← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6886

قطر الولي على حديث الولي = ولاية الله والطريق إليها

الشوكاني

Полный текст (308 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سُبْحَانَهُ الْمُعْطِي بِغَيْر حِسَاب المتفضل على عباده بِكُل جميل وغالب مَا يصل إِلَى الْعباد الَّذين لم تكن لَهُم مرتبَة الْولَايَة الْعُظْمَى بل الَّذين هم دونهَا بمراحل، بل الَّذين خلطوا على أنفسهم وَقصرُوا فِيمَا يجب عَلَيْهِم هُوَ من تفضلاته الجمة وتكرماته الفائضة من غير تقدم سُؤال. قلت: هَاهُنَا نُكْتَة عَظِيمَة وَفَائِدَة جليلة. وَهِي أَنهم إِذا أُعطوا بعد السُّؤَال وأُعيذوا بعد الِاسْتِعَاذَة عرفُوا أَن الله سُبْحَانَهُ قد أجَاب لَهُم الدُّعَاء وَتلك منقبة لَا تساويها منقبة ورتبة تتقاصر عَنْهَا كل رُتْبَة وَعند ذَلِك يحصل لَهُم من السرُور مَا لَا يقادر قدره وَيَكُونُونَ عِنْد هَذِه الْإِجَابَة أعظم سُرُورًا بهَا من الْعَطِيَّة وَإِن بلغت أعظم مبلغ فِي الْكَثْرَة والنفاسة. وَعند ذَلِك يستكثرون من أَعمال الْخَيْر ويبالغون فِي تَحْصِيلهَا لأَنهم قد عرفُوا مَا لَهُم عِنْد رَبهم حَيْثُ أجَاب دعاءهم ولبى نداءهم. وَأَيْضًا قد قدمنَا أَن الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة بل هُوَ مخ الْعِبَادَة فالإرشاد إِلَيْهِ إرشاد إِلَى عبَادَة جليلة تترتب عَلَيْهَا فَائِدَة جميلَة مَعَ مَا فِي ذَلِك من امْتِثَال الْأَمر الرباني حَيْثُ يَقُول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِلَى دعان﴾ . وَمَعَ مَا فِيهِ أَيْضا من خلوص عباده من الاستكبار على رَبهم الَّذِي ورد الْوَعيد عَلَيْهِ بقوله سُبْحَانَهُ ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ أَي دعائي كَمَا سبق بَيَانه.

стр. 247

فَكَانَت الْفَوَائِد ثَلَاثًا: الأولى: الظفر بالمرتبة الْعلية من كَونهم من [مُجَابِي] الدعْوَة. الثَّانِيَة: مَا فِي ذَلِك من الْعِبَادَة لله بدعائه. الثَّالِثَة: توقِّيهم لما خُوطِبَ بِهِ غَيرهم من المستكبرين عَن الدُّعَاء. وَمَعَ هَذَا فَلَا شكّ أَن بعض المسببات مربوطة بأسبابها فَمن العطايا مَا لَا يحصل للْعَبد إِلَّا بِسَبَب الدُّعَاء. فالولي وَإِن كَانَ فِي أَعلَى مَرَاتِب الْولَايَة لَا ينَال مَا قَيده الله بِسَبَب إِلَّا بِفعل ذَلِك السَّبَب فَكَانَ فِي الدُّعَاء من هَذِه الحثيثة فَائِدَة رَابِعَة لِأَن العَبْد لَا يَتَيَسَّر لَهُ أَن يقطع بوصول مَطْلُوب من مطالبه إِلَيْهِ حَتَّى يتْرك الدُّعَاء لرَبه بِأَن يوصله إِلَيْهِ. مقَام الْمحبَّة وَإجَابَة الدُّعَاء: قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَفِي الحَدِيث أَيْضا أَن من أَتَى بِمَا وَجب عَلَيْهِ، وتقرب بالنوافل لم يرد دعاؤه لوُجُود هَذَا الْوَعْد الصَّادِق الْمُؤَكّد بالقسم، وَقد تقدم الْجَواب عَمَّا يتَخَلَّف ". انْتهى. أَقُول: قد قدم ذكر استشكال مَا فِي الحَدِيث من الْوَعْد بالإجابة بِأَن جمَاعَة من الْعباد والصلحاء دعوا وبالغوا، وَلم يحابوا. ثمَّ ذكر ذَلِك الْجَواب الَّذِي قدمه وَقدمنَا الِاسْتِدْلَال على مَا ذكره فِي الْجَواب. وَكَانَ الأولى لَهُ أَن يقدم

стр. 248

مَا ذكره هُنَا على مَا ذكره هُنَاكَ حَتَّى يكون ذَلِك الاستشكال، لما أَفَادَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور هُنَا. وَأَقُول: هَذَا الحَدِيث مورده، هم أَوْلِيَاء الله الَّذين تقربُوا إِلَيْهِ بِمَا يحب حَتَّى أحبهم، وَهُوَ مُقْتَضى لإجابتهم لَا محَالة. وَلَا يرد عَلَيْهِ مَا أوردهُ من عدم إِجَابَة جمَاعَة من الْعباد والصلحاء، فَإِن هَذَا مقَام هُوَ أَعلَى من مقامهم، ومنزلة هِيَ أرفع من مَنْزِلَتهمْ، وَلَا مُلَازمَة بَين مقَام الْعِبَادَة وَالصَّلَاح، وَبَين مقَام الْمحبَّة، فَإِن الْعِبَادَة وَإِن كثرت وتنوعت قد تقع مِنْهُ الْموقع الْمُقْتَضى لمحبته، وَقد لَا [تقع] إِمَّا لكَونهَا مشوبة بشائبة تكدر صفوها وتمحق بركتها مِمَّا لَا يتعمده الْعباد، بل يصدر إِمَّا على طَرِيق التَّقْصِير فِي علم الشَّرِيعَة أَو التَّقْصِير فِي الخلوص الَّذِي يُوصل صَاحبه إِلَى محبَّة الرب . وَلَا حرج على قَائِل أَن يَقُول: إِن من بلغ إِلَى رُتْبَة الْمحبَّة، وَكَانَ الله سَمعه وبصره أَن يُجَاب لَهُ كل دُعَاء وَيحصل [بغيته] على حسب إِرَادَته. وَأي مَانع يمْنَع من هَذَا؟ ! . بل كل مَا يظنّ أَنه مَانع لَيْسَ بمانع شَرْعِي وَلَا عَقْلِي. وَوُجُود بعض أهل الْعِبَادَة على الصّفة الَّتِي ذكرهَا من كَونه دَعَا وَبَالغ وَلم يجب لَيْسَ ذَلِك إِلَّا لمَانع يرجع إِلَى نَفسه. وَلَا يكون الْمَانِع الرَّاجِع إِلَى نَفسه مَانِعا فِي حق من هُوَ أَعلَى مِنْهُ رُتْبَة وَأجل مِنْهُ مقَاما وأكبر مِنْهُ منزلَة. وَإِذا عرفت انْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يعْتد بِهِ فِي المانعية فقد وجد، هَاهُنَا الْمُقْتَضى

стр. 249

الَّذِي هُوَ أوضح من شمس النَّهَار، وَهُوَ وعد من لَا يخلف الميعاد. وَإِذا وجد الْمُقْتَضى وانتفى الْمَانِع حصل الْمَطْلُوب الَّذِي وجد مَا يَقْتَضِيهِ إعمالا لهَذَا الْمُقْتَضى الَّذِي ورد مؤكداً بإقسام الرب سُبْحَانَهُ. فَمَا أبعد مَا جَاءَ بِهِ المشككون فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي لَا يقبل التشكيك لَا شرعا وَلَا عقلا بل وَلَا عَادَة. فَإِن من اطلع على أَحْوَال أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ وَعرف مَا ذكره المؤرخون فِي أخبارهم، وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ تراجمهم وجد كل مَا توجهوا بِهِ إِلَى رَبهم حَاصِلا لَهُم فِي كل مطلب من المطالب كَائِنا مَا كَانَ. والمحروم من حرم ذَلِك. (وَكَيف ترى ليلى بِعَين ترى بهَا ... سواهَا وَمَا طهرتها بالمدامع) (وتلتذ مِنْهَا بِالْحَدِيثِ وَقد جرى ... حَدِيث سواهَا فِي خروت المسامع) (أَجلك ياليلى عَن الْعين إِنَّمَا ... أَرَاك بقلب خاشع لَك خاضع) أُولَئِكَ قوم لما دعوا أُجيبوا وَلما أَحبوا أُحِبُّوا، وَلما أَخلصوا استُخلِصوا صدقت مِنْهُم الضمائر، فصفت مِنْهُم السرائر، وصاروا صفوة الله فِي أرضه فَفَاضَتْ عَلَيْهِم أنواره، وامتلأت قُلُوبهم من معارفه. (أَلا إِن وَادي الْجزع أضحى ترايه ... من الْمس كافورا وأعواده رندا) (وَمَا ذَاك إِلَّا أَن هنداً عَشِيَّة ... تمشت وَجَرت فِي جوانبه بردا) فَلَا تجهد نَفسك فِي كشف حقائقهم، وذوق دقائقهم حَتَّى تتصل مِنْهُم بِسَبَب وتتمسك من هديهم بِطرف فلسان حَالهم ينشدك:

стр. 250

(وَكم سَائل عَن سر ليلى رَددته ... بعمياء من ليلى بِغَيْر يَقِين) (يَقُولُونَ: خبرنَا فَأَنت أمينها ... وَمَا أَنا إِن خبرتهم بأمين) فهم الْقَوْم الَّذين لَا يشقى جليسهم، وَلَا يستوحش أنيسهم. قد نالوا مطالبهم بِرَفْع أكفهم إِلَى خالقهم، لَا يَحْتَاجُونَ فِي حوائجهم إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا يعولون إِلَّا عَلَيْهِ. (ونبيت ليلى أرْسلت بشفاعة ... إِلَى فَهَلا نفس ليلى شفيعها) (أأكرم من ليلى على فترتجى ... بِهِ الْوَصْل أم كنت امْرأ لَا أطيعها؟) وَقَول ابْن حجر فِي كَلَامه الَّذِي نَقَلْنَاهُ هُنَا أَنه قد تقدم الْجَواب عَمَّا يتَخَلَّف. هُوَ كَلَام لَا حَاصِل لَهُ لِأَن الاستشكال الَّذِي قدمه، هُوَ على مَا يَقْضِيه الحَدِيث الْقُدسِي الَّذِي نَحن بصدد شَرحه. فَأجَاب عَن الْإِشْكَال بِمَا ذكره سَابِقًا من قَوْله: " وَالْجَوَاب أَن الْإِجَابَة تتنوع: فَتَارَة قد يَقع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه إِلَى آخر كَلَامه ". فَإِن كَانَ هَذَا الْجَواب مِنْهُ الَّذِي جعله متنوعا هُوَ عَمَّا أوردهُ من استشكال مَا فِي هَذَا الحَدِيث من قَوْله فِيهِ " إِن سَأَلَني لأعطينه وَلَئِن استعاذني لأعيذنه " فَكَلَامه هُنَا حَيْثُ قَالَ: إِن من أَتَى بِمَا وَجب عَلَيْهِ وتقرب بالنوافل لم يردهُ دعاؤه لوُجُود هَذَا الْوَعْد الصَّادِق الْمُؤَكّد بالقسم هُوَ كَلَام على ذَلِك اللَّفْظ الَّذِي أورد الْإِشْكَال عَلَيْهِ. ومجموع كلاميه هما فِي شرح ذَلِك اللَّفْظ. فَمَا معنى قَوْله: إِنَّه قد تقدم الْجَواب عَمَّا يتَخَلَّف؟ فَإِن كَانَ التَّخَلُّف وَغير التَّخَلُّف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيّ الَّذِي وعده الله بذلك الْوَعْد فقد تنَاقض كَلَامه.

стр. 251

وَإِن كَانَ مُرَاده أَنه قد يتَخَلَّف تَارَة وَيَقَع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه تَارَة فَكَلَامه السَّابِق قد تضمن هَذَا بل صرح بِهِ تَصْرِيحًا لَا يبْقى بعده ريب. فَمَا معنى تَكْرِير الْكَلَام بِمَا يُوهم أَن دُعَاء الْوَلِيّ لَا يرد على كل حَال؟ . مقَام الْمحبَّة ومداومة الدُّعَاء: ثمَّ قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَفِيه أَن العَبْد وَلَو بلغ أَعلَى الدَّرَجَات حَتَّى يكون محبوباً لله لَا يَنْقَطِع عَن الطّلب من الله تَعَالَى لما فِيهِ من الخضوع لَهُ وَإِظْهَار الْعُبُودِيَّة " انْتهى. أَقُول: إِذا كَانَ أَنْبيَاء الله [صلوَات الله تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِم] لَا ينقطعون عَن الطّلب من الله والرجاء لَهُ، وَالْخَوْف مِنْهُ حَتَّى قَالَ سيد ولد آدم ﷺ كَمَا صَحَّ عَنهُ: " وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم مَا يفعل بِي " مَعَ أَنه الَّذِي غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر. وَيَقُول كَمَا صَحَّ عَنهُ من شدَّة خَوفه من ربه. " لَو علمْتُم مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا، ولبكيتم كثيرا الحَدِيث الَّذِي تقدم " حَتَّى قَالَ فِي آخِره: " وددت أَنِّي شَجَرَة تعضد ".

стр. 252

فَإِذا كَانَ مقَام النُّبُوَّة الَّذِي هُوَ أَعلَى مقَام وَأَرْفَع رُتْبَة، وَلَيْسَ مقَام الْولَايَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ إِلَّا كمقام التَّابِع من الْمَتْبُوع وَالْخَادِم من المخدوم، فَكيف يحْتَاج أَن يُقَال إِنَّه لَا يَنْقَطِع عَن الطّلب من الله مَعَ انْتِفَاء الْعِصْمَة عَنهُ، وثبوتها لمن لم يَنْقَطِع عَن الطّلب من الله سُبْحَانَهُ. بلَى كَانَ نَبينَا " [ ﷺ ] " وَآله وَسلم مديما لدعاء ربه فِي جَمِيع أَحْوَاله مستمراً على طلب حَوَائِجه الدُّنْيَوِيَّة والأخروية من خالقه لَا يَعْتَرِيه ملل وَلَا يتَعَلَّق بِهِ كلل، وَله من الْعِبَادَة على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا مَا لَا يلْحقهُ بِهِ غَيره، وَلَا يطيقه سواهُ. فَكيف يَنْقَطِع الْوَلِيّ عَن الطّلب. فَإِنَّهُ إِن فعل ذَلِك كَانَ ممكوراً بِهِ، وَرجع عدوا لله بعد أَن كَانَ وليا لَهُ. وبغيضاً لَهُ بعد أَن كَانَ حبيباً لَهُ. اللَّهُمَّ أحسن عاقبتنا فِي الْأُمُور كلهَا، وأجرنا من خزي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة. وشأن كل عبد من عباد الله إِذا ازْدَادَ قرباً إِلَى الله وَصَارَ من المحبوبين لَهُ أَن يزْدَاد خضوعاً لَهُ وتضرعاً إِلَيْهِ، وتذللا وتمسكا وَعبادَة. وَكلما ارْتَفع عِنْد ربه دَرَجَة زَاد فِيمَا يُحِبهُ الله مِنْهُ دَرَجَات. هَذَا شَأْن الْعُبُودِيَّة. وَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ الْكَائِن فِيمَا بَين العَبْد وسيده فِي بني آدم فَكيف لَا يكون فِيمَا بَين العَبْد وخالقه ورازقه ومحييه ومميته. ضلال المدعين لرفع التَّكْلِيف: وَمَا أقبح مَا يحْكى عَن بعض المتلاعبين بِالدّينِ المدعين للتصوف أَنهم يَزْعمُونَ أَنهم وصلوا إِلَى رَبهم فَانْقَطَعت عَنْهُم التكاليف الشَّرْعِيَّة، وَخَرجُوا من جبل

стр. 253

الْمُسلمين الْمُؤمنِينَ، وَسقط عَنْهُم مَا كلف الله بِهِ الْعباد فِي هَذِه الدَّار. فَإِذا صَحَّ هَذَا. فَمَا يَقُوله أحد من أَوْلِيَاء الرَّحْمَن، بل يَقُوله أَوْلِيَاء الشَّيْطَان لأَنهم خَرجُوا إِلَى حزبه وصاروا من جملَة أَتْبَاعه. فالعجب لهَؤُلَاء المغرورين، فَإِنَّهُم رفعوا أنفسهم عَن طبقَة الْأَنْبِيَاء وطبقة الْمَلَائِكَة. فَإِن الْأَنْبِيَاء حَالهم كَمَا عرفناك من إدامة الْعِبَادَة لله فِي كل حَال، والازدياد من التقربات المقربة إِلَى الله حَتَّى تَوَفَّاهُم الله تَعَالَى. وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم كَمَا وَردت بذلك الْأَدِلَّة لَا ينفكون عَن الْعِبَادَة لله وَصَارَت أذكاره سُبْحَانَهُ من التَّسْبِيح والتهليل هِيَ زادهم الَّذِي يعيشون بِهِ وغذاؤهم الَّذِي يتغذون بِهِ. فحاشا لأولياء الله سُبْحَانَهُ أَن يَقع من أحقرهم فِي هَذِه الْمرتبَة الْعَظِيمَة وأدناهم فِي هَذَا المنصب الْجَلِيل هَذَا الزَّعْم الْبَاطِل، وَالدَّعْوَى الشيطانية، وَإِنَّمَا ذَلِك الشَّيْطَان سوَّل لجَماعَة من أَتْبَاعه ومُطِيعِيه واستزلهم، وأخرجهم من حزب الله إِلَى حزبه وَمن طَاعَة الله إِلَى طَاعَته، وَمن ولَايَة الله سُبْحَانَهُ إِلَى ولَايَته. وَقد رَأينَا فِي تَرْجَمَة جمَاعَة من أهل الله وأوليائه أَنهم سمعُوا خطابا من فَوْقهم، وَرَأَوا صُورَة تكلمهم، وَتقول يَا عَبدِي قد وصلت إِلَيّ، وَقد أسقطت عَنْك التكاليف الشَّرْعِيَّة بأسرها. فَعِنْدَ أَن يسمع مِنْهُم السَّامع ذَلِك يَقُول:

стр. 254

مَا أَظُنك أَيهَا الْمُتَكَلّم إِلَّا شَيْطَانا، فأعوذ بِاللَّه مِنْك، فَعِنْدَ ذَلِك تتلاشى تِلْكَ الصُّورَة وَلَا يبْقى لَهَا أثر. فقد بلغ كيد الشَّيْطَان إِلَى هَذَا الكيد الْعَظِيم، وَلكنه لم ينْفق كَيده هَذَا على أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ فَردُّوهُ فِي نَحره حَتَّى إِنَّه قد يتطاير عِنْد ذَلِك التلاشي شرراً كَمَا وَقع لكثير مِنْهُم. فَهَذَا الَّذِي يزْعم أَنه من أَوْلِيَاء الله قد كاده الشَّيْطَان بِهَذِهِ الْحِيلَة واجتذبه بِهَذَا الْمَكْر، فانخدع وَعَاد سَعْيه ضلالا وعبادته كفرا وَعَمله خسراً. وَسبب ذَلِك مَا هُوَ فِيهِ من الْجَهْل بالشريعه المطهرة، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ لَهُ من أنوار الدّين وحجج الشَّرْع مَا يرد عَنهُ كيد الشَّيْطَان الرَّجِيم، كَمَا رده أَوْلِيَاء الله فَعَاد خاسئاً وَهُوَ حسير. وَقد عرفناك أَن دَعْوَى الْولَايَة إِذا لم تكن مربوطة بِالشَّرْعِ مُقَيّدَة بِالْكتاب وَالسّنة صل صَاحبهَا وَهُوَ لَا يدْرِي ومكر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر وَوَقع فِي مغاضب الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ يظنّ أَنه فِي مراضيه. وَمَا أحسن قَول الشَّاعِر: (فَسَاد كَبِير عَالم متهتك ... وأفسد مِنْهُ جَاهِل متنسك) (هما فتْنَة للْعَالمين كَبِيرَة ... لمن بهما فِي دينه يتَمَسَّك) المُرَاد بتررد الله سُبْحَانَهُ عَن نفس الْمُؤمن: قَوْله: " وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن نفس الْمُؤمن " فِي حَدِيث عَائِشَة عَن مَوته. التَّرَدُّد: التَّوَقُّف عَن الْجَزْم بِأحد الطَّرفَيْنِ وَلأَجل كَون هَذَا مَعْنَاهُ

стр. 255

عِنْد أهل اللُّغَة احْتَاجَ شرَّاح الحَدِيث إِلَى تَأْوِيله بِوُجُوه. قَالَ الْخطابِيّ: " التَّرَدُّد فِي حق الله تَعَالَى غير جَائِز، والبدا عَلَيْهِ فِي الْأُمُور غير سَائِغ، وَلَكِن لَهُ تأويلات ". " أَحدهَا: أَن العَبْد قد يشرف على الْهَلَاك فِي أَيَّام عمره من دَاء يُصِيبهُ. وفاقة تنزل بِهِ فيدعو الله تَعَالَى ويستغيثه فيشفيه مِنْهَا، وَيدْفَع عَنهُ مكروهها، فَيكون ذَلِك من فعله كتردد من يُرِيد أمرا ثمَّ يَبْدُو لَهُ فيتركه ويعرض عَنهُ، وَلَا بُد لَهُ من لِقَائِه إِذا بلغ الْكتاب أَجله. وَلِأَن الله تَعَالَى قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بِالْبَقَاءِ لنَفسِهِ " انْتهى الْوَجْه الأول. أَقُول: مَا أبرد هَذَا التَّأْوِيل وأسمجه، وَأَقل [فَائِدَته] فَإِن صُدُور الشِّفَاء من الله لذَلِك الَّذِي أَصَابَهُ الدَّاء فشفاه مِنْهُ لَيْسَ من التَّرَدُّد فِي شَيْء بل هُوَ أَمر وَاحِد وَجزم لَا تردد فِيهِ قطّ. وَكَذَلِكَ إِنْزَال الْمَرَض بِهِ جزم لَا تردد فِيهِ فهما قَضَاء بعد قَضَاء، وقدَر بعد قدر، وَإِن كَانَا [با] اعْتِبَار شخص وَاحِد، فهما مُخْتَلِفَانِ متغايران لم يتحدا ذاتا، وَلَا وقتا، وَلَا زَمَانا، وَلَا صفة. بل قضى الله على عَبده بِالْمرضِ ثمَّ شفَاه مِنْهُ.

стр. 256

فَأَي مدْخل للتردد أَو لما يشبه التَّرَدُّد، أَو لما يَصح أَن يُؤَل بِهِ التَّرَدُّد فِي مثل هَذَا. وَقد ذكر أهل الْعلم أَن التَّأْوِيل لما احتِج إِلَى تَأْوِيله لَا بُد أَن يكون مَقْبُولًا على وَجه، وَله مدْخل على حَاله. وَإِلَّا وَقع تَحْرِيف الْكَلِمَات الإلهية والنبوية لمن شَاءَ كَيفَ شَاءَ، وتلاعب بهما من شَاءَ بِمَا شَاءَ. قَالَ الْخطابِيّ: الثَّانِي، أَن يكون مَعْنَاهُ: " مَا رددت رُسُلِي فِي شَيْء أَنا فَاعله كترديدي إيَّاهُم فِي نفس الْمُؤمن، كَمَا روى فِي قصَّة مُوسَى ﵇، وَمَا كَانَ من لطمه عين ملك الْمَوْت وَتردد إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. قَالَ: وَحَقِيقَة الْمَعْنى على الْوَجْهَيْنِ عطف الله تَعَالَى على العَبْد ولطفه بِهِ وشفقته عَلَيْهِ " انْتهى. أَقُول: جعل التَّرَدُّد الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوَقُّف عَن الْجَزْم بِأحد الطَّرفَيْنِ بِمَعْنى الترديد الَّذِي هُوَ الرَّد مرّة بعد مرّة، وهما مُخْتَلِفَانِ مفهوماً وصدقاً. فحاصله: إِخْرَاج التَّرَدُّد عَن مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ إِلَى معنى لَا يلاقيه وَلَا يلابسه بِوَجْه من الْوُجُوه فَلَيْسَ هَذَا من التَّأْوِيل فِي شَيْء. قَالَ فِي الْفَتْح بعد أَن ذكر كَلَام الْخطابِيّ بِاللَّفْظِ الَّذِي حكيناه: " وَقَالَ الكلاباذي مَا حَاصله: أَنه عبر عَن صفة الْفِعْل بِصفة الذَّات أَي عَن الترديد بالتردد. وَجعل مُتَعَلق الترديد اخْتِلَاف أَحْوَال العَبْد من ضعف ونَصَب إِلَى أَن تنْتَقل محبته فِي الْحَيَاة إِلَى محبته فِي الْمَوْت فَيقبض على ذَلِك. قَالَ وَقد يحدث الله تَعَالَى فِي قلب عَبده من الرَّغْبَة فِيمَا عِنْده والشوق إِلَيْهِ والمحبة للقائه مَا يشتاق مَعَه إِلَى الْمَوْت فضلا عَن إِزَالَة الْكَرَاهَة عِنْده فَأخْبرهُ أَنه يكره الْمَوْت ويسوءه فَيكْرَه الله تَعَالَى مساءته، فيزيل عَنهُ كَرَاهَة

стр. 257

الْمَوْت بِمَا يُورِدهُ عَلَيْهِ من الْأَحْوَال، فيأتيه الْمَوْت وَهُوَ لَهُ مُؤثر، وَإِلَيْهِ مشتاق. قَالَ: " وَقد ورد تفَعَّل بِمَعْنى فَعَل مثل تَفَكَّر، وفَكَّرَ، وتَدَبَّر ودَبَّرَ، وتهدد وهدد وَالله أعلم " انْتهى. أَقُول: كَلَامه هَذَا قد اشْتَمَل على أَمريْن: أَحدهمَا هُوَ كالتفسير لما ذكره الْخطابِيّ، وَلكنه ربطه بغاية هِيَ قَوْله إِلَى أَن تنْتَقل محبته فِي الْحَيَاة إِلَى محبته فِي الْمَوْت، فَصَارَ كَلَامه بِهَذِهِ الْغَايَة أتم من كَلَام الْخطابِيّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا جعل حَاصِل الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا، هُوَ عطف الله على العَبْد. ولطفه بِهِ وشفقته عَلَيْهِ. وَيُقَال للكلاباذي غَايَة مَا جَاءَ بِهِ التَّأْوِيل الَّذِي ذكرته أَن التَّرَدُّد الَّذِي حَكَاهُ الله عَن نَفسه هُوَ انْتِقَال العَبْد من حَالَة إِلَى حَالَة. فأخرجت التَّرَدُّد عَن مَعْنَاهُ، وأخرجت المتردد إِلَى اخْتِلَاف أَحْوَال المتردد فِي شَيْء من الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بِهِ. وَهَذَا إِخْرَاج للمعنى إِلَى معنى مُغَاير لَهُ بِكُل حَال وعَلى كل وَجه. وَيُقَال للخطابي: جعلت التَّرَدُّد فِي الْمَوْت عطف الله على الْعباد ولطفه بِهِ وشفقته عَلَيْهِ. وَهَذَا معنى لَا جَامع بَينه وَبَين التَّرَدُّد فِي موت العَبْد، فَإِن لطف الله [بعباده] وَعطفه عَلَيْهِم وشفقته بهم أَمر مَقْطُوع بِهِ لَا تردد فِيهِ مِنْهُ وَأما مَا ذكره الكلاباذي من قَوْله: (وَقد يحدث الله فِي قلب عَبده من الرَّغْبَة فِيمَا عِنْده والشوق إِلَيْهِ الخ) . فَهُوَ تَكْرِير لقَوْله قبله إِلَى أَن تنْتَقل محبته فِي الْحَيَاة إِلَى محبته فِي الْمَوْت، وَقد قدمنَا الْجَواب عَنهُ.

стр. 258

وَأما قَوْله: وَقد ورد تفعَّل بِمَعْنى فعل مثل تفكر الخ فَأَقُول: هَذَا مُسلم فِيمَا لم يخرج مِنْهُ الْمَعْنى إِلَى معنى آخر، فَإِن فكر، وتفكر، لم يخرجَا عَن معنى حُصُول الفكرة للْعَبد فِي شَيْء متفكر فِيهِ. وَكَذَلِكَ دبَّر وتدبَّر فَإِنَّهُمَا راجعان إِلَى معنى التَّدْبِير، وَكَذَلِكَ هدد وتهدد. وَأما التَّرَدُّد والترديد فَلَا يرجعان إِلَى معنى كَمَا بَينا، بل لكل وَاحِد مِنْهُمَا معنى مُسْتَقل يغاير معنى الآخر لمن تدبر وتفكر. قَالَ فِي الْفَتْح: " وَعَن بَعضهم يحْتَمل أَن يكون تركيب الْوَلِيّ يحْتَمل أَن يعِيش خمسين سنة وعمره الَّذِي كتب لَهُ سَبْعُونَ، فَإِذا بلغَهَا فَمَرض دَعَا الله تَعَالَى بالعافية فَيُجِيبهُ عشْرين أُخْرَى مثلا. فَعبر عَن قدر التَّرْكِيب وَعَما انْتهى إِلَيْهِ بِحَسب الْأَجَل الْمَكْتُوب بالتردد " انْتهى. أَقُول: هَذَا التَّأْوِيل لم يَأْتِ بفائدة قطّ فَإِن الْعُمر الَّذِي هُوَ السبعون لَا بُد أَن يبلغهُ العَبْد على اعْتِقَاد هَذَا الْقَائِل سَوَاء كَانَ التَّرْكِيب مُحْتملا لذَلِك أم لَا، وَسَوَاء مرض عِنْد انْتِهَاء عمره إِلَى خمسين أَو لم يمرض، وَسَوَاء دَعَا الله بالعافية أَو لم يدع. فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يبلغ السّبْعين. وَغَايَة مَا هُنَاكَ أَن الله رَحمَه ولف بِهِ فشفاه من مَرضه الَّذِي عرض لَهُ وَهُوَ فِي خمسين سنة. فَأَي شَيْء هَذَا، وَمَا الْجَامِع بَينه وَبَين معنى التَّرَدُّد الْمَذْكُور فِي الحَدِيث؟ قَالَ فِي الْفَتْح: " وَعبر ابْن الْجَوْزِيّ عَن الثَّانِي بِأَن التَّرَدُّد للْمَلَائكَة الَّذين

стр. 259

يقبضون الرّوح فأضاف الْحق ذَلِك لنَفسِهِ لِأَن ترددهم عَن أمره قَالَ: وَهَذَا التَّرَدُّد ينشأ عَن إِظْهَار الْكَرَاهَة. فَإِن قيل إِذا أُمر الْملك بِالْقَبْضِ كَيفَ يَقع مِنْهُ التَّرَدُّد؟ فَالْجَوَاب أَنه مُتَرَدّد فِيمَا لم يحد لَهُ فِيهِ الْوَقْت كَأَن يُقَال. لَا تقبض روحه إِلَّا إِذا رضى " انْتهى. أَقُول: انْظُر مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْخبط والخلط. فَإِنَّهُ أَولا جعل التَّرَدُّد للْمَلَائكَة فَأخْرج الْكَلَام عَن مَعْنَاهُ إخراجاً لَا يبْقى للمعنى الْأَصْلِيّ مَعَه أثر قطّ. وَكَأَنَّهُ جعله من الْمجَاز الْعقلِيّ كَقَوْلِه بنى الْأَمِير الْمَدِينَة وَهُوَ عَنهُ أَجْنَبِي، فَإِنَّهُ قد وَقع الْبناء فِي الْخَارِج. وَإِنَّمَا نسب الْفِعْل إِلَى [الْأَمِير] . وَأما هَذَا فَلم يكن للتردد الْوَاقِع من الْمَلَائِكَة فَائِدَة قطّ وَلَا وجد فِي الْخَارِج [لَهُ] أثر. ثمَّ قَالَ: وَهَذَا التَّرَدُّد ينشأ عَن إِظْهَار الْكَرَاهَة، فَيُقَال: إِن كَانَ هَذَا الْإِظْهَار من جِهَة الرب سُبْحَانَهُ فَهُوَ يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل آخر كَمَا احْتِيجَ التَّرَدُّد إِلَى تَأْوِيل. فَإِن الكرهة أَلا تجوز عَلَيْهِ بِهَذَا الْمَعْنى. ثمَّ لم يظْهر لهَذَا الْإِظْهَار فَائِدَة. فَإِن ذَلِك العَبْد الَّذِي وَقع التَّرَدُّد فِي قبض روحه لم يمت إِلَّا بأجله المحتوم من دون أَن يتَقَدَّم عَنهُ سَاعَة، أَو يتَأَخَّر عَنهُ سَاعَة. ثمَّ انْظُر إِلَى مَا أوردهُ على نَفسه من قَوْله: فَإِن قيل: إِذا أُمر الْملك

стр. 260

بِالْقَبْضِ. كَيفَ يَقع مِنْهُ التَّرَدُّد؟ وَهَذَا إِيرَاد وَارِد، فَإِنَّهُم لَا يعصون الله فِيمَا أَمرهم وَلَا يتراخون عَن إنجاز أمره سُبْحَانَهُ. ثمَّ انْظُر إِلَى سُقُوط مَا أجَاب من أَن الْملك مُتَرَدّد فِيمَا لم يحد لَهُ فِيهِ الْوَقْت. وَكَيف يُؤمر الْملك بِفعل غير مَحْدُود ثمَّ يُسَارع إِلَى فعله؟ ! . أما قَوْله. كَأَن يُقَال لَهُ: لَا تقبض روحه إِلَّا إِذا رضى فَهُوَ مَعَ كَونه يبطل التَّأْوِيل بالمرة والكرة، لَيْسَ للْملك أَن يفعل إِلَّا مَا يرضى بِهِ العَبْد من قبض روحه أَو عَدمه، لِأَنَّهُ قد علق ذَلِك بِرِضَاهُ. وَحِينَئِذٍ لَا ينجز الْفِعْل إِلَّا عِنْد الرضى من العَبْد. والمفروض أَنه يكره الْمَوْت كَمَا نطق بِهِ هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي. فَعِنْدَ أَن يعرف الْملك أَن العَبْد لَا يرضى بِقَبض روحه، مَا بَقِي إِلَّا الْإِمْهَال لَهُ حَتَّى يرضى، وَأَن يُخَالف الْوَقْت الْمَحْدُود لمَوْته. وَحِينَئِذٍ ينفتح إِشْكَال أكبر من هَذَا الْإِشْكَال الَّذِي هم بصدد تَأْوِيله. قَالَ فِي الْفَتْح: " ثمَّ ذكر ابْن الْجَوْزِيّ جَوَابا ثَانِيًا وَهُوَ احْتِمَال أَن يكون معنى التَّرَدُّد اللطف بِهِ كَأَن الْملك يُؤَخر الْقَبْض. فَإِنَّهُ إِذا نظر إِلَى قدر الْمُؤمن وَعظم الْمَنْفَعَة بِهِ لأهل الدُّنْيَا احترمه فَلَا يبسط يَده إِلَيْهِ، فَإِذا ذكر أَمر ربه تَعَالَى لم يجد بدا من امتثاله " انْتهى. أَقُول هَذَا اللطف الَّذِي بنى عَلَيْهِ هَذَا الْجَواب لم يظْهر لَهُ أثر، وَلَا تبين لَهُ معنى، فَإِن الْملك وَإِن تردد فَهُوَ لَا محَالة سيقبض الرّوح فِي الْوَقْت الْمَحْدُود

стр. 261

وَوُقُوع ذَلِك الشَّيْء فِي نَفسه لم يجد لَهُ العَبْد فَائِدَة وَلَا علم بِهِ فضلا عَن أَن يصل إِلَيْهِ مِنْهُ مَنْفَعَة. فَهَذَا اللطف لَيْسَ بلطف أصلا، وَإِن فَرضنَا أَنه بِتِلْكَ الرأفة على العَبْد، لكَونه مِمَّن ينْتَفع الْعباد بِهِ، كَانَ بهَا تَأْخِير قبض روح العَبْد لَحْظَة وَأَن مُجَرّد ذَلِك يعد لطفا، فَإِنَّهُ يرد عَلَيْهِ إِشْكَال أعظم من الْإِشْكَال الَّذِي هم بصدد تَأْوِيله، وَهُوَ أَن الْأَجَل المحتوم قد تَأَخّر عَن وقته بِسَبَب تراخي الْملك عَن إِنْفَاذ أَمر الله بِهِ. وحاشا الْملك أَن يكون مِنْهُ هَذَا، وحاشا الْأَمر الإلهي أَن لَا ينجز حسب الْمَشِيئَة الربانية، فَمَا أَحَق صَاحب هَذَا التَّأْوِيل، بقول الشَّاعِر: (فَكنت كالساعي إِلَى مثعب ... موائلا من سبل الراعد) قَالَ فِي الْفَتْح: " وجواباً، رَابِعا، وَهُوَ أَن يكون خطابا، لنا بِمَا نعقل، والرب يتنزه عَن حَقِيقَته، بل هُوَ من جنس قَوْله: " وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة ". فَكَمَا أَن أَحَدنَا يُرِيد أَن يضْرب وَلَده تأديبا فتمنعه الْمحبَّة وتبعثه الشَّفَقَة فيتردد بَينهمَا، وَلَو كَانَ غير الْوَالِد كالمعلم لم يتَرَدَّد بل كَانَ لَا يُبَالِي، بل يُبَادر إِلَى ضربه لتأديبه. فَأُرِيد تفهيمنا بتحقيق الْمحبَّة للْوَلِيّ بِذكر التَّرَدُّد " انْتهى. أَقُول: هَذَا التَّأْوِيل هُوَ أحسن مِمَّا تقدم من تِلْكَ الْوُجُوه، فَإِنَّهُم قد أولُوا

стр. 262

مَالا يجوز على الله سُبْحَانَهُ من مثل التَّعَجُّب والاستفهام وَنَحْوهمَا مِمَّا يرد هَذِه الْمَوَارِد بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعباد المخاطبين. وَلَكِن هَذَا الْمقَام الَّذِي نَحن بصدده، هُوَ مقَام أَوْلِيَاء الله وأحبائه وصفوته من خلقه، وخالصته من عباده. وَفِيه التَّرْغِيب للعباد بِأَن يحرصوا على هَذِه الرُّتْبَة، وعَلى الْبلُوغ إِلَيْهَا بِمَا تبلغ إِلَيْهِ طاقتهم، وَتصل إِلَيْهِ قدرتهم، وَلَا يألون جهداً فِي تَحْصِيل أَسبَابهَا الموصلة إِلَيْهَا من التَّقَرُّب إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِمَا يحب. فَلَا بُد أَن يكون لذَلِك التَّرَدُّد فَائِدَة تعود على الْوَلِيّ حَتَّى يكون ذَلِك سَببا لتنشيط الْعباد إِلَى بُلُوغ رتبته. وَأما إِذا كَانَ يَمُوت بأجله المحتوم فَهُوَ كَغَيْرِهِ من عباد الله من غير فرق بَين سعيدهم وشقيهم وصالحهم وطالحهم. قَالَ فِي الْفَتْح: " وجوَّز الْكرْمَانِي احْتِمَالا آخر وَهُوَ أَن المُرَاد أَنه يقبض روح الْمُؤمن بالتأني والتدريج بِخِلَاف سَائِر الْأَمْوَات فَإِنَّهَا تحصل بِمُجَرَّد قَول كن سَرِيعا " انْتهى. أَقُول: هَذَا التأني والتدريج إِن كَانَ لَهُ تَأْثِير فِي الْأَجَل وَلَو يَسِيرا رَجَعَ الْإِشْكَال بأعظم مِمَّا نَحن بصدده لِأَنَّهُ قد تَأَخّر عَن وقته الْمَحْدُود وأجله المحتوم. وَإِن كَانَ لَا تَأْثِير لَهُ فَلَا نفع فِيهِ للْعَبد أصلا بل قد يكون قبض روحه دفْعَة وَاحِدَة من غير تراخ وَلَا تدريج أسهل عَلَيْهِ من قَبضه على خلاف ذَلِك. فَإِن قلت إِذا لم ترض شَيْئا من هَذِه التأويلات فَأَبِنْ لنا مَا لديك حَتَّى نَنْظُر فِيهِ.

стр. 263

قلت: ستعرف مَا لدي فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله لَكِن لَا بُد هَاهُنَا من تَقْدِيم مُقَدّمَة يَتَّضِح بهَا الْكَلَام، ويتبين بهَا الصَّوَاب، فافهمها حق فهمها وتدبرها حق تدبرها. اعْلَم أَن كثيرا من أهل الْعلم لما نظرُوا فِي آيَات وَأَحَادِيث تدل على أَن مَا قد سبق بِهِ الْقَضَاء لَا يتَحَوَّل، وَأَنه لَيْسَ فِي هَذِه الدَّار إِلَّا مَا قد فرغ مِنْهُ من قَلِيل وَكثير وجليل ودقيق مُحَافظَة على مَا ورد مِمَّا يدل على ذَلِك، ووقوفا عِنْد قَوَاعِد مقررة قد تقررت عِنْد أهل الْكَلَام حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ إِنَّه لَو وَقع غير مَا سبق بِهِ الْقَلَم وَفصل بِهِ الْقَضَاء للَزِمَ لَازم بَاطِل، وَهُوَ انقلاب الْعلم جهلا، لتخلف مَا قد حق بِهِ الْقَضَاء. لَا تلازم بَين علم الله ونفاذ قَضَائِهِ: فقصروا أنظارهم على هَذَا الْإِلْزَام وغفلوا عَن لُزُوم مَا هُوَ أَشد مِنْهُ، وَهُوَ أَن الرب الْقَادِر الْقوي الْمُتَصَرف فِي عالمه بِمَا يَشَاء، وَكَيف يَشَاء لم يبْق لَهُ إِلَّا مَا قد سبق بِهِ قَضَاؤُهُ، وَلَا يتَمَكَّن من تَغْيِيره وَلَا من نَقله إِلَى قَضَاء آخر. وَهَذَا تَقْصِير عَظِيم بالجناب الْعلي وَتَعَالَى وتقدس. وَهُوَ يسْتَلْزم إهمال كثير من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة. فَمِنْهَا إهمال مَا أرشدنا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ من التضرع إِلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ للداعي إِلَّا مَا قد جف بِهِ الْقَلَم دَعَا أَو لم يدع. وَهَذِه مقَالَة تبطل بهَا فَائِدَة الدُّعَاء الَّذِي أرشدنا سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ فِي كِتَابه الْعَزِيز. وَقَالَ: " ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم "،

стр. 264

وَجعل ترك دُعَائِهِ من الاستكبار عَلَيْهِ، وتوعد عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي الْآيَة﴾ وَقَالَ: ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دعان﴾ . الدُّعَاء كسبب لرد الْقَضَاء: فَأخْبرنَا سُبْحَانَهُ أَنه يُجيب دَعْوَة من دَعَاهُ بعد أَن أمرنَا بِالدُّعَاءِ فِي آيَات كَثِيرَة، وَمِنْهَا هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي الَّذِي نَحن بصدد شَرحه، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ. " لَئِن سَأَلَني لأعطينه، وَلَئِن استعاذني لأعيذنه ". وَهُوَ صَادِق وَلَا يخلف الميعاد كَمَا أخبرنَا بذلك فِي كِتَابه الْعَزِيز. وَقد أكد الْإِجَابَة مِنْهُ للْعَبد فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي بالقسم على نَفسه . فَكيف تخلف ذَلِك. وَقد ورد، من التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء مَا لَو جمع لَكَانَ مؤلفا مُسْتقِلّا، فَمن ذَلِك. مَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَمِنْهَا مَا هُوَ صَحِيح كَمَا ستقف عَلَيْهِ. فَمن مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ الله : (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، وَأَنا مَعَه إِذا دَعَاني) . وَفِي الحَدِيث الْقُدسِي، الَّذِي أخرجه مُسلم وَغَيره عَن أبي ذَر. " يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قَامُوا فِي صَعِيد فسألوني فَأعْطيت كل إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا ينقص الْمخيط إِذا دخل

стр. 265

الْبَحْر ". وَأخرج أهل السّنَن وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: (الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ : وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد فليكثر من الدُّعَاء فِي الرخَاء) وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم من حَدِيث سلمَان وَصَححهُ. وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث أنس قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول قَالَ الله: (يَا ابْن آدم، إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وصححاه من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: مَا على الأَرْض مُسلم يَدْعُو الله بدعوة إِلَّا آتَاهُ الله إِيَّاهَا، أَو صرف عَنهُ من السوء مثلهَا مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم، فَقَالَ رجل من الْقَوْم: إِذا نكثر قَالَ: الله أَكثر ". وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله فِي مَسْأَلَة إِلَّا أَعْطَاهَا إِيَّاه: إِمَّا أَن يَجْعَلهَا لَهُ، وَإِمَّا أَن يدخرها ". وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى بأسانيد جَيِّدَة وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث: إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته، وَإِمَّا

стр. 266

أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة، وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا. قَالُوا: إِذن فَكثر. قَالَ: الله أَكثر ". وَأخرج ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ والضياء فِي المختارة من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (لَا تعجزوا فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد) . وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن وعماد الدّين وَنور السَّمَوَات وَالْأَرْض) وَأخرجه أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ. وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (من فتح لَهُ مِنْكُم بَاب الدُّعَاء فتحت لَهُ أَبْوَاب الرَّحْمَة، وَمَا سُئِلَ الله شَيْئا أحب إِلَيْهِ من أَن يسْأَل الْعَافِيَة وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل، وَمِمَّا لم ينزل فَعَلَيْكُم عباد الله بِالدُّعَاءِ ". وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي وَفِيه مقَال. وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث سلمَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (إِن الله حيى كريم يستحي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفراً خائبتين) . وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (إِن الله رَحِيم كريم يستحي من عَبده أَن يرفع إِلَيْهِ يَدَيْهِ ثمَّ لَا يضع فيهمَا خيرا) . وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم

стр. 267

(من نزلت بِهِ فاقة، فأنزلها بِالنَّاسِ لم تسد فاقته، وَمن نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِاللَّه فيوشك الله لَهُ برزق عَاجل وآجل) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (سلوا الله من فَضله فَإِن الله يحب أَن يُسأل) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة) . وَأخرج أَبُو يعلى من حَدِيث جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (أَلا أدلكم على مَا ينجيكم من عَدوكُمْ ويدر لكم أرزاقكم تدعون الله فِي ليلكم ونهاركم، فَإِن الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن) . وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (سمع رجلا يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَنِّي أشهد أَنَّك أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد، وَلم يكن لَهُ كُفؤًا أحد. فَقَالَ: لقد سَأَلت الله بِالِاسْمِ الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى، وَإِذا دعى بِهِ أجَاب) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن من حَدِيث معَاذ " قَالَ سمع رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم رجلا وَهُوَ يَقُول: يَاذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ: قد اسْتُجِيبَ لَك فسل ". وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَن لله ملكا موكلا بقول: يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ فَمن قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات قَالَ الْملك: إِن أرْحم الرَّاحِمِينَ قد أقبل عَلَيْك فسل ". وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أنس قَالَ: " مر النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم بِأبي عَيَّاش زيد بن الصَّامِت الزرقي وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك

стр. 268

بِأَن لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت المنان بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض يَاذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام يَا حَيّ يَا قيوم: فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: لقد دَعَا الله باسمه الْأَعْظَم، الَّذِي إِذا دعى بِهِ أجَاب ". وَمن ذَلِك مَا ورد فِي إِجَابَة دَعْوَة الْمَظْلُوم على ظالمه، وَالْأَب على وَلَده وَورد أَيْضا أَن جمَاعَة لَا يرد دعاؤهم، وَالْأَحَادِيث بذلك صَحِيحَة ثَابِتَة ". وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وفيهَا التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء ومحبة الله لَهُ، حَتَّى أخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ " وَأخرج ابْن أبي شيبَة من حَدِيثه " من لم يدْعُ الله غضب عَلَيْهِ ". فَلَو لم يكن الدُّعَاء نَافِعًا لصَاحبه، وَأَن لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا قد كتب لَهُ دَعَا أَو لم يدع لم يَقع الْوَعْد بالإجابة وَإِعْطَاء الْمَسْأَلَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث وَنَحْوهَا، بل قد ثَبت أَن الدُّعَاء يرد الْقَضَاء كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث سلمَان أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (لَا يرد الْقَضَاء إِلَى الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر) وَأخرجه أَيْضا ابْن حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَأخرجه أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، والضياء فِي المختارة. وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث ثَوْبَان " لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء، وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر وَإِن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ ". وَأخرج الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَزَّار من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (لَا يُغني حذر من قدر، وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل، وَأَن الْبلَاء لينزل، فيتلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".

стр. 269

فَهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا ورد موردها قد دلّت على أَن الدُّعَاء يرد الْقَضَاء فَمَا بَقِي بعد هَذَا؟ وَمن الْأَدِلَّة الَّتِي تدفع مَا قدمْنَاهُ من قَول أُولَئِكَ الْقَائِلين مَا ورد من الِاسْتِعَاذَة من سوء الْقَضَاء، كَمَا ثَبت الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، أَنه كَانَ [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من سوء الْقَضَاء، ودرك الشَّقَاء، وَجهد الْبلَاء، وشماتة الْأَعْدَاء) . وَقد قدمنَا هَذَا الحَدِيث. فَلَو لم يكن للْعَبد إِلَّا مَا قد سبق بِهِ الْقَضَاء لم يستعذ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم من سوء الْقَضَاء. وَمن ذَلِك حَدِيث الدُّعَاء فِي الْوتر وَفِيه: " وقني شَرّ مَا قضيت ". وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، وَإِن لم يكن فِي الصَّحِيحَيْنِ حَسْبَمَا قدمنَا الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَمن الْأَدِلَّة الَّتِي ترد قَول أُولَئِكَ الْقَائِلين مَا ورد فِي صلَة الرَّحِم، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (من أحب أَن يبسط لَهُ فِي رزقه، وينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه) . قَوْله ينسأ: بِضَم الْيَاء وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة مَهْمُوز أَي يُؤَخر لَهُ فِي أَجله. وَأخرجه البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأخرج الْبَزَّار وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: (مَكْتُوب فِي التوارة: من أحب أَن يُزَاد فِي عمره وَيُزَاد فِي رزقه فَليصل رَحمَه) . وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات عَن عَائِشَة أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم

стр. 270

قَالَ: (صلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار) وَهُوَ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَلم يسمع من عَائِشَة. وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة. فَلَو لم يكن للْعَبد إِلَّا مَا قد سبق لَهُ لم تحصل لَهُ الزِّيَادَة بصلَة رَحمَه، بل لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا قد سبق بِهِ الْقَضَاء وصل رَحمَه أَو لم يصل، فَيكون مَا ورد فِي ذَلِك لَغوا لَا عمل عَلَيْهِ وَلَا صِحَة لَهُ. وَمن الْأَدِلَّة الَّتِي ترد قَول أُولَئِكَ مَا ورد من الْأَمر بالتداوي، وَهِي أَحَادِيث ثَابِتَة فِي الصَّحِيح. فلولا أَن لذَلِك فَائِدَة كَانَ الْأَمر بِهِ لَغوا. إِذا عرفت مَا قدمْنَاهُ فَاعْلَم أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابه الْعَزِيز: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾ . وَظَاهر هَذِه الْآيَة الْعُمُوم الْمُسْتَفَاد من قَوْله مَا يَشَاء، فَمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ مِمَّا قد وَقع فِي الْقَضَاء وَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ محاه، وَمَا شَاءَ أثْبته. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ مثل معنى هَذِه الْآيَة قَوْله : ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾ ، وَقَوله : ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ .

стр. 271

وَقد أجَاب أُولَئِكَ الْقَوْم الَّذين قدمنَا ذكرهم عَن الْآيَة الأولى بجوابات: مِنْهَا أَن المُرَاد: يمحو مَا يَشَاء من الشَّرَائِع والفرائض فينسخه ويبدله، وَيثبت مَا يَشَاء فَلَا ينسخه وَلَا يُبدلهُ. وَجُمْلَة النَّاسِخ والمنسوخ عِنْده فِي أم الْكتاب. وَيُجَاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ تَخْصِيص لعُمُوم الْآيَة بِغَيْر مُخَصص. وَأَيْضًا يُقَال لَهُم: إِن الْقَلَم قد جرى بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَمن جملَة ذَلِك الشَّرَائِع والفرائض، فَهِيَ مثل الْعُمر إِذا جَازَ فِيهَا المحو وَالْإِثْبَات جَازَ فِي الْعُمر المحو وَالْإِثْبَات. وكل مَا هُوَ جَوَاب لَهُم عَن هَذَا فَهُوَ جَوَابنَا عَلَيْهِم. وَمِنْهَا أَن المُرَاد بِالْآيَةِ محو مَا فِي ديوَان الْحفظَة مِمَّا لَيْسَ بحسنة وَلَا سَيِّئَة لأَنهم مأمورون بكتب مَا ينْطق بِهِ الْإِنْسَان. وَيُجَاب عَنهُ الْجَواب الأول، وَيلْزم فِيهِ مثل اللَّازِم الأول، وَجَمِيع مَا ينْطق بِهِ بَنو آدم من غير فرق بَين أَن يكون حَسَنَة أَو سَيِّئَة أَو لَا حَسَنَة وَلَا سَيِّئَة هُوَ فِي أم الْكتاب، و ﴿مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد﴾ ﴿وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين﴾ ، ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَمِنْهَا

стр. 272

أَن المُرَاد أَن الله يغْفر مَا يَشَاء من ذنُوب عباده، وَيتْرك مَا يَشَاء فَلَا يغفره. وَيُجَاب عَنهُ بِمثل الْجَواب السَّابِق. وَمِنْهَا أَن المُرَاد يمحو مَا يَشَاء من الْقُرُون فَيَمْحُو قرنا وَيثبت قرنا كَقَوْلِه: ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون﴾ وَقَوله: ﴿ثمَّ أنشأنا من بعدهمْ قرنا آخَرين﴾ وَيُجَاب عَنهُ بِمثل مَا تقدم. وَمِنْهَا أَن المُرَاد الَّذِي يعْمل بِطَاعَة الله ثمَّ بمعصيته فَيَمُوت [فَيَمُوت] على ضلاله فَهَذَا الَّذِي يمحوه الله وَالَّذِي يُثبتهُ: الرجل يعْمل بِمَعْصِيَة الله ثمَّ يَتُوب فيمحوه من ديوَان السَّيِّئَات ويثبته فِي ديوَان الْحَسَنَات. وَيُجَاب عَنهُ بِمَا تقدم وَيلْزم فِيهِ مَا يلْزم فِي الأول وَمَا بعده بِلَا شكّ وَلَا شُبْهَة. وَأي فرق بَين محو السَّيئَة وَإِثْبَات الْحَسَنَة، وَبَين محو أحد العمرين وَإِثْبَات الآخر. وَمِنْهَا أَن المُرَاد يمحو مَا يَشَاء يَعْنِي الدُّنْيَا وَيثبت الْآخِرَة، وَيُجَاب عَنهُ بِمَا تقدم. وَإِذا تقرر لَك هَذَا عرفت أَن الْآيَة عَامَّة، وَأَن الْعُمر فَرد من أفرادها. وَيدل على هَذَا التَّعْمِيم مَا ثَبت عَن كثير من أكَابِر الصَّحَابَة [أَنهم] كَانُوا يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: " اللَّهُمَّ إِن كنت قد أثبتني فِي ديوَان الأشقياء، فانقلني إِلَى ديوَان [السُّعَدَاء] " وَنَحْو هَذِه الْعبارَة من عباراتهم وهم جُمْهُور قد جمع بعض

стр. 273

الْحَنَابِلَة فِيمَا ورد عَنْهُم من ذَلِك مجلداً بسيطاً. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْل بالتخصيص بِغَيْر مُخَصص هُوَ من التقول على الله بِمَا لم يقل لِأَن الَّذِي قَالَه هُوَ ذَلِك اللَّفْظ الْعَام، وَتلك الْآيَة الشاملة فقصرها على بعض مدلولاتها بِغَيْر حجَّة نيرة لَا شكّ أَنه من التقول على الله بِمَا لم يقل. وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ . وَأَجَابُوا عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾ ، بِأَن المُرَاد بالمعمَّر الطَّوِيل الْعُمر، وَالْمرَاد بالمنقوص قصير الْعُمر. وَيُجَاب عَن ذَلِك بِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: " وَلَا ينقص من عمره " يعود إِلَى قَوْله من معمر لَا شكّ فِي ذَلِك. وَالْمعْنَى على هَذَا " وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمر ذَلِك المعمر ". هَذَا معنى النّظم القرآني الَّذِي لَا يحْتَمل غَيره، وَمَا عداهُ فَهُوَ إرجاع للضمير إِلَى غير مَا هُوَ الْمرجع، وَذَلِكَ لَا وجود لَهُ فِي النّظم. وَأَجَابُوا أَيْضا بِأَن معنى مَا يعمر من معمر مَا يستقبله من عمره. وَمعنى وَلَا ينقص من عمره مَا قد مضى. وَهَذَا تعسف وتكلف وتلاعب بِكِتَاب الله وَتصرف فِيهِ بِمَا يُوَافق الْمَذْهَب ويطابق الْهوى. وَأَجَابُوا أَيْضا بِأَن المُرَاد بالمعمر من بلغ سنّ الْهَرم، وبالمنقوص من عمره

стр. 274

هُوَ معمر آخر غير هَذَا الَّذِي بلغ سني الْهَرم أَي ينقص من عمره عَن عمر الَّذِي بلغ سنّ الْهَرم، وَيُجَاب عَنهُ بِمثل مَا تقدم. وَقيل المعمر: من بلغ عمره سِتِّينَ، والمنقوص من عمره من يَمُوت قبل السِّتين، وَيُجَاب عَنهُ بِمَا تقدم. وَالْحَاصِل أَن مَا جَاءُوا بِهِ من الْأَجْوِبَة يردهَا اللَّفْظ القرآني، ويدفعها النّظم الرباني، والصيغة عَامَّة بِمَا فِيهَا من النَّفْي الدَّال على الْعُمُوم المتوجه إِلَى النكرَة المنفية الْمُؤَكّد نَفيهَا بِمن. وَكَذَلِكَ النَّفْي الآخر بِلَفْظ لَا، المتوجه إِلَى نفي النَّقْص من عمر ذَلِك المعمر. وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى، ومحاولة تَخْصِيصه، أَو ارجاع ضَمِيره إِلَى غير من هوله تعسف، وتلاعب بِكِتَاب الله، ورده بِلَا حجَّة نيرة إِلَى مَا يُطَابق هوى الْأَنْفس. وَأَجَابُوا عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ بِأَن المُرَاد بالأجل الأول، النّوم، وَالْأَجَل الثَّانِي الْمَوْت. وَهَذَا من بدع التفاسير وغرائب التَّأْوِيل. وَمعنى الْآيَة أوضح من أَن يخفى. وَأَجَابُوا أَيْضا بِأَن الْأَجَل الأول مَا قد انْقَضى من عمر كل أحد. وَالثَّانِي مَا بَقِي من عمر كل أحد. وَهَذَا كَالْأولِ. وَقيل الأول أجل الْمَوْت، وَالثَّانِي أجل الْحَيَاة فِي الْآخِرَة، وَهَذَا أَشد تعسفا مِمَّا قبله. وَقيل الأول مَا بَين خلق الْإِنْسَان إِلَى مَوته: وَالثَّانِي مَا بَين مَوته إِلَى بَعثه وَهُوَ كَالَّذي قبله. وَالْكل مُخَالف لما يدل عَلَيْهِ النّظم القرآني.

стр. 275

وَإِذا عرفت بطلَان مَا أجابوا بِهِ. تقرر لَك أَن الثَّلَاث الْآيَات دَالَّة على مَا أردناه. فَإِن المحو وَالْإِثْبَات عامان يدْخل تَحت عمومها الْعُمر والرزق والسعادة والشقاوة وَغير ذَلِك. وَمعنى الْآيَة الثَّانِيَة أَنه لَا يطول عمر إِنْسَان وَلَا يقصر، إِلَّا وَهُوَ فِي كتاب أَي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَمعنى الْآيَة الثَّالِثَة: أَن للْإنْسَان أجلين يقْضِي الله سُبْحَانَهُ لَهُ بِمَا يَشَاء مِنْهُمَا من زِيَادَة أَو نقض. فَإِن قلت: فعلام تحمل مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿لن يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر﴾ . قلت: أفسرها بِمَا هِيَ مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي الْآيَة الأولى: " فَإِذا جَاءَ أَجلهم " وَقَالَ فِي الثَّانِيَة " إِذا جَاءَ أجلهَا "، وَقَالَ فِي الثَّالِثَة: " إِن أجل الله إِذا جَاءَ ". فَأَقُول: إِذا حضر الْأَجَل، فَإِنَّهُ لَا يتَقَدَّم، وَلَا يتَأَخَّر. وَقبل حُضُوره يجوز أَن يُؤَخِّرهُ الله بِالدُّعَاءِ أَو بصلَة الرَّحِم، أَو بِفعل الْخَيْر، وَيجوز أَن يقدمهُ لمن عمل شرا، [أَو] قطع مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل، وانتهك محارم الله سُبْحَانَهُ.

стр. 276

مبدأ السَّبَبِيَّة فِي الشَّرِيعَة الإسلامية: فَإِن قلت: فعلام تحمل نَحْو قَوْله : ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا﴾ وَكَذَلِكَ سَائِر مَا ورد فِي هَذَا الْمَعْنى. قلت: أجمع بَينهَا، وَبَين مَا عارضها فِي الظَّاهِر من قَوْله : ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فِيمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَمَا ورد فِي مَعْنَاهَا. وَمن ذَلِك الحَدِيث الْقُدسِي الثَّابِت فِي الصَّحِيح عَن الرب : ﴿يَا عبَادي: إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها عَلَيْكُم فَمن وجد خيرا فليحمد الله، وَمن وجد شرا فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه﴾ بِحمْل الْآيَتَيْنِ [الْأَوليين] وَمَا ورد فِي مَعْنَاهُمَا على عدم التَّسَبُّب من العَبْد بِأَسْبَاب الْخَيْر من الدُّعَاء وصلَة الرَّحِم، وَسَائِر الْأَفْعَال والأقوال الصَّالِحَة. وَحمل الْآيَة [الْأُخْرَى] ، والْحَدِيث الْقُدسِي، وَمَا ورد فِي مَعْنَاهُمَا، على وُقُوع التَّسَبُّب من العَبْد بِأَسْبَاب الْخَيْر الْمُوجبَة لحسن الْقَضَاء، واندفاع شَره. وعَلى وُقُوع التَّسَبُّب من العَبْد بِأَسْبَاب الشَّرّ الْمُقْتَضِيَة لإصابة الْمَكْرُوه، ووقوعه على العَبْد. وَهَكَذَا أجمع بَين الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بسبق الْقَضَاء، وَأَنه قد فرغ من تَقْدِير

стр. 277

الْأَجَل والرزق، والسعادة والشقاوة، وَبَين الْأَحَادِيث فِي طلب الدُّعَاء من العَبْد، وَأَن الله يُجيب دعاءه، وَيُعْطِيه مَا سَأَلَ مثله، وَأَنه يغْضب إِذا لم يسْأَل، وَأَن الدُّعَاء يرد الْقَضَاء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا قدمنَا، كصلة الرَّحِم، وأعمال الْخَيْر. فأحمل أَحَادِيث الْفَرَاغ من الْقَضَاء على عدم تسبب العَبْد بِأَسْبَاب الْخَيْر أَو الشَّرّ وأحمل الْأَحَادِيث [الْأُخْرَى] على وُقُوع التَّسَبُّب من العَبْد بِأَسْبَاب الْخَيْر أَو التَّسَبُّب بِأَسْبَاب الشَّرّ. وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا الْجمع لَا بُد مِنْهُ لِأَن الَّذِي جَاءَنَا بالأدلة الدَّالَّة على أحد الْجَانِبَيْنِ هُوَ الَّذِي جَاءَنَا بالأدلة الدَّالَّة على الْجَانِب الآخر. وَلَيْسَ فِي ذَلِك خلف لما وَقع فِي الْأَزَل، وَلَا مُخَالفَة لما تقدم الْعلم بِهِ، بل هُوَ من تَقْيِيد المسبات بأسبابها، كَمَا قدر الشِّبَع والري بِالْأَكْلِ وَالشرب، وَقدر الْوَلَد بِالْوَطْءِ، وَقدر حُصُول الزَّرْع بالبذر. فَهَل يَقُول قَائِل بِأَن ربط هَذِه المسببات بأسبابها يَقْتَضِي خلاف الْعلم السَّابِق، أَو يُنَافِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه؟ . فَلَو قَالَ قَائِل: أَنا لَا آكل، وَلَا أشْرب، بل أنْتَظر الْقَضَاء، فَإِن قدر الله لي ذَلِك كَانَ، وَإِن لم يقدره لم يكن، أَو قَالَ: أَنا لَا أزرع وَلَا أجامع زَوْجَتي فَإِن قدر الله لي الزَّرْع وَالْولد حصلا، وَإِن لم يقدرهما لم يحصلا. أَلَيْسَ هَذَا الْقَائِل قد خَالف مَا فِي كتب الله سُبْحَانَهُ، وَمَا جَاءَت بِهِ رسله

стр. 278

وَمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم وَأَصْحَابه، والتابعون، وتابعوهم وَسَائِر عُلَمَاء الْأمة، وصلحائها، بل يكون هَذَا الْقَائِل قد خَالف مَا عَلَيْهِ هَذَا النَّوْع الإنساني من أَبينَا آدم إِلَى الْآن، بل قد خَالف مَا عَلَيْهِ جَمِيع أَنْوَاع الْحَيَوَانَات فِي الْبر وَالْبَحْر؟ . فَكيف يُنكر وُصُول العَبْد إِلَى الْخَيْر بدعائه، أَو بِعَمَلِهِ الصَّالح، فَإِن هَذَا من الْأَسْبَاب الَّتِي ربط الله مسبباتها بهَا، وَعلمهَا قبل أَن تكون. فعله على كل تَقْدِير أزلي فِي المسببات، والأسباب. وَلَا يشك من لَهُ اطلَاع على كتاب الله ، مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من تَرْتِيب حُصُول المسببات على حُصُول أَسبَابهَا، وَذَلِكَ كثير جدا. وَمن ذَلِك قَوْله: ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر، مَا تنهون عَنهُ تكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ ، ﴿فَقلت اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين وَيجْعَل لكم جنَّات وَيجْعَل لكم أَنهَارًا﴾ و ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ ﴿اتَّقوا الله ويعلمكم الله﴾ ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَكم يعد الْعَاد من هَذَا الْجِنْس فِي الْكتاب الْعَزِيز. وَمَا ورد فِي مَعْنَاهُ من السّنة المطهرة. فَهَل يُنكر هَؤُلَاءِ الغلاة مثل هَذَا ويجعلونه مُخَالفا لسبق الْعلم مباينا

стр. 279

لأزليته؟ . فغن قَالُوا نعم، فقد أَنْكَرُوا مَا فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ من فاتحته إِلَى خاتمته، وَمَا فِي السّنة المطهرة من أَولهَا إِلَى آخرهَا، بل أَنْكَرُوا أَحْكَام الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيعهَا، لِأَنَّهَا كلهَا مسببات مترتبة على أَسبَابهَا، وجزاءات معلقَة بشروطها. وَمن بلغ إِلَى هَذَا الْحَد فِي الغباوة، وَعدم تعقل الْحجَّة، لم يسْتَحق المناظرة، وَلَا يَنْبَغِي الْكَلَام مَعَه فِي الْأُمُور الدنية، بل يَنْبَغِي إِلْزَامه بإهمال أَسبَاب مَا فِيهِ صَلَاح معاشه، وَأمر دُنْيَاهُ كُله حَتَّى ينتعش من غفلته، وَيَسْتَيْقِظ من نومته، وَيرجع عَن ضلالته وجهالته. وَالْهِدَايَة بيد ذِي الْحول، وَالْقُوَّة. ثمَّ يُقَال لَهُم: أَيّمَا فَائِدَة لأَمره لِعِبَادِهِ بِالدُّعَاءِ بقوله: " ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم " ثمَّ عقب ذَلِك بقوله: " إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي " أَي دعائي " سيدخلون جَهَنَّم داخرين ". وَقَوله : ﴿اسألوا الله من فَضله﴾ فَأَي فَائِدَة لهذين الْأَمريْنِ مِنْهُ بِالدُّعَاءِ ووعيده لمن تَركه وَجعله مستكبرا، وتمدحه سُبْحَانَهُ بقوله ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء﴾ . وَبِقَوْلِهِ: " وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دعان " فَإِن قَالُوا إِن هَذَا الدُّعَاء الَّذِي أمرنَا الله بِهِ وأرشدنا إِلَيْهِ وَجعل تَركه استكبارا وتوعد عَلَيْهِ بِدُخُول النَّار مَعَ الذل، وَأنكر عَلَيْهِم أَن غَيره يُجيب الْمُضْطَر.

стр. 280

إِن [كَانَ] ذَلِك كُله لَا فَائِدَة فِيهِ للْعَبد، وَأَنه لَا ينَال إِلَّا مَا قد سبق بِهِ الْقَضَاء فعل الدُّعَاء، أَو لم يفعل، فقد نسبوا إِلَى الرب مَا لَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا تحل نسبته إِلَيْهِ بِإِجْمَاع الْمُسلمين، فَإِنَّهُ لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا فِيهِ فَائِدَة للْعَبد دنيوية أَو أخروية إِمَّا جلب نفع أَو دفع ضرّ. هَذَا مَعْلُوم لَا يشك فِيهِ إِلَّا من لَا يعقل حجج الله، وَلَا يفهم كَلَامه وَلَا يدْرِي بِخَير وَلَا شَرّ، وَلَا نفع وَلَا ضرّ. وَمن بلغ فِي الْجَهْل إِلَى هَذِه الْغَايَة فَهُوَ حقيق بِأَن لَا يُخَاطب، وقمين بِأَن لَا يناظر، فَإِن هَذَا الْمِسْكِين المتخبط فِي جَهله المتقلب فِي ضَلَالَة قد وَقع فِيمَا هُوَ أعظم خطرا من هَذَا أَو أَكثر ضَرَرا مِنْهُ. وَذَلِكَ بِأَن يُقَال لَهُ: إِذا كَانَ دُعَاء الْكفَّار إِلَى الْإِسْلَام، ومقاتلتهم على الْكفْر وعزوهم إِلَى عقر الديار، كَمَا فعله رسل الله وَنزلت بِهِ كتبه، لَا يَأْتِي بفائدة، وَلَا يعود على القائمين بِهِ من الرُّسُل وأتباعهم، وَسَائِر الْمُجَاهدين بعائدة، وَأَنه لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا مَا قد سبق بِهِ الْقَضَاء، وجف بِهِ الْقَلَم، وَأَنه لَا بُد أَن يدْخل فِي الْإِسْلَام، ويهتدي إِلَى الدّين من علم الله فِي سَابق علمه أَنه يَقع مِنْهُ ذَلِك سَوَاء قوتل أم لم يُقَاتل، وَسَوَاء دعى أم لم يدع، كَانَ هَذَا الْقِتَال والتكليف الشاق ضائعاً، لِأَنَّهُ من تَحْصِيل الْحَاصِل، وتكوين مَا هُوَ كَائِن فعلوا أَو تركُوا. وَحِينَئِذٍ يكون الْأَمر بذلك عَبَثا، تَعَالَى الله عَن ذَلِك. وَهَكَذَا مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ من الشَّرَائِع على لِسَان أنبيائه، وَأنزل بِهِ كتبه يُقَال فِيهِ مثل هَذَا. فَإِنَّهُ إِذا كَانَ مَا فِي سَابق علمه كَائِنا لَا محَالة، سَوَاء أنزل كتبه، وَبعث رسله أم لم ينزل وَلَا بعث، كَانَ ذَلِك من تَحْصِيل الْحَاصِل فَيكون عَبَثا، تَعَالَى الله عَن ذَلِك.

стр. 281

ثمَّ يُقَال لَهُم: هَذِه الْأَدْعِيَة الَّتِي علَّم رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أمته فِي صلواتهم وليلهم ونهارهم وسفرهم وحضرهم، لَو رام الْعَالم جمعهَا متوناً لكَانَتْ فِي مُجَلد. وَقد كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَكثر النَّاس قيَاما وتضرعاً إِلَى ربه حَتَّى كَانَ فِي تَارَة يرفع كفيه حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ وَفِي تَارَة يرفعهما حَتَّى يسْقط الرِّدَاء عَن مَنْكِبَيْه، ثمَّ أخبرنَا بِمَا للداعي لرَبه من الْجَزَاء الجزيل، وَالثَّوَاب الْجَلِيل عُمُوما، وخصوصاً. هَل كَانَ لهَذَا فَائِدَة يتَبَيَّن أَثَرهَا أم لَا فَائِدَة، بل مَا خطّ فِي اللَّوْح فَهُوَ كَائِن لَا محَالة وَقع الدُّعَاء أم لم يَقع؟ ﴿﴾ . فَيُقَال لَهُم: يَا نوكي. أَنْتُم أعرف بِاللَّه سُبْحَانَهُ من رَسُوله [ ﷺ ] وَآله وَسلم حَتَّى يكون مَا فعله، وَمَا علمه أمته لَغوا ضائعاً لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا عَائِدَة؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم. ثمَّ يُقَال لَهُم: لَو كَانَ الْقَضَاء السَّابِق حتما لَا يتَحَوَّل، فَأَي فَائِدَة فِي استعاذته [ ﷺ ] وَآله وَسلم من سوء الْقَضَاء، كَمَا صَحَّ ذَلِك عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَصَحَّ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: وقني شَرّ مَا قضيت. فيا لله الْعجب من دعاوي عريضة من قُلُوب مهيضة، وأفهام مَرِيضَة. يَا لكم الويل، أما تَدْرُونَ فِي أَي بلية وَقَعْتُمْ، وعَلى أَي جنب سَقَطْتُمْ، وَمن أَي بَاب من الشَّرِيعَة خَرجْتُمْ؟﴾ ! فَإِنَّكُم لم تعملوا بشرع وَلَا اهْتَدَيْتُمْ بعقل. وَقد كَانَ لكم قدوة وأسوة برَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وبكتاب الله الْمنزل عَلَيْهِ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر الصَّحَابَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة [الَّتِي]

стр. 282

نَحن بصددها كعمر بن الْخطاب. وَعبد الله بن مَسْعُود، وَأبي وَائِل، وأمثالهم من أكَابِر الصَّحَابَة الَّذين صَحَّ عَنْهُم أَنهم كَانُوا يسْأَلُون الله سُبْحَانَهُ أَن يثبتهم فِي ديوَان السَّعَادَة وَأَن ينقلهم من ديوَان الشقاوة إِن كَانُوا فِيهَا، إِلَى ديوَان السَّعَادَة كَمَا قدمنَا. وَللَّه در كَعْب الْأَحْبَار، فَإِنَّهُ قَالَ لما طعن عمر ﵁: " وَالله لَو دَعَا عمر أَن يُؤَخر الله أَجله لأخره " فَقيل لَهُ: إِن الله يَقُول: ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَقَالَ: هَذَا إِذا حضر الْأَجَل، فَأَما قبل ذَلِك فَيجوز أَن يُزَاد وَينْقص " وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾ . وَكَلَامه هَذَا يرشد إِلَى الْجمع الَّذِي جمعناه كَمَا عرفت، ولنقتصر على هَذَا الْمِقْدَار فِي تَقْرِير الْمُقدمَة الَّتِي قدمنَا أَنه يظْهر بهَا مَا سنذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْمقَام، بعد أَن تعقبنا جَمِيع تِلْكَ التأويلات الْمَذْكُورَة فِي التَّرَدُّد الَّذِي وَقع فِي الحَدِيث الْقُدسِي. فَنَقُول الْآن: إِن ذَلِك التَّرَدُّد هُوَ كِنَايَة عَن محبَّة الله لعَبْدِهِ الْمُؤمن أَن يَأْتِي بِسَبَب من الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لخلوصه من الْمَرَض الَّذِي وَقع فِيهِ حَتَّى يطول بِهِ عمره، من دُعَاء أَو صلَة رحم، أَو صَدَقَة، فَإِن فعل مد لَهُ فِي عمره

стр. 283

بِمَا [يَشَاء] ، وتقتضيه حكمته. وَإِن لم يفعل حَتَّى جَاءَ أَجله، وحضره الْمَوْت مَاتَ بأجله الَّذِي قد قضى عَلَيْهِ إِذا لم يتسبب بِسَبَب يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الفسحة لَهُ فِي عمره، مَعَ أَنه وَإِن فعل مَا يُوجب التَّأْخِير، والخلوص من الْأَجَل الأول، فَهُوَ لَا بُد لَهُ من الْمَوْت بعد انْقِضَاء تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي وَهبهَا الله سُبْحَانَهُ لَهُ. فَكَانَ هَذَا التَّرَدُّد مَعْنَاهُ: انْتِظَار مَا يَأْتِي بِهِ العَبْد مِمَّا يَقْتَضِي تَأْخِير الْأَجَل أَو لَا يَأْتِي، فَيَمُوت بالأجل الأول، وَهَذَا معنى صَحِيح لَا يرد عَلَيْهِ إِشْكَال، وَلَا يمْتَنع فِي حَقه سُبْحَانَهُ بِحَال، مَعَ أَنه سُبْحَانَهُ يعلم أَن العَبْد سيفعل ذَلِك السَّبَب، أَو لَا يَفْعَله، لكنه لَا يَقع التَّنْجِيز لذَلِك الْمُسَبّب إِلَّا بِحُصُول السَّبَب الَّذِي ربطه بِهِ. كَرَاهَة الْمَوْت ومقام الْولَايَة: قَوْله: " يكره الْمَوْت وأكره إساءته " قَالَ ابْن حجر: " وَفِي حَدِيث عَائِشَة: أَنه يكره الْمَوْت وَأَنا أكره مساءته. زَاد ابْن مخلد عَن ابْن كَرَامَة فِي آخِره: " وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ " وَوَقعت هَذِه الزِّيَادَة أَيْضا فِي حَدِيث وهب " انْتهى.

стр. 284

فِيهِ فَائِدَة جليلة هِيَ أَن الْمُؤمن قد يكره الْمَوْت وَلَا يخرج بذلك عَن رُتْبَة الْإِيمَان الجليلة، وَلَا يُنَافِي ذَلِك أَن شَأْن الْمُؤمن أَن يحب لِقَاء الله سُبْحَانَهُ، كَمَا ورد فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لوُقُوع الْبَيَان فِيهَا بِأَن محبَّة لِقَاء الله لَا نستلزم أَن لَا يكره صَاحب هَذِه الْمحبَّة الْمَوْت، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (من أحب لِقَاء الله، أحب الله لقاءه، وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه فَقلت يَا نَبِي الله أكراهية الْمَوْت فكلنا نكره الْمَوْت؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الْمُؤمن إِذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لِقَاء الله فَأحب الله لقاءه، وَأَن الْكَافِر إِذا بشر بِعَذَاب الله وَسخطه كره لِقَاء الله، وَكره الله لقاءه ". وَأخرج أَحْمد بِرِجَال الصَّحِيح وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه، وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه، قُلْنَا يَا رَسُول الله: كلنا نكره الْمَوْت. قَالَ: لَيْسَ ذَاك كَرَاهِيَة الْمَوْت، وَلَكِن الْمُؤمن إِذا حضر جَاءَهُ البشير من الله فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يكون قد لَقِي الله فَأحب الله لقاءه، وَإِن الْفَاجِر وَالْكَافِر إِذا حضر جَاءَهُ مَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من الشَّرّ، أَو مَا يلقى من الشَّرّ، فكره لِقَاء الله فكره الله لقاءه ".

стр. 285

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: قَالَ الله: إِذا أحب عَبدِي لقائي أَحْبَبْت لقاءه، وَإِذا كره لقائي كرهت لقاءه " وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " تحفة الْمُؤمن الْمَوْت ". وَأخرج أَحْمد من رِوَايَة عبد الله ابْن [زَجْر] من حَدِيث معَاذ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِن شِئْتُم أنبأتكم مَا أول مَا يَقُول الله للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة، وَمَا أول مَا يَقُولُونَ لَهُ قُلْنَا: نعم يَا رَسُول الله قَالَ: إِن الله يَقُول للْمُؤْمِنين: هَل أَحْبَبْتُم لقائي، فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا، فَيَقُول لَهُم: لم؟ فَيَقُولُونَ: رجونا عفوك ومغفرتك فَيَقُول: قد وَجَبت لكم مغفرتي ". قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَأسْندَ الْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد عَن الْجُنَيْد سيد الطَّائِفَة قَالَ: الْكَرَاهَة هُنَا لما يقلى الْمُؤمن من الْمَوْت، وصعوبته وكربه وَلَيْسَ الْمَعْنى أنس أكره لَهُ الْمَوْت لِأَن الْمَوْت يُورِدهُ إِلَى رَحْمَة الله ومغفرته " انْتهى. أَقُول: ظَاهر الْأَحَادِيث الَّتِي قدمناها: أَن الْكَرَاهَة لنَفس الْمَوْت الَّذِي هُوَ انْتِقَال من الدَّار الأولى إِلَى الدَّار الْآخِرَة من غير حَاجَة إِلَى تَأْوِيل. وَلَا شكّ أَن الْكَرَاهَة للْمَوْت قد تكون لاستصعاب مقدماته، وَقد تكون لما فِي الْمَوْت من مُفَارقَة الْأَهْل وَالْولد وَالْأَصْحَاب والأتراب، وَقد تكون للخوف من أَن يُفَارق الدُّنْيَا وَهُوَ غير رَاض من نَفسه بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَة، أَو لذنوب اقترفها لم
следующие страницы →