← Акыда

Акыда · id 6884

السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات

الشقيري

Полный текст (424 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَكَذَلِكَ حرضت جدتكم الخنساء الفضلى أبناءها الْأَرْبَعَة يَوْم حَرْب الْقَادِسِيَّة فَقَالَت: يَا بني: تعلمُونَ مَا أعد الله للْمُسلمين من الثَّوَاب الجزيل فِي حَرْب الْكَافرين وَأَن الدَّار الْبَاقِيَة خير من الدَّار الفانية، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ فَإِذا أَصْبَحْتُم فاغدوا إِلَى قتال عَدوكُمْ، فَإِذا رَأَيْتُمْ الْحَرْب قد شمرت عَن سَاقهَا واضطرمت لظى على سعيرها فَتَيَمَّمُوا وطيسها وجالدوا رئيسها. تظفروا بالغنم والكرامة فِي دَار الْخلد والمقامة فَلَمَّا أَصْبحُوا باشروا الْقِتَال. وَقبل استشهادهم قَامَ أحدهم فَقَالَ: (يَا إخوتي إِن الْعَجُوز الناصحة ... قد نصحتنا إِذْ دعتنا البارحة) (مقَالَة ذَا بَيَان وَاضِحَة ... فباكروا الْحَرْب الضروس الكالحة) (وَإِنَّمَا تلقونَ عِنْد الصائحة ... من آل ساسان الْكلاب النابحة) (قد أيقنوا مِنْكُم يُوقع الْجَائِحَة ... وَأَنْتُم بَين حَيَاة صَالِحَة) (أَو ميتَة تورث غنما رابحة ... ) وَأنْشد الثَّانِي: (إِن الْعَجُوز ذَات حزم وَجلد ... ولنظر الأوفق والرأي السدد) (قد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة مِنْهَا وَبرا بِالْوَلَدِ) (فباكروا الْحَرْب حماة فِي الْعدَد ... أما لفوز بَارِد على الكبد) (أَو ميتَة تورثكم عزا فِي الْأَبَد ... فِي جنَّة الفردوس والعيش الرغد) وَأنْشد الثَّالِث: (وإله لَا نعصى الْعَجُوز حرفا ... قد أمرتنا حَربًا وعطفاً) (نضحاً وَبرا صَادِقا ولطفاً ... فبادروا الْحَرْب الضروس زحفاً)

стр. 352

(حَتَّى تلفوا آل كسْرَى لفا ... أَو يكشفوكم عَن حماكم كشفا) (إِنَّا نرى التَّقْصِير مِنْكُم ضعفا ... وَالْقَتْل فِيكُم نجدة وزلفى) وَأنْشد الرَّابِع: (لست للخنساء وَلَا للأحزم ... وَلَا لعَمْرو / ذِي السناء الأقدم) (إِن لم أرد فِي الْجَيْش جَيش الْأَعْجَم ... مَاض على الهول خضم خضرم) (إِمَّا لفوز عَاجل ومغنم ... أَو لوفاة فِي السَّبِيل الأكرم) فَلَمَّا باشروا المعركة قَاتلُوا قتالا شَدِيدا حَتَّى قتلوا وَاحِدًا بعد الآخر، وَلما بلغ أمّهم الْخَبَر، قَالَت الْحَمد لله الَّذِي شرفني بِقَتْلِهِم، وَأَرْجُو من رَبِّي أَن يجمعني بهم فِي مُسْتَقر رَحمته. فيا نسَاء الْمُسلمين، لتكن فيكُن هَذِه الْغيرَة كجداتكن الفضيليات، فبكن حَيَاة الشعوب والأمم، وبصالح تربيتكن لأبنائكن تسعد الشعوب والأمم وَبِمَا تضعن من التَّهْذِيب وَالْعلم النافع فِي عقول أبنائكن، تحيا الْأُمَم وتسعد سَعَادَة أبدية لَا تشقى بعْدهَا أبدا، وَلَا تهزم، وَلَا يتغلب عَلَيْهَا عدوا أبدا. وَهَذِه أَسمَاء بنت الصّديق ﵄، لما رَاح إِلَيْهَا وَلَدهَا عبد الله ابْن الزبير يستشيرها فِي الْقِتَال فَقَالَت لَهُ: إِن كنت على الْحق يَا بني فاصبر عَلَيْهِ. فقد قتل عَلَيْهِ أَصْحَابك أخرج إِلَى الْقَتْل، الْقَتْل أحسن، وَإِنِّي لأرجو أَن يكوني عزائي فِيك حسنا، ثمَّ دعت لَهُ فَقَالَت: اللَّهُمَّ إِنِّي قد سلمته لأمرك فِيهِ. ورضيت بِمَا قضيت. فقابلني فِيهِ بِثَوَاب الصابرين الشَّاكِرِينَ. وَلما احتضنته لتودعه فَوَجَدته لابساً درعاً من حَدِيد قَالَت لَهُ: مَا هَذَا لِبَاس من يُرِيد الْمَوْت فِي سَبِيل الله، انزعه، وَكَانَ ذَلِك آخر عَهده بهَا. فَالله الله أيتها المسلمات. هيا هيا إِلَى الْجِهَاد. مرن أَوْلَادكُنَّ بِالْقِتَالِ. حرضتهم على الْحَرْب والفتك بالأعداء والنضال، وإنفاق النَّفَقَات فِي هَذَا السَّبِيل

стр. 353

فهيا جَمِيعًا. أَنْقِذُوا بِلَادكُمْ، أدركوا إخْوَانكُمْ. تداركوا نساءكم، وَإِلَّا فالخسران الْمُبين، وَإِلَّا فالخزي والعار، وَإِلَّا فالهلاك والفناء والدمار، وَإِلَّا فالسقوط والانحطاط، وَإِلَّا فالخيبة والخذلان، فارموهم بسهامكم الصائبة، فقد قَالَ [ ﷺ ] : " من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله كَانَ كمن أعتق رَقَبَة ". يَا هَؤُلَاءِ: " من مَاتَ وَلم يغز، وَلم يحدث نَفسه بالغزو، مَاتَ على شُعْبَة من النِّفَاق " رَوَاهُ مُسلم وَغَيره. يَا هَؤُلَاءِ: " من لم يغز، أَو يُجهز غازياً، أَو يخلف غازياً فِي أَهله بِخَير، أَصَابَهُ الله تَعَالَى بقارعة قبل يَوْم الْقِيَامَة " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره. يَا هَؤُلَاءِ: " من لَقِي الله بِغَيْر أثر من جِهَاد، لقى الله وَفِيه ثلمة " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره. يَا قوم: " مَا ترك قوم الْجِهَاد إِلَّا عمهم الله بِالْعَذَابِ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. يَا قوم: " مَا من مكلوم يكلم فِي سَبِيل الله، إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَكَلمه يدمي اللوم لون دم، وَالرِّيح ريح مَسْلَك " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. يَا قوم: " مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله كَمثل الصَّائِم نَهَاره، الْقَائِم ليله حَتَّى يرجع مَتى رَجَعَ " رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره. يَا من كُنْتُم سادة النَّاس جَمِيعًا، فأصبحتم عبيد النَّاس جَمِيعًا، جاهدوا فِي سَبِيل الله، فَإِن الْجِهَاد فِي سَبِيل الله بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة، يُنجي الله ﵎ بِهِ من الْهم وَالْغَم " رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره، " إِن أَبْوَاب الْجنَّة تَحت ظلال السيوف "، " وَمن قَاتل فِي سَبِيل الله فوَاق نَاقَة حرم الله على وَجهه النَّار " رَوَاهُ مُسلم وَأحمد.

стр. 354

يَا أَبنَاء الْعرُوبَة: " إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة. أعدهَا الله للمجاهدين فِي سَبِيل الله مَا بَين الدرجتين كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض " رَوَاهُ البُخَارِيّ. فافتكوا بالمستعمرين واطردوهم شَرّ طردة من أَرْضنَا وبلادنا وديارنا واستردوا كل مَا أَخَذُوهُ وَلَو رَأس إبرة. ثمَّ عودوا عَلَيْهِم فدكدكوا عروشهم واحتلوها. وَأقِيمُوا فِيهَا شرائع الله. وعدالة دينه الْإِسْلَام. أَيهَا الرِّجَال الْأَبْطَال البواسل. يجب أَن نموت جَمِيعًا أَو يخرج من أَرْضنَا وبلادنا كل أَجْنَبِي ومستعمر؛ وَالْمَوْت هُنَا هُوَ الْحَيَاة؛ وَهُوَ الرّفْعَة؛ والعزة والسيادة والسياسة وَالْبر وَالنعْمَة وَالرَّحْمَة؛ فلنقاتل فَلَا سَبِيل إِلَى الْمجد إِلَّا بِالْقِتَالِ. وَقد قَالَ [ ﷺ ] : " يُؤْتى بِالرجلِ من أهل الْجنَّة فَيَقُول الله يَا ابْن آدم كَيفَ وجدت مَنْزِلك؟ فَيَقُول: أَي رب خير منزل. فَيَقُول: سل وتمنه. فَيَقُول: وَمَا أَسأَلك وأتمنى أَسأَلك أَن تردني إِلَى الدُّنْيَا فأقتل فِي سَبِيلك عشر مَرَّات. لما يرى من فضل الشَّهَادَة " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره. فَلَنْ يخرج هَؤُلَاءِ المستعمرون إِلَّا بِحَرب كالحة ضروس: وَلنْ تُقِيمُوا دولة لِلْقُرْآنِ وَبِه إِلَّا بغزو طَوِيل مرير. يوده ويفرح بِهِ الْمُؤْمِنُونَ. ويكرهه ويبغضه الْجُبَنَاء المُنَافِقُونَ. وَقد قَالَ [ ﷺ ] : " وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل. ثمَّ أغزو فأقتل. ثمَّ أغزو فأقتل " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَلما صرخت أُخْت عَمْرو حِين قتل أَبوهَا قَالَ لَهَا النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا تبْكي مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَقَالَ [ ﷺ ] : " رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب ملكا يطير فِي الْجنَّة ذَا جناحين. يطير فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ مضرجة قوادمه بالدماء ".

стр. 355

وَقَالَ: " هَنِيئًا لَك يَا عبد الله أَبوك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء "، فَفِي الْغَزْو عز الدُّنْيَا، وسعادة الْآخِرَة ورضوان الله أكبر. يَا أهل مصر وَيَا أهل الشرق أجمع: " من خرج حَاجا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْحَاج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمن خرج مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْمُعْتَمِر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمن خرج غازياً فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْغَازِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة "، رَوَاهُ أَبُو يعلى من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَق. يَا أهل الْحجاز واليمن وَالشَّام وَالْعراق وَيَا رجال الْعرُوبَة وَيَا أَيهَا الْمُسلمُونَ فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا: " غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس أَو غربت " رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ، و " رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله، خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا "، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره، " لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " " وَلَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة أَو مَوضِع قيد خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَلَو أَن امْرَأَة من أهل الْجنَّة اطَّلَعت إِلَى أهل الأَرْض، لَأَضَاءَتْ مَا بَينهمَا: وَلَمَلَأَتْهُ ريحًا، وَلنَصِيفهَا على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا. ويروى " طُوبَى لمن أَكثر فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله من ذكر الله، فَإِن لَهُ بِكُل كلمة سبعين ألف حَسَنَة كل حَسَنَة مِنْهَا عشرَة أَضْعَاف مَعَ الَّذِي لَهُ عِنْد الله

стр. 356

من الْمَزِيد " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه مَجْهُول. وَيرى " أَي الْمُجَاهدين أعظم أجرا؟ قَالَ أَكْثَرهم لله تَعَالَى ذكرا " رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالصَّحِيح " مَا من عبد يَصُوم يَوْمًا فِي سَبِيل الله. إِلَّا باعد الله بذلك الْيَوْم وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. يَا أَرْبَعمِائَة مليون وَسَبْعمائة مليون مُسلم وشرقي. قد أعدت أوربا والغرب الأثيم للْقَضَاء المبرم عَلَيْكُم قَضَاء كلياً. وتكتلوا ووحدوا صفوفهم. وَأَعدُّوا لكم تعبئة عَامَّة بالقنابل الذُّرِّيَّة والمدمرات وقاذفات القنابل. وَأَعدُّوا عدد الْبر وَالْبَحْر والجو. للْقَضَاء عَلَيْكُم فِي الْحَرْب العالمية الثَّالِثَة. فَأَقْبَلُوا السَّيئَة بِالسَّيِّئَةِ وَقَابَلُوا الشَّرّ بِالشَّرِّ وَقُولُوا: (أَلا لَا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهليا) فقاوموا هَذَا الشَّرّ المستطير، وَلَا تضعفوا أَمَامه وَلَا تستكينوا ﴿وَلنْ ينفعكم الْفِرَار إِن فررتم من الْمَوْت أَو الْقَتْل. وَإِذن لَا تمتعون إِلَّا قَلِيلا﴾ . ﴿قل من ذَا الَّذِي يعصمكم من الله إِن أَرَادَ بكم سوءا أَو أَرَادَ بكم رَحْمَة وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا قد يعلم الله المعوقين مِنْكُم والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يأْتونَ الْبَأْس إِلَّا قَلِيلا أشحة عَلَيْكُم فَإِذا جَاءَ الْخَوْف رَأَيْتهمْ ينظرُونَ إِلَيْك تَدور أَعينهم كَالَّذي يغشى عَلَيْهِ من الْمَوْت فَإِذا ذهب الْخَوْف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الْخَيْر أُولَئِكَ لم يُؤمنُوا فأحبط الله أَعْمَالهم وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ فَلم يبْق إِلَّا الْغَزْو. والإنفاق الْوَاسِع بِكُل رضَا وسرور على الْغَزْو، فَقدم أولادك جَمِيعًا للغزو. وَأنْفق جلّ مَالك بعد عِيَالك على الْغَزْو، ثمَّ جد بروحك راضية مرضية للْمَوْت فِي سَبِيل الله، وَفِي سَبِيل رفع راية الْقُرْآن عالية فقد طَال الأمد على تنكيسها، وَقد قَالَ [ ﷺ ] : " من أنْفق نَفَقَة فِي سَبِيل الله كتبت لَهُ بسبعمائة ضعف " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره، وَقَالَ [ ﷺ ] :

стр. 357

" من جهز غازياً فِي سَبِيل الله فقد غزا. وَمن خلف غازياً فِي أَهله بِخَير فقد غزا " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَبعث [ ﷺ ] إِلَى بني لحيان ليخرج من كل رجلَيْنِ رجل. ثمَّ قَالَ للقاعد " أَيّكُم خلف الْخَارِج فِي أَهله فَلهُ مثل أجره " رَوَاهُ مُسلم. وَقَالَ: " من جهز غازياً فِي سَبِيل الله فَلهُ مثل أجره، وَمن خلف غازياً فِي أَهله بِخَير وَأنْفق على أَهله فَلهُ مثل أجره " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح، ويروى " عينان لَا تمسهما النَّار أبدا، عين باتت تكلأ فِي سَبِيل الله، وَعين بَكت من خشيَة الله " رَوَاهُ أَبُو يعلى، وَقَالَ: رُوَاته ثِقَات، وَقَالَ أَيْضا [ ﷺ ] : " رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة، خير من صِيَام شهر وقيامه، وَإِن مَاتَ فِيهِ جرى عَلَيْهِ عمله الَّذِي كَانَ يعْمل. وأجرى عَلَيْهِ رزقه، وَأمن من الفتان " رَوَاهُ مُسلم. فيا مُلُوك الْإِسْلَام والشرق أجمع، وَيَا أَغْنِيَاء الْمُسلمين والشرق أجمع، وَيَا شعوب الْبِلَاد الْعَرَبيَّة والشرق أجمع، نناشدكم بِاللَّه أَن تحرموا على أَنفسكُم أَولا وعَلى شعوبكم ثَانِيًا -: كل مَا فِيهِ ترف وسرف، وَلَهو وَلعب وضياع للأموال وأنفقوا كل مَا تَمْلِكُونَ، وكل مَا بِأَيْدِيكُمْ وأيدي شعوبكم على إنْشَاء المصانع الحربية، فاعملوا أُلُوف المدافع الثَّقِيلَة. وألوف الدبابات والغواصات والطائرات والمدمرات، وقاذفات القنابل. ومئات الأساطيل وملايين القنابل الذُّرِّيَّة ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ فَإِن من الْعَار وَالْعَيْب الشَّديد أَن يسبقنا إِلَى هَذَا الاستعداد، أحط النَّاس وأقذرهم الْيَهُود. ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا مِمَّا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة، والكافرون هم الظَّالِمُونَ﴾

стр. 358

﴿وأنفقوا فِي سَبِيل الله وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة وأحسنوا إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله، وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون، وأنفقوا مِمَّا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت، فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين، وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء وَالله وَاسع عليم الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله ثمَّ لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا منا وَلَا أَذَى لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَا من كُنْتُم فَوق جَمِيع النَّاس وَقَادَتهمْ فأصبحتم بالاستعمار أَسْفَل النَّاس وأجهلهم، يَا من كُنْتُم أعز النَّاس وأرفعهم فأصبحتم بالاحتلال أذلّ النَّاس وأوضعهم، يَا من كُنْتُم سادة النَّاس جَمِيعًا وأفواههم فأمسيتم عبد العبيد وأضعفهم يَا أهل الشرق أجمع: (إِنِّي تذكرت. والذكرى مؤرقة ... مجداً تليداً بِأَيْدِينَا أضعناه) (إِنِّي اتجهت إِلَى الْإِسْلَام فِي بلد ... تَجدهُ كالطير مقصوصا جناحاه) (وَيْح الْعرُوبَة كَانَ الْكَوْن مسرحها ... فَأَصْبَحت تتوارى فِي زواياه) (كم صرفتنا يَد كُنَّا نصرفها ... وَبَات يملكنا شعب ملكناه) أَيهَا الشَّاب الْغَنِيّ الْقوي: إِن بلادك مصابة ومبتلاه بِضعْف علمي، واحتلال سياسي، وانحلال خلقي، وانهيار ديني وتفرق اجتماعي، وهبوط تعاوني وفقر اقتصادي، وضغط وهوان أَجْنَبِي. وَأَنت أَيهَا الشَّاب مطَالب بِالْعَمَلِ فِي كل هَذِه الميادين، فَجَاهد وناضل وصل وَقَاتل. وجاهد وجالد، وواصل

стр. 359

الهجوم والتقدم. وتابع الضربات حَتَّى تحطم كل شَيْء أمامك صعباً. هاجم وَقل: (وَمَا كنت أرْضى بالدناءة خطة ... ولى بَين أَطْرَاف الأسنة مقدم) (وَمَا ألفت ظلّ الهوينى عزيمتي ... وَكَيف وَحدهَا من السَّيْف أَصْرَم) (سأجعل نَفسِي للمتالف عرضة ... وأقذفها للْمَوْت، وَالْمَوْت أكْرم) (بأرضك فارتع، أَو إِلَى الْقَبْر فارتحل ... فَإِن غَرِيب الْقَوْم لحم موضم) (على أنني (وَالْحكم لله) - واثق ... بعزم يفض الْخطب والخطب مُبْهَم) (وقلب لَو أَن السَّيْف عَارض صَدره ... لغادر حد السَّيْف وَهُوَ مثلم) يَا شباب الشرق: الغرب كُله يتأجج نَارا علينا، وَالْكل لَا يُرِيد إِلَّا ذلنا وهواننا واستعبادنا واستثمار خيرات بِلَادنَا، وَإِن لَهُم لدعايات قَوِيَّة ضدنا. وَإِنَّهُم ليطعنون الْإِسْلَام وملوك الْمُسلمين فِي صميم صُدُورهمْ فِي أناشيدهم وأغانيهم الموسيقية الحربية، وَقد نشرت جَرِيدَة الْفَتْح نقلا عَن جَرِيدَة الشرق بِالْعدَدِ ٥٤٣ عَن لِسَان شَاب إيطالي مَا يَأْتِي: يَا أُمَّاهُ: أتمي صَلَاتك وَلَا تبْكي. بل اضحكي وتأملي، أَلا تعلمين أَن إيطاليا تَدعُونِي؟ وَأَنا ذَاهِب إِلَى طرابلس فَرحا مَسْرُورا. (لأبذل دمي فِي سَبِيل سحق الْأمة الملعونة) . (ولأحارب الدّيانَة الإسلامية الَّتِي تجيز الْبَنَات الْأَبْكَار للسُّلْطَان) . (سأقاتل بِكُل قوتي لمحو الْقُرْآن) : لَيْسَ بِأَهْل للمجد من لم يمت إيطاليا حَقًا.

стр. 360

تحمسي أيتها الوالدة. تذكري كاروني الَّتِي جَادَتْ بِأَوْلَادِهَا فِي سَبِيل وطنها. يَا أُمَّاهُ أَنا مُسَافر. أَلا تعلمين أَن على الأمواج الزَّرْقَاء الصافية من بحرنا ستلقى سفائننا المراسي؟ أَنا ذَاهِب إِلَى طرابلس مَسْرُورا، لِأَن رايتنا الْمُثَلَّثَة الألوان تَدعُونِي. وَذَلِكَ الْقطر تَحت ظلها. لَا تموتي لأننا فِي طَرِيق الْحَيَاة. وَإِن لم أرجع فَلَا تبْكي على ولدك. وَلَكِن اذهبي فِي كل مسَاء وزوري الْمقْبرَة. وَإِن سَأَلَك أحد عَن عدم حدادك عَليّ فأجيبيه: إِنَّه مَاتَ فِي محاربة الْإِسْلَام. الطبل يقرع يَا أُمَّاهُ أَنا ذَاهِب ... . دعيني أعانقك أذهب. أهـ. فَهَل بعد هَذَا يَا شباب الشعوب الشرقية، تهدأ لكم ثورة، أَو تنطفئ لكم نيران؟ أَو تغمض مِنْكُم الجفون. أَو عَن أَدَاء وَاجِب الدفاع الْمَفْرُوض عَلَيْكُم لأوطانكم تنامون؟ وَإِلَيْك أَيْضا أبياتا من قصيدة لحافظ بك إِبْرَاهِيم عَن لِسَان فتاة يابانية تصف فِيهَا شجاعة قَومهَا: (إِن قومِي استعذبوا ورد الردى ... كَيفَ تَدعُونِي أَلا أشربا؟) (أَنا يابانية لَا أنثني ... عَن مرادي أَو أَذُوق العطبا) (أَنا إِن لم أحسن الرَّمْي وَلم ... تستطع كفاي تقليب الظبا) (أخدم الْجَرْحى. وأقضي حَقهم ... وأواسي فِي الوغى من نكبا) (هَكَذَا الميكادو قد علمنَا ... أَن نرى الأوطان أما وَأَبا) (ملك يَكْفِيك مِنْهُ أَنه ... أنهض الشرق فهز المغربا)

стр. 361

(وَإِذا مارسته ألفيته ... حولا فِي كل أَمر قلبا) (كَانَ والتاج صغيرين مَعًا ... وجلال الْملك فِي مهد الصِّبَا) (فغدا هَذَا سَمَاء للعلا ... وَغدا ذَلِك فِيهَا كوكبا) (بعث الْأمة من مرقدها ... ودعاها للعلا أَن تدأبا) (فَسَمت للمجد تبغي شأوه ... وقضت من كل شَيْء مأربا) فاستعذبوا الْمَوْت أَيهَا الشَّبَاب، واستهينوا بِهِ، وقابلوه بِوُجُوه باسمة ضاحكة وَقُلُوب راضية مطمئنة، لَا أَقُول كمقابلة الشَّبَاب الأوربي للْمَوْت، فَأنْتم أَعلَى وَأَرْفَع وأسمى وأقوم. لأنكم أَبنَاء الْقُرْآن. وورثة مُحَمَّد [ ﷺ ] وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وخَالِد بن الْوَلِيد بل وورثة جَمِيع الْأَنْبِيَاء. وَإِنَّكُمْ لترجون من الله مَالا يرجون وَإِنَّهُم لَا يتربصون بكم إِلَّا إِحْدَى الحسنيين وَأَنْتُم تتربصون بهم أَن يصيبهم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِيكُمْ. ﴿وَلَئِن قُلْتُمْ فِي سَبِيل الله أَو متم لمغفرة من الله وَرَحْمَة، خير مِمَّا يجمعُونَ وَلَئِن متم أَو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ . فموتوا يَا شبابنا غير هيابين للْمَوْت. وَاعْلَمُوا أَن أشرف الْمَوْت. موت الشُّهَدَاء وَلَيْسَ موتكم هَذَا موتا. وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَال إِلَى الْعلَا، وَإِلَى الفردوس الْأَعْلَى وَإِلَى جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض، هيأها الله للمقاتلين، إِلَى مصافحة ومعانقة سادة أهل الدُّنْيَا وسَادَة أهل الْجنَّة. نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ثمَّ إِلَى رُؤْيَة وَجه الله الْكَرِيم ثمَّ (على

стр. 362

سرر موضونة، متكئين عَلَيْهَا مُتَقَابلين، يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق، وكأس من معِين. لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون، وَفَاكِهَة مِمَّا يتخيرون. وَلحم طير مِمَّا يشتهون، وحور عين، كأمثال اللُّؤْلُؤ الْمكنون، جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ، لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيماً. إِلَّا قَلِيلا سَلاما سَلاما﴾ ويزوركم وَيسلم عَلَيْكُم رب الْعَالمين ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ . ﴿وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب. سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار﴾ فَقومُوا وهاجموا وتقدموا وَالله مَعكُمْ. وَالله ولي الصابرين، وناصر الْمُجَاهدين، وَهُوَ سُبْحَانَهُ نعم الْمولى وَنعم النصير.

стр. 363

الْبَاب التَّاسِع وَالْعشْرُونَ خطاب عَام إِلَى كَافَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمد لله الَّذِي ﴿يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله حرم ﴿الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق، وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا، وَأَن تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ﴾ سُبْحَانَهُ أَمر بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وشدد وهدد حَتَّى قَالَ: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم وَأَنا التواب الرَّحِيم﴾ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله الْمنزل عَلَيْهِ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر وَأعْرض عَن الْمُشْركين، وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ ، ﴿فَلذَلِك فَادع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم﴾ ، ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ ﴿وادع إِلَى رَبك إِنَّك لعلى هدى مُسْتَقِيم وَإِن جادلوك فَقل الله أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ الله يحكم بَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون﴾ . اللَّهُمَّ صلي وَسلم على من أَرْسلتهُ شَاهدا ومبشر وَنَذِيرا، وحرزاً اللأميين، وسميته فِي التَّوْرَاة المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا سخاب بالأسواق وَلَا يدْفع

стр. 364

السَّيئَة بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِن يعْفُو ويصفح، وَمَا قَبضته حَتَّى أَقمت بِهِ الْملَّة العوجاء ففتحت بِهِ أعيناً عميا، وآذاناً صمًّا، وَقُلُوبًا غلفًا، بِأبي هُوَ وَأمي [ ﷺ ] ، جَاهد فِي الله حق الْجِهَاد حَتَّى خرج يَوْمًا إِلَى الْبَطْحَاء فَصَعدَ الْجَبَل فَنَادَى " يَا صَبَاحَاه " فاجتمعت إِلَيْهِ قُرَيْش فَقَالَ: " أَرَأَيْتُم إِن حدثتكم أَن الْعَدو مصبحكم أَو ممسيكم أَكُنْتُم تصدقوني؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فَإِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد " فَقَالَ أَبُو لَهب: أَلِهَذَا جمعتنَا؟ تَبًّا لَك فَأنْزل الله ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب﴾ الخ رَوَاهُ البُخَارِيّ: بِأبي هُوَ وَأمي [ ﷺ ] ، لقد كَانَ يطوف بالقبائل لتبليغ أَمر ربه فيقف على كل قَبيلَة قَائِلا: " يَا بني فلَان إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم آمركُم أَن تعبدوا الله لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تصدقوني وَلَا تَمْنَعُونِي حَتَّى أنفذ عَن الله مَا بَعَثَنِي بِهِ " فَيَقُول عَدو الله عَمه أَبُو لَهب: يَا بني فلَان هَذَا يُرِيد مِنْكُم أَن تسلخوا اللات والعزى إِلَى مَا جَاءَ بِهِ من الْبِدْعَة فَلَا تسمعوا لَهُ وَلَا تَتبعُوهُ وَلَقَد قَالَ لِعَمِّهِ أبي طَالب لما أَرَادَ تثبيط همته: " وَالله يَا عَم لَو وضعُوا الشَّمْس فِي يَمِيني وَالْقَمَر فِي يساري على أَن أترك هَذَا الْأَمر مَا فعلت حَتَّى يظهره الله أَو أهلك دونه " ثمَّ بَكَى وَولى [ ﷺ ] وَلَقَد سخر وَضحك مِنْهُ الْمُشْركُونَ وآذوه حَتَّى ألقوا على ظَهره وَهُوَ ساجد سلا الْجَزُور وَلَقَد خنق فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى الله خنقاً شَدِيدا، وَأطْعم الشَّاة المسمومة ووطئ ظَهره وأدمى وَجهه وَكسرت رباعيته وَمَعَ هَذَا قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ ". بِأبي وَأمي [ ﷺ ] ، فَلَقَد كَانَ أَكثر النَّاس اهتماماً واجتهاداً فِي تَبْلِيغ مَا أَمر

стр. 365

بتبليغه، وَأعظم حرصاً على دعوتهم إِلَى مَا يسعدهم فِي دينهم ودنياهم، وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى أنزل الله عَلَيْهِ: ﴿فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا﴾ ، ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ ، ﴿مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى تَنْزِيلا مِمَّن خلق الأَرْض وَالسَّمَاوَات العلى﴾ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بِأبي هُوَ وَأمي. صنع عقبَة بن أبي معيط مرّة وَلِيمَة ودعا لَهَا كبراء قُرَيْش وَفِيهِمْ رَسُول الله فَقَالَ [ ﷺ ] : " وَالله لَا آكل طَعَامك حَتَّى تؤمن بِاللَّه " فَتشهد الرجل، فَبلغ ذَلِك صديقا لَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا شَيْء بَلغنِي عَنْك؟ قَالَ لَا شَيْء، دخل منزلي رجل شرِيف فَأبى أَن يَأْكُل طَعَامي حَتَّى أشهد لَهُ فَاسْتَحْيَيْت أَن يخرج من بَيْتِي وَلم يطعم فَشَهِدت لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْخَبيث وَجْهي من وَجهك حرَام إِن لقِيت مُحَمَّدًا فَلم تطَأ عُنُقه وتبزق فِي وَجهه وتلطم عَيْنَيْهِ فَفعل فَأنْزل الله فِيهِ: ﴿وَيَوْم يعَض الظَّالِم على يَدَيْهِ يَقُول يَا لَيْتَني اتَّخذت مَعَ الرَّسُول سَبِيلا يَا ويلتى لَيْتَني لم أَتَّخِذ فلَانا خَلِيلًا لقد أضلني عَن الذّكر بعد إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَان للْإنْسَان خذولا﴾ بِأبي هُوَ وَأمي، [ ﷺ ] قَالُوا فِيهِ: معلم مَجْنُون، وَقَالُوا: ﴿يَا أَيهَا الَّذين نزل عَلَيْك الذّكر إِنَّك لمَجْنُون﴾ فَقَالَ الله لَهُ: ﴿مَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بمجنون وَإِن لَك لأجرا غير ممنون وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ وَقَالَ لَهُ: ﴿فَذكر فَمَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بكاهن وَلَا مَجْنُون﴾ وَلما قَالُوا فِيمَا أوحى إِلَيْهِ: ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ قَالَ الله فِي الْقَائِل: ﴿سأصليه سقر وَمَا أَدْرَاك مَا سقر لَا تبقي وَلَا تذر لواحة للبشر﴾ وَلما نهوا ونأوا عَمَّا جَاءَ بِهِ وَقَالُوا: (إِن هَذَا إِلَّا أساطير

стр. 366

الْأَوَّلين﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن يهْلكُونَ إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وَلما قَالُوا: ﴿إِنَّمَا يُعلمهُ بشر﴾ كذبهمْ الله بقوله: ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ . فصل لقد نثر أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ فِي غَزوه أحد كِنَانَته بَين يَدي رَسُول الله [ ﷺ ] وَصَارَ يَقُول لَهُ: وَجْهي لوجهك فدَاء، وَكَانَ [ ﷺ ] ينظر إِلَى الْقَوْم ليرى مَاذَا يَفْعَلُونَ، فَيَقُول لَهُ أَبُو طَلْحَة: يَا نَبِي الله بِأبي أَنْت وَأمي لَا تنظر يصيبك سهم من سِهَام الْقَوْم، نحرى دون نحرك، فصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَضي الله عَن أبي طَلْحَة. صَار أَبُو دُجَانَة سماك بن خَرشَة يدْفع بترسه عَن رَسُول الله [ ﷺ ] حَتَّى صَار النبل يَقع على ظَهره وَهُوَ منحن عَلَيْهِ حَتَّى مَلأ ظَهره فصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَضي الله عَنهُ، وَكَانَ يُقَاتل عَن الرَّسُول [ ﷺ ] زِيَادَة ابْن الْحَارِث حَتَّى أَصَابَت الْجراح مقاتله فأدنى من النَّبِي [ ﷺ ] حَتَّى مَاتَ على قدمه فهنيئا لَهُ. وَلَقَد حفر اللعين أَبُو عَامر الراهب حفراً وغطاها ليَقَع فِيهَا الْمُسلمُونَ فَوَقع الرَّسُول [ ﷺ ] فِي حُفْرَة مِنْهَا فأغمى عَلَيْهِ وخدشت ركبتاه فَأخذ عَليّ بِيَدِهِ وَرَفعه طَلْحَة بن عبيد الله حَتَّى اسْتَوَى قَائِما فَرَمَاهُ عتبَة بن أبي وَقاص بِحجر كسر رباعيته فَتَبِعَهُ حَاطِب بن أبي بلتعة فَقتله، وشج وَجهه [ ﷺ ] عبد الله بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وجرحت وجنتاه [ ﷺ ] بِسَبَب دُخُول حلقتي المغفر فيهمَا من ضَرْبَة ضربه بهَا ابْن قمئة غضب الله عَلَيْهِ، فجَاء أَبُو عُبَيْدَة وعالج

стр. 367

الحلقتين حَتَّى نزعهما فَكسرت فِي ذَلِك ثنيتاه، فصل ى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَرَضي الله عَن أَصْحَابه سادة أهل الأَرْض أَجْمَعِينَ، وَأعرف النَّاس بِرَبّ الْعَالمين، وأحبهم إِلَى رَسُوله الْأمين، وأرحمهم بِالْمُؤْمِنِينَ، وأغلظهم وأشدهم على الْكَافرين، كَمَا وَصفهم الله بذلك فِي كِتَابه الْمفصل الْعَرَبِيّ الْمُبين وَفِي كتب أنبيائه السَّابِقين، فَقَالَ وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ . ﵃، عبدُوا الله حق عِبَادَته، وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده، وأوذوا فِي الله أَذَى لَا يُطَاق فصبروا فاجتباهم الله واختارهم لنصرة دينه ومؤازرة نبيه، فعزروه ووقروه ونصروه ﴿فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا ومغانم كَثِيرَة يأخذونها وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ . فصل وَلَقَد شَاهد الصّديق ﵁ مَعَ الرَّسُول الْأَعْظَم [ ﷺ ] فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى الله من الْأَهْوَال والبلايا وأنواع الْأَذَى صنوفا وضروبا،

стр. 368

فَلَقَد كَانَ أول خطيب دَعَا إِلَى الله وَإِلَى هدى رَسُوله [ ﷺ ] حَتَّى ثار الْمُشْركُونَ عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين فِي نواحي الْمَسْجِد فضربوهم ضربا شَدِيدا. ووطئ أَبُو بكر وأوجع ضربا، ودنا مِنْهُ الْفَاسِق عتبَة بن ربيعَة فَجعل يضْربهُ بالنعال على وَجهه حَتَّى مَا يعرف أَنفه من وَجهه، فَأدْخل بَيته وهم لَا يَشكونَ فِي مَوته، فَجعل أَبوهُ وَبَنُو تيم يكلمونه وَهُوَ لَا يرد جَوَابا. فَلَمَّا أَفَاق كَانَت أول كلمة خرجت من فِيهِ أَن قَالَ: مَا فعل رَسُول الله [ ﷺ ] ؟ فنالوه بألسنتهم. وَلما خلت بِهِ أمه وألحت عَلَيْهِ لتطعمه جعل يَقُول لَهَا: مَا فعل رَسُول الله [ ﷺ ] ؟ قَالَت: وَالله لَا علم لي بصاحبك. فأقسم بِاللَّه أَن لَا يَذُوق طَعَاما وَلَا شرابًا حَتَّى يرى رَسُول الله [ ﷺ ] فَلَمَّا أسكن النَّاس خرجت بِهِ أمه وَمَعَهَا أُخْرَى يتكئ عَلَيْهِمَا حَتَّى دخلتا على رَسُول الله [ ﷺ ] فانكب عَلَيْهِ يقبله وانكب عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ. فَرضِي الله عَنهُ من صديق وَصَاحب ورفيق. لقد أَرَادوا مَنعه من تِلَاوَة الْقُرْآن الْمجِيد فِي مَسْجده الَّذِي ابتناه بِفنَاء دَاره للصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَالْعِبَادَة. وَلَقَد حثا السُّفَهَاء على رَأسه التُّرَاب، وَلَقَد خرج من بَلَده مُهَاجرا وَدخل مَعَ الرَّسُول [ ﷺ ] الْغَار حَتَّى نظر إِلَى الْأَعْدَاء فَرَآهُمْ فَوق رُءُوسهم فَقَالَ: لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرنَا تَحت قَدَمَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : " يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما " وَمَا كَانَ حزنه جبنا مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إشفاقاً على الرَّسُول [ ﷺ ] وَلذَا قَالَ: إِن أقتل فَأَنا رجل وَاحِد، وَإِن قتلت هَلَكت الْأمة. وَهَكَذَا يكون الْحبّ فِي الله وَإِلَّا فَلَا، فَرضِي الله عَنهُ وأرضاه.

стр. 369

وَلَقَد خرج وَلَده عبد الرَّحْمَن قبل إِسْلَامه من صُفُوف الْمُشْركين يطْلب البرَاز فَأَرَادَ أَبوهُ أَن يبرز لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : " متعنَا بِنَفْسِك يَا أَبَا بكر " فبخ بخ لَك أَيهَا الصّديق. نعم حَقًا لَو وزن إيمانك بِإِيمَان أهل الأَرْض لرجح إيمانك على إِيمَان أهل الأَرْض جَمِيعًا. وَرَضي الله عَن عمر بن الْخطاب حَيْثُ كَانَ يَقُول على الْمِنْبَر: يَا معشر الْمُسلمين مَاذَا تَقولُونَ لَو ملت برأسي إِلَى الدُّنْيَا كَذَا؟ وميل رَأسه. فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فسل سَيْفه وَقَالَ: أجل كُنَّا نقُول بِالسَّيْفِ كَذَا وَأَشَارَ إِلَى قطعه، فَقَالَ: إيَّايَ تَعْنِي بِقَوْلِك؟ قَالَ: نعم، إياك أَعنِي بِقَوْلِي، فنهره عمر ثَلَاثًا وَهُوَ ينهر عمر، فَقَالَ عمر: رَحِمك الله، الْحَمد لله الَّذِي جعل فِي رعيتي من إِذا تعوجت قومني، وَلَقَد كَانَ يرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وَيَقُول: اللَّهُمَّ كَبرت سني، وضعفت قوتي. وانتشرت رعيتي، فاقبضني إِلَيْك غير مضيع وَلَا مفرط، وَكَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني شَهَادَة فِي سَبِيلك، وَاجعَل موتِي فِي بلد رَسُولك، وَلَقَد كَانَ ﵁ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة مر بَين الصُّفُوف، وَيَقُول: اسْتَووا حَتَّى إِذا لم ير فِيهِنَّ خللا تقدم فَكبر للصَّلَاة، وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة يُوسُف أَو النَّحْل حَتَّى يجْتَمع النَّاس، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فسمعوه يَقُول: قتلني أَو أكلني الْكَلْب، حِين طعنه الْخَبيث أَبُو لؤلؤة، وَطعن مَعَه ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم سَبْعَة، ثمَّ طعن نَفسه. وَتَنَاول عمر يَد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه للصَّلَاة، ثمَّ حمل إِلَى بَيته مغشياً عَلَيْهِ حَتَّى أَسْفر النَّهَار، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ هَل صلى النَّاس؟ فَقَالُوا: نعم. فَقَالَ: لَا إِسْلَام لمن ترك الصَّلَاة، ثمَّ دَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ وَصلى. وَبعد قَلِيل ارتحل إِلَى رَحْمَة ربه ورضوانه الْأَكْبَر. ورضى الله عَن عُثْمَان بن عَفَّان الَّذِي حبس عَن الصَّلَاة وأحصر أَيَّامًا وليالي بِلَا ذَنْب، وَمنع عَنهُ المَاء بِلَا خَطِيئَة، وَقتل ضربا بِالسَّيْفِ وَهُوَ

стр. 370

وَهُوَ صَائِم وَهُوَ يَقُول بيني وَبَيْنكُم كتاب الله، ﵁، رأى رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَبا بكر فِي مَنَامه فَقَالَا لَهُ: " صبرا فَإنَّك تفطر عندنَا الْقَابِلَة " فَأصْبح صَائِما وَقتل من يَوْمه. وَرَضي الله عَن ابْن عَم الرَّسُول [ ﷺ ] الْمَقْتُول فجراً وَهُوَ يُنَادي الْمُؤمنِينَ: الصَّلَاة الصَّلَاة، غفر الله لَهُ ورحمه، مَا أعدله وَأعظم إنصافه، قَالَ لِابْنِهِ الْحسن: انْظُر يَا حسن إِن أَنا مت من ضربتي فَاضْرِبْهُ بضربة وَلَا تمثلن بِالرجلِ، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " إيَّاكُمْ والمثلة وَلَو بالكلب الْعَقُور " ثمَّ دَعَا ولديه فَقَالَ لَهما: أوصيكما بتقوى الله، وَلَا تبغيا الدُّنْيَا وَإِن بغتكما، وَلَا تبكيا على شَيْء زوى عنكما، وقولا الْحق، وارحما الْيَتِيم، وَأَعْيُنًا الضائع، واصنعا لِلْأُخْرَى، وكونا للظالم خصيما، وللمظلوم ناصراً. واعملا بِمَا فِي كتاب الله، وَلَا تأخذكما فِي الله لومة لائم " وَأوصى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بهما وأوصاهما بِهِ، ثمَّ كرر لِلْحسنِ الْوَصِيَّة فَقَالَ: أوصيك أَي بني بتقوى الله، وإقام الصَّلَاة لوَقْتهَا، وإيتاء الزَّكَاة عِنْد محلهَا، وَحسن الْوضُوء فَإِنَّهُ لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور، وأوصيك بغفر الذَّنب، وكظم الغيظ، وصلَة الرَّحِم، والحلم عَن الْجَاهِل، وَالنَّفقَة فِي الدّين، والتثبت فِي الْأَمر، والتعاهد لِلْقُرْآنِ، وَحسن الْجوَار، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَاجْتنَاب الْفَوَاحِش، ثمَّ لم يزل يذكر الله حَتَّى مَاتَ ﵁. وَرَضي الله عَن حَمْزَة عَم النَّبِي [ ﷺ ] الَّذِي قتل شَهِيدا فبقرت هِنْد زوج أبي سُفْيَان بَطْنه. وَأخذت كبده لتأكلها فلاكتها بفمها ثمَّ أرسلتها، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَن خبيب بن عدي، قَالَ لَهُم حينما أَرَادوا قَتله: (وَلست أُبَالِي حِين أقتل مُسلما ... على أَي جنب كَانَ فِي الله مصرعي) (وَذَلِكَ فِي ذَات الْإِلَه وَإِن يَشَأْ ... يُبَارك على أوصال شلو ممزع)

стр. 371

وَللَّه در سعد بن أبي وَقاص إِذْ يَقُول: إِنِّي لأوّل الْعَرَب رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله، وَكُنَّا نغزو مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] وَمَا لنا طَعَام إِلَّا ورق الشّجر حَتَّى إِن أَحَدنَا ليضع كَمَا يضع الْبَعِير أَو الشَّاة، فَرضِي الله عَنهُ. وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته على الْأَنْصَار الَّذين كَانُوا يَوْم الخَنْدَق يَقُولُونَ: (نَحن الَّذين بَايعُوا مُحَمَّدًا ... على الْجِهَاد مَا حيينا أبدا) فَيُجِيبهُمْ [ ﷺ ] بقوله: (اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة ... فاكرم الْأَنْصَار والمهاجرة) وَعَفا الله عَن أهل خَيْبَر، إِذْ كَانَ يَقُول قَائِلهمْ: (تالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا ... وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا) (وَنحن عَن فضلك مَا استغنينا ... فَثَبت الْأَقْدَام إِن لاقينا) (وأنزلن سكينَة علينا ... إِن الأولى قد بغوا علينا) أ فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " من هَذَا؟ " فَقَالَ: أَنا عَامر، قَالَ: " غفر لَك رَبك " فَمَاتَ ليومه شَهِيدا مغفوراً لَهُ فهنيئاً لَهُ. وأسبغ اللَّهُمَّ كَامِل ووافي رحماتك وإحسانك على سَائِر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وعَلى عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ الْجَلِيل إِذْ كَانَ آخِذا بزمام نَاقَة الرَّسُول الْأَعْظَم [ ﷺ ] يَقُودهَا وَهُوَ دَاخل مَكَّة وَهُوَ يَقُول: (باسم الَّذِي لَا دين إِلَّا دينه ... باسم الَّذِي مُحَمَّد رَسُوله) (خلوا بني الْكفَّار عَن سَبيله ... الْيَوْم نَضْرِبكُمْ على تَأْوِيله) (كَمَا ضربناكم على تَنْزِيله ... ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله) (وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله ... قد أنزل الرَّحْمَن فِي تَنْزِيله) (فِي صحف تتلى على رَسُوله (بِأَن خير الْقَتْل فِي سَبيله) (يَا رب إِنِّي مُؤمن بقيله ... )

стр. 372

فصل وَلَقَد أوذي فِي الله بِلَال بن رَبَاح، كَانَ مَمْلُوكا لأمية بن خلف الجُمَحِي فَكَانَ يَجْعَل فِي عُنُقه حبلا ويدفعه إِلَى الصّبيان يَلْعَبُونَ بِهِ وَهُوَ يَقُول: أحد أحد، وَلم يشْغلهُ مَا هُوَ فِيهِ عَن تَوْحِيد الله، وَكَانَ أُميَّة يخرج بِهِ وَقت الظهيرة فِي الرمضاء وَهِي الرمل الشَّدِيدَة الْحَرَارَة لَو وضعت عَلَيْهَا قِطْعَة لحم لنضجت، ثمَّ يَأْمر بالصخرة الْعَظِيمَة فتوضع على صَدره ثمَّ يَقُول: لَا تزَال هَكَذَا حَتَّى تَمُوت أَو تكفر بِمُحَمد، وَتعبد الللات والعزى فَيَقُول: أحد أحد، ﵁ وأرضاه. ورضوان الله عَن خباب بن الْأَرَت إِذْ يَقُول: أتيت النَّبِي [ ﷺ ] وَهُوَ مُتَوَسِّد برده وَهُوَ فِي ظلّ الْكَعْبَة، وَلَقَد لَقينَا من الْمُشْركين شدَّة، فَقلت: أَلا تَدْعُو الله - يَعْنِي على الْكفَّار - قَالَ: فَقعدَ وَهُوَ محمر وَجهه فَقَالَ " لقد كَانَ من قبلكُمْ ليمشط بمشاط الْحَدِيد مَا دون عِظَامه من لحم أَو عصب مَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه، وَيُوضَع الْمِنْشَار على مفرق رَأسه فَيشق بِاثْنَيْنِ مَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه " الحَدِيث، وَعنهُ فِي رِوَايَة: " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] قُلْنَا لَهُ: أَلا تَدْعُو لنا؟ قَالَ: كَانَ الرجل فِيمَن كَانَ قبلكُمْ يحْفر لَهُ فِي الأَرْض فَيجْعَل فِيهِ فيجاء بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَع على رَأسه فَيشق بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يصده ذَلِك عَن دينه ". ﵁ كَانَت مولاته تعذبه بالنَّار، فتأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظَهره فَلَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَّا إِيمَانًا بِاللَّه وحبا فِي رَسُوله [ ﷺ ] ، وتحيات رَبِّي ورحماته على الْقُرَّاء السّبْعين الْقَتْلَى فِي سَبِيل الله ببئر مَعُونَة؛ الْقَائِلين عِنْد مَوْتهمْ: أَلا بلغُوا قَومنَا أَن قد لَقينَا رَبنَا فرضى عَنَّا ورضينا عَنهُ اللَّهُمَّ ارْض عَن الْمُؤمنِينَ مِنْهُم وَالْمُؤْمِنَات مِنْهُنَّ، وَعَن عَائِشَة وَأم سليم، فَلَقَد كَانَتَا كَمَا قَالَ أَبُو طَلْحَة: رأيتهما وإنهما لمثمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان الْقرب على

стр. 373

متونهما تفرغانها فِي أَفْوَاه الْقَوْم ثمَّ تَرْجِعَانِ فتملآنها ثمَّ تجيئان فتفرغانها فِي أَفْوَاه الْقَوْم فرضى الله عَنْهُمَا وَعَن زنيرة الَّتِي عذبها الْمُشْركُونَ فِي الله حَتَّى عميت فَلم يزدها ذَلِك إِلَّا إِيمَانًا وَكَذَا أم عنيس كَانَت أمة لبني زهرَة، وَكَانَ يعذبها الْأسود بن عبد يَغُوث حَتَّى أعْتقهَا الصّديق ﵁ وعنهما. وَرَضي الله عَن لبينة أسلمت قبل عمر وَكَانَ عمر يعذبها حَتَّى يسأم، وَيَقُول لَهَا: إِنِّي لم أدعك إِلَّا سآمة، فَتَقول: كَذَلِك يفعل الله بك إِن لم تسلم؛ ورضى الله عَن أم يَاسر أغلظت القَوْل مرّة لأبي جهل فَطَعَنَهَا فِي قبلهَا بِحَرْبَة فِي يَده فَكَانَت أول شهيدة فِي الْإِسْلَام فرضى الله عَنْهَا، ولعنات الله عَلَيْهِ، وقف طريد الله على بَاب أبي بكر فَقَالَ لابنته: أَيْن أَبوك؟ فَقَالَت: لَا أَدْرِي، فَرفع يَده فلطم خدها لطمة طرح مِنْهَا قُرْطهَا، فرضى الله عَنْهُم وعنهن أَجْمَعِينَ. وَعَن الْأَنْصَار مِنْهُم والمهاجرين، وَعَن كَبِيرهمْ وصغيرهم وَذكرهمْ وأنثاهم، وحرهم وعبدهم، وعربيهم وعجميهم، وفارسيهم وحبشيهم، نصروا الله فنصرهم، وأعزوا دينه فأعزهم قَالَ المُنَافِقُونَ ﴿لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ فكذبهم الله وسفه أحلامهم، فَقَالَ: ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ . فهم لَا غَيرهم حزب الله الَّذين بشروا بقول الله: ﴿أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾ وهم لَا غَيرهم الموصوفون بقوله تَعَالَى ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ .

стр. 374

فسبحان من اجتباهم واصطفاهم واختارهم وارتضاهم جندا وحزبا وعسكرا وأنصارا وعبادا لَهُ، وتكفلهم بِنَفسِهِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ نَصرهم على ضعفهم وقلتهم وبشرهم بِأَنَّهُم لَا غَالب لَهُم، فَقَالَ: ﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تنصرُوا الله ينصركم وَيثبت أقدامكم وَالَّذين كفرُوا فتعسا لَهُم وأضل أَعْمَالهم﴾ . فهم لَا غَيرهم المخاطبون أَولا بقول الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ ويدخلهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾ فَكَانُوا كَمَا أحب الله مِنْهُم وَأَرَادَ وهم هم الَّذين قَالَ لَهُم ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ فَكَانُوا وَالله كَمَا أحب الله مِنْهُم وَأَرَادَ، فَكَانُوا يُقَاتلُون أَبْنَاءَهُم وإخوانهم وأقاربهم وأعز النَّاس إِلَيْهِم من أهل الْكفْر والطغيان، وَكَانَت أَمْوَالهم كلهَا تنْفق فِي سَبِيل الله، ذَلِك بِأَنَّهُم هم ﴿الْمُؤْمِنُونَ الَّذين اشْترى الله مِنْهُم أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ . (فرضى الله عَنْهُم جَمِيعًا وَعَن الْفُقَرَاء والمهاجرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ

стр. 375

وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله؛ أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ ورضى الله عَمَّن خاطبهم الله بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ رضى الله عَنْهُم لما حرضهم على الْجِهَاد بقوله: ﴿وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم إِن تَكُونُوا تألمون فَإِنَّهُم يألمون كَمَا تألمون، وترجون من الله مَالا يرجون وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ فاستجابوا لرَبهم: ﴿فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم فِي سَبِيل الله وَمَا ضعفوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالله يحب الصابرين، وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا اغْفِر لنا ذنوبنا وإسرافنا فِي أمرنَا، وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين، فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار، رحماء بَينهم﴾ الْآيَات. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ . وَلِهَذَا قَالَ الله فيهم ﴿لقد رضى الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا، ومغانم كَثِيرَة يأخذونها وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ . وَلِهَذَا قَالَ فيهم الرَّسُول [ ﷺ ] كَمَا فِي البُخَارِيّ: " لَا تسبوا أَصْحَابِي فَلَو أَن أحدكُم أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه " وَلِهَذَا قَالَ فيهم الرَّسُول [ ﷺ ] كَمَا فِي البُخَارِيّ أَيْضا: " خير النَّاس قَرْني؛ ثمَّ

стр. 376

الَّذين يَلُونَهُمْ؛ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ؛ ثمَّ يَجِيء قوم تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه؛ وَيَمِينه شَهَادَته ". وَقَالَ فيهم الرَّسُول [ ﷺ ] كَمَا فِي البُخَارِيّ أَيْضا " لَعَلَّ الله اطلع إِلَى أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد وَجَبت لكم الْجنَّة. أَو فقد غفرت لكم " فهنيئا لكم ثمَّ هَنِيئًا لكم فرضى الله عَنْكُم وأرضاكم؛ فرحمات رَبِّي وَبَرَكَاته وتسليماته وزاكياته عَلَيْكُم أَصْحَاب مُحَمَّد رَسُول الله؛ الحمادين لله؛ وَالصَّابِرِينَ؛ فِي البأساء وَالضَّرَّاء؛ والمجاهدين فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم؛ المحبين للرسول الْأَعْظَم حبا هُوَ أكبر وَأَرْفَع وَأجل من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ. بل وَمن أنفسهم الَّتِي بَين جنُوبهم. أما بعد. فَيَقُول مُحَمَّد بن أَحْمد عبد السَّلَام. ﵀ وهداه ووفقه إِلَى سبل السَّلَام. واسكنه وَذريته وعشيرته دَار السَّلَام. مُخَاطبا كَافَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام الْخَاص مِنْهُم وَالْعَام. وَفِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا. أَيهَا السَّادة الْكِرَام. وَالْأَئِمَّة الْأَعْلَام. السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَبعد: فَإِن أمتنَا هَذِه الْأمة الإسلامية، قد بلغت قَدِيما من الْفَخر وَالْمجد. والرفعة والارتقاء مَا لم يسْبق لَهُ نَظِير. وَلَا يشْهد التَّارِيخ بِمثلِهِ. ملكو على ضعفهم وَقلة عَددهمْ ممالك مُلُوك الأَرْض. فَكَانُوا يرسلون رسلهم إِلَى أعاظم الْمُلُوك يخيرونهم بَين ثَلَاثَة أُمُور: إِمَّا الْإِسْلَام. وَإِمَّا أَن يدفعوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون. وَإِمَّا إيقاد نَار الْحَرْب بَينهم حَتَّى ترفع راية التَّوْحِيد فَوق الرُّءُوس. وتنكص راية الشّرك تَحت الْأَقْدَام. ملؤا الأَرْض توحيداً وإيمانا. وعلما وَحكما وَحِكْمَة. وعدلا. ملؤا الأَرْض بالعلوم والمعارف. وَالصَّدقَات والصلوات والأذكار. وبعبادة الله الْوَاحِد القهار ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ . أما نَحن الْآن أَيهَا السَّادة الْعلمَاء فقد أَصبَحت حَالنَا تدمى الْعُيُون وَتسقط

стр. 377

الْقُلُوب وتفتت الكبود، بل وَتقتل النُّفُوس الْحَيَّة قتلا، وإليكم أَشْيَاء أذكرها لكم تبين لكم مَا حل بِهَذِهِ الْأمة من الْجَهَالَة والضلالة والغباوة الَّتِي أضاعتها وأسقطتها بَين سَائِر الْأُمَم بعد أَن كَانَت أعظم أمة وسيدة الْأُمَم كلهَا. (١) الْعلمَاء كَثِيرُونَ جدا لَا سِيمَا فِي زَمَاننَا هَذَا، وكثرتهم كعدمها لأَنهم تركُوا الْجِهَاد فِي الله الَّذِي هُوَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، اللَّذَان هما روح هَذَا الدّين وَبِهِمَا قوامه ورقي أَهله وتقدمهم على أقرانهم بِالْعلمِ وَالْعَمَل، ثمَّ إِن من أَمر وَنهي وَوعظ مِنْهُم وَذكر، وهم قَلِيلُونَ جدا لَا تراهم أبدا يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا رَأَوْا النَّاس قد وَقَعُوا فِيهِ من المخالفات والمنكرات وينبهونهم على التَّمَسُّك بمجد أسلافهم الَّذِي كَانَ سَببا لرقيهم وتفوقهم على سَائِر أقرانهم، فَلَا تراهم يعظون بعظات الْقُرْآن الْقيمَة النافعة المؤثرة أبدا، فَإِن وعظ بِالْقُرْآنِ مِنْهُم واعظ لَا ترَاهُ إِلَّا قد أضاع ثَمَرَة وعظه بِذكر أوجه الْإِعْرَاب والنحو وَالصرْف بَين الْعَوام والجهلة كَأَنَّهُ لَا يُرِيد مِنْهُم إِلَّا أَن يَقُولُوا فِيهِ: هُوَ عَالم كَبِير، فَيقومُونَ وَلم يستفيدوا مِنْهُ شَيْئا، بل قد استفادوا أَنهم أبعد النَّاس عَن فهم مَعَاني كتاب الله، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهلا لَهُ وَأَن هَذَا شَيْء يتْرك لأربابه لصعوبته، مَعَ أَن الْمَسْأَلَة بِالْعَكْسِ، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ وَيَقُول: ﴿كتاب فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا صِرَاط رَبك مُسْتَقِيمًا قد فصلنا الْآيَات لقوم يذكرُونَ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك لتَكون من الْمُنْذرين بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ أَي بَين ظَاهر وَاضح، وَمَعَ وضوحه هَذَا فقد أرسل الله رَسُوله [ ﷺ ] ليزيده بَيَانا ووضوحا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم ولعلهم يتفكرون﴾ . إِنَّك لَا تراهم أبدا يقرءُون على النَّاس حَدِيثا من أَحَادِيث الرَّسُول. فَإِن قَرَأَ مِنْهُم قَارِئ فعلى النظام الْمُتَقَدّم ذكره، بل قد سمعنَا كبراءهم يَقُولُونَ: إِنَّا

стр. 378

لسنا أَهلا لفهم كَلَام الرَّسُول فَلَا نقرأه إِلَّا تعبداً، وَيَكْفِينَا من قِرَاءَة الحَدِيث أَنا نصلي على النَّبِي [ ﷺ ] كلما ذكر، بل قد أنكر علينا بعض كبار وعاظ المديريات أَنا نلقن ونحفظ إِخْوَاننَا الْعَوام الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة بِحجَّة أَنهم رُبمَا يستشهدون بِالْحَدِيثِ فِي غير مَوضِع الاستشهاد بِهِ. فَقلت: يَا سُبْحَانَ الله! أَفلا ننهى النَّاس عَن قِرَاءَة الْقُرْآن لِئَلَّا يستشهدوا بِهِ فِي غير مَوضِع الاستشهاد فنكون قد أضعنا الدّين كُله؟ عياذا بِاللَّه. ثمَّ إِن وعظهم وتذكيرهم على المنابر لَا يخرج عَن قِرَاءَة مَا سطر فِي دواوين من قبلهم وَهِي لَا تفِيد النَّاس شَيْئا وَإِنَّمَا يفيدهم وعظهم بِكَلَام رَبهم وَكَلَام نَبِيّهم. وَأَن تدريسهم لَا يخرج عَن قِرَاءَة حَوَاشِي وشروح الْمُتَأَخِّرين وَهِي على بعْدهَا عَن الْهَدْي النَّبَوِيّ وتبعيدها لِقَارِئِهَا لَا تفيده شَيْئا من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة إِذْ أَن معظمها آراء وأفهام، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ أصل، وَمِنْهَا مَاله أصل ضَعِيف لَا يعول عَلَيْهِ. فَهِيَ عُلُوم لَا ترقى النُّفُوس وَلَا تهذب الْأَخْلَاق وَلَا تنهض بهَا لَا نهوضا دينيا وَلَا دنيويا. وَلِهَذَا تَجِد الْكثير مِنْهُم لَا يخَاف الله وَلَا يخشاه، وَلَا يستحي من النَّاس. وَقد سمعنَا من طلاب الْعلم الأتقياء الصلحاء أَن من كبار مدرسي الْأَزْهَر من يتركون الصَّلَاة جهاراً من غير مبالاة وَالْعِيَاذ بِاللَّه، وَإِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْعَظِيم وَالْفساد الْكَبِير، وَالشَّر المستطير، وَإِن أردْت أَن تقف على حقائق مجاهرتهم بالعصيان فجالسهم فِي الأرياف تَرَ وَتسمع عَنْهُم مَا لم يكن يخْطر لَك على بَال وَذَلِكَ كُله بِسَبَب أَنهم لم يطلبوا الْعلم لله وَإِنَّمَا طلبوه للوظائف والمرتبات الضخمة فَلَمَّا تحصلوا على مطالبهم أَعرضُوا ونأؤا بجانبهم عَن خالقهم ورازقهم ثمَّ هم مُخْتَلفُونَ على الدَّوَام، فَلَا تراهم أبدا إِلَّا ويطعن بَعضهم على بعض، ونيران الْخلاف والنزاع موقدة بَينهم، وَقد أَمرهم الله سُبْحَانَهُ بِأَن يعتصموا بحبله جَمِيعًا

стр. 379

وَلَا يتفرقوا، ونهاهم عَن التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف والنزاع فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ . وَقَالَ: ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ فَأَبَوا إِلَّا مُخَالفَة الْقُرْآن الْكَرِيم، والنزاع الشَّديد الَّذِي أدّى الْكثير من النَّاس إِلَى الشَّك والارتياب وَالِاضْطِرَاب، هَذَا مَعَ أَن اتِّفَاقهم سهل وَقَرِيب جدا لَو جانبوا الْهوى والتعصب المذموم، وَاتبعُوا كتاب الله وَمَا جَاءَ عَن رَسُوله. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ ، وَقَالَ: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ ، ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ ، فالرجوع إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام أَئِمَّة السّلف الصَّالح يحسم كل نزاع، وَيبين كل مُشكل، فَإِن الْكتاب وَالسّنة لم يتركا شَيْئا من أصُول الدّين وَلَا من فروعه إِلَّا بَيناهُ. قَالَ تَعَالَى فِي وصف كِتَابه: ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبياناً لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة وبشرى للْمُسلمين﴾ ، وَقَالَ [ ﷺ ] : " فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ. وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور، فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة "، فَهَذَا الدَّاء والدواء فلماذا استحبوا الدَّاء على الدَّوَاء والعمى على الْهدى وَالْعَذَاب بالمغفرة؟ فَإنَّا لله! . (٢) الْقُرَّاء حَملَة الْقُرْآن، وهم أَجْهَل النَّاس وأبعدهم عَن فهم مَعَاني الْقُرْآن وتدبر آيَاته وعظاته وَأَحْكَامه والاستنارة بأنواره، والاهتداء بهدايته فَلَا يفهمون مِنْهُ قَلِيلا وَلَا كثيرا، وَلم يَذُوقُوا لطعمه وحلاوته كَبِيرا وَلَا صَغِيرا وَلِهَذَا تراهم يقعون فِي الجرائم والموبقات وكبائر الذُّنُوب، هم وَأَوْلَادهمْ وعشائرهم، فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَلَا ألوم إِلَّا الْعلمَاء إِذا لم يرشدوهم. (٣) عوام الْمُسلمين وهم أَكثر الْأمة، وَهَؤُلَاء قد استعبدهم واستذلهم

стр. 380

جمَاعَة الإفرنج وَأَصْحَاب المعامل مِنْهُم بل واشتروهم بأبخس الْأَثْمَان وَأعرف مِنْهُم أَكثر من مائَة ألف فِي فابريقات السكر والسبرتو والأسمنت والنور والترام، والمعامل الْأَجْنَبِيَّة نذْكر عَنْهُم بعض مَا نشاهده من أَحْوَالهم وأهوالهم وبلاياهم الَّتِي يعيشون فِيهَا أَبَد الآبدين هم وذرياتهم وَمن خلف مِنْهُم. هَؤُلَاءِ أَجْهَل مِمَّن قبلهم بِكَثِير، وَأَكْثَرهم لَا يعْرفُونَ دينا وَلَا صَلَاة وَلَا جُمُعَة وَلَا جمَاعَة، وَلم يشموا رَائِحَة الْحُرِّيَّة الْعَرَبيَّة الإسلامية، وَلذَا تراهم يعْملُونَ فِي هَذِه المعامل أعمالا لَا تطيقها الفيلة بأبخس الأجور، أعرف مِنْهُم ألوفاً يخرجُون من بُيُوتهم فِي الشتَاء بعد نصف اللَّيْل بساعتين فَلَا يزالون فِي كرب وعناء وشقاء إِلَى غرُوب شمس الْيَوْم الثَّانِي، يعْمل أحدهم فِي الْيَوْم أَكثر من عشر ثيران، وأجرهم مَا بَين أَرْبَعَة قروش إِلَى سِتَّة قروش إِلَى عشرَة، والدون جدا من اللبَاس، وَالْعشرَة لمن بلغ من سنه الْخمسين أَو السِّتين سنة يعْمل، والأدهى أَنهم فِي أثْنَاء عَمَلهم لَا يستريحون وَلَا لحيظة وَاحِدَة. وَلَا يلبسُونَ إلاّ الخيش، وَلَا يَأْكُلُون إِلَّا الذّرة واللفت والمش والبصل والدون من الطَّعَام، وَلَقَد ألقينا مَرَّات عديدة لكلاب الإفرنج طَعَاما من عيشهم فَكَانُوا يشمونه ثمَّ يتولون. والإفرنج قد سلطوا على هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين وحشا من جنسهم من أحقرهم وأجهلهم يسومهم سوء الْعَذَاب، ويحملهم على الْعَمَل مَا لَا يُطِيقُونَ، ويضربهم على أقفائهم ووجوههم لأدنى الْأَسْبَاب ليرضي سادته الفجرة من الإفرنج الَّذين صَار لديهم بِفِعْلِهِ هَذَا فِي أَبنَاء جنسه أعز الأحباب لَا رَاحَة لهَؤُلَاء أبدا أسبوعية وَلَا شهرية وَلَا سنوية إِلَّا أَن من كسر مِنْهُم عالجوه، ثمَّ فِي أحط الْأَعْمَال

стр. 381

الدنيئة الْأجر نقلوه، فَإِن حرك فَاه ببنت شفة أَخْرجُوهُ وطردوه، فَيرى نَفسه الْمِسْكِين كسير الذِّرَاع أَو الرجل أَو مَقْطُوع الْيَد أَو الْأَصَابِع أَو الْقدَم لَا يُمكنهُ أَن يعْمل لمصْلحَة نَفسه وَلَا يقبله أحد يعْمل عِنْده، فَيرجع إِلَى " العلج " مُقبلا نَعله قَائِلا لَهُ: معليهش اعْمَلْ مَعْرُوف يَا خواجة أَنا عِنْدِي أُمِّي وأختي وَابْني وامراتي أكلني عَيْش عنْدك وَالْحق على سقت عَلَيْك النَّبِي، لَا يمر شهر وَاحِدًا أبدا وَإِلَّا وَيكسر من هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين كسير أَو يقتل مِنْهُم قَتِيل يضيع دَمه هدرا. ومحال ثمَّ محَال أَن إفرنجيا يبْدَأ عَرَبيا بالتحية، بل هِيَ فرض وَاجِب على الْعَرَبِيّ يُؤَدِّيهَا للإفرنجي فِي جَمِيع حركاته وَإِلَّا فَهُوَ " هُوَ مار ابْن كالب " لقد أداهم الذل إِلَى أَن أحدهم يصفع على وَجهه وَقَفاهُ فَلَا يُمكنهُ أَن يَقُول لضاربه الإفرنجي: لم ضربتني؟ ؟ بل لَا يُمكنهُ أَن ينظر إِلَيْهِ بِعَيْنِه، بل قد رَأَيْت إفرنجيا مرّة يضْرب مصرياً على وَجهه ضربا شَدِيدا ثمَّ جَاءَهُ أَخُوهُ الْمصْرِيّ فزاده ضربا، فَسَأَلت عَن السَّبَب فَقيل لي: كَانَ وَاقِفًا مُتكئا على رجله ورئيسه الإفرنجي مار بِهِ فَلم يعتدل، فَقلت: أُفٍّ أُفٍّ. وَلَقَد رَأَيْت الإفرنج يضْربُونَ كبار موظفي الْعمَّال على وُجُوههم حَتَّى تلقى عمائمهم بِالْأَرْضِ قلا يَتَكَلَّمُونَ كلمة، وَلَقَد بلغ بهم الرعب إِلَى أَن الْعشْرين أَو الثَّلَاثِينَ مِنْهُم إِذا كَانُوا جالسين يفرون هاربين عِنْدَمَا يرَوْنَ شخصا مَا يضاهي لِبَاسه لِبَاس الإفرنجي، وَلَو كَانَ المرئي بريق نعل. وَوَاللَّه الَّذِي لَا رب غَيره إِن طَعَام كلاب الإفرنج لخير من طَعَام هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين المتاعيس بِكَثِير، وَإِن نفوس كلاب الإفرنج لأعز من نفوس هَؤُلَاءِ المحاويج، وَأَن أَحْقَر إفرنجي لَهو خير وَأعظم من مِائَتَيْنِ أَو أَكثر من هَؤُلَاءِ المتاعيس، ذَلِك لِأَن الإفرنجي لَو جرح لكوفئ بِكَثِير من الجنيهات

стр. 382

مَعَ أَخذ مرتبه الشهري تَاما أَيَّام جرحه أَو مَرضه، وَلَو مَاتَ لكوفئ بألوف من الجنيهات، أما الْعَرَبِيّ الْمصْرِيّ أَو غَيره فَلَو قطع عِنْدهم قطعا مَا كوفئ إِلَّا بِقَلِيل من الملاليم، وَلَو مرض أَو جرح رجلَانِ: إفرنجي وعربي فَذهب بهما إِلَى المستشفى لوضع الإفرنجي فِي أَعلَى دور وَأحسن سَرِير والعربي فِي أَسْفَل مَوضِع وأقذر مَكَان. إِن أَكثر نسَاء هَؤُلَاءِ المرازئ غسالات عِنْد أسيادهم الإفرنج، وَإِن أَبْنَاءَهُم لخادمون لأبنائهم، وَإِنَّهُم لَيرَوْنَ ذَلِك رَاحَة بل وَعزا، فَيَقُولُونَ: الْحَمد لله الْوَلَد ياكل مكرونة ومبسوط وَالْمَرْأَة هُنَاكَ تاكل طول النَّهَار. فَمن لإنقاذ هَؤُلَاءِ الأشقياء الَّذين اجْتمع عَلَيْهِم فقر الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة؟ من يبلغهم أَن أمتهم الإسلامية وأجدادهم وأسلافهم كَانُوا أعز النَّاس وأشرف النَّاس، بل مَا أسس أساس الْحُرِّيَّة وَالْعدْل بَين النَّاس إِلَّا آباؤهم الْأَولونَ؟ من يبلغهم أَن كتاب الله الْقُرْآن يَأْبَى ذَلِك؟ من يبلغهم أَن شرعة الرَّسُول تأبى لَهُم ذَلِك؟ من يبلغهم أَن سيرة أبي بكر وَعمر وَالْخُلَفَاء تحارب مَا هُوَ دون ذَلِك بمراحل؟ إِنَّه لَا يبلغهم ذَلِك إِلَّا أَنْتُم أَيهَا الْعلمَاء، وَلَا يَتْلُو عَلَيْهِم هَذَا الْكتاب الْمُبين الَّذِي يرفع قارئه إِلَى أعلا عليين إِلَّا أَنْتُم يَا عُلَمَاء، إِنَّه لَا ينقذهم من ذلهم هَذَا واستعبادهم إِلَّا تلقينكم إيَّاهُم الْأَنْوَار الربانية، والأسرار القرآنية، فَإِن الْقُرْآن ﴿يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذْنِهِ ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ . فصل أَيهَا الْعلمَاء إِن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ فقد أصبح الْمُؤْمِنُونَ الْآن بِلَا عزة بِسَبَب أَنكُمْ لم تبينوا لَهُم أَسبَاب الْعِزَّة الَّتِي

стр. 383

أعز الله بهَا الْمُؤمنِينَ السالفين فيسلكون سَبِيلهَا، فَأنْتم السَّبَب فِي وقوعهم فِي هَذَا الذل الْكَبِير، بل انقلبت عَلَيْهِم آيَة ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله﴾ فَكَأَنَّهَا مَا أنزلت فِي الْمُسلمين. يَا عُلَمَاء الْإِسْلَام: يَقُول الله فِي كِتَابه ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ ، وَيَقُول سُبْحَانَهُ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾ ، فصفة الْمُؤمنِينَ عِنْد الله أَن يكون أحدهم شَدِيدا عنيفاً على الْكفَّار، رحِيما برا بالأخيار، غضوباً عبوساً فِي وَجه الْكفَّار، ضحوكا بشوشا فِي وَجه أَخِيه الْمُؤمن، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة﴾ . هَذَا وَإِن الألوف وألوف الألوف مِمَّن يتسمون بِالْمُسْلِمين وَالْمُؤمنِينَ ليقفون أَمَام الْيَهُودِيّ الحقير لَيْسَ الْكَبِير أَو النَّصْرَانِي الدنيء أذلّ من الشَّاة إِن خاطبه خاطبه وَهُوَ خاشع ذليل بَين يَدَيْهِ لَا يرفع إِلَيْهِ رَأسه وَلَا طرفه كَأَنَّهُ وَاقِف بَين يَدي رب الْعَالمين وَأحكم الْحَاكِمين. هَذَا مَعَ أَن الله قد وصف هَؤُلَاءِ الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُم أجبن الْجُبَنَاء وأضعف الضُّعَفَاء؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم وَإِن يَقُولُوا تسمع لقَولهم﴾ أَي وَكَانُوا أشكالاً حَسَنَة، وَذَوي فصاحة وألسنة. وَإِذا سمعهم السَّامع يصغي إِلَى قَوْلهم لبلاغتهم، وهم مَعَ ذَلِك فِي غَايَة الضعْف والخور والهلع والجبن والجزع ﴿كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ أشباح بِلَا أَرْوَاح، وأجسام بِلَا أَحْلَام لَيست بأشجار تثمر وَلَكنهُمْ خشب مُسندَة إِلَى حَائِط ﴿يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم﴾ أَي كلما وَقع أَمر أَو كائنة أَو خوف يتعقدون لجبنهم أَنه نَازل بهم كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أشحة عَلَيْكُم، فَإِذا جَاءَ الْخَوْف رَأَيْتهمْ ينظرُونَ إِلَيْك تَدور أَعينهم كَالَّذي يغشى عَلَيْهِ من الْمَوْت؛ فَإِذا ذهب الْخَوْف سلقوكم بألسنة

стр. 384

حداد أشحة على الْخَيْر، أُولَئِكَ لم يُؤمنُوا فأحبط الله أَعْمَالهم وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ فهم جهامات وصور بِلَا مَعَاني، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هم الْعَدو فَاحْذَرْهُمْ قَاتلهم الله أَنى يؤفكون﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَنْتُم أَشد رهبة فِي صُدُورهمْ من الله ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ أَي أَنْتُم يَا معشر الْمُسلمين تخافكم الْكفَّار، وترهب مِنْك أَشد وَأكْثر من خوفهم من الله، وَذَلِكَ بِسَبَب أَنهم لم يعقلوا عَن الله شَيْئا ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فيهم ﴿تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى﴾ أَي تراهم مُجْتَمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مُخْتَلفُونَ غَايَة الِاخْتِلَاف، فَتبين بِهَذَا أَن سَبَب جبن وَضعف قُلُوب هَذِه الْأمة وخورهم وهلعهم وجزعهم إِنَّمَا هم الْعلمَاء الصامتون الْبكم الَّذين لَا ينطقون، وَلم يبينوا هَذِه الْأَنْوَار والعلوم المشجعة للقلوب، المحرضة للنفوس على الْعِزَّة والشرف، الرافعة للْأمة، الخافضة لِلْعَدو فويل لَهُم ثمَّ ويل لَهُم إِن لم يتوبوا من وَعِيد آيَته ﴿إِن الَّذين يكتمون﴾ فصل وَيَقُول الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هم محسنون﴾ وَمعنى

стр. 385

الَّذين اتَّقوا أَي تركُوا الْمُحرمَات ﴿وَالَّذين هم محسنون﴾ أَي فعلوا الطَّاعَات فَهَؤُلَاءِ الله يحفظهم ويكلؤهم ويؤيدهم بنصره ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم وَقد جردت الْأمة الْعَرَبيَّة من هَذَا كُله، اللَّهُمَّ إِلَّا بَقِيَّة قَليلَة. إِن أَكثر الْأَوَامِر القرآنية وَالسّنَن النَّبَوِيَّة قد هجرت، وَتركت ظهريا، وكل المناهي الَّتِي نهى الله وَرَسُوله عَنْهَا قد انتهكت وارتكبت. بل قد أُصِيب الْمُسلمُونَ بِمَا لم يصب بِهِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْعَدَاوَة وَالْقَسْوَة والغلظة بسفك دِمَائِهِمْ وبغيهم وظلمهم لبَعْضهِم، وَهَذَا يدل على أَن أَكثر الْمُسلمين لَيْسُوا متقين وَلَا محسنين، فجردوا من الْمَعِيَّة الإلهية الْخَاصَّة بالمتقين والمحسنين، وَلِهَذَا ساءت حَالهم؛ وَهُوَ يدل أَيْضا دلَالَة وَاضِحَة على سكُوت الْعلمَاء ونومهم عَن أَدَاء مَا كلفوا بِهِ وطوقوا بتبليغه، وَهُوَ وَاجِب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَفِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] قَالَ: " لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليسلطن الله عَلَيْكُم شِرَاركُمْ فيدعو خياركم فَلَا يُسْتَجَاب لَهُم، وَحسنه السُّيُوطِيّ، فَالْعُلَمَاء بسكوتهم هم المفرطون والمقصرون. بل وهم المسقطون لهَذِهِ الْأمة السامية. فصل وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي أَن رَحمته مرصدة للَّذين يحسنون فيتبعون أوَامِر الله الَّتِي نطق بهَا كِتَابه وَسنة رَسُوله، ويتركون مَا نهى الله وَرَسُوله فِي الْقُرْآن الْمجِيد وَالسّنة المطهرة. وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على أَن ﵀ أَصبَحت بعيدَة كل الْبعد عَن الْمُسلمين، إِذْ أَصْبحُوا يكفرون بِاللَّه الْعَظِيم

стр. 386

فِي الْيَوْم أَكثر من عشْرين مرّة هم وَنِسَاؤُهُمْ وأبناؤهم وبناتهم، إِنَّك لَا تمر فِي مَكَان إِلَّا وَتسمع أَفْوَاههم تمطر شتما وسبا للدّين الإسلامي، وَلذَلِك سلط الله عَلَيْهِم من لَا يرحمهم: الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَأْكُلُون إِلَّا من أَيْديهم، وهم وآباءهم وأبناؤهم وَنِسَاؤُهُمْ خدم عِنْدهم بأحقر أُجْرَة، وَالله الَّذِي لَا رب غَيره إِن أَعْمَالهم الَّتِي يعْملُونَ فِيهَا لأشقى بِكَثِير من أَعمال مساجين أَبُو زعبل وقرة ميدان وطرة لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يلبسُونَ إِلَّا أَحْقَر طَعَام وشراب ولباس وَلَا يعيشون إِلَّا عيشة هِيَ وَالله عِنْدِي أقل وأذل من عيشة الْكلاب. وَالَّذِي أرداهم وأسقطهم وأذلهم وأوقعهم فِي هَذَا الاستعباد إِنَّمَا هم علماؤهم لَا غير، وَالله لَو بينوا للنَّاس جمال وَكَمَال ومزايا وفضائل ومحاسن الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة الغراء مَا اتخمت الْأمة هَذِه التُّخمَة وَلَا خملت هَذَا الخمول المزري المخجل، فالتبعة عَلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء، فالتبعة عَلَيْكُم، وَهل يقْرَأ الْقُرْآن وَكَلَام الرَّسُول الْأَعْظَم إِنْسَان عَاقل مفكر أَو يسمعهُ ثمَّ يعِيش خاملا؟ أَنا وَأَنْتُم جَمِيعًا نقُول: لَا لَا لَا. فصل وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ أَقُول: إِنَّه لَيْسَ أحد على وَجه الأَرْض أعلم وَلَا أعرف بِاللَّه وَبِمَا يُحِبهُ ويرضيه عَنهُ وَلَا أتقى لَهُ مِمَّن قَرَأَ كِتَابه وَكَلَام رَسُوله الْأَعْظَم، وَلذَا كَانَ الْوَاحِد من أَصْحَاب الرَّسُول الْأَعْظَم يرجح إيمَانه على إِيمَان أهل الأَرْض جَمِيعًا واهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت أحدهم، وَكَانُوا يستمطرون فيمطرون فَوْرًا، وَيدعونَ فيستجابون، ذَلِك بِأَنَّهُم هم المتقون و ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ فَهَل لَو اجْتمعت هَذِه الْأمة بحذافيرها يدعونَ الله أَن ينقذهم من أَيدي هَؤُلَاءِ الْكَافرين أعدائهم أَكَانَ الله متقبلا مِنْهُم ومستجيبا لدعائهم؟ كلا وَالله، ذَلِك بِأَن الله أخبر أَنه يتَقَبَّل من الْمُتَّقِينَ، وَلَيْسوا

стр. 387

جَمِيعًا فِي شَيْء من التَّقْوَى الْمَأْمُور بهَا فِي الْقُرْآن، وَذَلِكَ لِأَن الْعلمَاء لم يبينوا للنَّاس حقائق التَّقْوَى القرآنية النَّبَوِيَّة، الَّتِي بِسَبَبِهَا يرضى الله عَنْهُم، ويستجيب لَهُم دعاءهم، ويكشف عَنْهُم كروبهم، وَيصرف عَنْهُم عدوهم، وَيَنْصُرهُمْ ويجيرهم ويرفعهم ويرزقهم. فصل وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِنَّهُ لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى قَالَ رب لما حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا قَالَ كَذَلِك أتتك آيتنا فنسيتها، وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي من خَالف أوَامِر ربه المبينة فِي كِتَابه وَسنَن نبيه وتناساها فَإِنَّهُ يعِيش فِي الدُّنْيَا معيشة كلهَا هموم، وأحزان وأكدار وغموم ثمَّ يحشره الله يَوْم الْقِيَامَة بَين النَّاس أعمى؛ حينما يسْعَى نور الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات العاملين بِكِتَاب الله وشرعة رَسُوله الْأَعْظَم بَين أَيْديهم وبأيمانهم فَيَقُول: ﴿رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ أَي فِي الدُّنْيَا؛ فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ: ﴿كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها﴾ أَي فتركتها وغفلت عَنْهَا وأعرضت ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي تتْرك فِي نَار جَهَنَّم بذهولك عَن الْقُرْآن الْكَرِيم وَسنَن النَّبِي الْعَظِيم، فالنسيان هُنَا مَعْنَاهُ التّرْك ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ سُبْحَانَ رب ﴿لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى﴾ . يَقُول مُحَمَّد: فالسبب الْأَعْظَم فِي ضنك عَيْش الْمُسلمين واقتيات أَكْثَرهم من أَيدي النَّصَارَى وَالْيَهُود أظلم الظَّالِمين، إِنَّمَا هُوَ إعراضهم عَن كَلَام رب الْعَالمين، وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لفتح الله عليم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض، وَلَو أَنهم أَقَامُوا كتاب الله وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم وَلَو اتَّقوا الله لجعل لَهُم من أَمرهم يسرا، ولجعل لَهُم من كل هم فرجا، وَمن كل

стр. 388

ضيق مخرجا، ورزقهم من حَيْثُ لَا يحتسبون، ولرزقهم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصا وتعود بطانا. ثمَّ إِن الْعلمَاء لما أَعرضُوا عَن كتاب رَبهم أَصَابَهُم أَيْضا ضنك الْعَيْش فَأَصْبحُوا يقفون على أَبْوَاب الظَّالِمين أَبنَاء الدُّنْيَا أَرْبَاب المناصب الشُّهُور والسنين لتحصلوا مِنْهُم على وساطة لوظيفة يقتاتون مِنْهَا، فضاعوا وأضاعوا أمتهم وَضَلُّوا وأضلوا؛ هَذَا وَإِن الله سُبْحَانَهُ قد تكفل لكل عبد عمل الصَّالِحَات بِالْحَيَاةِ الطّيبَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة يُوفيه أجره أضعافا مضاعفة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَتبين بِهَذَا أَن إِعْرَاض الْعلمَاء عَن الدّين وَالْكتاب الْمُبين هُوَ السَّبَب الْأَكْبَر فِي ضيَاع هَذِه الْأمة المسكينة، وَلَو أخذُوا بِيَدِهَا لرفعوها إِلَى أعلا عليين، وسادوا أهل الأَرْض إِلَى يَوْم الدّين. وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول: هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أكفر النَّاس بِاللَّه وأعصاهم لَهُ، وَإِنَّا لَا نراهم إِلَّا فِي أرغد الْعَيْش وأرفهه، وألذ الْقُوت وأطيبه، فَمَا لَهُم لم يصابوا مثلهَا بضنك الْعَيْش وضيق الرزق؟ فَالْجَوَاب: أَن الله سُبْحَانَهُ ممهلهم وسيأخذهم قَرِيبا أَخذ عَزِيز مقتدر، فَهُوَ اسْتِدْرَاج مِنْهُ تَعَالَى ﴿سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وأملي لَهُم إِن كيدي متين﴾ وَقد أخبر تَعَالَى عَن إخْوَان هَؤُلَاءِ الْكَافرين خَبرا تقشعر مِنْهُ جُلُود الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: (وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ، فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا، وَلَكِن قست قُلُوبهم وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون، فَقطع دابر

стр. 389

الْقَوْم الَّذين ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أيحسبون أَن مَا نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿لَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عَلَيْهَا يتكئون، وزخرفا وَإِن كل ذَلِك لما مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد رَبك لِلْمُتقين﴾ . أما أمتنَا هَذِه فَلَا شكّ أَن علماءها ورؤساءها لَو تنبهوا فتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى، وآمنوا بِاللَّه حق الْإِيمَان، واتقوه حق التَّقْوَى، وَرفعُوا الْقُرْآن وَالسّنة فَوق كل شَيْء لرفعهم الله حَقًا كَمَا رفع سلفهم، وأعزهم كَمَا أعز سلفهم واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿ألر، كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصل ت من لدن حَكِيم خَبِير، أَن لَا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير، وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله، وَأَن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير﴾ فَمَا أصَاب هَذِه الْأمة من البلايا والرزايا والسقوط فِي جَمِيع أحوالها إِلَّا بِمَا اجتنوه على أنفسهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ . فصل وَقَالَ جلّ ذكره: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته، وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ، وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ . أَقُول: لَو أَن علماءنا وقادتنا وَاتَّقوا الله وآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله إِيمَانًا صَحِيحا،

стр. 390

لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم، ولحاربوا كل فحش ومنكر. ولقاتلوا بسيوف علومهم الربانية النَّبَوِيَّة كل رذيلة وقبيحة، ولقاوموا كل بِدعَة وضلالة، ولغشيتهم الرَّحْمَة وَالْفَتْح والنصر من عِنْد الله كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم وَيثبت أقدامكم﴾ وكما قَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك - أَي كفيلك - الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ وَهَذَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى رب الْعَالمين، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَهُوَ مُقْتَضى الْإِيمَان الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله إِن كُنْتُم مُؤمنين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم، وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ، الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ، أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم دَرَجَات عِنْد رَبهم ومغفرة ورزق كريم﴾ ، وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون، وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين، الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ . فَلَو أَن الْعلمَاء اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ كَمَا يجب عَلَيْهِم لأتاهم الله ضعفين من الْأجر، ولجعل لَهُم نورا يَهْتَدُونَ بِهِ ويمشون بِهِ، ويعيشون بِهِ، ويفتحون بِهِ كنوز الأَرْض ويصلحون بِهِ مَعَايشهمْ وَدينهمْ ودنياهم، وينقذون بِهِ إخْوَانهمْ فِي الدُّنْيَا من أَيدي أعدائهم، وَمن ذل استعبادهم، ويسوقون بِهِ الْمُؤمنِينَ إِلَى طَاعَة الله وَإِلَى رضوانه الْأَكْبَر وَإِلَى جنَّة عالية، قطوفها دانية، يُقَال لَهُم فِيهَا (كلوا
следующие страницы →