← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6886

قطر الولي على حديث الولي = ولاية الله والطريق إليها

الشوكاني

Полный текст (308 стр.). Показаны 281–308 · переход к 286.

стр. 281

ثمَّ يُقَال لَهُم: هَذِه الْأَدْعِيَة الَّتِي علَّم رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أمته فِي صلواتهم وليلهم ونهارهم وسفرهم وحضرهم، لَو رام الْعَالم جمعهَا متوناً لكَانَتْ فِي مُجَلد. وَقد كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَكثر النَّاس قيَاما وتضرعاً إِلَى ربه حَتَّى كَانَ فِي تَارَة يرفع كفيه حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ وَفِي تَارَة يرفعهما حَتَّى يسْقط الرِّدَاء عَن مَنْكِبَيْه، ثمَّ أخبرنَا بِمَا للداعي لرَبه من الْجَزَاء الجزيل، وَالثَّوَاب الْجَلِيل عُمُوما، وخصوصاً. هَل كَانَ لهَذَا فَائِدَة يتَبَيَّن أَثَرهَا أم لَا فَائِدَة، بل مَا خطّ فِي اللَّوْح فَهُوَ كَائِن لَا محَالة وَقع الدُّعَاء أم لم يَقع؟ ﴿﴾ . فَيُقَال لَهُم: يَا نوكي. أَنْتُم أعرف بِاللَّه سُبْحَانَهُ من رَسُوله [ ﷺ ] وَآله وَسلم حَتَّى يكون مَا فعله، وَمَا علمه أمته لَغوا ضائعاً لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا عَائِدَة؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم. ثمَّ يُقَال لَهُم: لَو كَانَ الْقَضَاء السَّابِق حتما لَا يتَحَوَّل، فَأَي فَائِدَة فِي استعاذته [ ﷺ ] وَآله وَسلم من سوء الْقَضَاء، كَمَا صَحَّ ذَلِك عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَصَحَّ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: وقني شَرّ مَا قضيت. فيا لله الْعجب من دعاوي عريضة من قُلُوب مهيضة، وأفهام مَرِيضَة. يَا لكم الويل، أما تَدْرُونَ فِي أَي بلية وَقَعْتُمْ، وعَلى أَي جنب سَقَطْتُمْ، وَمن أَي بَاب من الشَّرِيعَة خَرجْتُمْ؟﴾ ! فَإِنَّكُم لم تعملوا بشرع وَلَا اهْتَدَيْتُمْ بعقل. وَقد كَانَ لكم قدوة وأسوة برَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وبكتاب الله الْمنزل عَلَيْهِ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر الصَّحَابَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة [الَّتِي]

стр. 282

نَحن بصددها كعمر بن الْخطاب. وَعبد الله بن مَسْعُود، وَأبي وَائِل، وأمثالهم من أكَابِر الصَّحَابَة الَّذين صَحَّ عَنْهُم أَنهم كَانُوا يسْأَلُون الله سُبْحَانَهُ أَن يثبتهم فِي ديوَان السَّعَادَة وَأَن ينقلهم من ديوَان الشقاوة إِن كَانُوا فِيهَا، إِلَى ديوَان السَّعَادَة كَمَا قدمنَا. وَللَّه در كَعْب الْأَحْبَار، فَإِنَّهُ قَالَ لما طعن عمر ﵁: " وَالله لَو دَعَا عمر أَن يُؤَخر الله أَجله لأخره " فَقيل لَهُ: إِن الله يَقُول: ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَقَالَ: هَذَا إِذا حضر الْأَجَل، فَأَما قبل ذَلِك فَيجوز أَن يُزَاد وَينْقص " وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾ . وَكَلَامه هَذَا يرشد إِلَى الْجمع الَّذِي جمعناه كَمَا عرفت، ولنقتصر على هَذَا الْمِقْدَار فِي تَقْرِير الْمُقدمَة الَّتِي قدمنَا أَنه يظْهر بهَا مَا سنذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْمقَام، بعد أَن تعقبنا جَمِيع تِلْكَ التأويلات الْمَذْكُورَة فِي التَّرَدُّد الَّذِي وَقع فِي الحَدِيث الْقُدسِي. فَنَقُول الْآن: إِن ذَلِك التَّرَدُّد هُوَ كِنَايَة عَن محبَّة الله لعَبْدِهِ الْمُؤمن أَن يَأْتِي بِسَبَب من الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لخلوصه من الْمَرَض الَّذِي وَقع فِيهِ حَتَّى يطول بِهِ عمره، من دُعَاء أَو صلَة رحم، أَو صَدَقَة، فَإِن فعل مد لَهُ فِي عمره

стр. 283

بِمَا [يَشَاء] ، وتقتضيه حكمته. وَإِن لم يفعل حَتَّى جَاءَ أَجله، وحضره الْمَوْت مَاتَ بأجله الَّذِي قد قضى عَلَيْهِ إِذا لم يتسبب بِسَبَب يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الفسحة لَهُ فِي عمره، مَعَ أَنه وَإِن فعل مَا يُوجب التَّأْخِير، والخلوص من الْأَجَل الأول، فَهُوَ لَا بُد لَهُ من الْمَوْت بعد انْقِضَاء تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي وَهبهَا الله سُبْحَانَهُ لَهُ. فَكَانَ هَذَا التَّرَدُّد مَعْنَاهُ: انْتِظَار مَا يَأْتِي بِهِ العَبْد مِمَّا يَقْتَضِي تَأْخِير الْأَجَل أَو لَا يَأْتِي، فَيَمُوت بالأجل الأول، وَهَذَا معنى صَحِيح لَا يرد عَلَيْهِ إِشْكَال، وَلَا يمْتَنع فِي حَقه سُبْحَانَهُ بِحَال، مَعَ أَنه سُبْحَانَهُ يعلم أَن العَبْد سيفعل ذَلِك السَّبَب، أَو لَا يَفْعَله، لكنه لَا يَقع التَّنْجِيز لذَلِك الْمُسَبّب إِلَّا بِحُصُول السَّبَب الَّذِي ربطه بِهِ. كَرَاهَة الْمَوْت ومقام الْولَايَة: قَوْله: " يكره الْمَوْت وأكره إساءته " قَالَ ابْن حجر: " وَفِي حَدِيث عَائِشَة: أَنه يكره الْمَوْت وَأَنا أكره مساءته. زَاد ابْن مخلد عَن ابْن كَرَامَة فِي آخِره: " وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ " وَوَقعت هَذِه الزِّيَادَة أَيْضا فِي حَدِيث وهب " انْتهى.

стр. 284

فِيهِ فَائِدَة جليلة هِيَ أَن الْمُؤمن قد يكره الْمَوْت وَلَا يخرج بذلك عَن رُتْبَة الْإِيمَان الجليلة، وَلَا يُنَافِي ذَلِك أَن شَأْن الْمُؤمن أَن يحب لِقَاء الله سُبْحَانَهُ، كَمَا ورد فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لوُقُوع الْبَيَان فِيهَا بِأَن محبَّة لِقَاء الله لَا نستلزم أَن لَا يكره صَاحب هَذِه الْمحبَّة الْمَوْت، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (من أحب لِقَاء الله، أحب الله لقاءه، وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه فَقلت يَا نَبِي الله أكراهية الْمَوْت فكلنا نكره الْمَوْت؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الْمُؤمن إِذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لِقَاء الله فَأحب الله لقاءه، وَأَن الْكَافِر إِذا بشر بِعَذَاب الله وَسخطه كره لِقَاء الله، وَكره الله لقاءه ". وَأخرج أَحْمد بِرِجَال الصَّحِيح وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه، وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه، قُلْنَا يَا رَسُول الله: كلنا نكره الْمَوْت. قَالَ: لَيْسَ ذَاك كَرَاهِيَة الْمَوْت، وَلَكِن الْمُؤمن إِذا حضر جَاءَهُ البشير من الله فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يكون قد لَقِي الله فَأحب الله لقاءه، وَإِن الْفَاجِر وَالْكَافِر إِذا حضر جَاءَهُ مَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من الشَّرّ، أَو مَا يلقى من الشَّرّ، فكره لِقَاء الله فكره الله لقاءه ".

стр. 285

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: قَالَ الله: إِذا أحب عَبدِي لقائي أَحْبَبْت لقاءه، وَإِذا كره لقائي كرهت لقاءه " وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " تحفة الْمُؤمن الْمَوْت ". وَأخرج أَحْمد من رِوَايَة عبد الله ابْن [زَجْر] من حَدِيث معَاذ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِن شِئْتُم أنبأتكم مَا أول مَا يَقُول الله للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة، وَمَا أول مَا يَقُولُونَ لَهُ قُلْنَا: نعم يَا رَسُول الله قَالَ: إِن الله يَقُول للْمُؤْمِنين: هَل أَحْبَبْتُم لقائي، فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا، فَيَقُول لَهُم: لم؟ فَيَقُولُونَ: رجونا عفوك ومغفرتك فَيَقُول: قد وَجَبت لكم مغفرتي ". قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَأسْندَ الْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد عَن الْجُنَيْد سيد الطَّائِفَة قَالَ: الْكَرَاهَة هُنَا لما يقلى الْمُؤمن من الْمَوْت، وصعوبته وكربه وَلَيْسَ الْمَعْنى أنس أكره لَهُ الْمَوْت لِأَن الْمَوْت يُورِدهُ إِلَى رَحْمَة الله ومغفرته " انْتهى. أَقُول: ظَاهر الْأَحَادِيث الَّتِي قدمناها: أَن الْكَرَاهَة لنَفس الْمَوْت الَّذِي هُوَ انْتِقَال من الدَّار الأولى إِلَى الدَّار الْآخِرَة من غير حَاجَة إِلَى تَأْوِيل. وَلَا شكّ أَن الْكَرَاهَة للْمَوْت قد تكون لاستصعاب مقدماته، وَقد تكون لما فِي الْمَوْت من مُفَارقَة الْأَهْل وَالْولد وَالْأَصْحَاب والأتراب، وَقد تكون للخوف من أَن يُفَارق الدُّنْيَا وَهُوَ غير رَاض من نَفسه بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَة، أَو لذنوب اقترفها لم

стр. 286

يخلص التَّوْبَة عَنْهَا، أَو لحقوق لله سُبْحَانَهُ، أَو لِعِبَادِهِ لم يتَخَلَّص عَنْهَا، فَلَيْسَتْ كَرَاهَة الْمَوْت مُخْتَصَّة بذلك الْوَجْه الَّذِي ذكره الْجُنَيْد ﵀. قَالَ فِي الْفَتْح: " وَعبر بَعضهم عَن هَذَا بِأَن الْمَوْت حتم مقضي، وَهُوَ مُفَارقَة الرّوح الْجَسَد، وَلَا يحصل غَالِبا إِلَّا بألم [شَدِيد] جدا كَمَا جَاءَ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه سُئِلَ وَهُوَ يَمُوت فَقَالَ: كَأَنِّي أتنفس من خرم إبرة، وَكَأن غُصْن شوك يجر بِهِ من قامتي إِلَى هامتي " انْتهى. قلت: هَذَا هُوَ مثل كَلَام الْجُنَيْد. وَالْجَوَاب عَنهُ جَوَاب عَن هَذَا، وقصة عَمْرو هَذِه مَشْهُورَة فِي كتب التَّارِيخ، قَالَ لَهُ رجل وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ: إِنَّك كنت تَقول لنا: وددت أَن يُخْبِرنِي رجل عَاقل [و] هُوَ فِي سِيَاق الْمَوْت كَيفَ يجد الْمَوْت فَقَالَ لَهُ رجل: أَنْت ذَلِك الرجل الْعَاقِل فَأخْبرنَا فَقَالَ: " كَأَنِّي أتنفس الخ "، قَالَ فِي الْفَتْح: " وَعَن كَعْب أَن عمر سَأَلَهُ عَن الْمَوْت فوصفه بِنَحْوِ هَذَا، فَلَمَّا كَانَ الْمَوْت بِهَذَا الْوَصْف وَالله سُبْحَانَهُ يكره [أَذَى] الْمُؤمن أطلق على ذَلِك الْكَرَاهَة. وَيحْتَمل أَن تكون المساءة بِالنِّسْبَةِ إِلَى طول الْحَيَاة لِأَنَّهَا تُؤدِّي إِلَى أرذل الْعُمر وتنكس الْخلق وَالرَّدّ إِلَى أَسْفَل سافلين " انْتهى. أَقُول: معنى قَوْله وأكره إساءته كَرَاهَة إساءته بِنَفس الْمَوْت كَمَا يفِيدهُ قَوْله يكره الْمَوْت، فَإِن قَوْله وأكره إساءته هُوَ مَعْطُوف عَلَيْهِ، فَالْمُرَاد أكره إساءته بِمَا

стр. 287

كرهه. وَتَخْصِيص التَّفْسِير بِوَجْه مَعَ وضوح الْمَعْنى لَا حَاجَة إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك شَيْء حَتَّى يُصَار إِلَى التَّأْوِيل، وعَلى فرض وجود مُقْتَض للتأويل، فَهُوَ ذُو وُجُوه كَمَا بَينا، وَغير مَا تطابق عَلَيْهِ قَول الْجُنَيْد وَكَعب وَالْمُصَنّف [وَهُوَ] أولى مِنْهُ. قَالَ فِي الْفَتْح: " وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون المُرَاد أَنه يكره الْمَوْت فَلَا أسْرع بِقَبض روحه فَأَكُون كالمتردد " انْتهى. أَقُول: هَذَا صَوَاب إِذْ لَا مُقْتَضى للتأويل كَمَا عرفناك. قَالَ فِي الْفَتْح: " وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفضل: فِي هَذَا الحَدِيث، عظم قدر الْوَلِيّ، لكَونه خرج عَن تَدْبِير نَفسه إِلَى تَدْبِير ربه تَعَالَى، وَمن انتصاره لنَفسِهِ إِلَى انتصار الله لَهُ، وَعَن حوله وقوته بِصدق توكله. قَالَ: وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن لَا يحكم لإِنْسَان آذَى وليا ثمَّ لم يعاجل بمصيبة فِي نَفسه أَو مَاله أَو وَلَده، بِأَنَّهُ يسلم من انتقام الله تَعَالَى لَهُ: فقد يكون مصيبته فِي غير ذَلِك مِمَّا هُوَ أشبه عَلَيْهِ كالمصيبة فِي الدّين مثلا.

стр. 288

قَالَ: وَيدخل فِي قَوْله: افترضت عَلَيْهِ الْفَرَائِض الظَّاهِرَة فعلا، كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا من الْعِبَادَات. وتركا كَالزِّنَا وَالْقَتْل وَغَيرهمَا من الْمُحرمَات، والباطنة كَالْعلمِ بِاللَّه تَعَالَى وَالْحب لَهُ والتوكل عَلَيْهِ، وَالْخَوْف مِنْهُ وَغير ذَلِك. وَهُوَ يَنْقَسِم أَيْضا إِلَى أَفعَال وتروك. الْوَلِيّ وَمَعْرِفَة الغيبيات: قَالَ: وَفِيه دلَالَة على جَوَاز اطلَاع الْوَلِيّ على المغيبات باطلاع الله تَعَالَى وإياه، وَلَا يمْنَع من ذَلِك ظَاهر قَوْله: ﴿عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ فَإِنَّهُ لَا يمْنَع دُخُول بعض أَتْبَاعه مَعَه بالتبعية لصدق قَوْلنَا: مَا دخل على الْملك الْيَوْم إِلَّا الْوَزير. وَمن الْمَعْلُوم أَنه دخل مَعَه بعض خدمه. قلت: الْوَصْف الْمُسْتَثْنى للرسول هُنَا إِن كَانَ فِيمَا يتَعَلَّق بِخُصُوص كَونه رَسُولا فَلَا مُشَاركَة لأحد من أَتْبَاعه فِيهِ إِلَّا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيحْتَمل مَا قَالَ، وَالْعلم عِنْد الله " انْتهى. أَقُول: أما قَوْله: فِي هَذَا الحَدِيث عظم قدر الْوَلِيّ فَلَا شكّ فِي ذَلِك لِأَن الله سُبْحَانَهُ قد أحبه وَكَانَ سَمعه وبصره وَيَده وَرجله، ووعده بِأَنَّهُ إِذا سَأَلَهُ أعطَاهُ، وَإِذا استعاذه أَعَاذَهُ. وَأما قَوْله: " لكَونه خرج من تَدْبيره الخ " فَإِن أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيل أَن

стр. 289

الْوَلِيّ فِي الْوَاقِع كَذَلِك فَصَحِيح. وَإِن أَرَادَ أَن فِي الحَدِيث الْقُدسِي دلَالَة على هَذِه الْعلَّة فَلَا، فَإِنَّهُ لم يذكر ذَلِك فِيهِ إِلَّا أَن يُرِيد أَن فِي قَوْله: كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ إِلَى آخِره، مَا يدل على أَنه بذلك قد صَار فِي تَدْبِير من صَار سَمعه وبصره الخ. وَهُوَ الرب ، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا الْخُرُوج من فعل الْوَلِيّ حَتَّى يكون ذَلِك عِلّة لتعظيم قدره، فَإِن ذَلِك من فعل الله سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الَّذِي جازى الْوَلِيّ بالمحبة وَكَانَ سَمعه وبصره الخ، هُوَ من جملَة مَا جوزي بِهِ الْوَلِيّ فَلَا يَصح أَن يكون عِلّة للمجازاة. وَأما قَوْله " وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن لَا يحكم لإِنْسَان آذَى وليا الخ ". فَلَعَلَّهُ يُرِيد أَنه سُبْحَانَهُ لما آذن من يعادي الْوَلِيّ بِالْحَرْبِ كَانَ ذَلِك وَاقعا لَا محَالة إِمَّا معجلا، أَو مُؤَجّلا، فِي النَّفس أَو فِي المَال أَو فِي الْوَلَد. فَإِن كل ذَلِك يصدق عَلَيْهِ أَنه من حَرْب الله لذَلِك المعادي للْوَلِيّ. وَأما قَوْله: وَيدخل فِي قَوْله: " افترضت عَلَيْهِ: الْفَرَائِض الظَّاهِرَة الخ " فقد أوضحنا هَذَا عِنْد كلامنا على قَوْله: " وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِ " بأوضح بَيَان فأرجع إِلَيْهِ. وَأما قَوْله: " وَفِيه دلَالَة على جَوَاز اطلَاع الْوَلِيّ على المغيبات باطلاع الله تَعَالَى إِيَّاه الخ " فَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْله: " كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ. . الخ ". فَإِن من كَانَ الله سُبْحَانَهُ سَمعه وبصره لَا مَانع من اطِّلَاعه على بعض [أسراره] الإلهية وَلَا سِيمَا بعد بَيَان هَذَا بقوله: فَبِي يسمع، وَبِي يبصر،

стр. 290

وَبِي يبطش، وَبِي يمشي، وَقد أطلنا الْكَلَام على هَذَا فِيمَا سبق، وبيناه أكمل بَيَان وَذكرنَا مَا يُعَضِّدُ ذَلِك من الْأَدِلَّة. وَأما قَوْله: " وَلَا يمْنَع من ذَلِك ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ فَإِنَّهُ لَا يمْنَع أحدا من دُخُول بعض أَتْبَاعه مَعَه بالتبعية الخ. فَأَقُول: هَذَا صَحِيح، فَإِن الله سُبْحَانَهُ قد أطلع على مَا يَشَاء من غيبه من يرتضيه من رسله كَمَا تفيده هَذِه الْآيَة: وَلم يمْنَع الرَّسُول من إِظْهَار مَا أطلعه عَلَيْهِ على بعض خواصه من أَتْبَاعه: وَقد وَقع مِنْهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم ذَلِك فِي غير قَضِيَّة كاطلاعه حُذَيْفَة

стр. 291

على أهل النِّفَاق ومعرفته بهم. واطلاعه لَهُ أَيْضا على بعض الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة خُصُوصا أُمُور الْفِتَن الَّتِي حدثت بعد رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، فَإِنَّهُ كَانَ بهَا خَبِيرا، وَكَانَ يسْأَل عَنْهَا فيجيب كسؤال عمر لَهُ الثَّابِت فِي الصَّحِيح، وإخباره لَهُ بِأَن بَينه وَبَينهَا بَابا، فَقَالَ عمر لَهُ: أيكسر أم يفتح؟ فَقَالَ: بلَى يكسر، ففهم عمر ﵁ أَنه الْبَاب وَأَنه يقتل. فَهَذَا وَأَمْثَاله هُوَ من عِنْد الله سُبْحَانَهُ. وَمن ذَلِك: قَول عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره: " وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة إِنَّه لعهد النَّبِي الْأُمِّي أَن لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق ". وَمن ذَلِك قَضِيَّة المُخْدَج الَّذِي قتل من الْخَوَارِج فِي يَوْم النهروان وَأمرهمْ عَليّ أَن

стр. 292

يبحثوا عَنهُ فَلم يجدوه، فَقَامَ فَوَجَدَهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبِيدَةَ السَّلمَانِي آللَّهُ إِنَّه لعهد النَّبِي إِلَيْك قَالَ: نعم. بل ثَبت فِي الصَّحِيح " أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَامَ مقَاما فَمَا ترك شَيْئا من الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة حَتَّى أخْبرهُم بِهِ حفظه من حفظه، ونسيه من نَسيَه ". وَذكر كل قَائِد من قواد الْفِتَن، وَأخْبر جمَاعَة من الصَّحَابَة كَأبي ذَر، وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا بِشَيْء من الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة، كَمَا ذكره أهل الحَدِيث وَالسير والتاريخ. وكما قَالَ لعبد الله بن عَبَّاس، لما وصل إِلَيْهِ بِابْنِهِ عَليّ ليبرك عَلَيْهِ: خُذ إِلَيْك أَبَا الْأَمْلَاك، فَكَانَ أول من ملك من أَوْلَاده السفاح عبد الله بن مُحَمَّد

стр. 293

ابْن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس، ثمَّ ملك بعده أَخُوهُ الْمَنْصُور، ثمَّ أَوْلَاده من خلفاء بني الْعَبَّاس، وَكَانَت لَهُم تِلْكَ الدولة الطَّوِيلَة. بل كَانَ لَدَى أَوْلَاد عَليّ بن أبي طَالب من الْأَخْبَار الْمُتَعَلّقَة بالدول مَا هُوَ مَعْرُوف، وَكَانَ الإِمَام الباقر وَالْإِمَام الصَّادِق يخبران خواصهم بِالْوَقْتِ الَّذِي تنْتَقل فِيهِ الدولة من بني أُميَّة إِلَى بني هَاشم. بل كَانَ عِنْد بني أُميَّة من دولتهم أَخْبَار منقولة فِي كتب التَّارِيخ، وَكَانَ الْعَارِف بهَا مسلمة بن عبد الْملك بن مَرْوَان. وَمن أعجب مَا روى عَنهُ أَنهم اجْتَمعُوا فِي أَيَّام دولتهم فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد الْخَاصَّة بهم، فَصَارَ مسلمة بن عبد الْملك يُحَدِّثهُمْ بالأمور الَّتِي يكون بهَا زَوَال دولتهم، وبينما هُوَ يذكر لَهُم قيام أبي مُسلم بِظُهُور الدولة الهاشمية بخراسان، صَادف فِي ذَلِك الْوَقْت دُخُول رجل غَرِيب عَلَيْهِم ووقف يسمع الحَدِيث ومسلمة يُحَدِّثهُمْ عَن الْجَيْش الَّذِي يقدم من خُرَاسَان ويصل إِلَى الْعرَاق، وَتظهر دولة بني العباسية فَسَماهُ باسمه، وَقَالَ: هُوَ رجل اسْمه قَحْطَبَةَ ابْن شبيب صفته كَذَا، ثمَّ وَقعت عينه على ذَلِك الْغَرِيب، فَقَالَ كَأَنَّهُ هَذَا أَو

стр. 294

يشبه هَذَا، وَاسْتمرّ فِي حَدِيثه حَتَّى قَالَ: ثمَّ يهْلك بعد وُصُوله هُوَ وجيشه إِلَى الْعرَاق فِي دجلة أَو الْفُرَات، الشَّك مني. وَكَانَ ذَلِك الرجل الْغَرِيب الدَّاخِل عَلَيْهِم هُوَ قَحْطَبَةَ بن شبيب، فَلَمَّا سمع الحَدِيث انْخَنَسَ من بَينهم وَقصد خُرَاسَان، وَكَانَ هُوَ الْأَمِير الَّذِي أرْسلهُ أَبُو مُسلم إِلَى الْعرَاق، وطوى الممالك مَا بَين خُرَاسَان إِلَى الْعرَاق. وَلما وصلوا إِلَى النَّهر الَّذِي لَا يجاز مَعَه إِلَى الْعرَاق إِلَّا من القنطرة أَمر الْجَيْش أَن يتوقفوا إِلَى اللَّيْل ويجوزوا القنطرة، ثمَّ جمع خَواص الْجَيْش وكبارهم وَطلب مِنْهُم أَنهم يعقدون الْإِمَارَة بعده لِابْنِهِ حميد بن قَحْطَبَةَ إِذا عرض لَهُ الْمَوْت فَفَعَلُوا وَهُوَ قد ظن أَنه يكون هَلَاكه بِالْقَتْلِ فَدخل فِي غمار الْجَيْش كواحد مِنْهُم وأخفى نَفسه، وَركب فرسا من غَرَض الأفراس وَمَشى بهَا فِي الجسر، فازدحمت الْخَيل حَتَّى رمت بِهِ إِلَى النَّهر فَهَلَك، وَكَانَ فِي تَدْبيره تدميره. وَمن عجائب مَا ألْقى من هَذَا الْعلم على لِسَان رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه اجْتمع بَنو هَاشم من آل عَليّ وَآل الْعَبَّاس فِي بعض الْأَوْقَات فِي أَيَّام بني أُميَّة، فَبَايعُوا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن

стр. 295

أبي طَالب، فَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق لبَعض خواصه: إِن هَذَا يَعْنِي الْمَنْصُور الْعَبَّاس هُوَ الَّذِي يكون خَليفَة، وسيكون قتل من بَايَعْنَاهُ الْآن، يَعْنِي مُحَمَّد بن عبد الله الْمَذْكُور وَهُوَ الملقب بِالنَّفسِ الزكية على يَد جَيش الْمَنْصُور هَذَا. فَانْظُر إِلَى هَذَا الْعجب العجيب. وَمن ذَلِك مَا أخبر بِهِ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِيمَا صَحَّ عَنهُ فِي الصَّحِيح من خُرُوج التّرْك على بِلَاد الْإِسْلَام، وَذكر مَا يصدر مِنْهُم من أَخذ الْبِلَاد الإسلامية وَفتح مَدَائِن الْإِسْلَام، ثمَّ وَصفهم بأوصاف من جُمْلَتهَا أَن وُجُوههم كالمجان المطرقة، وَأَن نعَالهمْ الشّعْر، وَنَحْو ذَلِك من الْأَوْصَاف. فَخرج التّرْك الَّذين يُقَال لَهُم التتر، وفعلوا تِلْكَ الأفاعيل بِبِلَاد الْإِسْلَام، حَتَّى كَادُوا يستولون عَلَيْهَا جَمِيعًا، وَلم يبْق إِلَّا الْيَسِير مِنْهَا. وَكم يعد الْعَاد من ذَلِك فَإِنَّهُ كثير جدا، وَكله مُسْتَفَاد من الجناب النَّبَوِيّ، وَمن الْغَيْب الَّذِي أطلع الله رَسُوله عَلَيْهِ فَأطلع عَلَيْهِ من ارْتَضَاهُ من أَصْحَابه. وَقد قدمنَا حَدِيث: " إِن فِي هَذِه الْأمة محدَّثين، وَإِن مِنْهُم عمر " وَهُوَ

стр. 296

فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا هُوَ نوع من أَنْوَاع علم الْغَيْب. وَكَذَلِكَ ذكرنَا حَدِيث " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ يرى بِنور الله " وَهُوَ حَدِيث حسن كَمَا بَينا فِيمَا سلف. وَمن أغرب مَا نحكيه فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث أَن السرى السَّقْطي شيخ الْجُنَيْد أمره بِأَن يخرج يتَكَلَّم على النَّاس فَاعْتَذر مِنْهُ بِمَا فِي لِسَانه من العجمة، وبعدم صلاحيته لذَلِك، فعزم عَلَيْهِ أَن يخرج صبح تِلْكَ اللَّيْلَة يتَكَلَّم على النَّاس فِي الْجَامِع، فَكَأَنَّهُ نَادَى [مُنَاد] فِي النَّاس: بِأَن الْجُنَيْد سيتكلم على النَّاس عقب صَلَاة الفجرة فِي الْجَامِع، فَجَاءُوا إِلَيْهِ أَفْوَاجًا. وَكَانَ هَذَا أول كَرَامَة للجنيد، لِأَنَّهُ لم يطلع على مَا دَار بَينه وَبَين شَيْخه أحد، فَخرج وَوجد الْجَامِع [غاصا] بأَهْله فَلَمَّا قعد وَأَقْبلُوا إِلَيْهِ بأجمعهم، فبرز رجل وَسَأَلَهُ عَن معنى حَدِيث: " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن " فَأَطْرَقَ قَلِيلا ثمَّ قَالَ لَهُ: أسلم فقد آن لَك أَن تسلم، فَقَامَ وَجَثَا بَين يَدَيْهِ وَأسلم، وانكشف أَن ذَلِك الرجل من النَّصَارَى لما سمع أَخْبَار النَّاس بِأَن الْجُنَيْد سيتكلم فِي ذَلِك الْمحل فِي ذَلِك الْوَقْت لبس لبس الْمُسلمين وَدخل مَعَهم مختبراً لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، فَكَانَ فِي ذَلِك سعادته الأبدية.

стр. 297

وَبِهَذَا تعرف أَنه لَا حَاجَة إِلَى مَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو الْفضل فِي آخر كَلَامه من قَوْله: " لصدق قَوْلنَا مَا دخل على الْملك إِلَّا الْوَزير، وَمن الْمَعْلُوم أَنه قد دخل مَعَه بعض خدمه ". لِأَن مثل هَذَا التشغيل لَا يُؤْكَل بِهِ الْكَتف، وَلَا ينفع فِي مقَام النزاع. وَمرَاده أَن بعض أَتبَاع الرُّسُل قد يدْخل مَعَه كَمَا دخل أَتبَاع الْوَزير مَعَه فيطلعهم الله على الْغَيْب كَمَا أطلع عَلَيْهِ من ارتضى من رَسُول. وَهَذَا إِلْحَاق مَعَ فَارق أوضح من الشَّمْس، وَهُوَ كَونه رَسُولا، وَكَون الله ارْتَضَاهُ، وَلَا يُوجد ذَلِك فِي غير رَسُول. وَلَيْسَ النزاع فِي دُخُول أَتبَاع الرَّسُول [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي قَوْله: " إِلَّا من ارتضى من رَسُول "، فمعلوم أَنه لَا دُخُول لَهُم فِي ذَلِك، لَكِن النزاع فِي أَن الرَّسُول هَل لَهُ أَن يطلع غَيره من أَتْبَاعه على مَا أطلعه الله عَلَيْهِ من علم الْغَيْب أم لَا؟ فَنحْن نقُول: لَا نسلم قَول من قَالَ إِنَّه لَا يجوز لَهُ، ونسند هَذَا الْمَنْع بِمَا قدمنَا ذكره وبأمثاله مَا لم نذكرهُ. وَإِذا تبرعنا بالاستدلال على جَوَاز إطلاعه لبَعض أَتْبَاعه على مَا أطلعه الله عَلَيْهِ من علم الْغَيْب، فَنَقُول: عُمُوم قَوْله: " يأيها الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك ". وَلِهَذَا يَقُول الله : ﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَتقول عَائِشَة: " من زعم أَن مُحَمَّدًا كتم شَيْئا مِمَّا أوحاه الله إِلَيْهِ فقد أعظم على الله الْفِرْيَة " وَهُوَ فِي الصَّحِيح.

стр. 298

وَلَو سلمنَا تَخْصِيص ذَلِك بِمَا يَحْتَاجهُ النَّاس من علم الشَّرِيعَة، وَهَذَا لَا يحتاجونه لَكَانَ مَا قدمنَا ذكره من الْوَاقِعَات مِنْهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم من إطلاع بعض أَتْبَاعه على شَيْء من علم الْغَيْب دَلِيلا على أَن ذَلِك جَائِز. وَأما قَول ابْن حجر مستدركاً على أبي الْفضل بقوله: " قلت: الْوَصْف الْمُسْتَثْنى للرسول هُنَا إِن كَانَ فِيمَا يتَعَلَّق بِخُصُوص كَونه رَسُولا فَلَا مُشَاركَة لأحد من أَتْبَاعه فِيهِ إِلَّا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيحْتَمل مَا قَالَ وَالْعلم عِنْد الله " انْتهى. فَأَقُول: لَيْسَ المُرَاد إِلَّا الشق الأول، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول فَلَو لم يكن ذَلِك الْوَصْف الْمُسْتَثْنى مُتَعَلقا بِخُصُوص كَونه رَسُولا لكفى قَوْله: ﴿إِلَّا من ارتضى﴾ بِدُونِ قَوْله: " من رَسُول " فَلَا يتم مَا قَالَه فِي الشق الثَّانِي من قَوْله. وَإِلَّا فَيحْتَمل مَا قَالَ. نعم اقْتِصَار الشَّيْخ أَبُو الْفضل على مُجَرّد ذَلِك الْمِثَال، وموافقة ابْن حجر لَهُ بقوله، وَإِلَّا فَيحْتَمل مَا قَالَ إِن [أَرَادَ] أَن ذَلِك الْمِثَال. وَهَذَا الِاحْتِمَال فِي الْآيَة القرآنية. فقد عرفت اندفاع ذَلِك من الأَصْل، وَلَكِن كَانَ يَنْبَغِي لَهما أَن يحْتَجَّا لدُخُول بعض أَوْلِيَاء الله وصلحاء عباده فِي الظفر بِشَيْء من الْغَيْب الَّذِي اسْتَأْثر الله بِعَمَلِهِ بِمَا قدمنَا من قَوْله: " كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ الخ ". وَلَو فَرضنَا أَن دلَالَة هَذَا مَخْصُوصَة بقوله: لَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا

стр. 299

من ارتضى من رَسُول﴾ فَإِن هَذَا النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء مشعران أتم إِشْعَار باختصاص ذَلِك بِمن جمع بَين وصف كَونه مِمَّن ارْتَضَاهُ الله، وَوصف كَونه رَسُولا. وَالْوَلِيّ وَإِن كَانَ مِمَّن ارْتَضَاهُ الله، فَإِن وصف الْمحبَّة لَهُ يُفِيد كَونه مرتضى لله لكنه لَيْسَ برَسُول. نعم مَا قدمنَا من حَدِيث الْمُحدثين، وَأَن فِي هَذِه الْأمة مِنْهُم، وَأَن مِنْهُم عمر رَضِي الله [عَنهُ] يُفِيد أعظم إِفَادَة بِأَن وصف كَونه من الْمُحدثين طَرِيق إِلَى تلقي شَيْء من علم الْغَيْب ووصوله إِلَيْهِم، والْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَانْظُر إِلَى قَول عمر ﵁: " يَا سَارِيَة الْجَبَل " مَعَ كَونه فِي الْمَدِينَة يخْطب فِي منبرها وسارية وَمن مَعَه من الْمُسلمين فِي أقاصي بِلَاد الْعَجم فأطلعه الله على الْحَرْب الَّذِي هم فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ مشَاهد لَهُم، وأسمعهم الله صَوته فنفعهم بِهِ وسلموا من معرة الْكفَّار مَعَ أَن ذهنه فِي تِلْكَ الْحَالة كَانَ مَشْغُولًا بالخطابة الَّتِي هِيَ محتاجة إِلَى جمع الْفَهم عَلَيْهَا، وإفراغ الذِّهْن لَهَا، وَعدم الِاشْتِغَال بغَيْرهَا، لكَون ذَلِك فِي مجمع الصَّحَابَة ﵃ وهم أهل الفصاحة التَّامَّة والبلاغة الفائقة. فَانْظُر إِلَى مَا منح الله هَذَا الرجل من الْمَوَاهِب الْعَظِيمَة من كل بَاب: جعله خَليفَة الْمُسلمين وإمامهم ثمَّ فتح الله لَهُ أقطار الأَرْض، وَكَانَت دولته مثلا مَضْرُوبا لكل دولة جَامِعَة بَين كَمَال الحزم والورع، وَالْعَمَل بالشريعة الْوَاضِحَة

стр. 300

ثمَّ جعل لَهُ من المهابة فِي الصُّدُور مَالا تبلغ إِلَيْهِ المهابة لعادل، أَو جَائِر حَتَّى قَالَ النَّاس: إِن درته أهيب فِي الصُّدُور من سيف الْحجَّاج الَّذِي قتل من عباد الله ظلما وعدواناً نَحْو مائَة وَعشْرين ألفا. وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵁ يَقُول: " إِذا عوتب على قَول لم يقلهُ فِي أَيَّام عمر، أَو على فتيا لم يفت بهَا فِي زَمَانه: كَانَ عمر مهيباً فهبته " وَلَقَد صدق من قَالَ: " إِن سَعَادَة الْمُسلمين طويت فِي أكفان عمر " لِأَن مُعظم الْفتُوح الإسلامية فِيهَا ثمَّ حدث بعده مَا حدث من الِاخْتِلَاف الْعَظِيم فِي آخر أَيَّام الإِمَام الْمَظْلُوم الشَّهِيد [عُثْمَان] بن عَفَّان ﵁. وَمَا زَالَت من بعد قَتله سيوف الْمُسلمين مُخْتَلفَة، من بَعضهم على بعض إِلَى هَذِه الْغَايَة، وَأَنت إِذا كنت عَالما بأخبار النَّاس عَارِفًا بِمَا [اشْتَمَلت] عَلَيْهِ تواريخ أهل الْإِسْلَام لم تشك فِي هَذَا، وَلأَجل هَذِه المزايا العمرية قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁، لما رأى عمر فِي أَكْفَانه: " مَا أحب أَن ألْقى الله بِعَمَل رجل من النَّاس إِلَّا بِعَمَل هَذَا ". وَإِنَّمَا يعرف الْفضل لأهل الْفضل ذووا الْفضل. وَقد أخبرنَا الصَّادِق المصدوق بِأَن خلَافَة النُّبُوَّة بعده ثَلَاثُونَ عَاما، [فكملت] بخلافة الْحسن السبط ﵁.

стр. 301

وَهَذَا مِمَّا أَلْقَاهُ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم إِلَى أَصْحَابه من علم الْغَيْب فَلهُ مدْخل فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ على مَا نَحن بصدده. وَمن أخباره [ ﷺ ] وَآله وَسلم لأَصْحَابه ﵃ بِمَا هُوَ من علم الْغَيْب مِمَّا يتَعَلَّق بِهَذَا الإِمَام الْحسن السبط ﵁ قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِن ابْني هَذَا سيد، وسيصلح الله بِهِ بَين طائفتين من الْمُسلمين " فَكَانَ ذَلِك كَمَا أخبر بِهِ الصَّادِق المصدوق. وَبِالْجُمْلَةِ فالأخبار المتلقاة عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم من غيب الله كَثِيرَة جدا تشْتَمل عَلَيْهَا المؤلفات الْمُدَوَّنَة فِي معجزاته. تواضع الْوَلِيّ وَحَقِيقَته: وَاعْلَم أَنه قد اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي شرحناه على التَّوَاضُع لذكره لَهُ فِي بَاب التَّوَاضُع، فَمن جملَة مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة التَّوَاضُع. وَقد قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح عِنْد تَمام شَرحه لهَذَا الحَدِيث. " تَنْبِيه: أشكل وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي بَاب التَّوَاضُع حَتَّى قَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث من التَّوَاضُع فِي شَيْء. وَقَالَ بَعضهم: الْمُنَاسب إِدْخَاله فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَهُوَ مجاهدة الْمَرْء نَفسه فِي طَاعَة الله تَعَالَى. وَالْجَوَاب عَن البُخَارِيّ من أوجه: أَحدهَا: أَن التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بالنوافل لَا يكون إِلَّا بغاية التَّوَاضُع لله تَعَالَى والتذلل لَهُ. ذكره الْكرْمَانِي. وَثَانِيها: ذكره أَيْضا فَقَالَ: قيل: التَّرْجَمَة مستفادة مِمَّا قَالَ: كنت سَمعه، وَمن التَّرَدُّد. قلت: وَيخرج مِنْهُ جَوَاب ثَالِث، وَيظْهر لي رَابِع وَهُوَ أَنه يُسْتَفَاد من لَازم

стр. 302

قَوْله من عادى لي وليا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزّجر عَن معاداة الْأَوْلِيَاء المستلزم لموالاتهم. وموالاة جَمِيع الْأَوْلِيَاء لَا تتأتى إِلَّا بغاية التَّوَاضُع لله تَعَالَى والتذلل لَهُ، إِذْ مِنْهُم الْأَشْعَث الأغبر الَّذِي لَا يؤبه لَهُ. وَقد ورد فِي الْحَث على التَّوَاضُع عدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة، لَكِن لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا على شَرطه فاستغنى عَنْهَا بحديثي الْبَاب. مِنْهَا حَدِيث عِيَاض بن حمَار رَفعه: " إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد " أخرجه مُسلم، وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه " وَمَا تواضع أحد لله تَعَالَى إِلَّا رَفعه " أخرجه مُسلم أَيْضا وَالتِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا حَدِيث أبي سعيد رَفعه: " من تواضع لله رَفعه الله تَعَالَى حَتَّى يَجعله فِي أَعلَى عليين - الحَدِيث ". أخرجه ابْن مَاجَه وَصَححهُ ابْن حبَان " انْتهى. أَقُول: كثيرا مَا يَقع فِي أذهان كثير من الناظرين فِي البُخَارِيّ عدم الْمُطَابقَة بَين بعض تراجم الْأَبْوَاب، وَبَين مَا ذكره فِيهَا من الْأَحَادِيث، فَإِذا أعْطوا الْفَهم حَقه، وتدبروا كل التدبر، وجدوه قد عمد إِلَى معنى دَقِيق ومنزع لطيف من مُنَازع ذَلِك الحَدِيث فَجعله دَلِيلا على التَّرْجَمَة، وَإِذا لم يجد على شَرطه شَيْئا مِمَّا يصلح لذَلِك الْبَاب، جعل مُجَرّد تَرْجَمته إِشَارَة إِلَى ذَلِك الْخَبَر الَّذِي لم يكن على شَرطه.

стр. 303

وَقد منح الله هَذَا الرجل من صدق الْفَهم ونفوذ الذِّهْن مَا لم يكن لغيره من أذكياء الْعَالم. هَذَا مَعَ مَا وهب لَهُ من حفظ السّنة المطهرة والتمييز بَين صحيحها وسقيمها، وَاخْتِيَار مَا اخْتَارَهُ فِي كِتَابه من أصح الصَّحِيح حَتَّى سَمَّاهُ كثير من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن، أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، وَجعل الله سُبْحَانَهُ كِتَابه هَذَا ارْفَعْ مجاميع كتب السّنة المطهرة وأعلاها وَأَكْرمهَا عِنْد جمع الطوائف الإسلامية، وأجلها عِنْد كل أهل هَذِه الْملَّة. وصاروا فِي جَمِيع الديار إِذا دهمهم عَدو أَو أصيبوا بجدب يفزعون إِلَى قِرَاءَته فِي الْمَسَاجِد والتوسل إِلَى الله بالعكوف على قِرَاءَته لما جربوه قرنا بعد قرن وعصراً بعد عصر، من حُصُول النَّصْر وَالظفر على الْأَعْدَاء بالتوسل بِهِ، واستجلاب غيث السَّمَاء، واستدفاع كل الشرور بذلك، وَصَارَ هَذَا لديهم من أعظم الْوَسَائِل إِلَى الله سُبْحَانَهُ، وَهَذِه مزية عَظِيمَة، ومنقبة كَرِيمَة، وَلم يكن هَذَا لغير هَذَا الْكتاب من حسن الانتقاء، وسلامة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من قيل وَقَالَ. وَمن تعرض لشَيْء من ذَلِك أرْغم الله أَنفه بِمَا يرد عَلَيْهِ أهل الإتقان من الردود الَّتِي تدع اعتراضه هباء منثورا، وهشيما تَذْرُوهُ الرِّيَاح. وَقد كَانَ هَذَا الرجل فِي الْعِبَادَة على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا، والزهد فِي الدُّنْيَا بمزلة علية ورتبة رفيعة، وَتمّ الله لَهُ ذَلِك بِمَا امتحن بِهِ فِي آخر أَيَّامه من أَعدَاء الْعلمَاء العاملين، والمتجرئين على عباد الله الصَّالِحين حَتَّى مَاتَ كمداً، ﵀ ووفر عِنْده جزاءه فكوفئ فِي كِتَابه هَذَا بِهَذَا الْحَظ الْعَظِيم فِي الدُّنْيَا، ليتوفر فِي الْأُخْرَى بِمَا يصل إِلَيْهِ من الثَّوَاب الْحَاصِل من انْتِفَاع النَّاس بِهِ، فَإِن الْعلم الَّذِي ينْتَفع بِهِ هُوَ إِحْدَى الثَّلَاث الَّتِي يَدُوم للْمَيت ثَوَابهَا بعد انْقِطَاع كل شَيْء عَنهُ، كَمَا صَحَّ الحَدِيث بذلك الَّذِي أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ:

стр. 304

" قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث: صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ، أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ " وَأخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أبي قَتَادَة بِنَحْوِهِ. وَبِمَا ذكرنَا تعرف الْجَواب على مَا قَالَه الدَّاودِيّ إِجْمَالا. وَأما مَا حَكَاهُ ابْن حجر عَن الْكرْمَانِي من الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين. فَيُقَال على الأول: إِن كل الْعِبَادَات وَسَائِر الصَّلَوَات فرائضها ونوافلها هِيَ عبَادَة للرب. وَالْعَابِد متواضع للمعبود دَائِما خُصُوصا عِنْد الْعِبَادَة. فَمَا الْوَجْه لتقييد النَّوَافِل الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب بِقَيْد التَّوَاضُع مَعَ أَن غَيرهَا مثلهَا؟ . وَلِهَذَا ورد أَن الصَّلَوَات الْفَرَائِض وَغَيرهَا تَتَفَاوَت بتفاوت الْخُشُوع حَتَّى تكون لبَعض الْعباد صَلَاة كَامِلَة، ولبعضهم نصف صَلَاة ولبعضهم أقل من ذَلِك، كَمَا فِي الحَدِيث الْوَارِد فِي هَذَا الْمَعْنى. والخشوع لَا يتم إِلَّا بغاية الخضوع فَهَذِهِ خَاصَّة للعبادات، خُصُوصا الصَّلَوَات شَامِلَة لَا مُخْتَصَّة بِنَوْع مِنْهَا. وَكلهَا إِذا حصل الاستكثار من نوافلها حصلت للْعَبد الْمحبَّة من الرب فَيلْزم على هَذَا أَن الْعِبَادَات كلهَا يسْتَدلّ بهَا على التَّوَاضُع فِي جَمِيع الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي أَنْوَاعهَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره، بل مُجَرّد الْعُبُودِيَّة إِذا لم تكن على تواضع وخضوع فَلَيْسَتْ عبودية مُعْتَبرَة. وَأما الْوَجْه الثَّانِي فَمَا أبعده. فالرب سُبْحَانَهُ قد وصف نَفسه بِأَنَّهُ المتكبر

стр. 305

وَأَنه ذُو الْكِبْرِيَاء، وَأَنه ذُو الْجلَال، فَمَا أسمج بِأَن يُوصف بالتواضع مَعَ عَبده الحقير الذَّلِيل. قَالَ فِي الصِّحَاح: التَّوَاضُع: التذلل. فَانْظُر هَل يَصح إِطْلَاق التَّوَاضُع الَّذِي مَعْنَاهُ فِي هَذِه اللُّغَة الْعَرَبيَّة للتذلل على رب الْعَالم وخالق الْكل ورازقه ومحييه ومميته؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم. تَعَالَى قدرك وَجل إسمك، سُبْحَانَكَ مَا أعظم شَأْنك، سُبْحَانَكَ مَا أعز سلطانك. وَأما قَول ابْن حجر: قلت وَيخرج مِنْهُ جَوَاب ثَالِث، يُرِيد أَنه يخرج من التَّرَدُّد كَمَا خرج من قَوْله: " كنت سَمعه " وَهَذَا الَّذِي استخرجه مثل الْوَجْه الثَّانِي الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي. وَكِلَاهُمَا فِي غَايَة السُّقُوط وَنِهَايَة الْبطلَان. أما قَول ابْن حجر، وَيظْهر لي وَجه رَابِع إِلَى آخر كَلَامه، فَلَمَّا قَيده بِأَن يكون التَّوَاضُع لله سُبْحَانَهُ لم يبْق للْوَلِيّ مِنْهُ شَيْء. وَلَا مُوجب لذَلِك فَإِن تواضع الْعباد مَعَ بَعضهم الْبَعْض، هُوَ الَّذِي ندب الله إِلَيْهِ وَجَاءَت بِهِ الترغيبات الْكَثِيرَة. وَأما تواضع الْعباد مَعَ الرب سُبْحَانَهُ فهم أَحْقَر وَأَقل من أَن يتواضعوا لَهُ، وَإِن كَانَ ذَلِك من لَوَازِم الْعُبُودِيَّة. وَانْظُر فِي مِثَال هَذَا فِي الْأَحْوَال، فَإِنَّهُ يسمح أَن يُقَال: تواضع الرجل لسلطانه ولوالديه، لِأَن التَّوَاضُع هُوَ التذلل بعد التَّلَبُّس بضده، كَمَا تدل عَلَيْهِ صِيغَة التفعل مَعَ أَن ابْن حجر ذكر فِي أول هَذَا الْبَاب مَا لَفظه: " بَاب التَّوَاضُع بِضَم الْمُعْجَمَة مُشْتَقّ من الضعة بِكَسْر أَوله وَهِي التذلل والهوان. وَالْمرَاد بالتواضع:

стр. 306

إِظْهَار التذلل لمن يُرَاد تَعْظِيمه. وَقيل: هُوَ تَعْظِيم من فَوْقه لفضله " انْتهى. فَانْظُر هَل يَصح إِطْلَاقه على الرب على كلا الْمَعْنيين؟ . فَلَعَلَّهُ سهى عَن أول الْبَاب. وَأما تواضع الْعباد مَعَ بَعضهم الْبَعْض، فَهُوَ الممدوح المرغب فِيهِ كَمَا ذكره فِي الحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ فِي آخر الْبَحْث " إِن الله أوحى إِلَيّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد "، فَإِن المُرَاد تواضع الْعباد [لبَعْضهِم] الْبَعْض حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد. وَأما حَدِيث: " من تواضع لله رَفعه الله " الخ. فَالْمُرَاد تواضع لعباد الله لأجل الرب سُبْحَانَهُ امتثالاً لما أرشد إِلَيْهِ رَسُوله، أَو يكون المُرَاد بِهِ (التَّوَاضُع لكتابه ولسنة رَسُوله ولعلماء أمته وَلَا بُد من هَذَا فَإِن الله) أعظم وَأجل من أَن يتواضع لَهُ الْعباد، فَيكون معنى قَوْله من تواضع لله من تواضع لأجل الله . وَمن هَذَا الْقَبِيل من تصدق لله، من أحب لله، وَأبْغض لله. وَنَحْو ذَلِك كثير. وَإِذا عرفت هَذَا كَانَ هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره ابْن حجر أحسن مَا يحمل عَلَيْهِ تَرْجَمَة البُخَارِيّ، لَكِن بِدُونِ ذَلِك التقيد إِلَّا أَن يُرِيد هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَيكون

стр. 307

معنى قَوْله لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بغاية التَّوَاضُع لله، أَي لأَجله. وَقد وَردت أَحَادِيث فِي مَشْرُوعِيَّة التَّوَاضُع غير مَا ذكره المُصَنّف، مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيح، وَمِنْهَا مَا هُوَ حسن. وَورد فِي ذمّ التكبر الَّذِي هُوَ مُقَابل التَّوَاضُع أَحَادِيث صَحِيحَة، مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث حَارِثَة بن وهب قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار؟ كل عتل [جواظ] مستكبر ". وَمِنْهَا حَدِيث أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم وَغَيره قَالَا: " يَقُول الله : الْعِزّ إزَاره، والكبرياء رِدَاؤُهُ، فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهَا عَذبته ". وَمِنْهَا حَدِيث أبي سعيد عِنْد مُسلم قَالَ: " احتجت الْجنَّة وَالنَّار فَقَالَت النَّار فيَّ الجبارون والمتكبرون، وَقَالَت الْجنَّة فيَّ ضعفاء الْمُسلمين ومساكينهم " وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم، وَلَا ينظر إِلَيْهِم، وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: شيخ زَان، وَملك كَذَّاب وعائل مستكبر ". وَأخرجه الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث سلمَان. وَأخرج النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث ابْن عَمْرو، نَحوه وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر "، وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " بَيْنَمَا رجل

стр. 308

مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يجر إزَاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَأخرج نَحوه أَحْمد وَالْبَزَّار بِرِجَال الصَّحِيح من حَدِيث أبي سعيد. وَأخرج نَحوه الْبَزَّار بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات من حَدِيث جَابر. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " بَيْنَمَا رجل يمشي فِي حلَّة تعجبه نَفسه مُرَجِّلٌ: رَأسه يختال فِي مشيته إِذْ خسف الله بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عمر عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم " لَا ينظر الله إِلَى رجل جر ثَوْبه خُيَلَاء ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: من مَاتَ وَهُوَ بَرِيء من الْكبر والغلول وَالدّين دخل الْجنَّة. خَاتِمَة الشَّرْح وَإِلَى هُنَا انْتهى الشَّرْح للْحَدِيث الْقُدسِي فِي نَهَار الِاثْنَيْنِ لَيْلَة سَابِع شهر الْقعدَة من شهور سنة ١٢٣٩. بقلم مُؤَلفه " مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ غفر الله لَهما ".