Полный текст (424 стр.). Показаны 386–424 · переход к 391.
стр. 386
فِي الْيَوْم أَكثر من عشْرين مرّة هم وَنِسَاؤُهُمْ وأبناؤهم وبناتهم، إِنَّك لَا تمر فِي مَكَان إِلَّا وَتسمع أَفْوَاههم تمطر شتما وسبا للدّين الإسلامي، وَلذَلِك سلط الله عَلَيْهِم من لَا يرحمهم: الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَأْكُلُون إِلَّا من أَيْديهم، وهم وآباءهم وأبناؤهم وَنِسَاؤُهُمْ خدم عِنْدهم بأحقر أُجْرَة، وَالله الَّذِي لَا رب غَيره إِن أَعْمَالهم الَّتِي يعْملُونَ فِيهَا لأشقى بِكَثِير من أَعمال مساجين أَبُو زعبل وقرة ميدان وطرة لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يلبسُونَ إِلَّا أَحْقَر طَعَام وشراب ولباس وَلَا يعيشون إِلَّا عيشة هِيَ وَالله عِنْدِي أقل وأذل من عيشة الْكلاب.
وَالَّذِي أرداهم وأسقطهم وأذلهم وأوقعهم فِي هَذَا الاستعباد إِنَّمَا هم علماؤهم لَا غير، وَالله لَو بينوا للنَّاس جمال وَكَمَال ومزايا وفضائل ومحاسن الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة الغراء مَا اتخمت الْأمة هَذِه التُّخمَة وَلَا خملت هَذَا الخمول المزري المخجل، فالتبعة عَلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء، فالتبعة عَلَيْكُم، وَهل يقْرَأ الْقُرْآن وَكَلَام الرَّسُول الْأَعْظَم إِنْسَان عَاقل مفكر أَو يسمعهُ ثمَّ يعِيش خاملا؟ أَنا وَأَنْتُم جَمِيعًا نقُول: لَا لَا لَا.
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ أَقُول: إِنَّه لَيْسَ أحد على وَجه الأَرْض أعلم وَلَا أعرف بِاللَّه وَبِمَا يُحِبهُ ويرضيه عَنهُ وَلَا أتقى لَهُ مِمَّن قَرَأَ كِتَابه وَكَلَام رَسُوله الْأَعْظَم، وَلذَا كَانَ الْوَاحِد من أَصْحَاب الرَّسُول الْأَعْظَم يرجح إيمَانه على إِيمَان أهل الأَرْض جَمِيعًا واهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت أحدهم، وَكَانُوا يستمطرون فيمطرون فَوْرًا، وَيدعونَ فيستجابون، ذَلِك بِأَنَّهُم هم المتقون و ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ فَهَل لَو اجْتمعت هَذِه الْأمة بحذافيرها يدعونَ الله أَن ينقذهم من أَيدي هَؤُلَاءِ الْكَافرين أعدائهم أَكَانَ الله متقبلا مِنْهُم ومستجيبا لدعائهم؟ كلا وَالله، ذَلِك بِأَن الله أخبر أَنه يتَقَبَّل من الْمُتَّقِينَ، وَلَيْسوا
стр. 387
جَمِيعًا فِي شَيْء من التَّقْوَى الْمَأْمُور بهَا فِي الْقُرْآن، وَذَلِكَ لِأَن الْعلمَاء لم يبينوا للنَّاس حقائق التَّقْوَى القرآنية النَّبَوِيَّة، الَّتِي بِسَبَبِهَا يرضى الله عَنْهُم، ويستجيب لَهُم دعاءهم، ويكشف عَنْهُم كروبهم، وَيصرف عَنْهُم عدوهم، وَيَنْصُرهُمْ ويجيرهم ويرفعهم ويرزقهم.
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِنَّهُ لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى قَالَ رب لما حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا قَالَ كَذَلِك أتتك آيتنا فنسيتها، وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي من خَالف أوَامِر ربه المبينة فِي كِتَابه وَسنَن نبيه وتناساها فَإِنَّهُ يعِيش فِي الدُّنْيَا معيشة كلهَا هموم، وأحزان وأكدار وغموم ثمَّ يحشره الله يَوْم الْقِيَامَة بَين النَّاس أعمى؛ حينما يسْعَى نور الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات العاملين بِكِتَاب الله وشرعة رَسُوله الْأَعْظَم بَين أَيْديهم وبأيمانهم فَيَقُول: ﴿رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ أَي فِي الدُّنْيَا؛ فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ: ﴿كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها﴾ أَي فتركتها وغفلت عَنْهَا وأعرضت ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي تتْرك فِي نَار جَهَنَّم بذهولك عَن الْقُرْآن الْكَرِيم وَسنَن النَّبِي الْعَظِيم، فالنسيان هُنَا مَعْنَاهُ التّرْك ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ سُبْحَانَ رب ﴿لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى﴾ .
يَقُول مُحَمَّد: فالسبب الْأَعْظَم فِي ضنك عَيْش الْمُسلمين واقتيات أَكْثَرهم من أَيدي النَّصَارَى وَالْيَهُود أظلم الظَّالِمين، إِنَّمَا هُوَ إعراضهم عَن كَلَام رب الْعَالمين، وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لفتح الله عليم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض، وَلَو أَنهم أَقَامُوا كتاب الله وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم وَلَو اتَّقوا الله لجعل لَهُم من أَمرهم يسرا، ولجعل لَهُم من كل هم فرجا، وَمن كل
стр. 388
ضيق مخرجا، ورزقهم من حَيْثُ لَا يحتسبون، ولرزقهم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصا وتعود بطانا.
ثمَّ إِن الْعلمَاء لما أَعرضُوا عَن كتاب رَبهم أَصَابَهُم أَيْضا ضنك الْعَيْش فَأَصْبحُوا يقفون على أَبْوَاب الظَّالِمين أَبنَاء الدُّنْيَا أَرْبَاب المناصب الشُّهُور والسنين لتحصلوا مِنْهُم على وساطة لوظيفة يقتاتون مِنْهَا، فضاعوا وأضاعوا أمتهم وَضَلُّوا وأضلوا؛ هَذَا وَإِن الله سُبْحَانَهُ قد تكفل لكل عبد عمل الصَّالِحَات بِالْحَيَاةِ الطّيبَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة يُوفيه أجره أضعافا مضاعفة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَتبين بِهَذَا أَن إِعْرَاض الْعلمَاء عَن الدّين وَالْكتاب الْمُبين هُوَ السَّبَب الْأَكْبَر فِي ضيَاع هَذِه الْأمة المسكينة، وَلَو أخذُوا بِيَدِهَا لرفعوها إِلَى أعلا عليين، وسادوا أهل الأَرْض إِلَى يَوْم الدّين.
وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول: هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أكفر النَّاس بِاللَّه وأعصاهم لَهُ، وَإِنَّا لَا نراهم إِلَّا فِي أرغد الْعَيْش وأرفهه، وألذ الْقُوت وأطيبه، فَمَا لَهُم لم يصابوا مثلهَا بضنك الْعَيْش وضيق الرزق؟
فَالْجَوَاب: أَن الله سُبْحَانَهُ ممهلهم وسيأخذهم قَرِيبا أَخذ عَزِيز مقتدر، فَهُوَ اسْتِدْرَاج مِنْهُ تَعَالَى ﴿سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وأملي لَهُم إِن كيدي متين﴾ وَقد أخبر تَعَالَى عَن إخْوَان هَؤُلَاءِ الْكَافرين خَبرا تقشعر مِنْهُ جُلُود الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: (وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ، فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا، وَلَكِن قست قُلُوبهم وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون، فَقطع دابر
стр. 389
الْقَوْم الَّذين ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أيحسبون أَن مَا نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿لَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عَلَيْهَا يتكئون، وزخرفا وَإِن كل ذَلِك لما مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد رَبك لِلْمُتقين﴾ .
أما أمتنَا هَذِه فَلَا شكّ أَن علماءها ورؤساءها لَو تنبهوا فتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى، وآمنوا بِاللَّه حق الْإِيمَان، واتقوه حق التَّقْوَى، وَرفعُوا الْقُرْآن وَالسّنة فَوق كل شَيْء لرفعهم الله حَقًا كَمَا رفع سلفهم، وأعزهم كَمَا أعز سلفهم واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿ألر، كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصل ت من لدن حَكِيم خَبِير، أَن لَا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير، وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله، وَأَن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير﴾ فَمَا أصَاب هَذِه الْأمة من البلايا والرزايا والسقوط فِي جَمِيع أحوالها إِلَّا بِمَا اجتنوه على أنفسهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ .
فصل
وَقَالَ جلّ ذكره: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته، وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ، وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .
أَقُول: لَو أَن علماءنا وقادتنا وَاتَّقوا الله وآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله إِيمَانًا صَحِيحا،
стр. 390
لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم، ولحاربوا كل فحش ومنكر. ولقاتلوا بسيوف علومهم الربانية النَّبَوِيَّة كل رذيلة وقبيحة، ولقاوموا كل بِدعَة وضلالة، ولغشيتهم الرَّحْمَة وَالْفَتْح والنصر من عِنْد الله كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم وَيثبت أقدامكم﴾ وكما قَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك - أَي كفيلك - الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ وَهَذَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى رب الْعَالمين، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَهُوَ مُقْتَضى الْإِيمَان الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله إِن كُنْتُم مُؤمنين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم، وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ، الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ، أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم دَرَجَات عِنْد رَبهم ومغفرة ورزق كريم﴾ ، وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون، وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين، الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .
فَلَو أَن الْعلمَاء اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ كَمَا يجب عَلَيْهِم لأتاهم الله ضعفين من الْأجر، ولجعل لَهُم نورا يَهْتَدُونَ بِهِ ويمشون بِهِ، ويعيشون بِهِ، ويفتحون بِهِ كنوز الأَرْض ويصلحون بِهِ مَعَايشهمْ وَدينهمْ ودنياهم، وينقذون بِهِ إخْوَانهمْ فِي الدُّنْيَا من أَيدي أعدائهم، وَمن ذل استعبادهم، ويسوقون بِهِ الْمُؤمنِينَ إِلَى طَاعَة الله وَإِلَى رضوانه الْأَكْبَر وَإِلَى جنَّة عالية، قطوفها دانية، يُقَال لَهُم فِيهَا (كلوا
стр. 391
وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية) ﴿وَالِي﴾ (جنَّة عالية لَا تسمع فِيهَا لاغية فِيهَا عين جَارِيَة فِيهَا سرر مَرْفُوعَة، وأكواب مَوْضُوعَة، ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة) ﴿وفيهَا﴾ (أَنهَار من مَاء غير آسن وأنهار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وَلَهُم فِيهَا من كل الثمرات ومغفرة من رَبهم﴾ ، وَهَذَا وَإِلَّا فقد خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِخِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُم بعلومهم الدُّنْيَوِيَّة ربحوا الدُّنْيَا وخسروا الْآخِرَة.
فصل
فيا عُلَمَاء الدّين، قودوا النَّاس وسوقوهم إِلَى هَذَا الْخَيْر سوقا. وَإِلَّا فقد تركتموهم يرتدون على أَعْقَابهم بعد إِذْ هدَاهُم الله ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران﴾ ، بينوا للنَّاس، وَإِلَّا فقد كتمتم مَا لَا يحل لكم كِتْمَانه فوقعتم فِي وَعِيد ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ .
يَا علماءنا افعلوا الْخَيْر أمامنا لنتأسى بكم، ثمَّ مرونا بِهِ نسْمع ونطع لكم ونفعل مثل فعلكم، ونجاهد مثل جهادكم، ونأمر كَمَا تأمرون، وننه كَمَا تنهون، ونتعبد كَمَا تتعبدون، ونقتد بكم فِي كل مَا تَفْعَلُونَ، أَو ننم كَمَا تنامون إِلَى يَوْم يبعثون، ثمَّ أَنْتُم الموقفون المسئولون المحاسبون، بَين يَدي ربكُم المعاقبون فاحذروا: ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ ؟ فقد جَاءَ فِي الحَدِيث: " يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فِي النَّار فيدور كَمَا يَدُور الرحا برحاه، فيجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَي فلَان مَا شَأْنك؟ أَلَيْسَ تَأْمُرنَا بِالْمَعْرُوفِ وتنهانا عَن الْمُنكر؟ قَالَ: كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه، وأنهاكم عَن الْمُنكر وآتيه "، وَورد أَيْضا أَنه
стр. 392
[ ﷺ ] قَالَ: " مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي على قوم تقْرض شفاههم بمقاريض من نَار: قَالَ: قلت، من هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا خطباء أمتك من أهل الدُّنْيَا مِمَّن كَانُوا يأمرون النَّاس بِالْبرِّ وينسون أنفسهم وهم يَتلون الْكتاب أَفلا يعْقلُونَ " وذكرهما الْبَغَوِيّ وَابْن كثير فِي تفسيريهما. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁: لَا يفقه الرجل كل الْفِقْه حَتَّى يمقت النَّاس فِي ذَات الله ثمَّ يرجع إِلَى نَفسه فَيكون لَهَا أَشد مقتا. فَالْوَاجِب عَلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء أَن تقتدوا بِنَبِي الله شُعَيْب إِذْ كَانَ يَقُول لِقَوْمِهِ: ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت﴾ .
وَأَن لَا تنسوا نِدَاء الله سُبْحَانَهُ وخطابه لكم بقوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ، وَأَيْضًا آيَة ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ . وَحَدِيث: " مثل الْعَالم الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وَلَا يعْمل بِهِ كَمثل السراج يضيء للنَّاس وَيحرق نَفسه "، ذكره ابْن كثير: وَقَالَ، هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه.
فصل
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ ، قَالَ إِمَام الْمُفَسّرين الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره: وَهَذِه الْآيَة وَإِن كَانَت نزلت فِي خَاص من النَّاس فَإِنَّهَا معني بهَا كل كاتم علما فرض الله تَعَالَى بَيَانه للنَّاس. وَذَلِكَ نَظِير الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من سُئِلَ عَن علم فكتمه، ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار " ثمَّ ذكر بالسند إِلَى ابْن شهَاب أَنه قَالَ: " قَالَ ابْن الْمسيب: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لَوْلَا آيَتَيْنِ أنزلهما الله فِي كِتَابه مَا حدثت شَيْئا ﴿إِن الَّذين يكتمون﴾ الْآيَة، الْآيَة الْأُخْرَى (وَإِذ أَخذ الله
стр. 393
مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس﴾ إِلَى آخر الْآيَة أه. فَفِي الْآيَة أكبر دَلِيل على وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وفيهَا أكبر وَعِيد، وأفظع وأشنع تهديد لكل كاتم مَا أنزل الله من الْبَينَات وَالْهدى، فَكيف حالكم أَيهَا الْعلمَاء عِنْدَمَا تقرءون هَذِه الْآيَة؟ وَمَا الَّذِي تقولونه فِي أَنفسكُم، وَمَا الَّذِي تفكرون فِيهِ عِنْد مروركم بهَا؟ أَو ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا؟﴾ .
قَالَ شَيخنَا السَّيِّد الإِمَام الْأُسْتَاذ الْجَلِيل الشَّيْخ مُحَمَّد رشيد رضَا عَفا الله عَنَّا وَعنهُ وَغفر لنا وَله فِي تَفْسِيره: ثمَّ إِن الْعبْرَة فِي الْآيَة هِيَ أَن حكمهَا عَام، وَإِن كَانَ سَببهَا خَاصّا فَكل من يكتم آيَات الله وهدايته عَن النَّاس فَهُوَ مُسْتَحقّ لهَذِهِ اللَّعْنَة، وَلما كَانَ هَذَا الْوَعيد وأشباهه حجَّة على الَّذين لبسوا لِبَاس الدّين، وانتحلوا الرِّئَاسَة لأَنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِ حالوا التفصي مِنْهُ، فَقَالَ بَعضهم: إِن الكتمان لَا يتَحَقَّق إِلَّا إِذا سُئِلَ الْعَالم عَن حكم الله تَعَالَى فكتمه، وَأخذُوا من هَذَا التَّأْوِيل قَاعِدَة هِيَ أَن الْعلمَاء أَن لَا يجب عَلَيْهِم نشر مَا أنزل الله تَعَالَى، ودعوة النَّاس إِلَيْهِ، وَبَيَانه لَهُم وَإِنَّمَا يجب على الْعَالم أَن يُجيب إِذا سُئِلَ عَمَّا يُعلمهُ، وَزَاد بَعضهم إِذا لم يكن هُنَاكَ عَالم غَيره، وَإِلَّا كَانَ لَهُ أَن يحِيل على غَيره، وَهَذِه الْقَاعِدَة مسلمة عِنْد أَكثر المنتسبين للْعلم الْيَوْم وَقبل الْيَوْم بقرون، وَقد ردهَا أهل الْعلم الصَّحِيح فَقَالُوا: إِن الْقُرْآن الْكَرِيم لم يكتف بالوعيد على الكتمان بل أَمر ببيانه للنَّاس، وبالدعوة إِلَى الْخَيْر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وأوعد من يتْرك هَذِه الْفَرِيضَة، وَذكر لَهُم العبر فِيمَا حَكَاهُ عَن الَّذين قصروا فِيهَا قبل كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ الخ، وَقَوله: (ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر - إِلَى قَوْله فِي المتفرقين عَن الْحق - وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم) ، وَقَوله: (لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم - إِلَى قَوْله فِي عصيانهم الَّذِي
стр. 394
هُوَ سَبَب لعنتهم - كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ﴾ ، فَأخْبر تَعَالَى أَنه لعن الْأمة كلهَا لتركهم التناهي عَن الْمُنكر.
نعم إِن هَذَا فرض كِفَايَة، إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ، وَلَكِن لَا يَكْفِي فِي كل قطر وَاحِد، كَمَا قَالَ بعض الْفُقَهَاء، بل لَا بُد أَن تقوم بِهِ أمة من النَّاس لتَكون لَهُم قُوَّة، ولنهيهم وَأمرهمْ تَأْثِير، وَذهب بعض المأولين مذهبا آخر فَقَالَ: إِن هَذَا الْوَعيد مَخْصُوص بالكافرين، فَترك الْمُؤمن فَرِيضَة من الْفَرَائِض كالأمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لَا يسْتَحق بِهِ وَعِيد الْكَافرين فليحقه بالكفار، وَهَذَا كَلَام قد ألفته الأسماع، وَأخذ بِالتَّسْلِيمِ وَاسْتعْمل فِي الإفحام والإقناع، فَإِن الَّذِي يسمعهُ على علاته يرى نَفسه ملزماً برمي تاركي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والدعوة إِلَى الْخَيْر وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالْكفْر، وَذَلِكَ مُخَالف للقواعد الَّتِي وضعوها للعقائد، فَلَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول ذَلِك، وَلكنه إِذا عرض على الله فِي الْآخِرَة. وعَلى كِتَابه فِي الدُّنْيَا يظْهر أَنه لَا قيمَة لَهُ، وَإِذا بحثت فِيهِ يظْهر لَك أَن الَّذِي يرى حرمات الله تنتهك أَمَام عَيْنَيْهِ، وَدين الله يداس جهاراً بَين يَدَيْهِ، وَيرى الْبدع تمحو السّنَن، والضلال يغشى الْهدى، وَلَا ينبض لَهُ عرق، وَلَا ينفعل لَهُ وجدان وَلَا ينْدَفع لنصرته بيد وَلَا بِلِسَان، هُوَ هَذَا الَّذِي إِذا قيل لَهُ: إِن فلَانا يُرِيد أَن يصادرك فِي شَيْء من رزقك كالجراية مثلا - أَو يحاول أَن يتَقَدَّم عَلَيْك عِنْد الْأُمَرَاء والحكام، تجيش فِي صَدره المراجل ويضطرب باله، ويتألم قلبه، وَرُبمَا تجافى جنبه عَن مضجعه، وهجر الرقاد عَيْنَيْهِ، ثمَّ إِنَّه يجد ويجتهد وَيعْمل الْفِكر فِي استنباط الْحِيَل وإحكام التَّدْبِير، لمدافعة ذَلِك الْخصم أَو الْإِيقَاع بِهِ.
فَهَل يكون لدين الله تَعَالَى فِي قلب مثل هَذَا قيمَة، وَهل يصدق أَن الْإِيمَان تمكن من قلبه؟ والبرهان عَلَيْهِ قد حكم عقله؟ والإذعان إِلَيْهِ قد ثلج صَدره؟ يسهل على من نظر فِي بعض كتب العقائد الَّتِي بنيت على أساس الجدل أَن يُجَادِل
стр. 395
نَفسه ويغشيها بِمَا يسلبها بِهِ من الْأَمَانِي الَّتِي يسميها إِيمَانًا، وَلكنه لَو حَاسَبَهَا فناقشها الْحساب، وَرجع إِلَى عقله ووجدانه، لعلم أَنه اتخذ إلهه هَوَاهُ، وَأَنه يعبد شَهْوَته من دون الله وَأَن صِفَات الْمُؤمنِينَ الَّتِي سردها الْكتاب سرداً وأحصاها عدا وأظهرها بذل المَال وَالنَّفس فِي سَبِيل الله وَنشر الدعْوَة وتأييد الْحق - كلهَا بريئة مِنْهُ، وَأَن صِفَات الْمُنَافِقين الَّذين يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم كلهَا راسخة فِيهِ فليحاسب أمره نَفسه قبل أَن يُحَاسب، وليتب إِلَى الله قبل حُلُول الْأَجَل لَعَلَّه يَتُوب عَلَيْهِ، وَهُوَ التواب الرَّحِيم أهـ.
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فبئس مَا يشْتَرونَ﴾ وَهَذِه الْآيَة تدل أَيْضا على وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؛ والدعوة إِلَى الله، وَتَحْرِيم الكتمان، قَالَ الإِمَام الْحَافِظ بن كثير بعد كَلَام: وَفِي هَذَا تحذير للْعُلَمَاء أَن يسلكوا مسلكهم - يَعْنِي أهل الْكتاب - فَيُصِيب مَا أَصَابَهُم ويسلك بهم مسلكهم، فعلى الْعلمَاء أَن يبذلوا مَا بِأَيْدِيهِم من الْعلم النافع الدَّال على الْعَمَل الصَّالح، وَلَا يكتموا مِنْهُ شَيْئا، فقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق مُتعَدِّدَة عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار " أهـ.
وَقَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره: قَالَ قَتَادَة: هَذَا مِيثَاق أَخذه الله تَعَالَى على أهل الْعلم، فَمن علم شَيْئا فليعلمه، وَإِيَّاكُم وكتمان الْعلم فَإِنَّهُ مهلكه، قَالَ: وَقَالَ الْحسن بن عمَارَة: أتيت الزُّهْرِيّ بعد أَن ترك الحَدِيث فألقيته على بَابه فَقلت: إِن رَأَيْت أَن تُحَدِّثنِي؟ فَقَالَ: أما علمت أَنِّي تركت الحَدِيث؟ فَقلت: إِمَّا أَن حَدثنِي وَإِمَّا أَن أحَدثك، فَقَالَ: حَدثنِي، فساق إِلَى عَليّ ابْن أبي طَالب أَنه قَالَ:
стр. 396
مَا أَخذ الله على أهل الْجَهْل أَن يتعلموا حَتَّى أَخذ على أهل الْعلم أَن يعلمُوا، قَالَ: فَحَدثني أَرْبَعِينَ حَدِيثا أهـ وَقَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ فِي تَفْسِيره: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِأَهْل الْكتاب كل من آتَاهُ الله علم شَيْء من الْكتاب أَي كتاب كَانَ، كَمَا يفِيدهُ التَّعْرِيف الجنسي فِي الْكتاب، قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن كَعْب: إِن الْآيَة عَامَّة لكل عَالم، وَيدل على ذَلِك قَول أبي هُرَيْرَة: لَوْلَا مَا أَخذ الله على أهل الْكتاب مَا حدثتكم بِشَيْء. ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة. أهـ. وَقَالَ الإِمَام الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره بعد كَلَام طَوِيل: كَانَ يُقَال: مثل علم لَا يُقَال بِهِ، كَمثل كنز لَا ينْفق مِنْهُ، وَمثل حِكْمَة لَا تخرج، كَمثل صنم قَائِم لَا يَأْكُل وَلَا يشرب، وَكَانَ يُقَال: طُوبَى لعالم نَاطِق، وطوبى لمستمع واع، هَذَا رجل علم علما فَعلمه وبذله ودعا إِلَيْهِ، وَهَذَا رجل سمع خيرا فحفظه ووعاه وانتفع بِهِ. أهـ.
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصو وَكَانُوا يعتدون. كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ﴾ .
يَا عُلَمَاء الْمُسلمين، هَؤُلَاءِ الَّذين لعنهم الله على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى بن مَرْيَم وَمُحَمّد [ ﷺ ] فِي الزبُور وَالْإِنْجِيل وَالْفرْقَان - مَا هم إِلَّا عُلَمَاء مثلكُمْ وَمَا لعنهم الله سُبْحَانَهُ إِلَّا بِسَبَب معصيتهم، وَمَا كَانَت معصيتهم إِلَّا ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَترك الدعْوَة إِلَى مَا دَعَا الله النَّاس إِلَيْهِ، وبكتمانه وَعدم تبيانه، وَأَنْتُم يَا عُلَمَاؤُنَا قد وَقَعْتُمْ فِي مثل مَا وَقَعُوا فِيهِ أَو أَشد فَكيف لَا تخافون أَن يُصِيبكُم مثل مَا أَصَابَهُم (أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم
стр. 397
الأَرْض فَإِذا هِيَ تمور. أم أمنتم من فِي السَّمَاء أَن يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا فستعلمون كَيفَ نَذِير﴾ .
يَا علماءنا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر من أهم الْقَوَاعِد الإسلامية وَأجل الْفَرَائِض الشَّرْعِيَّة، وَلِهَذَا كَانَ تَاركه شَرِيكا لفاعل الْمعْصِيَة، مُسْتَحقّا لغضب الله ومقته وانتقامه، فَإِنَّهُ تَعَالَى مَا مسخ من من لم يشاركهم فِي فعل الْمعْصِيَة وهم الْعلمَاء إِلَّا بِأَنَّهُم تركُوا الْإِنْكَار عَلَيْهِم، فمسخ الْجَمِيع، قردة وَخَنَازِير ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ .
يَا علماءنا سكوتكم على مَا تَرَوْنَهُ من الْمُنْكَرَات والمعاصي، ومخالطتكم لأهل الضلال والجرائم، مُوالَاة لَهُم، وَهِي مسخطة لله، مخلدة لصَاحِبهَا فِي الْعَذَاب المهين، كَمَا فِي هَذِه الْآيَة ﴿ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا﴾ الْآيَة، وَهِي وَإِن لم تَكُ نصا فِي الْمُؤمنِينَ فَهِيَ منجرة بذيلها على كل من حابى ووالى أهل الطغيان والمعاصي، وَلم يعبس فِي وُجُوههم، وَلم يبين لَهُم مَا يُحِبهُ الله مِمَّا يكرههُ ذَلِك بِأَن الله يَقُول ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويقيمون الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويطيعون الله وَرَسُوله، أُولَئِكَ سيرحمهم الله إِن الله عَزِيز حَكِيم، وعد الله الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ورضوان من الله أكبر. ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ فَأهل الْعلم أهل طَاعَة الله ومحبته، لَا يوالون وَلَا يحبونَ أهل مَعْصِيَته ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَهُوَ مِنْهُم﴾ .
فصل
يَا رؤساءنا، أركنتم إِلَى آيَة ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ وَلَو أَنَّهَا لَا دَلِيل لكم فِيهَا؟ وَلَا تفيدكم الركون إِلَى الرَّاحَة أبدا، فاعلموا تَأْوِيلهَا إِن لم تَكُونُوا علمْتُم، واسمعوا
стр. 398
إِن لم تَكُونُوا سَمِعْتُمْ، على شَرط أَن تعملوا وَلَا تكتموا، وَالله سُبْحَانَهُ يتَوَلَّى هدايتنا وهدايتكم.
قَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ عِنْد تَفْسِير هَذِه الْآيَة: روينَا عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تقرءون هَذِه الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وتضعونها فِي غير موضعهَا، وَلَا تَدْرُونَ مَا هِيَ، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " إِن النَّاس إِذا رَأَوْا مُنْكرا فَلم يغيروه، يُوشك أَن يعمهم الله بعقابه " وَفِي رِوَايَة لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر، أَو ليسلطن الله سُبْحَانَهُ عَلَيْكُم شِرَاركُمْ فليسومونكم سوء الْعَذَاب، ثلم ليدعون الله خياركم فَلَا يُسْتَجَاب لكم " قَالَ أَبُو عبيد: خَافَ الصّديق أَن يتَأَوَّل النَّاس الْآيَة غير متأولها، فيدعوهم إِلَى ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فأعلمهم أَنَّهَا لَيست كَذَلِك، وَأَن الَّذِي أذن فِي الْإِمْسَاك عَن تَغْيِيره من الْمُنكر، هُوَ الشّرك الَّذِي ينْطق بِهِ المعاهدون، من أجل أَنهم يتدينون بِهِ وَقد صولحوا عَلَيْهِ، فَأَما الفسوق والعصيان والذنب من أهل الْإِسْلَام فَلَا يدْخل فِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير: الْآيَة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى، يَعْنِي " عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل " من أهل الْكتاب فَخُذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة واتركوهم، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر مَا قبل مِنْكُم، فَإِن رد عَلَيْكُم فَعَلَيْكُم أَنفسكُم.
وَقَالَ الإِمَام الْحَافِظ ابْن كثير فِي تَفْسِيره: وَلَيْسَ فِيهَا - أَي الْآيَة - دَلِيل على ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، إِذا كَانَ فعل ذَلِك مُمكنا؛ ثمَّ ذكر مَا ذكره الإِمَام الْبَغَوِيّ، وَأسْندَ الحَدِيث وَصَححهُ من عدَّة طرق، ثمَّ ذكر عَن أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ إِلَى أبي أُميَّة الشَّعْبَانِي قَالَ: أتيت أَبَا ثَعْلَبَة الْخُشَنِي فَقلت لَهُ: كَيفَ تصنع فِي هَذِه الْآيَة؟ قَالَ: أَيَّة آيَة. قلت: قَول الله
стр. 399
تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ: أما وَالله لقد سَأَلت عَنْهَا خَبِيرا، سَأَلت عَنْهَا رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: " بل ائْتَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر، حَتَّى إِذا رَأَيْت شحا مُطَاعًا وَهوى مُتبعا، وَدُنْيا مُؤثرَة وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ، فَعَلَيْك بِخَاصَّة نَفسك ودع الْعَوام فَإِن من وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصابر فِيهِنَّ مثل الْقَابِض على الْجَمْر، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مثل أجر خمسين رجلا يعْملُونَ كعملكم " قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: وَزَاد غير عتبَة قيل يَا رَسُول الله، أجر خمسين منا أَو مِنْهُم؟ قَالَ: " بل أجر خمسين مِنْكُم " ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن الْمُبَارك، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عتبَة بن أبي حَكِيم، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: إِذا أمرت بِالْمَعْرُوفِ ونهيت عَن الْمُنكر، فَلَا يَضرك من ضل إِذا اهتديت. رَوَاهُ ابْن جرير أه.
يَقُول مُحَمَّد: قد دلّت الْآيَة وتفسيرها النَّبَوِيّ على لِسَان الصّديق، أَن الْأَمر وَالنَّهْي متحتمان وَلَا بُد، وأنهما لَا يتركان أبدا، بل على الْعَالم أَن يَأْمر وَيُنْهِي و ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فالعالم عَلَيْهِ أَن يبلغ الْعلم وَلَا يَكْتُمهُ و ﴿إِن الْهدى هدى الله﴾ فَعَظمُوا وَذكروا وَرَغبُوا واءمروا وأنهوا يَا علماءنا وَلَيْسَ عَلَيْكُم هدَاهُم، بل قد قَالَ الله لنَبيه " لست عَلَيْهِم بمسيطر " " لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء " فَإِذا نصحتم وأرشدتم فَلم يقبل مِنْكُم مثلا، وَلَا يكون ذَلِك فلكم من الله عَظِيم الْأجر، وعَلى من أعرض عَن تذكيركم وهدايتكم مَا يسْتَحقّهُ من الله تَعَالَى، وَيَكْفِي المعرضين عَن وعظكم قَول الْمُصْطَفى [ ﷺ ] لَهُم " أَيّمَا عبد جَاءَتْهُ موعظة من الله فِي دينه فَإِنَّهَا نعْمَة من الله سيقت إِلَيْهِ، فَإِن قبلهَا بشكر وَإِلَّا كَانَت حجَّة من الله عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ بهَا إِثْمًا ويزداد الله عَلَيْهِ بهَا سخطاً "
стр. 400
ذكره فِي الْجَامِع عَن ابْن عَسَاكِر وَعلم لحسنه. وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَيذكرُ من يخْشَى ويتجنبها الأشقى الَّذِي يصلى النَّار الْكُبْرَى ثمَّ لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾
وعَلى هَذَا يدل كَلَام الإِمَام النَّيْسَابُورِي فِي تَفْسِيره. وَعَن عبد الله بن الْمُبَارك: أَن هَذِه الْآيَة آكِد آيَة فِي وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لِأَن معنى " عَلَيْكُم أَنفسكُم " احفظوها والزموا صَلَاحهَا بِأَن يعظ بَعْضكُم بَعْضًا ويرغبه فِي الْخيرَات، وينفره عَن القبائح والسيئات، لَا يضركم ضلال من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ فأمرتم بِالْمَعْرُوفِ ونهيتم عَن الْمُنكر، فَإِنَّكُم خَرجْتُمْ عَن عُهْدَة التَّكْلِيف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لرَسُوله [ ﷺ ] : " فقاتل فِي سَبِيل الله لَا تكلّف إِلَّا نَفسك ".
وَقَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ: وَأخرج أَحْمد وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَامر الْأَشْعَرِيّ أَنه كَانَ فيهم أعمى فاحتبس على رَسُول الله [ ﷺ ] ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] قَرَأت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : " أَيْن ذهبتم إِنَّمَا هِيَ لَا يضركم من ضل من الْكفَّار إِذا اهْتَدَيْتُمْ " أه.
فصل
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَمن الْأمة الَّتِي تَدْعُو النَّاس إِلَى الْخَيْر سواكم يَا علماءنا؟ وَمن الْأمة الَّتِي يُمكنهَا أَن تقوم بِوَاجِب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر غَيْركُمْ؟
قَالَ الْحَافِظ ابْن كثير: وَالْمَقْصُود من هَذِه الْآيَة أَن تكون فرقة من هَذِه الْأمة متصدية لهَذَا الشَّأْن، وَإِن كَانَ ذَلِك وَاجِبا على كل فَرد من الْأمة بِحَسبِهِ كَمَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " من رأى
стр. 401
مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ، فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه، فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان - فِي رِوَايَة - وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل " أهـ.
وَقَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ: " ولتكن مِنْكُم أمة، ولتكونوا أمة وَمن صلَة لَيست للتَّبْعِيض كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان " وَلم يرد اجْتِنَاب بعض الْأَوْثَان، بل أَرَادَ فَاجْتَنبُوا الْأَوْثَان وَاللَّام فِي قَوْله تَعَالَى: " ولتكن " لَام الْأَمر أه. وَالصَّوَاب مَا ذكره ابْن كثير وَهُوَ مُوَافق لما ذكره النَّيْسَابُورِي فِي تَفْسِيره، وَهُوَ: وَاخْتلفُوا فِي أَن كلمة من قَوْله تَعَالَى " ولتكن مِنْكُم " للتبيين أَو للتَّبْعِيض، فَذهب طَائِفَة إِلَى أَنَّهَا للتبيين، لِأَنَّهُ مَا من مُكَلّف إِلَّا وَيجب عَلَيْهِ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِمَّا بِيَدِهِ، أَو بِلِسَانِهِ، أَو بِقَلْبِه. وَكَيف لَا وَقد وَصفهم الله تَعَالَى بقوله: (كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فَهَذَا كَقَوْلِك لفُلَان من أَوْلَاده جند، وللأمير من غلمانه عَسْكَر، تُرِيدُ جَمِيع الْأَوْلَاد والغلمان لَا بَعضهم، ثمَّ قَالُوا: إِن ذَلِك وَإِن كَانَ وَاجِبا على الْكل إِلَّا أَنه مَتى قَامَ بِهِ بعض سقط عَن البَاقِينَ كَسَائِر فروض الكفايات، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا للتَّبْعِيض، إِمَّا لِأَن فِي الْقَوْم من لَا يقدر على الدعْوَة وعَلى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، كالنساء والمرضى والعاجزين، وَإِمَّا لِأَن هَذَا التَّكْلِيف مُخْتَصّ بالعلماء الَّذين يعْرفُونَ الْخَيْر مَا هُوَ، وَالْمَعْرُوف وَالْمُنكر مَا هما، ويعلمون كَيفَ يرتب الْأَمر فِي إقامتهما، وَكَيف يُبَاشر، فَإِن الْجَاهِل رُبمَا ينْهَى عَن مَعْرُوف، وَيَأْمُر بمنكر، وَرُبمَا عرف الحكم فِي مذْهبه وجهله فِي مَذْهَب صَاحبه فَنَهَاهُ عَن غير مُنكر، وَقد يغلظ فِي مَوضِع اللين، ويلين فِي مَوضِع الغلظة. وينكر على من لَا يزِيدهُ إِنْكَاره إِلَّا تمادياً. وَأَيْضًا قد أجمعنا على أَن ذَلِك وَاجِب على الْكِفَايَة. فَكَانَ هَذَا بِالْحَقِيقَةِ إِيجَابا على البغض الَّذِي
стр. 402
يقوم بِهِ، قلت: وهم الْعلمَاء فَأَيْنَ يذهبون؟ وأنى يؤفكون، عَمَّا ألزمهم بِهِ الله وَكتبه وَرُسُله والمؤمنون أَجْمَعُونَ؟ وَبعد كَلَام طَوِيل ذكر حَدِيثا بِغَيْر سَنَد الله أعلم بِهِ وَهُوَ: عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " من أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر فَهُوَ خَليفَة الله فِي أرضه، وَخَلِيفَة رَسُول الله، وَخَلِيفَة كِتَابه " قَالَ: وَعَن عَليّ: أفضل الْجِهَاد الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَمن شنأ الْفَاسِقين وَغَضب لله غضب الله لَهُ، وَكفى بقوله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي الأخصاء بالفلاح أه المُرَاد مِنْهُ.
فهيا هيا يَا عُلَمَاء الْإِسْلَام ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر﴾ وَالْخَيْر هُوَ اتِّبَاع الْقُرْآن وَالسّنة، كَذَا خرجه الباقر عَنهُ [ ﷺ ] (ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ) أَي اتِّبَاع مُحَمَّد رَسُول الله [ ﷺ ] وَدينه الَّذِي جَاءَ بِهِ من عِنْد الله ﴿وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ وَالْكفْر بِاللَّه الْعَظِيم، والالتجاء إِلَى غَيره، والاستغاثة بالأموات، وَالذّبْح وَالنّذر لَهُم، والإعراض عَن كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله وَالْجهل بهما، بل يجب عَلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء أَن تجاهدوا فِي الدعْوَة إِلَى الْخَيْر وَالْأَمر وَالنَّهْي حَتَّى تزيلوا كل جَهَالَة ومنكرة وضلالة وَحَتَّى ينقادوا لكم بِالطَّاعَةِ، أَو حَتَّى تلقوا ربكُم وَقد رَضِي عَنْكُم ورضيتم عَنهُ. ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ الناجحون عِنْد الله الفائزون بجنات النَّعيم، والرضوان الْمُقِيم ﴿مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿﴾ (فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ) ﴿﴾ (يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب وأكواب، وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَأَنْتُم فِيهَا خَالدُونَ وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ لكم فِيهَا فَاكِهَة كَثِيرَة مِنْهَا تَأْكُلُونَ) ﴿﴾ (وَيلبسُونَ ثيابًا خضرًا من سندس
стр. 403
واستبرق متكئين فِيهَا على الأرائك نعم الثَّوَاب وَحسنت مرتفقا) ﴿﴾ (يلبسُونَ من سندس وإستبرق مُتَقَابلين، كَذَلِك وزوجناهم بحور عين، يدعونَ فِيهَا بِكُل فَاكِهَة آمِنين، لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى ووقاهم عَذَاب الْجَحِيم، فضلا من رَبك ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم) ﴿﴾ (وجزاهم بِمَا صَبَرُوا جنَّة وَحَرِيرًا، متكئين فِيهَا على الأرائك لَا يرَوْنَ فِيهَا شمساً وَلَا زمهريراً، ودانية عَلَيْهِم ضلالها وذللت قطوفها تذليلا وَيُطَاف عَلَيْهِم بآنية من فضَّة وأكواب كَانَت قواريراً، قَوَارِير من فضَّة قدروها تَقْديرا، ويسقون فِيهَا كأساً كَانَ مزاجها زنجبيلا، عينا فِيهَا تسمى سلسبيلا وَيَطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون إِذا رَأَيْتهمْ حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيماً وملكا كَبِيرا؟ عاليهم ثِيَاب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضَّة وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا، إِن هَذَا كَانَ لكم جَزَاء وَكَانَ سعيكم مشكورا﴾ .
فصل
جاهدوا يَا أَئِمَّة الْإِسْلَام، بينوا الْقُرْآن وَسنة سيد الْأَنَام، أظهرُوا محَاسِن الدّين ومزاياه وفضائله وجماله وجلاله وكمالاته وأبهته، وأنكروا الْمُنْكَرَات والموبقات، وَالْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن، أحيوا السّنَن، أميتوا الْبدع علمُوا المكارم والفضائل، حَاربُوا القبائح والرذائل، فَإِنَّكُم لَيْسَ إِلَّا بِهَذَا ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَالَ مُجَاهِد: إِنَّهُم خير أمة على الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة، وَهَذَا يقْضِي أَن يكون (تأمرون) وَمَا بعده فِي مَحل نصب على الْحَال،
стр. 404
أَي أَنكُمْ خير أمة حَال كونكم آمرين ناهين مُؤمنين بِاللَّه وَبِمَا يجب عَلَيْكُم الْإِيمَان بِهِ من كِتَابه وَرَسُوله وَمَا شَرعه لِعِبَادِهِ، فَإِنَّهُ لَا يتم الْإِيمَان بِاللَّه سُبْحَانَهُ إِلَّا بِالْإِيمَان وَالْعَمَل بِهَذِهِ الْأُمُور؛ وَقد أخرج الإِمَام الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة قَالَ. ذكر لنا أَن عمر بن الْخطاب قَرَأَ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس من سره أَن يكون من تِلْكَ الْأمة فليؤد شَرط الله مِنْهَا. قَالَ الإِمَام ابْن كثير: وَمن لم يَتَّصِف بذلك أشبه أهل الْكتاب الَّذين ذمهم الله بقوله: ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَقَالَ البُخَارِيّ وسَاق السَّنَد إِلَى أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ فِي آيَة ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ خير النَّاس للنَّاس تأتون بهم فِي السلَاسِل فِي أَعْنَاقهم حَتَّى يدخلُوا فِي الْإِسْلَام، ثمَّ ذكر أَن رجلا قَامَ إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] وَهُوَ على الْمِنْبَر فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَي النَّاس خير؟ قَالَ: " خير النَّاس أقرأهم وأتقاهم لله، وَآمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وأنهاهم عَن الْمُنكر. وأوصلهم للرحم " قَالَ وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه.
فصل
فيا عُلَمَاء الْمُسلمين. وَيَا قادة الْمُؤمنِينَ. إِلَى رضوَان رب الْعَالمين. مروا بِالْمَعْرُوفِ. وانهوا عَن الْمُنكر. واصبروا على مَا أَصَابَكُم فِي هَذَا السَّبِيل ﴿إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ واءمروا أقاربكم ومعارفكم وآباءكم وأبناءكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشائركم - أَن يأمروا بِالْمَعْرُوفِ. وينهوا عَن الْمُنكر. وَيَدْعُو بَعضهم بَعْضًا إِلَى الله وَإِلَى كِتَابه وَهدى رَسُوله. بينوا لَهُم أَن هَذَا حتم عَلَيْهِم فِيمَا عرفوه من شرائع الْإِسْلَام عرفوهم أَنهم إِن عمِلُوا بِمَا علمتموهم. فرضوان من الله أكبر. وجنة عالية قطوفها دانية وَإِلَّا فيكونون كمن ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ انصحوا وعظوا. وعاهدوا النَّاس على أَن ينصحوا ويعظوا. وعاهدوهم على أَن يعاهدوا من بعدهمْ على ذَلِك وَهَكَذَا
стр. 405
دواليك فليفعلوا مَعَ من بعدهمْ، واقرءوا عَلَيْهِم وَصِيَّة لُقْمَان الْحَكِيم، الْمَعْدُود بجميل فعله الْعَظِيم، وَأمره وَنَهْيه القويم، من سَادَات أهل جنَّة النَّعيم ﴿وَإِذ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ إِلَى أَن قَالَ لَهُ: ﴿يَا بني إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل فتكن فِي صَخْرَة أَو فِي السَّمَوَات أَو فِي الأَرْض يَأْتِ بهَا الله إِن الله لطيف خَبِير، يَا بني أقِم الصَّلَاة واءمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور، وَلَا تصعر خدك للنَّاس وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا إِن الله لَا يحب كل مختال فخور، واقصد فِي مشيك واغضض من صَوْتك إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ .
فصل
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تنصرُوا الله ينصركم وَيثبت أقدامكم﴾ ، ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ ، ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم﴾ (تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله وتجاهدون فِي سَبِيل الله﴾ بالدعوة إِلَيْهِ وَإِلَى كِتَابه وَسنة نبيه، وَالتَّرْغِيب ﴿فِي مقْعد عِنْد مليك مقتدر﴾ والترهيب من سقر الَّتِي ﴿لَا تبقى وَلَا تذر، لواحة للبشر، عَلَيْهَا تِسْعَة عشر﴾ ﴿وَمن﴾ (نَارا تلظى، لَا يصلاها إِلَّا الأشقى، الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾
стр. 406
أَي أعرض عَن الله وَكتابه والنصح للنَّاس كَافَّة. والوعظ القرآني والإرشاد النَّبَوِيّ. وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ. وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ﴿بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم وَأُخْرَى تحبونها﴾ أَي ويزيدكم الله على مَا ذكر زِيَادَة تحبونها وَهِي ﴿نصر من الله وَفتح قريب﴾ عَاجل فِي الدُّنْيَا وَهِي الْحَيَاة الطّيبَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ الْآيَة ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ الْمُجَاهدين فِي سبيلي الناشرين الناصرين لكتابي. العاملين بِسنة رَسُولي. الْمُحَاربين للمعاصي والمحرمات. والأضاليل والبدع والمنكرات والخرافات والترهات. بشر هَؤُلَاءِ يَا مُحَمَّد بالنصر فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُم هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا. وَفِي الْآخِرَة ﴿لَهُم دَرَجَات عِنْد رَبهم ومغفرة ورزق كريم﴾
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا أنصار الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم للحواريين من أَنْصَارِي إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحن أنصار الله﴾ فَلَا تَكُونُوا يَا علماءنا وَيَا أمة مُحَمَّد أقل جهاداً ودرجة من حوارِي عِيسَى. فجاهدوا فِي الله جهاداً لَا يقل عَن جِهَاد الحواريين. بل أَشد وَأكْثر. وناصروا رَسُول الله وسننه مناصرة تلِيق بكم. حَيْثُ قَالَ الله فِيكُم: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ .
فصل
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم وافعلوا
стр. 407
الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون. وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس. فأقيموا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير﴾ فِي هَذِه الْآيَة الْحَث على طَاعَة الله والحث على الْجِهَاد فِي سَبيله. وَلَيْسَ شَيْء أعظم فِي زَمَاننَا من الدعْوَة إِلَيْهِ تَعَالَى بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. (فحيهل) .
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مالكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة؟ فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل؛ إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا ويستبدل قوما غَيْركُمْ: وَلَا تضروه شَيْئا وَالله على كل شَيْء قدير إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده بِجُنُود لم تَرَوْهَا. وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى وَكلمَة الله هِيَ الْعليا وَالله عَزِيز حَكِيم انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم
стр. 408
وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله، ذالكم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ فِي الْآيَات عتاب من الله شَدِيد للْمُؤْمِنين المتثاقلين المتكاسلين عَن النفور وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله، وفيهَا تحتم النفور وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله بِالْمَالِ وَالنَّفس على الشبَّان والكهول والشيوخ والأغنياء وَالْمَسَاكِين.
قَرَأَ أَبُو طَلْحَة ﵁ هَذِه الْآيَة ﴿انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله﴾ فَقَالَ: أرى رَبنَا استغفرنا شُيُوخًا وشبانا جهزوني يَا بني فَقَالَ بنوه: يَرْحَمك الله قد غزوت مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] حَتَّى مَاتَ، وَمَعَ أبي بكر حَتَّى مَاتَ، وَمَعَ عمر حَتَّى مَاتَ، فَنحْن نغزوا عَنْك، فَأبى، فَركب الْبَحْر فَمَاتَ فَلم يَجدوا لَهُ جَزِيرَة يدفنونه فِيهَا إِلَّا بعد تِسْعَة أَيَّام فَلم يتَغَيَّر فدفنوه فِيهَا، كَذَا فِي تَفْسِير ابْن كثير ﴿فَهَل من مدكر﴾ .
فصل
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة وَجَاهدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ يناديكم الله ويخاطبكم يَا علماءنا آمراً لكم بتقواه، وَهِي إِذا قرنت بِطَاعَتِهِ كَانَ المُرَاد بهَا الانكفاف عَن الْمُحرمَات وَترك المنهيات، ثمَّ قَالَ ﴿وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ وَهِي الْقرْبَة الَّتِي يتَحَصَّل بهَا إِلَى تَحْصِيل الْمَقْصُود، وَهِي أَيْضا علم على أَعلَى منزلَة فِي الْجنَّة، وَهِي منزلَة رَسُول الله [ ﷺ ] وداره، وَهِي أقرب أمكنة الْجنَّة إِلَى الْعَرْش، فَمن اتَّقى الله وتقرب إِلَيْهِ بالوسائل الشَّرْعِيَّة، الموصلة إِلَى رضوانه كَانَ مَعَ الَّذين ﴿أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿﴾ (وَجَاهدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَالْجهَاد الْأَكْبَر الْآن هُوَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهَؤُلَاء هم (الَّذين
стр. 409
اتَّقوا رَبهم لَهُم غرف من فَوْقهَا غرف مَبْنِيَّة تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار، وعد الله لَا يخلف الله الميعاد) ﴿﴾ (أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ .
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض، وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا - إِلَى قَوْله تَعَالَى - وَالَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله، وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم مغْفرَة ورزق كريم، وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ، فَأُولَئِك مِنْكُم﴾ الخ الْآيَة.
يَقُول مُحَمَّد: فِي هَذِه الْآيَة تحتم الْهِجْرَة وَالْجهَاد بالأموال والأنفس فِي سَبِيل الله، وَمَا كَانَت الْهِجْرَة إِلَّا للْجِهَاد فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام، وإعلاء كلمة الْحق، وَإِبْطَال كلمة الْكفْر، وَنشر شرائع الدّين بِخِلَاف " من كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا، فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ " وفيهَا أَيْضا أبه لَيْسَ مُؤمنا حق الْإِيمَان إِلَّا الَّذين جاهدوا فِي الله ونصروا وانتصروا لكتابه وَسنَن نبيه، وَهَذَا لَا يكون إِلَّا بالمثابرة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهَذَا من أوجب الْوَاجِبَات على الْعلمَاء، فَإِن قَامُوا بِهِ فهم الَّذين ﴿كَانَت لَهُم جنَّات الفردوس نزلا، خَالِدين فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حولا﴾ وَإِن أَعرضُوا عَنهُ ونأوا فالويل لَهُم من وَعِيد ﴿إِن الَّذين يكتمون﴾ ﴿وَمن﴾ (كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَإِن هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الْإِعْرَاض عَن ذكر الله الَّذِي هُوَ كِتَابه، وَقد قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين﴾
стр. 410
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله وَالله غَفُور رَحِيم﴾ أَقُول: المُهَاجر من هجر مَا نهى الله وَرَسُوله عَنهُ، والمجاهد الَّذِي يُجَاهد الْعَدو، ويجاهد الشَّيْطَان، ويجاهد النَّفس على مَا يصلحها وَيصْلح شَأْن الْمُسلمين، وَذَلِكَ بِالْعَمَلِ والدعوة إِلَى الْكتاب الْمُبين وَالسّنة الغراء وَإِظْهَار شَعَائِر الدّين وشرائعه، ففاعل ذَلِك يَرْجُو رَحْمَة الله إِذْ قد أحسن عمله فِي رِضَاهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أخبر فِي كِتَابه بذلك فَقَالَ: ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ وفاعل ذَلِك هُوَ الْمُؤمن المعتصم بِهِ الَّذِي سيدخله الله فِي رَحمته وفضله، وسيهديه ربه صراطاً مُسْتَقِيمًا، كَمَا قَالَ: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ فليعمل على ذَلِك الْعلمَاء.
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾
أَقُول: هَذَا ترغيب جليل من الله جلّ شَأْنه لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ فِي الْجِهَاد فِي سَبيله وتنفيذ أوامره ونواهيه، وَاتِّبَاع طَرِيق رَسُوله الْأَعْظَم [ ﷺ ] ، وإخبار مِنْهُ سُبْحَانَهُ بمنح الْمُجَاهدين الآمرين بِالْمَعْرُوفِ الناهين عَن الْمُنكر، بالهداية إِلَى سبل السَّلَام، وَإِلَى رضوانه الْأَكْبَر، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى﴾ وَقَوله: ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ وَقَوله ﴿وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ فهنيئاً لَهُم ﴿لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ وَقَول الله سُبْحَانَهُ: (وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ ترغيب ثَان للمجاهدين أكده وَأقسم فِيهِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذين لَيْسَ أحد فِي الْأمة أحسن مِنْهُم عملا (وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من
стр. 411
الْمُسلمين وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن، فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم، وَمَا يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم﴾ قَالَ الإِمَام ابْن كثير فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ﴿وَالَّذين جاهدوا﴾ قَالَ: الَّذِي يعْملُونَ بِمَا يعلمُونَ، يهْدِيهم الله لما يعلمُونَ، قَالَ أَحْمد ابْن الْحوَاري: فَحدثت بِهِ أَبَا سُلَيْمَان الدَّارَانِي فأعجبه وَقَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي لمن ألهم شَيْئا من الْخَيْر أَن يعْمل بِهِ حَتَّى يسمعهُ فِي الْأَثر، فَإِذا سَمعه من الْأَثر عمل بِهِ وَحمد الله حَيْثُ وَافق مَا فِي قلبه أه. وَقَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ: وَالَّذين جاهدوا فِي طلب الْعلم لنهدينهم سبل الْعَمَل بِهِ، وَقَالَ سهل بن عبد الله: وَالَّذين جاهدوا فِي إِقَامَة السّنة، لنهدينهم سبل الْجنَّة أه.
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ولينصرن الله من ينصره، إِن الله لقوي عَزِيز، الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾ أَقُول: أقسم رَبنَا جلّ ذكره أَنه ينصر أولياءه وأحبابه أنصار دينه وَأَتْبَاع رَسُوله، الْمُجَاهدين فِي نصر وَنشر الْعُلُوم والمعارف الربانية النَّبَوِيَّة، ثمَّ بَين تَعَالَى أَنه على ذَلِك قدير وَقَوي عَزِيز، وَهَؤُلَاء هم خلفاء الله فِي الأَرْض وورثة أنبيائه الَّذين قَالَ الله فِي إخْوَانهمْ: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ فَهَؤُلَاءِ صفوة الله فِي أرضه بِأَنَّهُم يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر " وَيدعونَ النَّاس إِلَى دَار السَّلَام وَإِلَى مرضاة الله، فمصير هَؤُلَاءِ وعاقبة
стр. 412
أَمر جهادهم، وصبرهم على مَا يلاقون فِي سَبِيل ذَلِك من الْأَذَى والمشاق والتعب والعناء إِلَى الله تَعَالَى، فيجازيهم على مَا صَنَعُوا ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾ كَقَوْلِه: ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن لِلْمُتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أَتْرَابًا وكأسا دهاقا لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا كذابا جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ .
فصل
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن جَاهد فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ إِن الله لَغَنِيّ عَن الْعَالمين وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنفكرن عَنْهُم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَيهَا الْعلمَاء إِن جاهدتم الكفريات والأضاليل الفاشية بَين سَائِر الْأمة، والكبائر الَّتِي ترونها ترتكب لَيْلًا وَنَهَارًا، وسراً وجهراً، والبدع والخرافات الَّتِي فَشَتْ فمسخت الشَّرَائِع، وطمست الْحَقَائِق، وَأَطْفَأت الْأَنْوَار وأظلمت الْقُلُوب وأطغت النُّفُوس، وصيرت الْأمة فِي جَهَالَة وضلالة وعماية بعد الرقي الهائل، والعلوم والمعارف وَالْهِدَايَة، فَإِن جاهدتم هَذَا كُله يَا عُلَمَاء الْمُسلمين فَإِنَّمَا تجاهدون لأنفسكم ولراحتكم ومسرتكم عِنْد مليككم، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ أَي فَإِنَّمَا يعود نفع عمله على نَفسه، فَإِن الله تَعَالَى غَنِي عَن أَفعَال الْعباد، وَلَو كَانُوا كلهم على أتقى قلب رجل مِنْهُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكه شَيْئا.
стр. 413
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِن الرجل ليجاهد وَمَا ضرب يَوْمًا من الدَّهْر بِسيف، ثمَّ أخبر تَعَالَى أَنه مَعَ غناهُ عَن الْخَلَائق جَمِيعهم، وَمَعَ بره وإحسانه بهم، يجازى الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أحسن الْجَزَاء، وَهُوَ أَن يكفر عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا، ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ، فَيقبل الْقَلِيل من الْحَسَنَات، ويثيب عَلَيْهَا الْوَاحِدَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، ويجزى على السَّيئَة بِمِثْلِهَا أَو يعْفُو ويصفح، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ وَقَالَ هَهُنَا: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ أهـ من ابْن كثير.
فصل
وَالله يَا عُلَمَاء لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا الْكتاب وَالسّنة، ولستم ناجين من عَذَاب الله ولعنته حَتَّى تبينوا طَرِيق الْهِدَايَة وَطَرِيق الغواية، وَطَرِيق النَّار وَطَرِيق الْجنَّة، لَا ملْجأ لكم وَلَا منجا حَتَّى تقتفوا آثَار نَبِيكُم وإخوانه من الْأَنْبِيَاء وَحَتَّى تهانوا كإهانتهم، وتسبوا كَمَا سبوا، وتضربوا كَمَا ضربوا وتقتلوا كَمَا قتلوا، وتنشروا بالمناشير كَمَا نشرُوا، وَحَتَّى يكون ذَلِك حلوا عنْدكُمْ لَا مرا، إِنَّكُم لَا تَكُونُونَ من الآمرين بِالْمَعْرُوفِ الناهين عَن الْمُنكر حَتَّى يتبرم النَّاس مِنْكُم، قُولُوا لَهُم كَقَوْل نوح ﵇ (لَا تعبدوا إِلَّا الله إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم أَلِيم، فَقَالَ الْمَلأ الَّذين كفرُوا من قومه مَا نرَاك إِلَّا بشرا مثلنَا وَمَا نرَاك اتبعك إِلَّا الَّذين هم أراذلنا بَادِي الرَّأْي وَمَا نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين، قَالَ: يَا قوم أَرَأَيْتُم إِن كنت على بَيِّنَة من رَبِّي وآتاني رَحْمَة من عِنْده فعميت عَلَيْكُم أنلزمكموها وَأَنْتُم لَهَا كَارِهُون، وَيَا قوم لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ مَالا إِن أجري إِلَّا على الله وَمَا أَنا بطارد الَّذين آمنُوا إِنَّهُم ملاقوا رَبهم وَلَكِنِّي
стр. 414
أَرَاكُم قوما تجهلون. وَيَا قوم من ينصرني من الله إِن طردتهم أَفلا تذكرُونَ وَلَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول إِنِّي ملك، وَلَا أَقُول للَّذين تزدري أعينكُم لن يُؤْتِيهم الله خيرا الله أعلم بِمَا فِي أنفسهم إِنِّي إِذا لمن الظَّالِمين. قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين. قَالَ إِنَّمَا يأتيكم بِهِ الله إِن شَاءَ وَمَا أَنْتُم بمعجزين، وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ .
يَا عُلَمَاء الدّين قُولُوا للنَّاس كَقَوْل نَبِيكُم هود ﵇: ﴿يَا قوم اعبدوا الله مالكم من إِلَه غَيره إِن أَنْتُم إِلَّا مفترون﴾ امنعوهم وحرموا عَلَيْهِم عبَادَة الْقُبُور، ونداء أَصْحَابهَا، والاستغاثة بهم، وَالنّذر وَالذّبْح لَهُم، والتوسل بهم وبينوا لَهُم محَاسِن وفضائل التَّوْحِيد القرآني والنبوي، وَادعوا أمتكُم إِلَى خير بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة، وجادلوهم بِالَّتِي هِيَ أحسن، وَاقْتَدوا بهود ﵇ حَيْثُ يَقُول: ﴿يَا قوم لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن أجري إِلَّا على الَّذِي فطرني أَفلا تعقلون؟﴾ بشروا أمتكُم بِمَا بشرت بِهِ الْأَنْبِيَاء أممها وَمِنْهُم هود ﵇ حَيْثُ يَقُول لِقَوْمِهِ: ﴿وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم، ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم. وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين﴾ أَكْثرُوا وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى يَقُولُوا لكم: ﴿إِنَّا لنراكم فِي سفاهة وَإِنَّا لنظنكم من الْكَاذِبين﴾ كَمَا قَالُوا لهود فَقَالَ لَهُم ﴿يَا قوم لَيْسَ بِي سفاهة وَلَكِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين، أبلغكم رسالات رَبِّي وَأَنا لكم نَاصح أَمِين﴾ انصحوا يَا عُلَمَاء الْإِسْلَام إخْوَانكُمْ بنصيحة مُؤمن آل فِرْعَوْن إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ (يَا قوم اتبعون أهدكم سَبِيل الرشاد، يَا قوم إِنَّمَا هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاع وَأَن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار، من عمل سَيِّئَة فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا. وَمن عمل
стр. 415
صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة يرْزقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب، وَيَا قوم مَالِي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار، تدعونني لأكفر بِاللَّه وأشرك بِهِ مَا لَيْسَ لي بِهِ علم، وَأَنا أدعوكم إِلَى الْعَزِيز الْغفار، لَا جرم أَنما تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَة فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة، وَأَن مردنا إِلَى الله، وَأَن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار، فستذكرون مَا أَقُول لكم، وأفوض أَمْرِي إِلَى الله إِن الله بَصِير بالعباد﴾ .
فَلَا تَكُونُوا عُلَمَاء الْمُسلمين أقل نصحاً ووعظاً وإرشاداً لإخوانكم من مُؤمن آل فِرْعَوْن، إِذْ أَنْتُم خير أمة وَالْأمة الْوسط كَمَا قَالَ ربكُم، عظوا النَّاس معذرة مِنْكُم إِلَى الله ولعلهم يَهْتَدُونَ، فَإِذا نسوا مَا ذكرتموهم بِهِ أنجاكم الله وَأَخذهم بِعَذَاب بئيس، كَمَا قَالَ جلّ شَأْنه حاكيا عَن أهل الْعِصْيَان والطغيان: ﴿وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم عذَابا شَدِيدا؟ قَالُوا معذرة إِلَى ربكُم ولعلهم يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ .
فصل
فالقرآن من أَوله إِلَى آخِره يحتم على الْعلمَاء وَيُوجب عَلَيْهِم الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَالسّنة أَيْضا كَذَلِك فَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ، فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه؛ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان " رَوَاهُ
стр. 416
مُسلم، وَعَن ابْن مَسْعُود ﵄ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره، ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَالا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَالا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل " رَوَاهُ مُسلم، وَعَن أبي الْوَلِيد عبَادَة بن الصَّامِت ﵄ قَالَ: بَايعنَا رَسُول الله [ ﷺ ] على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمَكْرُوه وعَلى أَثَرَة علينا، وعَلى أَن لَا ننازع الْأَمر أَهله، إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله تَعَالَى فِيهِ برهَان، وعَلى أَن نقُول الْحق أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا، وَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا: أَن خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم تؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَعَن أم الْمُؤمنِينَ أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " أَنه يسْتَعْمل عَلَيْكُم أُمَرَاء فتعرفون وتنكرون، فَمن كره فقد برِئ، وَمن أنكر فقد سلم، وَلَكِن من رضى وتابع، قَالُوا يَا رَسُول الله أَلا نقاتلهم؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلَاة " رَوَاهُ مُسلم، وَعَن أم الْمُؤمنِينَ زَيْنَب بنت جحش ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] دخل عَلَيْهَا فَزعًا يَقُول: " لَا إِلَه إِلَّا الله: ويل للْعَرَب؛ من شَرّ قد اقْترب، فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج
стр. 417
وَمَأْجُوج مثل هَذِه وَحلق بِأُصْبُعَيْهِ الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا فَقلت " يَا رَسُول الله: أنهلك وَفينَا الصالحون؟ قَالَ: نعم، إِذا كثرت الْخبث " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إيَّاكُمْ وَالْجُلُوس فِي الطرقات، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله مَا لنا من مجالسنا بُد نتحدث فِيهَا، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : فَإِذا أَبَيْتُم إِلَّا الْمجْلس فأعطوا الطَّرِيق حَقه، قَالُوا: وَمَا حق الطَّرِيق يَا رَسُول الله؟ قَالَ: غض الْبَصَر، وكف الْأَذَى، ورد السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر " مُتَّفق عَلَيْهِ: وَعَن حُذَيْفَة ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله يبْعَث عَلَيْكُم عقَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَاب لكم " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " أفضل الْجِهَاد كلمة عدل عِنْد سُلْطَان جَائِر " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَقَالَ [ ﷺ ] : " لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي نهتهم علماؤهم فَلم ينْتَهوا فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ وواكلوهم وشاربوهم فَضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ولعنهم (على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ فَجَلَسَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَكَانَ مُتكئا فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى تأطروهم على الْحق أطراً ".
فصل
وَقد قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ ﵀ فِي كِتَابه " رياض الصَّالِحين من كَلَام سيد الْمُرْسلين " بَاب تَغْلِيظ عُقُوبَة من أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر، وَخَالف قَوْله فعله، ثمَّ ذكر الْآيَات وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك، وَقد عدهَا من كبار الذُّنُوب أَيْضا الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه الزواجر، وَلَو لم يرد فِي ذَلِك إِلَّا أَنه يُؤْتى بِهِ يَوْم
стр. 418
الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أمعاء بَطْنه فيدور بهَا كَمَا يَدُور الْحمار فِي الرحا، فيجتمع إِلَيْهِ أهل النَّار فَيَقُولُونَ: يَا فلَان مَالك ألم تكن تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر؟ فَيَقُول: بلَى، كنت آمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه، وأنهى عَن الْمُنكر وآتيه " والْحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ. لكفاه وعيداً، وزجراً وتهديداً. قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ ﵀ " بَاب النَّهْي عَن الْبدع ومحدثات الْأُمُور " قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ أَي الْكتاب وَالسّنة، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فتعرق بكم عَن سَبيله﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ .
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وَعَن جَابر ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا خطب احْمَرَّتْ عَيناهُ وَعلا صَوته، وَاشْتَدَّ غَضَبه، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول صبحكم ومساكم، وَيَقُول: بعثت أَنا والساعة كهاتين، ويقرن بَين أصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى وَيَقُول: أما بعد فَإِن أصدق الحَدِيث كتاب الله، وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد [ ﷺ ] ، وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة " الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ قَالَ: وعظنا رَسُول الله [ ﷺ ] موعظة بليغة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب، وذرفت مِنْهَا الْعُيُون، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا، قَالَ: " أوصيكم بتقوى الله، والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد حبشِي، وَإنَّهُ من يعِيش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا، فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ، وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور، فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح أهـ.
стр. 419
وَعَن أبي ذَر ﵁ أَن نَاسا قَالُوا: يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كَمَا نصلي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول أَمْوَالهم، قَالَ: " أَو لَيْسَ قد جعل الله لكم مَا تصدقُونَ بِهِ؟ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة، وكل تَكْبِيرَة صَدَقَة، وكل تَحْمِيدَة صَدَقَة، وكل تَهْلِيلَة صَدَقَة، وَأمر بِمَعْرُوف صَدَقَة، وَنهى عَن مُنكر صَدَقَة " رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا يحقرن أحدكُم نَفسه، قَالُوا: يَا رَسُول الله وَكَيف يحقر أَحَدنَا نَفسه؟ قَالَ: يرى أَن لله فِيهِ مقَالا وَلَا يَقُول فِيهِ، فَيَقُول الله يَوْم الْقِيَامَة: مَا مَنعك أَن تَقول فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُول: خشيَة النَّاس، فَيَقُول: فإياي كنت أَحَق أَن تخشني رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات؛ وَعَن تَمِيم الدَّارِيّ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " الدّين النَّصِيحَة - قَالَه ثَلَاثًا - قَالَ: قُلْنَا: لمن يَا رَسُول الله؟ قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ، وروى عَن ذرة بنت أبي لَهب ﵂ قَالَت: قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس؟ قَالَ: " أَتْقَاهُم للرب ، وأوصلهم للرحم وَآمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم عَن الْمُنكر " رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد الْكَبِير وَغَيره. وَعَن ابْن عمر ﵁ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا الله فَلَا يستجيب لكم، وَقبل أَن تستغفروه فَلَا يغْفر لكم، إِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يدْفع رزقا، وَلَا يقرب أَََجَلًا وَإِن الْأَحْبَار من الْيَهُود، والرهبان من النَّصَارَى لما تركُوا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لعنهم الله على لِسَان أَنْبِيَائهمْ ثمَّ عموا بالبلاء " رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ.
وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا رَأَيْت أمتِي تهاب أَن تَقول للظالم يَا ظَالِم، فقد تودع مِنْهُم " رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَعَن أبي ذَر قَالَ: " أَوْصَانِي خليلي [ ﷺ ] بخصال من
стр. 420
الْخَيْر، أَوْصَانِي أَن لَا أَخَاف فِي الله لومة لائم، وأوصاني أَن أَقُول الْحق وَلَو كَانَ مرا، مُخْتَصر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه، وروى حُذَيْفَة عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَالصَّوْم سهم، وَحج الْبَيْت سهم، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم، وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ " رَوَاهُ الْبَزَّار. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " كُنَّا نسْمع أَن الرجل يتَعَلَّق بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ لَا يعرفهُ، فَيَقُول لَهُ: مَا لَك إِلَى وَمَا بيني وَبَيْنك معرفَة؟ فَيَقُول: كنت تراني على الْخَطَأ وعَلى الْمُنكر وَلَا تنهاني " ذكره رزين وَلم أره أهـ. من التَّرْغِيب لِلْحَافِظِ الْمُنْذِرِيّ.
стр. 421
خَاتِمَة
هَذِه نصيحتي إِلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء، وَمَا نصحتكم إِلَّا بِكَلَام الله وَكَلَام رَسُوله هَذِه دَعْوَتِي لكم، وَمَا دعوتكم إِلَى الله إِلَّا بِمَا دعَاكُمْ الله وَرَسُوله بِهِ فِي كِتَابه وَسنة نبيه، فَهَل أَنْتُم بهَا عاملون، وَفِي الله مجاهدون، وَلما اندرس من السّنَن محيون، وَلأَهل الكفريات وكبائر الذُّنُوب زاجرون، وَلَهُم واعظون وناصحون، وللسبع الموبقات والشرك بِاللَّه، وَالسحر، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات الْغَافِلَات مانعون ومحرمون، وَهل أَنْتُم للغش والخيانة وَالْمَكْر والخديعة وَأكل الْحَرَام ومطل الْأَغْنِيَاء والأيمان الكاذبة وَالْغَصْب والنهب وَمنع أجر الْأَجِير وَالسَّرِقَة وَالْقَتْل وَالزِّنَا وأذى الْجَار وَالْفُحْش من القَوْل واللعن والشتم وَسَب الدّين والعقوق وَالسَّعْي بِالْفَسَادِ بَين الْأَب وَابْنه، وَالزَّوْج وَامْرَأَته، وَلبس الْحَرِير وَالذَّهَب والتشبه بِالنسَاء والوشم والوصل والنمص والجور وَالظُّلم والرشاوى، وإعانة الظَّالِمين، ومساعدة المبطلين، وَالْخُمُور والفجور والزور والطبول والزمور والتبذير والإسراف، وكشف العورات وتتبعها، وَالْبخل وَالشح، والغل والحقد والحسد وَالْغَضَب وَالْكبر والغيبة والنميمة والتهاجر والتشاحن والتدابر وَالْحلف بِغَيْر الله، وَالنّذر لغيره، والغدر وَخلف الْوَعْد وَحب الأشرار ومصاحبتهم؛ وإتيان الْكُهَّان والمنجمين والرمالين وضرابي الْحَصَا والتصاوير واللعب بالنرد وَالْميسر " الْقمَار " والنياحة على الْمَيِّت، وَلَطم الخدود وشق الْجُيُوب، والإحداد على غير الزَّوْج، وَتَعْلِيق الودع والفاسوخ والعقاقير والتمائم والحروز، فَهَل أَنْتُم لهَذَا كُله وَلِجَمِيعِ الرذائل وَالْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن محاربون؟ ؟
стр. 422
روى ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: كنت عَاشر عشرَة رَهْط من الْمُهَاجِرين عِنْد رَسُول الله [ ﷺ ] فَأقبل علينا رَسُول الله [ ﷺ ] بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " يَا معشر الْمُهَاجِرين خمس خِصَال أعوذ بِاللَّه أَن تدركون: مَا ظَهرت الْفَاحِشَة فِي قوم حَتَّى أعْلنُوا بهَا إِلَّا ابتلوا بالطواعين والأوجاع الَّتِي لم تكن فِي أسلافهم الَّذين مضوا، وَلَا نقص قوم الْمِكْيَال إِلَّا ابتلوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة الْمُؤْنَة وجور السُّلْطَان، وَمَا منع قوم زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء، وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يمطروا، وَلَا خفر قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فَأخذُوا بعض مَا فِي أَيْديهم. وَمَا لم تعْمل أئمتهم بِمَا أنزل الله فِي كِتَابه إِلَّا جعل الله بأسهم بَينهم " وكل هَذَا قد حل بِنَا بوقوعنا فِي هَذِه الْمعاصِي وَغَيرهَا فَإنَّا لله، وَذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر عَن أبي عمرَان قَالَ: " بعث الله ملكَيْنِ إِلَى قَرْيَة أَن يدمراها بِمن فِيهَا، فوجدا فِيهَا رجلا قَائِما يُصَلِّي فِي مَسْجِد، فَقَالَا: يَا رب إِن فِيهَا عَبدك فلَانا يُصَلِّي، فَقَالَ الله : دمراها ودمراه مَعَهم فَإِنَّهُ مَا تمعر وَجهه فِي قطّ " وَلما زلزلت الأَرْض على عهد عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ كتب إِلَيّ الإمصار.
أما بعد. فَإِن هَذَا الرجف شَيْء يُعَاتب أَو يُعَاقب الله بِهِ الْعباد؛ وَقد كتبت إِلَى سَائِر الْأَمْصَار أَن يخرجُوا فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا. فَمن كَانَ عِنْده شَيْء فليتصدق بِهِ؛ فَإِن الله قَالَ ﴿قد أَفْلح من تزكّى وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ آدم: ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ نوح: ﴿وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ يُونُس ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ أه. من الْجَواب الْكَافِي.
стр. 423
فيا حماة الدّين ادعوا وَلَا تذهلوا عَن الدعْوَة فقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أجور من تبعه لَا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئا " رَوَاهُ مُسلم. يَا حراس الشَّرِيعَة عَلَيْكُم بِالْقُرْآنِ وَبَيَانه للنَّاس فقد ورد أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا " ذكره فِي التَّرْغِيب من رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد. وَفِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود بِإِسْنَاد جيد أَنه قَالَ: " إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مُشَفع. من اتبعهُ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة. وَمن أعرض عَنهُ زج فِي قَفاهُ إِلَى النَّار " رَوَاهُ الْبَزَّار.
هَذِه دَعْوَتِي ونصيحتي لكم، فَهَلُمُّوا لنعمل جَمِيعًا. ونتعاون على الْبر وَالتَّقوى كَمَا أمرنَا. فهيا ألفوا لنا الجمعيات لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وإحياء الْفَضَائِل وَقتل الرذائل. وَإِظْهَار الْحق وَإِبْطَال الْبَاطِل. عَسى أَن يعود لنا مجد أسلافنا أَو بعضه ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله وتجاهدون فِي سَبِيل الله بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم وَأُخْرَى تحبونها نصر من الله وَفتح قريب وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون وأنفقوا مِمَّا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول: رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين، وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا
стр. 424
تناجيتم فَلَا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرَّسُول وتناجوا بِالْبرِّ وَالتَّقوى وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ . ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ ﴿﴾ (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس فأقيموا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير) ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ (وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله هُوَ خيرا وَأعظم أجرا وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .
وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته مَا دمتم بنصيحتي من العاملين.
وَقد كنت ابتدأت فِي تأليف هَذَا الْكتاب بعد صَلَاة الْعشَاء من يَوْم ٢٩ رَجَب الْحَرَام سنة ١٣٥١ هـ؛ وانتهيت من ترتيبه قبل غرُوب شمس يَوْم السبت ٢٩ ذِي الْحجَّة سنة ١٣٥٢ هـ، وَقد اعترتني فِي هَذِه الْمدَّة مشاغل ومتاعب وأمراض وأحزان وهموم أشغلت البال؛ وَجعلت الْفِكر فِي بلبال؛ أسأله سُبْحَانَهُ أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم وَأَن يَنْفَعنِي بِهِ وَجَمِيع إخْوَانِي الْمُسلمين وصل اللَّهُمَّ على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وعلينا مَعَهم آمين.
كتبه مُحَمَّد عبد السَّلَام خضر