الحضارة الغربيَّة، ومن الرأفة والرحمة التي جعلها الله تعالى في قلوب أهلها، كما قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧].
إنَّ إيواء المظلوم، وإغاثة الملهوف، ورحمة الضعيف؛ ممَّا ترشد إليه الفطر السليمة، والنفوس الشريفة، وإن كانت في وثنيَّة العرب، أو نصرانيَّة الحبشة، وقد جاء الدِّينُ الصَّحيح بإتمام هذه المعاني النبيلة، والتأكيد عليها، ونقلها من ممارساتٍ اجتماعيةٍ تُقصَدُ بها الوجاهةُ أو الشهرةُ أو الثناءُ العاجل، إلى عبادةٍ خالصةٍ لله تعالى، يقصد بها وجه الله تعالى والفوز بالجنات الخالدة والسعادة الأبدية.
سياق قصة الهجرة إلى الحبشة:
فلنذكر قصَّة الهجرة إلى الحبشة، ثم نستلخص منها بعض الفوائد والعبر:
قال ابن إسحاق ﵀ وقد ذكر جانبًا من صدِّ قريشٍ عن دعوة النبيِّ ﷺ ، واستكبارهم عنها، وعداوتهم لها ـ: «ثم إنَّهم عَدَوْا على من أسلم واتَّبع رسولَ الله ﷺ من أصحابه، فوثَبَتْ كلُّ قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونَهم، ويعذِّبونهم بالضَّرب والجوع والعَطَشِ، وبرَمْضَاءِ مكَّةَ إذا اشتدَّ الحرُّ، من استَضْعَفُوا منهم؛ يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يُفتن من شدَّة البلاء الذي يُصيبُه، ومنهم من يَصْلُب لهم، ويَعصِمُه الله منهم ... فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة، مخافةَ الفتنة، وفرارًا
стр. 39
إلى الله بدينهم؛ فكانت أوَّلَ هجرةٍ كانت في الإسلام». (١)
وهذه الهجرة الأولى إلى الحبشة كانت في شهر رجبٍ من سنة خمسٍ من البعثة النبويَّة، وكان المهاجرون عشرةً من الرجال، وأربع نسوة، أشهرهم: عثمانُ بن عفان ﵁، معه امرأته: رُقيَّةُ بنتُ رسول الله ﷺ ورضي عنها، والزُّبيرُ بن العوَّام، ومُصعب بن عُمَير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي معه امرأته: أمُّ سلمة، وعثمان بن مظعون ﵃ أجمعين (٢). ولم يطل مكثهم في الحبشة، إذ بلغتهم الأخبار بأنَّ أهل مكة قد أسلموا، فرجعوا في شوال من السنة نفسها، فلمَّا اقتربوا من مكَّة، علموا بعدم صحَّة ما بلغهم، فمنهم من رجع إلى الحبشة، ومنهم من دخل مكَّة مستخفيًا أو في جوار رجل من قريشٍ ـ كما سلف ذكره ـ.
واستمرت قريشٌ في عدائها للدعوة، واشتدَّت في إيذائها للمؤمنين، فأمر الرسول ﷺ أصحابه المستضعفين بالهجرة مجدَّدًا، فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان العدد كبيرًا، يزيد على ثمانين رجلاً وإحدى عشرةَ امرأة (٣)، فأدركت قريش خطورة هذا الأمر، وأرسلت إلى الحبشة وفدًا لاسترداد اللاجئين إليها.
حديثُ أمِّ سلمة ﵂ في هجرة الحبشة:
لقد حفظتْ لنا أُمُّ المؤمنين أُمُّ سلمةَ جانبًا مهمًّا من قصَّتهم في الحبشة فأجادت وأفادت ﵂ (٤).
стр. 40
قالتْ أمُّ سلمة: [لما ضاقتْ علينا مكَّةُ، وأُوذي أصحابُ رسول الله ﷺ ، وفُتِنُوا، ورَأَوا ما يُصيبهم مِنَ البلاء والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منَعَةٍ مِن قَوْمِه، ومِنْ عمِّه، لا يصلُ إليه شيءٌ مِمَّا يَكْرَهُ مِمَّا ينالُ أصحابَه، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : «إنَّ بأَرْضِ الحبَشَةِ مَلِكًا لا يُظلَمُ أحَدٌ عندَه، فالْحَقُوا ببلادِه، حتَّى يجعَلَ الله لكم فرَجًا ومخرَجًا مِمَّا أنتم فيه». فخَرَجنا إليها أَرْسالاً (١)، حتَّى اجتَمَعْنا بها]، فَلَمَّا نزَلَنا أرضَ الحبشة جاورنا بها خيرَ جارٍ: النجاشيَّ (٢)، أَمِنَّا على ديننا، [ولم نَخشَ منه ظُلمًا]، وعبَدْنا الله لا نُؤْذَى، ولا نسمع شيئًا نكرَهُهُ، فلمَّا بلَغَ ذلك قريشًا، ائْتَمَرُوا أنْ يبعثوا إلى النجاشيِّ فينا رجلَيْن جَلْدَيْن (٣)، وأن يُهْدُوا
стр. 41
للنجاشيِّ هدايا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ (١) من متاع مكَّةَ، وكان مِن أَعْجَبِ ما يأْتِيه منها إليه الأَدَمُ (٢)، فجَمَعُوا له أَدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا مِن بطارقته بِطْريقًا (٣) إِلا أهدَوا له هديةً، ثُمَّ بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميِّ وعمرو بن العاص بن وائل السهميِّ، وأَمَرُوهُما أَمْرَهُم، وقالوا لهما: ادفعَا إلى كلِّ بِطْريقٍ هديَّتَه قبل أن تُكلِّموا النجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا للنجاشيِّ هداياه، ثم سَلُوه أن يُسْلِمَهُم إليكم قبل أَنْ يُكلِّمَهم.
قالتْ: فخرجَا، فقَدِمَا على النجاشيِّ، ونحن عنده بخيرِ دارٍ، وعند خَيرِ جارٍ، فلم يبقَ مِن بَطَارقته بِطْريقٌ إلا دفعَا إليه هديَّتَه، قبل أنْ يكلِّما النجاشيَّ، ثم قالا لكلِّ بِطْريقٍ منهم: إنَّه قد صَبَأَ إلى بَلَدِ المَلِكِ (٤) مِنَّا غِلْمانٌ سفهاءُ، فارقوا دِينَ قومِهِم، ولم يدخلوا في دِينكم، وجاؤُوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نعرِفُهُ نحنُ ولا أَنتم، وقد بَعَثَنَا إلى المَلِك فيهم أشرافُ قومِهم، لنردَّهم إليهم، فإذا كلَّمنا المَلِكَ فيهم؛ فأَشِيرُوا عليه بأَنْ يُسلِمَهم إلينا، ولا يُكلِّمَهم، فإنَّ قومَهم أعلَى بهم عَيْنًا (٥)، وأَعلمُ بما عابُوا عليهم. فقالوا لهما: نعم.
ثُمَّ إنَّهما قرَّبَا هداياهم إلى النجاشيِّ، فقبِلَها منهما، ثم كلَّماه، فقالا له: أَيُّها الملكُ! إنَّه قد صَبَأَ إلى بلدك منَّا غلمانٌ سفهاءُ، فارقوا دِينَ قومِهم،
стр. 42
ولم يدخلوا في دِينكَ، وجاؤُوا بدينٍ مُبتَدَعٍ، لا نعرِفُه نحنُ ولا أنتَ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومِهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتَرُدَّهُم إليهم، فَهُمْ أعلَى بهم عينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم وعاتَبُوهُم فيه.
قالت: ولم يكن شيءٌ أبغضَ إلى عبد الله بن أبي ربيعةَ وعمرو بن العاص من أَنْ يَسْمَعَ النجاشيُّ كلامَهم، فقالت بَطَارقَتُه حولَه: صَدَقوا أيُّها الملكُ! قومُهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأَسْلِمْهُم إليهما، فلْيَرُدَّاهم إلى بلادهم وقومهم.
قالتْ: فغضب النجاشيُّ، ثم قال: لا ها أَيْمُ الله إِذَنْ (١)، لا أُسْلِمُهم إليهما، ولا أُكَاُدُ قومًا جاوَرُوني (٢)، ونزلُوا بلادِي، واخْتَارُونِي على مَن سِوايَ، حتَّى أَدْعُوهُم فأسأَلَهم ما يقولُ هذان في أَمرهم، فإنْ كانوا كما يقولان؛ أسْلَمْتُهم إليهما، وردَدْتُهم إلى قومِهم، وإِنْ كانوا على غير ذلكَ؛ منَعْتُهم منهما، وأَحسَنْتُ جوارهم، ما جاوَرُونِي.
قالتْ: ثُمَّ أَرسلَ إلى أصحابِ رسول الله ﷺ فدَعاهُم، فلما جاءَهم رسولُه اجتَمَعُوا، ثُمَّ قال بعضهم لبعضٍ: ما تقولونَ للرَّجُل إذا جِئْتُمُوه؟ قالوا: نقولُ
стр. 43
واللهِ ما عَلِمْنا، وما أمرنا به نبيُّنا ﷺ ، كائنٌ في ذلك ما هو كائنٌ. فلما جاؤُوهُ ـ وقد دعا النجاشيُّ أساقِفَته (١)، فنشرُوا مصاحِفَهم حولَه ـ سأَلَهم فقال: ما هذا الدِّين الذي فارَقْتُم فيه قومَكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دِين أحدٍ من هذه الأُمَم؟
قالتْ: فكان الذي كلَّمَه جعفرُ بن أبي طالبٍ، فقال له: أيُّها الملكُ! كنَّا قومًا أهلَ جاهليَّةٍ: نعبدُ الأصنامَ، ونأكلُ الميتةَ، ونأْتِي الفواحشَ، ونقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ، يأكُلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حتَّى بعث الله إلينا رسولاً مِنَّا، نَعْرِفُ نسَبَه، وصِدْقَه، وأَمانَتَه، وعَفَافَه، فدَعَانا إلى الله لنوحِّدَه ونَعْبُدَه، ونَخْلَع ما كُنَّا نَعْبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دونِه من الحجارة والأوثان.
وأمَرَنَا بصدق الحديث، وأداءِ الأمانة، وصلة الرَّحِمِ، وحُسْن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدِّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكل مال اليتيم، وقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ.
وأمرنا أَنْ نعبُدَ الله وحْدَه، ولا نشركَ به شيئًا، وأمرَنا بالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام ـ قالتْ: فعَدَّد عليه أُمورَ الإسلامِ. ـ فصدَّقْناهُ، وآمنَّا به، واتَّبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحْدَه، فلم نُشركْ به شيئًا، وحرَّمْنا ما حرَّمَ علينا، وأَحْلَلْنا ما أحلَّ لنا، فَعَدَا علينا قومُنا، فعَذَّبُونا، وفَتَنُونا عن ديننا، ليَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأنْ نستَحِلَّ ما كنَّا نَسْتَحِلُّ من الخبائث، فلمَّا قهَرُونا وظَلَمُونا، وشَقُّوا علينا، وحالُوا بيْنَنَا وبين دِيننا؛ خرَجْنا إلى بلدكَ، واخترناكَ على مَنْ سواكَ، ورَغِبْنَا في جواركَ، ورَجَوْنا أن لا نُظْلَم عندكَ أيُّها الملكُ!
قالتْ: فقال له النجاشيُّ: هل معك مِمَّا جاء به عن الله من شيءٍ؟ قالتْ: فقال له جعفرٌ: نعم. فقال له النجاشيُّ: فاقْرَأْه عليَّ. فقرأ عليه صَدْرًا من
стр. 44
﴿كهيعص﴾ (١). قالتْ: فبَكَى ـ واللهِ! ـ النجاشيُّ حتَّى أَخْضَلَ (٢) لحيتَهُ، وبكت أساقِفَتُه حتَّى أخْضَلُوا مصاحِفَهُم حين سَمِعُوا ما تلا عليهم. ثُمَّ قال النجاشيُّ: إنَّ هذا ـ واللهِ! ـ والذي جاءَ به مُوسَى ليَخْرُجُ من مِشْكاةٍ واحدةٍ، انْطَلِقَا، فواللهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبدًا، ولا أُكادُ (٣).
قالتْ أُمُّ سَلَمة: فلمَّا خرجَا من عنده، قال عمرو بن العاص: واللهِ لأُنبِّأَنَّهُ غدًا عَيْبَهم عنده، ثم أستَأْصِلُ به خَضْراءَهُم (٤). قالت: فقال له عبدُ الله بن أبي رَبيعة ـ وكان أتقَى الرَّجلين فينا ـ: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرَنَّه أنَّهم يزعمون أنَّ عيسى ابنَ مريم عبْدٌ.
قالت: ثم غَدَا عليه الغَدَ، فقال له: أيُّها الملكُ! إنَّهم يقولونَ في عيسى ابنِ مريم قولاً عظيمًا، فأَرسِلْ إليهم فاسْأَلْهم عمَّا يقولون فيه. قالت: فأَرسَلَ إليهم يسأَلُهم عنه ـ قالتْ: ولم ينْزِلْ بنَا مثله ـ فاجتمَعَ القومَ، فقال بعضهم لبعضٍ: ماذا تقولون في عيسَى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول ـ واللهِ! ـ فيه ما قالَ الله، وما جاء به نبيُّنا، كائنًا في ذلك ما هو كائنٌ. فلمَّا دخلوا عليه قالَ لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفرُ بن أبي طالبٍ: نقول فيه الذي جاء به نبيُّنا هو عبدُ الله ورسولُه ورُوحُه وكلِمَتُه ألقاها إلى مَرْيَمَ العَذْراءِ البَتُولِ.
стр. 45
قالتْ: فضربَ النَّجاشيُّ يدَهُ إلى الأرض فأَخَذَ منها عُودًا، ثم قال: ما عَدَا عيسى ابنُ مريم ما قُلْتَ هذا العُودَ. فتناخَرَتْ (١) بطارِقَتُه حولَه حين قالَ ما قالَ، فقال: وإِنْ نَخِرْتُم، واللهِ! اذْهَبُوا، فأَنْتم سُيُومٌ بأَرْضِي ـ والسُّيُومُ: الآمِنُون (٢) ـ مَنْ سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ من سبَّكم غُرِّم، ثم من سبَّكم غُرِّم، فما أُحبُّ أَنَّ ليَ دَبْرًا ذهَبًا؛ وأَنِّي آذَيتُ رجلاً منكم ـ والدَّبْرُ بلسان الحبشَةِ: الجَبَلُ ـ رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجةَ لنا بها، فواللهِ ما أخَذَ الله منِّيَ الرَّشوةَ حين ردَّ عليَّ مُلْكِيَ؛ فآخُذَ الرَّشوةَ فيه، وما أَطاعَ النَّاسَ فِيَّ فأُطيعَهُم فيه.
قالتْ: فخَرَجَا مِن عنده مقبُوحَيْن، مردُودًا عليهما ما جاءَا به، وأقمنا عنده بخيرِ دارٍ، مع خيرِ جارٍ. (٣)
стр. 46
قالتْ: فواللهِ إنَّا على ذلك إذ نَزَل به ـ يعني: من ينازِعُه في ملكه (١) ـ. قالتْ: فوالله ما علمنا حُزْنًا قطُّ كان أشدَّ مِن حُزْنٍ حزَنَّاه عند ذلك، تخَوُّفًا أنْ يظْهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ، فيأتيَ رجلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يعرفُ منه.
قالتْ: وسار النَّجاشيُّ، وبينهما عَرْضُ النِّيلِ. فقال أصحابُ رسولِ الله ﷺ : مَنْ رجُلٌ يخرجُ حتى يحضُرَ وقْعَةَ القوم، ثم يأْتِينَا بالخَبَرِ؟ فقال الزُّبير بن العوام: أنَا. قالت: وكان من أحدث القوم سِنًّا، فنفَخُوا له قِرْبةً فجعَلَها في صدرِه، ثم سَبَحَ عليها، حتَّى خرج إلى ناحيةِ النِّيل التي بها مُلتقَى القوم، ثم انطلق حتَّى حضَرَهم.
قالت: ودَعَوْنا الله للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عدُوِّه، والتَّمكينِ له في بلادِه، [فهزَمَ الله ذلك الملكَ وقَتَلَه، وظهرَ النجاشيُّ عليه]، واسْتَوسَقَ (٢) عليه أمرُ الحبشةِ، [فجاءَنا الزُّبيرُ، فجَعَلَ يُلَيِّحُ إلينا بردائِه، ويقولُ: ألا أَبشروا، فقد أظهَرَ الله النجاشيَّ. فوالله ما علمنا فرَحَنَا بشيءٍ قطُّ فرَحَنَا بظهور النجاشيِّ]، فكُنَّا عنده في خيرِ منْزِلٍ، حتَّى قَدِمْنا على رسولِ الله ﷺ وهو بمكَّةَ. وفي روايةٍ: ثمَّ أقمنَا عندَهُ حتَّى خرَجَ منَّا من خرجَ راجعًا إلى مكَّة، وأَقامَ مَن أَقامَ. (٣)
стр. 47
مسائل وفوائد مستنبطة من هذه القصَّة:
لقد تأملتُ هذه القصة العظيمة فوجدت فيها كثيرًا من المعاني والفوائد، هذه تقييد لجملة منها:
стр. 48
١ - إنَّ إرشاد النبيِّ ﷺ أصحابَه المستضعفين إلى الهجرة إلى الحبشة، وأمرهم بذلك، يدلُّ على شفقته عليهم، ورحمته بهم، وحرصه على حياتهم، وتألُّمه ممَّا كانوا يعانونه من التَّعذيب والأذى الشَّديد، وإن كانَ هو ﷺ في سلامةٍ من ذلك. قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٢ - إنَّ هجرتهم كانت طلبًا لحقِّهم في توحيد الله وعبادته بأمانٍ وسلامٍ، وليس لتحقيق أهدافٍ ماديَّةٍ أو سياسيَّةٍ، وتلك كانت قضيَّتهم في دارهم وموطنهم مكَّة، فلم يكن غرضهم المنازعة على السلطة فيها، ولا المغالبة على أمر الوِلاية عليها، لهذا هانَ عليهم تركُها وإنْ كانتْ أفضلَ البقاع وأشرَفَها، لأنَّ وطَنَ المسلمِ حيثُ يتمكَّنُ منْ عبادة ربِّه، والأَمن على نفسه.
٣ - إنَّ النبيَّ ﷺ قد مدح النجاشيَّ ـ ولم يكن مسلمًا حينئذٍ ـ بأنَّه: «ملكٌ لا يظلمُ عنده أحدٌ». فدلَّ ذلك على أنَّ المخالف في الدين والعقيدة قد يكون عنده من مبادئ الحقِّ والعدل والرَّحمة ما يكونُ قاعدةً للالتقاء والتعاون معه في الحقِّ والخير، ويستحقُّ به الثناء الجميل.
٤ - إنَّ الكفَّار متفاوتون في مواقفهم من دين الإسلام وأهله، فبعضهم يبالغ في العداء والمحاربة، وبعضهم يميل إلى المسالمة والإعراض، وآخرون منهم يختارون المعاملة على أساس الحقِّ والعدل والإنصاف. فمن الجهل والظلم عدمُ إنزالهم منازلهم، والنَّظَرُ إليهم بعينٍ واحدةٍ من غير اعتبارٍ لمواقفهم.
٥ - لقد التزم الصحابة الكرام ﵃ بالصِّدق التامِّ في عرض قضِّيتهم، فاستحقُّوا تأييد الله تعالى، ونالوا القبول والحظوة عند ملك الحبشة، وكان من ثمار ذلك أن اقتنَعَ بدعوتهم، فدخل في دين الإسلام، وثبت عليه رغم معارضة خواصِّ رجال دولته وعامَّة قومه له، فبقي كاتمًا إسلامَه إلى أن مات سنة تسعٍ من الهجرة (٦٣٠ م)، فقال النبيُّ ﷺ لأصحابه في المدينة: «ماتَ اليومَ
стр. 49
رجلٌ صالحٌ، فقُومُوا فصَلُّوا على أخيكم: أَصْحَمَةَ» (١).
٦ - ظهر ما بشَّر به النبيُّ ﷺ أصحابه مِنْ عَدْلِ النجاشيِّ؛ في إصراره على الاستماع لدَعوَى طالبي اللُّجوء إليه، قبل الحكم عليهم، فذلك من إنصافه، ورجاحة عقله، وتمام عدله. وتحقُّق خبر رسول الله ﷺ عن هذا، رغم تباعد الديار؛ من دلائل صدق نبوَّته ﷺ (٢).
٧ - إن كلمة جعفر بن أبي طالبٍ ﵁ بين يدي النجاشي تضمَّنت ـ على وجازتها ـ تعريفًا جامعًا لأصول الدِّين وقواعده ومقاصده الكليَّة، وأول ذلك وأهمُّه: توحيد الله تعالى في العبادة، والبراءة من الشرك وأهله، واشتمال الدِّين على ما فيه صلاح النفس وتزكيتها، وحسن المعاملة مع الخلق، ويظهر فضل ذلك بتلك المقارنة التي ذكرها بين قبائح الجاهلية ومحاسن الإسلام.
٨ - التوسُّل إلى الملك بذكر ما وقع عليهم من الظلم والحيف، وباختيارهم له على من سواه، طمعًا في جواره، ورجاءً لعدله وإنصافه.
٩ - إنَّهم كانوا يذكرون ما لقوه هنالك من حسن المعاملة، وطيب الإقامة، على وجه الوفاء والثناء، والاعتراف بالجميل.
١٠ - ودلَّت هذه القصَّة على جواز دخول المسلمين في أمان غير المسلمين، والالتجاء إليهم طلبًا للحماية، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وهذا مشروط ـ بلا ريبٍ ـ بأن لا يكون على وجه المناصرة لمن يحارب الإسلام والمسلمين، وأن لا يكون في إقامته بينهم إضرارًا بدول المسلمين ومصالحها، فلا يتَّخذُ البلدَ الذي لجأَ إليه قاعدةً له ومنطلقًا للتَّآمر والكَيْد والمَكْرِ والخيانة لبلاد المسلمين.
стр. 50
قال ابنُ حزمٍ ﵀ (١): «وأمَّا مَن فرَّ إلى أرض الحرب لظلمٍ خافَه، ولم يُحارب المسلمين، ولا أعانَهم عليهم، ولم يجدْ في المسلمين مَنْ يُجيرُه؛ فهذا لا شيءَ عليه، لأنَّه مضطرٌّ مُكرَهٌ. وقد ذكرنا أنَّ الزُّهريَّ (٢) ـ مُحمَّدَ بنَ مسلم بنِ شهابٍ ـ؛ كان عازمًا على أنَّه إِنْ ماتَ هشام بن عبد الملك لَحِقَ بأَرض الرُّوم، لأَنَّ الوليدَ بنَ يزيدٍ كان نَذَرَ دمَه؛ إِنْ قدَرَ عليه (٣)، وهو كان الوالي بعد هشامٍ. فمن كان هكذا فهو معذورٌ». (٤)
стр. 51
٤ - ما ينعقد به الأمان
ذهب الفقهاء إلى أن الأمان ينعقد بكل لفظٍ يفيد الغرض، وهو اللفظ الدال على الأمان نحو قول المقاتل مثلاً: «آمنتكم»، أو: «أنتم آمنون»، أو: «أعطيتكم الأَمانَ»، وما يجري هذا المجرى.
كما ذهبوا إلى أنه يجوز الأمان بأيِّ لغةٍ كان، بالصريح من اللفظ كقوله: «أجرتك»، أو: «آمنتك»، أو: «أنت آمن»، وبالكناية كقوله: «أنت على ما تحبُّ»، أو: «كن كيف شئت ونحوه».
كما يجوز بالرِّسالة، لأنَّها أقوى من الكتابة، سواء كان الرسول مسلمًا أم كافرًا، لأن بناء الباب على التوسعة في حَقْنِ الدَّم.
وكذلك بإشارةٍ مُفْهِمَةٍ، ولو من ناطقٍ، لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الإشارة لأنَّ الغالب فيهم عدم فهم كلام المسلمين، وكذا العكس. فلو أشار مسلمٌ لكافرٍ فظنَّ أنَّه أمَّنَه، فأنكر المسلم أنه أمنه بها، فالقولُ قولُه، لأنه أعلم بمراده، ولكن لا يُغتال بل يُلحَقُ بمأمنه، وإن مات المشير قبل أن يبيِّنَ الحالَ فلا أمانَ، ولا اغتيالَ؛ فيبلَّغُ المأمَنَ.
ويصحُّ إيجابُ الأمان (١) مُنْجَزًا كقوله: «أنتَ آمن»، ومعلَّقًا بشرط كقوله: «من فعل كذا فهو آمن»، لقول النبيِّ ﷺ يوم فتح مكَّة: «مَن دخَلَ دارَ أَبي سُفْيانَ فهو آمِنٌ». (٢)
стр. 52
وأما القبول (١) فلا يشترط عند عامَّة الفقهاء، لأن بناء الباب على التَّوسعة، فيكفي السُّكوتُ، ولكن يشترط مع السكوت ما يشعر بالقَبول، وهو الكفُّ عن القتال؛ وتكفي إشارةٌ مُفْهِمَةٌ للقبول ولو من ناطقٍ. هذا إذا لم يَسْبِقْ منه استيجابٌ، فإن سبق منه لم يحتجْ للقبول جزمًا. (٢)
وسنذكر في (الأثر السادس) كلامًا للسَّرَخْسيِّ ﵀ في أنَّ الأمان يكون ملزمًا للمسلم وإن كان حصل عليه بالكناية، أو بالكذب والحيلة.
ويؤكد صحة ذلك ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ من الاعتداد بالأمان بأقلِّ ما يتصور انعقاده به، وذلك تعظيمًا لشأن الأمان، وتغليبًا لجانب حَقْنِ الدِّماء:
عن أبي عطيَّة قال: كتب عُمرُ إلى أهل الكوفة أنَّه ذُكِرَ لِي أن «مَطَّرْس» بلسان الفارسية: «الأَمَنَةُ»، فإن قلتموها لمن لا يفْقَه لسانَكم فهو أَمْنٌ. (٣)
وعن أبي وائلٍ قال: أتانا كتابُ عُمرَ ونحن بخانَقِينَ (٤): إذا قال الرَّجلُ
стр. 53
للرجل: «لا تدْهَلْ!» (١)؛ فقد أمَّنَه، وإذا قال: «لا تخف!»؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: «مَطَّرْس»؛ فقد أمَّنه. قال: فإنَّ الله يعلمُ الألسنةَ. (٢)
وعن مجاهدٍ قال: قال عمرُ: أيُّما رجُلٍ من المسلمين أشارَ إلى رجُلٍ من العَدُوِّ: «لَئِنْ نزلتَ لأَقتُلنَّكَ!» فنَزَل وهو يرَى أنَّه أمانٌ؛ فقد أَمَّنَه. (٣)
فيتبيَّن لنا ممَّا تقدَّم أنَّ الأمان ينعقد بكل لفظٍ أو إشارةٍ أو تصرُّفٍ دالٍّ عليه، وبهذا يتبيَّن أنَّ الصورَ الموجودةَ في عصرنا الحاضر معتبرةٌ شرعًا، فمنها: «التأشيرة» من أي نوع كانت، وكيفما صدرت، وكذلك: «الإقامة» سواء كانت دائمة أو مؤقتة، لغرض الدراسة أو التجارة، أو للبعثات
стр. 54
الدبلوماسية، أو بسبب الزواج أو اللجوء الإنساني أو السياسي، وغير ذلك من الأمور.
أما الحصول على «الجنسية» وحقِّ المواطنة؛ فهو أعلى وأوثقُ من التأشيرة والإقامة. والمتأمِّلُ في فتاوى العلماءِ في عصرنا يلاحظ أنَّهم يعدُّون جميع هذه الصُّور من الأمان الذي يلزم المسلمَ ديانةً وأخلاقًا، كما يلزمُه نظامًا وقانونًا.
стр. 55
٥ - التأسيس الفقهي لمسائل هذا الكتاب ووجه ارتباطها بالواقع المعاصر
لقد حرصتُ في هذا الكتاب على الاستشهاد بنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية، كما فهمها الصحابة والتابعون ومن اقتفى أثرهم من فقهاء المسلمين عبر العصور، ولم أنقل عن العلماء والباحثين المعاصرين إلا في مواضع قليلةٍ. وكان غرضي من ذلك ـ كما أشرت إليه في المقدمة ـ أن أُشارك في تقديم نموذجٍ من الأحكام الشرعية والأخلاقية الرائعة من مصادرنا الفقهية التي تحظى بتقديرٍ وقبولٍ كبيرٍ عند المسلمين عامَّةً، بخلاف كتابات العلماء المعاصرين؛ التي قد يتجرَّأ بعض أصحاب الأهواء والأغراض على إثارة الشبهات حولها، رغم ما لهؤلاء العلماء من مكانة علمية مرموقة، وجهود مخلصة مشهودة في خدمة الإسلام والمسلمين في هذا العصر.
إنَّ هذا الاستشهادَ الفقهي أخضعَ البحثَ لطريقة الفقهاء المتقدِّمين في معالجة المسائل ذات الصلة في ضوء واقعهم وما أحاطت به من أحوالٍ، وجاءت مصطلحاتهم معبِّرةً عن ذلك، وأهم تلك المصطلحات وأكثرها تكرارًا في هذا البحث مصطلح: «دار الإسلام»، و «دار الكفر» و «دار الحرب».
لهذا رأيت أن أذكر نبذةً موجزةً في التعريف بها، ثم أذكر أصلها وسبَبَها، وما دخل عليها من تغيُّرٍ في العصر الحديث:
أولاً: دار الإسلام:
يقصد بالدار: المحلُّ والموضعُ والمنزل المسكون، وهي ـ هنا ـ بمعنى:
стр. 56
البلد (١). فالدار في اصطلاح الفقهاء هي «الدولة» في الاصطلاح السياسي المعاصر، وهي عبارة عن مجموعة من النَّاس تُقيم على وجه الدوام في إقليم معيَّن، ولها حاكم ونظامٌ تخضع لهما، وشخصيةٌ معنويةٌ، واستقلال سياسيٌّ (٢).
فدار الإسلام: هي الدولة التي تتَّصف بصفة الديانة الإسلامية، وتكون هذه الصفة هي الغالبة في مكوِّناتها وخصائصها الدينية والثقافية والاجتماعية العامة؛ وإن كان في مواطنيها قليل أو كثير من غير المسلمين، يتمتَّعون ـ أيضًا ـ بحرَّيتهم وحقوقهم، لكن أحكام الإسلام هي الظاهرة والغالبة.
والمراد بأحكام الإسلام: الشعائر والمظاهر العامة التي تميِّز ملةَ الإسلام عن غيرها، مثل: الأذان وإقامة الجماعات والجمع والأعياد، وتعظيم أركان الإسلام، وتنفيذ الأحكام التي تحفظ لجماعة المسلمين هويَّتها وخصوصيَّتها، وإن حصل في ذلك التنفيذ نقصٌ أو تقصيرٌ (٣).
ثانيًا: دار الكفر:
دار الكفر هي نقيض دار الإسلام، فهي كل دولة انتفت عنها صفة الإسلام، لهذا يعرِّفُها الفقهاء بأنَّها: «كلُّ بقعةٍ تكون فيها أحكام الكفر ظاهرة»
стр. 57
وإن كان في مواطنيها قليل أو كثير من المسلمين الذين يتمتَّعون بحريتهم وحقوقهم حسب أنظمة البلد الذي يقيمون فيه.
ثالثًا: دار الحرب:
جرَى عامَّة الفقهاء على وصف كل دار كفر بأنها دار حربٍ، فهذان المصطلحان بمعنًى واحدٍ (١)، فإن كانت دولة غير المسلمين في حال حربٍ مع دولة المسلمين؛ فوصفها بدار الحرب واضحٌ لا إشكال فيه، وإن كانت في حال موادعةٍ ومسالمةٍ؛ فوصفها بدار الحرب مبنيٌّ على النَّظر في أصل الصفة القائمة بها، وهي التي ترجع إليها عند انتفاء السَّلام، فهي دار حربٍ في القوَّة والإمكان، وإن لم تكن دار حربٍ في واقع الحال.
أصل هذا التقسيم وعلاقته بالواقع:
إنَّ ما تتابع الفقهاء على تقريره من تقسيم العالم إلى دارين ـ دار الإسلام ودار الكفر أو الحرب ـ يستندُ إلى الأدلة التفصيلية في القرآن والسنة التي وضعت أسس بناء الدولة المسلمة وبيَّنت خصائصها وأصَّلت لعلاقاتها مع الدول الأخرى في حالتي الحرب والسِّلم (٢)، كما يستند إلى الواقع الذي ظهرت فيه آثار تلك الأحكام والخصائص والعلاقات. فهذا التقسيمُ مبنيٌّ على
стр. 58
الأدلة الشرعيَّة، وعلى الواقع الذي كان يحكمه التدافع والصراع المستمر، ولم يكن يخضع لأيِّ نظامٍ دوليٍّ يقنِّن طبيعة العلاقة بين الدول، ومن هنا عمد الفقهاء إلى إبراز هذا التقسيم وتحرير دلالاته، ليتيسَّر لهم بذلك وضع أسس العلاقة بين الدارين، وتقرير الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمقيمين في كلِّ دارٍ من المسلمين وغيرهم، وتمييز ما يترتَّب عليها باختلاف الدار من تغيُّرٍ وآثارٍ، فكانت دوافعهم لهذا التقسيم دينية وتشريعية وسياسية وواقعية.
لقد حظيت هذه المسألة باهتمام العلماء والباحثين المعاصرين، واختلفت آراؤهم فيها، فرأى بعضهم الحفاظ عليها كما وردت في المصادر الفقهية (١). بينما ادَّعى آخرون أنَّها تفتقر إلى مستندٍ شرعيٍّ وليست إلا رأيًا فقهيًّا معبِّرًا عن مرحلةٍ تاريخيةٍ؛ فرأوا إلغاءها تمامًا (٢). وتوسَّط فريق ثالث فرأوا أن عقد الصلح والسلام يزيل صفة الحرب عن الدار، فتكون دار كفر لا دار حرب، وتسمَّى ـ حينئذٍ ـ بدار العهد (٣).
стр. 59
ليس بإمكاني تفصيل القول فيما يتعلق بهذه الآراء من أدلة وبحوث ومناقشات، فهذا خارج عن غرض هذا الكتاب، لكنِّي أذكر ما يترجَّح عندي منها، وهو القول الثالث، فأقول ـ وبالله التوفيق ـ:
إن المتأمل في إضافة الدار إلى الإسلام أو الكفر أو الحرب سيجد أنها تنطوي على صفة ذاتية لا يتصور زوالها إلا بانتفاء الدار نفسها، أو صفة عارضة يتصور زوالها مع بقاء الدار. فصفة الإسلام لا يتصور زوالها عن دولة قد صبغت الديانةُ الإسلاميةُ كيانَها السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، فكل دولة انتفت عنها الصبغة الإسلامية لا يمكن وصفها إلا بأنها: «دولة غير إسلامية»؛ ولا يمكن أن توصف بغير هذه الصفة. وهذا بخلاف صفة: «الحرب» فيمكن تصور زوالها مع بقاء صفة الكفر فيها. وكذلك الحال بالنسبة لغير المسلمين؛ فإنَّهم قد ينظرون إلى: «دار الإسلام» بأنها دار إسلامٍ وحربٍ ضدَّهم، وقد ينظرون إليها بأنها دار إسلام وعهد وسلام معهم.
إنَّ الفقهاء المتقدمين لم يمكنهم تصوُّر انتفاء صفة الحرب عن أي دولة غير إسلامية، ذلك لأنَّ العلاقات بين الدول كانت قائمة ـ كما ذكرنا ـ على الصراع والتدافع، ولم يكن هذا خاصًّا بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها، بل كانت جميع الدول على اختلاف أديانها وقومياتها ومواقعها الجغرافية في حال حرب وصراع مستمر، والموادعة والسلام هي الحال الطارئة. لهذا غلب عليهم استعمال مصطلح: «دار الحرب» بإطلاقٍ حتَّى وإن كان مرادهم «دار الكفر» التي بينها وبين المسلمين معاهدة صلح وسلام، لكن وقع في كلام شيخ الإسلام أَبي العبَّاس ابنِ تيمية ﵀ (١) ما يدلُّ على صحَّة ما ذكرتُه من إمكان انتفاء صفة «الحرب» عن «دار الكفر»:
стр. 60
قال ﵀ في بعض كلامه ـ: «إنَّ المسلم بدار حربٍ أو دار كفرٍ غير حرب ... » (١)؛ وهذا صريح في التَّفريق بين الدَّارين.
وقال في موضعٍ آخر: «وكون البقعة ثغرًا للمسلمين، أو غير ثغرٍ؛ هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها، بمنزلة كونها دار إسلامٍ أو دار كفرٍ، أو دار حربٍ أو دار سِلْمٍ، أو دار عِلْمٍ وإيمانٍ أو دار جهل ونفاق؛ فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتِهم، بخلاف المساجد الثلاثة (٢) فإن مزيَّتها صفة لازمة لها، لا يمكن إخراجها عن ذلك» (٣)؛ فتأمَّل كيف ذكر دار الكفر مقابلَ دار الإسلام، ودار السِّلم مقابلَ دار الحرب، فنحن إزاء صِفَتين للدار، وليس صفة واحدة.
لهذا كلِّه: نرى صحَّة القول بأنَّ صفة الحرب ـ ابتداءً ولزومًا ـ قد انتفت عن الدول غير الإسلامية منذ أن أُنشئَتْ «هيئة الأمم المتحدة» في ٢٤/ ١٠ /١٩٤٥ م، حيث يُؤكِّد ميثاقُها على أنَّ لها هدفين رئيسيين هما: السَّلامُ العالمي، والكرامةُ الإنسانية. وينصُّ الميثاق على أن العضوية مُتاحةٌ لجميع الدول المحبة للسلام التي تكون قادرة وراغبة في تنفيذ الالتزامات الواردة في الميثاق.
стр. 61
وقد انضمَّتْ دولُ العالم الإسلامي إلى عضوية الأمم المتحدة، فالتزمت بذلك بأهم مبادئ ميثاقها، وهو: «أن تكون العلاقة بين الدول قائمة على السَّلام» (١). ولا شكَّ أن هذا قد أحدث تغيُّرًا مهمًا في أصل العلاقة بين الدول، إذ صارت مبنيَّة ابتداء على «السلام» لا على «الحرب»، على العكس تمامًا مما كان عليه الحال في العصور السابقة.
ومثل هذا التغيُّر معتبرٌ في الشريعة الإسلامية، لهذا لم يُغْفِلْهُ الفقهاء المعاصرون، بل تطرَّقوا إليه منذ حصوله، وأكتفي هنا باقتباس مهمٍّ، يمثِّل سابقةً علميةً مبكِّرةً في توصيف هذه النازلة، وهو لواحدٍ من أشهر فقهاء القرن الماضي الشيخ محمد أبو زهرة (٢)، حيث قال ﵀:
«إنَّه يجبُ أن يُلاحظ أنَّ العالمَ الآنَ تجمعُه منظمةٌ واحدةٌ، قد التزم كلُّ أعضائها بقانونها ونظمها. وحكم الإسلام في هذه: أنه يجب الوفاءُ بكلِّ العهود والالتزامات التي تلتزمها الدُّولُ الإسلاميةُ، عملاً بقانون الوفاء بالعهد
стр. 62
الذي قرَّره القرآن الكريم، وعلى ذلك: لا تعدُّ ديار المخالفين التي تنتمي لهذه المؤسَّسة العالمية دارَ حربٍ ابتداءً، بل تعتبرُ دار عهدٍ» (١).
وهذا لا يُغفل حقيقة انقسام العالم إلى دار الإسلام ودار الكفر، لأنَّه انقسام يفرضه الواقع بناءً على الخصوصية الدينية لكلِّ طرفٍ، ومن هنا ظهر مصطلح: «العالم الإسلامي»، وهو شائع الاستعمال عند السياسيين والمثقفين غير المسلمين أكثر منه لدى المسلمين، حتى إِنَّ المنصِّر الأمريكيَّ الشهير زويمر ((S. M. Zwemer (١٨٦٧ - ١٩٥٢ م)؛ لما أصدر مجلة متخصصة في تنصير المسلمين والهجوم على العقيدة والقيم الإسلامية؛ لم يجد بُدًّا من تسميتها بمجلة: «العالم الإسلامي» «The Moslem World»، ولَمَّا أراد الرئيس الأمريكي باراك أوباما توجيه خطابٍ إلى المسلمين؛ لم يذكر اسم دولة من دولهم أو قومية من قومياتهم أو طائفة من طوائفهم، بل وجَّه خطابه في جامعة القاهرة بتاريخ: ٤/ ٦ /٢٠٠٩ م؛ إلى: «العالم الإسلامي» باعتباره كيانًا واحدًا، متميزًا بانتمائه الديني والتاريخي والأخلاقي والاجتماعي، وإن كان في أحضانه الواسعة أتباع أديان وثقافات متنوعة، يعيشون فيه بأمان، ويحظون بحقوقهم وحرياتهم. وعلى هذا الأساس ـ أيضًا ـ أُنشئَتْ سنة: (١٣٨١/ ١٩٦١): «رابطة العالم الإسلامي»، وهي منظمة إسلامية دولية غير حكومية ـ وإن كانت المملكة العربية السعودية تتطوع باستضافتها وتمويلها ـ، كما أنشئت في سنة: (١٣٨٩/ ١٩٦٩): «منظمة المؤتمر الإسلامي»؛ وهي منظمة حكومية تضمُّ في عضويتها سبعًا وخمسين دولة إسلامية (٢).
стр. 63
إنَّ تميُّز «دار الإسلام» بحدودها الجغرافية، وكيانها السياسي، وخصائصها الدينية والاجتماعية؛ يمنح أبناءَها حقَّ الدفاع عن أرضهم وحقوقهم ضد أي اعتداء، كما يمنح شعورَهم الجمعيَّ رسوخًا وقوةً تُعينهم على الوحدة والتعاون والتناصر فيما يحقق لهم المصالح والمنافع، ويدفع عنهم المفاسد والأضرار.
وفي المقابل: فإنَّ نفيَ صفةِ الإسلام عن الدُّول التي لا تتصف بهذه الصفة هو تقرير للأساس الذي ينبني عليه الموقفُ الدينيُّ والسياسيُّ والأخلاقيُّ على المستوى الفرديِّ والجماعيِّ، فالمسلم الذي يقيم في دولة من تلك الدول ـ إقامةً مؤقَّتةً أو دائمةً ـ يقرُّ باختلاف الخصائص الدينية لتلك الدولة عن «دار الإسلام»؛ وبالتالي فإنه يتفهَّم منهج أهلها في نظامهم السياسيِّ وسلوكهم الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ، ويتجنَّب عوامل الاصطدام معها، وإن كان يراهم مخالفين لعقيدته وأخلاقه. وهذا هو الطريق الأمثل للتعايش الناجح والمثمر مع المحافظة على التميُّز الدينيِّ.
ومن هنا يتبيَّن لنا أن تقسيم العالم إلى «دار الإسلام» و «دار الكفر»؛ ليس بمفهوم «صراع الحضارات» الذي يؤصِّل للعداء ويجرُّ إلى الحرب والمواجهة، بل ينطوي على أساس سليم للمحافظة على خصائص كلِّ طرفٍ، وعدم التدخُّل فيها، وتجنُّب جعلها سببًا للصراع، أو موضعًا للمنازعة والمغالبة. وهذا مقصِدٌ شريفٌ سبقت الشريعةُ الإسلاميةُ إليه القوانينَ الدوليةَ المعاصرةَ التي ضمنتْ للشعوب حقَّ التمتع بالحرية الدينية والمحافظة على خصائصها القوميَّة، ومنعتْ أيَّ تدخلٍ في الشؤون الداخلية للدول.
إن لهذا التصور الصحيح والفهم السليم لهذه المسألة أثرًا بالغًا على سلوك المسلم خارج حدود «دار الإسلام»؛ فإنه سيَعِي دائمًا ـ إضافة إلى ما تقدَّم ذكره ـ أنَّ حقوقَه وحرياتِه الدينيةَ والمدنيةَ لا بدَّ أن تتقيَّد بحدودٍ معقولةٍ لا تتجاوزُ حقوقَ وحرياتِ الجالياتِ أو الأقلياتِ، وأنها ستكون خاضعة دائمًا
стр. 64
للخصوصية العامة للدولة. وغياب هذا التصور والفهم سيؤدِّي بالمسلم إلى التصرف كما لو أنَّه في بلدٍ مسلمٍ ـ مثل مكة أو المدينة ـ، فيعمد إلى انتهاك خصوصية المجتمع الذي هو فيه، مما يُدخله في صراع واصطدام يتعذَّر معه التعايشُ على أساسٍ من الثقة والاحترام. ومثل هذا الجهل هو الذي أدَّى ببعض المسلمين في بلدٍ مثل بريطانيا إلى المطالبة بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية فيها!
وجه تنزيل أحكام هذا الكتاب على الواقع المعاصر
لقائلٍ أَنْ يقولَ هاهنا ـ معترضًا ـ: إن هذا المبحث أبرز إشكالاً موضوعيًّا في منهجية هذا الكتاب الذي يستند أساسًا إلى النصوص الشرعية بفهم الفقهاء المتقدِّمين لتقرير الواجب الدِّينيِّ على المسلم المقيم في دولةٍ غير مسلمةٍ، وهي في نظر أولئك الفقهاء «دار حرب» ولا بدَّ، بينما يرى الباحث أن صفة «الحرب»؛ قد انتفت ـ ابتداءً ـ عنها في هذا العصر، فلا وجهَ ـ إذن ـ لاقتباس تلك النصوص التي لم تعُدْ لمسوِّغاتها الدينيَّة والتشريعيَّة وجود في الواقع المعاصر؟
والجواب على هذا الاعتراض والاستشكال من وجوهٍ عديدةٍ، ألخصُّها فيما يلي:
أولاً: إنَّ المقصد الأسمى لهذا الكتاب هو التأكيد على مفاهيم الحقِّ والعدل والرحمة والصِّدق والوفاء والأمانة في تعامل المسلم مع غير المسلم، وهذه المفاهيم مبنيَّةٌ على أحكامٍ دينيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ ثابتةٍ، لا يدخل عليها نسخٌ، ولا تقبلُ التَّغييرَ، فلا يجوز الاستخفافُ بها أو تضييعها؛ مهما تغيَّر المكانُ والزمانُ والحالُ، أو اختلفتِ الآراءُ والاجتهاداتُ.
ثانيًا: إنَّ انتفاء صفة الحرب عن دار الكفر هو انتقال من الحكم الأشدِّ إلى الحكم الأخفِّ، ونصوص الفقهاء متعلِّقة بدار الحرب ـ حالاً أو مآلاً ـ، فيصحُّ تنزيلها على كلِّ دار كفرٍ غير حربٍ من باب الأَولَى، بل هي في هذه
стр. 65
الحالة أقوى دلالةً، وأثبتُ حكمًا، وأجدرُ بالقبول.
ثالثًا: إن في المسلمين اليوم بعض الغلاة والجهلة الذين يدَّعون بأنَّ كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية باطلة، وأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب! ثم يسوِّغون بهذه الدَّعوى الزائفة أعمالَهم الإرهابيةَ، وسلوكَهم الشَّاذَّ المناقضَ للأحكام الشرعية، والأخلاق الإسلامية. فجاء هذا الكتاب ليقول لهم ـ بما زخر به من أدلة القرآن والسنة، ومن النقولات الموثَّقة عن علماء الإسلام الأعلام في الدِّين ـ: إنَّ الإسلام لا يعرفُ الفَوْضَى، ولا يقرُّ الغدرَ والخيانةَ، بل يُلزم أتباعَه بالصِّدق والوفاء حتَّى مع أعدائهم الحربيِّين. فلو كانتْ دعواكم صحيحةً ـ وهي ليست كذلك ـ فأول ما يجبُ عليكم أن تتعلَّموا أحكامَ دينكم الَّذي تدَّعون نُصرَتَه، وتلتزموا بطاعة أوامره واجتناب نواهيه، وتتأدَّبُوا بآدابه، وتتقيَّدوا بأخلاقه؛ فتكفُّوا عن الغدر بالأبرياء الآمنين، فليس من ديننا اختطافُ الطائراتِ، وتفجيرُ القطاراتِ، وتخريبُ العمرانِ، واستهدافُ الأماكن العامَّة، ونشر الفَوضى والوحشيَّة في العلاقة بين المسلمين وغيرهم.
стр. 66
الفصل الثاني:
الآثار المترتبة على دخول المسلم في أمان غير المسلمين
وفيه:
تمهيد.
الأثر الأول: تحريم خيانتهم والغدر بهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
الأثر الثاني: معاملة الكفار على أساس أنهم يملكون أموالهم مِلكًا صحيحًا، ولا يجوز للمسلم أن يستولي عليها إلا بوجهٍ أذن به الشرع الحنيف.
الأثر الثالث: أنَّ المسلم في بلاد الكفَّار يجب عليه الالتزامُ بأحكام الدِّين كما يجب عليه في بلاد الإسلام.
الأثر الرابع: جوازُ معاملتهم بالبَيْعِ والشِّراء والهِبَةِ والقَرْضِ والرَّهْنِ وسائر المعاملات المباحة.
الأثر الخامس: أنَّ المسلم إذا دَخَلَ بلادَ الكفَّار الحربيِّينَ وكان يقصدُ القيامَ بعمليَّاتٍ عسكريَّةٍ ضدَّهم، فأَظْهَرَ لهم طلبَ الدُّخولِ في أمانِهِم، فأَعْطَوهُ الأمان، وسَمَحُوا له بدخول بلادهم؛ وَجَبَ عليه ـ ديانةً وأخلاقًا ـ الالتزامُ بعقد الأمان، وحَرُمَ عليهم الغدرُ بهم.
стр. 67
الأثر السادس: إذا دَخَلَ جماعةٌ من المسلمين في أمانِ قومٍ من الكفَّارِ الحربيِّينَ، ثم قامتِ الحربُ بينهم وبين جماعةٍ أُخرَى من المسلمين، لم يَجُزْ لأولئك المسلمينَ المستأمَنِين نصرةُ إخوانِهم المسلمينَ إلَّا بعدَ أَنْ يُلْغوا عَقْدَ الأمانِ مع أولئك الكفار، ويُعْلِمُوهُم بذلك.
الأثر السابع: جواز السَّفَر بالقرآن حال العهد والأمان.
الأثر الثامن: أنَّ المسلمينَ المستأمَنينَ في بلاد الكفَّار لا يقيمونَ الحدودَ بينهم، لعَدَم وُجودِ وِلايةٍ إسلاميَّةٍ عليهم، لكنَّهم يلتزمون بما يترتَّب على ارتكابِ المعاصي الموجِبَة للحدود من توبةٍ وصومٍ وكفَّارةٍ ودِيَةٍ، ونحو ذلك، مما يلزمهم ديانةً.
الأثر التاسع: أنَّ المسلمَ المقيمَ في بلاد الكفَّار ينبغي عليه أن يُعاملهم بالحسنَي ويَدْعُوَهم إلى الإسلام، ويتألَّفَهم بموافقتهم في غير ما حرَّمه الله تعالى، ولا يرتكبَ ما يحملهم على النُّفْرة من الدِّين الحقِّ، ولا يُثيرَهم بتصرُّفٍ يحملُهُم على إيذائه والإضرار به.
الأثر العاشر: يجبُ على المسلم أَنْ يحفَظَ لمن أحسن إليه من الكفَّار جميلَه، ويشكرَه على إحسانِه، ويقابلَه بالوفاء وجميل الذّكْر وإرادة الخير.
стр. 68
تمهيد
نخلُصُ ممَّا بحثناه في الفصل الأول إلى أَنَّ «الأَمانَ» عقدٌ من العقود والعهود والمواثيق التي تجري بين الناس على اختلاف أديانهم وأوطانهم، وكلُّ «عقدٍ» يدخلُ فيه الإنسانُ فلا بدَّ من «آثارٍ» تترتَّبُ عليه؛ تحدِّدُ الحقوقَ والواجباتِ لكلِّ طرفٍ من أطراف العقد.
إنَّ من معاني «الأَثَر» في اللغة: بقيَّة الشيء، أو ما بقي من رسم الشيء. والتأثيرُ: إبقاءُ الأثَر في الشيء (١). ومن هنا استخدم الفقهاء هذا اللفظ بمعنى: «النتيجة المترتبة على التصرُّف» (٢)، فيقولون مثلًا: من آثار النِّكاح: حِلُّ الجماع والعِدَّةُ والتوارثُ (٣). ويُلاحِظ الناظرُ في كتب الفقه القديمة أنَّ اللفظ الأكثر شيوعًا واستعمالًا لهذا المعنى هو «الحكم»، فيقولون عن هذه الأمور المذكورة بأنها من «أحكام النكاح» (٤)، وإنما شاع استعمال «الأثر» على ألسنة
стр. 69
المعاصرين، فيقولون: «آثار العقد» (١)، ويقصدون بذلك الأحكام المترتبة على العقد، فمن آثار عقود المِلْكيَّة ـ كالبيع والهبة والقرض ـ: نقل المِلْكيَّة من عاقدٍ إلى آخر إذا استوفت أركانها وشروطها. ونقل المِلكية حكمٌ مترتِّبٌ على ذلك العقد.
إنَّ بين مصطلحي الحكم والأثر فروقاتٍ دقيقةً ليس هذا موضع البحث فيها (٢)، فأكتفي بالإشارة هنا إلى أنَّ العلاقة بين العنصر «المؤثِّر» والأثر الناتج عنه؛ لا تكون على درجةٍ ولا صفة واحدة، بل تتفاوت تفاوتًا كبيرًا، فمن الآثار ما يكون داخلًا في ماهيَّة العقد، ومنها ما يكون من شروطه ولوازمه، ومنها ما يكون متعلِّقًا بطرفَي العقد أو بطرفٍ واحدٍ منه. وهكذا هي الحال بالنسبة لهذه الآثار التي تترتَّبُ على الدخول في عقد الأمان؛ فبعضها داخلةٌ في ماهية الأمان، وبعضها من لوازمه وأحكامه وآدابه، وهذا بيان موجزٌ بذلك:
أما الأثر الأول ـ وهو تحريم خيانتهم والغدر بهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ـ: فداخل في ماهيَّة عقد الأمان ومن شروطه الأساسية، ونقضه يؤدِّي إلى نقض أصل العقد.
والأثر الثاني ـ وهو معاملة الكفار على أساس أنَّهم يملكون أموالهم مِلْكًا
стр. 70
صحيحًا ـ، وكذلك الثالث ـ وهو أنَّ المسلم في بلاد الكفَّار يجب عليه الالتزامُ بأحكام الدِّين كما يجب عليه في بلاد الإسلام ـ، والرابع في جوازُ معاملَتِهم بالبَيْعِ والشِّراءِ والهِبَةِ والقَرْضِ والرَّهْنِ وسائرِ المعاملاتِ المباحة؛ فتتعلق بالمسلم من جهة اعتقاده وتديُّنه وأخلاقه في معاملة الآخر.
والأثر الخامس في أنَّ المسلمَ إذا دَخَلَ بلادَ الكفَّار الحربيِّينَ وكان يقصِدُ القيامَ بعمليَّاتٍ عسكريَّةٍ ضدَّهم، فأَظْهَرَ لهم طلبَ الدُّخولِ في أمانِهم، فأَعْطَوهُ الأمانَ، وسَمَحُوا له بدخول بلادهم؛ وَجَبَ عليهِ ـ ديانةً وأخلاقًا ـ الالتزامُ بعقد الأمان، وحَرُمَ عليه الغدرُ بهم، وكذلك الأثر السادس في أنه إذا دَخَلَ جماعةٌ من المسلمين في أَمانِ قومٍ من الكفَّارِ الحربيِّينَ، ثم قامتِ الحربُ بينهم وبين جماعةٍ أُخرَى من المسلمين؛ لم يَجُزْ لأولئك المسلمينَ المستأمَنِين نصرةُ إخوانِهم المسلمينَ إلا بعدَ أَنْ يُلْغُوا عَقْدَ الأَمانِ مع أولئك الكفَّارِ، ويُعْلِمُوهُمْ بذلكَ؛ فمن لوازم عقد الأمان وشروطه، وهما متقاربان؛ لكنْ بينهما فرقٌ ظاهرٌ في صورة الواقعة، ولهما تعلُّق أكيد بالأثر الأول.
أما الأثر السابع ـ وهو جواز السَّفَر بالقرآن حال العهد والأمان ـ فهو من الفروع الفقهية التي يحتاج المسلم إلى معرفتها وهو خارج دار الإسلام.
أما الأثر الثَّامن في أنَّ المسلمينَ المستأمَنينَ في بلاد الكفَّار لا يقيمونَ الحدودَ بينهم، لعَدَمِ وُجودِ وِلايةٍ إسلاميَّةٍ عليهم، لكنَّهم يلتزمون بما يترتَّب على ارتكابِ المعاصي الموجِبَة للحدود من توبةٍ وصومٍ وكفارةٍ ودِيَةٍ، ونحو ذلك، مما يلزمهم ديانةً؛ فمهمٌّ جدًّا لتصحيح تصور المسلم وتصرُّفه في البيئة التي يعيش فيها.
أما الأثر التاسع في أنَّ المسلمَ المقيمَ في بلاد الكفَّار ينبغي عليه أَنْ يُعاملهم بالحسنَى ويَدْعُوَهم إلى الإسلام، ويتألَّفَهم بموافقتهم في غيرِ ما حرَّمه الله تعالى، ولا يرتكبَ ما يحملهم على النُّفْرة من الدِّين الحقِّ، ولا يُثيرَهم بتصرُّفٍ يحملُهُم على إيذائه والإضرارِ به؛ فهو من اللوازم الأخلاقية والسلوكية.
стр. 71
ويأتي الأثر العاشر في بيان ما يجبُ على المسلم من حفظ جميل من أحسن إليه من الكفَّار، وشكرَه على إِحسانِه، ومقابلَته بالوفاء وجميل الذِّكْر وإِرادة الخير؛ ليؤكِّد على الاعتداد بالأثر المعنوي لعقد الأمان حتَّى بعد انقضاء مدَّته، وانتهاء أحكامه، فكيف إذا كان نافذًا؟ وليؤكِّد ـ أيضًا ـ على أن الواجب على المسلم أن يعامل الآخرين بالعدل والإحسان، ولا يجوز أن تحكمه ـ بأيِّ حالٍ من الأحوال ـ دوافع الأنانيَّة والانتهازية.
هذه عشرة آثار من آثار الدخول في عقد الآمان، وقد أردنا ببحثنا فيها التأكيد على الجوانب الدينية والسلوكية والأخلاقية التي يجب على المسلم المقيم خارج أرض الإسلام أن يتفقَّه فيها، ويلتزم بأحكامها، ويتأدَّب بآدابها، كما أردنا بذلك أن نكشف عن جانب عظيم من جوانب سماحة الشريعة الإسلامية، واشتمالها على ما فيه صلاح الحياة البشرية، وخير الناس أجمعين، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 72
الأثر الأول:
تحريم خيانتهم والغدر بهم
في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم
إنَّ الصِّدقَ في القول، والعدلَ في المعاملة، والوفاء بالوعد، والأداء للأمانة، والالتزام بموجبات العهود والمواثيق المشروعة؛ كلُّ ذلك من الواجبات الشرعيَّة اللازمة لكلِّ مسلمٍ، لا يختلف في وجوبها أحدٌ من المسلمين، فهو متقرِّرٌ بنصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وعليه أجمع علماء الإسلام، وأقرَّ به المسلمون جيلاً بعد جيلٍ.
وقد امتدح الله تعالى المؤمنين الصادقين المفلحين بأنَّهم: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، وأمرهم بالوفاء بالعقود التي يلتزمون بها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وأجمع أهل التفسير على أن معنى «العقود»: «العهود»؛ كما ذكر الإمامُ ابن جرير الطبريُّ ﵀ (١)، وقال: «والعقود جمع: عَقْدٍ، وأصل العقد: عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده. وذلك إذا وَاثَقَه على أمرٍ وعاهده عليه عهدًا
стр. 73
بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمانٍ، وذِمَّةٍ، أو نصرةٍ، أو نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شركةٍ، أو غير ذلك من العقود». (١)
وقد أخبر النبي ﷺ أنَّ الخيانة من صفات المنافقين، فقال ﷺ : «آيةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ». (٢)
وقال ﷺ في حديثٍ آخرَ: «أربَعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقًا خالِصًا، ومَن كانتْ فيه خَصْلةٌ منهُنَّ كانت فيه خَصلةٌ مِنَ النِّفاق حتَّى يَدَعَها: إذا ائْتُمنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ». (٣)
وإذا كان الغدرُ والخيانةُ من صفات المنافقين، فإنَّهما لن يكونا من صفات المؤمنين حقًّا، ولهذا كان رسولُ الله ﷺ يقول في خُطْبَته: «لا إِيْمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لمن لا عَهْدَ له». (٤)
ومن هنا فإنَّ أهلَ الخيانة والغدر يستحقُّون الفضيحةَ الكبرى يوم القيامة، كما أخبر الصَّادق المصدوق فقال ﷺ : «إذا جَمَعَ الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة؛ يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ، فقيلَ: هذه غَدْرَةُ فلانِ بنِ فلانٍ». (٥)
стр. 74
والمسلم مخاطبٌ بهذه النُّصوص ودلالاتِها في أحواله كلِّها، حيثما كان، وأينما حلَّ، سواء كان تعامله مع أخيه المسلم، أو مع المخالف له في الدِّين والملَّة حربيًّا كان أم مسالمًا. هذا ما فهمه علماء الإسلام وقرَّروه في كتبهم، لما دلَّ عليه صريحُ القرآن وصحيح السُّنَّة.
فقد أمر الله تعالى بالعدل في معاملة المخالفين وإن كانوا أعداءً حربيِّين، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره هذه الآية: «يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمدٍ! ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداءَ بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتُجاوِزُوا ما حدَّدتُ لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري. ولا يحملنَّكم عداوةُ قومٍ على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجُورُوا عليهم مِنْ أجلِ ما بينكم وبينهم من العداوة». (١)
وقال الفخر الرازيُّ (٢): «المعنَى: لا يحملنَّكم بغض قومٍ على أن تجوروا عليهم، وتجاوزوا الحدَّ فيهم، بل اعدلوا فيهم؛ وإن أساؤُوا إليكم، وأحسنوا
стр. 75
إليهم؛ وإن بالغوا في إِيْحاشِكُم، فهذا خطابٌ عامٌّ، ومعناه: أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدًا إلا على سبيل العدل والإنصاف، وترك الميل والظُّلم والاعتساف» (١).
وأمر الله تعالى بالوفاء لهم بالعهد وجعله من صفات المتقين لربِّهم، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
وقال رسول الله ﷺ : «أيُّما رَجُلٍ أَمَّنَ رجلاً على دَمِهِ ثُمَّ قتَلَه، فأَنَا مِنَ القاتل بَرِيءٌ، وإنْ كان المقتولُ كافرًا». (٢)
وهذه البراءة من النبيِّ ﷺ براءةٌ صريحةٌ من المسلم الذي يُقدِم على ذلك الفعل الشَّنيع، فهي براءة من الفعل والفاعل، فهو ﷺ سيِّد الأوفياء والشرفاء، لا يرضَى بالغدر والخيانة، ولا بأهلهما، بخلاف من قد ينكر الفعلَ، ويسوِّغُ للفاعلِ! (٣)
ومن هنا بيَّن العلماء أن هذه الأخلاقيَّات الإسلامية السَّامية من أصول الدِّين وقواعده الكليَّة، فلا بدَّ أن يلتزم بها المسلم حتَّى وإن انتقل من بلاد