Полный текст (424 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها حَسَنَة؛ وَيَرْفَعهُ بهَا دَرَجَة، ويحط عَنهُ سَيِّئَة. وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق. وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادي بَين الرجلَيْن حَتَّى يُقَام الصَّفّ " رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَفِيه " وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لكَفَرْتُمْ ".
وَقَالَ [ ﷺ ] : " لقد هَمَمْت أَن آمُر فتيتي فيجمعوا لي حزما من حطب، ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم " رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ.
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " أَتَى النَّبِي [ ﷺ ] رجل أعمى فَقَالَ: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد. فَسَأَلَ رَسُول الله أَن يرخص لَهُ يُصَلِّي فِي بَيته. فَرخص لَهُ، فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ: هَل تسمع النداء؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأجب " رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ.
وَعَن أبي الشعْثَاء الْمحَاربي قَالَ: " كُنَّا قعُودا فِي الْمَسْجِد فاذن الْمُؤَذّن فَقَامَ رجل فِي الْمَسْجِد يمشي فَأتبعهُ أَبُو هُرَيْرَة بَصَره حَتَّى خرج من الْمَسْجِد. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ ، رَوَاهُ مُسلم وَغَيره.
وَفِي الْبَاب عَن معَاذ مَرْفُوعا: " الْجفَاء كل الْجفَاء: وَالْكفْر والنفاق من سمع مُنَادِي الله يُنَادي إِلَى الصَّلَاة فَلَا يجِيبه ".
وَفِي الْبَاب أَيْضا مَرْفُوعا: بِحَسب الْمُؤمن من الشقا. والخيبة أَن يسمع الْمُؤَذّن يثوب بِالصَّلَاةِ فَلَا يجِيبه ".
فليتق الله من لَا يصلونَ إِلَّا فِي بُيُوتهم. وَهَؤُلَاء الَّذين لَا يصلونَ إِلَّا فِي محَال أَعْمَالهم.
стр. 37
فصل فِي تَحْرِيم دُخُول الْمَسَاجِد على من يَأْكُل بصلا أَو ثوما أَو كراتا أَو فجلا
روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عمر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من أكل من هَذِه الشَّجَرَة - يَعْنِي الثوم - فَلَا يقربن مَسَاجِدنَا ". وَعَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربنا وَلَا يصلين مَعنا " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ " إيَّاكُمْ وَهَاتين البقلتين المنتنتين أَن تأكلوهما وتدخلوا مَسَاجِدنَا، فَإِن كُنْتُم وَلَا بُد آكليهما فاقتلوهما بالنَّار قتلا "، وروى الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا مَرْفُوعا: " من أكل بصلا أَو ثوما فليعتزلنا، أَو فليعتزل مَسَاجِدنَا، وليقعد فِي بَيته " وَرِوَايَة مُسلم: " من أكل البصل والثوم والكرات فَلَا يقربن مَسْجِدنَا، فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ بَنو آدم ".
وخطب عمر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ: " ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا النَّاس تَأْكُلُونَ شجرتين لَا أراهما إِلَّا خبيثتين: البصل والثوم، وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا وجد ريحهما من الرجل فِي الْمَسْجِد، أَمر بِهِ فَأخْرج إِلَى البقيع، فَمن أكلهما فليمتهما طبخا " رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ.
تَنْبِيهَات
(الأول) أَن هَذِه الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ترد على أَقْوَال الْفُقَهَاء، إِذْ يَقُولُونَ بِكَرَاهَة أكل البصل، أَو الفجل والثوم والكرات فِي أَيَّام الْجُمُعَات فَقَط لأجل الِاجْتِمَاع بِصَلَاة الْجُمُعَة، وَهَذِه الْأَحَادِيث تبطل مَا قَالُوهُ، وَتثبت تَحْرِيم دُخُول الْمَسْجِد على آكل شَيْئا مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي هَذِه الرِّوَايَات مُطلقًا ودائما وأبداً، من غير أَي تَقْيِيد بجمعة وَلَا غير جُمُعَة.
(الثَّانِي) : أَن هَذَا الدُّخان الَّذِي يدخنونه، وينفقون على ثمنه كل يَوْم بل
стр. 38
كل سَاعَة الْأَمْوَال الْكَثِيرَة الباهظة، الَّتِي هم وعيالهم فِي أَشد الِاحْتِيَاج إِلَى بَعْضهَا. فَهَذَا فَوق أَنه إِسْرَاف وسفه وطيش يعاقبون عَلَيْهِ أَشد الْعقَاب من الله - فَلَا شكّ أَيْضا أَنه يسْتَلْزم مَنعهم من دُخُول الْمَسَاجِد لنتن رَوَائِح أَفْوَاههم الَّتِي هِيَ أَشد خبثا من رَوَائِح البصل والثوم والكرات، وَلَكنَّا إِذا قُلْنَا لَهُم هَذَا كَانَت الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ عوانا صهيونية، فنوصي هَؤُلَاءِ بتنظيف أَفْوَاههم وتطييبها بالروائح الطّيبَة قبل الذّهاب إِلَى الْمَسَاجِد.
فصل
وَمن الأكاذيب الَّتِي يلوكها بعض الشُّيُوخ فِي هَذَا الْبَاب: -
حَدِيث: إِذا أكلْتُم الفجل وأردتم أَلا يُوجد لَهَا ريح فاذكروني عِنْد أول قضمة " مَوْضُوع.
حَدِيث: " يَا عَليّ إِذا تزودت فَلَا تنس البصل " كذب بحت.
حَدِيث: " عَلَيْكُم بالبصل فَإِنَّهُ يطيب النُّطْفَة، وَيصْلح الْوَلَد " مَوْضُوع مختلق أَيْضا، كَمَا فِي تذكرة الموضوعات للفتني.
حَدِيث: " فضل الكرات على سَائِر الْبُقُول كفضل الْخبز على الْحُبُوب " مَوْضُوع كَمَا فِي كشف الخفا.
فصل فِي إِبَاحَة الْمبيت فِي الْمَسْجِد، وَالرَّدّ على من منع ذَلِك
قَرَأت وَأَنا صَغِير السن كتابا صَغِيرا اسْمه (وَصَايَا النَّبِي للْإِمَام عَليّ) وَمِمَّا قرأته فِيهِ: النَّهْي عَن النّوم فِي الْمَسَاجِد، لِأَنَّهُ يذهب الْقُوَّة، أَو يضر الْبدن ثمَّ قَرَأت قَرِيبا مثل هَذَا الْكَلَام فِي ديوَان خطب الشَّيْخ مَحْمُود خطاب السُّبْكِيّ الْمُسَمّى: " هِدَايَة الْأمة المحمدية "، وَنَصّ لفظ الشَّيْخ بعد نَهْيه عَن التشويش فِي الْمَسَاجِد هُوَ: (فَإِنَّهُ حرَام لَا يصدر إِلَّا من إِبْلِيس اللعين استهواه - إِلَى أَن
стр. 39
قَالَ: - وَالنَّوْم فِي الْمَسْجِد والتكلم حَال الْوضُوء بِغَيْر طَاعَة، كَمَا هُوَ ديدن الجهلة أهل الإضاعة، لَا يَلِيق حُصُوله مِمَّن عرف ربه جلّ علاهُ) اهـ نَصه من ص ١٩٦.
وَيرد هَذَا الْكَلَام بل وينقضه مَا ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَقَالَ: (بَاب نوم الْمَرْأَة فِي الْمَسْجِد) ، ثمَّ سَاق السَّنَد إِلَى عَائِشَة ﵂ " أَن وليدة كَانَت سَوْدَاء لحي من الْعَرَب فأعتقوها، فَكَانَت مَعَهم، قَالَت: فَخرجت صبية لَهُم عَلَيْهَا وشاح أَحْمَر من سيور، قَالَت فَوَضَعته أَو وَقع مِنْهَا، فمرت بِهِ حدياة فحسبته لَحْمًا فخطفته، قَالَت فالتمسوه فَلم يجدوه، قَالَت فاتهموني بِهِ، قَالَت: فطفقوا يفتشون حَتَّى فتشوا قبلهَا، قَالَت: وَالله إِنِّي لقائمة مَعَهم إِذا مرت الحدياة فألقته، قَالَت: فَوَقع بَينهم، قَالَت: فَقلت هَذَا الَّذِي اتهمتموني بِهِ زعمتم، وَأَنا مِنْهُ بريئة، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَت: فَجَاءَت إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فَأسْلمت، قَالَت عَائِشَة: فكاء لَهَا خباء فِي الْمَسْجِد أَو حفش قَالَت: فَكَانَت تَأتِينِي فَتحدث عِنْدِي، قَالَت: فَلَا تجْلِس عِنْدِي مَجْلِسا إِلَّا قَالَت:
(وَيَوْم الوشاح من أَعَاجِيب رَبنَا ... أَلا إِنَّه من بَلْدَة الْكفْر أنجاني)
قَالَت عَائِشَة: فَقلت لَهَا: مَا شَأْنك لَا تقعدين مقْعدا إِلَّا قلت هَذَا؟ فحدثتني بِهَذَا الحَدِيث ".
وَقَالَ البُخَارِيّ أَيْضا وَغَيره. (بَاب نوم الرِّجَال فِي الْمَسْجِد) وَقَالَ أَبُو قلَابَة عَن أنس: " قدم رَهْط من عكل على النَّبِي [ ﷺ ] فَكَانُوا فِي.
стр. 40
الصّفة "، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر: كَانَ أَصْحَاب الصّفة الْفُقَرَاء، وروى البُخَارِيّ أَيْضا عَن نَافِع عَن عبد الله: " أَنه كَانَ ينَام وَهُوَ شَاب أعزب لَا أهل لَهُ فِي مَسْجِد النَّبِي [ ﷺ ] ، وروى البُخَارِيّ أَيْضا عَن سهل ابْن سعد قَالَ: " جَاءَ رَسُول الله [ ﷺ ] بَيت فَاطِمَة فَلم يجد عليا فِي الْبَيْت، قَالَ: أَيْن ابْن عمك؟ قَالَت: كَانَ بيني وَبَينه شَيْء فغاضبني، فَخرج فَلم يقل عِنْدِي، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] لإِنْسَان: انْظُر أَيْن هُوَ؟ فجَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ فِي الْمَسْجِد رَاقِد، فجَاء رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ مُضْطَجع، قد سقط رِدَاؤُهُ عَن شقَّه، وأصابه تُرَاب، فَجعل رَسُول الله [ ﷺ ] يمسحه عَنهُ وَيَقُول: قُم أَبَا تُرَاب " هَذَا الْأَحَادِيث وَمَعَهَا أَحَادِيث الِاعْتِكَاف تفِيد إِبَاحَة النّوم فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَغَيره من الْمَسَاجِد.
وَقَالَ الشَّيْخ السُّبْكِيّ أَيْضا فِي هَذِه الْخطْبَة: فقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الحَدِيث فِي الْمَسْجِد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل الْبَهِيمَة الْحَشِيش " وَهُوَ حَدِيث لَا أصل لَهُ. كَمَا قَالَه الْعِرَاقِيّ وَوَافَقَهُ شَارِح الْإِحْيَاء.
وَكَذَلِكَ حَدِيث: " الحَدِيث فِي الْمَسْجِد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب " فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف كَمَا حَقَّقَهُ الْعِرَاقِيّ أَيْضا.
وَحَدِيث: " إِذا دخل الرجل الْمَسْجِد فَتكلم، قَالَ لَهُ الْملك: اسْكُتْ يَا ولي الله، فَإِن تكلم ثَانِيَة قَالَ لَهُ اسْكُتْ يَا حبيب الله، فَإِن تكلم قَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا عَدو الله " وَهُوَ حَدِيث مَكْذُوب مَوْضُوع مفترى.
نعم روى البُخَارِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد قَالَ: " كنت قَائِما فِي الْمَسْجِد فصحبني رجل، فَنَظَرت فَإِذا عمر بن الْخطاب فَقَالَ: اذْهَبْ فأتني بِهَذَيْنِ،
стр. 41
فَجِئْته بهما، فَقَالَ: من أَنْتُمَا، أَو من أَيْن أَنْتُمَا؟ قَالَ: من أهل الطَّائِف، قَالَ: لَو كنتما من أهل الْبَلَد لأوجعتكما ضربا، ترفعان أصواتكما فِي مَسْجِد رَسُول الله [ ﷺ ] ؟ ".
وَأما تنديد الشَّيْخ السُّبْكِيّ فِي الدِّيوَان على الْمُتَكَلّم حَال الْوضُوء بقوله: (وَاعْلَمُوا أَن من تكلم فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع فقد أوقع نَفسه فِي المهالك، ونادى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جهول خسيس، أَو الْجُنُون عراه، فتوضؤا وَأَنْتُم عَن كَلَام الدُّنْيَا ساكتون) فَهُوَ كَلَام مِمَّا لَا حق فِيهِ أصلا وَهل هَذَا النَّهْي آتٍ من جِهَة السّنة الصَّحِيحَة، أَو هُوَ من آراء متأخري الْفُقَهَاء؟ ثمَّ إِن كَلَام الْمُتَوَضِّئ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بالوارد الَّذِي قدمنَا ذكره فِي فضل أذكار الْوضُوء، فَهَذِهِ عبَادَة فاضلة مَشْرُوعَة، وَإِمَّا أَن يكون بالأذكار المبتدعة أَو الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة، فَهِيَ عبَادَة مَرْدُودَة، وَإِمَّا أَن يكون الْكَلَام فِي مصلحَة دنيوية، فَهُوَ جَائِز لَا شَيْء فِيهِ أصلا، إِلَّا إِن ظهر لنا دَلِيل من السّنة الصَّحِيحَة يدل على مَنعه، وَإِمَّا أَن يكون الْكَلَام لغير مصلحَة، فَهُوَ لَغْو من القَوْل أَفْلح من أعرض عَنهُ فِي وَقت الْوضُوء وَغَيره. قَالَ تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون﴾ ، وَإِمَّا أَن يكون الْكَلَام بالبذاء وَالْفُحْش، أَو الْغَيْبَة والسب والشتم، فَهَذَا حرَام لَا شكّ فِيهِ، وَإِمَّا أَن يكون للسخرية، وإضحاك النَّاس، فَهَذَا زِيَادَة على أَنه مميت للقلب، فِيهِ عِقَاب شَدِيد لما فِي الحَدِيث: " إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ لَا يرى بهَا بَأْسا ليضحك بهَا الْقَوْم؛ وَإنَّهُ ليَقَع بهَا أبعد من السَّمَاء - وَفِي رِوَايَة: يهوى بهَا سبعين خَرِيفًا فِي النَّار " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. وَأما من منع الْكَلَام على الْوضُوء منعا مُطلقًا إِلَّا بِذكر الله، فَإنَّا نطالبه بِالدَّلِيلِ، فَإِن جَاءَ بِهِ فعلى الرَّأْس وَالْعين.
وللمناسبة نذْكر هُنَا قَول الشَّيْخ السُّبْكِيّ فِي الدِّيوَان أَيْضا صفحة ١٩ ﴿وَقد قَالُوا: إِن الله تَعَالَى يَجْعَل على من يتَوَضَّأ خيمة من النُّور، فَإِذا تلفظ بِكَلَام
стр. 42
الدُّنْيَا رَفعهَا الله تَعَالَى عَنهُ حَيْثُ غره الْغرُور) ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ من كَلَام النَّاس، وَلَا أصل لَهُ قطعا فِي كتب السّنة المحمدية، وَالرجل السّني لَا يتبع النَّاس على كل مَا يَقُولُونَ أَو يَكْتُبُونَ، فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيث: " كفى بِالْمَرْءِ كذبا أَن يحدث بِكُل مَا سمع " رَوَاهُ مُسلم؛ وَليكن كل اتِّبَاعه للْكتاب وَالسّنة، وكل مرجعه وكل تعصبه للْكتاب وَالسّنة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ .
فصل فِي اسْتِحْبَاب الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ
روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي مسلمة سعيد بن يزِيد قَالَ: قلت لأنس بن مَالك: " أَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نعم " وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن سعيد المَقْبُري، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ إِذا وطئ أحدكُم بنعليه الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور ".
وروى النَّسَائِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يشرب قَائِما وَقَاعِدا، وَيُصلي حافياً ومنتعلا، وينصرف عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك، وَفِيه: " كَانَ جدي أَوْس أَحْيَانًا يُصَلِّي، فيشير إليّ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَأعْطِيه نَعْلَيْه، وَيَقُول: رَأَيْت رَسُول الله يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه ".
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " صلوا فِي نعالكم وَلَا تشبهوا باليهود " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن شَدَّاد بن أَوْس وَصَححهُ، وَفِيه عَنهُ [ ﷺ ]
стр. 43
" خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وَلَا خفافهم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن شَدَّاد صَححهُ.
فَهَذِهِ الْكتب السِّتَّة الَّتِي عَلَيْهَا الْمعول فِي الدّين، وفيهَا أُصُوله وفروعه وَغَيرهَا، قد نطقت فِيهَا السّنة الصَّحِيحَة بِجَوَاز، بل الْأَمر بِالصَّلَاةِ فِي النِّعَال وَهَا هِيَ أَقْوَال أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة:
(مَذْهَب أبي حنيفَة) أفتى صَاحب الْفَضِيلَة الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الْمجِيد سليم مفتي الديار المصرية، وَنشر على صفحات الجرائد الْفَتْوَى الصادرة بتاريخ ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٢٨ - المسجلة برقم ٤٣ مسلسلة جُزْء ٣٢ بعد ذكر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قَالَ مَا نَصه:
وَفِي شرح منية الْمُصَلِّي لإِبْرَاهِيم الْحلَبِي نقلا عَن فَتَاوَى الْحجَّة مَا نَصه: الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ تفضل على صَلَاة الحافي أضعافا مُخَالفَة للْيَهُود. أهـ.
قَالَ: وَمن هَذَا يعلم صِحَة الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ الطاهرين، بل ذهب كثير من عُلَمَاء الْمُسلمين إِلَى أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. أهـ بِاخْتِصَار.
(مَذْهَب الْمَالِكِيَّة) قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي ﵀ فِي شَرحه على سنَن الإِمَام التِّرْمِذِيّ عِنْد الْكَلَام على بَاب الصَّلَاة فِي النِّعَال مَا نَصه: ثَبت أَن النَّبِي [ ﷺ ] صلى فِي نَعْلَيْه، كَمَا ثَبت أَنه كَانَ يتَوَضَّأ فِي نَعْلَيْه. أه.
(مَذْهَب الشَّافِعِيَّة) قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء: الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ جَائِزَة، وَإِن كَانَ نزع النَّعْلَيْنِ سهلا، وَلَيْسَت الرُّخْصَة فِي الْخُف لعسر النزع، بل هَذِه النَّجَاسَة مَعْفُو عَنْهَا، وَفِي مَعْنَاهَا المداس. صلى رَسُول الله [ ﷺ ] فِي نَعْلَيْه، ثمَّ نزع فَنزع النَّاس نعَالهمْ، فَقَالَ: " فَقَالَ: " لم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا رَأَيْنَاك خلعت فخلعنا. فَقَالَ [ ﷺ ] : إِن جِبْرِيل أَتَانِي فَأَخْبرنِي أَن بهما خبثا،
стр. 44
فَإِذا أَرَادَ أحدكُم الْمَسْجِد فليقلب نَعْلَيْه، ولينظر فيهمَا؛ فَإِن رأى خبثا فليمسحه بِالْأَرْضِ وَليصل فيهمَا ".
وَقَالَ بَعضهم: الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ أفضل: لِأَنَّهُ [ ﷺ ] قَالَ: " لم خلعتم نعالكم؟ " وَهَذِه مُبَالغَة، فَإِنَّهُ [ ﷺ ] سَأَلَهُمْ ليبين لَهُم سَبَب خلعه، إِذْ علم أَنهم خلعوا لموافقته، أه قَالَ شَارِحه الزبيدِيّ.
وأجمعت الْعلمَاء على أَن الصَّلَاة فِي النِّعَال وَمَا فِي حكمهَا مِمَّا هُوَ ملبوس للرِّجل جَائِزَة، فرضا، أَو نفلا، أَو جَنَازَة، أَو سفرا، أَو حضرا، بل قيل بالسنية لِلِاتِّبَاعِ، وَسَوَاء كَانَ يمشي بهما فِي الْأَزِقَّة أَو لَا. فَإِن النَّبِي [ ﷺ ] وَأَصْحَابه كَانُوا يَمْشُونَ فِي طرقات الْمَدِينَة وَيصلونَ فِيهَا، بل كَانُوا يخرجُون بهَا إِلَى الحشوش حَيْثُ يقضون الْحَاجة.
(مَذْهَب الحنبلية) قَالَ الإِمَام ابْن الْقيم فِي إغاثة اللهفان: وَمِمَّا لَا تطيب بِهِ قُلُوب الموسوسين. الصَّلَاة فِي النِّعَال، وَهِي سنة رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَصْحَابه فعلا مِنْهُ وأمراً. فروى أنس: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه " مُتَّفق عَلَيْهِ وسَاق حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس، ثمَّ قَالَ: وَقيل للْإِمَام أَحْمد: أيصلي الرجل فِي نَعْلَيْه. فَقَالَ: أَي وَالله، وَيرى أهل الوسواس إِذا بلَى أحدهم بِصَلَاة الْجِنَازَة فِي نَعْلَيْه قَامَ على عقبهما كَأَنَّهُ وَاقِف على الْجَمْر حَتَّى لَا يُصَلِّي فيهمَا.
يَقُول مُحَمَّد بن أَحْمد معمر عبد السَّلَام. أَن مَسَاجِد زَمَاننَا أَصبَحت مفروشة برخيص وغالى الفراشات فَيَنْبَغِي أَن لَا نتلفها بالنعال، فَإِن منعنَا مَانع فِي غير ذَلِك من الصَّلَاة فِي النِّعَال بَينا لَهُ السّنة المحمدية، فَإِن أبي وعارض صككناه بالنعال على أم رَأسه.
стр. 45
الْبَاب الثَّانِي عشر فِي الْأَذَان وسننه وَمَا ابتدع فِيهِ
روى مُسلم وَأحمد وَأَبُو دَاوُد عَن ابْن عمر ﵃: أَنه سمع رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول، ثمَّ صلوا عليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا، ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة، فَإِنَّهَا منزلَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله، وَأَرْجُو أَن أكون هُوَ، فَمن سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة " وَفِي لفظ: " حلت لَهُ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة ".
ثمَّ اعْلَم أَن من الْبدع والجهالة زِيَادَة لَفْظَة سيدنَا وحبيبي فِي تشهدي الْأَذَان وَالْإِقَامَة، لِأَن الزِّيَادَة فِي الدّين كالنقص مِنْهُ.
وَترك إِجَابَة السامعين للأذان بِمثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، ثمَّ تَركهم للصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] ، وسؤالهم لَهُ الْوَسِيلَة جهل عَظِيم وحرمان، وَزِيَادَة " والدرجة الرفيعة " فِي أَثْنَائِهِ بِدعَة، وَزِيَادَة " إِنَّك لَا تخلف الميعاد " فِي آخِره لَا أعرفهَا ثَابِتَة أم لَا، وَنسبَة هَذَا الدُّعَاء إِلَى أويس الْقَرنِي جهل شنيع، وَالصَّلَاة وَالتَّسْلِيم بعد الْأَذَان بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة الْمَعْرُوفَة بِدعَة ضَلَالَة، وَإِن استحسنها كبار أهل الْأَزْهَر كالدجوي وَغَيره. وَقَول: رَضِي الله عَنْك يَا شيخ الْعَرَب، أَو يَا حُسَيْن أَو يَا شَافِعِيّ: بِدعَة ضَلَالَة وَفِي النَّار، وَقَوْلهمْ عِنْد سَماع تَكْبِير الْأَذَان: الله أعظم والعزة لله، أَو الله أكبر على كل من ظلمنَا، أَو الله أكبر على أَوْلَاد الْحَرَام، بِدعَة وَجَهل (وَالسّنة) أَن نقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن، ثمَّ نصلي على النَّبِي [ ﷺ ] بالوارد، ثمَّ نَدْعُو لَهُ، كَمَا فِي الحَدِيث، وَبِذَلِك ندرك شَفَاعَته [ ﷺ ] إِن شَاءَ الله.
(وَالسّنة أَيْضا) الدُّعَاء بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة، لحَدِيث " لَا يرد الدُّعَاء
стр. 46
بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة، قَالُوا: فَمَاذَا نقُول يَا رَسُول الله؟ قَالَ: سلوا الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة " قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح.
هَذِه هِيَ السّنة والبدعة، فاتبعوا السّنة واجتبوا الْبِدْعَة: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ، وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ .
وتقبيل ظفرى الإبهامين وَمسح الْعَينَيْنِ بهما، اعتقاداً بِأَن فَاعله لن يرمد، جهل وبدعة، وَكَلَام بَاطِل، وَعمل يشبه عمل المبرسمين، وَكَذَا قَوْلهم: مرْحَبًا بالقائلين عدلا إِلَخ. بَاطِل وبدعة. وَقَوْلهمْ بعد انْتِهَاء الْأَذَان اللَّهُمَّ صل أفضل صَلَاة على أسعد مخلوقاتك إِلَخ. بِدعَة مُنكرَة وتشويش. وَكَذَا قِرَاءَة الْعشْر بعد الْأَذَان: بِدعَة وتشويش.
(وَيسن أَيْضا) : بَين الْأَذَان ولإقامة صَلَاة النَّفْل، لحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ: " بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ ".
والتمطيط والتغني بِالْأَذَانِ بِدعَة، (وَالْأَذَان) جمَاعَة على وتيرة وَاحِدَة بِدعَة وَقَوْلهمْ قبل الْفجْر على المنابر: يَا رب عفوا بجاه الْمُصْطَفى كرماً: بِدعَة، وتوسل جاهلي، وَكَذَا التَّسْبِيح، أَو الْقِرَاءَة أَو الْأَشْعَار بدع فِي الدّين، مُغيرَة لسنة الْأمين [ ﷺ ] ، وَهِي الْأَذَان الْمَعْلُوم فِي حَدِيث البُخَارِيّ: " إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن أم مَكْتُوب " إِلَّا أَن الْأَذَان الأول يجرد من " الصَّلَاة خير من النّوم " وَيُؤْتى بهَا فِي أَذَان الصُّبْح. (والتفكيرة) يَوْم الْجُمُعَة بِدعَة. (وَالْأَذَان) دَاخل الْمَسْجِد بَين يَدي الْخَطِيب يَوْم الْجُمُعَة بِدعَة (والترقية) بعد الْأَذَان أَمَام الْمِنْبَر بِدعَة. (وَقِرَاءَة حَدِيث) : " إِذا قلت لصاحبك قبل الْخطْبَة بِدعَة، وعَلى الْخَطِيب أَن يُنَبه اللاغطين بِهِ أثْنَاء الْخطْبَة، أما الْمُؤَذّن فَلَا. (والجهر) بِقِرَاءَة سُورَة الْكَهْف يَوْم الْجُمُعَة بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة الْمَعْلُومَة بِدعَة (وَالسّنة) أَن يَقْرَأها كل مُسلم فِي أَي مَكَان، وَلَيْسَ لَهَا وَقت معِين (وحديثها) ضَعِيف أَو مُنكر، وَقد وَردت أَحَادِيث أقوى من هَذَا فِي قِرَاءَة آل عمرَان
стр. 47
وَهود فِي يَوْم الْجُمُعَة، فلماذا لَا يعْمل بهَا المواظبون على قِرَاءَة الْكَهْف على (الدكة) إِن كَانَ غرضهم الْعَمَل بِالسنةِ لَا اتِّبَاع الْعَادة؟ وَمَا لَهُم لَا يعْملُونَ بِحَدِيث الْمسند وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنهُ [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبوراً فَإِن الْبَيْت الَّذِي تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة لَا يدْخلهُ الشَّيْطَان " وَورد: " اقْرَءُوا سُورَة هود يَوْم الْجُمُعَة " حَدِيث صَحِيح مُرْسل. وَورد:
" من قَرَأَ السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهَا آل عمرَان يَوْم الْجُمُعَة صلى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَته حَتَّى تجب - أَي تغرب - الشَّمْس " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف مَقْبُول. (وَدُعَاء المؤذنين) للْملك أَو السُّلْطَان فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة بِدعَة وتهويش، وَقد نهى [ ﷺ ] عَمَّا هُوَ دون ذَلِك بقوله: " إِذا قلت لصاحبك وَالْإِمَام يخْطب أنصت فقد لغوت " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَقد قَالَ [ ﷺ ] : " مثل الَّذِي يتَكَلَّم يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب، مثل الْحمار يحمل أسفاراً، وَالَّذِي يَقُول لَهُ: أنصت لَا جُمُعَة لَهُ " رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده.
(وَرفع صَوت) الْمُؤَذّن بالتبليغ لغير حَاجَة بِدعَة، وَكَونه جمَاعَة يديرونه ويتواكلونه بَينهم بِدعَة مُنكرَة، وَلَا بَأْس بِهِ عِنْد الْحَاجة.
(وتوحيشهم) على المآذن وَفِي الْمَسَاجِد فِي أَوَاخِر رَمَضَان بِدعَة مُنكرَة ذميمة. ﴿فَاتَّقُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ .
وَحَدِيث: " كَانَ [ ﷺ ] إِذا سمع الْمُؤَذّن قَالَ: حَيّ على الْفَلاح، قَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مفلحين " رَوَاهُ ابْن السّني عَن مُعَاوِيَة بِإِسْنَاد ضَعِيف كَمَا فِي الْجَامِع وَشَرحه، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فَضَائِل الْأَعْمَال يجوز الْعَمَل بهَا عِنْد بعض أهل الْعلم مَا لم يشْتَد ضعفها فَيحرم الْعَمَل بهَا.
فصل فِي بدع الْإِقَامَة
وَترك كثير من النَّاس إِجَابَة الْمُؤَذّن بِمثل مَا يَقُول، وتركهم الصَّلَاة على
стр. 48
النَّبِي [ ﷺ ] بعد الْأَذَان، وَطلب الْوَسِيلَة والفضيلة لَهُ مَعَ إتيانهم بِهَذَا فِي الْإِقَامَة جهل مِنْهُم، وَترك للصحيح، ورغبة عَنهُ إِلَى الضَّعِيف، وَرِوَايَة ابْن السّني عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ إِذا سمع الْمُؤَذّن يُقيم يَقُول: " اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة صل على مُحَمَّد وآته سؤله يَوْم الْقِيَامَة " مَوْقُوفَة على أبي هُرَيْرَة وَأَيْضًا فِيهَا غَسَّان بن الرّبيع. قَالَ فِي الْمِيزَان: لَيْسَ حجَّة فِي الحَدِيث، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ضَعِيف أه.
أما الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] وَطلب الْوَسِيلَة لَهُ بعد الْأَذَان فثابتة فِي البُخَارِيّ، وَبهَا تنَال شَفَاعَته [ ﷺ ] (وَكَذَا قَوْلهم) عِنْد إِجَابَة الْإِقَامَة: نعم لَا إِلَه إِلَّا الله بِدعَة.
وَحَدِيث: " إِن بِلَالًا قَالَ: قد قَامَت الصَّلَاة، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : وأقامها الله وأدامها - وَفِي رِوَايَة - وَجَعَلَنِي من صالحي أَعمالهَا - أَو - أَهلهَا، فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَابْن السّني عَن شهر بن حَوْشَب وَهُوَ ضَعِيف عِنْد جمَاعَة ومتروك عِنْد آخَرين، قَالَ فِي الْمِيزَان: شهر بن حَوْشَب مِمَّن لَا يحْتَج بِهِ وَلَا يتدين بحَديثه. وَوَثَّقَهُ بَعضهم أه.
وَقَوْلهمْ: الْكَلَام أَو الْفَصْل بَين الْإِقَامَة وَالْإِحْرَام مُبْطل لَهَا، أَو موجوب لإعادتها، أَو إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة وَجب على الإِمَام التَّكْبِير، إِنَّمَا هُوَ قَول بِغَيْر دَلِيل، (وَالسّنة) تنقضه نقضا، قَالَ البُخَارِيّ: (بَاب الإِمَام تعرض لَهُ الْحَاجة بعد الْإِقَامَة) ثمَّ سَاق عَن أنس قَالَ: " أُقِيمَت الصَّلَاة وَالنَّبِيّ [ ﷺ ] يُنَاجِي رجلا فِي جَانب الْمَسْجِد، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة حَتَّى نَام الْقَوْم ".
وَقَالَ البُخَارِيّ أَيْضا: (بَاب الْكَلَام إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة) وسَاق عَن حميد قَالَ: " سَأَلت ثَابتا الْبنانِيّ عَن الرجل يتَكَلَّم بَعْدَمَا تُقَام الصَّلَاة، فَحَدثني عَن
стр. 49
أنس بن مَالك قَالَ: أُقِيمَت الصَّلَاة فَعرض للنَّبِي [ ﷺ ] رجل فحبسه بعد مَا أُقِيمَت الصَّلَاة ".
الْبَاب الثَّالِث عشر فِي الْبدع الَّتِي قبل تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَفِي دَاخل الصَّلَاة
من الْبدع والضلالات قَوْلهم عِنْد صَلَاة رَكْعَتي الْفجْر: سُبْحَانَ من صبح الاصباح، سُبْحَانَ من طير الْجنَاح. سُبْحَانَ من شأ الْفجْر ولاح. وَكَذَا قَوْلهم سُبْحَانَ الأبدي الْأَبَد، سُبْحَانَ من رفع السَّمَاء بِغَيْر عمد الخ: وَكَذَا قَول بعض أَرْبَاب العمائم الغليظة، والأكمام الواسعة، المتعالمين المتصوفين، عِنْد صَلَاة رَكْعَتي الْفجْر: سُبْحَانَ من تعزز بالعظمة، سُبْحَانَ من تردى بالكبرياء الخ. وَكَذَا قَوْلهم أَيْضا: (بحأ الْحسن وَأَبِيهِ، وجده وأخيه، تكفينا شَرّ دا الْيَوْم وَمَا يتأتىَّ فِيهِ) . كل هَذَا وَمَا شاكله جهالات وضلالات، وغفلات عَن الْموصل إِلَى رضوَان رب البريات، أَلا وَهُوَ الْمَشْرُوع على لِسَان سيد الْمَخْلُوقَات [ ﷺ ] . (وتهليلهم) ثَلَاثًا جمَاعَة بِصَوْت مُرْتَفع مَمْدُود بعد رَكْعَتي الْفجْر بِدعَة (وَالسّنة) الِاضْطِجَاع قَلِيلا بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَقبل صَلَاة الصُّبْح، وَهُوَ ثَابت فِي البُخَارِيّ، وَفِي كتاب ابْن السّني عَن وَالِد أبي الْمليح: " أَنه صلى الْفجْر وَأَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، صلى قَرِيبا مِنْهُ رَكْعَتَيْنِ خفيفتين. قَالَ: ثمَّ سمعته يَقُول وَهُوَ جَالس: اللَّهُمَّ رب جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَمُحَمّد نَعُوذ بك من النَّار ". وَفِي لفظ " وَمُحَمّد النَّبِي [ ﷺ ] أعوذ بك من النَّار " ورمز لَهُ فِي الْجَامِع برمز الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَلَكِن قَالَ شَارِحه الْمَنَاوِيّ: وَفِي مُسْنده مَجَاهِيل. وَقَوْلهمْ عِنْد صَلَاة النَّافِلَة: النَّبِي [ ﷺ ] ، نَوَيْت أُصَلِّي كَذَا جهل وبدعة، وَقَوْلهمْ عِنْد صَلَاة شفع الْعشَاء: الشَّفَاعَة يَا رَسُول الله، وَعند الْوتر سُبْحَانَ الْوَاحِد الْأَحَد، جهل وبدعة.
стр. 50
والوارد فِي سنَن أبي دَاوُد: " أَنه [ ﷺ ] كَانَ يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات يقْرَأ فِي الأولى ب ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ، وَفِي الثَّانِيَة ب ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَة ب ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ويقنت قبل الرُّكُوع، فَإِذا فرغ قَالَ عِنْد فَرَاغه: سُبْحَانَ الْملك القدوس ثَلَاث مَرَّات ويطيل فِي آخِرهنَّ " زَاد الدَّارَقُطْنِيّ: " رب الْمَلَائِكَة وَالروح ". وَقَوْلهمْ عِنْد صَلَاة التَّرَاوِيح: صلوا يَا حضار على النَّبِي الْمُخْتَار الخ. هذيانهم بَين الترويحات كُله بِدعَة شنيعة. (وَكَذَا قَوْلهم) : صَلَاة الْقيام أثابكم الله، والتهليل بَين كل ترويحتين وإدارة التَّبْلِيغ بَينهم، والجهر بِكُل ذَلِك تشويش فِي بيُوت الله. وبدع ضلالات مُنكرَات، الْعَامِلُونَ بهَا فِي عَظِيم الغفلات، وشنيع السَّيِّئَات. وَقِرَاءَة بعض الموسوسين سُورَة النَّاس قبل التَّكْبِير لدفع الوسواس بِدعَة لم تشرع والوسواس لَا يعتري إِلَّا من بِهِ خبل فِي عقله أَو نُقْصَان فِي دينه. وَقَول بعض من يَزْعمُونَ أَنهم عُلَمَاء قبل تَكْبِيرَة الْإِحْرَام:
(قدمت على الْكَرِيم بِغَيْر زَاد ... من الْحَسَنَات بِالْقَلْبِ السَّلِيم)
(وَحمل الزَّاد أقبح مَا يكون ... إِذا كَانَ الْقدوم على كريم)
بِدعَة ذميمة، وغفلة عَظِيمَة، وَوُقُوع مثل هَذَا من الْعلمَاء داهية أليمة، ورزية وخيمة، كَيفَ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ . (وَكَذَا قراءتهم) قبل التَّكْبِير آيَة ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ الْآيَة: بِدعَة لم تشرع، بل فِي وُجُوههم تدفع، وَبهَا أقفيتهم تصفع، إِذْ لم يَأْتِ بهَا فِي هَذَا الْمَكَان عَن الْمَعْصُوم المشرع نَص يسمع. وَقَوْلهمْ: اللَّهُمَّ أحسن وقوفنا بَين يَديك، وَلَا تخزنا يَوْم الْعرض عَلَيْك، بِدعَة وَقَوْلهمْ نَوَيْت أُصَلِّي كَذَا مُسْتَقْبل الْقبْلَة، أَربع رَكْعَات، إِمَامًا أَو مَأْمُوما، أَدَاء أَو قَضَاء، فرض الْوَقْت. هَذِه عشر بدع ضلالات. كل بِدعَة مِنْهَا ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار ﴿فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ .
стр. 51
وَقد كَانَ [ ﷺ ] " يفْتَتح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " رَوَاهُ مُسلم. وَقَالَ للأعرابي: " إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فالزائد على الْمَشْرُوع مَرْدُود لحَدِيث: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وبدعة ضَلَالَة صَاحبهَا فِي النَّار (والتلفظ) بِالنِّيَّةِ بِدعَة. وَقَوْلهمْ أُصَلِّي وَأَتَوَكَّل بِاللَّه بِدعَة (والجهر والتشويش) بتكبيرة الْإِحْرَام بِدعَة (وتمطيط) تَكْبِيرَة الْإِحْرَام كَقَوْل بعض ذَوي الشُّرُوح والحواشي من متأخري الْمُتَأَخِّرين الَّذين لَا يعول على أَقْوَالهم فِي الدّين: وَيكبر مَادًّا صَوته بِالتَّكْبِيرِ إِلَى ثنتى عشرَة حَرَكَة، ويستحضر وقتئذ جَمِيع فَرَائض الصَّلَاة وسننها ومستحباتها وهيئاتها إِلَخ، بدع من القَوْل وزور، وضلال وإضلال، وبهتان وغرور، ﴿إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون﴾ ، ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله الْكَذِب وَهُوَ يدعى إِلَى الْإِسْلَام﴾ ، (وَترك الْمَالِكِيَّة) لقِرَاءَة دُعَاء الاستفتاح اعتقاداً بِأَنَّهُ مَكْرُوه عِنْدهم حرمَان عَظِيم، وَجَهل كَبِير وبدعة.
(وَالْعجب يَا أخي) من أَصْحَاب التصانيف من متأخري الْمَالِكِيَّة حَيْثُ يَقُولُونَ فِيهَا بِكَرَاهَة دُعَاء الاستفتاح مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَة عِنْد الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَلَكِن لَا عجب، فَإِنَّهُم عَن كتب السّنة مبعدون، بل وَعَن الْقِرَاءَة فِيهَا لتلاميذهم ينهون، بِحجَّة أَنهم مقلدون، لَا مجتهدون، أَو لَيْسُوا لَهَا أَهلا، فبئس مَا يصنعون، إِنَّهُم قوم يجهلون، وَهَذَا الَّذِي يَقُولُونَ بكراهته مَرْوِيّ من عدَّة وُجُوه صَحِيحَة. (الأول) رِوَايَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة قَالَ: " وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض " إِلَخ رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم وَأَصْحَاب السّنَن. (الثَّانِي) حَدِيث أبي هُرَيْرَة: ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يسكت بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة، فَقلت: بِأبي وَأمي، إسكاتك
стр. 52
بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة مَا تَقول؟ قَالَ: أَقُول اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب، اللَّهُمَّ نقني من خطاياي، كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بِالْمَاءِ، والثلج، وَالْبرد " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَحْمد، وَأهل السّنَن. (الثَّالِث) : ورد أَنه [ ﷺ ] كَانَ يَقُول: الله أكبر ثَلَاثًا، الْحَمد لله ثَلَاثًا، سُبْحَانَ الله بكرَة وَأَصِيلا ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم، من همزه، ونفثه " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره. (الرَّابِع) : ورد فِي رِوَايَة أَنه " [ ﷺ ] ، كَانَ يَقُول: الله أكبر عشر مَرَّات، ثمَّ يسبح عشرا، ثمَّ يحمد عشرا، ويهلل عشرا، ويستغفر عشرا، ثمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، واهدني وارزقني عشرا، ثمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من ضيق الْمقَام يَوْم الْقِيَامَة عشرا ". (الْخَامِس) : ورد أَنه [ ﷺ ] ، كَانَ يَقُول بعد التَّكْبِير: " واللهم باعد بيني وَبَين خطاياي، كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب، اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بِالْمَاءِ؛ والثلج وَالْبرد، وَالله نقني من الذُّنُوب والخطايا، كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس ". (السَّادِس) : حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا استفتح الصَّلَاة قَالَ: سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، تبَارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَغَيرهم.
فحذار من طَاعَة من يَأْمُركُمْ بترك السّنة.
واعتقاد كثير من الشَّافِعِيَّة، أَن ترك الإِمَام الْمَالِكِي للبسملة فِي الصَّلَاة مُفسد لَهَا اعْتِقَاد غير صَحِيح، وتفريق بَين الْأمة.
وَالسّنة الصَّحِيحَة أَن لَا تتْرك الْبَسْمَلَة، فَإِن تركت فَلَا بطلَان، لَكِن القَوْل بِكَرَاهَة الْبَسْمَلَة خطأ كَبِير. والْحَدِيث فِي ذَلِك ضَعِيف.
стр. 53
وَترك الْمَالِكِيَّة لضرب الْيَدَيْنِ إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، اعتقاداً بِأَنَّهُ مَكْرُوه فِي مَذْهَب مَالك، جهل وبدعة، إِذْ قد صَحَّ فِي ذَلِك عَنهُ [ ﷺ ] فِي عدَّة أَحَادِيث، وَقَالَ غير وَاحِد من أهل الْعلم: هِيَ مروية عَن ثَمَانِيَة عشر صحابيا، فَلم يثبت الْإِرْسَال عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَلَا عَن الصَّحَابَة وَلَا مرّة، بل ثَبت فِي موطأ الإِمَام مَالك، صفحة ١٧٣ و ١٧٤، عَن ابْن أبي الْمخَارِق، قَالَ: من كَلَام النُّبُوَّة " إِذا لم تستح فافعل مَا شِئْت، وَوضع الْيَدَيْنِ إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فِي الصَّلَاة: يضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى؛ وتعجيل الْفطر " والاستيناء بالسحور ". وَفِيه أَيْضا عَن سهل بن سعد قَالَ: " كَانَ النَّاس يؤمرون أَن يضع الرجل الْيَد الْيُمْنَى على ذراعه الْيُسْرَى فِي الصَّلَاة ". قَالَ أَبُو حَازِم: لَا أعلم إِلَّا أَنه ينمي ذَلِك - أَي يرفعهُ - إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، رَوَاهُ البُخَارِيّ هَكَذَا وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم.
ثمَّ إِذا تبين لَك هَذَا، فَاعْلَم أَن الْإِرْسَال دَائِما، لغير ضَرُورَة، بِدعَة وحرمان من فضل مُتَابعَة النَّبِي [ ﷺ ] .
وَوضع الْيَدَيْنِ على الْجَانِب الْأَيْسَر لأجل حفظ الْإِيمَان، أَو لِأَن عمر، أَو الشَّافِعِي، كَمَا يهرفون لما ضرب فِي جنبه الْأَيْسَر، وَهُوَ يُصَلِّي وضع يَده فَوق جنبه على الضَّرْبَة: كَلَام أفرغ من بطن حمَار، وجهالة، وضلالة وبدعة.
وَالسّنة: جعلهَا على الصَّدْر.
وَترك الْمَأْمُومين قِرَاءَة الْفَاتِحَة خلف إمَامهمْ، نقص فِي صلَاتهم، لحَدِيث أَحْمد، وَابْن مَاجَه: أَنه [ ﷺ ] قَالَ: كل صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِأم الْكتاب، فَهِيَ خداج نقص غير تَامّ "، أما حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن والمسند أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب " فَهُوَ صَرِيح فِي بُطْلَانهَا، وَالتَّشْدِيد فِي مخارج الْحُرُوف فِي الْقِرَاءَة
стр. 54
وترديد الْكَلِمَة وَسْوَسَة مذمومة، وَخُرُوج عَن قانون أدب الصَّلَاة، ومفسد لَهَا. وَرِوَايَة: اللَّهُمَّ اغْفِر لي ولوالدي وللمسلمين، عِنْد قَول الإِمَام وَلَا الضَّالّين: بِدعَة. (وَالسّنة) التَّأْمِين مَعَ الإِمَام فَقَط، لما رَوَاهُ البُخَارِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا، فَإِنَّهُ من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ ".
واقتصار أُلُوف من النَّاس على قِرَاءَة آيَة: ﴿إِن الله مَعَ الصابرين﴾ بعد الْفَاتِحَة فِي الرَّكْعَة الأولى، وعَلى ﴿إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ بعد الثَّانِيَة، أَو يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْفَاتِحَة: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته﴾ - إِلَى - ﴿تَسْلِيمًا﴾ ، أَو ﴿سُبْحَانَ رَبك﴾ - إِلَى - ﴿الْعَالمين﴾ دلَالَة على تفريطهم فِي دين الله وجهلهم بِهِ، وتقصيرهم فِي طلب الْعلم الْوَاجِب، على أَنَّك تراهم يحفظون خمسين موالا، وَمِائَة حدوتة، أَو يحفظون أحزاب الرفاعية كلهَا، أَو ثلث مَجْمُوع الأوراد أَو نصفه أَو دَلَائِل الْخيرَات كلهَا فَإنَّا لله، وَكَذَا من الْغَفْلَة عَن الله والبعد عَنهُ، مواظبة الألوف من النَّاس على قِرَاءَة: وَالْعصر، والكوثر، وَالْإِخْلَاص فِي جَمِيع صلواتهم - رَغْبَة مِنْهُم فِي التَّخْفِيف؛ واستعجال الصَّلَاة - وَلَا شكّ أَن هَؤُلَاءِ يقطعون بذلك مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل، فَلِذَا تراهم يصلونَ ويفسدون فِي الأَرْض. وَعَن أبي هُرَيْرَة، ﵁: " أَن رجلا دخل الْمَسْجِد، وَرَسُول الله [ ﷺ ] جَالس فِي نَاحيَة الْمَسْجِد فصلى، ثمَّ جَاءَ فَسلم عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] : وَعَلَيْك السَّلَام، ارْجع فصل، فَإنَّك لم تصل، فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم، فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام، فَارْجِع فصل فَإنَّك لم تصل فصلى، ثمَّ جَاءَ فَسلم، فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام، فَارْجِع فصل فَإنَّك لم تصل، فَقَالَ فِي الثَّانِيَة، أَو فِي الَّتِي تَلِيهَا: عَلمنِي يَا رَسُول الله. فَقَالَ: إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء، ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة، فَكبر، ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن، ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تستوي قَائِما؛ ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن
стр. 55
سَاجِدا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا، ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَعَن أبي قَتَادَة، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : أَسْوَأ النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق من صلَاته، قَالُوا: يَا رَسُول الله، كَيفَ يسرق من صلَاته؟ قَالَ: لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها. أَو قَالَ: لَا يُقيم صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود " رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره.
وَقَول بعض الْحَوَاشِي: وتكفي الْآيَة القصيرة: ﴿مدهامتان﴾ تغرير، وَجَهل وتضليل، وَصَلَاة الرَّسُول [ ﷺ ] وَأَصْحَابه لَيست كَذَلِك قطعا، وَقَول بعض الْحَوَاشِي: من واظب على قِرَاءَة ﴿ألم نشرح﴾ و ﴿ألم تَرَ كَيفَ﴾ فِي رَكْعَتي الْفجْر، وَالْمغْرب! أذهب الله عَنهُ دَاء البواسير أَو لم يرمد، أَو لم يصبهُ فِي يَوْمه ألم. كُله بَاطِل، وموضوع لَا أصل لَهُ الْبَتَّةَ، وَهَذَا من أَرْبَاب الْحَوَاشِي صد للنَّاس عَن مُتَابعَة السّنة الَّتِي هِيَ سَبِيل الله، وفيهَا رضوانه الْأَكْبَر، فَإِنَّهُ قد ثَبت أَنه [ ﷺ ] ، كَانَ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر وَالْمغْرب فِي الأولى بعد الْفَاتِحَة: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ وَفِي الثَّانِيَة: ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء﴾ الْآيَة؛ وَأَيْضًا كَانَ [ ﷺ ] يقْرَأ فيهمَا: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ .
وَقَول بعض الْمَأْمُومين: صدق الله الْعَظِيم عِنْد فرَاغ الإِمَام من قِرَاءَة السُّورَة: بِدعَة، وَإِدْخَال مَا لَيْسَ من الصَّلَاة فِيهَا. بل قَوْلهَا عقب الْقِرَاءَة خَارج الصَّلَاة بِدعَة، فَكيف بهَا فِي الصَّلَاة؟ .
فصل فِي بَيَان السُّور الَّتِي كَانَ يقْرَأ بهَا الرَّسُول [ ﷺ ] فِي الصَّلَوَات
قَالَ فِي سفر السَّعَادَة مَا مؤداه: وَكَانَ [ ﷺ ] . بعد أذكار الاستفتاح يَقُول: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم. ثمَّ يقْرَأ الْفَاتِحَة. وَكَانَ
стр. 56
يجْهر بالبسملة فِي بعض الْأَوْقَات. ويخفيها غَالِبا، وَكَانَ يقْرَأ مُرَتبا مرتلا وَيقف عِنْد آخر كل آيَة، ويمد آخر الْكَلِمَة. وَيَقُول: آمين بعد فرَاغ الْفَاتِحَة يجْهر بهَا فِي الصَّلَاة الجهرية، ويخفيها فِي السّريَّة، وَيُوَافِقهُ فِي التَّأْمِين المقتدون بأسرهم. وَكَانَ يُرَاعِي سكتتين فِي الصَّلَاة: سكتة بَين التَّكْبِير وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وسكتة ثَانِيَة بَين فرَاغ من الْفَاتِحَة، وَقِرَاءَة السُّورَة.
الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الصُّبْح
وَكَانَ [ ﷺ ] يقْرَأ فِي صَلَاة الصُّبْح بعد الْفَاتِحَة سُورَة مُطَوَّلَة، مِقْدَار سِتِّينَ آيَة، أَو مائَة آيَة. وَأَحْيَانا يقْرَأ سُورَة ق. وَأَحْيَانا سُورَة الرّوم، وَأَحْيَانا يُخَفف إِلَى حد أَنه كَانَ يقْتَصر على قِرَاءَة إِذا زلزلت وَأَحْيَانا بالمعوذتين، وَكَذَلِكَ كَانَ الصّديق يقْرَأ فِي الصُّبْح بِسُورَة الْبَقَرَة، وَعمر كَانَ يقْرَأ حينا بِيُوسُف وحينا بهود، وَبني إِسْرَائِيل.
وَكَانَ [ ﷺ ] ، فِي السّفر يقْرَأ أَحْيَانًا: ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ وَكَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة فجر يَوْم الْجُمُعَة سُورَة: ﴿الم تَنْزِيل﴾ السَّجْدَة فِي الرَّكْعَة الأولى، ﴿وَهل أَتَى﴾ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة.
الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الظّهْر
وَأما صَلَاة الظّهْر، فَكَانَ يطولها، بِحَيْثُ إِنَّه كَانَ فِي بعض الأحيان بعد إِقَامَة صَلَاة الظّهْر، يسير الْمَاشِي إِلَى قبَاء، وَيرجع إِلَى الصَّلَاة، وَلم يكن ركع فِي الرَّكْعَة الأولى.
الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْعَصْر
وَأما صَلَاة الْعَصْر، فَكَانَت مِقْدَار نصف صَلَاة الظّهْر، وَأَحْيَانا أخف من ذَلِك.
стр. 57
الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْمغرب
وَأما صَلَاة الْمغرب، فَكَانَ يطولها أَحْيَانًا، بِحَيْثُ إِنَّه كَانَ يقْرَأ سُورَة الْأَعْرَاف فِي الرَّكْعَتَيْنِ، يقْرَأ فِي كل رَكْعَة نصفهَا، وحينا يقْرَأ الصافات، وحينا المرسلات، وحينا قصار الْم فصل ، وَقد صحت الرِّوَايَات بِهَذَا الْمَجْمُوع، وَالسّنة، أَن لَا يواظب على نمط وَاحِد من تَطْوِيل، أَو تَقْصِير، بل يطول حينا، وَيقصر حينا بِحَسب الْحَال وَالْوَقْت.
الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْعشَاء
وَأما صَلَاة الْعشَاء فقد عين لِمعَاذ سُورَة: الشَّمْس وَسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَاللَّيْل إِذا يغشى. وَمنعه من قِرَاءَة الْبَقَرَة وَنَحْوهَا وزجره وَقَالَ لَهُ [ ﷺ ] : " أفتان أَنْت يَا معَاذ؟ " وَعين لَهُ: إِذا السَّمَاء انفطرت، والانشقاق، والبروج، والطارق.
الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
وَأما صَلَاة الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى سُورَة الْجُمُعَة. وَفِي الثَّانِيَة سُورَة الْمُنَافِقين. وَحين التَّخْفِيف يقْرَأ سبح والغاشية. وَكَانَ يقْرَأ فِي الْعِيدَيْنِ بسورتي: ق، واقتربت. وَقد يقْرَأ بسبح والغاشية. وعَلى هَذَا واظب [ ﷺ ] إِلَى آخر عمره.
فصل
وَفِي سنَن النَّسَائِيّ: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يَأْمُرنَا بِالتَّخْفِيفِ ويؤمنا بالصافات " وَلم يعين شَيْئا من السُّور لشَيْء من الصَّلَوَات سوى الْجُمُعَة الْعِيدَيْنِ قَالَ عبد الله بن عمر: " مَا من سُورَة من طوال الْمفصل وقصاره إِلَّا وَقد سَمعتهَا من رَسُول الله [ ﷺ ] يَقْرَأها فِي صَلَاة الْفَرِيضَة، وَكَانَ يقْرَأ
стр. 58
السُّورَة بِتَمَامِهَا غَالِبا، وَفِي النَّادِر كَانَ يقْرَأ بعض السُّورَة لبَيَان الْجَوَاز. أه بِتَصَرُّف قَلِيل.
فصل
فِي بَيَان سنية الدُّعَاء وَالذكر والتعوذ إِذا مر الْمُصَلِّي بِآيَة رَحْمَة أَو آيَة عَذَاب روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن حُذَيْفَة قَالَ: " صليت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] ذَات لَيْلَة فَافْتتحَ الْبَقَرَة فَقلت: يرْكَع عِنْد الْمِائَة. ثمَّ مضى فَقلت يُصَلِّي بهَا فِي رَكْعَة. فَمضى. فَقلت: يرْكَع بهَا، ثمَّ افْتتح النِّسَاء فقرأها، ثمَّ افْتتح آل عمرَان فقرأها، يقْرَأ مترسلا إِذا مر بِآيَة تَسْبِيح سبح. وَإِذا مر بسؤال سَأَلَ. وَإِذا مر بتعوذ تعوذ. ثمَّ ركع، فَجعل يَقُول سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم. فَكَانَ رُكُوعه نَحوا من قِيَامه، ثمَّ قَالَ سمع الله لمن حَمده. ثمَّ قَامَ قيَاما طَويلا قَرِيبا مِمَّا ركع، ثمَّ سجد فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فَكَانَ سُجُوده قَرِيبا من قِيَامه - قَالَ: فَأطَال حَتَّى هَمَمْت بِأَمْر سوء. قيل: وَمَا هَمَمْت بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْت أَن أَجْلِس وأدعه ". وروى أَحْمد وَابْن مَاجَه من طَرِيق ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي ليلى عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ " يقْرَأ فِي صَلَاة لَيست بفريضة، فَمر بِذكر الْجنَّة وَالنَّار. فَقَالَ: أعوذ بك من النَّار، ويل لأهل النَّار ". وَأخرج أَحْمد عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كنت أقوم مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] لَيْلَة التَّمام فَكَانَ يقْرَأ سُورَة الْبَقَرَة، وَآل عمرَان، وَالنِّسَاء، فَلَا يمر بِآيَة فِيهَا تخويف إِلَّا دَعَا الله واستعاذ، وَلَا يمر بِآيَة فِيهَا استبشار إِلَّا دَعَا الله وَرغب إِلَيْهِ ". " وَكَانَ [ ﷺ ] إِذا مر بِآيَة فِيهَا خوف، تعوذ. وَإِذا مر بِآيَة رَحْمَة، سَأَلَ، وَإِذا مر بِآيَة فِيهَا تَنْزِيه الله، سبح " أخرجه أَحْمد وَمُسلم وَغَيرهمَا.
стр. 59
" وَكَانَ [ ﷺ ] إِذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ قَالَ: " بلَى " وَإِذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَم الْحَاكِمين﴾ قَالَ: " بلَى، وَأَنا على ذَلِك من الشَّاهِدين ".
وَفِي تَفْسِير الإِمَام الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس أَنه " كَانَ إِذا قَرَأَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ يَقُول: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. وَإِذا قَرَأَ ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة﴾ فَأتى على آخرهَا ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبلى " وَعَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن النَّبِي [ ﷺ ] " كَانَ إِذا قَرَأَهَا قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَفِيه عَن قَتَادَة أَنه " كَانَ إِذا تَلا ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَم الْحَاكِمين﴾ . قَالَ: بلَى وَأَنا على ذَلِك من الشَّاهِدين - أَحْسبهُ كَانَ يرفع ذَلِك. وَإِذا قَرَأَ ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ قَالَ بلَى. وَإِذا تَلا ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ قَالَ آمَنت بِاللَّه وَبِمَا أنزل ".
فصل
وَحَدِيث: " مَا زَالَ [ ﷺ ] يقنت فِي الْفجْر حَتَّى فَارق الدُّنْيَا " ضَعِيف جدا، ومحال أَو يواظب عَلَيْهِ النَّبِي [ ﷺ ] طول حَيَاته يَدْعُو وهم يُؤمنُونَ على دُعَائِهِ كل فجر؛ ثمَّ لَا يتواتر ذَلِك عَنهُ، بل يأتينا من طرق ضَعِيفَة واهية بل يَقُول بعض الصَّحَابَة: إِنَّه مُحدث وبدعة، نعم كَانَ [ ﷺ ] يقنت عِنْد النَّوَازِل فِي الصَّلَوَات كلهَا. وَعلم الْحسن بن عَليّ أَن يَقُول قنوت الْوتر " اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت إِلَخ، وَهَذَا ثَابت فِي الْمسند وَالسّنَن الْأَرْبَع وَحسنه التِّرْمِذِيّ. (وتقليب أَيْديهم فِي دُعَاء الْقُنُوت عِنْد قَوْلهم: إِنَّه لَا يذل من واليت) بِدعَة وحركة فِي الصَّلَاة سَيِّئَة، وَقَوْلهمْ: حق حق أثْنَاء قِرَاءَة الإِمَام للقنوت بِدعَة، إِن لم تكن مفْسدَة للصَّلَاة فَأَقل أحوالها الْكَرَاهَة، وَمِنْهُم من يَقُول: حأحأ - أَو حك حك (وَمسح) وُجُوههم وصدورهم بأكفهم بعده
стр. 60
بِدعَة. وَقَوْلهمْ. فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر الخ بِدعَة وعدول عَن السّنة إِلَى مَا تهوى الْأَنْفس وَالسّنة أَن يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده وَإِذا رفع من الرُّكُوع وَإِذا جلس بَين السَّجْدَتَيْنِ مَا يَأْتِي فِي هَذَا الْفَصْل.
فصل فِي أذكار الرُّكُوع وَالسُّجُود وَمَا بَينهمَا
فِي السّنَن الْأَرْبَعَة عَن حُذَيْفَة ﵁ أَنه سمع رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول إِذا ركع: " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاث مَرَّات، وَإِذا سجد قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " ثَلَاث مَرَّات. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂: قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يكثر أَن يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي " وَفِي صَحِيح مُسلم ﵀ عَنْهَا " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده، سبوح قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح " وَفِي سنَن أبي دَاوُد ﵀ عَن عَوْف بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده: سُبْحَانَ ذِي الجبروت والملكوت والكبرياء وَالْعَظَمَة " وَفِي صَحِيح مُسلم ﵀ عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع قَالَ: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد ملْء السَّمَوَات وَالْأَرْض وملء مَا بَينهمَا وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد أهل الثَّنَاء وَالْمجد، أَحَق مَا قَالَ العَبْد وكلنَا لَك عبد؛ لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد " وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ عَن رِفَاعَة بن رَافع ﵁ قَالَ: " كُنَّا نصلي يَوْمًا وَرَاء النَّبِي ( [ ﷺ ] ) فَلَمَّا رفع رَأسه من الرَّكْعَة قَالَ: سمع الله لمن حَمده. فَقَالَ رجل من وَرَائه: رَبنَا وَلَك الْحَمد، حمداً كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرف
стр. 61
قَالَ: من الْمُتَكَلّم؟ قَالَ: أَنا يَا رَسُول الله، قَالَ: لقد رَأَيْت بضعَة وَثَلَاثِينَ ملكا يبتدرونها أَيهمْ يَكْتُبهَا أول " وَفِي صَحِيح مُسلم ﵀ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد، فَأَكْثرُوا الدُّعَاء " وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) " كَانَ يَقُول فِي سُجُوده: اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله، دقه وجله أَوله وَآخره، وعلانيته وسره " وَقَالَت عَائِشَة ﵂: " افتقدت النَّبِي ( [ ﷺ ] ) ذَات لَيْلَة فالتمسته فَوَقَعت يَدي على بطن قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد وهما منصوبتان وَهُوَ يَقُول. اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عُقُوبَتك، وَأَعُوذ بك مِنْك، لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك، أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك " وروى مُسلم هَذِه الْأَحَادِيث، وَفِي سنَن أبي دَاوُد ﵀ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) يَقُول بَين السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني واهدني وأجبرني وَعَافنِي وارزقني " وَفِي السّنَن أَيْضا عَن حُذَيْفَة ﵁ أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) كَانَ يَقُول بَين السَّجْدَتَيْنِ. " رب اغْفِر لي رب اغْفِر لي " أهـ. من الوابل الصيب.
فصل
وَترك الذّكر الْوَارِد بعد الرّفْع من الرُّكُوع مُبْطل الصَّلَاة على بعض الْمذَاهب، وَالْإِمَام أَحْمد يَقُول بِوُجُوب جَمِيع أذكار الصَّلَاة وَعدم نصب الْقَدَمَيْنِ جَمِيعًا حَال السُّجُود، وَعدم سُجُود الْأنف مَعَ الْجَبْهَة نقص فِي الصَّلَاة وَمُخَالفَة لقَوْله ( [ ﷺ ] ) : " أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أَعْضَاء " وَقَوله: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه ( [ ﷺ ] )
стр. 62
[ ﷺ ] : " لَا صَلَاة لمن لم يضع أَنفه على الأَرْض "، والنقر فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود مُبْطل للصَّلَاة فِي جَمِيع الْمذَاهب حَتَّى الْحَنَفِيَّة، بل قد كَانَ [ ﷺ ] يَقُول: " لَا تُجزئ صَلَاة لَا يُقيم الرجل فِيهَا صلبة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود ". رَوَاهُ أَحْمد وَصَحَّ أَنه " نهى عَن نقرة الْغُرَاب "، وَقد كَانَ [ ﷺ ] يطول هَذِه الجلسة وَفِي الِاعْتِدَال من الرُّكُوع حَتَّى يظنّ أَنه نسي، وَهَذَا الْفِعْل الْجَلِيل قد تَركه جلّ النَّاس بل قد نسى، وتعمير الْأَركان وَهُوَ تمطيط التَّكْبِير من كل النَّاس حَتَّى الْعلمَاء حِين الهبوط للرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْقِيَام مِنْهُ بِدعَة وحك الجباه بِالْأَرْضِ حَال السُّجُود جهل وبدعة والتسييد أَي قَوْلهم: " سيدنَا " فِي الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] بعد التَّشَهُّد وَغَيره لم يرد أصلا وَلم ينْقل عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَلَا التَّابِعين وَلم يرو إِلَّا فِي حَدِيث لَو صَحَّ لَكَانَ دَلِيلا لنا وَهُوَ: " لَا تسيدوني فِي الصَّلَاة " وَلَا أصل لَهُ وَهُوَ ملحون وَصِحَّة اللَّفْظ: " لَا تسودوني " وَلَو كَانَ مَنْدُوبًا لما خَفِي عَلَيْهِم وهم أعلم النَّاس بِمَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله.
وَقد اخْتلف الأصوليون: هَل الْأَدَب أحسن أم الِاتِّبَاع؟ وَرجح الثَّانِي بل هُوَ الْأَدَب وَقَوْلهمْ عِنْد التَّسْلِيم على الْيَمين أَسأَلك الْفَوْز بِالْجنَّةِ، وعَلى الْيَسَار أعوذ بك من النَّار بِدعَة، وَالْإِشَارَة بالأكف يمنة ويسرة مَعَ التَّسْلِيم بِدعَة، وَقد أنكر [ ﷺ ] على فاعلي ذَلِك بقوله: " مَا بَال أَيْدِيكُم كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره وَالتَّسْلِيم الْمَشْرُوع الثَّابِت الصَّحِيح عَنهُ [ ﷺ ] أَنه كَانَ يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره " السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، السَّلَام عَلَيْكُم رَحْمَة الله، حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه " رَوَاهُ الْخَمْسَة، وَزَاد أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه " وَبَرَكَاته ".
وَقد ذهب الْأُسْتَاذ على مَحْفُوظ ﵀ حَيْثُ ذكر فِي كتاب الإبداع
стр. 63
تبعا لمراقي الْفَلاح: أَن من الْبدع زِيَادَة (وَبَرَكَاته) وَالْحق أَنَّهَا سنة صَحِيحَة، وَلَيْسَت بِدعَة، وَقد صحّح هَذِه الزِّيَادَة الْحَافِظ بن حجر فِي بُلُوغ المرام، وَكَذَا صَاحب الرَّوْضَة الندية، وَصَاحب سبل السَّلَام، وشارح الْمُنْتَقى وَلَفظه عِنْد الْكَلَام على حَدِيث ابْن مَسْعُود " أَنه [ ﷺ ] كَانَ يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره " السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه " قَالَ: زَاد أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَائِل " وَبَرَكَاته " وأخرجها أَيْضا ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَكَذَلِكَ ابْن مَاجَه من حَدِيثه، قَالَ الْحَافِظ فِي التَّلْخِيص: فيتعجب من ابْن الصّلاح حَيْثُ يَقُول: إِن هَذِه الزِّيَادَة لَيست فِي شَيْء من كتب الحَدِيث إِلَّا فِي رِوَايَة وَائِل بن حجر، وَقد ذكر لَهَا الْحَافِظ طرقا كَثِيرَة فِي تلقيح الأفكار، تَخْرِيج الْأَذْكَار لما قَالَ النَّوَوِيّ: إِن زِيَادَة " وَبَرَكَاته " رِوَايَة فردة، ثمَّ قَالَ الْحَافِظ بعد أَن سَاق تِلْكَ الطّرق: فَهَذِهِ عدَّة طرق ثبتَتْ بهَا " وَبَرَكَاته " بِخِلَاف مَا يُوهِمهُ كَلَام الشَّيْخ أَنَّهَا رِوَايَة فردة أهـ. نعم لم يثبت من طَرِيق صَحِيح وَلَا ضَعِيف مَقْبُول أَنه [ ﷺ ] اقْتصر على تَسْلِيمَة وَاحِدَة فِي الْفَرْض، فالاقتصار عَلَيْهَا لَيْسَ حسنا.
فصل فِي تَحْقِيق القَوْل فِي صِحَة صَلَاة مَكْشُوف الرَّأْس
من عيوبنا معشر المتدينين اسْتِمْرَار النزاع. ودوام الْخُصُومَات الدِّينِيَّة بَيْننَا فَتَارَة تَجِد المعارك قَائِمَة محتدمة ويشترك فِيهَا الْعلمَاء وَأَصْحَاب الجرائد والمجلات، وتستمر المعركة قَائِمَة شهرا وأشهراً وَسنة بل وسنين، لأجل الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ. وَتارَة يتخاصمون لأجل سنية العذبة، وَتارَة يتحاربون لأجل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم بعد الْأَذَان، وَسورَة الْكَهْف، وَمرَّة يتقاتلون لأجل تَأْوِيل آيَات الصِّفَات، وَمَا من حكم من أَحْكَام الشَّرِيعَة الحنيفية السمحة، إِلَّا اخْتلفُوا فِيهِ وتعصبوا كل
стр. 64
لرأيه وَتَنَازَعُوا وفشلوا وَأَصْبحُوا أحزاباً وشيعا بِهِ. وبدت بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء والتنافر الَّذِي وصل بهم إِلَى حد سفك الدِّمَاء.
وَالْأَمر وَالله سهل جدا، فقد بَين الله سُبْحَانَهُ الدَّاء والدواء حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول، إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَلَكِن الْقَوْم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر بل يُؤمنُونَ بالمشايخ ويفضلون حكمهم على حكم الله وَرَسُوله، وَلذَا طَال النزاع وَاشْتَدَّ بَيْننَا الْجِدَال وَالْخِصَام واحتدم.
والآن نتكلم عَن مَسْأَلَة كشف رَأس الْمصلى. وَهِي من أبسط وأخف الْمسَائِل الدِّينِيَّة الَّتِي لَا يعاقبنا الله عَلَيْهَا إِن تركناها، وَلَا يزيدنا أجرا وثوابا إِن فعلناها، وَلَكِن للضَّرُورَة نتكلم فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
الرَّأْس لَيْسَ عَورَة بِإِجْمَاع الْمُسلمين؛ وَلم يقل أحد فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا بِبُطْلَان صَلَاة حاسر الرَّأْس، بل قد أوجبوا الصَّلَاة على العاري الَّذِي لم يجد مَا يستر بِهِ سوأتيه، وَأوجب الله على كل حَاج أَن يكْشف رَأسه فِي الصَّلَاة وَالطّواف، وَفِي أفضل مَكَان وَأفضل بقْعَة. وَأفضل عبَادَة يرجع الْمُؤمن بعْدهَا من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه.
ثمَّ كل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي العمائم وفضلها لَا شكّ أَنَّهَا بَاطِلَة وموضوعة كَحَدِيث " صَلَاة بعمامة تعدل خمْسا وَعشْرين صَلَاة؛ وَجمعه بعمامة تعدل سبعين جُمُعَة " وَهُوَ مَكْذُوب مفترى.
و" الصَّلَاة فِي الْعِمَامَة بِعشْرَة آلَاف حَسَنَة " بَاطِل كَذَلِك، انْظُر أَسْنَى المطالب وَغَيره.
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير " كَانَ [ ﷺ ] يلبس القلانس تَحت العمائم، وَبِغير العمائم ويلبس العمائم بِغَيْر قلانس، وَكَانَ يلبس القلانس اليمانية؛ وَهن الْبيض المضربة ويلبس ذَوَات الآذان فِي الْحَرْب؛ وَكَانَ رُبمَا نزع قلنسوته فَجَعلهَا
стр. 65
ستْرَة بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ من خلقه أَن يُسمى سلاحه ودوابه ومتاعه " وَقَالَ أخرجه الرَّوْيَانِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس ورمز بضعفه، وَفِي هَذَا الحَدِيث يُفِيد كشف رَأسه [ ﷺ ] أَحْيَانًا فِي الصَّلَاة إِلَّا أَنه ضَعِيف.
وأوضح من هَذَا وَأكْثر بَيَانا، وَأعظم وَأفضل اطمئناناً، مَا ورد عَن عَمْرو بن سَلمَة قَالَ: " لما كَانَت وقْعَة الْفَتْح بَادر كل قوم وبادر أبي قومِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قدم قَالَ جِئتُكُمْ من عِنْد النَّبِي حَقًا، فَقَالَ: صلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، فَإِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن أحدكُم وليؤمكم أَكْثَرَكُم قُرْآنًا. فنظروا فَلم يكن أحد أَكثر قُرْآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركْبَان. فقدموني بَين أَيْديهم. وَأَنا ابْن سِتّ سِنِين أَو سبع سِنِين، وَكَانَت على بردة كنت إِذا سجدت تقلصت عني، فَقَالَت امْرَأَة من الْحَيّ: أَلا تغطون عَنَّا إست قارئكم؟ فاشتروا فَقطعُوا لي قَمِيصًا فَمَا فرحت بِشَيْء فرحي بذلك الْقَمِيص " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ.
وَقد روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن سهل قَالَ: " كَانَ رجال يصلونَ مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] عاقدي أزرهم على أَعْنَاقهم كَهَيئَةِ الصّبيان، وَقَالَ للنِّسَاء لَا ترفعن رءوسكن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا " وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك مَخَافَة أَن يطلع النِّسَاء على عورات الرِّجَال.
فَإِذا كَانَ كشف السوأتين فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا الشَّرْع لَا صَلَاة الإِمَام وَلَا الْمَأْمُوم على السوَاء، فَهَل يَلِيق بعاقل بعد هَذَا أَن يتَكَلَّم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا بِهَذَا الَّذِي تبين ووضح وَصَحَّ سَنَده عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ؟ فدعوا التعصب والتهريج فِيمَا لَا يجدي.
стр. 66
وَمَعَ هَذَا فَإِنِّي لَا أوافق جمَاعَة أنصار السّنة على مغالاتهم وتشددهم فَوق الْمَطْلُوب فِي هَذَا الْمَوْضُوع الْبَسِيط، كَمَا لَا أوافق هَؤُلَاءِ الْعَوام والجهلة والمتعالمين على مشادة أهل الْحق بأباطيلهم وأضاليلهم، وَمَا يضربونه لذَلِك من أَمْثَال.
وَأما آيَة ﴿خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾ فقد نزلت فِي ستر الْعَوْرَة، لَا فِي الْعِمَامَة وَلَا فِي ستر الرَّأْس. وَذَلِكَ كَمَا روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " كَانَت الْمَرْأَة تَطوف بِالْبَيْتِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَهِي عُرْيَانَة وعَلى فرجهَا خرقَة وَهِي تَقول:
(الْيَوْم يَبْدُو بعضه أَو كُله ... فَمَا بدا مِنْهُ فَلَا أحله)
فَنزلت ﴿خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾ وَنزلت ﴿قل من حرم زِينَة الله﴾ أهـ. من لباب النقول فِي أَسبَاب النُّزُول
وَقد أفتى شَيخنَا السَّيِّد الإِمَام الْأُسْتَاذ الشَّيْخ رشيد رضَا ﵀ فِي مجلة الْمنَار تَحت عنوان.
صَلَاة مَكْشُوف الرَّأْس
قَالَ فِي إجَابَته على قَول ثِقَة قَالَ: إِنَّه لَا كَرَاهَة فِي الصَّلَاة وَرَأس الْإِنْسَان عَار، بل رُبمَا كَانَ ذَلِك أفضل، لِأَن هَذَا الْمظهر أقرب إِلَى التذلل والخضوع والعبودية.
وَأما قَول ذَلِك الثِّقَة: إِنَّه لَا كَرَاهَة فِي الصَّلَاة مَعَ كشف الرَّأْس، فَهَذَا يظْهر فِيمَن يُصَلِّي فِي بَيته مُنْفَردا إِذا لم يلتزمه مُتَعَمدا، وَأما الْتِزَامه أَو فعله مَعَ الْجَمَاعَة المستوري الرُّءُوس، أَو فِي الْمَسْجِد بِحَضْرَة من يستنكرونه وَيكون مدعاة للخوض فِي ذمّ فَاعله، فَالْقَوْل فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ وَاضح، أما الأول فَلِأَنَّهُ الْتِزَام لَا دَلِيل فِي الشَّرْع عَلَيْهِ، بل هُوَ مُخَالف لما جرى عَلَيْهِ الْعَمَل الْغَالِب
стр. 67
من صدر الْإِسْلَام، وَأما الثَّانِي: فلمخالفته للْجَمَاعَة، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ، وَأما الثَّالِث فَلَمَّا ذَكرْنَاهُ فِي صفته من كَونه سَببا لوُقُوع النَّاس فِي الْإِثْم، وَلِأَنَّهُ من الشُّهْرَة المذمومة.
وَأما قَوْله: إِن ذَلِك رُبمَا كَانَ أفضل. وتعليله بِمَا علله بِهِ، فَهُوَ قَول بِالرَّأْيِ الْمَحْض، فِي مَسْأَلَة تعبدية " ومعارض بِأَنَّهُ تشبه بالنصارى وَغَيرهم مِمَّن يلتزمون كشف رُءُوسهم فِي الصَّلَاة، وَقد نهينَا عَن التَّشَبُّه بهم حَتَّى فِي الْعَادَات، ومعارض أَيْضا بِأَن الْعرف عندنَا فِي هَيْئَة الْكَمَال الَّتِي نقابل بهَا الْمُلُوك والأمراء، وكبار الْعلمَاء والصلحاء والرؤساء أَن يكون على رءوسنا مَا جرت بِهِ عادتنا من عِمَامَة أَو كمة - وَهِي القلنسوة المدورة الَّتِي تغطي الرَّأْس - أَو غَيرهَا، وَإِنَّمَا يتساهل فِي ترك ذَلِك بَين الأقران والأصدقاء، وَالْعرْف عِنْدهم خلاف ذَلِك أهـ من الْمنَار.
الْبَاب الرَّابِع عشر فِي بدع مَا بعد التَّسْلِيم
وَالِاسْتِغْفَار جمَاعَة على صَوت وَاحِد بعد التَّسْلِيم من الصَّلَاة بِدعَة. وَالسّنة: اسْتِغْفَار كل وَاحِد فِي نَفسه ثَلَاثًا. وَقَوْلهمْ: بعد الاسْتِغْفَار يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ارحمنا جمَاعَة أَيْضا بِدعَة، وَلَيْسَ هَذَا مَحل هَذَا الذّكر. وَوصل السّنة بِالْفَرْضِ من غير فصل بَينهمَا مَنْهِيّ عَنهُ كَمَا فِي حَدِيث مُسلم، فَإِن رَسُول الله [ ﷺ ] أمرنَا بذلك " أَن لَا نوصل صَلَاة بِصَلَاة حَتَّى نتكلم أَو نخرج " وَظَاهر النَّهْي التَّحْرِيم، وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة زِيَادَة فِي شرف النَّبِي [ ﷺ ] عقب صَلَاة الصُّبْح وقراءاتها عقب الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وعَلى اعتقاداً بِأَنَّهُم يحْضرُون غسل فَاعل ذَلِك حِين مَوته أَو سُؤَاله
стр. 68
فِي الْقَبْر، مُنكر من القَوْل وزور، وَشرع شَرعه الشَّيْطَان الْغرُور، والأدهى وَالْأَمر، والأشر والأضر، إِثْبَات هَذِه السخافة فِي المؤلفات فَإنَّا لله، وتدوير أَصَابِع الْيَد الْيُمْنَى مبسوطة على الرَّأْس بعد التَّسْلِيم مَعَ مَا يقرؤونه بِدعَة قبيحة وَجمع رُءُوس: أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَجعلهَا على الْعَينَيْنِ بعد الصَّلَاة، مَعَ مَا يقرؤونه بِدعَة سمجة وقحة. وتقبيل أظافر الإبهامين وَمسح الْعَينَيْنِ بهَا تغفيل كَبِير وَجَهل خطير. وَالسّنة: ترك كل ذَلِك إِذْ لَا دَلِيل عَلَيْهِ الْبَتَّةَ. وقراءتهم: ثَلَاث آيَات من أول سُورَة آل عمرَان فَوْرًا عقب التَّسْلِيم من صَلَاتي الصُّبْح وَالْمغْرب، لَا نعلم لَهُ أصلا فِي كتب السّنة. وَكَذَا قراءاتهم: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته﴾ - إِلَى ﴿تَسْلِيمًا﴾ وصلاتهم على النَّبِي [ ﷺ ] مائَة بعد الصُّبْح وَالْمغْرب مَعَ ترك السَّلَام عَلَيْهِ بِصِيغَة. اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ: زعماً بِأَن الله يقْضِي لَهُ سبعين حَاجَة فِي الْآخِرَة وَثَلَاثِينَ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ عَلَيْهَا أثارة من علم بل هِيَ عبَادَة مخترعة قطعا وَقد نظمها الأَجْهُورِيّ فَقَالَ:
(وَمن يُصَلِّي مَا صلى الغداه ... ومغربا على من الله اجتباه)
(قبل كَلَام مائَة يَنَالهُ ... بِقَدرِهَا قَضَاء حاجات لَهُ)
(سَبْعُونَ فِي الْأُخْرَى لَهُ تدخر ... وَمَا بقى بدار دنيا يظفر)
(يَقُول: اللَّهُمَّ صل مردفا ... عَلَيْهِ مَعَ ترك سَلام ذِي وفا)
(من بعد أَن يقْرَأ إِن الله ... للفظ تَسْلِيمًا فَكُن أواها)
وَهَذَا من خرافاتهم فاحذروها؛ وَاتبعُوا النُّور الَّذِي جَاءَكُم بِهِ مُحَمَّد [ ﷺ ] (والختم الْكَبِير) والختم الصَّغِير بدعتان فِي الْإِسْلَام وَهَذَا اللَّفْظ لَا أثر لَهُ فِي الْكتب الثماني فَهُوَ ضَلَالَة وجهالة (والاجتماع) لَهما بِدعَة وقراءتهما على صَوت وَاحِد بِدعَة، وأبواب الذّكر بعد الصَّلَوَات فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالسّنَن والأذكار النووية والكلم الطّيب والوابل الصيب والحصن الْحصين وَشَرحه تحفة الذَّاكِرِينَ وَاسِعَة جدا تتسع لهمم الْمُجْتَهدين فَلَا حَاجَة إِلَى الاختراع والابتداع
стр. 69
بعد أَن قَالَ الله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ وَبعد قَول نبيه: " مَا تركت شَيْئا يقربكم إِلَى الله إِلَّا وَقد أَمرتكُم بِهِ " الحَدِيث، والمصافحة فِي أدبار الصَّلَوَات بِدعَة، واجتماعهم بعد التَّسْلِيم من الصُّبْح على اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبعا بِدعَة وَالسّنة: أَن يَقُولهَا كل لنَفسِهِ فِي نَفسه، وَلَفظ الحَدِيث: " إِذا صليت الصُّبْح فَقل قبل أَن تكلم أحدا من النَّاس: اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبع مَرَّات، فَإنَّك إِن مت من يَوْمك ذَلِك كتب الله لَك جواراً من النَّار، وَإِذا صليت الْمغرب فَقل قبل أَن تكلم أحدا من النَّاس: اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبع مَرَّات، فَإنَّك إِن مت من ليلتك كتب الله لَك جوارا من النَّار " ذكره فِي الْجَامِع عَن أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَصَححهُ.
وزيادتهم بعد اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبعا: وَمن عَذَاب النَّار بِفَضْلِك يَا عَزِيز يَا غفار كَمَا يصنع الخلوتية بِدعَة فَاتَّقُوا الله يَا أولي الْأَلْبَاب ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ وَإِيَّاكُم وَمَا ابتدع فَإِنَّهُ ضَلَالَة، فَإِن أردْت الزِّيَادَة فَعَلَيْك بكتابنا الْأَذْكَار والدعوات الْمَشْرُوعَة فِي أدبار الصَّلَوَات وَبَيَان مَا ابتدع فِي ذَلِك.
فصل فِيمَا يُقَال فِي أدبار الصَّلَوَات
قَالَ ثَوْبَان: " كَانَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) إِذا انْصَرف من صلَاته اسْتغْفر ثَلَاثًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام " خرجه مُسلم. وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁: " أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ إِذا فرغ من الصَّلَاة قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ. لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت، وَلَا راد لما قضيت، وَلَا ينفُع ذَا الْجد مِنْك الْجد " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعَن عبد الله بن الزبير ﵁ أَنه كَانَ يَقُول دبر كل صَلَاة حِين يسلم: " لَا إِلَه
стр. 70
إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا نعْبد إِلَّا إِيَّاه، لَهُ النِّعْمَة وَله الْفضل وَله الثَّنَاء الْجَمِيل الْحسن، لَا إِلَه إِلَّا الله مُخلصين لَهُ الدّين وَلَو كره الْكَافِرُونَ. قَالَ ابْن الزبير ﵁: إِن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ يهلل بِهن دبر كل صَلَاة " خرجه مُسلم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: " أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَتَوا رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) فَقَالُوا: ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات الْعلَا وَالنَّعِيم الْمُقِيم يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَلَهُم فضل من أَمْوَال يحجون بهَا ويعتمرون وَيَتَصَدَّقُونَ. فَقَالَ: أَلا أعلمكُم شَيْئا تدركون بِهِ من سبقكم وتسبقون بِهِ من بعدكم وَلَا يكون أحد أفضل مِنْكُم إِلَّا من صنع مثل مَا صَنَعْتُم؟ قَالُوا: بلَى يَا رَسُول الله، قَالَ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ - قَالَ أَبُو صَالح: يَقُول سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَالله أكبر حَتَّى يكون مِنْهُنَّ كُلهنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعنهُ أَيْضا عَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " من سبح فِي دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحمد الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكبر الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَقَالَ تَمام الْمِائَة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ: لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، غفرت خطاياه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر " خرجه مُسلم، وَعَن عبد الله بن عمر ﵁ عَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قَالَ: خصلتان أَو خلَّتَانِ لَا يحافظ عَلَيْهِمَا عبد مُسلم إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة، وهما يسير وَمن يعْمل بهما قَلِيل. يسبح الله فِي دبر كل صَلَاة عشرا وَيَحْمَدهُ عشرا ويكبره عشرا، وَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَة بِاللِّسَانِ وَألف وَخَمْسمِائة فِي الْمِيزَان، وَيكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ إِذا أَخذ مضجعه، وَيَحْمَدهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ويسبح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَذَلِك مائَة بِاللِّسَانِ وَألف فِي الْمِيزَان قَالَ: وَقد رَأَيْت رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) يعْقد بِيَدِهِ، قَالُوا: يَا رَسُول الله كَيفَ
стр. 71
هما يسير وَمن يعْمل بهما قَلِيل؟ قَالَ: يَأْتِي أحدكُم - يَعْنِي الشَّيْطَان - فِي مَنَامه فينومه قبل أَن يَقُول، ويأتيه فِي صلَاته فيذكره حَاجته قبل أَن يَقُولهَا " خرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وأخرجوا عَن عقبَة بن عَامر قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَن أَقرَأ بالمعوذتين دبر كل صَلَاة " وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: " قيل لرَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَي الدُّعَاء أسمع؟ قَالَ: جَوف اللَّيْل الْأَخير ودبر كل الصَّلَوَات المكتوبات " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن، وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ " أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَخذ بِيَدِهِ، وَقَالَ: يَا معَاذ وَالله إِنِّي لَأحبك فَلَا تدعن فِي دبر كل صَلَاة أَن تَقول اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك، خرجه أَبُو دَاوُد. أهـ من الْكَلم الطّيب.
وَورد عَنهُ ( [ ﷺ ] ) أَنه قَالَ: " من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة لم يمنعهُ من دُخُول الْجنَّة إِلَّا أَن يَمُوت " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَقَالَ فِي الْجَامِع صَحِيح وخولف عَلَيْهِ. وَفِيه عَنهُ ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " ثَلَاث من جَاءَ بِهن مَعَ الْإِيمَان دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ، وَزوج من الْحور الْعين حَيْثُ شَاءَ، من عَفا عَن قَاتله، وَأدّى دينا خفِيا، وَقَرَأَ فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة عشر مَرَّات: قل هُوَ الله أحد. فَقَالَ أَبُو بكر: أَو إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُول الله قَالَ: أَو إِحْدَاهُنَّ " قَالَ فِي الْجَامِع وَشَرحه رَوَاهُ أَبُو يعلى عَن جَابر ورمزا لضَعْفه، وروى البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) " كَانَ يتَعَوَّذ دبر كل صَلَاة بهؤلاء الْكَلِمَات اللَّهُمَّ أعوذ بك من الْجُبْن، وَأَعُوذ بك أَن أرد إِلَى أرذل الْعُمر. وَأَعُوذ بك من فتْنَة الدُّنْيَا، وَأَعُوذ بك من عَذَاب الْقَبْر ".
فصل فِي الذّكر المبتدع فِي سُجُود السَّهْو
وَلم يحفظ عَنهُ ( [ ﷺ ] ) ذكر خَاص لسجود السَّهْو، بل أذكاره كَسَائِر
стр. 72
أذكار سُجُود الصَّلَوَات. وَأما مَا يُقَال من أَنه يَقُول فِيهِ: سُبْحَانَ من لَا يسهو وَلَا ينَام، فَلم يَفْعَله النَّبِي ( [ ﷺ ] ) وَلَا أَصْحَابه، وَلم يدل عَلَيْهِ دَلِيل من السّنة الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنَام رَآهُ بعض كبار مخرفي الصُّوفِيَّة فَلَا تلتفتوا إِلَيْهِ، وخذوا دينكُمْ من كتب السّنة الصَّحِيحَة وَمَا عداهُ فَردُّوهُ إِلَى قَائِله، ثمَّ إِثْبَات هَذَا فِي المؤلفات. وَجعله دينا وَشرعا ضلال كَبِير وَفَسَاد عريض، وَالشَّافِعِيَّة يَسْجُدُونَ للسَّهْو إِذا صلوا خلف من لم يبسمل أَو يقنت، وَهَذَا جهل وَخطأ وبدعة يجب تَركهَا.
فصل فِي سُجُود التِّلَاوَة الْمَشْرُوع والمبتدع
قَالَ فِي سفر السَّعَادَة: لم يكن ( [ ﷺ ] ) يتْرك سَجدَات الْقُرْآن، بل حينما بلغ آيَة سَجْدَة كبر وَسجد وَقَالَ فِي سُجُوده: سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره بحوله وقوته " وَرُبمَا قَالَ: " اللَّهُمَّ احطط عني بهَا وزراً واكتب لي بهَا عنْدك ذخْرا وتقبلها من عَبدك دَاوُد " وَلم يثبت أَنه لما رفع رَأسه كبر أَو تشهد أَو سلم أهـ. هَذَا هُوَ الْمَشْرُوع.
أما قَول بعض الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم من أَرْبَاب الشُّرُوح والحواشي (فَائِدَة مهمة لدفع كل مهمة) ثمَّ قَالَ: من قَرَأَ آي السَّجْدَة كلهَا فِي مجْلِس وَاحِد وَسجد لكل مِنْهَا كَفاهُ الله مَا أهمه فَهُوَ كَلَام سبهلل وتشريع من عِنْد غير الله وَحدث لَيْسَ لَهُ أصل يذكر، وَلَا يَنْبَغِي لفَاعِله أَن يشْكر، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ أَي الْمَشْرُوعَة، وَكَانَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) إِذا حز بِهِ أَمر صلى. وَقد ترك جلّ النَّاس سُجُود التِّلَاوَة وأتركهم لهَذَا الْخَيْر الْجَلِيل الْقُرَّاء، ذَلِك لأَنهم أَجْهَل النَّاس وأبعدهم عَن الْعلم وَاتِّبَاع السّنة.
стр. 73
فصل فِي أذكار الكرب وَالْغَم والحزن والهم
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس: " أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) كَانَ يَقُول عِنْد الكرب، لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَظِيم الْحَلِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم " وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ إِذا حز بِهِ أَمر قَالَ: " يَا حَيّ يَا قيوم بِرَحْمَتك أستغيث "، وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن أبي بكرَة أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " دعوات المكروب: اللَّهُمَّ رحمتك أَرْجُو، فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين، وَأصْلح لي شأني كُله، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت " وَفِي السّنَن أَيْضا عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس قَالَت: قَالَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) : " أَلا أعلمك كَلِمَات تقوليهن عِنْد الكرب - أَو فِي الكرب - الله الله رَبِّي لَا أشرك بِهِ شَيْئا ". وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا تقال سبع مَرَّات، وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد، وصحيح ابْن حبَان، عَن عبد الله بن مَسْعُود، عَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " مَا أصَاب عبدا هم وَلَا حزن فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك ابْن عَبدك وَابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك، مَاض فِي حكمك، عدل فِي قضاؤك، أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك، سميت بِهِ نَفسك، أَو أنزلته فِي كتابك، أَو عَلمته أحدا من خلقك، أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك، أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي، وَنور بَصرِي، وجلاء حزني وَذَهَاب همي - إِلَّا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مَكَانَهُ فَرحا " أهـ من الوابل الصيب. هَذَا هُوَ كَلَام الْمَعْصُوم فَاتَّبعُوهُ، فوَاللَّه لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جَاءَ بِهِ.
стр. 74
فصل فِي سُجُود الشُّكْر الشَّرْعِيّ والبدعي
قَالَ فِي سفر السَّعَادَة: كَانَ من هدى رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَنه إِذا تَجَدَّدَتْ لَهُ نعْمَة، أَو اندفعت نقمة، سجد شكرا لله ﵎، وَعَن أنس أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) بشر بحاجة فَخر سَاجِدا، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح: " أَنه لما ورد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ يتَضَمَّن أَن قَبيلَة هَمدَان أسلمت خر النَّبِي ( [ ﷺ ] ) سَاجِدا من سَاعَته وَقَالَ: السَّلَام على هَمدَان السَّلَام على هَمدَان ". وروى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف " أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) لما بشر بِأَن من صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا، وَأَن من سلم عَلَيْهِ مرّة سلم الله عَلَيْهِ عشرا، سجد ( [ ﷺ ] ) من سَاعَته شكرا " وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) رفع يَدَيْهِ دَاعيا ثمَّ بعد ذَلِك سجد شكرا لله ثَلَاث مَرَّات، وَقَالَ: " شفعت فِي أمتِي فوهبني الله ثلثهَا، فسجدت شكرا لله، وَلما رفعت رَأْسِي شفعت ثَانِيًا فوهبني الله ثلثا آخر فسجدت شكرا وَلما رفعت رَأْسِي دَعَوْت الله ثَلَاثًا فوهبني الثُّلُث الْبَاقِي فسجدت شكرا، وَثَبت فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) رأى رجلا نغاشا فَسجدَ شكرا. وَكَعب بن مَالك لما أَتَاهُ البشير بِقبُول البشير بِقبُول تَوْبَته سجد شكرا، وَأَبُو بكر الصّديق لما سمع قتل مُسَيْلمَة سجد شكرا. وأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ لما رأى ذَا الثدية رَئِيس الْخَوَارِج بَين الْقَتْلَى سجد شكرا. أهـ.
وَبِهَذَا تعلم أَن مَا يَفْعَله الصُّوفِيَّة من السُّجُود كل لَيْلَة بعد مَا يسمونه الْخَتْم الْكَبِير، وَبعد قراءتهم آيَة ﴿إِنَّمَا يُؤمن بِآيَاتِنَا﴾ بِدعَة لم تشرع بل يجب أَن تمنع وتدفع، وَكَذَا سجودهم كل لَيْلَة بعد وتر الْعشَاء بِدعَة مُنكرَة، وَكَذَا سجودهم بعد صَلَاة الضُّحَى كل يَوْم بِدعَة ضَلَالَة، وَلَا أصل لتِلْك السجدات وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّهَا مُحرمَة.
стр. 75
الْبَاب الْخَامِس عشر فِي بَيَان حكم أَن الصَّلَاة فرض على الْمَرِيض يُصليهَا كَيْفَمَا اسْتَطَاعَ وَبَيَان كيفيتها. وإهمال النَّاس لَهَا لأخف مرض
اعْلَم أَيهَا الغافل عَمَّا افترضه الله عَلَيْك أَن الصَّلَاة هِيَ أعظم ركن فِي الْإِسْلَام بعد التَّوْحِيد، وَقد عظم الله شَأْنهَا فِي كِتَابه فَذكرهَا نيفا وَثَلَاثِينَ مرّة، آمرا عباده بأقامتها والمحافظة عَلَيْهَا. والخشوع فِيهَا. كَمَا بَين تَعَالَى أَن النَّاس جَمِيعًا يهلعون ويجزعون وللخير يمْنَعُونَ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّين الَّذين هم على صلَاتهم دائمون﴾ وتوعد الغافلين عَنْهَا بأشد وَعِيد فَقَالَ: ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ كَمَا حكى عَنْهُم فَقَالَ: ﴿مَا سلككم فِي صقر؟ قَالُوا: لم نك من الْمُصَلِّين﴾ وَبَين أَن تَركهَا شرك فَقَالَ: ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين﴾ وعد الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) تَركهَا كفرا، وَقَالَ: " من ترك الصَّلَاة فقد كفر، بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة ". وَلما أنزل الله عَلَيْهِ ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ قَالَ ( [ ﷺ ] ) : " من ترك صَلَاة الْعَصْر فقد حَبط عمله " وَقَالَ: " من ترك صَلَاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله ".
هَذَا وَالنَّاس فِي غَفلَة ساهون " وَبِهَذَا التهديد البليغ لَا ينزجرون، فترى كثيرا من النَّاس، بل كلهم بِمَا فيهم حَملَة الْقُرْآن، وَحَملَة (العلمية والعجمة) من أهل الْأَزْهَر - لأدنى مرض خَفِيف يتركون الصَّلَاة فَوْرًا. كَأَنَّهَا هِيَ الْحمل الثقيل على ظُهُورهمْ، فيضعونها قبل كل الأثقال. أَو كَأَنَّهَا هِيَ الشَّيْء الَّذِي لَا يهتم لَهُ كثيرا، فَإِذا جلس أحدهم فِي الشَّمْس قَلِيلا، أَو أَصَابَهُ الزُّكَام، أَو دفيء جِسْمه، أَو أَصَابَهُ أَي مرض طفيف لَا يذكر وَلَا قيمَة لَهُ، فَلَا تراهم إِلَّا أسْرع من الْبَرْق فِي ترك الصَّلَاة، وَذَلِكَ هُوَ الضلال الْبعيد.
следующие страницы →