ويأتي الأثر العاشر في بيان ما يجبُ على المسلم من حفظ جميل من أحسن إليه من الكفَّار، وشكرَه على إِحسانِه، ومقابلَته بالوفاء وجميل الذِّكْر وإِرادة الخير؛ ليؤكِّد على الاعتداد بالأثر المعنوي لعقد الأمان حتَّى بعد انقضاء مدَّته، وانتهاء أحكامه، فكيف إذا كان نافذًا؟ وليؤكِّد ـ أيضًا ـ على أن الواجب على المسلم أن يعامل الآخرين بالعدل والإحسان، ولا يجوز أن تحكمه ـ بأيِّ حالٍ من الأحوال ـ دوافع الأنانيَّة والانتهازية.
هذه عشرة آثار من آثار الدخول في عقد الآمان، وقد أردنا ببحثنا فيها التأكيد على الجوانب الدينية والسلوكية والأخلاقية التي يجب على المسلم المقيم خارج أرض الإسلام أن يتفقَّه فيها، ويلتزم بأحكامها، ويتأدَّب بآدابها، كما أردنا بذلك أن نكشف عن جانب عظيم من جوانب سماحة الشريعة الإسلامية، واشتمالها على ما فيه صلاح الحياة البشرية، وخير الناس أجمعين، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 72
الأثر الأول:
تحريم خيانتهم والغدر بهم
في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم
إنَّ الصِّدقَ في القول، والعدلَ في المعاملة، والوفاء بالوعد، والأداء للأمانة، والالتزام بموجبات العهود والمواثيق المشروعة؛ كلُّ ذلك من الواجبات الشرعيَّة اللازمة لكلِّ مسلمٍ، لا يختلف في وجوبها أحدٌ من المسلمين، فهو متقرِّرٌ بنصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وعليه أجمع علماء الإسلام، وأقرَّ به المسلمون جيلاً بعد جيلٍ.
وقد امتدح الله تعالى المؤمنين الصادقين المفلحين بأنَّهم: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، وأمرهم بالوفاء بالعقود التي يلتزمون بها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وأجمع أهل التفسير على أن معنى «العقود»: «العهود»؛ كما ذكر الإمامُ ابن جرير الطبريُّ ﵀ (١)، وقال: «والعقود جمع: عَقْدٍ، وأصل العقد: عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده. وذلك إذا وَاثَقَه على أمرٍ وعاهده عليه عهدًا
стр. 73
بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمانٍ، وذِمَّةٍ، أو نصرةٍ، أو نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شركةٍ، أو غير ذلك من العقود». (١)
وقد أخبر النبي ﷺ أنَّ الخيانة من صفات المنافقين، فقال ﷺ : «آيةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ». (٢)
وقال ﷺ في حديثٍ آخرَ: «أربَعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقًا خالِصًا، ومَن كانتْ فيه خَصْلةٌ منهُنَّ كانت فيه خَصلةٌ مِنَ النِّفاق حتَّى يَدَعَها: إذا ائْتُمنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ». (٣)
وإذا كان الغدرُ والخيانةُ من صفات المنافقين، فإنَّهما لن يكونا من صفات المؤمنين حقًّا، ولهذا كان رسولُ الله ﷺ يقول في خُطْبَته: «لا إِيْمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لمن لا عَهْدَ له». (٤)
ومن هنا فإنَّ أهلَ الخيانة والغدر يستحقُّون الفضيحةَ الكبرى يوم القيامة، كما أخبر الصَّادق المصدوق فقال ﷺ : «إذا جَمَعَ الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة؛ يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ، فقيلَ: هذه غَدْرَةُ فلانِ بنِ فلانٍ». (٥)
стр. 74
والمسلم مخاطبٌ بهذه النُّصوص ودلالاتِها في أحواله كلِّها، حيثما كان، وأينما حلَّ، سواء كان تعامله مع أخيه المسلم، أو مع المخالف له في الدِّين والملَّة حربيًّا كان أم مسالمًا. هذا ما فهمه علماء الإسلام وقرَّروه في كتبهم، لما دلَّ عليه صريحُ القرآن وصحيح السُّنَّة.
فقد أمر الله تعالى بالعدل في معاملة المخالفين وإن كانوا أعداءً حربيِّين، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره هذه الآية: «يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمدٍ! ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداءَ بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتُجاوِزُوا ما حدَّدتُ لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري. ولا يحملنَّكم عداوةُ قومٍ على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجُورُوا عليهم مِنْ أجلِ ما بينكم وبينهم من العداوة». (١)
وقال الفخر الرازيُّ (٢): «المعنَى: لا يحملنَّكم بغض قومٍ على أن تجوروا عليهم، وتجاوزوا الحدَّ فيهم، بل اعدلوا فيهم؛ وإن أساؤُوا إليكم، وأحسنوا
стр. 75
إليهم؛ وإن بالغوا في إِيْحاشِكُم، فهذا خطابٌ عامٌّ، ومعناه: أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدًا إلا على سبيل العدل والإنصاف، وترك الميل والظُّلم والاعتساف» (١).
وأمر الله تعالى بالوفاء لهم بالعهد وجعله من صفات المتقين لربِّهم، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
وقال رسول الله ﷺ : «أيُّما رَجُلٍ أَمَّنَ رجلاً على دَمِهِ ثُمَّ قتَلَه، فأَنَا مِنَ القاتل بَرِيءٌ، وإنْ كان المقتولُ كافرًا». (٢)
وهذه البراءة من النبيِّ ﷺ براءةٌ صريحةٌ من المسلم الذي يُقدِم على ذلك الفعل الشَّنيع، فهي براءة من الفعل والفاعل، فهو ﷺ سيِّد الأوفياء والشرفاء، لا يرضَى بالغدر والخيانة، ولا بأهلهما، بخلاف من قد ينكر الفعلَ، ويسوِّغُ للفاعلِ! (٣)
ومن هنا بيَّن العلماء أن هذه الأخلاقيَّات الإسلامية السَّامية من أصول الدِّين وقواعده الكليَّة، فلا بدَّ أن يلتزم بها المسلم حتَّى وإن انتقل من بلاد
стр. 76
الإسلام إلى بلاد غير المسلمين، ولم يَقُلْ أحدٌ منهم أن هذه الأخلاقيَّات مصلحيَّة نفعيَّة، يجوز للمسلم أن يتخلَّى عنها، وينسلخ منها، إن كان في مجتمع غير مسلمٍ، أو كان تعاملُه مع غير المسلمين!
وهذه نماذج من كلام العلماء الأعلام، تُظهر عظمة دين الإسلام، وكمال شريعته، وسمو أخلاق أهله الملتزمين به كما يحبُّه الله تعالى ويرضاه:
قال الإمام الشافعيُّ ﵀ (١): «إذا دخلَ قومٌ من المسلمين بلادَ الحرب بأمانٍ؛ فالعدوُّ منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبلغوا مدَّة أمانهم، وليس لهم ظلمهم، ولا خيانتهم». (٢)
وقال الشَّافعيُّ ـ أيضًا ـ: «وإذا دخل رجلٌ مسلمٌ دار الحربِ بأمانٍ فوجد امرأتَه، أو امرأةَ غيره، أو مالَه، أو مالَ غيره من المسلمين أو أهل الذِّمَّة، مِمَّا غصَبَه المشركون؛ كان له أن يخرج به، من قِبَلِ أنَّه ليس بمِلْكٍ للعدو، ولو أسلموا عليه لم يكن لهم، فليسَ بخيانةٍ، كما لو قدر على مسلمٍ غصب شيئًا فأخذه بلا علمِ المسلم فأدَّاه إلى صاحبه؛ لم يكن خائنًا (٣). إنَّما الخيانةُ: أخذُ
стр. 77
ما لا يحلُّ له أخذه. ولكنَّه لو قدر على شيءٍ من أموالهم لم يحلَّ له أن يأخذ منه شيئًا قلَّ أو كثرَ، لأنَّه إذا كان منهم في أمانٍ فهُمْ منه في مثله، ولأنه لا يحلُّ له في أمانهم إلا ما يحلُّ له من أموال المسلمين وأهل الذِّمَّة، لأنَّ المالَ ممنوعٌ بوجوهٍ:
أوَّلُها: إسلامُ صاحبه.
والثَّاني: مال من له ذِمَّةٌ.
стр. 78
والثالثُ: مال من له أمانٌ إلى مدَّة أمانه، وهو كأهل الذِّمَّة فيما يُمنع من ماله إلى تلك المدَّة». (١)
وقال العلامة الماورديُّ ﵀ (٢): «وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمانٍ، أو كان مأسورًا معهم فأطلقوه وأمَّنوه؛ لم يجزْ أن يغتالَهم في نفسٍ ولا مالٍ، وعليه أن يؤمِّنَهم. وقال داودُ (٣): يجوز أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم إلا أَنْ يَستَأْمنُوه فيلزمه الموادعةُ، ويَحرُمُ عليه الاغتيالُ». (٤)
وقال العلامة السَّرَخْسِيُّ ﵀ (٥): «والذي دخلَ من المسلمين دارَ الحرب بأمانٍ فعليه ألا يغدر بهم، وألا يأخذ شيئًا من أموالهم بغير رضاهم،
стр. 79
لأنَّه التزم الوفاءَ لهم بحسب ما يَفُونَ له؛ بخلاف الأَسير فيهم. ثُمَّ كما لا يجوز للمستأمن أن يقتلهم، أو يأخذ مالهم بغير رضاهم؛ لا يجوز له أن يأمر الأسيرَ بذلك، لأنَّ فعل المأمور من وجهٍ كأنَّه فعلُ الآمر». (١)
وقال السَّرخسيُّ ـ أيضًا ـ: «وإذا قتلَ المسلمُ المستأمَنُ في دار الحرب إنسانًا منهم، أو استهلكَ مالَه؛ لم يلزَمهم (٢) غُرْمُ ذلك إذا خرجوا، لأنَّهم لو فعلوا ذلك به لم يلزمهم غُرْمٌ؛ فكذلك إذا فُعِلَ بهم، وهذا لأنَّهم غير ملتزمين أحكامَ الإسلام في دار الحرب حيثُ جرَى ذلك بينهم (٣). وأَكرَهُ للمسلم المستأمَن إليهم في دِينِه أن يغدر بهم؛ لأنَّ الغدرَ حرامٌ (٤)؛ قال ﷺ : «لكلِّ غادرٍ لواءٌ، يُركَزُ عند بابِ اسْتِهِ يومَ القيامةِ، يُعرفُ به غَدْرَتُه» (٥). فإنْ غدر بهم،
стр. 80
وأخذ مالَهم، وأخرجه إلى دار الإسلام؛ كرِهْتُ للمسلم شراءَه منه إذا علم ذلك؛ لأنَّه حصَّلَه بكسبٍ خبيثٍ، وفي الشراء منه إغراءٌ له على مثل هذا السَّبب، وهو مكروهٌ للمسلم، والأصلُ فيه حديث المغيرة بن شعبة ﵁ حين قتل أصحابَه، وجاء بمالِهم إلى المدينة فأسلَم، وطلب من رسول الله ﷺ أن يُخمِّس مالَه، فقال: «أمَّا إِسلامُكَ فمقبولٌ، وأمَّا مالُكَ فمالُ غَدْرٍ فلا حاجةَ لنا فيه».». (١)
وقال السرخسيُّ ـ أيضًا ـ: «ولو أنَّ رسولاً لإمام المسلمين دخَلَ إليهم فأخذ متاعًا من متاعهم غَصْبًا، أو رقيقًا، وأخرجه إلى عسكر المسلمين في دار الحرب، أخذَه الأميرُ وردَّه على أهله، لأنَّ الرَّسولَ فيهم كالمستأمَن». (٢)
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ (٣): «من دخل إلى أرض العدوِّ بأمانٍ لم يخُنْهُم في مالهم، ولم يعاملهم بالرِّبا. أمَّا تحريم الرِّبا في دار الحرب؛ فقد ذكرناه في بابِ الرِّبا (٤)، مع أنَّ قولَ الله تعالى: ﴿وحرَّم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وسائرَ الآياتِ والأخبارَ الدَّالة على تحريم الرِّبا عامَّةٌ، تتناولُ الرِّبا في كلِّ مكانٍ وزمانٍ. وأمَّا خيانَتَهُم فمحرَّمةٌ؛ لأنَّهم إنما أعطوه الأمانَ مشروطًا بتركه خيانتَهم، وأمْنِه إيَّاهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللَّفظ، فهو معلومٌ في المعنَى، ولذلك من جاءَنا منهم بأمانٍ فخاننا؛ كان ناقضًا
стр. 81
لعهده. فإذا ثبت هذا: لم تحلَّ له خيانَتُهم لأنَّه غدرٌ، ولا يصلحُ في ديننا الغدْرُ، وقد قال النبيُّ ﷺ «المسلمونَ عند شُروطِهِم». (١) فإِنْ خانَهم، أو سرقَ منهم، أو اقترض شيئًا؛ وجَبَ عليه ردُّ ما أخذ إلى أربابه، فإن جاء أربابُه إلى دار الإسلام بأَمانٍ أو إِيمانٍ؛ ردَّه عليهم، وإلا بَعَثَ به إليهم، لأنَّه أخَذَه على وجهٍ مُحَرَّمٍ عليه أخذُه، فلزِمَه رَدُّه، كما لو أخَذَهُ من مالِ مسلمٍ». (٢)
وقال العلامة المَرْغينانيُّ ﵀ (٣): «وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرًا؛ فلا يحلُّ له أن يتعرَّض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم، لأنَّه ضمِنَ أنْ لا يتعرَّض لهم بالاسْتِئْمانِ، فالتَّعرُّض بعد ذلك يكون غدرًا، والغدر حرامٌ». (٤)
стр. 82
فإذا تقرَّرَ هذا؛ فالواجب على المسلم إِنْ سرقَ مال الكافر الذي استأمنه؛ أن يردَّه إلى صاحبه، ولا يجوزُ له التصرفُ والانتفاعُ به:
قال العلامةُ أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ ﵀ (١): «إنْ دخل مسلمٌ دار الحرب بأمانٍ، فسرق منهم مالاً، أو اقترض منهم مالاً، وعاد إلى دار الإسلام، ثم جاء صاحب المال إلى دار الإسلام بأمانٍ؛ وجب على المسلم ردُّ ما سرق، أو اقترض، لأنَّ الأمان يوجب ضمان المال في الجانبَيْن، فوجب ردُّه». (٢)
قال السرخسيُّ ﵀: «فإنْ غلب العدوُّ على مال المسلمين فأَحْرزُوه (٣)، وهناك مسلمٌ تاجرٌ مستأمَنٌ؛ حلَّ له أنْ يشتريه منهم، فيأكل الطعام من ذلك، ويطَأَ الجاريةَ، لأنَّهم ملكوها بالإحراز؛ فالتحقتْ بسائر أملاكهم، وهذا بخلاف ما لو دخل إليهم تاجرٌ بأمانٍ فسرق منهم جاريةً وأخرجها؛ لم يحلَّ للمسلم أن يشتريها منه، لأنَّه أحرزَها على سبيل الغدر، وهو مأمورٌ بردِّها عليهم
стр. 83
فيما بينه وبين رَبِّه، وإِنْ كان لا يُجبره الإمامُ على ذلك، لأنَّه غَدَرَ بأمان نفسه، لا بأمان الإمام. فأمَّا هاهنا هذا المِلْكُ تامٌّ للَّذي أحرزَها، بدليل أنَّه لو أسلم، أو صار ذميًّا؛ كانت سالمةً له، ولا يُفتَى بردِّها. فلهذا حلَّ للمشتري منه وطؤُها، وهذا للفقه الذي قلنا: إنَّ العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام تنعدم عند تمام إحراز المشركين إيَّاها، وهذا بخلاف ما إذا كانت مدبَّرةً، أو أُمَّ ولدٍ، أو مكاتبَةً (١). فإنَّها لم تصرْ مملوكةً بالإحراز، فلا يحلُّ للتَّاجر أن يشتريها منهم، ولا أن يطأَها، ألا ترى أنَّهم لو أسلموا، أو صاروا ذمةً؛ وجب عليهم ردُّها على المالك القديم، فتكون على مِلْكِه كما كانت». (٢)
وقال العلامة النَّوويُّ ﵀ (٣): «دخلَ مسلمٌ دارَ الحرب بأمانٍ،
стр. 84
فاقترض منهم شيئًا، أو سرَقَ، وعاد إلى دار الإسلام؛ لزمه ردُّه، لأنَّه ليس له التعرُّضُ لهم إذا دخلَ بأمانٍ». (١)
стр. 85
الأثر الثاني:
معاملة الكفار على أساس أنَّهم يملكون أموالهم مِلْكًا صحيحًا،
ولا يجوز للمسلم أن يستولي عليها إلا بوجهٍ أذن به الشَّرع الحنيف
إنَّ النَّاظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يجدُ أنَّ ما يحوزه ابنُ آدم حيازةً صحيحةً؛ يُضاف إليه إضافة مِلْكٍ، ويُعامل على أساس ذلك، لا فرقَ في ذلك بين مسلم وكافرٍ، ولا بين صالحٍ وطالحٍ.
فقد أضاف الله تعالى في مواضع كثيرة أموال المسلمين إليهم، وأضاف في مواضع أخرى أموال الكفَّار إليهم، وأخبر أنَّ كلَّ فريقٍ يُنفقُ من «ماله»، وأنَّه سيحاسَبُ يومَ القيامة على أساس ذلك، فقال تعالى في الفريق الأول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال في الفريق الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]. (١)
وبهذا جاءت السنَّة النبويَّة؛ فقد عُلم علمًا يقينيًّا لا شكَّ فيه أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه الكرام كانوا يعاملون الكفار على هذا الأساس، فلا يستحلُّون
стр. 86
أموالهم بمجرَّد كفرهم، بل كانوا يعتقدون أنَّهم مالكون لها، فيعاملونهم على أساس ذلك في البيوع والقروض والأمانات والهبات وغيرها.
وجملة ذلك أنَّ الكافر لا يخلو أن يكون واحدًا من هذه الأصناف الأربعة:
الأول: أهل الذِّمَّة الذين يقيمون في بلاد الإسلام بعقد أمانٍ مؤبَّدٍ.
الثَّاني: أهل الأمان الذين دخلوا بلاد الإسلام بأمان خاصٍّ لمدَّةٍ معيَّنةٍ.
الثَّالث: أهل عهدٍ وسِلْمٍ وهم في دارهم، وهؤلاء قسمان:
الأول: بينهم وبين أهل الإسلام هدنة ومسالمة، فدارهم دار عهد بالنسبة للدولة الإسلامية ورعاياها.
الثاني: بينهم وبين أهل الإسلام حرب، فدارهم دار حرب للدولة الإسلامية ورعاياها، لكن يدخل إليهم بعض الأفراد أو الجماعات من المسلمين بعقد أمانٍ خاصٍّ، فتكون تلك الدار ـ بالنسبة إليهم ـ دارَ سِلْمٍ وأمانٍ لهم (١).
الرَّابع: أهل الحرب، سواء كانوا في دارهم، أو دخلوا في دار الإسلام من غير عهدٍ ولا أمانٍ.
فمن كان من الصنفين الأولين فهو معصوم الدَّم والمال؛ باتفاق الفقهاء.
ومن كان من الصنف الرابع فلا عصمة لدينه وماله، باتفاق الفقهاء أيضًا، وكيف يكون لنفس العدوِّ المحارب ولماله حُرمَة، وقد انتهك كلَّ حُرمةٍ بمحاربته لأهل الإسلام، وسعيه في النيل من أنفسهم وأموالهم وأعراضهم؟!
ومن كان من الصنف الثالث ـ من أيِّ قسميه كان ـ فالواجب على المسلم الالتزام بموجبات عقد الأمان، فيحرم عليه التعدي على دمائهم وأموالهم،
стр. 87
سواء قلنا: إنَّ موجب ذلك عقد الأمان فقط؛ كما هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ﵏. أو قلنا: إنَّ المسلم لا يجوز له التعدي على دم الكافر ولا الاستيلاء على ماله إلا بسببٍ مشروعٍ، حتَّى إن كان حربيًّا، فأموال الكفار الحربيين لا تحلُّ إلا في ميدان الحرب والقتال غنيمةً للمسلمين. وهذا الذي يُفهم من أقوال جماهير الفقهاء، وهو الصواب الذي تؤيِّده الأدلة الشرعية والسيرة النبوية مع المخالفين، فقد كان النبيُّ ﷺ وصحابته الكرام يلقون أعداءهم المشركين الحربيِّين في غير ميدان القتال، فلا يبادرون إلى سفك دمائهم ولا مصادرة أموالهم، بل يعاملونهم على أساس أنَّهم يملكون ما تحت أيديهم، فيشترون منهم، ويقبلون هديَّتهم.
وقد كان أهل مكَّة يُودِعونَ عند رسول الله ﷺ أماناتهم، لما يعلمون من صدقه وأمانته ﷺ (١)، فلم يخيِّب رسول الله ﷺ ظنَّهم فيه، ولا ضيَّع أماناتهم، رغمَ تلك الظروف الشديدة التي أحاطت به وأهمَّته، فقد اجتمعَتْ كلمةُ أكابر قريش ومجرميها على قتله ﷺ ، فلم يكن له إلا أن يتعجَّل الخروج من مكة سرًّا ومعه أبو بكرٍ الصديق ﵁، فأمرَ ابنَ عمِّه: عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁؛ أن يقيم بعدَه في مكَّة ثلاث ليالٍ وأيامها، حتَّى يؤدِّيَ عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للنَّاس، حتَّى إذا فَرَغَ منها لَحِقَ رسولَ الله ﷺ (٢).
وفي هذا دليلٌ ظاهرٌ على أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يستحلُّ أموال الكفار لِمُجَرَّدِ كفرهم، ولا يُجيز خيانتهم والغدر بهم؛ وإن كانوا في دار حربٍ
стр. 88
وعداوةٍ، ومن قومٍ بالغوا في الاعتداء والإيذاء، وسعوا في السجن والتعذيب أو القتل أو التشريد؛ كما كان حال مشركي قريش معه ﷺ .
ومن الأحاديث الدَّالة على هذا ـ أيضًا ـ:
حديثُ عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق ﵄ قال: كُنَّا مع النبي ﷺ ثلاثينَ ومئةً، ثم جاء رجلٌ مشركٌ، مُشْعانٌّ طويلٌ (١)، بغنمٍ يسوقها، فقال النبيُّ ﷺ : «أَبَيْعًا أم عطيةً؟» أو قال: «أم هبةً؟» فقال: لا، بل بيعٌ. فاشترى منه شاةً. (٢)
ففي هذا الحديث أنَّه ﷺ كان في سريَّةٍ مع أصحابه، فلقوا مشركًا فلم يستحلُّوا مالَه ودمَه، مع أنَّهم كانوا في حال حربٍ مع المشركين، كما قال الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀: «كلُّ موضعٍ ـ سوى مدينة رسول الله ﷺ ـ فقد كان ثغرًا، ودار حربٍ، ومغزَى جهادٍ». (٣)
وبوَّب البخاريُّ ﵀ على الحديث بقوله: «باب: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب». (٤)
وقال ابن بطَّال ﵀ (٥): «الشراء والبيع من الكفَّار
стр. 89
ـ كلِّهم (١) ـ جائزٌ، إلا أنَّ أهل الحرب لا يُباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدَّة والسلاح، ولا ما يقْوَوْنَ به عليهم». (٢)
وقال العينيُّ ﵀ (٣): «فيه جواز بيع الكافر، وإثباتُ مِلْكِه على ما في يده». (٤)
ثم أورد البخاريُّ بابًا آخر فقال: «باب: شراء المملوك من الحربيِّ وهبته وعتقه. وقال النبيُّ ﷺ لسلمانَ: «كاتِبْ!» (٥) وكان حُرًّا فظلموه وباعوه، وسُبِيَ عمَّارٌ وصُهيبٌ وبلالٌ. وقال الله تعالى: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون﴾ [النحل: ٧١]».
وأورد البخاري تحته أربعةَ أحاديث، وهي: قصةُ إبراهيم الخليل ﵊، وفيها قبولُه هبةَ الملِكِ الكافرِ. وتحاكمُ سعدِ بن أبي وقاصٍ وعَبْدِ بن زَمْعَةَ إلى النبيِّ ﷺ في غلامٍ ولد في الجاهليَّة، وادَّعى ابنُ زَمْعَةَ أنَّه أخاه وُلد على فراش أبيه مِن أَمَته. وخبرُ صهيبٍ ﵁ في سرقته وبيعه وهو صبيٌّ. وحديثُ حكيم بن حزام ﵁ في تحنُّثه في الجاهلية بالصِّلة والعَتَاقَة والصَّدقة، فسأل: هل لي فيها أجْرٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «أسلَمْتَ على ما أَسلفْتَ مِنَ الخَيْر». (٦)
стр. 90
قال ابنُ بطَّال ﵀: «غرض البخاريِّ في هذا الباب ـ والله أعلم ـ إثبات مِلْك الحربيِّ والمشرك، وجواز تصرُّفه في مِلْكه بالبيع والهبة والعتق، وجميع ضروب التَّصرف؛ إذ قد أقرَّ النبيُّ ﵇ سلمانَ عند مالكه من الكفَّار، فلم يُزِل ملكه عنه، وأمره أن يكاتِبَ، وقد كان حرًّا وأنَّهم ظلموه وباعوه، ولم ينقض ذلك مِلْكَ مالكه، وكذلك كان أمرُ عمَّارٍ وصهيبٍ وبلالٍ، باعهم مالكوهم الكفار من المسلمين، واستحقُّوا أثمانَهم وصارت مِلْكًا لهم، ألا ترى أنَّ إبراهيم ﵇ قَبِلَ هبةَ المَلِكِ الكافر، وأنَّ عبدَ بنَ زمعة قال للنبيِّ ﷺ : هذا ابنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ على فراشه. فأثبتَ لأبيه أمَةً ومِلْكًا عليه في الجاهلية، فلم ينكر ذلك النبيُّ ﵇، وسماعه الخصامَ في ذلك دليلٌ على تنفيذ عهد المشرك، والحكم له إنْ تحوكم فيه إلى المسلمين، وكذلك جوَّزَ ﵇ عِتْقَ حَكيمِ بن حزامٍ وصدقَتَه في الجاهلية». (١)
وقال ابن حجر ﵀: «موضع الترجمة من الآية قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النَّحل: ٧١]؛ فأثبت لهم مِلْكَ اليمين، مع كون ملكهم غالبًا كان على غير الأوضاع الشرعية. وقال ابنُ المنَيِّر: مقصودُه صحة ملك الحربيِّ، وملك المسلم عنه. والمخاطب في الآية المشركون، والتَّوبيخ الذي وقع لهم بالنسبة إلى ما عاملوا به أصنامهم من التعظيم، ولم يعاملوا ربَّهم بذلك، وليس هذا من غرض هذا الباب». (٢)
وفي حديث صُلح الحديبية: أنَّ المغيرة بن شُعبة ﵁ كان صحِبَ قومًا في الجاهلية، فقتَلَهم، وأخذ أموالَهم، ثم جاء فأسلَم؛ فقال النبيُّ ﷺ : «أمَّا الإسلامُ فأَقْبَلُ، وأما المالُ فلستُ منه في شيءٍ» (٣).
стр. 91
قال ابن القيِّم ﵀ (١): «في قول النبيِّ ﷺ للمغيرة: «أما الإسلامُ فأقبل، وأما المال فلست منه في شيءٍ»؛ دليلٌ على أن مال المشرك المعاهد معصومٌ، وأنه لا يُملَكُ، بل يردُّ عليه، فإنَّ المغيرة كان قد صحبهم على الأمان، ثم غدر بهم، وأخذ أموالهم، فلم يتعرَّض النبيُّ ﷺ لأموالهم، ولا ذبَّ عنها، ولا ضمِنَها لهم؛ لأنَّ ذلك كان قبل إسلام المغيرة». (٢)
وقال ابن حجر ﵀: «قوله: «وأمَّا المالُ فلست منه في شيءٍ». أي: لا أتعرَّض له، لكونه أخذه غدرًا، ويستفاد منه: أنه لا يحلُّ أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا، لأنَّ الرِّفْقةَ يُصطَحَبون على الأمانة، والأمانة تؤدَّى إلى أهلها مسلمًا كان أو كافرًا، وأن أموال الكفار إنما تحلُّ بالمحاربة والمغالبة (٣)، ولعل النبيَّ ﷺ ترك المال في يده لإمكان أن يُسلم قومُه، فيردَّ إليهم أموالَهم. ويستفاد من القصة: أنَّ الحربيَّ إذا أتلف مالَ الحربيِّ لم يكن عليه ضمانٌ، وهذا أحدُ الوجهين للشافعية». (٤)
стр. 92
ومن دلائل هذا الأصل قولُه تعالى ـ في بني قريظةَ الذين نقضوا العهدَ، وناصروا الأحزابَ على المسلمين، فأمر الله نبيَّه ﷺ بمقاتلتهم لغدرهم وخيانتهم ـ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]؛ فأضاف الله تعالى الأرضَ والدِّيارَ والأموالَ إليهم، وأخبر أنَّه سبحانَه قد ورَّثها المسلمينَ نتيجةً لتلك الحرب.
قال الإمام الشَّافعيُّ ﵀: «إذا كاتبَ الحربيُّ عبدَه في دار الحرب، ثم خرَجَا مستأمَنَيْن؛ أُثبتُ الكتابة بينهما، إلا أن يكون السيِّدُ أحدثَ لعبده قهرًا على استعباده وإبطال كتابته، فإِنْ فَعَلَ؛ فالكتابةُ باطلة». (١) فقال العلامة الماورديُّ في شرحه: «وهذا كما قال، وأصلُ ذلك أنَّ أهل الحرب يملكون ملكًا صحيحًا عند الشافعيِّ. وقال مالكٌ: لا يملكون. وقال أبو حنيفة: يملكون ملكًا ضعيفًا. وفي قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾؛ دليلٌ كافٍ، لأنَّه أضاف ذلك إليهم إضافةَ مِلْكٍ تامٍّ». (٢)
وقال الماورديُّ ـ أيضًا ـ: «الكافرُ صحيحُ المِلْكِ كالمسلم لقول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾؛ فأضافَها إليهم إضافةَ مِلْكٍ». (٣)
وقال الإمام ابن حزمٍ ﵀: «وما وهَبَ أهلُ الحرب للمسلمِ الرَّسولِ إليهم، أو التَّاجرِ عندهم؛ فهو حلالٌ، وهِبَةٌ صحيحةٌ، ما لم يكن مالَ مسلمٍ أو ذمِّيٍّ،
стр. 93
وكذلك ما ابتاعه المسلمُ منهم فهو ابتياعٌ صحيحٌ؛ ما لم يكن مالاً لمسلمٍ أو ذميٍّ، لأنَّهم مالكون لأموالِهم ـ ما لم ينتزِعْها المسلمُ منهم ـ بقول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾؛ فجعلَها الله تعالى لهم إلى أَنْ أورَثَنا إيَّاها، والتَّوريثُ لا يكون إلا بالأَخذ والتَّملُّك، وإلا فلم يورِّث بعدَما لم تقدِرْ أيدينا عليه، وإنَّما جعل الله تعالى أموالَهم للغانم لها، لا لكلِّ مَنْ لم يغنمها». (١)
وقال الإمام ابنُ قدامة المقدسيُّ ﵀: «وإنْ أعتق حربيٌّ حربيًّا، فله عليه الولاءُ؛ لأنَّ الولاء مُشَبَّهٌ بالنَّسَب، والنَّسب ثابتٌ بين أهل الحرب، فكذلك الولاءُ. وهذا قولُ عامَّة أهل العلم، إلا أهل العراق، فإنَّهم قالوا: العتق في دار الحرب والكتابة والتَّدبير لا يصحُّ، ولو استولَدَ أمَتَه، لم تصرْ أُمَّ وَلَدٍ؛ مسلمًا كان السيدُ أو ذميًّا أو حربيًّا. ولنا: أنَّ ملكهم ثابتٌ بدليل قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فنسبَها إليهم، فصحَّ عتقهم كأهل الإسلام، وإذا صحَّ عتقهم ثبَتَ الولاءُ لهم؛ لقول النبيِّ ﷺ : «الوَلاءُ لمَنْ أَعتَقَ». (٢) فإنْ جاءَنا المعتَقُ مسلمًا، فالولاءُ بحاله» (٣).
وقال ابنُ قدامة ـ أيضًا ـ: «وإنْ كاتب الحربيُّ عبدَه؛ صحَّت كتابتُه،
стр. 94
سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ؛ لأنَّ ملكه ناقص. وحُكي عن مالكٍ أنه لا يملكُ؛ بدليل أنَّ للمسلم تملُّكه عليه. ولنا: قولُ الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾؛ وهذه الإضافةُ إليهم تقتضي صحَّةَ أملاكِهم، فتقتضي صحةَ تصرفاتِهم». (١)
стр. 95
الأثر الثالث:
أنَّ المسلم في بلاد الكفَّار يجب عليه الالتزامُ
بأحكام الدِّين كما يجب عليه في بلاد الإسلام
إنَّ الله تعالى لم يخلقنا عبثًا، ولا تركنا هملاً، بل جعل لوجودنا غرضًا محدَّدًا واضحًا، وهو إقامة العبودية لله بتوحيده في الاعتقاد والقول والعمل، وطاعَتِه بامتثال ما أَمَرَ، والانتهاء عمَّا نَهَى عنه وزَجَرَ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة]
وهذه العبودية تستوعبُ حياةَ الإنسان كلَّها، منذ أن يبلغ سنَّ التَّكليف حتَّى آخر لحظةٍ من حياته، فبهذا أمرَ الله تعالى نبيَّه الكريمَ ﷺ ـ وهو أمرٌ له ولأتباعه مِن بعده ـ فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وبه أيضًا أوصَى الأنبياءَ السابقينَ، كما قال المسيحُ عيسى ابنُ مريم ﷺ : ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١].
وهي عبوديَّة تلازم العبدَ المسلم في جميع الأزمان والأماكن والأحوال، فلا تقتصر على أوقاتٍ دون غيرها، ولا تتحدَّد بمواضعَ دون سواها، ولا تتعلَّق بأحوالٍ عدا سائر الأحوال، فالله تعالَى ربُّ الأزمان والأماكن والأحوال كلِّها، والعبدُ خاضعٌ لربوبيَّته دائمًا وأبدًا، ليس بخارجٍ عنها، فكذلك لا يجوز له الخروج عن عبادة ربِّه وطاعته، ولا التقصيرُ فيهما بأيِّ وجهٍ من الوجوه؛ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
стр. 96
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩].
قال الإمام ابن كثير ﵀ (١): «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدِّقين برسوله: أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك». (٢)
قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ (٣): «هذا أمرٌ من الله تعالى للمؤمنين أنْ يدخلوا ﴿في السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي: في جميع شرائع الدِّين، ولا يتركوا منها شيئًا، وأن لا يكونوا مِمَّن اتَّخذ إلَهه هواه، إن وافق الأمرُ المشروعُ هواه فعلَه، وإن خالَفَه تركَه، بل الواجب أن يكون الهوى تبعًا للدِّين، وأن يفعل كلَّ ما يقْدِرُ عليه من أفعال الخير، وما يعجز عنه يلتَزِمُه وينوِيه، فيُدرِكُه بنيَّتِه. ولما كان الدُّخول في السِّلم كافَّةً لا يُمكِنُ ولا يُتصوَّر إلا بمخالفة طُرُق الشَّيطان قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: في العمل بمعاصي الله ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ والعدوُّ المبين لا يأمر إلا بالسُّوء والفحشاء، وما به الضَّرر عليكم.
стр. 97
ولما كان العبدُ لا بدَّ أن يقع منه خلَلٌ وزلَلٌ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: على علمٍ ويقينٍ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفيه من الوعيد الشَّديد والتَّخويف ما يوجب ترك الزَّلل، فإنَّ العزيزَ القاهرَ الحكيمَ إذا عصاه العاصي قهَرَه بقوَّته، وعذَّبه بمقتضى حكمته، فإنَّ من حكمته تعذيبَ العصاةِ والجناةِ». (١)
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]؛ فمن اتَّقى الله تعالَى بكلِّ استطاعته، وبذل الجهد في ذلك حتَّى مماته؛ فقد اتَّقى ربَّه العظيمَ حقَّ تُقاته.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: «أنْ يُطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر». (٢)
стр. 98
والأدلة من الكتاب والسنة على هذا الأصل كثيرةٌ جدًّا، وهو ـ في الجملة ـ أمرٌ معلومٌ من دين الإسلام بالضَّرورة، فكلُّ من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا ورسولاً؛ يعلم ـ علمَ يقينٍ ـ أنَّه مكلَّفٌ بدين الله تعالى وشرعه في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وعلى أحواله كلِّها، في خاصَّة نفسه ومع النَّاس جميعًا، ومن هنا قال الإمام الشافعيُّ ﵀: «ومِمَّا يعقِلُه المسلمون، ويجتمعون عليه: أنَّ الحلالَ في دار الإسلام حلالٌ في بلاد الكفر، والحرامَ في بلاد الإسلام حرامٌ في بلاد الكفر، فمن أصاب حرامًا فقد حدَّه الله على ما شاء منه، ولا تضعُ عنه بلادُ الكفر شيئًا». (١)
تحقيق القول في مذهب الحنفية في إباحة الربَّا وغيره في دار الحرب
وبعد تقرير ما تقدَّم؛ لا بدَّ أن نحقِّق القول في مسألة إباحة الحنفيَّة لبعض المعاملات المالية المحرَّمة للمسلم المقيم في بلاد الكفَّار، فإنَّ بعض من رقَّ دينهم، وتمكَّن حبُّ الدنيا من قلوبهم فجعلوا تتبُّع الرُّخص والأقوال الشاذَّة ديدنهم؛ قد استخرجوا رأي الحنفيَّة من بطون الكتب، واستعملوه على غير وجهه، واستغلوه أسوأ استغلال، فأفتوا من أقام من المسلمين في بلاد الكفَّار بجواز معاملتهم بالربَّا المحرَّم! فأقول ـ وبالله تعالى التوفيق ـ:
على الباحث المنصف أن ينظر أولاً في كلام الحنفيَّة في هذه المسألة، ثم يجتهد في فهمها وَفْقَ مقصِدهم ومرادهم، لينتهي بذلك إلى التصور الصحيح، والحكم العادل.
стр. 99
وها أنا أورد بعض نصوصهم، ثم أعقبها بالتلخيص والمناقشة:
قال السَّرَخْسِيُّ ﵀: «وإنْ بايعهم المستأمَن إليهم الدِّرهم بالدِّرهمين نقدًا أو نسيئةً، أو بايعهم في الخمر والخنزير والميتة؛ فلا بأسَ بذلك في قول أبي حنيفة ومحمَّدٍ رحمهما الله تعالى. ولا يجوز شيءٌ من ذلك في قول أبي يوسف ﵀ (١)؛ لأنَّ المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثُما يكون، ومن حكم الإسلام حرمةُ هذا النوع من المعاملة، ألا ترى أنه لو فعله مع المستأمَنين منهم في دارنا لم يجزْ فكذلك في دار الحرب. وهُمَا يقولان: هذا أخذ مال الكافر بطِيبَةِ نفسه. ومعنى هذا: أنَّ أموالهم على أصل الإباحة، إلا أنه ضمِنَ أن لا يخونهم فهو يسترضيهم بهذه الأسباب للتحرُّز عن الغدر، ثم يأخذ أموالهم بأصل الإباحة، لا باعتبار العقد، وبه فارَقَ المستأمنين في دارنا؛ لأنَّ أموالَهم صارتْ معصومةً بعقد الأمان، فلا يمكنه أخذُها بحكم الإباحة، والأخذُ بهذه العقود الباطلة حرامٌ». (٢)
стр. 100
وقال الكاسانيُّ ﵀ (١): «وأما شرائط جريان الرِّبا: فمنها: أن يكون البَدَلان معصُومين، فإن كان أحدهما غير معصومٍ لا يتحقَّق الرِّبا عندنا. (٢) وعند أبي يوسفٍ: هذا ليس بشرطٍ، ويتحقَّق الربا.
وعلى هذا الأصل يُخرَّج ما إذا دخل مسلمٌ دار الحرب تاجرًا، فباع حربيًّا درهمًا بدرهمين ـ أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة في حكم الإسلام (٣) ـ: أنه يجوز عند أبي حنيفة ومحمدٍ. وعند أبي يوسف: لا يجوز.
وعلى هذا الخلافِ: المسلمُ الأسيرُ في دار الحرب أو الحربيُّ الذي أسلم هناك، ولم يهاجر إلينا فبايع أحدًا من أهل الحرب.
وَجْهُ قول أبي يوسف: أنَّ حرمة الربا كما هي ثابتةٌ في حقِّ المسلمين فهي ثابتةٌ في حقِّ الكفَّار؛ لأنَّهم مخاطبون بالحُرُمات في الصَّحيح من الأقوال (٤)، فاشتراطه في البيع يوجب فسادَه، كما إذا بايع المسلمُ الحربيَّ المستأمَنَ في دار الإسلام.
стр. 101
ولهما: أنَّ مال الحربيِّ ليس بمعصومٍ بل هو مباحٌ في نفسه، إلا أنَّ المسلمَ المستأمَنَ مُنِعَ من تملُّكه من غير رضاه لما فيه مِنَ الغدر والخيانة، فإذا بَذَلَه باختياره ورضاه؛ فقد زال هذا المعنَى، فكان الأخذُ استيلاءً على مالٍ مباحٍ غير مملوكٍ. وأنَّه مشروعٌ مفيدٌ للمِلْكِ، كالاستيلاء على الحطَبِ والحشيش. وبه تبيَّن أنَّ العقد هاهنا ليس بتملُّكٍ، بل هو تحصيلُ شرط التملُّك، وهو الرِّضَى. لأنَّ ملك الحربيِّ لا يزول بدونه، وما لم يَزُلْ مِلْكُه لا يقع الأخذُ تملكًا، لكنَّه إذا زال فالملك للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء لا بالعقد، فلا يتحقَّق الرِّبا، لأنَّ الربا اسمٌ لفضلٍ يُستفاد بالعقد. بخلاف المسلم إذا باع حربيًّا دخل دار الإسلام بأمانٍ؛ لأنه استفاد العصمةَ بدخوله دار الإسلام بأمانٍ، والمال المعصوم لا يكون محلاً للاستيلاء، فتعيَّن التملكُ فيه بالعقد، وشرط الربا في العقد مفسدٌ» (١).
وبالنظر والتأمُّل في هذين النَّصَّين نخلُص إلى ما يلي:
أولاً: إنَّ الحنفيَّةَ قد بنَوا رأيهم هذا على مبدإِ أنَّ أصل علاقة الدولة الإسلامية بغيرها قائمٌ على الحرب والمدافعة، وكان هذا رأي عامَّة الفقهاء في زمانه حيث كانت العلاقة بين الدول قائمة على الحرب والمدافعة والمغالبة، والمهادنة العارضة لم تكن لتزيل ذلك الأصل في العلاقة (٢)، لهذا قال
стр. 102
السَّرَخْسِيُّ ﵀: «ولو أنَّ أهل دارٍ من أهل دار الحرب وادَعُوا أهل الإسلام، فدخل إليهم مسلمٌ، وبايعهم الدرهم بدرهمين لم يكن بذلك بأسٌ. لأنَّ بالموادعة لم تَصِرْ دارُهم دار الإسلام، وإنَّما يَحرُمُ على المسلمين أَخْذُ مالِهم بغير طيبِ أنفسِهم، لما فيه من غدر الموادعة، فإذا استرضاهم بهذه المعاملة فقد انعدم معنى الغدر، ولهذا طاب له ما أخذ» (١).
ومن هنا فمن دخل تلك الدار بأمانٍ ترتَّب على دخوله ـ عند الحنفية ـ أمران:
الأول: الالتزام بموجبات عقد الأمان، فلا يخونُهم، ولا يغدر بهم. وقد ذكرنا نصوص أئمة الحنفيَّة في تقرير هذا، وهم أكثر الفقهاء توثُّقًا في هذه المسألة.
الثاني: أنَّ أهل دار الحربِ وإن أعطوا الأمان لمسلمٍ أو لجماعةٍ من المسلمين؛ فهم لا يزالون حربيِّين في أصل علاقتهم مع المسلمين، وقد تقدَّم أن العدوَّ المحاربَ لا حرمةَ له في دمه ولا في ماله، لهذا فإنَّ المسلم الذي يدخل ديار أهل الحرب؛ لا يرى لهم أيَّ حرمةٍ، ويودُّ لو تمكَّن من أنفسهم وأموالهم، لكن يمنعه من ذلك التزامه بعقد الأمان، فلو قُدِّر تمكُّنه من أخذ بعض مالهم بوسيلةٍ لا تنافي موجبات الأَمان؛ لبادر إلى ذلك!
ثانيًا: إنَّ رأي الحنفيَّة في جواز التعامل بالربا ونحوه في دار الحرب مبنيٌّ على التأصيل السابق، أي: جواز استيلاء المسلم على مال عدوِّه المحارب له، وبما أنَّه مقيَّد بعقد الأمان فلا يمكنه الاستيلاء عليه بالغدر والخيانة؛ فإنَّه يجوز له أن يستولي عليه بطرقٍ يرتضيها عدوُّه الذي أمَّنه، ومن ذلك: أن يبذل له بعض ماله بعقدٍ يرتضيه؛ لكنَّه في حكم الشريعة محرَّم. والمسلمُ حينما يباشر ذلك العقد فإنَّه لا يستحلُّه، بل لا يعدُّه عقدًا صحيحًا ملزمًا، وإنَّما وسيلةً للاستيلاء
стр. 103
على مالٍ، يجوز له الاستيلاء عليه بالقَهْرِ والغَصْبِ؛ لولا عقد الأمان.
ثالثًا: أمَّا إذا كان مال الكافر معصومًا، لا يحلُّ للمسلم الاستيلاء عليه؛ فلا يحلُّ له معاملته بالربَّا ولا بغيره من العقود المحرَّمة، لأنَّه إذا نال منه بذلك بعض ماله؛ فقد ناله بعقدٍ محرَّمٍ، وليس لكونه مستباحًا له. فهذا فرقٌ مهم بين الحالتين، نورد توضيحه من كلام أحد فقهاء الحنفية.
قال الكرابيسيُّ ﵀ (١): «حربيٌّ دخل إلى دار الإسلام بأمانٍ، فبايعه مسلمٌ درهمًا بدرهمين لم يجزْ، ولو أنَّ مسلمًا دخل دار الحرب بأمانٍ فبايعهم درهمًا بدرهمين جازَ؛ إن كان مال كلِّ واحدٍ على الإباحة، وقد رضي بتمليكه عليه. والفَرْقُ في أنَّ المسلمَ بدخوله دار الحرب آمنًا لم يصرْ لهم عاقدًا عقد الأمان، بدليل أنَّ غيره من المسلمين لو قتلهم وأخذ أموالهم مَلَكَه، وكان له ذلك، إلا أنَّ هذا المسلم وعد ألا يأخذ مالهم إلا برضاهم، فيجب أن يفي بما وعد، فبقي مالُهم على الإباحة، فإذا توصَّل إلى أخذه من غير نقضِ عهدٍ برضاهم جازَ. وأما الحربيُّ إذا دخل دارنا بأمانٍ؛ فقد عقدنا له عقد الأمان، بدليل أنَّ كل واحدٍ من أهل دارنا إذا أخذ مالَه لا يملكه، فخرج مالُه من أن يكون على حقيقة الإباحة، فصار مالاً مُحْرَزًا بأيدي المسلمين، فلا يملكه المسلمُ بالقَهْرِ، وإنَّما يملكه بالعقد، وتمليك درهم بدرهمين بالعقد يكون رِبًا، فلم يَجُزْ». (٢)
رابعًا: وممَّا تقدَّم يتبيَّن أن البحث عند الحنفيَّة منحصِرٌ في استيلاء المسلم على مال الكافر الحربيِّ بوجهٍ من الوجوه المحرَّمة، بخلاف بذل المسلم مالَه
стр. 104
للكافر، فإنَّهم يصرِّحون بتحريمه، لأنَّ مال المسلم معصومٌ، فلا يجوز له بذله ـ ولو برضاه ـ في وجهٍ محرَّمٍ.
قال ابنُ الهُمَام ﵀ (١): «إلا أنَّه لا يخفى أنَّه إنَّما يقتضي حلَّ مباشرة العقد إذا كانت الزيادة ينالُها المسلمُ، والرِّبا أعمُّ من ذلك إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان من جهة المسلم ومن جهة الكافر، وجواب المسألة بالحلِّ عامٌّ في الوجهين، وكذا القمارُ قد يفضي إلى أن يكون مال الخَطَرِ للكافر بأن يكونُ الغَلَبُ له. فالظَّاهر أنَّ الإباحة تفيد نيل المسلم الزيادةَ، وقد التزم الأصحاب في الدَّرْسِ (٢): أنَّ مرادَهم من حلِّ الرِّبا والقمار ما إذا حصلت الزيادةُ للمسلم نظرًا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه، والله أعلم بالصواب». (٣)
ونقله ابنُ عابدين الدمشقيُّ ﵀ (٤) وأيَّده بقوله: «ويدلُّ على ذلك ما في «السِّير الكبير» وشرحه حيث قال: «وإذا دخل المسلمُ دار الحرب بأمانٍ؛ فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم، بأيِّ وجهٍ كان، لأنَّه إنَّما أخذ المباح على وجه عَريَ عن الغدر، فيكون ذلك طيِّبًا له، والأسير والمستأمن سواء، حتى لو باعهم درهمًا بدرهمين، أو باعهم ميتةً بدراهم، أو أخذ مالاً
стр. 105
منهم بطريق القمار؛ فذلك كلُّه طيِّبٌ له». انتهى ملخصًا (١). فانظر كيف جعل موضوع المسألة الأخذ من أموالهم برضاهم، فعُلمَ أن المراد من الربا والقمار ـ في كلامهم ـ ما كان على هذا الوجه، وإن كان اللفظ عامًّا، لأن الحكم يدور مع علته غالبًا». (٢)
خامسًا: ويتبيَّن بما تقدَّم أنَّ الحنفيَّة لم يقولوا باستحلال المحرَّمات في دار الكفر، ولا خطر ببالهم أنَّ المسلم المقيم فيها يجوز له التحلُّل من الشريعة، وانتهاك الحرمات، بل صرَّحوا بتحريم الربَّا بين المسلمين في تلك الدِّيار، لأنَّ العبرة بعصمة المال، لا بالدَّار:
قال السرخسيُّ ﵀: «وأمَّا التَّاجران من المسلمين في دار الحرب؛ فلا يجوز بينهما إلا ما يجوز في دار الإسلام، لأنَّ مال كلِّ واحدٍ منهما معصومٌ متقوَّمٌ، وأنَّ ذلك يثبت بالإحراز بدار الإسلام، ولا ينعدم معنَى الإحراز بالاستئمان إليهم، ولهذا يضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما مالَ صاحبه إذا أتلفه، وإنَّما يتملَّك كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه بالعقد الذي باشره، ولا يجوز إثبات عقدٍ لم يباشراه بينهما مِن هبةٍ أو غيرها». (٣)
وبهذه النقاط الخمس تتجلَّى لنا حقيقةُ مذهب الحنفيَّة في هذه المسألة، فمن زعم أنَّهم يستحلُّون المحرمات في دار الكفر؛ فقد أعظمَ الفريةَ عليهم، ومن أفتَى بجواز شراء المسلم دارًا فيها، يدفع ثمنها بأقساط ربويَّة، وزعم أن ذلك مذهب الحنفية؛ فقد أعظم الفرية عليهم، وخان أمانةَ العلم والفتوى. (٤)
стр. 106
تفنيدُ قولِ الحنفيَّة:
لقد تبيَّن لنا أنَّ رأي الحنفيَّة واردٌ في صورةٍ محدَّدةٍ، قد تكون موضع اجتهادٍ ونظرٍ، ومع ذلك فإنَّ عامَّة الفقهاء من السَّلف والخلف لم يسلِّموا به، بل ردُّوه ونقضوه، لخلوِّه من الدَّليل والبرهان، ومخالفته لأصول الشريعة وقواعدها الكليَّة:
قال الإمام عبدُ الرَّحمن بن عمرٍو الأوزاعيُّ ﵀ (١): «الرِّبا عليه حرامٌ في أرض الحرب وغيرها، لأنَّ رسولَ الله ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلامُ من ذلك، وكان أول ربًا وضعَهُ ربا العبَّاس بن عبد المطلب ﵁ (٢). فكيف يستحلُّ المسلمُ أكلَ الرِّبا في قومٍ قد حرَّم الله عليه دماءَهم وأموالَهم (٣)، وقد كان المسلم يُبايع الكافرَ في عهد رسول الله ﷺ ؛ فلا يستحلُّ ذلك (٤)».
стр. 107
هذا النصُّ نقلَه الإمامُ أبو يوسف القاضي ﵀ تلميذُ أبي حنيفة وصاحبه ـ، وقال: «القول ما قال الأوزاعيُّ، لا يحلُّ هذا عندَنا، ولا يجوزُ. وقد بلغتنا الآثارُ التي ذكر الأوزاعيُّ في الرِّبا، وإنَّما أَحلَّ أبو حنيفة هذا لأنَّ بعض المشيخة حدَّثنا عن مكحولٍ: عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «لا ربا بين أهل الحرب» قال أبو يوسف: «وأهل الإسلام».». (١)
ونقل الإمامُ الشافعيُّ ﵀ كلامَ الأوزاعيِّ وتعليقَ أبي يوسف، ثم قال: «القولُ كما قال الأوزاعيُّ وأبو يوسف، والحُجَّةُ كما احتجَّ الأوزاعيُّ. وما احتجَّ به أبو يوسف لأبي حنيفةَ ليس بثابتٍ، ولا حُجَّةَ فيه». (٢)
وقال الماورديُّ ﵀: «فإذا تقرَّر أنَّ الربا حرامٌ؛ فلا فرقَ في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب. فكلُّ عقدٍ كان ربًا حرامًا بين مسلمين في دار الإسلام؛ كان ربًا حرامًا بين مسلم وحربيٍّ في دار الحرب، سواء دخل المسلم إليها بأمان أو بغير أمان ... والدلالةُ على أنَّ الربا في دار الحرب حرام كتحريمه في دار الإسلام: عمومُ ما ذكرنا من الكتاب والسنة، ثم من طريق المعنَى والعِبْرَة: أنَّ كل ما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار
стр. 108
الشرك؛ كسائر الفواحش والمعاصي، ولأنَّ كل عقد حَرُمَ بين المسلم والذميِّ حَرُمَ بين المسلم والحربيِّ كدار الإسلام، ولأنَّه عقدٌ فاسدٌ فوجب ألا يستباح به المعقود عليه كالنِّكاح. فأمَّا احتجاجُه بحديث مكحولٍ فهو مرسلٌ، والمراسيل عندنا ليست حجةً. فلو سُلِّمَ لهم لكان قوله: «لا ربا» يحتمل أن يكون نفيًا لتحريم الرِّبا، ويحتمل أن يكون نفيًا لجواز الرِّبا. فلم يكن لهم حَمْلُهُ على نفي التَّحريم إلا ولنا حَمْلُه على نفي الجواز، ثم حملُنا أولَى لمعاضدة العموم له. وأمَّا احتجاجُه بأنَّ أموالَهم يجوز استباحتها بغير عقدٍ فكان أولى أن تستباح بعقدٍ؛ فلا نُسلِّم إذا كانت المسألةُ مفروضةً في دخوله إليهم بأمانٍ، لأنَّ أموالهم لا تستباح بغير عقدٍ، فكذا لا يستبيحها بعقدٍ فاسدٍ. ولو فرضت المسألة مع ارتفاع الأمان لما صحَّ الاستدلالُ من وجهٍ آخرَ، وهو أنَّ الحربيَّ إذا دخل دار الإسلام جاز استباحةُ ماله بغير عقدٍ، ولا يجوز استباحته بعقدٍ فاسدٍ. ثم نقول: ليس كل ما استبيح منهم بغير عقدٍ جاز أن يُستباح منهم بالعقد الفاسد، ألا ترى أن الفروج يجوز استباحتها منهم بالفيء من غير عقدٍ ولا يجوز استباحتها بعقد فاسد؟! فكذا الأموال، وإن جاز أن تُستباح منهم بغير عقد لم يجز أن تُستباح بالعقد الفاسد». (١)
وقال أبو بكر ابنُ العربيِّ المالكيُّ ﵀: «إنَّ ما يجوز أخذه بوجهٍ جائزٍ في الشرع من غلَّة وسرقة في سَريَّة، فأمَّا إذا أعطى من نفسه الأمانَ، ودخل دارهم؛ فقد تعيَّن عليه أَنْ يفيَ بألا يخونَ عهدَهم، ولا يتعرَّض لمالهم، ولا لشيءٍ من أمرهم، فإنْ جوَّز القومُ (٢) الرِّبا؛ فالشَّرع لا يُجوِّزه. فإن قال أحدٌ: إنَّهم لا يخاطبون بفروع الشريعة؛ فالمسلمُ مخاطبٌ بها». (٣)
стр. 109
وقال ابنُ قدامة ﵀: «ويحرُمُ الرِّبا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام. وبه قال مالكٌ (١)، والأوزاعيُّ، وأبو يوسف، والشافعيُّ، وإسحاق (٢). وقال أبو حنيفة: لا يجري الرِّبا بين مسلمٍ وحربيٍّ في دار الحرب. وعنه: في مسلمَيْن أسلما في دار الحرب لا ربا بينهما. لما روَى مكحولٌ: عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا ربا بين المسلمينَ وأهل الحرب في دار الحرب». ولأنَّ أموالَهم مباحةٌ، وإنَّما حظَرَها الأمانُ في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحًا. ولنا: قولُ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وعمومُ الأخبار يقتضي تحريم التَّفاضُل، وقوله ﷺ : «مَنْ زادَ أو ازْدَادَ فقد أَرْبَى». (٣) عامٌّ، وكذلك سائرُ الأحاديث. ولأنَّ ما كان محرَّمًا في دار الإسلام كان محرَّمًا في دار الحرب، كالربا بين المسلمين. وخبرُهم مرسلٌ لا نعرف صحَّته، ويحتمل أنه أراد النَّهي عن ذلك، ولا يجوز تركُ ما ورد
стр. 110
بتحريمه القرآنُ، وتظاهرت به السنَّة، وانعقد الإجماعُ على تحريمه؛ بخبرٍ مجهولٍ، لم يردْ في صحيحٍ، ولا مسندٍ، ولا كتابٍ موثوقٍ به، وهو مع ذلك مرسَلٌ محتمَلٌ. ويحتمل أنَّ المراد بقوله: «لا ربا» النهي عن الربا، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وما ذكروه من الإباحة منتقَضٌ بالحربيِّ إذا دَخَلَ دارَ الإسلامِ، فإنَّ مالَه مباحٌ، إلا فيما حظَرَهُ الأمانُ، ويمكن حمله بين المسلمين على هيئة التَّفاضُل، وهو محرَّمٌ بالإجماع، فكذا هاهنا». (١)
تنبيه
وأختم هذا المبحث بالتنبيه على أمرين مكمِّلَين وموضِّحَين لما سبق:
الأَوَّلُ: أنَّ هذه المسألة مبنيَّة على ما سبق شرحه من اتفاق الفقهاء على لزوم صفة الحرب لكلِّ دارِ كفرٍ (٢)؛ فهذه الصفة موجبةٌ ـ عندهم ـ لاستباحة تلك الدار. وقد اتَّفقُوا ـ هنا ـ على أنَّ العهد مزيلٌ لتلك الاستباحة بقَدْرِ نُفُوذِهِ، ثم اختلفوا فيما لم يكن للعهد نفوذٌ فيه، وهو صفة الحرب. وقد شرحنا وجه عدم تصوِّرهم إمكان زوالها، وبيَّنا أنَّ زوالها قد تحقَّق في هذا العصر بما التزمتْ به الدُّوَلُ من عهودٍ ومواثيقَ في أن تكون العلاقات بينها على أساس السِّلْم ابتداءً وأصالةً. وهذا مستوجِبٌ لنفوذِ أثَرِ العهدِ بإطلاقٍ، ويحقِّقُ زوالَ صفة الحرب ابتداءً وأصالةً. ويؤكِّد هذا ما بعده.