Полный текст (424 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
هما يسير وَمن يعْمل بهما قَلِيل؟ قَالَ: يَأْتِي أحدكُم - يَعْنِي الشَّيْطَان - فِي مَنَامه فينومه قبل أَن يَقُول، ويأتيه فِي صلَاته فيذكره حَاجته قبل أَن يَقُولهَا " خرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وأخرجوا عَن عقبَة بن عَامر قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَن أَقرَأ بالمعوذتين دبر كل صَلَاة " وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: " قيل لرَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَي الدُّعَاء أسمع؟ قَالَ: جَوف اللَّيْل الْأَخير ودبر كل الصَّلَوَات المكتوبات " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن، وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ " أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَخذ بِيَدِهِ، وَقَالَ: يَا معَاذ وَالله إِنِّي لَأحبك فَلَا تدعن فِي دبر كل صَلَاة أَن تَقول اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك، خرجه أَبُو دَاوُد. أهـ من الْكَلم الطّيب.
وَورد عَنهُ ( [ ﷺ ] ) أَنه قَالَ: " من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة لم يمنعهُ من دُخُول الْجنَّة إِلَّا أَن يَمُوت " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَقَالَ فِي الْجَامِع صَحِيح وخولف عَلَيْهِ. وَفِيه عَنهُ ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " ثَلَاث من جَاءَ بِهن مَعَ الْإِيمَان دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ، وَزوج من الْحور الْعين حَيْثُ شَاءَ، من عَفا عَن قَاتله، وَأدّى دينا خفِيا، وَقَرَأَ فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة عشر مَرَّات: قل هُوَ الله أحد. فَقَالَ أَبُو بكر: أَو إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُول الله قَالَ: أَو إِحْدَاهُنَّ " قَالَ فِي الْجَامِع وَشَرحه رَوَاهُ أَبُو يعلى عَن جَابر ورمزا لضَعْفه، وروى البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) " كَانَ يتَعَوَّذ دبر كل صَلَاة بهؤلاء الْكَلِمَات اللَّهُمَّ أعوذ بك من الْجُبْن، وَأَعُوذ بك أَن أرد إِلَى أرذل الْعُمر. وَأَعُوذ بك من فتْنَة الدُّنْيَا، وَأَعُوذ بك من عَذَاب الْقَبْر ".
فصل فِي الذّكر المبتدع فِي سُجُود السَّهْو
وَلم يحفظ عَنهُ ( [ ﷺ ] ) ذكر خَاص لسجود السَّهْو، بل أذكاره كَسَائِر
стр. 72
أذكار سُجُود الصَّلَوَات. وَأما مَا يُقَال من أَنه يَقُول فِيهِ: سُبْحَانَ من لَا يسهو وَلَا ينَام، فَلم يَفْعَله النَّبِي ( [ ﷺ ] ) وَلَا أَصْحَابه، وَلم يدل عَلَيْهِ دَلِيل من السّنة الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنَام رَآهُ بعض كبار مخرفي الصُّوفِيَّة فَلَا تلتفتوا إِلَيْهِ، وخذوا دينكُمْ من كتب السّنة الصَّحِيحَة وَمَا عداهُ فَردُّوهُ إِلَى قَائِله، ثمَّ إِثْبَات هَذَا فِي المؤلفات. وَجعله دينا وَشرعا ضلال كَبِير وَفَسَاد عريض، وَالشَّافِعِيَّة يَسْجُدُونَ للسَّهْو إِذا صلوا خلف من لم يبسمل أَو يقنت، وَهَذَا جهل وَخطأ وبدعة يجب تَركهَا.
فصل فِي سُجُود التِّلَاوَة الْمَشْرُوع والمبتدع
قَالَ فِي سفر السَّعَادَة: لم يكن ( [ ﷺ ] ) يتْرك سَجدَات الْقُرْآن، بل حينما بلغ آيَة سَجْدَة كبر وَسجد وَقَالَ فِي سُجُوده: سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره بحوله وقوته " وَرُبمَا قَالَ: " اللَّهُمَّ احطط عني بهَا وزراً واكتب لي بهَا عنْدك ذخْرا وتقبلها من عَبدك دَاوُد " وَلم يثبت أَنه لما رفع رَأسه كبر أَو تشهد أَو سلم أهـ. هَذَا هُوَ الْمَشْرُوع.
أما قَول بعض الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم من أَرْبَاب الشُّرُوح والحواشي (فَائِدَة مهمة لدفع كل مهمة) ثمَّ قَالَ: من قَرَأَ آي السَّجْدَة كلهَا فِي مجْلِس وَاحِد وَسجد لكل مِنْهَا كَفاهُ الله مَا أهمه فَهُوَ كَلَام سبهلل وتشريع من عِنْد غير الله وَحدث لَيْسَ لَهُ أصل يذكر، وَلَا يَنْبَغِي لفَاعِله أَن يشْكر، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ أَي الْمَشْرُوعَة، وَكَانَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) إِذا حز بِهِ أَمر صلى. وَقد ترك جلّ النَّاس سُجُود التِّلَاوَة وأتركهم لهَذَا الْخَيْر الْجَلِيل الْقُرَّاء، ذَلِك لأَنهم أَجْهَل النَّاس وأبعدهم عَن الْعلم وَاتِّبَاع السّنة.
стр. 73
فصل فِي أذكار الكرب وَالْغَم والحزن والهم
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس: " أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) كَانَ يَقُول عِنْد الكرب، لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَظِيم الْحَلِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم " وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ إِذا حز بِهِ أَمر قَالَ: " يَا حَيّ يَا قيوم بِرَحْمَتك أستغيث "، وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن أبي بكرَة أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " دعوات المكروب: اللَّهُمَّ رحمتك أَرْجُو، فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين، وَأصْلح لي شأني كُله، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت " وَفِي السّنَن أَيْضا عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس قَالَت: قَالَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) : " أَلا أعلمك كَلِمَات تقوليهن عِنْد الكرب - أَو فِي الكرب - الله الله رَبِّي لَا أشرك بِهِ شَيْئا ". وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا تقال سبع مَرَّات، وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد، وصحيح ابْن حبَان، عَن عبد الله بن مَسْعُود، عَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " مَا أصَاب عبدا هم وَلَا حزن فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك ابْن عَبدك وَابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك، مَاض فِي حكمك، عدل فِي قضاؤك، أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك، سميت بِهِ نَفسك، أَو أنزلته فِي كتابك، أَو عَلمته أحدا من خلقك، أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك، أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي، وَنور بَصرِي، وجلاء حزني وَذَهَاب همي - إِلَّا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مَكَانَهُ فَرحا " أهـ من الوابل الصيب. هَذَا هُوَ كَلَام الْمَعْصُوم فَاتَّبعُوهُ، فوَاللَّه لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جَاءَ بِهِ.
стр. 74
فصل فِي سُجُود الشُّكْر الشَّرْعِيّ والبدعي
قَالَ فِي سفر السَّعَادَة: كَانَ من هدى رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أَنه إِذا تَجَدَّدَتْ لَهُ نعْمَة، أَو اندفعت نقمة، سجد شكرا لله ﵎، وَعَن أنس أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) بشر بحاجة فَخر سَاجِدا، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح: " أَنه لما ورد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ يتَضَمَّن أَن قَبيلَة هَمدَان أسلمت خر النَّبِي ( [ ﷺ ] ) سَاجِدا من سَاعَته وَقَالَ: السَّلَام على هَمدَان السَّلَام على هَمدَان ". وروى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف " أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) لما بشر بِأَن من صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا، وَأَن من سلم عَلَيْهِ مرّة سلم الله عَلَيْهِ عشرا، سجد ( [ ﷺ ] ) من سَاعَته شكرا " وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) رفع يَدَيْهِ دَاعيا ثمَّ بعد ذَلِك سجد شكرا لله ثَلَاث مَرَّات، وَقَالَ: " شفعت فِي أمتِي فوهبني الله ثلثهَا، فسجدت شكرا لله، وَلما رفعت رَأْسِي شفعت ثَانِيًا فوهبني الله ثلثا آخر فسجدت شكرا وَلما رفعت رَأْسِي دَعَوْت الله ثَلَاثًا فوهبني الثُّلُث الْبَاقِي فسجدت شكرا، وَثَبت فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) رأى رجلا نغاشا فَسجدَ شكرا. وَكَعب بن مَالك لما أَتَاهُ البشير بِقبُول البشير بِقبُول تَوْبَته سجد شكرا، وَأَبُو بكر الصّديق لما سمع قتل مُسَيْلمَة سجد شكرا. وأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ لما رأى ذَا الثدية رَئِيس الْخَوَارِج بَين الْقَتْلَى سجد شكرا. أهـ.
وَبِهَذَا تعلم أَن مَا يَفْعَله الصُّوفِيَّة من السُّجُود كل لَيْلَة بعد مَا يسمونه الْخَتْم الْكَبِير، وَبعد قراءتهم آيَة ﴿إِنَّمَا يُؤمن بِآيَاتِنَا﴾ بِدعَة لم تشرع بل يجب أَن تمنع وتدفع، وَكَذَا سجودهم كل لَيْلَة بعد وتر الْعشَاء بِدعَة مُنكرَة، وَكَذَا سجودهم بعد صَلَاة الضُّحَى كل يَوْم بِدعَة ضَلَالَة، وَلَا أصل لتِلْك السجدات وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّهَا مُحرمَة.
стр. 75
الْبَاب الْخَامِس عشر فِي بَيَان حكم أَن الصَّلَاة فرض على الْمَرِيض يُصليهَا كَيْفَمَا اسْتَطَاعَ وَبَيَان كيفيتها. وإهمال النَّاس لَهَا لأخف مرض
اعْلَم أَيهَا الغافل عَمَّا افترضه الله عَلَيْك أَن الصَّلَاة هِيَ أعظم ركن فِي الْإِسْلَام بعد التَّوْحِيد، وَقد عظم الله شَأْنهَا فِي كِتَابه فَذكرهَا نيفا وَثَلَاثِينَ مرّة، آمرا عباده بأقامتها والمحافظة عَلَيْهَا. والخشوع فِيهَا. كَمَا بَين تَعَالَى أَن النَّاس جَمِيعًا يهلعون ويجزعون وللخير يمْنَعُونَ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّين الَّذين هم على صلَاتهم دائمون﴾ وتوعد الغافلين عَنْهَا بأشد وَعِيد فَقَالَ: ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ كَمَا حكى عَنْهُم فَقَالَ: ﴿مَا سلككم فِي صقر؟ قَالُوا: لم نك من الْمُصَلِّين﴾ وَبَين أَن تَركهَا شرك فَقَالَ: ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين﴾ وعد الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) تَركهَا كفرا، وَقَالَ: " من ترك الصَّلَاة فقد كفر، بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة ". وَلما أنزل الله عَلَيْهِ ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ قَالَ ( [ ﷺ ] ) : " من ترك صَلَاة الْعَصْر فقد حَبط عمله " وَقَالَ: " من ترك صَلَاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله ".
هَذَا وَالنَّاس فِي غَفلَة ساهون " وَبِهَذَا التهديد البليغ لَا ينزجرون، فترى كثيرا من النَّاس، بل كلهم بِمَا فيهم حَملَة الْقُرْآن، وَحَملَة (العلمية والعجمة) من أهل الْأَزْهَر - لأدنى مرض خَفِيف يتركون الصَّلَاة فَوْرًا. كَأَنَّهَا هِيَ الْحمل الثقيل على ظُهُورهمْ، فيضعونها قبل كل الأثقال. أَو كَأَنَّهَا هِيَ الشَّيْء الَّذِي لَا يهتم لَهُ كثيرا، فَإِذا جلس أحدهم فِي الشَّمْس قَلِيلا، أَو أَصَابَهُ الزُّكَام، أَو دفيء جِسْمه، أَو أَصَابَهُ أَي مرض طفيف لَا يذكر وَلَا قيمَة لَهُ، فَلَا تراهم إِلَّا أسْرع من الْبَرْق فِي ترك الصَّلَاة، وَذَلِكَ هُوَ الضلال الْبعيد.
стр. 76
صفة صَلَاة الْمَرِيض
وَصفَة صلَاتهَا تأخذها من حَدِيث وَاحِد رَوَاهُ الْجَمَاعَة عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: " كَانَت بِي بواسير، فَسَأَلت النَّبِي ( [ ﷺ ] ) عَن الصَّلَاة فَقَالَ: " صل قَائِما، فَإِن لم تستطع فقاعدا، فَإِن لم تستطع فعلى جَنْبك، فَإِن لم تستطع فمستلقيا لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا ".
فبالله أعلموني مَا هُوَ المتعب الشاق فِي هَذَا؟ وَقد قَالَ الْعلمَاء: إِذا تعذر الْإِيمَاء من المستلقي لم يجب عَلَيْهِ شَيْء بعد ذَلِك، وَقيل: يجب الْإِيمَاء بالعينين، وَقيل: بِالْقَلْبِ، وَقيل يجب إمرار الْقُرْآن على الْقلب وَالذكر على اللِّسَان. وَيدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقَوله ( [ ﷺ ] )
" إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم ".
الْبَاب السَّادِس عشر فِي بدع ومنكرات فِي صَلَاة الْجُمُعَة
يحرم التَّنَفُّل حِين إِقَامَة الصَّلَاة لوُجُوب الِاشْتِغَال بالمقامة وَلِئَلَّا يطعن فِي الإِمَام كَذَا قَالَت الْمَالِكِيَّة، وَلذَا تقطع النَّافِلَة عِنْدهم إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة، ودليلهم حَدِيث مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة " " وَمن رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره " فَمن رأى من يسيء صلَاته ثمَّ لَا يُنكر عَلَيْهِ فَهُوَ شَرِيكه فِي وزرها، وَلَا يجوز رفض الْجَمَاعَة الأولى لانتظار الثَّانِيَة الْمُوَافقَة فِي الْمَذْهَب للْحَدِيث الْمُتَقَدّم، وَهَذَا تَفْرِيق بَين الْمُسلمين؛ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ والتقدم على الإِمَام الرَّاتِب مَمْنُوع أفنى بحرمته الْمَالِكِيَّة، وتعدد الْجَمَاعَة فِي مَسْجِد وَاحِد، وَوقت وَاحِد من الْبدع الشنيعة والمخالفات الفظيعة، وَلم يشرع التَّعَدُّد حَال الْجِهَاد، وتلاحم الصُّفُوف،
стр. 77
وَضرب السيوف، أفيشرع حَال السعَة وَالِاخْتِيَار؟ فاستحيوا من المنتقم وَقَول مُرِيد إِدْرَاك الْجَمَاعَة للْإِمَام الْمصلى: إِن الله مَعَ الصابرين، أَو طول السُّورَة شوية ياسى الشَّيْخ جهل وبدعة. وَالسّنة: الْعَمَل بِحَدِيث " أَلا أدلكم على مَا يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات؟ إسباغ الْوضُوء على المكاره، وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد، وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة، فَذَلِك الرِّبَاط - ثَلَاثًا " رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم ﵀ وَعدم اعتناء الْأَئِمَّة بتسوية الصُّفُوف تَفْرِيط مِنْهُم وتكاسل عَن أَدَاء مَا أمروا بِهِ، و " الْجفَاء كل الْجفَاء وَالْكفْر والنفاق من سمع مُنَادِي الله يُنَادي بِالصَّلَاةِ وَيَدْعُو إِلَى الْفَلاح فَلَا يجِيبه " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي مُسلم
" وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ - وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد - لكَفَرْتُمْ " وروى الشَّيْخَانِ وَأَصْحَاب السّنَن عَنهُ ( [ ﷺ ] ) " أما يخْشَى أحدكُم إِذا رفع رَأسه وَالْإِمَام ساجد أَن يحول الله صورته صُورَة حمَار " وَفِي رِوَايَة سندها حسن " الَّذِي يخْفض وَيرْفَع قبل الإِمَام إِنَّمَا ناصيته بيد الشَّيْطَان ".
الْبَاب السَّابِع عشر فِي فَضَائِل الْجُمُعَة وسننها وبدعها ومنكراتها
روى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة ثمَّ رَاح فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب بقرة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب كَبْشًا أقرن، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأَنَّمَا قرب بَيْضَة، فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر " وروى البُخَارِيّ أَيْضا عَن سلمَان الْفَارِسِي قَالَ: قَالَ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) " لَا يغْتَسل رجل يَوْم الْجُمُعَة ويتطهر مَا اسْتَطَاعَ من طهر، ويدهن من دهنه،
стр. 78
أَو يمس من طيب بَيته، ثمَّ يخرج فَلَا يفرق بَين اثْنَيْنِ، ثمَّ يُصَلِّي مَا كتب لَهُ، ثمَّ ينصت إِذا تكلم الإِمَام إِلَّا غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الْأُخْرَى "، وَفِي البُخَارِيّ أَيْضا أَنه ( [ ﷺ ] ) ذكر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ: " فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي يسْأَل الله تَعَالَى شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه "، وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن طَارق بن شهَاب عَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " الْجُمُعَة حق وَاجِب على كل مُسلم فِي جمَاعَة إِلَّا أَرْبَعَة: عبد مَمْلُوك أَو امْرَأَة، أَو صبي، أَو مَرِيض ". قَالَ أَبُو دَاوُد: طَارق بن شهَاب قد رأى النَّبِي ( [ ﷺ ] ) وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا، وروى هَذَا الحَدِيث أَيْضا الْحَاكِم وَحسنه صَاحب الْجَامِع الصَّغِير، وَقَالَ شَارِحه مُرْسل بل وَضَعِيف الْإِسْنَاد، وروى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) يقْرَأ فِي الْفجْر ﴿الم تَنْزِيل﴾ و ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ وَفِي مُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) وَأَصْحَابه من بعده كَانُوا يقرءُون فِي الْجُمُعَة بِسُورَة الْجُمُعَة، وَإِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ. وَفِي رِوَايَة لمُسلم " كَانَ ( [ ﷺ ] ) يقْرَأ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَة ب ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية﴾ ، وَإِذا اجْتمع الْعِيد وَالْجُمُعَة فِي يَوْم وَاحِد يقْرَأ بهما أَيْضا فِي الصَّلَاتَيْنِ " وروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم عَن أَوْس بن أَوْس أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " إِن من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ، خلق آدم، وَفِيه قبض، وَفِيه النفخة، وَفِيه الصعقة، فَأَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِيهِ، فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُول الله: وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت؟ قَالَ: يَقُولُونَ: بليت. فَقَالَ: إِن الله حرم على الأَرْض أجساد الْأَنْبِيَاء " ذكره فِي الْجَامِع وَحسنه وَصَححهُ شَارِحه، وَقَالَ محشى سنَن ابْن مَاجَه: وَفِي الزَّوَائِد هَذَا الحَدِيث صَحِيح، إِلَّا أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين، لِأَن عبَادَة رِوَايَته عَن أبي الدَّرْدَاء مُرْسلَة قَالَه الْعَلَاء، وَزيد ابْن أَيمن عَن عبَادَة مُرْسلَة قَالَه البُخَارِيّ. أهـ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه علل
стр. 79
الحَدِيث هُوَ حَدِيث مُنكر لَا أعلم أحدا رَوَاهُ غير حُسَيْن الْجعْفِيّ قَالَ: وَأما عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن تَمِيم فَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد ابْن جَابر ثِقَة أهـ.
يَقُول الْمُؤلف مُحَمَّد بن أَحْمد مُحَمَّد عبد السَّلَام عَفا الله عَنهُ وَغفر لَهُ ورحمه قد قَالَ الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن الْمجِيد فِي حق الشُّهَدَاء: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم أَلا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ . فالشهداء أَحيَاء عِنْد رَبهم حَيَاة برزخية، لَا نعلم نَحن حَقِيقَتهَا، وَالله وَحده يعلمهَا وهم فَرِحُونَ بِمَا هم فِيهِ من النِّعْمَة، ويستبشرون بإخوانهم الَّذين يقتلُون بعدهمْ فِي سَبِيل الله، ويلحقون بهم وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا لَا يخَافُونَ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذا خَافَ وحزن النَّاس، اللَّهُمَّ ألحقنا بهم شُهَدَاء فِي سَبِيل إعلاء كلمتك، وَسنة نبيك آمين، فَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَن اتبعُوا النَّبِي الْكَرِيم، فَكيف تكون كَرَامَة هَذَا الرَّسُول الْأَعْظَم سيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، وبل وَسيد ولد آدم أَجْمَعِينَ؟
وَقد روى التِّرْمِذِيّ عَن الطُّفَيْل بن أبي كَعْب أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله: إِنِّي أَكثر الصَّلَاة عَلَيْك فكم أجعَل لَك من صَلَاتي؟ قَالَ: مَا شِئْت. قلت: الرّبع؟ قَالَ: مَا شِئْت، فَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك؛ قلت: فالنصف؟ قَالَ: مَا شِئْت، فَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك؛ قلت: فالثلثين؟ قَالَ: مَا شِئْت، فَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك؛ قلت: أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا؟ قَالَ: إِذن تَكْفِي همك، وَيغْفر لَك ذَنْبك " ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن كَذَا فِي تَفْسِير الْحَافِظ ابْن كثير، وروى أَبُو دَاوُد بالسند إِلَى أبي هُرَيْرَة أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " من سره أَن يكتال بالمكيال الأوفى إِذا صلى علينا أهل الْبَيْت فَلْيقل: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي وأزواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَذريته وَأهل بَيته كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد ".
стр. 80
فصل فِي بَيَان مُنكرَات وبدع فِي الْجُمُعَات
حَدِيث " أَلا أعلمك كَلِمَات ينفعك الله بِهن وَتَنْفَع من عَلمته؟ صل لَيْلَة الْجُمُعَة أَربع رَكْعَات، تقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَيس. وَفِي الثَّانِيَة بِفَاتِحَة الْكتاب وبحم الدُّخان وَفِي الثَّالِثَة بِفَاتِحَة الْكتاب وبآلم تَنْزِيل السَّجْدَة وَفِي الرَّابِعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وتبارك " الخ وَهُوَ حَدِيث طَوِيل ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي حَدِيث الموضوعات وعارضَه بعد التصويب صاحبا الْجَامِع الصَّغِير وَشَرحه وَقَالَ فِي حَاشِيَة الْجَامِع بل هُوَ شَدِيد الضعْف فَقَط فَلَا يعْمل بِهِ لِأَن مَحل الْعَمَل، بالضعيف فِي الْفَضَائِل مَا لم يشْتَد ضعفه. أهـ.
- يَقُول مُحَمَّد - وَهُوَ معَارض بِحَدِيث مُسلم: " لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي، وَلَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم ".
وَخبر " كَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب لَيْلَة الْجُمُعَة: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ، وَكَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة الْعشَاء الْأَخِيرَة سُورَة الْجُمُعَة وَسورَة الْمُنَافِقين "، قَالَ الْعِرَاقِيّ فِيهِ: لَا يَصح مُسْندًا وَلَا مُرْسلا.
وَخبر من دخل الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي أَربع رَكْعَات، يقْرَأ فِيهِنَّ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ مِائَتي مرّة، فَإِنَّهُ لم يمت حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة أَو يرى لَهُ "، قَالَ الْعِرَاقِيّ: غَرِيب جدا، وَنقل شَارِح الْأَحْيَاء عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ لَا يَصح.
واجتماع الْفُقَرَاء ليَالِي الْجُمُعَات فِي بعض الْمَسَاجِد والبيوت للرقص - باه إه اله إه إه اله اللوع اللَّوْح أح لح أح لح - بدع وضلال بل كفر كَبِير، وَهدم لشعائر دين البشير النذير. وَقد أضْحك هَذَا الْفِعْل الذميم علينا من الإفرنج الجم الْغَفِير، فَاتَّقُوا الله، وَكفوا عَن هَذَا الشهيق والنهيق، إِذْ لَا يعْمل بِهِ إِلَى من هُوَ عَن الله
стр. 81
وَهدى رَسُوله وسمته فِي مَكَان سحيق. وحرص كثير من المتعبدين على صَلَاة الْجُمُعَة بِمَسْجِد الْحُسَيْن، أَو الشَّافِعِي أَو السيدة زَيْنَب مَعَ بعد دِيَارهمْ عَنْهَا بِدعَة شركية لِأَنَّهَا قصد بالتعظيم لغير الله
" أَلا وَإِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يتخذون قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد، فَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك " رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وإنكار النَّاس على الإِمَام الَّذِي لم يقْرَأ بِآيَة السَّجْدَة فِي صَلَاة صبح الْجُمُعَة مَعَ ظن بَعضهم اختصاصها بِزِيَادَة سَجْدَة خطأ وَجَهل، إِذْ لَيست السَّجْدَة وَاجِبَة بل الْمَقْصُود التَّذْكِير بِمَا فِي سورتي السَّجْدَة وَهل أَتَى. واقتصار كثير من الْأَئِمَّة على قِرَاءَة بعض السورتين خلاف السّنة وتقصير وبدعة، وَلَا بُد من قراءتهما كاملتين. وعدول غَالب الْأَئِمَّة عَن قِرَاءَة سُورَة الْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ أَو سبح والغاشية أَو الِاقْتِصَار على بعضهما فِي صَلَاة الْجُمُعَة بِدعَة وتقصير. وَصَلَاة سنة الْجُمُعَة الْقبلية بِدعَة سَيِّئَة فاحذروها واقرأوا أَبْوَاب سنَن الْجُمُعَة فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالسّنَن تَجدوا مَا يوصلكم إِلَى رب الْعَالمين، وجلوس الداخلين الْمَسْجِد عِنْدَمَا يرَوْنَ الْخَطِيب يخْطب الْخطْبَة الأولى ثمَّ إِذا جلس وَقَامَ للخطبة الثَّانِيَة قَامُوا لصَلَاة التَّحِيَّة جهل كَبِير وبدعة وَسنة النَّبِي أَن يُصَلِّي التَّحِيَّة وَلَو كَانَ الْخَطِيب يخْطب، لقَوْله ( [ ﷺ ] ) لسليك الْغَطَفَانِي حينما رَآهُ دخل وَهُوَ يخْطب فَجَلَسَ " أصليت يَا سيلك؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ " والقصة فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَول بعض الجهلة بعد الْجُمُعَة الْفَاتِحَة على هَذِه النِّيَّة، أَو الْفَاتِحَة لسيدنا الْحُسَيْن، أَو الْوَلِيّ الْفُلَانِيّ بِدعَة مُنكرَة وَصَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة بِدعَة ضَلَالَة وَشرع لم يشرع فيتحتم تَركهَا. وَقِرَاءَة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كل جُمُعَة بعد الصَّلَاة خمس مَرَّات اعتقاداً بِأَن من واظب عَلَيْهِمَا توفاه الله على الْإِسْلَام شرع بَاطِل، وَظن عاطل، لم يعْمل بِهِ أحد من الْأَوَائِل، فَكَانَ التّرْك وَاجِبا على كل عَاقل، وهما: -
стр. 82
(إلهي لست للفردوس أَهلا ... وَلَا أقوى على نَار الْجَحِيم)
(فَهَب لي تَوْبَة واغفر ذُنُوبِي ... فَإنَّك غَافِر الذَّنب الْعَظِيم)
وَإِثْبَات هَذَا الْكَلَام الْبَاطِل وَأَمْثَاله فِي الْكتب ليتعبد بِهِ كشرائع مُحَمَّد ( [ ﷺ ] ) ضلال وإضلال وزور وبهتان (إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا) .
وَحَدِيث " من قَرَأَ إِذا سلم الإِمَام من صَلَاة الْجُمُعَة قبل أَن يثني رجلَيْهِ فَاتِحَة الْكتاب و ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ سبعا سبعا غفر لَهُ " الخ. رَوَاهُ أَبُو الأسعد الْقشيرِي وَفِي إِسْنَاده ضعف شَدِيد جدا فَلَا يجوز الْعَمَل بِهِ، وَالصَّحِيح كثير جدا فِي كتب السّنة فاطلبه إِن كنت سنياً رَاغِبًا فِي الْجنَّة، والمواظبة على صِيغَة اللَّهُمَّ يَا غَنِي يَا حميد يَا مبدئ يَا معيد أغنني بحلالك عَن حرامك، وبفضلك عَمَّن سواك، بعد الْجُمُعَة، واعتقادهم أَن من واظب عَلَيْهَا أغناه الله ورزقه فَظن كَاذِب أَيْضا ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى﴾ ، فأعرضوا عَنهُ وتولوا فيا حسرة على الْعباد وَمَا ذكر عَن بعض الشُّيُوخ أَن من قَالَ بعد صَلَاة الْجُمُعَة سبعين مرّة: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحلالك عَن حرامك، وأغنني بِفَضْلِك عَمَّن سواك - قضى الله دينه وأغناه عَن خلقه، لَا يقبل قَوْلهم هَذَا إِلَّا بِسَنَد صَحِيح عَن الْمَعْصُوم ( [ ﷺ ] ) .
وَقد روى أَبُو دَاوُد ﵀ فِي سنَنه أَنه ( [ ﷺ ] ) دخل الْمَسْجِد ذَات يَوْم فِي غير وَقت صَلَاة فَإِذا هُوَ بِرَجُل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو أُمَامَة فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَة مَالِي أَرَاك جَالِسا فِي الْمَسْجِد فِي غير وَقت صَلَاة؟ قَالَ: هموم لزمتني وديون يَا رَسُول الله قَالَ: أَفلا أعلمك كلَاما إِذا قلته أذهب الله همك وَقضى عَنْك دينك؟ قلت: بلَى يَا رَسُول الله قَالَ: قل إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن، وَأَعُوذ بك من الْعَجز والكسل، وَأَعُوذ بك من الْجُبْن وَالْبخل، وَأَعُوذ بك من غَلَبَة الدّين وقهر الرِّجَال، قَالَ: فَفعلت
стр. 83
فَأذْهب الله تَعَالَى همي وغمي وَقضى عني ديني "، قَالَ شَارِح الْجَامِع: حَدِيث صَحِيح " وَفِي الْجَامِع برمز أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن عَليّ ﵁ أَن مكَاتبا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي عجزت عَن كتابتي فأعني قَالَ: أَلا أعلمك كَلِمَات علمنيهن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) لَو كَانَ عَلَيْك مثل الْجبَال دينا أَدَّاهُ الله عَنْك قَالَ: قل " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحلالك عَن حرامك واغنني بِفَضْلِك عَمَّن سواك، قَالَ فِي الْجَامِع حَدِيث حسن وَقَالَ شَارِحه: صَحِيح وَخرج التِّرْمِذِيّ عَنهُ ( [ ﷺ ] ) قَالَ " دَعْوَة ذِي النُّون إِذْ دَعَا بهَا وَهُوَ فِي بطن الْحُوت: لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين، لم يدع بهَا رجل مُسلم فِي شَيْء قطّ إِلَّا اسْتَجَابَ الله لَهُ "، وَفِي رِوَايَة: " إِنِّي أعلمك كَلِمَات لَا يَقُولهَا مكروب إِلَّا فرج الله عَنهُ كلمة أخي يُونُس ﵇ "، فَهَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمَعْصُوم وَهُوَ الَّذِي تعْمل بِهِ وَأَنت موقن بِالْأَجْرِ وَهُوَ كَمَا ترَاهُ مُطلق غير مُقَيّد بِوَقْت الْجُمُعَة وَلَا غَيرهَا فَافْهَم واعمل تفز وقراءتهم ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ألف مرّة يَوْم الْجُمُعَة لَيْسَ لَهُ أصل الْبَتَّةَ، وَذكر الله مَطْلُوب أبدا فَلَا تكن من الغافلين، عَن سنة سيد الْمُرْسلين، وقائد الغر المحجلين وَإِمَام المهتدين، وَسيد ولد آدم أَجْمَعِينَ. وَهُنَاكَ رِوَايَة لم تقيد بِالْجمعَةِ وَهِي حَدِيث: " من قَرَأَ قل هُوَ الله أحد ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من الله " وَهُوَ فِي الْجَامِع وَشَرحه وَلم يبيناه، وَرَأَيْت فِي مَوْضُوعَات الفتنى أَن فِيهِ مجاشعاً الْكذَّاب، وَفِي مَوْضُوعَات الْمَقْدِسِي فِيهِ حجاج بن مَيْمُون الْبَصْرِيّ مُنكر الحَدِيث فَالْعَمَل بِهِ حرَام. وَقد جَاءَت السّنة فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ويومها بالترغيب فِي قِرَاءَة آل عمرَان، وَهود، والكهف والإكثار من الصَّلَاة على النَّبِي ( [ ﷺ ] ) والمبادرة بالذهاب إِلَى الْمَسْجِد بالاغتسال والتطيب، أفنترك هَذَا الْوَارِد الثَّابِت ثمَّ لَا نعمل إِلَّا بالموضوع والمبتدع المخترع الْمَمْنُوع فَاتَّقُوا الله.
واجتماع الصُّوفِيَّة للذّكر (الرقص) بعد الْجُمُعَة بالشخير والنخير والإلحاد فِي أَسمَاء الله الْكَبِير، مُنكر وضلال فظيع شنيع. والستائر للمنابر بِدعَة، والأيتام
стр. 84
والأرامل وَالْمَسَاكِين أَحَق بِثمنِهَا وَلَكِن الْمَشْرُوع مر على النُّفُوس بِخِلَاف مَا تهوي الْأَنْفس فَإِنَّهُ لذيذ وَلَكِن عاقبته أَمر من الصَّبْر وأحر من الْجَمْر. والتمسح بالخطيب إِذا نزل من على الْمِنْبَر بِدعَة يجب عَلَيْهِ هُوَ أَن يزجرهم وينهاهم عَنْهَا. والشحاذة فِي الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَغَيره مذمومة، والتشويش، وَكَذَا بيع المَاء والحلوى والروائح، وَقَوْلهمْ بعد الْجُمُعَة: يتَقَبَّل الله منا ومنكم، وَارِد إِلَّا أَن فِيهِ نَهْشَلَا الْكذَّاب.
فصل
وَحَدِيث " الْجُمُعَة حج الْمَسَاكِين " ذكره فِي الْجَامِع وَضَعفه هُوَ وشارحه وَفِي التَّمْيِيز وأسنى المطالب حَدِيث " الْجُمُعَة على الْخمسين رجلا وَلَيْسَ على مَا دون الْخمسين جُمُعَة " ذكره فِي الْجَامِع وَضَعفه، وَقَالَ شَارِحه: إِسْنَاده واه وَقَالَ محشية: ضَعِيف، بل قيل: مُنكر، وَخبر الْجُمُعَة لمن سبق - لَيْسَ من كَلَام النُّبُوَّة قطعا. وَحَدِيث " الْجُمُعَة وَاجِبَة على كل قَرْيَة وَإِن لم يكن فِيهَا إِلَّا أَرْبَعَة " ذكره فِي الْجَامِع أَيْضا وَضَعفه وَقَالَ شَارِحه: إِسْنَاده ضَعِيف ومنقطع، وَالْجُمُعَة كَسَائِر الصَّلَوَات لَا تخالفها إِلَّا فِي لُزُوم الْجَمَاعَة والخطبتين قبلهَا، وَلم يَأْتِ دَلِيل على أَنَّهَا تخالفها فِي غير ذَلِك، وكل مَا قيل من أَنه يشْتَرط الإِمَام الْأَعْظَم والمصر الْجَامِع، وَالْمَسْجِد الْعَتِيق، وَالْحَاكِم الشَّرْعِيّ، والسياسي والسوق، وَأَنَّهَا لَا تصلح إِلَّا بأَرْبعَة لَيْسَ مِنْهُم أَو مِنْهُم الإِمَام أَو بِاثْنَيْ عشر، أَو عشْرين أَو أَرْبَعِينَ لَيْسَ فيهم ماسح على الْعِصَابَة. فَإِن سَقَطت عصابته بطلت صَلَاة الْجَمِيع. فَكل هَذَا سبهلل من القَوْل، وبدع فِي الدّين بل زور وغرور إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ أثارة من علم وَلَا يُوجد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُوله ( [ ﷺ ] ) حرف وَاحِد يدل على اسْتِحْبَابه فضلا عَن وُجُوبه، فضلا عَن اشْتِرَاطه وَإِن تعجب فَعجب وُقُوع مثل هَذَا فِي التصانيف الَّتِي تقْرَأ على طلاب الْعلم والعوام، وَحَملهمْ على اعْتِقَاده وَالْعَمَل بِهِ وتلقينه للنَّاس كَأَنَّهُ كتاب الله
стр. 85
وَسنة رَسُوله، فَلَا شَيْء من هَذَا قطّ يجوز التَّعَبُّد وَالْأَخْذ بِهِ إِلَّا قَول الله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ ، وإليكم البُخَارِيّ وَمُسلمًا خُذُوا مِنْهُمَا هدى رَسُول الله وخلفائه وَأَصْحَابه وَكفى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ ، ﴿اتبعُوا مَا أنزل ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ .
فصل فِي بدع ومنكرات الخطباء أَيَّام الْجُمُعَات
إِن من أنكر مَا يُنكره الْمُسلم فِي عصرنا هَذَا، أَن الخطباء آلَات صماء تحفظ من الدِّيوَان، ثمَّ تحكي بِدُونِ فهم وَلَا شُعُور، وَلذَلِك لَا ينفعون وَلَا يَنْتَفِعُونَ وَآيَة ذَلِك حلق الخطباء وَالْعُلَمَاء وأئمة الْمَسَاجِد لحاهم ولباسهم الْحَرِير والنظارات الذهبية، وذهابهم إِلَى الْمَسَاجِد هَكَذَا، زاعمين أَنهم قد أخذُوا زينتهم لصَلَاة الْجُمُعَة وغفلوا أَو تغافلوا عَن أَن هَذِه الزِّينَة قد حرمهَا الله عَلَيْهِم على لِسَان نبيه، بل هِيَ زِينَة النسوان، ثمَّ إِذا كَانُوا هم لَا يتعظون بِمَا يدرسون فَكيف يقبل أَو يُؤثر وعظهم ونصحهم وإرشادهم لمن يرشدون ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ أَو مَا سَمِعْتُمْ قَول شُعَيْب لِقَوْمِهِ: وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت) فيا رُعَاة الْمُسلمين تالله إِنَّكُم لمسئولون فاحذروا الْعَذَاب المهين.
وَمن فرط جهل كثير من الخطباء اعتمادهم على قطع من الْخشب يسمونها بغباوتهم سيوفاً، ظنا مِنْهُم أَن الدّين قَامَ بِالسَّيْفِ، بل " كَانَ ( [ ﷺ ] ) إِذا خطب فِي الْحَرْب خطب على قَوس، وَإِذا خطب فِي الْجُمُعَة خطب على عَصا قبل اتِّخَاذ الْمِنْبَر " رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَصَححهُ فِي الْجَامِع وَمن التكاسل وَالْجهل وَالتَّقْصِير اعتمادهم على قِرَاءَة مَا فِي الدَّوَاوِين الْقَدِيمَة وَإِن كَانَت لَا توَافق
стр. 86
عصرنا وَلَا حَالنَا بل وَإِن كَانَ فِيهَا مَا يُخَالف الشَّرِيعَة. وقراءتهم للأحاديث الْمَوْضُوعَة والضعيفة الْوَاهِيَة، كأحاديث فضل رَجَب وَنصف شعْبَان وَغَيرهَا، من غير تبيانها للنَّاس. وَهَذَا تَدْلِيس بل وغش للْمُسلمين و " لَيْسَ منا من غش " ذكره فِي الْجَامِع وَصَححهُ و " من غَشنَا فَلَيْسَ منا وَالْمَكْر وَالْخداع فِي النَّار " ذكره فِي الْجَامِع وَضَعفه ومواظبتهم على قِرَاءَة حَدِيث فِي آخر الْخطْبَة الأولى دَائِما بِدعَة، إِذْ صَار عِنْد النَّاس كفرض يُنكرُونَ على تَاركه. ومواظبتهم فِي آخر الْخطْبَة الأولى أَيْضا على حَدِيث " التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ " أَو " ادعو الله وَأَنْتُم موقنون بالإجابة " لَا شكّ أَنه جهل وبدعة. والْحَدِيث الأول ذكره ابْن مَاجَه، وَقَالَ محشيه ذكره صَاحب الزَّوَائِد، وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح رِجَاله ثِقَات، ثمَّ ضرب على مَا قَالَ وَأبقى الحَدِيث على الْحَال. قَالَ: وَفِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من طَرِيق أبي عُبَيْدَة ابْن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه رَفعه وَرِجَاله ثِقَات بل حسنه شَيخنَا يَعْنِي لشواهده، وَإِلَّا أَبُو عُبَيْدَة جزم غير وَاحِد بِأَنَّهُ لم يسمع من أَبِيه أهـ.
والْحَدِيث الثَّانِي ذكره فِي الْجَامِع وَسكت عَنهُ وَقَالَ شَارِحه صَحِيح لغيرَه، وَلَكِن قَالَ فِي أَسْنَى المطالب: فِيهِ صَالح الْمزي مُنكر الحَدِيث قَالَه البُخَارِيّ. وَقَالَ أَحْمد: صَاحب قصَص أهـ.
وَقَالَ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي تَذكرته: رَوَاهُ صَالح بن بشر الْمزي هُوَ مَتْرُوك قلت: والمتروك لَا تحل رِوَايَته إِذْ هُوَ والموضوع سَوَاء. ومواظبتهم فِي آخر الأولى أَيْضا بعد الحَدِيث على لَفْظَة: أَو كَمَا قَالَ، جهل وتقليد مَذْمُوم. أما إِذا شكّ أَو اشْتبهَ عَلَيْهِ لفظ الحَدِيث فَلَا بَأْس بهَا. وقراءتهم سُورَة الْإِخْلَاص ثَلَاثًا أثْنَاء الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ جهل بِالسنةِ وبدعة لما رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه فَقَالَ: (بَاب السُّكُوت فِي الْقعدَة بَين الْخطْبَتَيْنِ) ثمَّ سَاق بالسند إِلَى جَابر
стр. 87
ابْن سَمُرَة أَنه قَالَ: " رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يخْطب يَوْم الْجُمُعَة قَائِما ثمَّ يقْعد قعدة لَا يتَكَلَّم. ثمَّ يقوم فيخطب خطْبَة أُخْرَى، فَمن حَدثكُمْ أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) كَانَ يخْطب قَاعِدا فقد كذب " وَالْعجب كُله مِمَّن يثبتون هَذِه الْمُخَالفَة الْبَيِّنَة فِي مؤلفاتهم فتموت بهَا السّنَن وتحيا الْبدع فَاتَّقُوا الله وَتَسْمِيَة الْخطْبَة الثَّانِيَة بِخطْبَة النَّعْت بِدعَة وَجعلهَا عَارِية عَن الْوَعْظ والإرشادات والتذكير وَالتَّرْغِيب والترهيب وَالْأَمر وَالنَّهْي - بل صَلَاة على النَّبِي وَدُعَاء للسُّلْطَان بِدعَة، والخطب النَّبَوِيَّة لَيست كَذَلِك، والتزام ختم الثَّانِيَة بِآيَة. ﴿اذْكروا الله يذكركم﴾ أَو ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ بِدعَة، وَقد كَانَت الْخطب تختم فِي الْقُرُون الأولى بقَوْلهمْ: " أَقُول قولي هَذَا واستغفر الله لي وَلكم "، وافتتاحهم خطبتي الْعِيدَيْنِ الأولى بِالتَّكْبِيرِ تسعا، وَالثَّانيَِة بِالتَّكْبِيرِ سبعا، وختمها بِآيَة ﴿دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتحيتهم فِيهَا سَلام﴾ بِدعَة. إِذْ لم يحفظ عَنهُ ( [ ﷺ ] ) قطعا وَلَا عَن خلفائه وَلَا أَصْحَابه أَنهم افتتحوا خطب الْعِيد بِالتَّكْبِيرِ وَمن ادّعى ذَلِك طالبناه بِالدَّلِيلِ، بل قد روى ابْن مَاجَه أَنه ( [ ﷺ ] ) كَانَ يكبر بَين أَضْعَاف الْخطْبَة يكثر التَّكْبِير فِي خطْبَة الْعِيدَيْنِ، وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف.
وقصة الْيَتِيم الَّتِي تقْرَأ على المنابر أَيَّام الأعياد وفيهَا: وجده ( [ ﷺ ] ) يبكي يَوْم الْعِيد فَقَالَ لَهُ: " أَيهَا الصَّبِي مَالك تبْكي؟ " فَقَالَ لَهُ: دَعْنِي فَإِن أبي مَاتَ فِي الْغَزْو مَعَ رَسُول الله، وَلَيْسَ لي طَعَام وَلَا شراب، فَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ: " أما ترْضى أَن أكون لَك أَبَا وَعَائِشَة أما " الخ. وَقد فتشت عَلَيْهَا كثيرا فِي الْكتب فَلم أَجدهَا إِلَّا فِي كتاب التُّحْفَة المرضية، وَهُوَ قد حوى من الخرافات والأكاذيب والترهات شَيْئا كثيرا، وَقد جعلهَا الرويني فِي ديوانه خطْبَة لعيد الْفطر فاحذروا الْكَذِب على رَسُول الله [ ﷺ ] فَوق المنابر ونقيقهم على المنابر بِقصَّة إِبْرَاهِيم وَولده ﵉، وَأَنه وضع السكين على عُنُقه فَلم تقطع كذب
стр. 88
مَوْضُوع من وضع الزَّنَادِقَة، والقصة القرآنية فِيهَا الْكِفَايَة. والتزامهم السجع والتثليث والتربيع والتخميس فِي دواوينهم وخطبهم وبدعة مذمومة، والسجع قد ورد النَّهْي عَنهُ فِي الصَّحِيح. وإعراضهم عَن التَّذْكِير بِسُورَة فِي خطبهم كَمَا كَانَ يواظب عَلَيْهِ ( [ ﷺ ] ) غَفلَة عَظِيمَة وَذُهُول عَظِيم، عَن النافع العميم، الَّذِي عمل بِهِ النَّبِي الْكَرِيم، إِلَى مَا ورثوه عَن أَشْيَاخهم فَإنَّا لله قد ضلت الْعُقُول.
فصل فِي بَيَان أَن دواوين الْخطب هِيَ السَّبَب الْأَكْبَر فِي انحطاطنا الديني والخلقي والمادي
أتعلم أَيهَا الْمُسلم مَاذَا فِي دواوين الْخطب المطبوعة؟ الَّتِي تقْرَأ فِي جَمِيع الْبِلَاد الإسلامية على المنابر فِي أَيَّام الْجُمُعَات والأعياد، وَهِي مطبوعة ومؤلفة من عشرات السنين، وَقد أضرت بالنشء الْجَدِيد، وبعقول الخطباء الْعَامَّة، بل وَجَمِيع النَّاس ضَرَرا بليغاً، لَا يكَاد يدْرك تلافيه وتصحيحه فِي عدَّة قُرُون، وَلَيْسَ فِيهَا سوى نصح جَاهِل وبالدين لمن هُوَ أَشد مِنْهُ جهلا. فمقلد غبي جَاهِل بِالْقُرْآنِ وَتَفْسِيره، ومواطن أوامره ونواهيه، وزواجره، وترغيبه وترهيبه، وَحَلَاله وَحَرَامه لَا شكّ أَنه لَا يَسْتَطِيع أَن يبلغ أمته وَقَومه الدّين الصَّحِيح الَّذِي يتَمَكَّن معتنقه من آداء واجبه الديني والخلقي والمادي بَين الْجَمَاعَات والأفراد الَّذين يجاورهم ويشاركهم فِي كثير من الْأَعْمَال فِي حَيَاته.
وَكَذَلِكَ الْأَمر فِي واعظ يجهل هدى الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) وسنته وَلَا يفرق بَين الصَّحِيح والمكذوب، كَمَا يجهل تَارِيخ كبرائنا. وسيرة عظمائنا، وحروبهم وجهادهم ونضالهم لدينهم ودنياهم.
فَهَؤُلَاءِ: حَتَّى إِذا غلطوا وقرأوا على النَّاس قُرْآنًا فَإِنَّمَا يفسرونه على الطَّرِيقَة
стр. 89
العوجاء العرجاء الْعَقِيم، وَالَّتِي لَا تبث فيهم حمية الْحق وَالْغَضَب لأَجله؛ وَلَا تدعوهم إِلَى التزود من الكمالات والارتقاء. وَلَا تهديهم إِلَى سَوَاء السَّبِيل النافع الرافع بل هِيَ دَعْوَة قَوِيَّة إِلَى الانحراف عَن حَقِيقَة الدّين وَالدُّنْيَا وَالْجد وَالِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل بالبدع والخرافات، والأضاليل والأباطيل الفاشية والنزهات والكسل والخمول، الَّذِي تعوذ مِنْهُ الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) .
وَإِلَيْك قطعتين فِي المولد وَفِي وَفَاة الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) لشيخ الخطباء الْعَالم النحرير، والمجتهد الْكَبِير كَمَا يُقَال عَنهُ: ابْن نباتة. قَالَ: وليته قطع لِسَانه قبل أَن يَقُول مَا قَالَ:
أَيهَا النَّاس: سبق فِي علم الله كَمَا ورد فِي الْخَبَر: مَا كَانَ وَمَا يكون، وَمَا غَابَ وَمَا حضر، فسبحان من اطلع على خلقه فَعلم طَاعَة الطائع وَكفر من كفر قبض قَبْضَة من خلقه، وَقَالَ: هَذِه إِلَى الْجنَّة وَلَا أُبَالِي، وَهَذِه إِلَى سقر، وَقبض قَبْضَة من نوره وَقَالَ كوني مُحَمَّدًا سيد الْبشر وَقسم نوره أَرْبَعَة أَقسَام كَمَا قد جَاءَ فِي الْخَبَر: فخلق من الْجُزْء الأول اللَّوْح والقلم، فَكتب الْقَلَم مَا بِهِ الله قد أَمر. وَخلق من الثَّانِي الْعَرْش والكرسي، وَكَانَ اسْم الرَّسُول على الْعَرْش مسطر، مَكْتُوب عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله لَا أَغفر لقائها حَتَّى مَعهَا يَا مُحَمَّد تذكر. وَخلق من الثَّالِث الشَّمْس وَالْقَمَر، وَنور الْفجْر إِذا ظهر وَخلق من الرَّابِع الْجنَّة وَالنَّار وَمَا فِيهَا من حور وقصور وثمر. فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن يخلق آدم أَبَا الْبشر، أفرغ على طينته من نور النَّبِي المفتخر، وَقَالَ لَهَا كوني آدم فَكَانَت كَمَا جَاءَ فِي السّير - الحَدِيث - من كَرَامَتِي على رَبِّي أَنِّي ولدت مختوناً وَلم ير أحد سوأتي.
وَهَذَا كُله بَاطِل وافتراء على الله، يجب أَن تنزه عَنهُ أسماع الْعَوام والجهلة، وَيجب أَن لَا يقْرَأ عَلَيْهِم إِلَّا الصَّحِيح النقي الصافي الَّذِي يرقى أذهانهم، ويحثهم بل ويلهبهم حماساً وحمية فيعملوا جادين دائبين لسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، جاعلين نصب أَعينهم فَرضِيَّة التفوق والسيادة والعلو على الْعَالم أجمع كَمَا كُنَّا وَكَانَ آبَاؤُنَا وأسلافنا.
стр. 90
وَمَسْأَلَة خلق كل شَيْء من نور النَّبِي ( [ ﷺ ] ) الَّتِي جعلهَا مَوْضُوع خطبَته السخيفة قد أوضحها وَبَين بطلَان حَدِيثهَا صَاحب الْمنَار بالمجلد الثَّامِن من صفحة ٨٦٥، فقد أَفَاضَ هُنَالك وَأفَاد وأجاد، فجزاه الله عَن تَحْقِيق الْخَيْر خير الْجَزَاء.
وَحَدِيث " أول مَا خلق الله نور نبيك يَا جَابر " أخرجه عبد الرَّزَّاق وَلَا أصل لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعْظِيم للنَّبِي ( [ ﷺ ] ) بل هُوَ مثار شُبُهَات وشكوك فِي الدّين. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ ، قَالَ: ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيّ﴾ ، وَقد قَالَ مُحَمَّد بن عُثْمَان الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِن عبد الرازق كَذَّاب أهـ.
بلَاء آخر؛ وَشر مستطير
كَذَلِك يَقُول صَاحب حسن السمعة، فِي خطب الْجُمُعَة، وَبئسَ مَا قَالَ:
أما بعد: فيا عباد الله: هَذَا أول الربيعين قد هَل هلاله بِالْخَيرِ على الْوُجُود مبشراً أهل الْإِيمَان بِقرب مِيلَاد صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود، ليأخذوا أهبتهم للاحتفال بليلة مولده ذَات الْفضل الْمَشْهُود، ويرفعوا أَعْلَام الأفراح وهم قَائِلُونَ فِي كل قيام وقعود: أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون، وَمَا ذَلِك إِلَّا اعترافاً بِمَا لَهُ عَلَيْهِم من الْفضل المشكور، إِذْ لولاه لما خلقُوا وَلما أخرجُوا من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، فَهُوَ ( [ ﷺ ] ) سَبَب الإيجاد وَعلم الْإِرْشَاد المنشود ... . إِلَى أَن قَالَ: فَمن احتفل بليلة مولده فقد أَقَامَ على قُوَّة إيمَانه دَلِيلا ... وأعرب عَن مِقْدَار محبته ... وأثيب ثَوابًا جزيلا وَكَانَ لَهُ ( [ ﷺ ] )
стр. 91
من عَذَاب النَّار مقيلا، (انْظُر الْكفْر الصَّرِيح!) وَمَا جرت بِهِ الْعَادة عِنْد تِلَاوَة مولده الشريف من إيقاد المصابيح والشموع، وَإِقَامَة الزينات، وَرفع أَعْلَام المسرات فِي الطرقات والربوع فَلَا بَأْس بِهِ، إِن كَانَ من سَعَة، وَإِلَّا فَهُوَ مَمْنُوع ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات﴾ الْآيَة وَلَا بَأْس أَيْضا بِضَرْب الدفوف الَّتِي أَتَى الشَّرْع بِإِبَاحَة ضربهَا، والترنم بالأناشيد الَّتِي مدح بهَا، فَإِن لكل أمة عيدًا، وَعِيد أمتنَا لَيْلَة مولد رَسُول رَبهَا، فَاسْتَعدوا لاحتفالكم بمولد نَبِيكُم بِقدر الِاسْتِطَاعَة، وَلَا تقتدوا بِأَهْل الْبدع وَاقْتَدوا بِأَهْل السّنة وَالْجَمَاعَة أه. بِبَعْض اخْتِصَار.
فانظروا رحمكم الله إِلَى قلب الْحَقَائِق الدِّينِيَّة، وَنشر الْكَذِب وَالْبَاطِل والزور على الله وَرَسُوله، وَجعل السّنة بِدعَة والبدعة سنة، وَكَيف عكسوا وانتكسوا بغرورهم وجهلهم، وَكَيف ضلوا وأضلوا الألوف بل الملايين من النَّاس وَمَا زَالُوا لَهُم أتباعاً، لَا يستحيون من قِرَاءَة هَذَا الْإِفْك وَالْإِثْم الْمُبين، وَلَا أَسْتَطِيع أَن أنصح الْمُسلمين بِشَيْء أَكثر من أَن يحرقوا بالنَّار هَذِه الدَّوَاوِين، وَأَن يعتقدوا بطلَان كل مَا فِيهَا - على أَن يستبدلوا هَذَا الْأَدْنَى، بِالَّذِي هُوَ خير - الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة المطهرة الصَّحِيحَة. فَلَا يخطبون وَلَا يعظون وَلَا يذكرُونَ وَلَا يعلمُونَ النَّاس إِلَّا بِمَا فيهمَا. مَعَ تطبيقهما على السّنَن الكونية. والعلوم العصرية.
أكاذيب خطب ابْن نباتة فِي وَفَاة الرَّسُول ( [ ﷺ ] )
قَالَ: اعلموا أَن نَبِيكُم ﵊ من الله، لما قرب رحيله وَدنت مِنْهُ الْوَفَاة، نزل عَلَيْهِ ملك الْمَوْت فقرع بَابه وناداه. فَقَالَ: من بِالْبَابِ يَا فَاطِمَة؟ قَالَت: زائر يَا أبتاه. فَقَالَ هَل تعرفينه؟ قَالَت: لَا وَالله، فَقَالَ، هَذَا هازم اللَّذَّات.
стр. 92
فافتحي فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه! ففتحت الْبَاب فَسمِعت صَوته وَلَا ترَاهُ، يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل بَيت النُّبُوَّة والرسالة والجاه. فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام أجئتني زَائِرًا أم قَابِضا بِإِذن الله، فَقَالَ مَا زرت أحدا قبلك يَا حَبِيبِي فِي دَار الْحَيَاة وَلَكِن أمرت أَن أكون بك شفيقا، فَإِن قلت اقبض: قبضت بِإِذن الله وَإِلَّا رجعت فَانْظُر مَاذَا ترَاهُ، فَقَالَ: بِاللَّه لَا تقبضني حَتَّى يَأْتِي أخي جِبْرِيل من عِنْد مَوْلَاهُ، أَيْن تركته؟ قَالَ: تركته فِي السَّمَاء يعزيه فِي روحك مَلَائِكَة الله، فَمَا تمّ كَلَامه إِلَّا وَجِبْرِيل أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد رَبك يقرؤك السَّلَام، وَيَقُول لَك أَنْت رَسُوله ومصطفاه، فَأن شِئْت يؤخرك كَمَا أخر نوحًا نَبِي الله، فَقَالَ: وَمَا بعد هَذَا؟ قَالَ: أَن تلقى الله، فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ: اقبض يَا عزارئيل فقد بلغ الْعُمر منتهاه، فعالج روحه الشَّرِيفَة حَتَّى وصلت إِلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: مَعَ الَّذين أنعم الله. وَلما وصلت سرته قَالَ: وَأَن مردنا إِلَى الله، وَلما وصلت إِلَى صَدره قَالَ: إِنَّا لله، وَلما وصلت إِلَى حلقومه صرخَ صرخة قَالَ: واكرباه، فَقَالَت فَاطِمَة: واكرباه على كربك الْيَوْم يَا أبتاه، فعانقها فمالت عمَامَته وَقضى نحبه، هَذَا مَا ورد فِي وَفَاة رَسُول الله أه. بِاخْتِصَار.
لهَذَا أَصْبَحْنَا أَضْعَف أمة على وَجه الأَرْض بجهلنا وضلالنا بِمَا حشيت من الخرافات قُلُوبنَا، وأذل وأحقر وَأسْقط أمة بِفساد أَخْلَاقنَا. وَسُوء معاملاتنا، وانصرافنا عَن كل مَا فِيهِ سعادتنا الدِّينِيَّة، والدنيوية، والأخروية؛ بعد أَن كُنَّا مُلُوك الأَرْض وَأَرْفَع وأنفع النَّاس و ﴿خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ بهدايتها إِلَى الطَّرِيق الَّتِي هِيَ أقوم، واهتدائها بِكِتَاب رَبهَا وَهدى نبيها الصَّحِيح، ففاقت النَّاس، وعلت بِالْحَقِّ وَالْعدْل، وَالصَّلَاح والإصلاح علوا كَبِيرا.
أما الْآن وَقد أصبح عُلَمَاؤُنَا يجهلون حقائق دينهم، ووعاظنا يهرفون بِمَا لَا يعْرفُونَ، وخطباؤنا - كَابْن نباتة وأشباهه - دجالون كذابون، وقراؤنا لمعاني
стр. 93
سُورَة صَغِيرَة من الْقُرْآن لَا يفقهُونَ، بل بِالْقُرْآنِ يشحذون، وبالتغني بِهِ يتأكلون. فَكَانَ من الصعب والعسير جدا أَنهم يرتقون، أَو فِي الْخيرَات يتسابقون، أَو للركب الأوربي يدركون، أَو يجارون، وَمَا كَانَ هَذَا إِلَّا لِأَن قادتنا غافلون، وأئمتنا لأمر الدّين وَالدُّنْيَا وَالسّنَن الكونية يجهلون، فَلم يعودوا للقيادة وَلَا للسيادة يصلحون، وَلَا بشعوبهم ينهضون، بل هم رزء الْأمة ومصيبتها، وأكبر غمَّة على هَذِه الْأمة.
الْبَاب الثَّامِن عشر فِي وجوب قصر صَلَاة الْمُسَافِر فِي ميل وَاحِد
روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عمر قَالَ " صَحِبت النَّبِي ( [ ﷺ ] ) وَكَانَ لَا يزِيد فِي السّفر على رَكْعَتَيْنِ وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَذَلِك "، وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " أول مَا فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فأقرت صَلَاة السّفر، وأتمت صَلَاة الْحصْر " مُتَّفق عَلَيْهِ، زَاد البُخَارِيّ " ثمَّ هَاجر - أَي النَّبِي ( [ ﷺ ] ) فَفرضت أَرْبعا وأقرت صَلَاة السّفر على الأول " زَاد أَحْمد " إِلَّا الْمغرب فَإِنَّهَا وتر النَّهَار، وَإِلَّا الصُّبْح فَإِنَّهَا تطول فِيهَا الْقِرَاءَة " وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير من حَدِيث ابْن عمر مَوْقُوفا: " صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ نزلتا من السَّمَاء فَإِن شِئْتُم فردوهما "، وَرِجَاله موثقون وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكَبِير عَنهُ بِرِجَال الصَّحِيح: " صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ من خَالف السّنة كفر " أه. من نيل الأوطار وسبل السَّلَام، قَالَ ابْن الْقيم فِي الْهدى وَغَيره لم يثبت عَنهُ ( [ ﷺ ] ) أَنه أتم الرّبَاعِيّة فِي السّفر الْبَتَّةَ أه.
أما رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة أَنَّهَا اعْتَمَرت مَعَه ( [ ﷺ ] ) من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا قدمت مَكَّة قَالَت يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي أتممت وَقصرت وَأَفْطَرت وَصمت فَقَالَ: " أَحْسَنت يَا عَائِشَة " وَمَا عَابَ عَليّ فقد قَالَ فِي الْهدى قَالَ
стр. 94
شَيخنَا ابْن تَيْمِية: وَهَذَا بَاطِل، مَا كَانَت أم الْمُؤمنِينَ لتخالف رَسُول الله [ ﷺ ] وَجَمِيع أَصْحَابه فَتُصَلِّي خلاف صلَاتهم، وَكَذَا حَدِيث " كَانَ [ ﷺ ] يقصر فِي السّفر وَيتم، وَيفْطر ويصوم، وَقد كذبه شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، كَمَا فِي شرح الْمُنْتَقى وسبل السَّلَام نقلا عَن الْهدى، وَكَذَا حَدِيث " لَا تقصرُوا الصَّلَاة فِي أقل من أَرْبَعَة برد من مَكَّة إِلَى عسفان " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد ضَعِيف من رِوَايَة عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد وَهُوَ مَتْرُوك نسبه الثَّوْريّ إِلَى الْكَذِب، وَقَالَ الْأَزْدِيّ: لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ وَهُوَ مُنْقَطع أَيْضا؛ لِأَنَّهُ لم يسمع من أَبِيه. قَالَ فِي نيل الأوطار وَقد لَاحَ من مَجْمُوع مَا ذكرنَا رُجْحَان الْقبُول بِالْوُجُوب، وَأما دَعْوَى أَن التَّمام أفضل فمدفوعة بملازمته [ ﷺ ] للقصر فِي جَمِيع أَسْفَاره وَعدم صُدُور التَّمام عَنهُ كَمَا تقدم. وَيبعد أَن يلازم [ ﷺ ] طول عمره على الْمَفْضُول ويدع الْأَفْضَل أه.
وَأما مَسَافَة الْقصر فَأحْسن مَا اطْمَأَن إِلَيْهِ قلبِي هُوَ مَا ذكر الإِمَام ابْن حزم فِي كِتَابه الْمحلى، قَالَ ﵀ بَعْدَمَا ذكر أقوالا كَثِيرَة جدا عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء، قَالَ الله . ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ وَقَالَ عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس. " إِن الله فرض الصَّلَاة على لِسَان نبيه [ ﷺ ] فِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَلم يخص الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله [ ﷺ ] وَلَا الْمُسلمُونَ بأجمعهم سفرا من سفر، فَلَيْسَ لأحد أَن يَخُصُّهُ إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع مُتَيَقن، فَإِن قيل. بل لَا يقصر وَلَا يفْطر إِلَّا فِي سفر أجمع الْمُسلمُونَ على الْقصر فِيهِ وَالْفطر. قُلْنَا لَهُم، فَلَا تقصرُوا وَلَا تفطروا إِلَّا فِي حج أَو عمْرَة أَو جِهَاد، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلكُم، وَلَو قلتموه لكنتم قد خصصتم الْقُرْآن وَالسّنة بِلَا برهَان؛ وللزمكم فِي سَائِر الشَّرَائِع كلهَا أَن لَا تَأْخُذُوا فِي شَيْء مِنْهَا لَا بقرآن وَلَا بِسنة،
стр. 95
إِلَّا حَتَّى يجمع النَّاس على مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ مِنْهَا، وَفِي هَذَا هدم مذاهبكم كلهَا، بل فِيهِ الْخُرُوج عَن الْإِسْلَام، وَإِبَاحَة مُخَالفَة الله تَعَالَى وَرَسُوله [ ﷺ ] فِي الدّين كُله، إِلَّا حَتَّى يجمع النَّاس على شَيْء من ذَلِك، وَهَذَا نَفسه خُرُوج عَن الْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا الْحق فِي وجوب اتِّبَاع الْقُرْآن وَالسّنَن حَتَّى يَصح نَص أَو إِجْمَاع فِي شَيْء مِنْهَا أَنه مَخْصُوص أَو مَنْسُوخ فَيُوقف عِنْدَمَا صَحَّ من ذَلِك، فَإِنَّمَا بعث الله تَعَالَى نبيه [ ﷺ ] ليطاع، قَالَ تَعَالَى. ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله﴾ وَلم يَبْعَثهُ ليعصى حَتَّى يجمع النَّاس على طَاعَته قَالَ. السّفر هُوَ البروز عَن محلّة الْإِقَامَة، وَكَذَلِكَ الضَّرْب فِي الأَرْض، هَذَا الَّذِي لَا يَقُول أحد من أهل اللُّغَة الَّتِي بهَا خوطبنا وَبهَا نزل الْقُرْآن سَوَاء.
فَلَا يجوز أَن يخرج عَن هَذَا الحكم إِلَّا مَا صَحَّ النَّص بِإِخْرَاجِهِ، ثمَّ وجدنَا رَسُول الله [ ﷺ ] قد خرج إِلَى البقيع لدفن الْمَوْتَى، وَخرج إِلَى الفضاء للغائط وَالنَّاس مَعَه فَلم يقصروا وَلَا أفطروا، وَلَا أفطر وَلَا قصر، فَخرج هَذَا عَن أَن يُسمى سفرا، وَعَن أَن يكون لَهُ حكم السّفر، فَلم يجز لنا أَن نوقع اسْم سفر وَحكم سفر إِلَّا على مَا سَمَّاهُ من هُوَ حجَّة فِي اللُّغَة سفرا، فَلم نجد ذَلِك فِي أقل من (ميل) ، فقد روينَا عَن ابْن عمر أَنه قَالَ. " لَو خرجت ميلًا لقصرت الصَّلَاة " فأوقعنا اسْم السّفر وَحكم السّفر فِي الْفطر وَالْقصر على الْميل فَصَاعِدا، إِذْ لم نجد عَرَبيا وَلَا شريعياً عَالما أوقع على أقل مِنْهُ اسْم سفر، وَهَذَا برهَان صَحِيح، فَإِن قيل فَهَلا جعلتم الثَّلَاثَة أَمْيَال - كَمَا بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة - حدا للقصر وَالْفطر إِذْ لم تَجدوا عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قصر وَلَا أفطر فِي أقل من ذَلِك؟ قُلْنَا. وَلَا وجدنَا عَنهُ ﵇ منعا من الْفطر وَالْقصر فِي أقل من ذَلِك، بل وَجَدْنَاهُ ﵇ أوجب عَن ربه تَعَالَى الْفطر فِي السّفر مُطلقًا، وَجعل الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ مُطلقًا، فصح مَا قُلْنَا. وَللَّه تَعَالَى الْحَمد. والميل. هُوَ مَا سمي عِنْد الْعَرَب ميلًا، وَلَا يَقع ذَلِك فِي أقل من ألفي ذِرَاع أه.
стр. 96
فصل فِي ذكر إهمال أَكثر الْعلمَاء والمنتمين للسّنة لهَذِهِ الرُّخْصَة الجليلة وَهُوَ من عيوبهم
روى الإِمَام أَحْمد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان عَن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِن الله تَعَالَى يحب أَن تُؤْتى رخصه كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته " وَفِي رِوَايَة. " كَمَا يحب أَن تُؤْتى عَزَائِمه "، وروى النَّسَائِيّ عَنهُ [ ﷺ ] قَالَ: " إِن الله أمرنَا أَن نصلي رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر " وَثَبت أَنه [ ﷺ ] أخبرنَا أَنَّهَا - أَي صَلَاة الْقصر - " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ".
إِذا كَانَ كَذَلِك فَعجب جدا أَنَّك لَا تكَاد ترى عَالما وَلَا واعظا مِمَّن يجوبون الْبِلَاد، وَلَا مدرسا من هَؤُلَاءِ الرسميين أَو غَيرهم يحيي هَذِه السّنة الجليلة الجميلة، حَتَّى كَادَت تندثر وتندرس، وَلَو قُلْنَا إِن أهل الْأَزْهَر عَن الْعَمَل بِالسنةِ مبعدون، وَلها لَا يعْرفُونَ، بل هم عَنْهَا صادون، فَمَا لجَماعَة الشَّيْخ مَحْمُود السُّبْكِيّ بهَا لَا يعْملُونَ، وهم لَيْلًا وَنَهَارًا بِاتِّبَاع السّنة ينادون، وللعلماء المبتدعين والعوام يُحَاربُونَ؟
وَلَقَد حضر لدي بَعضهم، وَكَانُوا مسافرين أميالاً وبرداً فَأَمَرتهمْ بِالْقصرِ فَأَبَوا، فأسفت وَقلت: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون! وَمَا وَقع مِنْهُم ذَلِك إِلَّا لأَنهم فِي الْهدى النَّبَوِيّ مفرطون ومقصرون، وَعَن اقتناء كتب السّنة وعَلى الْأَقَل البُخَارِيّ وَمُسلم غافلون، بل لكتب الْحَوَاشِي والشروح يجمعُونَ، وفيهَا يذاكرون، وَكَانُوا إِذا ذَهَبُوا إِلَى الشَّيْخ ﵀ فِي أَيَّام الْجُمُعَات فَلَيْسَ لَهُم هم إِلَّا أَنهم ليده يقبلُونَ، وبثيابه يتمسحون، وَقد نبهتكم يَا إخْوَانِي لحبي فِيكُم فعساكم تتنبهون وتتفقهون، وبالسنة تَعْمَلُونَ.
стр. 97
وإنني لأكْثر ثنائي وعظيم شكري لجَماعَة أنصار السّنة، إِذْ مَا جَاءَنِي صَغِير مِنْهُم وَلَا كَبِير إِلَّا وَأرَاهُ محافظا على إحْيَاء هَذِه السّنة، غير مقصر فِي قبُولهَا وَتَعْلِيمهَا فَأكْثر الله من أمثالهم، وَلَكِنِّي أنكر عَلَيْهِم جدا حلق لحاهم، ويشتد نكيري وتغيظي عَلَيْهِم لإعراضهم وذهولهم عَن التَّطَوُّع بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي المعركة الفلسطينية لقتل الْيَهُود الَّذين هم: ﴿أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا﴾ والفتك بهم وَلَقَد كَانَ الْمَفْرُوض والمنتظر مِنْهُم أَن يَكُونُوا أول قَاتل وَأول قَتِيل وَأَشد من يتحمسون ويلتهبون نَارا قبل غَيرهم للدفاع عَن الْقبْلَة الأولى، ومسرى الرَّسُول وبلد الْأَنْبِيَاء، وَعَن دِمَاء وأعراض وأموال إخْوَانهمْ فِي الْإِسْلَام والأوطان عاملين قبل النَّاس فاهمين معنى ﴿وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر﴾ ، وَقَوله [ ﷺ ] : " الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره، وَلَا يكذبهُ وَلَا يُسلمهُ ".
يَا أنصار سنة مُحَمَّد. لقد كَانَ من واجبكم أَن تَكُونُوا أسبق النَّاس إِلَى هَذَا الْخَيْر الْعَظِيم. الشَّهَادَة فِي سَبِيل الله، وَأَن لَا يعرف النَّاس طَرِيق الذّهاب إِلَى ميادين الْقِتَال إِلَّا عَن طريقكم. لَا عَن طَرِيق من تعتقدون أَنهم أهل ضَلَالَة وبدعة، وَلَكنَّا وَيَا للأسف لم نجدكم إِلَّا أَبْطَأَ النَّاس ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا﴾ .
الْبَاب التَّاسِع عشر فِي بَيَان الْكَفَن الْمَشْرُوع، وذم الْعُلُوّ فِيهِ وَفضل صَلَاة الْجِنَازَة وَفِي بدعها ومنكراتها
أخرج الْجَمَاعَة إِلَّا ابْن مَاجَه: " أَن مُصعب بن عُمَيْر قتل يَوْم أحد وَلم يتْرك
стр. 98
إِلَّا نمرة فَكُنَّا إِذا غطينا بهَا رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ، وَإِذا غطينا رجلَيْهِ بدا رَأسه، فَأمرنَا رَسُول الله [ ﷺ ] أَن نغطي بهَا رَأسه ونجعل على رجلَيْهِ شَيْئا من الْإِذْخر ". فَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن الْوَاجِب فِي الْكَفَن ستر الْعَوْرَة فَقَط. وروى ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي قَتَادَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " إِذا ولى أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه " وَرِجَاله ثِقَات، وَرِوَايَة أَحْمد وَمُسلم: " إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه " قَالَ الْعلمَاء: لَيْسَ المُرَاد بِإِحْسَان الْكَفَن الْإِسْرَاف والغلو فِيهِ، وَإِنَّمَا المُرَاد نظافته ونقاؤه وكثافته وستره، وَأَن يكون وسطا، وَأَن لَا يكون حَقِيرًا، وَأَن يكون أَبيض لما رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " ألبسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا من خير ثيابكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم ".
وَقَالَ الصّديق ﵁: " اغسلوا ثوبي هَذَا وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فكفنوني فِيهَا، إِن الْحَيّ أَحَق بالجديد من الْمَيِّت، إِنَّمَا هُوَ للمهلة " مُخْتَصر من البُخَارِيّ.
وروى الْجَمَاعَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كفن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة جدد يَمَانِية، لَيْسَ فِيهِ قَمِيص وَلَا عِمَامَة، أدرج فِيهَا إدراجا ".
فصل
وَقد تغالى النَّاس فِي ذَلِك غلواً فَاحِشا لَا يتَّفق مَعَ الْعقل وَلَا مَعَ الدّين، مَعَ فَقرهمْ وضنك عيشهم، وَسُوء حَالهم، يَمُوت الْمَيِّت فيهرع أَهله إِلَى الْبَقِيَّة الحقيرة
стр. 99
الَّتِي بقيت لصبيته وأرامله، فينفقونها على الجوخة والقطنية، ويتداينون أَو يبيعون أَو يرهنون شَيْئا من تركته، ثمَّ يتركون نِسَاءَهُ وَعِيَاله يشحذون ويتضورون جوعا وَلَا يفكرون فِيمَا يقاسيه هَؤُلَاءِ البؤساء من الشَّقَاء والضياع، على أَن الَّذين فعلوا هَذِه الفعلة الشنعاء فِي مَال هَؤُلَاءِ التعساء، لَا ترق قُلُوبهم عَلَيْهِم يَوْمًا فيعاونونهم وَلَو بالتافه من المَال، كَمَا كَانُوا أبخل النَّاس وأشحهم بمساعدة هَذَا الْمَيِّت فِي أَيَّام مَرضه الطَّوِيلَة.
وَهَؤُلَاء مَا فعلوا ذَلِك ابْتِغَاء رضوَان الله، وَإِنَّمَا فَعَلُوهُ للفخر والرياء والسمعة، وليقال: كَانَ صفة كفن فلَان كَذَا وَكَذَا، وليدفعوا عَن أنفسهم بزعمهم سوء السمعة، وَطعن النَّاس فِي أعراضهم، على أَن هَذَا الْمَيِّت عَاشَ طول حَيَاته لم يلبس وَلم يَأْكُل إِلَّا الدون المهين، عَاشَ وَمَات حافيا عَارِيا جائعا.
وَمن السخافة والبرود والسماجة، أَنهم يظهرون طرف الْكَفَن من سَرِير الْمَيِّت عِنْد سيرهم إِلَى الْجَبانَة، وأشنع من هَذَا وأفحش أَنهم يخرقون هَذَا الْكَفَن الغالي بالسكين مَخَافَة سطو لصوص الْمَقَابِر على هَذَا الْمَيِّت فِي قَبره، فَهَل من سَوط يابسة، بل نعل ثَقيلَة تتسلط على رُءُوس هَؤُلَاءِ الأغفال حَتَّى ترد عَلَيْهِم عُقُولهمْ؟ .
يَا هَؤُلَاءِ: أَلا فاعلموا أَن هَذَا من أكبر الْكَبَائِر، وأفحش الجرائم، إِذْ فِيهِ مَعْصِيّة الله، وضياع الأسرة، هَذَا عين التبذير، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تبذر تبذيرا إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين وَكَانَ الشَّيْطَان لرَبه كفورا﴾ ، ﴿كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين﴾ ، ﴿وَأَن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار﴾ . ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي وَمن يحلل عَلَيْهِ غَضَبي فقد هوى وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾ فتوبوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا (عَسى ربكُم أَن
стр. 100
يكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ وَمن عَجِيب مَا حدث ببلدتنا الحوامدية أَن شَيخنَا أزهريا يحمل الشَّهَادَة المشئومة أَمر النَّاس أَن يضعوا حلي النِّسَاء مَعَهُنَّ فِي الأكفان يُعِيد بذلك فِي الْإِسْلَام سنة قدماء الوثنيين من المصريين واليونان، الَّذين كَانُوا يَعْتَقِدُونَ وجوب وضع قِطْعَة من الذَّهَب فِي فَم الْمَيِّت. وَيُقَال عَن الأروام: إِنَّهُم يضعون جَمِيع الْحلِيّ، وأفخر الملابس، ولعبه الَّتِي كَانَ يلْعَب بهَا، مَعَه فِي قَبره، فَأَرَادَ الشَّيْخ مُحَمَّد الْخَطِيب الْعَالم الْعَلامَة شيخ الحوامدية الْآن، أَن يعْمل الْمُسلمُونَ بِسنة الرّوم واليونان، لِأَنَّهَا سنة جميلَة فِي نظر الشَّيْخ الَّذِي اعْتَادَ أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ من غير وضوء، اللَّهُمَّ اهد شُيُوخنَا وأئمة أزهرنا ووفقهم. وروى البُخَارِيّ بِسَنَدِهِ عَن الْبَراء ﵁ أَنه قَالَ: " أمرنَا النَّبِي ( [ ﷺ ] ) بِسبع ونهانا عَن سبع، أمرنَا بِاتِّبَاع الْجَنَائِز، وعيادة الْمَرِيض، وَإجَابَة الدَّاعِي، وَنصر الْمَظْلُوم، وإبرار الْقسم، ورد السَّلَام، وتشميت الْعَاطِس. ونهانا عَن آنِية الْفضة، وَخَاتم الذَّهَب، وَالْحَرِير، والديباج، والقسي والإستبرق " وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) : " من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يُصَلِّي فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان - قيل: وَمَا القيرطان؟ - قَالَ: مثل الجبلين العظيمين " وروى البُخَارِيّ بالسند إِلَى نَافِع قَالَ: حدث ابْن عمر أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط فَقَالَ أَكثر - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَة - فصدقت عَائِشَة أَبَا هُرَيْرَة وَقَالَت: سَمِعت رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) يَقُوله، فَقَالَ ابْن عمر: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة.
стр. 101
فصل فِي صَلَاة الْجِنَازَة
وَكَانَ ( [ ﷺ ] ) إِذا شرع فِي الصَّلَاة قَرَأَ الْفَاتِحَة بعد التَّكْبِيرَة الأولى وَصَحَّ عَنهُ وَعَن أَصْحَابه أَنهم كَانُوا يكبرُونَ أَرْبعا وخمساً وستاً وَسبعا وَلَا مَانع يمْنَع من الْعَمَل بذلك أصلا، وروى مُسلم عَن عَوْف بن مَالك أَنه قَالَ: صلى رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول: " اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه، واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وأبدله دَارا خيرا من دَاره. وَأهلا خيرا من أَهله، وزوجا خيرا من زوجه، وَأدْخلهُ الْجنَّة وأعذه من عَذَاب الْقَبْر "، وَكَانَ يخرج من الصَّلَاة بتسليمتين، وروى مُسلم أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله "، وَورد " اقْرَءُوا على مَوْتَاكُم يس " وَهُوَ صَحِيح عَن طَائِفَة وَضَعِيف عِنْد أُخْرَى، وَأخرج بن أبي شيبَة والمروذي عَن جَابر بن زيد قَالَ: كَانَ يسْتَحبّ إِذا حضر الْمَيِّت أَن يقْرَأ عِنْده سُورَة الرَّعْد. فَإِن ذَلِك يُخَفف عَن الْمَيِّت، وَإنَّهُ أَهْون لقبضه، وأيسر لشأنه. وَالْمعْنَى فِي كل الْقِرَاءَة عِنْد خُرُوج الرّوح لَا غير يُوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) لما علم بِمَوْت النَّجَاشِيّ صَاحب الْحَبَشَة قَالَ لأَصْحَابه " اسْتَغْفرُوا لأخيكم " وَلم يقل لَهُم اقرأوا لَهُ سُورَة يس أَو الرَّحْمَن أَو تبَارك أَو الْفَاتِحَة أَو غير ذَلِك، وَمَعْلُوم أَن تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة غير جَائِز، فَلَمَّا لم يبين وَهُوَ الْمُرْسل ليبين علم قطعا أَن الْقِرَاءَة للأموات وَعَلَيْهِم غير جَائِزَة، وَلَا تنفعهم، فَصَارَت الْقِرَاءَة المتعارفة الْآن بِدعَة. كَيفَ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للعاملين - وَمَا هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين - إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين لينذر من كَانَ حَيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ ،
стр. 102
قَالَ الْحَافِظ ابْن كثير فِي تَفْسِيره هَذِه الْآيَة: أَي كَمَا لَا يحمل عَلَيْهِ وزر غَيره، كَذَلِك لَا يحصل من الْأجر إِلَّا مَا كسب هُوَ لنَفسِهِ، وَمن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة استنبط الشَّافِعِي ﵀ وَمن اتبعهُ أَن الْقِرَاءَة لَا يصل إهداء ثَوَابهَا إِلَى الْمَوْتَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ من عَمَلهم وَلَا كسبهم، وَلِهَذَا لم ينْدب إِلَيْهِ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) أمته وَلَا حثهم عَلَيْهِ وَلَا أرشدهم إِلَيْهِ بِنَصّ وَلَا إِيمَاء، وَلم ينْقل ذَلِك عَن أحد من الصَّحَابَة ﵃ وَلَو كَانَ خيرا مَا سبقوا إِلَيْهِ، وَبَاب القربات يقْتَصر فِيهِ على النُّصُوص وَلَا يتَصَرَّف فِيهِ بأنواع الأقسية والأراء. فَأَما الدُّعَاء وَالصَّدَََقَة فَذَاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشَّارِع عَلَيْهِمَا، وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) " إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث، ولد صَالح يَدْعُو لَهُ، أَو صَدَقَة جَارِيَة من بعده، أَو علم ينْتَفع بِهِ "، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة فِي الْحَقِيقَة هِيَ من سَعْيه وكده وَعَمله، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: إِن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه، وَأَن وَلَده من كَسبه "، وَالصَّدَََقَة الْجَارِيَة كالوقف وَنَحْوه هِيَ من آثَار عمله وَوَقفه، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نحيي الْمَوْتَى ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ الْآيَة - وَالْعلم الَّذِي نشره فِي النَّاس فاقتدى بِهِ النَّاس من بعده هُوَ أَيْضا من سَعْيه وَعَمله، وَثَبت فِي الصَّحِيح " من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أجور من اتبعهُ من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا " أه.
وَالْقَوْل بنسخ هَذِه الْآيَة خطأ مَحْض كَمَا حَقَّقَهُ الشَّوْكَانِيّ فِي تَفْسِيره وَغَيره وَمَا يرْوى أَن الإِمَام أَحْمد قَالَ: إِذا دَخَلْتُم الْمَقَابِر فاقرأوا بِفَاتِحَة الْكتاب والمعوذتين وَقل هُوَ الله أحد وَاجْعَلُوا ثَوَاب ذَلِك لأهل الْمَقَابِر فَإِنَّهُ يصل إِلَيْهِم، لم يَصح أصلا، وَكَذَا رِوَايَة: من مر على الْمَقَابِر وَقَرَأَ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ إِحْدَى عشرَة مرّة ثمَّ وهب أجره للأموات أعطي من الْأجر عدد الْأَمْوَات "، بَاطِل
стр. 103
وَلَيْسَ من كَلَام النُّبُوَّة وَلَا من كَلَام أَصْحَاب النَّبِي قطعا.
وَمَا يرْوى عَن ابْن عَمْرو أَنه أوصى أَن يقْرَأ عِنْد رَأسه بِفَاتِحَة الْبَقَرَة وخاتمتها فَهَذَا لم يذكر فِي كتاب من الْكتب الْمُعْتَمدَة بل هُوَ فِي كتب الواهيات ككتاب تذكرة الْقُرْطُبِيّ، وَكم فِيهَا من أباطيل، وَإِن صَحَّ فَالْمُرَاد قرَاءَتهَا عِنْد احتضاره وَلم يَصح أصلا.
وَحَدِيث: " من دخل الْمَقَابِر فَقَرَأَ سُورَة يس خفف الله عَنْهُم " لَا أصل لَهُ فِي كتب السّنة، بل قَول الرَّسُول [ ﷺ ] فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ: " اقْرَءُوا سُورَة الْبَقَرَة فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تجعلوها قبوراً "، يدل على أَن الْقُبُور لَا يقْرَأ فِيهَا الْقُرْآن وَكَذَا حَدِيث: " مَا من عبد يمر بِقَبْر رجل كَانَ يعرفهُ فِي الدُّنْيَا فَيسلم عَلَيْهِ إِلَّا عرفه ورد ﵇ " وَرَوَاهُ الْخَطِيب وَابْن عَسَاكِر، قَالَ: " فَيسلم " وَلم يقل: فَيقْرَأ لَهُ.
وَمَا يرْوى عَن ابْن عَمْرو أَيْضا أَنه أَمر أَن يقْرَأ عِنْد قَبره سُورَة الْبَقَرَة فَهُوَ كَلَام لَيْسَ لَهُ سَنَد صَحِيح وَلَا ضَعِيف، وَقد قَالَ الإِمَام الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث فَكل هَذِه الْأَخْبَار والْآثَار شَاذَّة مُنكرَة مُخَالفَة لِلْأُصُولِ الْعَامَّة المقررة فِي الْقُرْآن الْمجِيد، وَمُخَالفَة أَيْضا لما كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي [ ﷺ ] طول حَيَاته هُوَ وَسَائِر أَصْحَابه وتابعيهم بِإِحْسَان. وَالْمَطْلُوب شرعا طَاعَة الرَّسُول [ ﷺ ] فِي قَوْله: " اسْتَغْفرُوا لأخيكم وسلوا لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل ". ذكره فِي زَوَائِد الْجَامِع عَن الْحَاكِم وَقد صرح الْقُرْآن بِالدُّعَاءِ للأموات قَالَ تَعَالَى ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ هَذَا هُوَ الْمَشْرُوع، لَا الْقِرَاءَة على الْمَقَابِر وَغَيرهَا. وَذَهَاب الْقُرَّاء إِلَى الْمَقَابِر خلف الْجَنَائِز للْقِرَاءَة برغيف أَو قرص أَو قِرْش خسة، عَظِيمَة، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ وَقَالَ: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار﴾ ، وَإِقَامَة السرادق وإنفاق الْأَمْوَال الباهظة على الفرشات
стр. 104
والأنوار والسجاير والقراء وَغير ذَلِك بِدعَة وإسراف. وأفظع من ذَلِك مَا أحدثوه الْآن من تِلَاوَة الْقُرْآن فِي مكبر الصَّوْت (الميكريفون) فِي مآتهم فزادوا فِي النَّفَقَات فِي الْإِسْرَاف، وأحدثوا سنة سَيِّئَة عَلَيْهِم وزرها وضررها ونارها، وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى لنَبيه: ﴿وَلَا تبذر تبذيرا إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين وَكَانَ الشَّيْطَان لرَبه كفورا﴾ وَفِي حَدِيث أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم: " إِن الله كره لكم ثَلَاثَة: قيل وَقَالَ، وَكَثْرَة السُّؤَال، وإضاعة المَال " والسبحة للْمَيت بِدعَة مذمومة حدثت فِي سنة ١٢٢٩. والعتاقة أَيْضا للْمَيت بِدعَة، وَقد تقدم أَن حَدِيث " من قَرَأَ قل هُوَ الله أحد ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من النَّار " مَوْضُوع وَمن أَرَادَ الْعتْق من النَّار فَلْيقل: " لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير " عشر مَرَّات يكن كمن أعتق أَرْبَعَة أنفس من ولد إِسْمَاعِيل رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقد كَانَ [ ﷺ ] يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر أَن يَقُولُوا: " السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة " رَوَاهُ البُخَارِيّ و " لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد " و " لعن الله زائرات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج " رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن إِلَّا ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم كَمَا فِي الْجَامِع وَصَححهُ.
فصل
إِن من أَشد الْعَيْب اللَّاحِق بالألوف من الْمُسلمين؛ أَنهم لَا يحسنون بل لَا يعْرفُونَ كَيْفيَّة صَلَاة الْجِنَازَة على سهولتها، وَلذَا تراهم يضعون الْمَيِّت عَن أَعْنَاقهم ثمَّ يدورون فِي الْبَلَد يبحثون عَن (الفقي) ليُصَلِّي لَهُم على ميتهم. وتقاعد وتكاسل الكثيرين من أهل الْعلم عَن صلَاتهَا فَوت لفضل عَظِيم وَربح كَبِير،
стр. 105
وَقد أَخْبرنِي بعض الْمَشَايِخ الْكِبَار المنتمين للْعلم أَنه يتشاءم من صلَاتهَا، فَإنَّا لله! وَكثير من أدعية صَلَاة الْجِنَازَة الْمَوْجُود فِي متون وشروح وحواشي الْفُقَهَاء لَيْسَ لَهُ أصل فِي السّنة، وَإِنَّمَا هُوَ من مخترعاتهم فَاحْذَرُوهُ وَرفع أصوات بعض المتفيقهة عِنْد الصَّلَاة على الْمَيِّت بقوله: سُبْحَانَ من قهر عباده بِالْمَوْتِ، وَسُبْحَان الْوَاحِد الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت بِدعَة، وإحداث شرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا رَسُوله. وَرفع أَصْوَاتهم بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة جمَاعَة بعد التَّسْلِيم من صَلَاة الْجِنَازَة، وقراءتهم بعْدهَا آيَة ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ الْآيَة: بدعتان شنيعتان، وَقَوْلهمْ مَا تَشْهَدُون فِيهِ؟ وإجابتهم لهَذَا الْقَائِل بقَوْلهمْ: صَالح، وَرُبمَا كَانَ تَارِكًا للصَّلَاة أَو شاربا للخمر، أَو فاسقاُ فَاجِرًا فحاشاً - كَمَا شاهدنا ذَلِك مرَارًا، وَمَا زلنا نشاهده وَلم نقدر على إِنْكَاره إِلَّا قَلِيلا - زور وكبيرة من الْكَبَائِر وبدعة مُنكرَة ضَلَالَة، وَقد سمع رَسُول الله [ ﷺ ] أم الْعَلَاء وَهِي تَقول فِي عُثْمَان ابْن مَظْعُون لما توفّي ببيتها " رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك لقد أكرمك الله فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ فَقَالَت بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله، فَمن يُكرمهُ الله؟ فَقَالَ: أما وَالله لقد جَاءَهُ الْيَقِين، وَالله إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر، وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي، قَالَت: فوَاللَّه لَا أزكي أحدا بعده أبدا " والقصة فِي البُخَارِيّ ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ .
وَصَلَاة الْجِنَازَة كل لَيْلَة على من مَاتَ من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْيَوْم بِدعَة مُنكرَة وتلقين الْمَيِّت ورد فِيهِ حَدِيث ضعفه فِي أَسْنَى المطالب، وَابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَابْن الْقيم والعراقي وَابْن حجر، وَصَاحب سبل السَّلَام، بل عد الْعَمَل بِهِ بِدعَة لِأَنَّهُ بَالغ فِي تَضْعِيفه وَالذكر خلف الْجِنَازَة بالجلاله أَو الْبردَة أَو الدَّلَائِل أَو الْأَسْمَاء الْحسنى كُله لم يشرع، بل يجب أَن يمْنَع، وَفِي قفا صَاحبه يصفع وبعرض الْحَائِط يدْفع، إِذْ لَيْسَ من عمل الشَّفِيع المشفع [ ﷺ ] وعَلى من بسنته استكفى واستقنع. وَالذكر حول سَرِير الْمَيِّت قبل دَفنه، كَمَا يَفْعَله أغفال الْفُقَرَاء جهل
стр. 106
وبدعة فِي الدّين. وَالطّواف بِالْمَيتِ حول أضرحة الْأَوْلِيَاء. بِدعَة وثنية مُنكرَة وشنيعة.
واعتقادهم أَن الْمَيِّت حَال السّير بِهِ إِلَى الْجَبانَة يثقل أَو يخف على الحاملين أَو يسْرع فِي مشيته أَو يبطئ أَو يتَأَخَّر لأجل عِيَاله أَو أحد أَقَاربه أَو غير ذَلِك، تغفيل كَبِير، وَجَهل بِالدّينِ شنيع، وضلال عَن هدى الرَّسُول فظيع، نسْأَل الله السَّلَام. واعتقادهم أَن سُؤال الْقَبْر يكون بالسرياني. هَكَذَا: أطره أطرح كَارِه سالحين بَاطِل وزور، وَإِثْبَات هَذَا فِي كتب المؤلفين من أكبر الْكبر وأعجب الْعجب فَلَا تلْتَفت أَيهَا الْمُسلم إِلَى هَذَا الْجَهْل والضلال مِمَّن يَقُول: وَمن عَجِيب مَا ترى العينان أَن سُؤال الْقَبْر بالسريان. فابصق عَلَيْهِ وَأعْرض عَنهُ، وتوكل على الله، فَإِنَّهُ من وَحي الشَّيْطَان، وَإِلَيْك حَدِيث البُخَارِيّ قَالَ [ ﷺ ] : " إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه وَإنَّهُ ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا، أَتَاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ؛ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا النَّبِي مُحَمَّد؟ فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار، أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة، قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق فَيَقُول: لَا أَدْرِي، كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فِيهِ، فَيُقَال: لَا دَريت وَلَا تليت، ثمَّ يضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنه فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن ".
فصل فِي ذكر دُخُول الْمَقَابِر
فِي صَحِيح مُسلم عَن بُرَيْدَة قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يعلمهُمْ
стр. 107
إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر أَن يَقُول قَائِلهمْ: السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة " وَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَن عَائِشَة أَنَّهَا فقدت النَّبِي [ ﷺ ] فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ فَقَالَ: " السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، أَنْتُم لنا فرط وَإِنَّا بكم لاحقون، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم وَلَا تفتنا بعدهمْ " أهـ من الوابل الصيب، وَفِي الْأَذْكَار: وروينا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: مر رَسُول الله [ ﷺ ] بقبور الْمَدِينَة فَأقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فقاله: " السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور يغْفر الله لنا وَلكم وَأَنْتُم سلفنا وَنحن بالأثر "، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن.
فصل فِي بدع زِيَارَة الْقُبُور وَتَحْرِيم رَفعهَا وَبِنَاء القباب عَلَيْهَا
أما قراءتهم آيَة ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله﴾ الْآيَة عِنْد قبر رَسُول الله، فَهَذَا ضلال، لِأَن ذَلِك كَانَ فِي حَيَاته [ ﷺ ] وَأما بعد مماته بِأبي هُوَ وَأمي [ ﷺ ] فَلم يفعل هَذَا أحد من الصَّحَابَة وَلَا غَيرهم، وَالَّذِي يَحْكِي أَنه فعل ذَلِك رجل أَعْرَابِي وحكايته غير صَحِيحَة وموضوعة، وَإِن صحت فقد خالفها سَائِر الصَّحَابَة الَّذين هم أعلم النَّاس بِمَا يُحِبهُ [ ﷺ ] وَهُوَ طول حَيَاته يَقُول وَيعلم مَا قدمْنَاهُ فالاقتصار عَلَيْهِ هُوَ الدّين وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ ابتداع مَرْدُود. وَكَذَا قَوْلهم: السَّلَام عَلَيْك يَا ولي الله، الْفَاتِحَة زِيَادَة فِي شرف النَّبِي [ ﷺ ] وَالْأَرْبَعَة الأقطاب والأنجاب والأوتاد وَحَملَة الْكتاب والأغواث وَأَصْحَاب السلسلة وَأَصْحَاب التصريف والمدركين بالكون وَسَائِر أَوْلِيَاء الله على الْعُمُوم كَافَّة جمعا يَا حَيّ يَا قيوم؛ وَيقْرَأ الْفَاتِحَة وَيمْسَح وَجهه بيدَيْهِ وينصرف بظهره - لَا شكّ أَن هَذَا
стр. 108
كُله بدع ضلالات شركيات دميمات قبيحات. وتقبيل الْقَبْر وَالطّواف بِهِ، والتمسح بِهِ؛ والتبرك بِهِ وبترابه والانحناء عِنْده، كُله من فعل أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى، وَلَا يقبل الْإِسْلَام مِنْهُ شَيْئا أصلا. وَقَول المتدروشين الوافدين إِلَى المدن كالقاهرة وطنطا والإسكندرية؛ لزيارة قُبُور من بهَا من الْأَوْلِيَاء والأموات عِنْد دُخُولهمْ وَعند إِرَادَة الأوبة إِلَى بِلَادهمْ: الْفَاتِحَة لجَمِيع سكان هَذِه الْبَلدة سَيِّدي فلَان وسيدي فلَان ويسميهم وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهِم وَيُشِير وَيمْسَح كُله بدع وَهُوَ من فعل من لَا يعْقلُونَ عَن الله وَرَسُوله شَيْئا، وسفرهم هَذَا غير مَشْرُوع، وَمَا ينفقونه على ذَلِك لَا شكّ أَنهم محاسبون عَلَيْهِ حسابا عسيراً
فصل
اعْلَم أخي هَدَانِي الله وَإِيَّاك ووفقنا لفهم حقائق شريعتنا الغراء - أَن بِنَاء القباب على قُبُور الْمَشَايِخ، وَعمل التوابيت، وكسوتها بالأحمر والأخضر من غالي الأقمشة ونفيسها، وَعمل المقاصير النّحاس المفضضة والمذهبة وَتَعْلِيق الْقَنَادِيل والمصابيح عَلَيْهَا، وتنسيق الزينات على الْحِيطَان وَكِتَابَة الْآيَات القرآنية عَلَيْهَا، أَو اسْم المقبور، أَو الأبيات الشعرية للإشادة بِذكر الْمَيِّت، وَكَذَا بِنَاء الْمَسَاجِد عَلَيْهَا - لَا شكّ أَنه من اشتداد غضب الله على هَذِه الْأمة، ولعنها وطردها من رَحمته. وَلَا ريب أَن هَذَا من أكبر الْكَبَائِر فِي الْإِسْلَام، وأفحش الْمعاصِي الَّتِي يظنّ كثير من الطغام والجهلة والعوام أَنَّهَا من أفضل القربات، وَأعظم وَأجل الطَّاعَات، وإليكم بعض الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك، عساكم بهَا تؤمنون، ولمغزاها السَّامِي تفهمون وعَلى مقتضاها تَعْمَلُونَ.
وَلَكِن لمن أَقُول، وَلمن أكتب حقائق دين حنيف سهل سمح؟ لمن ضلت عُقُولهمْ، وسفهت أحلامهم، لمن أكتب لمن ذلت نُفُوسهم؟ ومسخت
стр. 109
قُلُوبهم، وَاسْتَحَبُّوا الْعَمى على الْهدى، وَالْعَذَاب بالمغفرة، واستبدلوا الجنات الْعَالِيَة بالنَّار الحامية، ورضوان الله بغضبه وانتقامه، كَيفَ أكتب لأمم وشعوب رَضوا بِأَن يَكُونُوا أقل النَّاس. وأحقر النَّاس، وأرذل وأحط النَّاس؟ باعوا سيادتهم، وَبَاعُوا عزتهم وكرامتهم، وَبَاعُوا علوهم ورفعتهم، وَبَاعُوا تراث مُحَمَّد [ ﷺ ] ، وكل مَا ترك من ملك وعروش، وَقُوَّة ودولة، وَدين وَدُنْيا، وإدارة ورئاسة وسيادة، وشهامة وشجاعة، وأنفة، وحصافة، وكياسة.
إِلَّا أَنه لَا بُد من القَوْل، وَفرض علينا أَن نقُول ونقول ونكتب ونكتب وَلَا نزال نكتب من غير ملل آملين العودة وَالرُّجُوع إِلَى الله نادمين تَائِبين معتقدين أَن الله الَّذِي يحيى الأَرْض بعد مَوتهَا، الَّذِي يبْعَث من فِي الْقُبُور قَادر على أَن يحيينا بَعْدَمَا أماتنا، لنرفع راية الْإِسْلَام عالية. ونعيد مَجدنَا الْقَدِيم.
وَهَذِه أَدِلَّة تَحْرِيم بِنَاء القباب. وَرفع الْقُبُور، وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا، وَبينا أَنَّهَا من الْكَبَائِر، وَوُجُوب هدمها:
(١) لقد بعث رَسُول الله [ ﷺ ] عَليّ بن أبي طَالب؛ وَأمره أَن لَا يدع تمثالا إِلَّا طمسه، وَلَا قبرا مشرفا إِلَّا سواهُ بِالْأَرْضِ. وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن أبي الْهياج الْأَسدي قَالَ: قَالَ لي عَليّ بن أبي طَالب ﵁. " أَلا أَبْعَثك على مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] أَن لَا تدع تمثالا إِلَّا طمسته، وَلَا قبرا مشرفاً إِلَّا سويته ".
(٢) وَفِي والصحيحين أَن أم سَلمَة ذكرت لرَسُول الله [ ﷺ ] كَنِيسَة رأتها بِأَرْض الْحَبَشَة. وَذكرت لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا من الصُّور، فَقَالَ [ ﷺ ] : " أُولَئِكَ قوم إِذا مَاتَ فيهم العَبْد الصَّالح أَو الرجل الصَّالح بنوا على قَبره مَسْجِدا وصوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّور، أُولَئِكَ شرار الْخلق عِنْد الله ".
(٣) وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جُنْدُب قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] قبل مَوته يَقُول: " أَلا وَإِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يتخذون قُبُور أَنْبِيَائهمْ
стр. 110
مَسَاجِد أَفلا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنَّمَا نهاكم عَن ذَلِك ".
(٤) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ وَهُوَ فِي سَكَرَات الْمَوْت: " لعنة الله على الْيَهُود وَالنَّصَارَى، اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد "، يحذر مَا صَنَعُوا. وَفِي لفظ: " قَاتل الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى، اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد ".
(٥) وَأخرج أَحْمد فِي مُسْنده أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " من شرار النَّاس من تُدْرِكهُمْ السَّاعَة وهم أَحيَاء، وَالَّذين يتخذون الْقُبُور مَسَاجِد ".
(٦) وَأخرج أَحْمد وَأهل السّنَن مَرْفُوعا " لعن الله زائرات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج ".
(٧) وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَغَيرهمَا عَن جَابر قَالَ: " نهى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يجصص الْقَبْر، وَأَن يبْنى عَلَيْهِ، وَأَن يُوطأ " وَفِي رِوَايَة: " وَأَن يكْتب عَلَيْهِ ".
ثمَّ هَذِه الأضرحة، هَل هِيَ قُبُور أموات، أَو هِيَ نصب للترصيع والتهاويل والزخارف والزينات؟ وَقد قَالَ [ ﷺ ] : " لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيداً - لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وثنا - اللَّهُمَّ لَا تجْعَل قَبْرِي وثنا يعبد "، فلماذا ننفق عَلَيْهَا هَذِه النَّفَقَات الباهظة الْمُحرمَة، مصاريف الْقبَّة والتابوت، والأقمشة والبسط المعظمة الثمينة والمصابيح والأنوار والزخرفة. تبلغ حوالي ألف جنيه لشيخ وَاحِد؛ لَهُ فِي نظر النَّاس شَيْء من المكانة. فَانْظُر بِاللَّه وفكر، كم قبَّة وَكم تَابُوت فِي كل بلد من بِلَاد الْمُسلمين؟ فبالله عَلَيْكُم. أَلَيْسَ حفظ هَذِه الْأَمْوَال الطائلة أَنْفَع للبلاد والعباد؟ أَو لَيْسَ إنفاقها فِي عمل الأسلحة الَّتِي نستطيع أَن نفتك بهَا
следующие страницы →