Полный текст (424 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(مُقَدّمَة)
الْحَمد لله الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ.
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، الْقَائِل فِي كِتَابه: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ .
وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمنزل عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ ، أَي بمخالفتكم لسنته الَّتِي سنّهَا لكم، وبارتكابكم الْمُنْكَرَات والبدع والمخالفات، والمنزل عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم، فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ .
أولو الْأَمر: هم الْعلمَاء الآمرون بِالْمَعْرُوفِ الناهون عَن الْمُنكر الحاكمون بِمَا أنزل الله، وَإِلَّا فَلَا سمع وَلَا طَاعَة: ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ ، أَي إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله، لَا إِلَى آراء الرِّجَال وأفهامهم فَإِنَّهَا ظلمات، وَمن لم يحكم ويتحاكم فِي محَال النزاع إِلَى كتاب الله وَسنة الرَّسُول الْأَعْظَم فَلَيْسَ مُؤمنا بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر، ذَلِك لِأَن الْمُؤمنِينَ: ﴿إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ ، وَأما هَؤُلَاءِ فَإِذا ﴿قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله، وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾
اللَّهُمَّ صلى وَسلم على من كرمته تكريما، وعظمته تَعْظِيمًا وشرفته تَشْرِيفًا لَا يضاهي بِقَوْلِك: (فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يحكمون فِيمَا شجر بَينهم، ثمَّ
стр. 2
لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ ، وَلذَلِك أقسم ﷺ بقوله: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ، فَلَا يكون الْإِنْسَان مُؤمنا إِلَّا إِذا قدم قَوْله ﷺ على أَقْوَال أهل الأَرْض جَمِيعًا حَتَّى الرُّسُل والأنبياء، فَمن لم يرض وَلم يقدم ويعظم وَيكرم ويفضل مَا جَاءَ عَن الرَّسُول الْأَعْظَم وَيَرْفَعهُ فَوق الفوق وعَلى كل مَا سواهُ يهدر دَمه، وَيَمُوت كَافِرًا، كَمَا جَاءَ عَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَيْهِ ﷺ فَقضى للمحق على الْمُبْطل، فَقَالَ المقضى عَلَيْهِ: لَا أرْضى، فذهبا إِلَى أبي بكر فَأقر مَا قضى بِهِ الرَّسُول الْأَعْظَم ﷺ ، ثمَّ ذَهَبا إِلَى عمر فقصا عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَضرب عمر رَأس الَّذِي أَبى قبُول حكم الرَّسُول ﷺ فَقتله، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ الْآيَة.
فإياكم ثمَّ إيَّاكُمْ أَن تشاقوا الرَّسُول، احْذَرُوا وَعِيد: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ ، وَاعْلَمُوا أَن فِي هَذِه الْآيَة دَلِيلا على أَن كل مَا يَقُول باستحسان بِدعَة فِي الدّين يكون لَهُ نصيب وافر، وجزء كَبِير من الْوَعيد الْمَذْكُور فِيهَا، إِذْ استحسانه للبدعة، وحثه النَّاس على التَّعَبُّد بهَا مَا هُوَ إِلَّا مشاقة ومصادمة لهَذِهِ الْآيَة وَلقَوْله ﷺ : " وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة. وَلقَوْله ﷺ : " من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد " فمتفق عَلَيْهِ. وَلِهَذَا ولاه الله مَا تولى، أَي تَركه فِي ضلاله وطغيانه كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ ، ثمَّ يصليه جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله وَاتَّقوا الله إِن الله سميع عليم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض
стр. 3
أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾ ، ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ .
فيا عباد الله أقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأَطيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون، ﴿قل أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم مَا حملتم، وَإِن تطيعوه تهتدوا وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ ، يَا أَيهَا النَّاس ﴿من يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ .
أَيهَا الْمُسلمُونَ كلكُمْ تدعون محبَّة الله وَرَسُوله فَإِن كَانَت دعواكم صَحِيحَة فاتبعوا كتاب الله وَسنة رَسُوله، ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .
وَاعْلَمُوا أَن ﴿من يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ ، ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ .
وَأما: ﴿من يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ .
كَانَ رَسُول الله ﷺ يخْطب النَّاس على الْمِنْبَر وَيَقُول: " أما بعد: فَإِن اصدق الحَدِيث كتاب الله. وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة ". رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، زَاد النَّسَائِيّ: " وكل ضَلَالَة فِي النَّار " وروى أَبُو دَاوُد وَغَيره عَن الْعِرْبَاض ابْن سَارِيَة ﵁ أَنه قَالَ: " صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم ثمَّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت مِنْهَا الْعُيُون ووجلت مِنْهَا الْقُلُوب، فَقَالَ قَائِل: يَا رَسُول الله، كَأَنَّهَا موعظة مُودع، فَمَاذَا تعهد إِلَيْنَا؟ قَالَ:
стр. 4
أوصيكم بتقوى الله، والسمع وَالطَّاعَة، وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد حبشِي، فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا، فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين تمسكوا بهَا، وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ، وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة ". وَفِي الْمسند وصحيح مُسلم عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد "، وروى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ أَنه قَالَ: سِتَّة لعنتهم ولعنهم الله وكل نَبِي مجاب: الزَّائِد فِي كتاب الله، والمكذب بِقدر الله، والمتسلط بالجبروت فيعز بذلك من أذلّ الله ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله، والتارك لسنتي ".
وَفِي البُخَارِيّ: " جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي ﷺ فَلَمَّا أخبروا كَأَنَّهُمْ تقالوها، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحن من النَّبِي ﷺ ؟ قد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر، قَالَ أحدهم: أما أَنا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْل أبدا، وَقَالَ آخر: أَنا أَصوم الدَّهْر وَلَا أفطر، وَقَالَ آخر: أَنا أعتزل النِّسَاء فَلَا أَتزوّج أبدا، فجَاء رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَنْتُم الَّذين قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أما وَالله إِنِّي لأخشاكم لله أَتْقَاكُم لَهُ، لكني أَصوم وَأفْطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النِّسَاء. فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني ". وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَنهُ ﷺ : " فإياكم وَمَا ابتدع فَإِن مَا ابتدع ضَلَالَة ".
وَلَقَد كَانَ الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَشد النَّاس حرصا على الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وأشدهم عَدَاوَة وبغضا للبدع وَأَهْلهَا. فقد قَالَ الصّديق ﵁: (أشهد أَن الْكتاب كَمَا نزل، وَأَن الدّين كَمَا شرع، وَأَن الحَدِيث كَمَا حدث، وَأَن القَوْل كَمَا قَالَ، وَأَن الله هُوَ الْحق الْمُبين. وَقَالَ أَيْضا فِي خطْبَة لَهُ: أَيهَا النَّاس إِنِّي قد وليت عَلَيْكُم بِخَيْرِكُمْ، فَإِن رَأَيْتُمُونِي على حق فَأَعِينُونِي، وَإِن رَأَيْتُمُونِي على بَاطِل فسددوني. أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فِيكُم، فَإِذا عصيته فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم، أَلا إِن أقواكم عِنْدِي الضَّعِيف حَتَّى
стр. 5
آخذ الْحق لَهُ، وأضعفكم عِنْدِي الْقوي حَتَّى آخذ الْحق مِنْهُ. أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم) .
وَفِي خطْبَة أُخْرَى:
(إِنَّمَا أَنا مثلكُمْ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّكُمْ ستكلفوني مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يطيقه، إِن الله اصْطفى مُحَمَّدًا على الْعَالمين وَعَصَمَهُ من الْآفَات، وَإِنَّمَا أَنا مُتبع وَلست بِمُبْتَدعٍ، فَإِن اسْتَقَمْت فتابعوني، وَإِن زِغْت فقوموني) .
وروى الدَّارمِيّ عَن ابْن مَسْعُود: " أَنه رأى جمَاعَة يسبحون ويحمدون وَيُكَبِّرُونَ جمَاعَة، فَقَالَ لَهُم: لقد جئْتُمْ ببدعة ظلما، أوفقتم مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه علما؟ " وروى ابْن عبد الْبر عَن عبد الله بن مُغفل قَالَ: " سمعني أبي وَأَنا أَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم - يَعْنِي فِي الصَّلَاة - فَقَالَ: يَا بني إياك وَالْحَدَث فِي الدّين، فَإِنِّي صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا يَقُولهَا، فَلَا نقلهَا إِذا أَنْت قَرَأت، وَقل: الْحَمد لله رب الْعَالمين، قَالَ: وَلم أر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجلا أبْغض إِلَيْهِ حَدثا فِي الْإِسْلَام مِنْهُ) .
عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " خطّ لنا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا خطا، ثمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيل الله، ثمَّ خطّ خُطُوطًا عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، ثمَّ قَالَ: هَذِه سبل على كل سَبِيل مِنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ " ثمَّ تَلا: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ وَعَن مُجَاهِد: ﴿وَلَا تتبعوا السبل﴾ قَالَ: الْبدع والشبهات، وَعَن عبد الله بن الديلمي قَالَ: (بَلغنِي أَن أول ذهَاب الدّين ترك السّنة، يذهب الدّين سنة سنة، كَمَا يذهب الْحَبل قُوَّة قُوَّة) . وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن حسان قَالَ: " مَا ابتدع قوم بِدعَة فِي دينهم إِلَّا نزع الله من سنتهمْ مثلهَا، ثمَّ لَا يُعِيدهَا إِلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَعَن أبي قلَابَة قَالَ: " مَا ابتدع رجل بِدعَة إِلَّا اسْتحلَّ السَّيْف " وَقَالَ
стр. 6
ابْن مَسْعُود ﵁: " اتبعُوا وَلَا تبتدعوا فقد كفيتم "، وَقَالَ ابْن عَبَّاس لمن سَأَلَهُ الْوَصِيَّة: " عَلَيْك بتقوى الله والاستقامة، اتبع وَلَا تبتدع ". وَقَالَ ابْن عمر: " كل بِدعَة ضَلَالَة وَإِن رَآهَا النَّاس حَسَنَة "، روى هَذِه الْأَخْبَار والْآثَار الإِمَام الدَّارمِيّ فِي سنَنه. وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن حُذَيْفَة قَالَ: " كل عبَادَة لَا يتعبدها أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلَا تعبدوها، فَإِن الأول لم يدع للْآخر مقَالا " وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: أوصيكم بتقوى الله والاقتصاد فِي أمره وَاتِّبَاع سنة رَسُوله ﷺ ، وَترك مَا أحدث المحدثون بعد " رَوَاهُ الدَّارمِيّ أَيْضا. وروى نوح الْجَامِع عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: " عَلَيْك بالأثر، وَطَرِيقَة السّلف، وَإِيَّاك وكل محدثة فَإِنَّهَا بِدعَة "، ذكره ابْن قدامَة فِي كِتَابه - ذمّ التَّأْوِيل - وَقَالَ ابْن الْمَاجشون سَمِعت مَالِكًا يَقُول: من ابتدع فِي الْإِسْلَام بِدعَة يَرَاهَا حَسَنَة فقد زعم أَن مُحَمَّدًا خَان الرسَالَة، لِأَن الله يَقُول: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فَمَا لم يكن يَوْمئِذٍ دينا لَا يكون الْيَوْم دينا. وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀: من اسْتحْسنَ - يَعْنِي بِدعَة - فقد شرع. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵀: أصُول السّنة عندنَا التَّمَسُّك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، والاقتداء بهم وَترك الْبدع، وكل بِدعَة فَهِيَ ضَلَالَة.
فالكتاب وَالسّنة والْآثَار وَالْأَخْبَار تفِيد النَّاظر فِيهَا بتبصر وتدبر أَن كل بِدعَة فِي الدّين صَغِيرَة أَو كَبِيرَة فِي الْأُصُول أَو الْفُرُوع، فِي العقائد أَو الْعِبَادَات أَو الْمُعَامَلَات فعلية أَو قولية أَو تركية، فَهِيَ ضَلَالَة، صَاحبهَا مؤاخذ معاقب عَلَيْهَا فِي النَّار، وبدعته مَرْدُودَة عَلَيْهِ غير مَقْبُولَة مِنْهُ. ذَلِك لقَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ ، وَفِي الحَدِيث: " مَا تركت من شَيْء يقربكم إِلَى الْجنَّة إِلَّا وَقد حدثتكم بِهِ، وَمَا من شَيْء يبعدكم عَن النَّار إِلَّا وَقد حدثتكم بِهِ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَة " تركتكم على الْبَيْضَاء، لَيْلهَا كنهارها، لَا يزِيغ عَنْهَا بعدِي إِلَّا هَالك ".
فحذار حذار إخْوَانِي أَن تتبعوا قَول من يَقُولُونَ باستحسان الْبدع فِي الدّين
стр. 7
أَو بتقسيمها، فَإِنَّمَا مثلهم فِي فهم كَلَام الله وَرَسُوله ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا بئس مثل الْقَوْم﴾ ، لَا تتبعوهم فتكونوا كَالَّذِين سفه الله أحلامهم، فَقَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ﴾ - أَي علماءهم وعبادهم - ﴿أَرْبَابًا من دون الله﴾ . وَقد فَسرهَا النَّبِي ﷺ بقوله " مَا صلوا لَهُم صَلَاة، وَلَا صَامُوا لَهُم يَوْمًا، وَلَكنهُمْ أطاعوهم فِي كل مَا قَالُوهُ، فَتلك كَانَت ربوبيتهم إيَّاهُم "، ونسأل الله أَن يجعلنا وَإِيَّاكُم مِنْهُم.
أما بعد فَإِنِّي كنت عَازِمًا على أَن يكون هَذَا الْكتاب كفهرس فَقَط للتّنْبِيه على بدع الصَّلَوَات والأذكار حبا فِي الِاخْتِصَار وحذرا من التَّطْوِيل وخوفا من كَثْرَة مصاريف الطباعة، وَثقل حمل الدّين على، ثمَّ اقتضاني النصح لإخواني أَن توسعت توسعا هائلا حَتَّى جعلت بعض فُصُول الْكتاب كتبا مُسْتَقلَّة ككتاب نيل المرام فِي فَضَائِل الصَّلَاة وَالسَّلَام على خير الْأَنَام، وَيصْلح الْفَصْل الْعشْرُونَ فِي صلوَات الشُّهُور والأسابيع الْمَوْضُوعَة لِأَن يكون كتابا مُسْتقِلّا، إِذْ بلغت صفحاته أَكثر من خمسين، وَكَذَا الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي الْقُرْآن وهدايته، وَكَذَا الْفَصْل الْأَخير يصلح أَيْضا أَن يكون كتابا ينْتَفع بِهِ الْمُسلمُونَ.
وَسبب ذَلِك لطف وظرف وكرم وتساهل وتسامح صَاحب مطبعة الْمنَار شَيخنَا ومولانا السَّيِّد الإِمَام رشيد رضَا ﵀، ووكيله المحبوب لدينا السَّيِّد عبد الرَّحْمَن عَاصِم حرسه الله وأبقاه ذخْرا للْمُسلمين فَإِنَّهُمَا أعطياني المطبعة والمكتبة كملك لي، وهما كَذَلِك مَعَ كثير من الجمعيات وَلَا غرو فَإِن آل رشيد رضَا أهل لكل بر وإحسان إِذْ هم سلالة سيد ولد عدنان، وهم أهل الدّين وَالتَّقوى وَالْعلم وَالصَّلَاح والإصلاح والورع وَهل عرف النَّاس الْيَوْم حقائق دين الْإِسْلَام إِلَّا بِوَاسِطَة هَذِه الأسرة الجليلة الْمُبَارَكَة الميمونة؟ فَرضِي الله عَنْهُم وأرضاهم وجزاهم عَن إحسانه إِلَيْنَا وَإِلَى الْمُسلمين خير مَا جزى بِهِ عباده الصَّالِحين.
وَقد كنت كتبت فِي غلاف كتابي " المنحة المحمدية " ورسالتي " القَوْل
стр. 8
الْجَلِيّ " مَا نَصه: قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ بعد تأليف كتبه، " لَا بُد وَأَن يُوجد فِي كتبي الْخَطَأ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ ، فَمَا وجدْتُم فِيهَا مِمَّا يُخَالف الْكتاب وَالسّنة فقد رجعت عَنهُ، وَنحن أَيْضا نقُول الْآن بقول هَذَا الإِمَام، ونطالب كَافَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام، بنصحنا وإرشادنا إِلَى مَا يجدونه مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة فِي جَمِيع مؤلفاتنا فَإِن هم فعلوا فَلَا يجدوني إِلَّا رجاعا للحق متقبلا لَهُ وشاكرا لَهُم على جميل صنعهم وَالسَّلَام
وَقلت فِي المنحة: وَقد هدَانَا الله إِلَى معرفَة بعض أَحَادِيث - بعد طبع الْكتاب - لم يحْتَج بهَا، وسنبينها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الطبعة الثَّانِيَة. أه
وَكَانَ سَبَب ذَلِك انتقاد شَيخنَا السَّيِّد رشيد إِمَام الْمُفَسّرين والمحدثين علينا فِي بعض الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة فِي كتَابنَا " المنحة "، وَكَانَ انتقاده هَذَا علينا سَببا فِي كِتَابَة هَذِه الْكَلِمَة، وَفِي اشتغالنا بِعلم الحَدِيث النُّبُوَّة، وبالرد على من كُنَّا نعتقده أكبر رجل. وَقد انتظرت طَويلا من شُيُوخ الْأَزْهَر أَن يردوا عَليّ، كصاحب الْمنَار، أَو يرشدوني إِلَى الطَّرِيق السوي فَلم يَفْعَلُوا، فجزى الله هَذَا الْأُسْتَاذ الْجَلِيل السَّيِّد الإِمَام عني وَعَن الْمُسلمين خير الْجَزَاء.
ويجد الْقَارئ الْكَرِيم قبيل الْفَصْل الْأَخير جملَة أَحَادِيث منقولة من كتاب الْجَامِع الصَّغِير برموزها، وَهَذِه صُورَة رموزها عَن الْكتاب الْمَذْكُور (خَ) للْبُخَارِيّ (م) لمُسلم (ق) لَهما (د) لأبي دَاوُد (ت) لِلتِّرْمِذِي (ن) للنسائي (هـ) لِابْنِ ماجة (٤) لهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة (٣) لَهُم إِلَّا ابْن ماجة (حم) لِأَحْمَد فِي مُسْنده (عَم) لِابْنِهِ عبد الله فِي زوائده (ك) للْحَاكِم (خد) للْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب (تخ) لَهُ فِي التَّارِيخ (حب) لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه (طب) للطبراني فِي الْكَبِير (طس) لَهُ فِي الْأَوْسَط (طص) لَهُ فِي الصَّغِير (ص) لسَعِيد بن مَنْصُور فِي سنَنه (ش) لِابْنِ أبي شيبَة (عب) لعبد الرَّزَّاق فِي الْجَامِع (ع) لأبي يعلى فِي مُسْنده (قطّ) للدارقطني (فر) للديلمي فِي مُسْند الفردوس (حل) لأبي نعيم فِي الْحِلْية
стр. 9
(هَب) للبيهقي فِي شعب الْإِيمَان (هق) لَهُ فِي السّنَن (عد) لِابْنِ عدي فِي الْكَامِل (عق) للعقيلي فِي الضُّعَفَاء (خطّ) للخطيب، وَقد وضع صَاحب الْجَامِع الصَّغِير ثَلَاثَة رموز فِي الْكتاب وَوضع أَمَام كل حَدِيث رمزا مِنْهَا الأول (صَحَّ) إِشَارَة إِلَى صِحَّته، وَالثَّانِي (ح) إِيمَاء إِلَى حسنه، وَالثَّالِث (ض) تنويها بضعفه.
ثمَّ إِنِّي عددت أَحَادِيث الْكتاب فَوَقَعت أَكثر من سَبْعمِائة حَدِيث أَكْثَرهَا صَحِيح وَحسن، والقليل مِنْهَا ضَعِيف، لم أذكرها إِلَّا فِي الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب وَهِي مبينَة. وَقد بلغ عدد السّنَن تِسْعمائَة وَسِتِّينَ سنة. وَعدد الْبدع ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِينَ، وَعدد الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة والخرافات الفاشية أَكثر من مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. وَهَذَا بِخِلَاف مَا زدناه من الْأَبْوَاب والفصول الْكَثِيرَة، التعليقات فِي هَذِه الطبعة الثَّانِيَة، وَهَذَا سفر مبارك جليل إِن شَاءَ الله تَعَالَى سميته (السّنَن والمبتدعات، الْمُتَعَلّقَة بالأذكار والصلوات) .
وَقد قسمت الْكتاب قسمَيْنِ. فالقسم الأول خَاص بسنن وبدع الصَّلَوَات، وَالْقسم الثَّانِي: خَاص بالأذكار الْمَشْرُوعَة والمبتدعة. وذيلته بخطاب عَام لكافة عُلَمَاء الْإِسْلَام دعوتهم فِيهِ إِلَى الْجِهَاد فِي الله وَالْأَمر وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
هَذَا وَإِنِّي أرفع إِلَى رَبِّي أكف الضراعة قَائِلا: (رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين - رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان) وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم) .
اللَّهُمَّ اهدنا لما اخْتلف فِيهِ من الْحق بإذنك إِنَّك تهدي من تشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم. مُحَمَّد أَحْمد عبد السَّلَام.
стр. 10
(وَهَذِه مُقَدّمَة فِي مصطلح الحَدِيث النَّبَوِيّ)
(الحَدِيث الصَّحِيح) : مَا اتَّصل سَنَده بعدول ضابطين بِلَا شذوذ وَلَا عِلّة خُفْيَة.
(الحَدِيث الْحسن) : مَا عرف مخرجه وَرِجَاله، لَا كرجال الصَّحِيح.
(الحَدِيث الضَّعِيف) : مَا قصر عَن دَرَجَة الْحسن، وتتفاوت درجاته فِي الضعْف بِحَسب بعده من شُرُوط الصِّحَّة.
(الحَدِيث الْمَرْفُوع) : مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﷺ من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير، فَيشْمَل الْمُتَّصِل والمنقطع والمرسل والضعيف.
(الحَدِيث الْمَوْقُوف) : مَا قصر على الصَّحَابِيّ من قَول أَو فعل وَلَو مُنْقَطِعًا.
(الحَدِيث الْمَوْصُول) : وَيُسمى الْمُتَّصِل، مَا اتَّصل سَنَده رفعا ووقفا.
(الحَدِيث الْمُرْسل) : مَا رَفعه تَابِعِيّ مُطلقًا إِلَى النَّبِي ﷺ .
(الحَدِيث الْمَقْطُوع) : مَا جَاءَ عَن تَابِعِيّ من قَوْله أَو فعله مَوْقُوفا.
(الحَدِيث الْمُنْقَطع) مَا سقط من رُوَاته وَاحِد قبل الصَّحَابِيّ وَكَذَا بعده من مكانين فَأكْثر، بِحَيْثُ لَا يزِيد السَّاقِط على راو وَاحِد.
(الحَدِيث المعضل) : مَا سقط من رُوَاته قبل الصَّحَابِيّ إثنان فَأكْثر مَعَ التوالي.
(الحَدِيث الْمُعَلق) : مَا حذف من أول إِسْنَاده لَا وَسطه.
(الحَدِيث المدلس) : ثَلَاثَة أَقسَام.
الأول: أَن يسْقط شَيْخه ويرتقي إِلَى شَيْخه، أَو من فَوْقه فيسند عَنهُ ذَلِك بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي الِاتِّصَال صَرِيحًا، بل بِلَفْظ موهم لَهُ: كَأَن يَقُول: عَن فلَان، أَو قَالَ فلَان.
الثَّانِي: تَدْلِيس التَّسْوِيَة بِأَن يسْقط ضَعِيفا بَين ثقتين، فيستوي الْإِسْنَاد
стр. 11
وَيصير كُله ثِقَات، وَهُوَ شَرّ التَّدْلِيس، وَكَانَ بَقِيَّة بن الْوَلِيد أَكثر النَّاس تدليسا بِهَذَا النَّوْع.
الثَّالِث: تَدْلِيس الشُّيُوخ بِأَن يُسَمِّي شَيْخه الَّذِي سمع مِنْهُ بِغَيْر اسْمه الْمَعْرُوف، أَو ينْسبهُ أَو يصفه بِمَا لم يشْتَهر بِهِ.
(الحَدِيث الْغَرِيب) : مَا انْفَرد فِيهِ راو بروايته، أَو بِرِوَايَة زِيَادَة فِيهِ، عَمَّن يجمع حَدِيثه وينقسم إِلَى غَرِيب صَحِيح كالأفراد المخرجة فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَإِلَى غَرِيب ضَعِيف: وَهُوَ الْغَالِب على الغرائب. وَإِلَى غَرِيب حسن، وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ مِنْهُ كثير.
(الحَدِيث الشاذ) : مَا خَالف الرَّاوِي الثِّقَة فِيهِ جمَاعَة الثِّقَات بِزِيَادَة أَو نقص.
(الحَدِيث الْمُنكر) : الَّذِي لَا يعرف مَتنه من غير جِهَة رَاوِيه، فَلَا متابع لَهُ وَلَا شَاهد.
(الحَدِيث المضطرب) : مَا رُوِيَ على أوجه مُخْتَلفَة متدافعة على التَّسَاوِي فِي الِاخْتِلَاف من راو وَاحِد.
(الحَدِيث الْمَوْضُوع) : الْكَذِب على رَسُول الله ﷺ . وَيُسمى المختلق. وَتحرم رِوَايَته مَعَ الْعلم إِلَّا للْبَيَان، وَالله أعلم اه من كتاب أَسْنَى المطالب.
стр. 12
(الْبَاب الأول فِي تَعْرِيف السّنة والبدعة وتقسيمها)
السّنة: لُغَة الطَّرِيقَة والسيرة السُّرَّة، حميدة كَانَت أَو ذميمة، وَالْجمع سنَن مثل غرفَة وغرف. وَشرعا هِيَ مَا بَين بِهِ النَّبِي [ ﷺ ] كتاب الله تَعَالَى بِالْفِعْلِ، فَهِيَ طَرِيقَته المتبعة فِي بَيَان هَذَا الدّين الَّتِي جرى عَلَيْهَا أَصْحَابه قولا وفعلا وتقريراً وتركا، وتنقسم إِلَى وَاجِبَة: كَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ، ومؤكدة كَصَلَاة الْوتر عِنْد دُخُول الْمَسْجِد والكسوفين والركعتين اللَّتَيْنِ أَمر بهما سليك الْغَطَفَانِي والرواتب: كمقبل الظّهْر وَبعدهَا: وَبعد الْمغرب وَالْعشَاء وَقبل الْفجْر، والمندوبة: كالضجعة بعد رَكْعَتي الْفجْر. وكصلاة الضُّحَى والتراويح، وَبَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة والمواظبة على ذكر الله تَعَالَى، وكصيام التَّطَوُّع أَكثر شعْبَان وست من شَوَّال، وَيَوْم عَرَفَة، وتاسوعاء، وعاشوراء، وَالْأَيَّام الْبيض من كل شهر، والإثنين وَالْخَمِيس من كل أُسْبُوع وهلم جرا، وَسنة رَسُول الله [ ﷺ ] فِي المأمورات أَن نأتي مِنْهَا مَا استطعنا، وَفِي المنهيات اجتنابها كلياً، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ ".
(والبدعة) : هِيَ الحَدِيث فِي الدّين بعد الْإِكْمَال، وَمَا استحدث بعد النَّبِي [ ﷺ ] من الْأَهْوَاء والأعمال. وَالْجمع بدع، كعنب كَذَا فِي الْقَامُوس، وَقيل: هِيَ مَا أحدث على خلاف الْحق المتلقى عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَجعل دينا قويماً وسراطاً مُسْتَقِيمًا.
وتنقسم الْبِدْعَة إِلَى دينية ودنيوية: فَكل بِدعَة فِي الدّين ضَلَالَة، كَمَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَصْحَابه، فَلَا يمكننا أَن نغير وَلَا نحرف وَلَا نؤول مَا قَالَ فِيهِ الرَّسُول: إِنَّه ضَلَالَة وَفِي النَّار، إِلَى أَنه مستحسن، لَكنا نقُول:
стр. 13
قد تكون الْبِدْعَة الضَّلَالَة كفرا صراحا، وَقد تكون من كَبَائِر الْمُحرمَات. وَقد تكون من صغائرها، وَلِهَذَا نقُول: إِن الْبِدْعَة الدِّينِيَّة تَنْقَسِم إِلَى أَقسَام أَرْبَعَة.
(الْقسم الأول) : الْبِدْعَة المكفرة، وَهِي كدعاء غير الله من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، والاستغاثة بهم، وَطلب تفريج الكربات، وَقَضَاء الْحَاجَات مِنْهُم، وَهَذِه أعظم بِدعَة كيد بهَا الْإِسْلَام وَأَهله، وَقد فَشَتْ هَذِه الرزية فِي الْمُسلمين حَتَّى قل أَن يسلم مِنْهَا عَالم، فضلا عَن عَامي وجاهل إِلَّا من عصمَة الله. وَلِهَذَا ترى كثيرا مِمَّن ينتسبون للْعلم يؤلفون فِي ذَلِك النّظم والنثر، فَمن ذَلِك قَول بَعضهم:
(يَا سادتي من أمكُم لرغبة فِيكُم جبر ... وَمن تَكُونُوا ناصريه ينتصر)
وَمِنْه:
(يَا كعبة الْأَسْرَار أَنْت غياثنا ... يَا كاشف الكربات يَا شيخ الْعَرَب)
وَمِنْه:
(عساكي أَن تَكُونِي لي مغيثة ... أجيبي لي دعائي يَا أنيسَة)
(وَكَيف أضام إِذْ أَنْت الرئيسة ... وصاحبة الْمَوَاهِب يَا نفيسة)
وَكَذَا قَوْلهم: الْعَارِف لَا يعرف، والشكوى لأهل الْبَصِير عيب، مدد يَا سَيِّدي فلَان، نظرة إِلَيْنَا بِعَين الرِّضَا، راعني أَنا محسوبك، وَكَذَا قَوْلهم: مَلْعُون ابْن مَلْعُون من كَانَ فِي شدَّة أَو فِي ضيق وَلم يقل يَا سِتّ أَو يَا سيد، وَهَذَا هُوَ عين الشّرك الْأَكْبَر.
(الْقسم الثَّانِي) : الْبِدْعَة الْمُحرمَة، وَهِي كالتوسل إِلَى الله بالأموات، وَطلب الدُّعَاء مِنْهُم، وَكَذَا اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد وَالصَّلَاة إِلَيْهَا. وَإِيقَاد السرج عَلَيْهَا وَنذر الشموع والذبائح لَهَا، وَالطّواف بهَا، واستلامها، وَقد عدهَا ابْن حجر الهيتمي فِي كِتَابه الزواجر: من الْكَبَائِر، فَهِيَ بِدعَة ضَلَالَة، لَكِنَّهَا دون الَّتِي قبلهَا.
(الْقسم الثَّالِث) : الْبِدْعَة الْمَكْرُوهَة تَحْرِيمًا وَهِي كصلاتهم فَرِيضَة الظّهْر
стр. 14
بعد الْجُمُعَة، فَإِن هَذَا شرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا رَسُوله، وكقراءة الْقُرْآن بِالْأُجْرَةِ، وكالسبحة، والعتاقة، والختمة الَّتِي يعملونها عَن الْمَيِّت، وكالاحتفال بِدُعَاء لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، وبليلة مولد النَّبِي [ ﷺ ] ، وكرفع الصَّوْت بالصلات وَالتَّسْلِيم عقب التأذين، وكالصلاة الَّتِي يصلونها فِي أَوَاخِر رَمَضَان لتكفير الْفَوَائِت من صلوَات الْعَام الْمَاضِي، وكالجهر بِقِرَاءَة سُورَة الْكَهْف فِي الْمَسَاجِد إِذْ السّنة الْإِسْرَار بهَا وأمثال ذَلِك. وَهَذِه أَيْضا بدع ضلالات كَمَا قَالَ الْمَعْصُوم [ ﷺ ] لَكِنَّهَا دون اللَّتَيْنِ قبلهَا.
(الْقسم الرَّابِع) : الْبِدْعَة الْمَكْرُوهَة تَنْزِيها، وَهِي كالمصافحة فِي أدبار الصَّلَوَات، وَكَذَا تَعْلِيق الستائر على المنابر، وكدعاء عَاشُورَاء وَدُعَاء أول السّنة وَآخِرهَا، وَالله أعلم.
وَقد ذهب كثير من محققي الْعلمَاء إِلَى أَن كل بِدعَة فِي الدّين صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة، فَهِيَ مُحرمَة، وَاسْتَدَلُّوا لذَلِك بالأحاديث الَّتِي جَاءَت فِي ذمّ الْبدع بصيغ الْعُمُوم كَحَدِيث: " فَإِن كل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار، وَحَدِيث: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد "، وَحَدِيث: " من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد "، وَهَذَا مُوَافق لما ذَكرْنَاهُ، لِأَن الْمُحرمَات لَيست كلهَا كَبَائِر وَلَا صغائر، بل مِنْهَا مَا يخرج صَاحبه من الدّين وَالْعِيَاذ بِاللَّه، وَمِنْهَا مَا هُوَ من الْكَبَائِر، وَمِنْهَا مَا هُوَ من الصَّغَائِر، وَمِنْهَا مَا هُوَ دون ذَلِك، وَالله سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿كل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَالله تَعَالَى أعلم.
وتقسيم بعض متأخري الْفُقَهَاء الْبِدْعَة إِلَى خَمْسَة أَقسَام خطأ وَظن: ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ بل هَذَا مِنْهُم مشاقة ومحادة للرسول [ ﷺ ] الْقَائِل: " وكل بِدعَة ضَلَالَة، فَلهم نصيب من الْوَعيد الْمَذْكُور فِي آيَة ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ .
стр. 15
أما الْبِدْعَة فِي الْمصَالح وَالْمَنَافِع الدُّنْيَوِيَّة المعاشية، فَلَا حرج مَا دَامَت نافعة غير ضارة، وَلَا جَارة إِلَى شَرّ يعود على النَّاس، وَلَا ارْتِكَاب محرم، أَو هدم أصل من أصُول الدّين، فَالله سُبْحَانَهُ يُبِيح لِعِبَادِهِ أَن يخترعوا لمصَالح دنياهم وَأُمُور معاشهم مَا شَاءُوا، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى، وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَقَالَ [ ﷺ ] : " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا "، الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، فَإِن لم يحمل هَذَا الحَدِيث على الْمصَالح الكونية كَانَ مَعْنَاهُ أَن يخترع كل ضال زنديق فِي دين الْإِسْلَام مَا شَاءَ، فيزيد فِي رَكْعَات الصَّلَاة وسجداتها وَينْقص مِنْهَا مَا شَاءَ، ويخترع أذكاراً وأدعية وعبادات وصلوات وصياماً غير مَا نَحن عَلَيْهِ، وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ إِفْسَاد الدّين، وإضلال الْمُسلمين، وَهل يتَّفق هَذَا مَعَ قَوْله [ ﷺ ] . " وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار "، وَقَوله [ ﷺ ] : " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وَقَول ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ قَالَ: تبيض وُجُوه أهل السّنة، وَتسود وُجُوه أهل الْبِدْعَة؟ .
هَذَا وعَلى الَّذِي قُلْنَا ينطبق قَول الشَّافِعِي، ﵀، الْبِدْعَة بدعتان، بِدعَة محمودة، وبدعة مذمومة، فَمَا وَافق السّنة فَهُوَ مَحْمُود، وَمَا خَالف السّنة فَهُوَ مَذْمُوم.
(وَقَول) بعض متأخري الْفُقَهَاء. إِن من ترك سنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، يعاتبه النَّبِي [ ﷺ ] يَوْم الْقِيَامَة بقوله: " يَا فلَان لم تركت سنتي؟ "، فَعِنْدَ ذَلِك يتساقط وَجه المعاتب - قَول على الله بِغَيْر علم - وَوُقُوع مثل هَذَا فِي كتب ودروس كثير من أَرْبَاب العمائم عَجِيب وغريب، وَمَا أَدْرِي مَا الَّذِي أعماهم عَن قَوْله [ ﷺ ] : " وَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَقَوله: " سَبْعَة لعنتهم - وَفِيه التارك لسنتي " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَحسنه صَاحب الْجَامِع الصَّغِير وشارحه، مَا أصمهم وأعمى قُلُوبهم وأبصارهم عَن خير الْهدى هَدْيه [ ﷺ ] إِلَّا إعراضهم عَن الْكتاب وَالسّنة!
стр. 16
(الْبَاب الثَّانِي فِي جَوَاز الْبَوْل من قيام وَبَيَان قبح استنكار النَّاس لذَلِك جهلا)
عَن حُذَيْفَة قَالَ: " كنت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] فَانْتهى إِلَى سباطة قوم فَبَال قَائِما فتنحيت، فَقَالَ: ادنه. فدنوت حَتَّى قُمْت عِنْد عَقِبَيْهِ. فَتَوَضَّأ فَمسح على خفيه " رَوَاهُ أَحْمد، وَالْبُخَارِيّ، وَمُسلم، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ. وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه.
أما مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: " نهى عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يَبُول الرجل قَائِما " فَفِيهِ عدي بن الْفضل، وَهُوَ مَتْرُوك.
وَأما رِوَايَة عَائِشَة، ﵂ قَالَت: " من حَدثكُمْ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] بَال قَائِما، فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُول إِلَّا جَالِسا " فَرَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَهِي ضَعِيفَة، وَهَذَا مَحْمُول على مَا وَقع مِنْهُ فِي الْبيُوت. وَأما فِي غير الْبيُوت، فَلم تطلع هِيَ عَلَيْهِ، وَقد حفظه حُذَيْفَة.
وَالْقَاعِدَة أَن كل مَا ورد فِي النَّهْي عَن الْبَوْل من قيام، فَهُوَ ضَعِيف، كَحَدِيث عمر: " رَآنِي النَّبِي [ ﷺ ] . وَأَنا أبول قَائِما، فَقَالَ: يَا عمر لَا تبل قَائِما، فَمَا بلت قَائِما بعد "، وَهَذَا فِيهِ ابْن أبي الْمخَارِق، وَهُوَ ضَعِيف. وكحديث ابْن عمر: " مَا بلت قَائِما مُنْذُ أسلمت " وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا. وَكَذَا حَدِيث " ثَلَاث من الْجفَاء: أَن يَبُول الرجل قَائِما، أَو يمسح جَبهته قبل أَن يفرغ من صلَاته، أَو ينْفخ فِي سُجُوده ".
وَقد ثَبت الْبَوْل من قيام عَن عمر، وَزيد بن ثَابت، وَابْن عمر، وَسَهل
стр. 17
ابْن سعد، وَأنس وَعلي، وَأبي هُرَيْرَة ﵃؛ وَكَذَا ابْن سِيرِين، وَعُرْوَة ابْن الزبير، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الْبَوْل جَالِسا أحب إليَّ. وَقَائِمًا مُبَاح، وَكله ثَابت عَن الرَّسُول [ ﷺ ] ، وَقد حكى الْخطابِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا عَن الشَّافِعِي: أَن الْعَرَب كَانَت تستشفى لوجع الصلب بالبول قَائِما.
(فصل)
فَمن الغباوة والجهالة، إِنْكَار كثير من النَّاس على من يَبُول قَائِما، ويرمونه مرّة بِأَنَّهُ يَبُول كاليهود، وَمرَّة يَقُولُونَ: إِنَّه يرفع رجله ويبول كَالْكَلْبِ، وَيَحْتَقِرُونَهُ وينتقصونه بعد ذَلِك، مَعَ أَنه على الْحق وهم على الْبَاطِل وَهُوَ على سنة، وهم على جَهَالَة وبدعة.
نعم، يجب على البائل من قيام أَن يستر عَوْرَته عَن أعين النَّاس، وَأَن يخْتَار مَكَانا رخواً، لِئَلَّا يُصِيبهُ الرشاش " وَأَن لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة، وَأَن لَا يُقَابل الرّيح " فَإِن فعل ذَلِك وَأفهم هَؤُلَاءِ وأصروا على الْإِنْكَار عَلَيْهِ. فليبل عَلَيْهِم.
وَمن غَرِيب مَا يَقع: أَن بعض النَّاس يذهبون بأبنائهم الصغار الَّذين يَجدونَ مِنْهُم نشاطاً إِلَى مراحيض بعض المقبورين الْمَشَايِخ من الْأَمْوَات، فيسقونهم من دورة الْمِيَاه، وَمن حِيَاض المراحيض راجين لأبنائهم بذلك الْهِدَايَة وَحُصُول بركَة المقبور.
(الْبَاب الثَّالِث فِي بعض سنَن الِاسْتِنْجَاء والاستجمار وبدعهما)
السّنة لقَاضِي الْحَاجة أَن يَقُول؟ ؟ دُخُوله مَا صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه كَانَ يَقُوله إِذا دخل الْخَلَاء: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث "
стр. 18
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَصْحَاب السّنَن، ثمَّ يدْخل بِشمَالِهِ، وَعند الْخُرُوج يخرج بِيَمِينِهِ، وَيَقُول مَا جَاءَ عَنهُ [ ﷺ ] : " الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني " روى النَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد، وَأَصْحَاب السّنَن: " أَنه [ ﷺ ] ، كَانَ إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ: غفرانك، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، أما زِيَادَة: وَلَا عذابك بعد قَوْلهم غفرانك، فَزِيَادَة فِي الدّين، وَجَهل وبدعة يَنْبَغِي تَركهَا.
وَصَحَّ فعل النَّبِي [ ﷺ ] للاستجمار بالأحجار، كَمَا صَحَّ استنجاؤه بِالْمَاءِ، فَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود، ﵁، قَالَ: " أَتَى النَّبِي [ ﷺ ] الْغَائِط، فَأمرنِي أَن آتيه بِثَلَاثَة أَحْجَار، فَوجدت حجرين، والتمست الثَّالِث فَلم أَجِدهُ، فَأخذت رَوْثَة فَأَتَيْته بهَا فَأخذ الحجرين وَألقى الروثة وَقَالَ: هَذَا ركس " زَاد أَحْمد، وَالدَّارَقُطْنِيّ: " ائْتِنِي بغَيْرهَا " وَفِي البُخَارِيّ أَيْضا عَنهُ [ ﷺ ] : " وَمن استجمر فليوتر " وَفِي مُسلم عَن سلمَان: لقد نَهَانَا رَسُول الله [ ﷺ ] أَن نستقبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل. أَو أَن نستنجي بِالْيَمِينِ. أَو أَن نستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار. أَو أَن نستنجي برجيع أَو عظم، فالإستجمار ثَابت فِي الصِّحَاح. وَالسّنَن. والمسند. والموطأ وَغَيرهم. وَفِي أَقْوَال أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة. وَجَمِيع الطوائف من أهل الْإِسْلَام. وَقد قَالَ التِّرْمِذِيّ وَغَيره: حَدِيث سلمَان. حَدِيث صَحِيح. وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ] وَمن بعدهمْ. رَأَوْا أَن الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ يُجزئ وَإِن لم يسْتَنْج بِالْمَاءِ، إِذا أنقى أثر الْغَائِط وَالْبَوْل. أه.
стр. 19
إِذا فهمت هَذَا فَاعْلَم أَن من الْجَهْل والبدعة اعْتِقَاد أَن صَلَاة المتسجمر بالأحجار مَعَ وجود المَاء بَاطِلَة، وَقد سرى هَذَا الِاعْتِقَاد الْفَاسِد إِلَى كثير من أهل الْعلم، فَيَنْبَغِي الإقلاع عَنهُ، وَمن قَالَ: إِن الِاسْتِجْمَار لَا يجوز إِلَّا عِنْد فقد المَاء يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا عذر؛ وَنقل عَن مَالك أَنه أنكر استنجاء النَّبِي [ ﷺ ] بِالْمَاءِ وَالْأَحَادِيث قد أَثْبَتَت ذَلِك. فَلَا سَماع لإنكار مَالك، اهـ. مِمَّن سبل السَّلَام.
وَقد ضيق بعض الموسوسين من المتعالين فِي ذَلِك تضييقاً شَدِيدا، حَتَّى زعم بَعضهم أَن الْمُصَلِّي إِذا وضع يَده على مصل بجواره مستجمر بالأحجار بطلت صلَاته، لِأَنَّهُ وَضعهَا على متلبس بِالنَّجَاسَةِ بِزَعْمِهِ الْبَارِد الْفَاسِد، الْمُخَالف لقَوْل وَفعل المشرع الْمَعْصُوم [ ﷺ ] وصحابته.
وَحَدِيث: " من أحدث وَلم يتَوَضَّأ فقد جفاني وَمن أحدث وَتَوَضَّأ وَلم يرْكَع فقد جفاني. وَمن أحدث وَتَوَضَّأ وَركع وَدَعَانِي فَلم أجبه فقد جفوته، وَلست بِرَبّ جَاف، مَكْذُوب مفترى على رَسُول الله [ ﷺ ] كَمَا قَالَه الْعَلامَة الصَّنْعَانِيّ فِي رسَالَته.
وَلم يكن رَسُول الله [ ﷺ ] يصنع شيئاُ مِمَّا يصنعه المبتلون بالوسواس من السلت ونتر الذّكر، والنحنحة والقفز ومسك الْحَبل وطلوع الدرجَة وحشو الْقطن فِي نخس الإحليل وصب المَاء فِيهِ وتفقده الفينة بعد الفينة والوجور، وكل ذَلِك من بدع أهل الوسواس وَمن كيد الشَّيْطَان.
(الْبَاب الرَّابِع فِي ذكر بعض سنَن الْحيض وخرافات النِّسَاء فِيهِ)
وَطْء الْحَائِض فِي فرجهَا حرَام. لقَوْله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ ، وَلقَوْله [ ﷺ ] : " اصنعوا كل
стр. 20
شَيْء إِلَّا الْجِمَاع "، رَوَاهُ الْجَمَاعَة. وروى البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن مَسْرُوق قَالَ: " سَأَلت عَائِشَة ﵂ مَا للرجل من امْرَأَته إِذا كَانَت حَائِضًا؟ قَالَت: كل شَيْء إِلَّا الْفرج "، وَقد عدهَا ابْن حجر من الْكَبَائِر فِي كِتَابه الزواجر.
(فصل فِي كَفَّارَة من أَتَى حَائِضًا. وَبَيَان أَنَّهَا لَا تَصُوم وَلَا تصلي وَأَنَّهَا تقضي الصَّوْم دون الصَّلَاة)
عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض: " يتَصَدَّق بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار "، رَوَاهُ الْخَمْسَة، وَاخْتلف فِي رَفعه وَوَقفه، وَقَالَ [ ﷺ ] : " تمكث اللَّيَالِي مَا تصلي، وتفطر فِي شهر رَمَضَان، فَهَذَا نُقْصَان دينهَا "، وَرَوَاهُ مُسلم وَعَن معَاذَة قَالَت: " سَأَلت عَائِشَة فَقلت: مَا بَال الْحَائِض تقضي الصَّوْم وَلَا تقضي الصَّلَاة؟ قَالَت: كَانَ يصيبنا ذَلِك مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم. وَلَا نؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة " رَوَاهُ الْجَمَاعَة.
فصل فِي جهالات وخرافات النِّسَاء فِي الْحيض
فَمن ذَلِك: صيامهن رَمَضَان " وَهن حيض. مَعَ تركهن للصَّلَاة وقبيل الْإِفْطَار يَأْخُذن جرعة مَاء. وَهَذَا مِنْهُنَّ حرَام، وتركهن للصَّلَاة كفر.
وَمن ذَلِك أَنَّهُنَّ يأمرن المراهقات مِنْهُنَّ عِنْد أول حَيْضَة باحتضان نَخْلَة أَو زير لتسمن، ويتضخم لَحمهَا، وَهِي خرافة حقيرة.
وَمن ذَلِك: اعْتِقَاد كثير من النَّاس أَن الْحَائِض إِذا مرت فِي مزارع الباذنجان أحرقتها. وَهَذَا جهل فاضح وَكَلَام فارغ سمج.
وَمن ذَلِك: اعتقادهن أَن الْحَائِض إِذا دخلت على من بِعَيْنِه رمد لَا بُد من ذهَاب بَصَره، وَهُوَ اعْتِقَاد بَاطِل أَيْضا.
стр. 21
الْبَاب الْخَامِس فِي مُدَّة النّفاس. وَسُقُوط الصَّلَاة عَن النُّفَسَاء
عَن أم سَلمَة قَالَت: " كَانَت النُّفَسَاء تجْلِس على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكُنَّا نطلي وُجُوهنَا بالورس من الكلف "، رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائِيّ، وعنها قَالَت " كَانَت الْمَرْأَة من نسَاء النَّبِي [ ﷺ ] تقعد فِي النّفاس أَرْبَعِينَ لَيْلَة لَا يأمرها النَّبِي [ ﷺ ] بِقَضَاء صَلَاة النّفاس " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه.
فيتلخص أَن مُدَّة النّفاس أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَلَا صَلَاة على النُّفَسَاء إِلَّا الْأَرْبَعين إِلَّا إِذا انْقَطع الدَّم، وَلَا إِعَادَة عَلَيْهَا، لَا فِي أَيَّام حَيْضهَا، وَلَا فِي أَيَّام نفَاسهَا، بِخِلَاف الصَّوْم فعلَيْهَا بإعادته فيهمَا، وَلَا بُد من ذَلِك، لِأَنَّهُ لم يتَكَرَّر يوميا فَتحصل بإعادته الْمَشَقَّة شهريا. وَإِنَّمَا مشقة إِعَادَة الصَّوْم مرّة سنويا.
فصل فِي خرافات النِّسَاء وبدعهن أَيَّام النّفاس
مَا يكْتب لعسر الْولادَة، ويعلق أَو يمحى وَيشْرب، أَو يرش على بطن الْمَرْأَة كالفوائد الَّتِي فِي مثل كتاب الرَّحْمَة فِي الطِّبّ وَالْحكمَة وتسهيل الْمَنَافِع. وشمس المعارف وَغَيره يجب أَن يعلم أَنه بَاطِل كُله، بل وَكله شرك، وَلَا يجوز الْعَمَل بِهِ؛ وَمَا يرْوى فِي ذَلِك من الْأَحَادِيث فكله واه أَو مَوْضُوع وَالْعَمَل بِهِ ضار على الْعُقُول والمعتقدات والأرواح والأخلاق.
ثمَّ إِن ولدت الْحَامِل ولدا فليلتها بَيْضَاء، الْكل يستبشر؛ ويبرك لَهَا.
стр. 22
ويفرح، ويهنيها، ويعطيها. ويزغردن لَهَا ويصفقن ويرقصن. وَقد يخلع الْبَعْض عمائمهم ويتحزمون بهَا ويرقصون لَهَا، وَإِن ولدت بِنْتا فيا سوء حظها. وَيَا شدَّة بلائها وغمها وحزنها، فكم تسمع هَذِه المسكينة من أَلْفَاظ وقحة بذيئة. من حماتها وأقارب زَوجهَا، كَأَنَّهَا ارتكبت شَرّ جريمة. وَلِهَذَا لَا يُنْفقُونَ عَلَيْهَا بعض النَّفَقَات الْوَاجِبَة. وَالْكل يتَمَنَّى للمولود الْمَوْت. وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَهَا أُخْت أَو أختَان. والغارة الْكُبْرَى تكون عِنْد مَجِيء زَوجهَا آخر النَّهَار. فعندما يعلم بالحادث يطلقهَا ثَلَاثًا. أَو يحلف بِالطَّلَاق ليتزوجن عَلَيْهَا.
فإليك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ نبرأ من هَؤُلَاءِ الَّذين ﴿إِذا بشر أحدهم بِالْأُنْثَى ظلّ وَجهه مسوداً فَهُوَ كظيم، يتَوَارَى من الْقَوْم من سوء مَا بشر بِهِ أيمسكه على هون؟ أم يدسه فِي التُّرَاب. أَلا سَاءَ مَا يحكمون﴾ وَقد ورد فِي الحَدِيث أَنه ﷺ قَالَ: " وَمن ابتلى من هَذِه الْبَنَات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا من النَّار " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي لفظ " من ابتلى بِشَيْء من هَذِه الْبَنَات فَصَبر عَلَيْهِنَّ كن لَهُ حِجَابا من النَّار " وَقَالَ [ ﷺ ] أَيْضا: " من عَال جاريتين حَتَّى تبلغا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنا وَهُوَ - وَضم أَصَابِعه " رَوَاهُ مُسلم. وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: " من عَال جاريتين دخلت أَنا وَهُوَ الْجنَّة كهاتين. وَأَشَارَ بإصبعيه السبابَة وَالَّتِي تَلِيهَا " اللَّهُمَّ وفْق علماءنا لتبليغ هَذَا النُّور للْأمة الَّتِي هم سَبَب جهلها وبلائها وسقوطها.
وَمن هَذِه الخرافات: أَنَّهُنَّ يوجبن الضحك على من ترمي المشيمة الَّتِي يسمينها (الْخَلَاص) هَذَا وَإِلَّا عَاشَ الْمَوْلُود كاشراً عَابِسا. وَالْأَفْضَل عِنْدهن إلقاؤه فِي مَاء جَار. وَهُوَ الْجَهْل الفاضح.
وَمِنْهَا: إيقادهن الشموع لَيْلَة سبوع الْمَوْلُود إِلَى الصَّباح، وإلباسهن الإبريق حلى الذَّهَب، وطبخهن الْأرز بِاللَّبنِ، ورش الدايه للحبوب المخلوطة
стр. 23
مَعَ ذكرهَا لألفاظ تشبه رقية عَاشُورَاء، الَّتِي يقلن فِيهَا: الكتكوت يَأْكُل يطَأ يَمُوت، والعرسة تَأْكُل وتنسى.
(وَمِنْهَا) : أَنَّهُنَّ يشحذن نقوداً للمولود من سَبْعَة أشخاص. كلهم اسْمه مُحَمَّد ليعيش، وَهَذَا حرَام واعتقاد فَاسد.
(وَمِنْهَا) : أَنَّهُنَّ يسمينه إسما قبيحاً ليعيش. كفلفل، وجعلص، وترش، وخيبة، وجحش، وبتلو، أَو يسمينه باسم شيخ من مقدسيهم ليَكُون من محاسيبه.
وَقد يهبنه خَادِم لشيخ من هَؤُلَاءِ أَيْضا فيعيش سادنا شحاذاً على قبر ذَلِك الْمَيِّت، وكل هَذَا حرَام ومخالف لشرائع الْإِسْلَام، بل هدم لأركان هَذَا الدّين القويم.
وَالْمَطْلُوب شرعا أَن نؤذن الْأَذَان الشَّرْعِيّ فِي أُذُنه الْيُمْنَى وَنُقِيم الصَّلَاة فِي أُذُنه الْيُسْرَى عِنْد وِلَادَته، وَأَن نُسَمِّيه إسما حسنا، ونعق عَنهُ يَوْم سابعه، والعقيقية ذبح شَاتين للذّكر. وشَاة للْأُنْثَى، وإطعام الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين مِنْهَا.
(وَمن أباطيلهن) تَعْلِيق الْحجب للأطفال، وَتَعْلِيق الصلبان عَلَيْهِم، وذهابهن إِلَى القسيسين والرهبان لذَلِك. وَهَذَا من الْكَبَائِر، وَالْكفْر الصَّرِيح، وَفِي الحَدِيث: " من تعلق شَيْئا وكل إِلَيْهِ " و " من علق فقد أشرك ".
(وَمن الْجَهَالَة الفاضحة) اعتقادهن أَن النُّفَسَاء إِذا دخل عَلَيْهَا حالق رَأسه أَو لحيته، أَو من يحمل لَحْمًا، أَو بلحاً أَحْمَر أَو باذنجانا، أَو من أَتَى من الْجَنَابَة فَإِنَّهَا (تشاهر بذلك) أَي لَا ينزل لَبنهَا لولدها. وتتأخر عَن مواعيد الْحمل وَلَا تفك هَذِه المشاهرة إِلَّا إِذا جرحت نَفسهَا - أَي الْمَرْأَة الَّتِي دخلت عَلَيْهَا - فتلتقط دَمهَا فِي قِطْعَة من الْقطن؛ ثمَّ تأمرها فتبول القطنة؛ ثمَّ تضعها بعد ذَلِك فِي قُبلها، وَلَا تهدأ ثورتها إِلَّا بذلك. وَلَا شكّ أَن هَذَا الِاعْتِقَاد الْفَاسِد: هُوَ من عوامل سُقُوط الْأُمَم والشعوب، لِأَن النِّسَاء اللَّاتِي شأنهن ذَلِك لَا يستطعن تربية أَبنَاء صالحين للكفاح والنضال عَن الدّين وَالدُّنْيَا:
стр. 24
(وأفضح من هَذِه الْجَهَالَة) : أَن الْمَرْأَة إِذا مَاتَ وَلَدهَا وَدفن، وتعوقت عَن الْحمل. تذْهب إِلَى الْمقْبرَة فتنبش عَلَيْهِ قَبره معتقدة أَن تعويقها عَن الْحمل لم يكن إِلَّا بِسَبَب انقلابه على وَجهه فِي التربة. فتعدله وتتخطاه سبعا. وَتخرج مطمئنة بِأَنَّهَا ستحمل قَرِيبا عِنْدَمَا يَأْتِيهَا العِجْل.
والمعوقة مِنْهُنَّ أَيْضا: إِذا عثرت على قَتِيل حطمه القطار أَو الترام - هرعت إِلَيْهِ مسرعة فتتخطاه سبع مَرَّات لتحمل.
ومنهن من تنقل إِلَى بَيتهَا ذِرَاع كَافِر لتتخطاه إِن احْتَاجَت إِلَيْهِ، وَتَتَصَدَّق بِهِ على المعوقات من النِّسَاء، فَهَل موت لهَؤُلَاء يُبَاع فأشتريه؟
وَإِنَّمَا الْوَاجِب عَلَيْهِنَّ معالجة أرحامهن والالتجاء إِلَى الله بِالدُّعَاءِ كَمَا قَالَ نَبِي الله زَكَرِيَّا ﵇: ﴿رب إِنِّي وَهن الْعظم مني واشتعل الرَّأْس شيبا وَلم أكن بدعائك رب شقيا وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا﴾
فَقَالَ الله لَهُ: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾
الْبَاب السَّادِس فِي أذكار الْوضُوء الْمَشْرُوعَة والممنوعة
أخرج الإِمَام أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد: وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد لين أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " لَا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ " وَقد صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من أَسْبغ الْوضُوء، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " رَوَاهُ مُسلم، وَزَاد التِّرْمِذِيّ بعد التَّشَهُّد: " اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من
стр. 25
المتطهرين " وَزَاد الإِمَام أَحْمد " ثمَّ رفع نظره إِلَى السَّمَاء " وَزَاد ابْن مَاجَه مَعَ أَحْمد قَول ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، وَذكر تَقِيّ ابْن مخلد فِي مُسْنده عَن أبي سعيد مَرْفُوعا " من تَوَضَّأ ففرغ من وضوئِهِ ثمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك، طبع عَلَيْهَا بِطَابع، ثمَّ رفعت تَحت الْعَرْش فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " وروى النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ: " أتيت رَسُول الله [ ﷺ ] بِوضُوء فَتَوَضَّأ فَسَمعته يَقُول وَيَدْعُو: اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي، ووسع فِي دَاري، وَبَارك لي فِي رِزْقِي فَقلت يَا نَبِي الله، سَمِعتك تَدْعُو بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: وَهل تركت من شَيْء؟ " وَقَالَ ابْن السّني بَاب مَا يَقُول بَين ظهراني وضوئِهِ فَذكره كَذَا فِي زَاد الْمعَاد.
وَلَيْسَ من السّنة بل من الْبدع قَوْلهم: الْحَمد لله الَّذِي جعل المَاء طهُورا وَالْإِسْلَام نورا، أَو الْحَمد لله على هَذَا المَاء الطَّاهِر، وَكَذَا (من الْبدع) قَوْلهم: نَوَيْت سنَن الْوضُوء، ونويت فَرَائض الْوضُوء، فَلَا يسْتَحبّ النُّطْق بِالنِّيَّةِ لَا فِي الْوضُوء، وَلَا فِي الْغسْل، وَلَا فِي إِحْرَام الصَّلَاة، وَلَا فِي شَيْء من الْعِبَادَات، بلَى محلهَا الْقلب، وَكَذَا من (الْبدع) قَوْلهم على أَعْضَاء الْوضُوء: اللَّهُمَّ بيض وَجْهي واعطني كتابي بيميني، وَلَا تعطني كتابي بشمالي، وَحرم شعري وجسدي على النَّار، واسمعني أَذَان بِلَال، وَثَبت قدمي الْيَمين الخ فَكل حَدِيث فِي أذكار الْوضُوء فكذب مختلق لم يقل رَسُول الله [ ﷺ ] شَيْئا مِنْهُ وَلَا علمه أمته، وَلَا ثَبت عَنهُ غير مَا تقدم، وَكَذَا (من الْبدع) قَوْلهم: ختمت وضوئي وشرحت ألبي بقولة لَو إوه إِلَّا الله الخ.
(وأذكار السِّوَاك) لم يَصح مِنْهَا شَيْء قطّ.
وَمَا يَفْعَله بعض الشَّافِعِيَّة من مسح شَعْرَة أَو شَعرَات رَأسه جهل بِسنة الرَّسُول لِأَنَّهُ [ ﷺ ] كَانَ يمسح جَمِيع رَأسه فِي أَكثر أحيانه، فَإِن اقْتصر على
стр. 26
الْبَعْض أكمل على الْعِمَامَة، وَقَالَ البُخَارِيّ بَاب مسح الرَّأْس كُله، ثمَّ سَاق صفة وضوئِهِ [ ﷺ ] ، وَأَنه أَدخل يَدَيْهِ فِي المَاء فَمسح رَأسه فَأقبل بهما وَأدبر مرّة وَاحِدَة، وَمسح الرَّأْس ثَلَاثًا خلافًا السّنة الصَّحِيحَة. وتجديد المَاء للأذنين خلاف السّنة الصَّحِيحَة، كَذَا فِي البُخَارِيّ، وَقَوْلهمْ: لَا بُد من نِيَّة الاغتراف قَول على الله بِغَيْر دَلِيل، بل " كَانَ [ ﷺ ] يغْتَسل هُوَ وَعَائِشَة ويغترفان من إِنَاء وَاحِد وهما جنبان ".
والحكاية الْمَشْهُورَة على أَلْسِنَة كثير من النَّاس، ويتشدق بهَا كثير من المتعالمين فِي دروسهم، وَهِي أَن الصَّحَابَة غزوا غَزْوَة، فنال الْكفَّار مِنْهُم، فتساءلوا عَمَّا هجروه من سنَن الْمُصْطَفى [ ﷺ ] فتذكروا السِّوَاك، فاستاكوا بالجريدة فَرَآهُمْ الْعَدو فَوَلوا الأدبار خوفًا مِنْهُم، وَقَالُوا إِنَّهُم يسنون أسنانهم أَي يحدونها ليأكلونا. لَا أصل لَهَا وَإِن تعجب فاعجب من ذكر المتعالمين لهَذِهِ الترهات ونشرها على النَّاس فِي المحافل والدروس مَعَ أَنَّهَا بَاطِلَة.
وَقَوْلهمْ: إِن على الْمُتَوَضِّئ خيمة من نور فَإِذا تكلم رفعت عَنهُ؛ كَلَام بَاطِل وَلَيْسَ من الْحق فِي شي. وَمن العجيب والغريب أَن الشَّيْخ خطابا السُّبْكِيّ يثبت هَذِه الجهالات فِي ديوَان خطبه.
فصل فِي أَحَادِيث بَاطِلَة فِي التَّسْمِيَة والسواك وأذكار الْوضُوء
حَدِيث: يَا أَبَا هُرَيْرَة إِذا تَوَضَّأت فَقل: بِسم الله وَالْحَمْد لله، فَإِن حفظتك لَا تستريح تكْتب لَك الْحَسَنَات حَتَّى تحدث من ذَلِك الْوضُوء " مُنكر.
حَدِيث: " يَا أنس، ادن مني أعلمك مقادير الْوضُوء، فدنوت، فَلَمَّا غسل يَدَيْهِ قَالَ: بِسم الله وَالْحَمْد لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، فَلَمَّا استنجى قَالَ: اللَّهُمَّ
стр. 27
حصن فَرجي، وَيسر لي أَمْرِي؛ فَلَمَّا تَوَضَّأ واستنشق قَالَ: اللَّهُمَّ لقني حجتي وَلَا تحرمني رَائِحَة الْجنَّة. فَلَمَّا غسل وَجهه قَالَ: اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض وُجُوه؛ فَلَمَّا أَن غسل ذِرَاعَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني. فَلَمَّا أَن مسح يَده على رَأسه قَالَ: اللَّهُمَّ أغثنا بِرَحْمَتك وجنبنا عذابك. فَلَمَّا أَن غسل قديمه قَالَ: اللَّهُمَّ ثَبت قدمي يَوْم تزل فِيهِ الْأَقْدَام. ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ يَا أنس مَا من عبد قَالَهَا عِنْد وضوئِهِ لم تقطر من خلل أَصَابِعه قَطْرَة إِلَّا خلق الله تَعَالَى ملكا يسبح الله بسبعين لِسَانا، يكون ثَوَاب ذَلِك التَّسْبِيح لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فِيهِ عبَادَة بن صُهَيْب مِنْهُم وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ. مَتْرُوك.
وَمن الْعجب أَن ينص النَّوَوِيّ على بُطْلَانه وَأَنه لَا أصل لَهُ. ثمَّ يستحسن هَذَا الذّكر فِي كِتَابه الْأَذْكَار.
حَدِيث: " لَا تتوضؤا فِي الكنيف " الخ مَوْضُوع.
حَدِيث: كَانَ [ ﷺ ] إِذا استاك قَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَل سِوَاكِي رضاك عني " مَوْضُوع.
حَدِيث: صَلَاة بسواك خير من سبعين صَلَاة بِغَيْر سواك " قَالَ ابْن معِين: بَاطِل.
حَدِيث: " الْوضُوء على الْوضُوء نور على نور " قَالَ الْعِرَاقِيّ: لم أَجِدهُ.
حَدِيث: " خللوا أصابعكم لَا يتخللها النَّار يَوْم الْقِيَامَة " سَنَده واه.
حَدِيث: " من قَرَأَ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي أثر وضوئِهِ مرّة وَاحِدَة كَانَ من الصديقين وَمن قَرَأَهَا مرَّتَيْنِ كتب فِي ديوَان الشُّهَدَاء، وَمن قَرَأَهَا ثَلَاثًا حشره الله مَعَ الْأَنْبِيَاء "، رَوَاهُ الديلمي. وَقَالَ السُّيُوطِيّ: فِي سَنَد أَبُو عُبَيْدَة مَجْهُول؛ وَقَالَ الشَّيْبَانِيّ: لَا أصل لَهُ، وَقِرَاءَة (ألم نشرح) عقب الْوضُوء لَا أصل لَهَا.
стр. 28
الْبَاب السَّابِع فِي كَيْفيَّة الْغسْل وَمَا ابتدع فِيهِ
جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه [ ﷺ ] : " (كَانَ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة يبْدَأ فَيغسل يَدَيْهِ ثمَّ يفرغ بِيَمِينِهِ على شِمَاله فَيغسل فرجه ثمَّ يتَوَضَّأ، ثمَّ يَأْخُذ المَاء فَيدْخل أَصَابِعه فِي أصُول الشّعْر، ثمَّ حفن على رَأسه ثَلَاث حفنات ثمَّ أَفَاضَ على سَائِر جسده، ثمَّ غسل رجلَيْهِ " وروى مُسلم عَن أم سَلمَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله [ ﷺ ] : " إِنِّي امْرَأَة أَشد شعر رَأْسِي، أفأنقضه لغسل الْجَنَابَة؟ وَفِي رِوَايَة والحيضة؟ قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة قَالَت: " كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله [ ﷺ ] من إِنَاء وَاحِد تخْتَلف أَيْدِينَا فِيهِ من الْجَنَابَة " زَاد ابْن حبَان " وتلتقي أَيْدِينَا ".
ثمَّ النِّيَّة وَاجِبَة ومحلها الْقلب، فَلَا يشرع قَول: نَوَيْت رفع الحدثين الْأَكْبَر والأصغر، إِذْ هُوَ بِدعَة - واعتقاد تحتم - نِيَّة الاغتراف لَا أصل لَهُ بل هُوَ بِدعَة، - وظنهم - أَن مَاء غسل الْجَنَابَة نجس خطأ وَجَهل، وَالْحق أَنه لَا ينجس إِلَّا إِذا بَال المغتسل فِيهِ - وَمن الْجَهْل - ظنهم أَن الْجنب إِذا عمل فِي زراعته أَو صناعته أَو تِجَارَته، يحصل لَهُ أَو لغيره خطر أَو ضَرَر ولابد، وَلذَا ترى كثيرا مِمَّن يَعْتَقِدُونَ هَذَا يفوهون بِهَذَا الْكَلَام لبَعْضهِم كثيرا، وَهَذَا جهل فَاحش - وَكَذَا اعْتِقَادهم - أَن على الْجنب بِكُل خطْوَة لعنة، وَأَنه إِذا دخل على المرمود عميت عينه، وَلم يرج لَهُ شِفَاء، وَأَن الْجنب يمْنَع من حلق شعره، وتقليم أظافره، وَمن الْحجامَة، وَكله بَاطِل لما رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس قَالَ: " كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] يَدُور على نِسَائِهِ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة من اللَّيْل أَو النَّهَار، وَهن إِحْدَى عشرَة ".
وَكَذَا من الأباطيل اعْتِقَاد النِّسَاء أَن الْمَرْأَة الْجنب إِن باشرت عجن الْعَجِين فسد بِسَبَب جنابتها، وَأَن الْبركَة تضيع من كل شَيْء تضع يَدهَا فِيهِ.
стр. 29
قَالَ البُخَارِيّ (بَاب) الْجنب يخرج وَيَمْشي فِي السُّوق وَغَيره، وَقَالَ عَطاء: يحتجم الْجنب ويقلم أظافره، ويحلق رَأسه، وَإِن لم يتَوَضَّأ، ثمَّ سَاق عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " لَقِيَنِي رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَنا جنب فَأخذ بيَدي فمشيت مَعَه حَتَّى قعدنا فانسللت فَأتيت الرحل فاغتسلت، ثمَّ جِئْت وَهُوَ قَاعد فَقَالَ: أَيْن كنت يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ فَقلت لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! يَا أَبَا هُرَيْرَة إِن الْمُؤمن لَا ينجس " وَفِي البُخَارِيّ عَن أبي سَلمَة قَالَ: " سَأَلت عَائِشَة أَكَانَ النَّبِي [ ﷺ ] يرقد وَهُوَ جنب؟ قَالَت: نعم وَيتَوَضَّأ " وَقَالَ البُخَارِيّ (بَاب) الصَّائِم يصبح جنبا، ثمَّ سَاق بالسند " أَن عَائِشَة وَأم سَلمَة ﵄ أخبرتا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب من أَهله، ثمَّ يغْتَسل ويصوم " فاتركوا الخرافات والبدع وَاتبعُوا هدى نَبِيكُم.
الْبَاب الثَّامِن فِيمَا صَحَّ وَمَا لم يَصح فِي كَيْفيَّة التَّيَمُّم
روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ عَن عمار بن يَاسر ﵁ قَالَ:
" بَعَثَنِي النَّبِي [ ﷺ ] فِي حَاجَة فأجنبت فَلم أجد المَاء، فتمرغت فِي الصَّعِيد كَمَا تتمرغ الدَّابَّة. ثمَّ أتيت النَّبِي [ ﷺ ] فَذكرت لَهُ ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تَقول هَكَذَا. ثمَّ ضرب بيدَيْهِ الأَرْض ضَرْبَة وَاحِدَة ثمَّ مسح الشمَال على الْيَمين وَظَاهر كفيه وَوَجهه - وَزَاد البُخَارِيّ - وَضرب بكفيه الأَرْض وَنفخ فيهمَا، ثمَّ مسح بهما وَجهه وكفيه ".
فصل
أما حَدِيث " التَّيَمُّم ضربتان: ضَرْبَة للْوَجْه، وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " فقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَصحح الْأَئِمَّة وَقفه، وَضَعفه شَارِح الْجَامِع الصَّغِير وَقَالَ
стр. 30
شَارِح الْمُنْتَقى: قَالَ الْحَافِظ: هُوَ ضَعِيف ضعفه ابْن الْقطَّان وَابْن معِين وَوَاحِد. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَكثر الْآثَار المرفوعة عَن عمار ضَرْبَة وَاحِدَة وَمَا روى عَنهُ عَنهُ من ضربتين فَكلهَا مضطربة. وَكَذَا حَدِيث ابْن عمر " تيممنا مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] وضربنا بِأَيْدِينَا على الصَّعِيد الطّيب، ثمَّ مسحنا أَيْدِينَا فمسحنا وُجُوهنَا ثمَّ ضربنا ضَرْبَة فمسحنا من الْمرَافِق إِلَى الْكَفّ " قَالَ الشَّارِح الْمُنْتَقى: وَفِيه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك قَالَ: وروى أَيْضا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا من وَجه آخر بِلَفْظ حَدِيث ابْن ظبْيَان: " التَّيَمُّم ضربتان " قَالَ أَبُو زرْعَة: حَدِيث بَاطِل.
فصل
وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " من السّنة أَن لَا يُصَلِّي الرجل بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة، ثمَّ يتَيَمَّم للصَّلَاة الْأُخْرَى " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد ضَعِيف جدا، لِأَنَّهُ من رِوَايَة الْحسن بن عمَارَة، وَهُوَ ضَعِيف جدا، وَبِهَذَا الحَدِيث الأوهى من بَيت العنكبوت تمسك جلّ الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين وَتركُوا الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي يلائم الْملَّة الحنيفة السمحة فِي تخفيفها وسهولتها على معتنقيها لَا سِيمَا أهل الْأَمْرَاض والضرورات مِنْهُم فَإنَّا لله. قَالَ ابْن الْقيم فِي زَاد الْمعَاد: وَلم يَصح عَنهُ أَنه تيَمّم بضربتين وَلَا إِلَّا الْمرْفقين، قَالَ الإِمَام أَحْمد: من قَالَ: إِن التَّيَمُّم إِلَى الْمرْفقين فَإِنَّمَا هُوَ شَيْء زَاده من عِنْده، وَقَالَ: وَأما مَا ذكر فِي صفة التَّيَمُّم من وضع أَصَابِع بطُون يَده الْيُسْرَى على ظُهُور الْيُمْنَى، ثمَّ إمرارها إِلَى الْمرْفق، ثمَّ إدارة بطن كَفه على بطن الذِّرَاع وَإِقَامَة إبهامه الْيُسْرَى كالمؤذن إِلَى أَن يصل إِلَى إبهامه الْيُمْنَى، فيطبقها عَلَيْهَا. فَهَذَا مِمَّا يعلم قطعا أَن النَّبِي [ ﷺ ] لم يَفْعَله، وَلَا علمه أحدا من أَصْحَابه، وَلَا أَمر بِهِ وَلَا استحسنه. وَهَذَا هَدْيه إِلَيْهِ التحاكم، وَكَذَا لم يَصح عَنهُ التَّيَمُّم لكل صَلَاة وَلَا أَمر بِهِ بل أطلق وَجعله قَائِما مقَام الْوضُوء. اهـ. فاعلموا وَاعْمَلُوا على ذَلِك يَا قراء الْحَوَاشِي.
стр. 31
فصل
وَلم يَصح فِي الْمسْح على الجبائر حَدِيث: وَلَو أَن كل الْفُقَهَاء يذكرُونَهُ فِي كتبهمْ؛ بل حَدِيث عَليّ ﵁: " انْكَسَرت إِحْدَى زندي، فَسَأَلت رَسُول الله [ ﷺ ] فَأمرنِي أَن أَمسَح عَن الجبائر " رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِسَنَد واه جدا من رِوَايَة عَمْرو بن خَالِد، وَهُوَ كَذَّاب.
تعلم: روى عَن جَابر، ﵁ قَالَ: " خرجنَا فِي سفر فَأصَاب رجلا منا حجر فَشَجَّهُ فِي رَأسه، ثمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابه: هَل تَجِدُونَ لي رخصَة فِي التَّيَمُّم؟ فَقَالُوا: مَا نجد لَك رخصَة وَأَنت تقدر على المَاء فاغتسل فَمَاتَ. فَلَمَّا قدمنَا على رَسُول الله [ ﷺ ] أخبر بذلك، فَقَالَ: قَتَلُوهُ؛ قَتلهمْ الله، أَلا سَأَلُوا إِذْ لم يعلمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال. إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب على جرحه، ثمَّ يمسح عَلَيْهِ وَيغسل سَائِر جسده " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَاجَه، وَصَححهُ ابْن السكن.
وَهُوَ على مَا فِيهِ من أَقْوَال كَثِيرَة تدل على ضعفه، يدل على جَوَاز الْمسْح على الجبائر.
الْبَاب التَّاسِع فِي الْمسْح على الموقين والجوربين والنعلين
عَن بِلَال قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يمسح على المرقين والخمار " رَوَاهُ أَحْمد. وَلأبي دَاوُد: كَانَ [ ﷺ ] يخرج يقْضِي حَاجته: فنأتيه بِالْمَاءِ، فيتوضأ وَيمْسَح على عمَامَته وموقيه ".
стр. 32
وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] تَوَضَّأ وَمسح على الجوربين والنعلين " رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائِيّ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: " وَمسح على الجوربين: عَليّ بن أبي طَالب، وَابْن مَسْعُود والبراء، وَأنس، وَأَبُو أُمَامَة، وَسَهل بن سعد وَعَمْرو بن حُرَيْث، وروى ذَلِك عَن عمر وَابْن عَبَّاس وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ".
الشَّرْط لذَلِك التَّوْقِيت
وتشترط الطَّهَارَة قبل اللّبْس، كَمَا روى عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ " كنت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] ذَات لَيْلَة فِي مسير فأفرغت عَلَيْهِ من الأداوة فَغسل وَجهه وَغسل ذِرَاعَيْهِ وَمسح بِرَأْسِهِ. ثمَّ أهويت لانتزاع خفيه، فَقَالَ: دعهما، فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين. فَمسح عَلَيْهِمَا " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلأبي دَاوُد " دع الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أدخلت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وهما طاهرتان. فَمسح عَلَيْهِمَا " وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَابْن خُزَيْمَة عَن صَفْوَان بن عَسَّال قَالَ: " أمرنَا رَسُول الله [ ﷺ ] أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا، وَلَا نخلعهما من غَائِط وَلَا بَوْل وَلَا نوم، وَلَا نخلعهما إِلَّا من جَنَابَة، قَالَ الْخطابِيّ: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم " للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة "
وَيخْتَص الْمسْح بِظهْر الجورب والخف والنعل والموق، كَمَا قَالَ عَليّ ﵁: " لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَل الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من أَعْلَاهُ، لقد رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يمسح على ظَاهر خفيه " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَإِسْنَاده حسن، وَعَن الْمُغيرَة قَالَ: " رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يمسح على ظُهُور الْخُفَّيْنِ) رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد.
стр. 33
الْبَاب الْعَاشِر فِي فضل بِنَاء الْمَسَاجِد وتنظيفها
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر. وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى ألئك أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾
وروى البُخَارِيّ وَمُسلم بسندهما عَن عُثْمَان ﵃ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) يَقُول: " من بنى مَسْجِدا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَفِي رِوَايَة " بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة ".
فَمن الْبِدْعَة، والرياء والسمعة. مَا يَفْعَله كثير من النَّاس من كِتَابَة لوحة على بَاب الْمَسْجِد، فِيهَا اسْمه وَاسم أَبِيه وجده، وَأَنه هُوَ الَّذِي عمر هَذَا الْمَسْجِد. لِأَن فِي هَذَا رِيَاء. والرياء من الشّرك، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾
فصل
وروى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ " أَن امْرَأَة سَوْدَاء كَانَت تقمُّ الْمَسْجِد. ففقدها رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) فَسَأَلَ عَنْهَا بعد أَيَّام فَقيل لَهُ: إِنَّهَا مَاتَت فَقَالَ: هلا آذنتموني فَأتى قبرها وَصلى عَلَيْهَا " وَورد: " إِخْرَاج القمامة من الْمَسَاجِد مُهُور الْحور الْعين " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير.
أما الحَدِيث الَّذِي ذكره صَاحب الْمدْخل وَتَبعهُ عَلَيْهِ الشَّيْخ مَحْمُود خطاب السُّبْكِيّ " جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ
стр. 34
وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع " فَفِيهِ الْحَارِث بن نَبهَان مُتَّفق على ضعفه.
فصل فِي أذكار الذَّاهِب إِلَى الْمَسْجِد
وروى مُسلم فِي صَحِيحه أَنه ( [ ﷺ ] ) " خرج إِلَى الصَّلَاة وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا، وَفِي لساني نورا؛ وَاجعَل فِي سَمْعِي نورا، وَاجعَل فِي بَصرِي نورا، وَاجعَل من خَلْفي نورا؛ وَمن أَمَامِي نورا، وَاجعَل من فَوقِي نورا. وَمن تحتي نورا: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نورا، أما حَدِيث: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق السَّائِلين عَلَيْك " الخ فَهُوَ ضَعِيف أحد رُوَاته الْوَازِع بن نَافِع الْعقيلِيّ وَهُوَ مُتَّفق على ضعفه، وَأَنه مُنكر الحَدِيث، وَمثله فِي كتاب ابْن السّني من رِوَايَة عَطِيَّة الْعَوْفِيّ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا فِي الْأَذْكَار فَيَنْبَغِي الْعَمَل بِالصَّحِيحِ وَترك مَا اشْتَدَّ ضعف رِجَاله.
فصل
وَمن السّنة أَن يَقُول إِذا دخل الْمَسْجِد مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليسلم على النَّبِي ( [ ﷺ ] ) ؛ ثمَّ ليقل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحتمك؛ وَإِذا خرج فَلْيقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من فضلك " وَفِي كتاب ابْن السّني عَن أنس قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) إِذا دخل الْمَسْجِد قَالَ: بِسم الله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد؛ وَإِذا خرج قَالَ: بِسم الله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد " وَهَذِه السّنة قد تركت، فلماذا لَا يعْمل بهَا من يعارضون أهل السّنة فِي مَنعهم إيَّاهُم من التَّسْلِيم بعد الْأَذَان جَهرا إِن كَانُوا
стр. 35
؟ ؟ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) حَقِيقَة؟ كلا إِنَّهُم لَا يحبونَ السّنة، وَلَا الْعَمَل بهَا بل يحبونَ مشاغبة أهل الْحق وَالسّنة فتعساً لَهُم.
فصل فِي بَيَان كَبِيرَة هجر الْمَسَاجِد
لقد هجر النَّاس الْمَسَاجِد وكرهوا دُخُول بيُوت الله؛ وأبغضوا الصَّلَاة فِيهَا وَاتَّخذُوا المقاهي والحوانيت والدكاكين " مَوَاطِن لجلوسهم وراحتهم ومسامراتهم وضياع أوقاتهم. وكما يُنْفقُونَ فِي هَذِه الْأَمَاكِن الْوَقْت الطَّوِيل جدا فَلَا شكّ أَنهم يُنْفقُونَ أثْنَاء هَذِه الجلسات أَمْوَالًا كَثِيرَة جدا؛ هم وأبناؤهم وأقاربهم فِي أَشد الِاحْتِيَاج إِلَى بَعْضهَا. لأَنهم لَا يربحون إِلَّا التافه الْقَلِيل مَعَ العناد الشَّديد؛ والإرهاق الطَّوِيل. فهم مخطئون وَلَا كَلَام.
وَأَشد مِنْهُم خطأ وعيباً. المنتسبون للْعلم وَالدّين؛ إِلَّا أَن الجرم أَشد؛ والذنب أشنع وأفحش. على من يَزْعمُونَ أَنهم محيوا السّنة وناشروا لوائها، ورافعوا رايتها وأعلامها، ويفخرون على أهل الأَرْض جَمِيعًا يرَوْنَ الْفضل لَهُم والسيادة على النَّاس كلهم؛ بِاتِّبَاع الْقُرْآن وَالسّنة.
هَذَا على أَن مواظبتهم طول عمرهم على أَدَاء المكتوبات فِي محَال عَمَلهم أَو فِي الْبيُوت لَا شكّ أَنَّهَا بِدعَة مُنكرَة، وضلالة قبيحة. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ .
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: " من سره أَن يلقى الله غَدا مُسلما فليحافظ على هَؤُلَاءِ الصَّلَوَات حَيْثُ يُنَادى بِهن. فَإِن الله تَعَالَى شرع لنبيكم ( [ ﷺ ] ) سنَن الْهدى. وإنهن من سنَن الْهدى. وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم، وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ. وَمَا من رجل يتَطَهَّر فَيحسن الطّهُور ثمَّ يعمد إِلَى مَسْجِد من هَذِه الْمَسَاجِد. إِلَّا كتب الله
стр. 36
لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها حَسَنَة؛ وَيَرْفَعهُ بهَا دَرَجَة، ويحط عَنهُ سَيِّئَة. وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق. وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادي بَين الرجلَيْن حَتَّى يُقَام الصَّفّ " رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَفِيه " وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لكَفَرْتُمْ ".
وَقَالَ [ ﷺ ] : " لقد هَمَمْت أَن آمُر فتيتي فيجمعوا لي حزما من حطب، ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم " رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ.
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " أَتَى النَّبِي [ ﷺ ] رجل أعمى فَقَالَ: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد. فَسَأَلَ رَسُول الله أَن يرخص لَهُ يُصَلِّي فِي بَيته. فَرخص لَهُ، فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ: هَل تسمع النداء؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأجب " رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ.
وَعَن أبي الشعْثَاء الْمحَاربي قَالَ: " كُنَّا قعُودا فِي الْمَسْجِد فاذن الْمُؤَذّن فَقَامَ رجل فِي الْمَسْجِد يمشي فَأتبعهُ أَبُو هُرَيْرَة بَصَره حَتَّى خرج من الْمَسْجِد. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ ، رَوَاهُ مُسلم وَغَيره.
وَفِي الْبَاب عَن معَاذ مَرْفُوعا: " الْجفَاء كل الْجفَاء: وَالْكفْر والنفاق من سمع مُنَادِي الله يُنَادي إِلَى الصَّلَاة فَلَا يجِيبه ".
وَفِي الْبَاب أَيْضا مَرْفُوعا: بِحَسب الْمُؤمن من الشقا. والخيبة أَن يسمع الْمُؤَذّن يثوب بِالصَّلَاةِ فَلَا يجِيبه ".
فليتق الله من لَا يصلونَ إِلَّا فِي بُيُوتهم. وَهَؤُلَاء الَّذين لَا يصلونَ إِلَّا فِي محَال أَعْمَالهم.
стр. 37
فصل فِي تَحْرِيم دُخُول الْمَسَاجِد على من يَأْكُل بصلا أَو ثوما أَو كراتا أَو فجلا
روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عمر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من أكل من هَذِه الشَّجَرَة - يَعْنِي الثوم - فَلَا يقربن مَسَاجِدنَا ". وَعَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربنا وَلَا يصلين مَعنا " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ " إيَّاكُمْ وَهَاتين البقلتين المنتنتين أَن تأكلوهما وتدخلوا مَسَاجِدنَا، فَإِن كُنْتُم وَلَا بُد آكليهما فاقتلوهما بالنَّار قتلا "، وروى الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا مَرْفُوعا: " من أكل بصلا أَو ثوما فليعتزلنا، أَو فليعتزل مَسَاجِدنَا، وليقعد فِي بَيته " وَرِوَايَة مُسلم: " من أكل البصل والثوم والكرات فَلَا يقربن مَسْجِدنَا، فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ بَنو آدم ".
وخطب عمر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ: " ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا النَّاس تَأْكُلُونَ شجرتين لَا أراهما إِلَّا خبيثتين: البصل والثوم، وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا وجد ريحهما من الرجل فِي الْمَسْجِد، أَمر بِهِ فَأخْرج إِلَى البقيع، فَمن أكلهما فليمتهما طبخا " رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ.
تَنْبِيهَات
(الأول) أَن هَذِه الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ترد على أَقْوَال الْفُقَهَاء، إِذْ يَقُولُونَ بِكَرَاهَة أكل البصل، أَو الفجل والثوم والكرات فِي أَيَّام الْجُمُعَات فَقَط لأجل الِاجْتِمَاع بِصَلَاة الْجُمُعَة، وَهَذِه الْأَحَادِيث تبطل مَا قَالُوهُ، وَتثبت تَحْرِيم دُخُول الْمَسْجِد على آكل شَيْئا مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي هَذِه الرِّوَايَات مُطلقًا ودائما وأبداً، من غير أَي تَقْيِيد بجمعة وَلَا غير جُمُعَة.
(الثَّانِي) : أَن هَذَا الدُّخان الَّذِي يدخنونه، وينفقون على ثمنه كل يَوْم بل
стр. 38
كل سَاعَة الْأَمْوَال الْكَثِيرَة الباهظة، الَّتِي هم وعيالهم فِي أَشد الِاحْتِيَاج إِلَى بَعْضهَا. فَهَذَا فَوق أَنه إِسْرَاف وسفه وطيش يعاقبون عَلَيْهِ أَشد الْعقَاب من الله - فَلَا شكّ أَيْضا أَنه يسْتَلْزم مَنعهم من دُخُول الْمَسَاجِد لنتن رَوَائِح أَفْوَاههم الَّتِي هِيَ أَشد خبثا من رَوَائِح البصل والثوم والكرات، وَلَكنَّا إِذا قُلْنَا لَهُم هَذَا كَانَت الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ عوانا صهيونية، فنوصي هَؤُلَاءِ بتنظيف أَفْوَاههم وتطييبها بالروائح الطّيبَة قبل الذّهاب إِلَى الْمَسَاجِد.
فصل
وَمن الأكاذيب الَّتِي يلوكها بعض الشُّيُوخ فِي هَذَا الْبَاب: -
حَدِيث: إِذا أكلْتُم الفجل وأردتم أَلا يُوجد لَهَا ريح فاذكروني عِنْد أول قضمة " مَوْضُوع.
حَدِيث: " يَا عَليّ إِذا تزودت فَلَا تنس البصل " كذب بحت.
حَدِيث: " عَلَيْكُم بالبصل فَإِنَّهُ يطيب النُّطْفَة، وَيصْلح الْوَلَد " مَوْضُوع مختلق أَيْضا، كَمَا فِي تذكرة الموضوعات للفتني.
حَدِيث: " فضل الكرات على سَائِر الْبُقُول كفضل الْخبز على الْحُبُوب " مَوْضُوع كَمَا فِي كشف الخفا.
فصل فِي إِبَاحَة الْمبيت فِي الْمَسْجِد، وَالرَّدّ على من منع ذَلِك
قَرَأت وَأَنا صَغِير السن كتابا صَغِيرا اسْمه (وَصَايَا النَّبِي للْإِمَام عَليّ) وَمِمَّا قرأته فِيهِ: النَّهْي عَن النّوم فِي الْمَسَاجِد، لِأَنَّهُ يذهب الْقُوَّة، أَو يضر الْبدن ثمَّ قَرَأت قَرِيبا مثل هَذَا الْكَلَام فِي ديوَان خطب الشَّيْخ مَحْمُود خطاب السُّبْكِيّ الْمُسَمّى: " هِدَايَة الْأمة المحمدية "، وَنَصّ لفظ الشَّيْخ بعد نَهْيه عَن التشويش فِي الْمَسَاجِد هُوَ: (فَإِنَّهُ حرَام لَا يصدر إِلَّا من إِبْلِيس اللعين استهواه - إِلَى أَن
стр. 39
قَالَ: - وَالنَّوْم فِي الْمَسْجِد والتكلم حَال الْوضُوء بِغَيْر طَاعَة، كَمَا هُوَ ديدن الجهلة أهل الإضاعة، لَا يَلِيق حُصُوله مِمَّن عرف ربه جلّ علاهُ) اهـ نَصه من ص ١٩٦.
وَيرد هَذَا الْكَلَام بل وينقضه مَا ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَقَالَ: (بَاب نوم الْمَرْأَة فِي الْمَسْجِد) ، ثمَّ سَاق السَّنَد إِلَى عَائِشَة ﵂ " أَن وليدة كَانَت سَوْدَاء لحي من الْعَرَب فأعتقوها، فَكَانَت مَعَهم، قَالَت: فَخرجت صبية لَهُم عَلَيْهَا وشاح أَحْمَر من سيور، قَالَت فَوَضَعته أَو وَقع مِنْهَا، فمرت بِهِ حدياة فحسبته لَحْمًا فخطفته، قَالَت فالتمسوه فَلم يجدوه، قَالَت فاتهموني بِهِ، قَالَت: فطفقوا يفتشون حَتَّى فتشوا قبلهَا، قَالَت: وَالله إِنِّي لقائمة مَعَهم إِذا مرت الحدياة فألقته، قَالَت: فَوَقع بَينهم، قَالَت: فَقلت هَذَا الَّذِي اتهمتموني بِهِ زعمتم، وَأَنا مِنْهُ بريئة، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَت: فَجَاءَت إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فَأسْلمت، قَالَت عَائِشَة: فكاء لَهَا خباء فِي الْمَسْجِد أَو حفش قَالَت: فَكَانَت تَأتِينِي فَتحدث عِنْدِي، قَالَت: فَلَا تجْلِس عِنْدِي مَجْلِسا إِلَّا قَالَت:
(وَيَوْم الوشاح من أَعَاجِيب رَبنَا ... أَلا إِنَّه من بَلْدَة الْكفْر أنجاني)
قَالَت عَائِشَة: فَقلت لَهَا: مَا شَأْنك لَا تقعدين مقْعدا إِلَّا قلت هَذَا؟ فحدثتني بِهَذَا الحَدِيث ".
وَقَالَ البُخَارِيّ أَيْضا وَغَيره. (بَاب نوم الرِّجَال فِي الْمَسْجِد) وَقَالَ أَبُو قلَابَة عَن أنس: " قدم رَهْط من عكل على النَّبِي [ ﷺ ] فَكَانُوا فِي.
стр. 40
الصّفة "، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر: كَانَ أَصْحَاب الصّفة الْفُقَرَاء، وروى البُخَارِيّ أَيْضا عَن نَافِع عَن عبد الله: " أَنه كَانَ ينَام وَهُوَ شَاب أعزب لَا أهل لَهُ فِي مَسْجِد النَّبِي [ ﷺ ] ، وروى البُخَارِيّ أَيْضا عَن سهل ابْن سعد قَالَ: " جَاءَ رَسُول الله [ ﷺ ] بَيت فَاطِمَة فَلم يجد عليا فِي الْبَيْت، قَالَ: أَيْن ابْن عمك؟ قَالَت: كَانَ بيني وَبَينه شَيْء فغاضبني، فَخرج فَلم يقل عِنْدِي، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] لإِنْسَان: انْظُر أَيْن هُوَ؟ فجَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ فِي الْمَسْجِد رَاقِد، فجَاء رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ مُضْطَجع، قد سقط رِدَاؤُهُ عَن شقَّه، وأصابه تُرَاب، فَجعل رَسُول الله [ ﷺ ] يمسحه عَنهُ وَيَقُول: قُم أَبَا تُرَاب " هَذَا الْأَحَادِيث وَمَعَهَا أَحَادِيث الِاعْتِكَاف تفِيد إِبَاحَة النّوم فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَغَيره من الْمَسَاجِد.
وَقَالَ الشَّيْخ السُّبْكِيّ أَيْضا فِي هَذِه الْخطْبَة: فقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الحَدِيث فِي الْمَسْجِد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل الْبَهِيمَة الْحَشِيش " وَهُوَ حَدِيث لَا أصل لَهُ. كَمَا قَالَه الْعِرَاقِيّ وَوَافَقَهُ شَارِح الْإِحْيَاء.
وَكَذَلِكَ حَدِيث: " الحَدِيث فِي الْمَسْجِد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب " فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف كَمَا حَقَّقَهُ الْعِرَاقِيّ أَيْضا.
وَحَدِيث: " إِذا دخل الرجل الْمَسْجِد فَتكلم، قَالَ لَهُ الْملك: اسْكُتْ يَا ولي الله، فَإِن تكلم ثَانِيَة قَالَ لَهُ اسْكُتْ يَا حبيب الله، فَإِن تكلم قَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا عَدو الله " وَهُوَ حَدِيث مَكْذُوب مَوْضُوع مفترى.
نعم روى البُخَارِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد قَالَ: " كنت قَائِما فِي الْمَسْجِد فصحبني رجل، فَنَظَرت فَإِذا عمر بن الْخطاب فَقَالَ: اذْهَبْ فأتني بِهَذَيْنِ،
следующие страницы →