Полный текст (308 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
تَقْدِيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
و [ ﷺ ] على سيد الْمُرْسلين، وَآله الأكرمين، وَرَضي الله عَن صحابته الأفضلين.
وَبعد.
فَإِنَّهُ لما كَانَ حَدِيث: (من عَاد لي وليا) قد اشْتَمَل على فَوَائِد كَثِيرَة النَّفْع، جليلة الْقدر لمن فهمها حق فهمها، وتدبرها كَمَا يَنْبَغِي، أَحْبَبْت أَن أفرد هَذَا الحَدِيث الْجَلِيل بمؤلف مُسْتَقل، أنشر من فَوَائده مَا تبلغ إِلَيْهِ الطَّاقَة ويصل إِلَيْهِ الْفَهم، وَمَا أحقه بِأَن يفرد بالتأليف، فَإِنَّهُ قد اشْتَمَل على كَلِمَات كلهَا دُرَر، الْوَاحِدَة مِنْهَا تحتهَا من الْفَوَائِد، مَا ستقف على الْبَعْض مِنْهُ. وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد حَكَاهُ عَن الرب سُبْحَانَهُ من أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم، وَمن هُوَ أفْصح من نطق بالضاد، وَخير الْعَالم بأسره، وَأجل خلق الله، وَسيد ولد آدم [ ﷺ ] ؟
وَلم يسْتَوْف شرَّاح الحَدِيث ﵏ مَا يسْتَحقّهُ هَذَا الحَدِيث من الشَّرْح.
стр. 2
فَإِن ابْن حجر ﵀ لم يشرحه فِي فتح الْبَارِي إِلَّا بِنَحْوِ ثَلَاث ورق مَعَ أَن شَرحه أكمل شرح البُخَارِيّ، وأكثرها تَحْقِيقا، وأعمها نفعا. وَلَا حَاجَة لنا فِي الْكَلَام على رجال إِسْنَاده، فقد أجمع أهل هَذَا الشَّأْن أَن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ، أَو أَحدهمَا كلهَا من الْمَعْلُوم صدقه المتلقى بِالْقبُولِ الْمجمع على ثُبُوته. وَعند هَذِه الإجماعات تنْدَفع كل شُبْهَة، وَيَزُول كل تشكيك.
وَقد دفع أكَابِر الْأَئِمَّة من تعرض للْكَلَام على شَيْء مِمَّا فيهمَا، وردوه أبلغ رد، وبينوا صِحَّته أكمل بَيَان. فَالْكَلَام على إِسْنَاده بعد هَذَا، لَا يَأْتِي بفائدة يعْتد بهَا. فَكل رُوَاته قد جازوا القنطرة، وارتفع عَنْهُم القيل والقال، وصاروا أكبر من أَن يتَكَلَّم فيهم بِكَلَام، أَو يتناولهم طعن طَاعن، أَو توهين موهن.
وسميته (قطر الْوَلِيّ على حَدِيث الْوَلِيّ) . قَالَ فِي الصِّحَاح: وَالْوَلِيّ الْمَطَر
стр. 3
بعد الوسمى، سمي وليا لِأَنَّهُ يَلِي الوسمى. وَهُوَ من
حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَلَفظه فِي البُخَارِيّ هَكَذَا. قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (إِن الله ﵎ قَالَ: من عادى لي وليا، فقد آذنته بِالْحَرْبِ، وَمَا تقرب إليَّ عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ، وَمَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إليَّ بالنوافل حَتَّى أحببته فَإِذا أحببته، كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يُبصر بِهِ، وَيَده الَّذِي يبطش بهَا، وَرجله الَّذِي يمشي بهَا، وَإِن سَأَلَني أَعْطيته، وَإِن استعاذني أعذته، وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددى عَن نفس الْمُؤمن يكره الْمَوْت، وأكره إساءته ". انْتهى.
стр. 4
قَوْله: " إِن الله [تبَارك] وَتَعَالَى "، قَالَ: هَذَا من الْأَحَادِيث الإلهية القدسية، وَهُوَ يحْتَمل أَن يكون مِمَّا تَلقاهُ [ ﷺ ] ، عَن ربه بِلَا وَاسِطَة، وَيحْتَمل أَن يكون مِمَّا تَلقاهُ [ ﷺ ] عَن ربه بِوَاسِطَة الْملك. قَالَ الْكرْمَانِي: " يحْتَمل أَن يكون من الْأَحَادِيث القدسية، وَيحْتَمل أَن يكون لبَيَان الْوَاقِع وَالرَّاجِح الأول ".
وَقد وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنه [ ﷺ ] حدث بِهِ عَن جِبْرِيل عَن الله .
стр. 5
الْفَصْل الأول
من هُوَ الْوَلِيّ ؟
стр. 6
فارغة.
стр. 7
قَوْله: من عادى لي وليا. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَالْوَلِيّ ضد الْعَدو انْتهى. وَالْولَايَة ضد الْعَدَاوَة. وأصل الْولَايَة الْمحبَّة والتقرب كَمَا ذكره أهل اللُّغَة، وأصل الْعَدَاوَة البغض والبعد. قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي: المُرَاد بولِي الله الْعَالم بِاللَّه تَعَالَى [المواظب] على طَاعَته المخلص فِي عِبَادَته " انْتهى.
وَهَذَا التَّفْسِير للْوَلِيّ، هُوَ الْمُنَاسب لِمَعْنى الْوَلِيّ الْمُضَاف إِلَى الرب سُبْحَانَهُ. وَيدل على ذَلِك مَا فِي الْآيَات القرآنية. كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة لَا تَبْدِيل لكلمات الله ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾
وَكَقَوْلِه : ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ .
وَكَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين، يجاهدون فِي سَبِيل الله، وَلَا يخَافُونَ لومة لائم، ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَالله وَاسع عليم. إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ. وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا، فَإِن حزب الله هم
стр. 8
الغالبون﴾ . وَغير ذَلِك من الْآيَات. فأولياء الله هم خلص عباده القائمون بطاعاته المخلصون لَهُ.
أفضل الْأَوْلِيَاء:
وَأفضل أَوْلِيَاء الله هم الْأَنْبِيَاء، وَأفضل الْأَنْبِيَاء هم المُرْسَلُونَ، وَأفضل الرُّسُل هم أولو الْعَزْم: نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى، وَمُحَمّد [ ﷺ ] . وَأفضل أولي الْعَزْم نَبينَا مُحَمَّد [ ﷺ ] ، وَهُوَ الَّذِي أنزل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَجعل سُبْحَانَهُ صدق محبَّة الله متوقفة على اتِّبَاعه، وَجعل اتِّبَاعه سَبَب حُصُول الْمحبَّة من الله سُبْحَانَهُ.
وَقد ادَّعَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنهم أَبنَاء الله وأحباؤه وأولياؤه. ﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم، بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق، يغْفر لمن يَشَاء، ويعذب من يَشَاء، وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾ . بل ادعوا أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ مِنْهُم. (وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هوداً أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين.
стр. 9
بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن، فَلهُ أجره عِنْد ربه، وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ . بل قد ادّعى ذَلِك مشركو الْعَرَب كَمَا حكى الله سُبْحَانَهُ ذَلِك عَنْهُم بقوله: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك، أَو يَقْتُلُوك، أَو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَا كَانُوا أولياءه، إِن أولياؤه إِلَّا المتقون، وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ . وهم فِي الْحَقِيقَة أَوْلِيَاء الشَّيْطَان، كَمَا قَالَ : ﴿الَّذين آمنُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله، وَالَّذين كفرُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الطاغوت، فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان، إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن، فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه، وَالَّذين هم بِهِ مشركون﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا، إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ، ففسق عَن أَمر ربه، أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني، وهم لكم عَدو بئس للظالمين بَدَلا﴾ . [وَقَالَ سُبْحَانَهُ] : ﴿وَمن يتَّخذ الشَّيْطَان وليا من دون الله فقد خسر خسراناً مُبينًا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم
стр. 10
من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه، فَلَا تخافوهم، وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ ﴿وَقَالَ﴾ (إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله، وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ . وَقَالَ الْخَلِيل [ ﷺ ] : ﴿يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف أَن يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن فَتكون الشَّيْطَان وليا﴾ . وَثَبت عَنهُ [ ﷺ ] فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ: " إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا لي بأولياء، إِنَّمَا ووليِّي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ ". وَهُوَ كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ، فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ، وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير﴾ .
طَبَقَات الْأَوْلِيَاء:
قَالَ الإِمَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀: " (فصل) وأولياء الله
стр. 11
على طبقتين: سَابِقُونَ مقربون، وأبرار أَصْحَاب يَمِين مقتصدون. ذكرهم الله سُبْحَانَهُ فِي عدَّة مَوَاضِع من كِتَابه، فِي أول الْوَاقِعَة، وَآخِرهَا، وَفِي سُورَة الْإِنْسَان، والمطففين، وَفِي سُورَة فاطر، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذكر فِي الْوَاقِعَة، الْقِيَامَة الْكُبْرَى فِي أَولهَا، وَذكر الْقِيَامَة الصُّغْرَى فِي آخرهَا، فَقَالَ فِي أَولهَا: ﴿إِذا وَقعت الْوَاقِعَة لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة خافضة رَافِعَة إِذا رجت الأَرْض رجا وبست الْجبَال بسا فَكَانَت هباء منبثا وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين﴾ . فَهَذَا تَقْسِيم النَّاس إِذا قَامَت الْقِيَامَة الْكُبْرَى الَّتِي يجمع الله فِيهَا الْأَوَّلين والآخرين كَمَا وصف فِي كِتَابه فِي غير مَوضِع. ثمَّ قَالَ فِي آخر السُّورَة " فلولا "، أَي فَهَلا، ﴿إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ . وَقَالَ فِي سُورَة الْإِنْسَان: (إِنَّا هديناه السبيلا إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا. إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيراً، إِن الْأَبْرَار يشربون من كأس كَانَ مزاجها كافوراً عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيراً. يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا. ويطعمون الطَّعَام على حَبَّة مِسْكينا ويتيما وأسيرا إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله لَا نُرِيد مِنْكُم جَزَاء وَلَا
стр. 12
شكُورًا﴾ الْآيَات.
وَكَذَلِكَ فِي سُورَة المطففين: ﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين، وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين. كتاب مرقوم. ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين. الَّذين يكذبُون بِيَوْم الدّين وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم. إِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين. كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون. ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم. ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون، كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين. وَمَا أَدْرَاك مَا عليون. كتاب مرقوم يشهده المقربون. إِن الْأَبْرَار لفي نعيم. على الأرائك ينظرُونَ. تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك. وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون﴾ . فَعَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من السّلف: قَالُوا يمزج لأَصْحَاب الْيمن مزجا. وَيشْرب بهَا المقربون صرفا. وَهُوَ كَمَا قَالُوا، فَإِنَّهُ قَالَ يشرب بهَا المقربون وَلم يقل مِنْهَا. لِأَنَّهُ ضمن قَوْله يشرب معنى يرْوى، فَإِن الشَّارِب قد يرْوى وَقد لَا يرْوى. فَإِذا قيل يشرب مِنْهَا لم يدل على الرِّي، وَإِذا قَالَ يشرب بهَا كَانَ الْمَعْنى يُرْوَون بهَا فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعهَا إِلَى مَا هُوَ
стр. 13
دونهَا. فَلهَذَا شَرِبُوهَا صرفا. بِخِلَاف أَصْحَاب الْيَمين فَإِنَّهَا مزجت لَهُم مزجا. وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْإِنْسَان: ﴿كَانَ مزاجها كافورا عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ .
فَعبَّاد الله هم المقربون المذكورون فِي تِلْكَ السُّورَة.
وَهَذَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل، فِي الْخَيْر وَالشَّر، كَمَا قَالَ [ ﷺ ] : " من نفس [عَن] مُؤمن كربَة، من كرب الدُّنْيَا نفس الله الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن ستر مُسلما، ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ [العَبْد] فِي عون أَخِيه، وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس (فِيهَا) علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة، وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله، [وَيَتَدَارَسُونَهُ] بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة، وَذكرهمْ الله تَعَالَى فِيمَن عِنْده، وَمن بطأ بِهِ عمله، لم
стр. 14
يسْرع بِهِ نسبه ". رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه. وَقَالَ: " الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن، ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء ". قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث صَحِيح. وَفِي الصَّحِيح: " يَقُول الله تَعَالَى: خلقت الرَّحِم، وشققت لَهَا اسْما من اسْمِي، فَمن وَصلهَا، وصلته، وَمن قطعهَا، قطعته ". وَقَالَ " من وصل صفا وَصله الله، وَمن قطعه قطعه الله ". وَمثل هَذَا كثير ".
" وَقد ذكر الله أولياءه الْمُقْتَصِدِينَ؛ والسابقين، فِي سُورَة فاطر بقوله: ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا، فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات، بِإِذن الله ذَلِك هُوَ الْفضل الْكَبِير. جنَّات عدن يدْخلُونَهَا يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب، ولؤلؤا ولباسهم فِيهَا حَرِير. وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن إِن رَبنَا لغَفُور شكور. الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله لَا يمسنا فِيهَا نصب، وَلَا يمسنا فِيهَا لغوب ".
وَهَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة هم أمة مُحَمَّد ( [ ﷺ ] ﴾ خَاصَّة
стр. 15
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا﴾ الْآيَة. وَأمة مُحَمَّد ( [ ﷺ ] ) هم الَّذين أورثوا الْكتاب بعد الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة. وَلَيْسَ ذَلِك مُخْتَصًّا بحفاظ الْقُرْآن بل كل من آمن بِالْقُرْآنِ فَهُوَ من هَؤُلَاءِ. وقسمهم إِلَى ظَالِم لنَفسِهِ، ومقتصد، وسابق بالخيرات. بِخِلَاف الْآيَات الَّتِي فِي الْوَاقِعَة والمطففين، والانفطار وَالْإِنْسَان. فَإِنَّهُ دخل فِيهَا جَمِيع الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة كافرهم، ومؤمنهم.
وَهَذَا التَّقْسِيم لأمة مُحَمَّد [ ﷺ ] . فالظالم لنَفسِهِ أَصْحَاب الذُّنُوب المصرون عَلَيْهَا. والمقتصد الْمُؤَدِّي للفرائض المجتنب للمحارم، وَالسَّابِق بالخيرات هُوَ الْمُؤَدِّي للفرائض والنوافل المجتنب للمحرمات والمكروهات كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَات.
ثمَّ ذكر الله سُبْحَانَهُ المفاضلة بَين أوليائه الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: ﴿انْظُر كَيفَ فضلنَا بَعضهم على بعض وللآخرة أكبر دَرَجَات وأكبر تَفْضِيلًا﴾ . بل بَين سُبْحَانَهُ التَّفَاضُل بَين أنبيائه فَقَالَ: ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض، مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات وآتينا عِيسَى بن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض وآتينا دَاوُد زبورا﴾ .
стр. 16
وَفِي
صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: (الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف، وَفِي كل خير، احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز، وَإِن أَصَابَك شَيْء فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل، فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان) . وَفِي
سنَن أبي دَاوُد عَن عَوْف بن مَالك أَنه حَدثهمْ أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قضى بَين رجلَيْنِ، فَقَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ لما أدبر: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل، فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : (إِن الله يلوم على الْعَجز وَلَكِن عَلَيْك بالكَيس فَإِذا غلبك أَمر فَقل حسبي الله وَنعم الْوَكِيل) .
وَفِي
الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أبي هُرَيْرَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قَالَ: (إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر ". وروى من طرق خَارج الصَّحِيحَيْنِ " أَن للمصيب عشرَة أجور ".
стр. 17
وَقَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة وكلا وعد الله الْحسنى وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ . وَقَالَ: ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم﴾ . وَقَالَ: ﴿أَمن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا يحذر الْآخِرَة ويرجو رَحْمَة ربه قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ . وَقَالَ: ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ .
الْأَوْلِيَاء غير الْأَنْبِيَاء لَيْسُوا بمعصومين:
وَاعْلَم أَن أَوْلِيَاء الله غير الْأَنْبِيَاء لَيْسُوا بمعصومين، بل يجوز عَلَيْهِم مَا يجوز
стр. 18
على سَائِر عباد الله الْمُؤمنِينَ. لكِنهمْ قد صَارُوا فِي رُتْبَة رفيعة ومنزلة عليَّه. فقلَّ أَن يَقع مِنْهُم مَا يُخَالف الصَّوَاب وينافي الْحق. فَإِذا وَقع ذَلِك فَلَا يخرجهم عَن كَونهم أَوْلِيَاء الله. كَمَا يجوز أَن يُخطئ الْمُجْتَهد وَهُوَ مأجور على خطئه حَسْبَمَا تقدم أَنه إِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر.
وَقد تجَاوز الله سُبْحَانَهُ لهَذِهِ الْأمة عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ . وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح " أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ: بعد كل دَعْوَة من هَذِه الدَّعْوَات قد فعلت ". وَحَدِيث " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان " قد كثرت طرقه حَتَّى صَار من قسم الْحسن لغيره كَمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ.
المقياس فِي قبُول الْوَاقِعَات والمكاشفات:
وَلَا يجوز للْوَلِيّ أَن يعْتَقد فِي كل مَا يَقع لَهُ من الْوَاقِعَات والمكاشفات أَن ذَلِك كَرَامَة من الله سُبْحَانَهُ. فقد يكون من تلبيس الشَّيْطَان ومكره.
بل الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يعرض أَقْوَاله وأفعاله على الْكتاب وَالسّنة، فَإِن كَانَت مُوَافقَة لَهَا فَهِيَ حق وَصدق وكرامة من الله سُبْحَانَهُ. وَإِن كَانَت مُخَالفَة لشَيْء من ذَلِك، فَليعلم أَنه مخدوع ممكور بِهِ قد طمع مِنْهُ الشَّيْطَان فَلبس عَلَيْهِ.
إِمْكَان وُقُوع المكاشفات
وَلَيْسَ لمنكر أَن يُنكر على أَوْلِيَاء الله مَا يَقع مِنْهُم من المكاشفات
стр. 19
الصادقة الْمُوَافقَة للْوَاقِع. فَهَذَا بَاب قد فَتحه رَسُول الله [ ﷺ ] ، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدَّثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد مِنْهُم فعمر مِنْهُم ". وَفِي لفظ فِي الصَّحِيح: " إِن فِي هَذِه الْأمة محدَّثين وَإِن مِنْهُم عمر ". والمحدَّث الصَّادِق الظَّن الْمُصِيب الفراسة. وَحَدِيث: " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ يرى بِنور الله " أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه.
الْوَاجِب على الْوَلِيّ فِيمَا يصدر من أَعمال:
وَقد كَانَ عمر ﵁ مَعَ كَونه مشهودا لَهُ بِأَنَّهُ من الْمُحدثين بِالنَّصِّ النَّبَوِيّ يشاور الصَّحَابَة ويشاورونه، ويراجعهم ويراجعونه، ويحتج عَلَيْهِم بِالْكتاب وَالسّنة، ويرجعون جَمِيعًا إِلَيْهِمَا، ويردون مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَمر الله بِالرَّدِّ إِلَيْهِ من الرَّد إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَإِلَى رَسُوله [ ﷺ ] ، فالرد إِلَى الله هُوَ الرَّد إِلَى كِتَابه وَالرَّدّ إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] بعد مَوته هُوَ الرَّد إِلَى مَا صَحَّ من سنته.
стр. 20
فَحق على الْوَلِيّ وَإِن بلغ فِي الْولَايَة إِلَى أَعلَى مقَام وَأَرْفَع مَكَان، أَن يكون مقتديا بِالْكتاب وَالسّنة، وازناً لأفعاله وأقواله بميزان هَذِه الشَّرِيعَة المطهرة، وَاقِفًا على الْحَد الَّذِي رسم فِيهَا غير زائغ عَنْهَا فِي شَيْء من أُمُوره، فقد ثَبت عَنهُ [ ﷺ ] فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ: " كل أَمر لَيْسَ على أمرنَا فَهُوَ رد ". وَإِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد يُخَالف الشَّرِيعَة رده، واعتقد أَنه من الشَّيْطَان، ويدافع ذَلِك بِحَسب استطاعته، وَبِمَا تبلغ إِلَيْهِ قدرته. قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَمن خَالف هَذَا مِمَّن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْوَلِيّ فَلَيْسَ من أَوْلِيَاء الله .
وَمَا أحسن مَا قَالَه (أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي) : (إِنَّهَا لتقع فِي قلبِي النُّكْتَة
стр. 21
من نكت الْقَوْم فَلَا أقبلها إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة) . وَقَالَ (الْجُنَيْد) ﵀: " علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة، فَمن لم يقْرَأ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يَصح لَهُ أَن يتَكَلَّم فِي علمنَا ". وَقَالَ " أَبُو عُثْمَان النَّيْسَابُورِي ": " من أَمر على نَفسه الشَّرِيعَة قولا وفعلا نطق بالحكمة، وَمن أَمر على نَفسه الْهوى قولا وفعلا نطق بالبدعة، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَإِن تطيعوه تهتدوا﴾ . وَقَالَ (أَبُو عَمْرو بن نجيد) " كل [وجد] لَا يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ بَاطِل ".
خوارق غير الْأَوْلِيَاء:
وَإِذا عرفت أَنه لَا بُد للْوَلِيّ من أَن يكون مقتدياً فِي أَقْوَاله وأفعاله بِالْكتاب وَالسّنة، وَأَن ذَلِك هُوَ المعيار الَّذِي يعرف بِهِ الْحق من الْبَاطِل، فَمن ظهر مِنْهُ
стр. 22
شَيْء مِمَّا يُخَالف هَذَا المعيار فَهُوَ رد عَلَيْهِ، وَلَا يجوز لأحد أَن يعْتَقد فِيهِ أَنه ولي الله، فَإِن أَمْثَال هَذِه الْأُمُور تكون من أَفعَال الشَّيَاطِين، كَمَا نشاهده فِي الَّذين لَهُم تَابع من الْجِنّ. فَإِنَّهُ قد يظْهر على يَده مَا يظنّ من لم يستحضر هَذَا المعيار أَنه كَرَامَة. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مخاريق شيطانية وتلبيسات إبليسية.
وَلِهَذَا ترَاهُ يظْهر من أهل الْبدع، بل من أهل الْكفْر وَمِمَّنْ يتْرك فَرَائض الله سُبْحَانَهُ ويتلوث بمعاصيه. لِأَن الشَّيْطَان أميل إِلَيْهِم للاشتراك بَينه وَبينهمْ فِي مُخَالفَة مَا شَرعه الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ.
وَقد يظْهر شَيْء مِمَّا يظنّ أَنه كَرَامَة من أهل الرياضة وَترك الاستكثار من الطَّعَام وَالشرَاب على تَرْتِيب مَعْلُوم، وقانون مَعْرُوف. حَتَّى يَنْتَهِي حَاله إِلَى أَن لَا يَأْكُل إِلَّا فِي أَيَّام ذَوَات الْعدَد، ويتناول بعد مُضِيّ أَيَّام شَيْئا يَسِيرا. فَيكون لَهُ بِسَبَب ذَلِك بعض صفاء من الكدورات البشرية، فيدرك مَا لَا يُدْرِكهُ غَيره، وَلَيْسَ هَذَا من الكرامات فِي شَيْء. وَلَو كَانَ من الكرامات الربانية، والتفضلات الرحمانية، لم يظْهر على أَيدي أَعدَاء الله، كَمَا يَقع كثيرا من المرتاضين من كفرة الْهِنْد الَّذين يسمونهم الْآن (الجوكية) .
وَقد يظْهر شَيْء مِمَّا يظنّ أَنه كَرَامَة على لِسَان بعض المجانين. وَسبب ذَلِك كَمَا ذكره الْحُكَمَاء أَنه قد ذهب عَنهُ مَا يصنعه الْفِكر من التَّفْصِيل وَالتَّدْبِير، اللَّذين يستمران للعقلاء. فَيكون لعقله إِدْرَاك لَا يكون للعقلاء، فَيَأْتِي فِي بعض الأحيان بمكاشفات صَحِيحَة، وَهُوَ مَعَ ذَلِك متلوث بِالنَّجَاسَةِ مرتبك فِي القاذورات
стр. 23
قَاعد فِي الْمَزَابِل، وَمَا يشابهها فيظن من لَا حَقِيقَة عِنْده أَنه من أَوْلِيَاء الله، وَذَلِكَ ظن بَاطِل، وتخيل مختل، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَجْنُون قد رفع الله عَنهُ قلم التَّكْلِيف، وَلم يكن وليا لله، وَلَا عدوا.
المكاشفات الصَّحِيحَة وأولياء الْمُؤمنِينَ:
وَقد تكون المكاشفة من رجل جعله الله سُبْحَانَهُ من الْمُحدثين حَسْبَمَا سبق تَحْقِيق ذَلِك وَهَذِه طَريقَة أثبتها الشَّرْع وَصَحَّ بهَا الدَّلِيل.
وَالْغَالِب أَن ذَلِك لَا يكون إِلَّا من خلص الْمُؤمنِينَ كَمَا سبق فِي حَدِيث " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن ".
وَهَذَا الحَدِيث هُوَ شَيْء يوقعه الله فِي روع من كتب لَهُ ذَلِك، فيلقيه إِلَى النَّاس فَيكون مطابقاً للْوَاقِع، وَلَيْسَ من الكهانة، وَلَا من بَاب النجامة والرمل وَلَا من بَاب تلقين الشَّيْطَان كَمَا كَانَ يَقع لعمر بن الْخطاب ﵁.
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه أَنه لَا يزَال العَبْد يتَقرَّب إِلَى الله سُبْحَانَهُ بالنوافل حَتَّى يُحِبهُ، فَإِذا أحبه كَانَ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا، وَرجله الَّتِي يمشي بهَا، وسنتكلم إِن شَاءَ الله على مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ النَّبَوِيَّة.
وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم من ذَلِك الْكثير الطّيب كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .
стр. 24
وللصحابة، ﵃، النَّصِيب الوافر من طَاعَة الله سُبْحَانَهُ وَمن التَّقَرُّب إِلَيْهِ بِمَا يُحِبهُ، وَلِهَذَا صَارُوا حير الْقُرُون كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المروية من وُجُوه كَثِيرَة، وَثَبت عَنهُ [ ﷺ ] فِي الصَّحِيح من طرق كَثِيرَة أَن النَّبِي [ ﷺ ] ، قَالَ:
(لَا تسبوا أَصْحَابِي فَوَالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أُحد ذَهَبا مَا بلغ مُدَّ أحدهم، وَلَا نصيفه) . فَانْظُر إِلَى هَذِه المزية الْعَظِيمَة، والخصيصة الْكَبِيرَة الَّتِي لم تبلغ من غَيرهم إِنْفَاق مثل الْجَبَل الْكَبِير من الذَّهَب نصف المُدَّ الَّذِي يُنْفِقهُ الْوَاحِد مِنْهُم، فَرضِي الله عَنْهُم وأرضاهم.
فهم أفضل أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَاهُمْ منزلَة عِنْده، وهم الَّذين عمِلُوا بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله [ ﷺ ] .
فَمن جَاءَ بعدهمْ مِمَّن يُقَال لَهُ إِنَّه من الْأَوْلِيَاء، لَا يكون وليا لله إِلَّا إِذا اتبع رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم واهتدى بهديه واقتدى بِهِ فِي أَقْوَاله وأفعاله.
شخصية الْوَلِيّ
:
وَاعْلَم أَن من أعظم مَا يتَبَيَّن بِهِ من هُوَ من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ أَن يكون مجاب الدعْوَة، رَاضِيا عَن الله فِي كل حَال، قَائِما بفرائض الله سُبْحَانَهُ، تَارِكًا لمناهيه، زاهداً فِيمَا يتكالب [عَلَيْهِ] النَّاس من طلب
стр. 25
الْعُلُوّ فِي الدُّنْيَا، والحرص على رياستها، لَا يكون لنَفسِهِ شغل بملاذ الدُّنْيَا وَلَا بالتكاثر مِنْهَا، وَلَا بتحصيل أَسبَاب الْغنى، وَكَثْرَة اكْتِسَاب الْأَمْوَال وَالْعرُوض إِذا وصل إِلَيْهِ الْقَلِيل صَبر، وَإِن وصل إِلَيْهِ الْكثير شكر، يَسْتَوِي عِنْده الْمَدْح، والذم والفقر والغناء، والظهور والخمول، غير معجب بِمَا من الله بِهِ عَلَيْهِ من خِصَال الْولَايَة إِذا زَاده الله رفْعَة، زَاد فِي نَفسه تواضعاً وخضوعا. حسن الْأَخْلَاق كريم الصُّحْبَة عَظِيم الْحلم كثير الِاحْتِمَال.
وَبِالْجُمْلَةِ فمعظم اشْتِغَاله بِمَا رغب الله فِيهِ، وَندب عباده إِلَيْهِ فَمن كملت لَهُ هَذِه الْخِصَال، واتصف بِهَذِهِ الصِّفَات، واتسم بِهَذِهِ السمات، فَهُوَ ولي الله الْأَكْبَر الَّذِي يَنْبَغِي لكل مُؤمن أَن يقر لَهُ بذلك، ويتبرك بِالنّظرِ إِلَيْهِ، والقرب مِنْهُ.
وَمن كَانَ فِيهِ بعض هَذِه الْخِصَال، واشتمل على شطر من هَذِه الصِّفَات فَلهُ من الْولَايَة بِقدر مَا رزقه الله سُبْحَانَهُ مِنْهَا، ووهب لَهُ من محاسنها.
وَالْبَاب الْأَعْظَم للدخول إِلَى سُوح الْولَايَة هُوَ الْإِيمَان بِاللَّه كَمَا ندب إِلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] حَيْثُ قَالَ لما سُئِلَ عَن الْإِيمَان:
(أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله، وَالْقدر خَيره وشره) .
وأصعب هَذِه الْخِصَال الْإِيمَان بِالْقدرِ فَإِنَّهُ إِذا حصل لَهُ ذَلِك على الْوَجْه
стр. 26
الْمُعْتَبر هَانَتْ عَلَيْهِ جَمِيع الْأُمُور، وَفرغ من شغل قلبه بِمَا نزل عَلَيْهِ من الْمَقَادِير خَيرهَا وشرها.
وَلَا يُنَافِي ذَلِك تعوذه ( [ ﷺ ] ) من سوء الْقَضَاء. فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن من الدَّعْوَات النَّبَوِيَّة قَوْله [ ﷺ ] :
(اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من سوء الْقَضَاء، ودرك الشَّقَاء، وَجهد الْبلَاء، وشماتة الْأَعْدَاء) وَثَبت عَنهُ [ ﷺ ] أَنه كَانَ يَقُول فِي قنوت الْوتر:
(وَقِنِي شَرَّ مَا قضيت) .
وأولياء الله سُبْحَانَهُ يتفاوتون فِي الْولَايَة بِقُوَّة مَا رزقهم الله سُبْحَانَهُ من الْإِيمَان، فَمن كَانَ أقوى إِيمَانًا كَانَ فِي بَاب الْولَايَة أعظم شَأْنًا، وأكبر قدرا وَأعظم قرباً إِلَى الله، وكرامة لَدَيْهِ.
وَمن لَازم الإيمانِ الْقوي العملُ السوي، والتحبُّبُ إِلَى الله بمحبته ومحبة رَسُوله [ ﷺ ] ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ . وَكلما، ازْدَادَ بَعْدَ التَّقَرُّب إِلَى الله بِفَرَائِضِهِ، وَاجْتنَاب مناهيه، بِفعل النَّوَافِل، والاستكثار من ذكره ، زَاده الله محبَّة وَفتح لَهُ أَبْوَاب الْخَيْر كُله دِقِّهِ وَجِله كَمَا سَيَأْتِي من الْكَلَام على شرح هَذَا الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه وَبَيَان مَعَانِيه الشَّرِيفَة ونكاته اللطيفة.
стр. 27
جَوَاز الكرامات:
وَمن وُهِب لَهُ هَذِه الموهوبات الجليلة وتُفِضِّلَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّفَات الجميلة بِغَيْر بعيد، وَلَا مستنكر أَن تظهر على يَده من الكرامات الَّتِي لَا تنَافِي الشَّرِيعَة والتصرفات فِي مخلوقات الله الوسيعة، لِأَنَّهُ إِذا دَعَاهُ أَجَابَهُ وَإِذا سَأَلَهُ أعطَاهُ، وَلم يصب من جعل مَا يظْهر من كثير من الْأَوْلِيَاء من قطع المسافات الْبَعِيدَة، والمكاشفات الْمُصِيبَة، وَالْأَفْعَال، الَّتِي تعجز عَنْهَا غَالب القوى البشرية، من الْأَفْعَال الشيطانية والتصرفات الإبليسية.
فَإِن هَذَا غلط وَاضح، لِأَن من كَانَ مجاب الدعْوَة لَا يمْتَنع عَلَيْهِ أَن يسْأَل الله سُبْحَانَهُ أَن يوصله إِلَى أبعد الْأَمْكِنَة الَّتِي لَا تقطع طريقها إِلَّا فِي شهور فِي لَحْظَة يسيرَة، وَهُوَ الْقَادِر الْقوي الَّذِي مَا شاءه كَانَ، وَمَا لم يشأه لم يكن، وَأي بُعد فِي أَن يُجيب الله دَعْوَة من دَعَاهُ من أوليائه فِي مثل هَذَا الْمطلب وأشباهه. وَفِي مثل هَذَا يُقَال مَا قَالَه الشَّاعِر:
(وَالنَّاس ألف مِنْهُم كواحدٍ ... وَوَاحِد كالألف إِن أَمر عَفَا)
وَقَول الآخر:
(وَلم أر أَمْثَال الرِّجَال تَفَاوتا ... من النَّاس حَتَّى عُدَّ ألفٌ بِوَاحِد)
بل هَذَا الَّذِي تفضل الله عَلَيْهِ بِهَذِهِ التفضلات لَا يعْدِلُه الْألف وَلَا الآلاف مِمَّن لم ينل مَا نَالَ، وَلَا ظفر بِشَيْء من هَذِه الْخِصَال.
стр. 28
(فمالك والتلدد حول نجد ... وَقد غَصت تهَامَة بِالرِّجَالِ)
وَمن نظر فِي مثل الْحِلْية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة لِابْنِ الْجَوْزِيّ، عرف صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ، وَمَا كَانَ عَطاء رَبك مَحْظُورًا.
وَكم للصحابة، ﵃، من الكرامات الَّتِي يصعب حصرها وسنشير إِلَى بَعْضهَا قَرِيبا، وَلَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا إِجَابَة دُعَاء كثير مِنْهُم. وَقد عرفناك أَن إِجَابَة الدُّعَاء هِيَ أكبر كَرَامَة، وَمن أكْرمه الله بذلك دَعَا بِمَا يَشَاء كَيفَ يَشَاء من جليل الْأُمُور، وحقيرها وكبيرها، وصغيرها.
وَفِي كتب الحَدِيث وَالسير من ذَلِك الْكثير الطّيب، وَكَذَلِكَ فِي أُمَم الْأَنْبِيَاء السَّابِقين من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ الصَّالِحين الْعدَد الجم حَسْبَمَا نقل إِلَيْنَا عَن نَبينَا [ ﷺ ] ، وحسبما تحكيه التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، ونبوات
стр. 29
أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل الَّتِي من جُمْلَتهَا الزبُور.
وَالْحَاصِل أَن الله سُبْحَانَهُ يتفضل على عباده بِمَا يَشَاء، وَالْفضل بِيَدِهِ، من شَاءَ أعطَاهُ، وَمن شَاءَ مَنعه.
وَلَيْسَ لنا أَن ننكر إِلَّا مَا أنكرته الشَّرِيعَة المطهرة. فَمن جَاءَ بِمَا يُخَالِفهَا دفعناه ومنعناه.
وَأما مُجَرّد استبعاد أَن يهب الله سُبْحَانَهُ لبَعض عباده أمرا عَظِيما وَيُعْطِيه مَا تتقاصر عَنهُ قوى غَيره من الْمنح الجليلة، والتفضلات الجزيلة فَلَيْسَ مرادات المتصفين بالإنصاف. وَكَثِيرًا مَا ترى الجبان إِذا حكيت لَهُ أَفعَال الْأَفْرَاد من أهل الشجَاعَة من مقارعة الْأَبْطَال، وملابسة الْأَهْوَال ومنازلة الْعدَد الْكثير من الرِّجَال يستبعد عقله ذَلِك ويضيق ذهنه عَن تصَوره ويظنه بَاطِلا، وَلَا سَبَب لذَلِك إِلَّا أَن غريزته المجبولة على الْجُبْن الخالع تقصر عَن أقل قَلِيل من ذَلِك وتعجز عَن الملابسة لأحقر مِنْهُ.
وَهَكَذَا الْبَخِيل إِذا سمع مَا يحْكى عَن الأجواد من الْجُود بالموجود والسماحة بالكثير الَّذِي تشح نفوس من لم يهب الله لَهُ غريزة الْكَرم المحمودة بِعشر معشاره ظن أَن تِلْكَ الحكايات من كذب الوراقين وَمن مَخْرَقَةِ المُمَخْرِقِين وَهَكَذَا من قل حَظه من المعارف العليمة، وَقصر فهمه عَن إِدْرَاك الْفُنُون المتنوعة استبعد عقله، ونبا فهمه عَن قبُول مَا منح الله بِهِ أكَابِر عُلَمَاء هَذِه الْأمة من التَّوَسُّع فِي المعارف والاستكثار من الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة وفهمها كَمَا يَنْبَغِي، وحفظها حق الْحِفْظ، وَالتَّصَرُّف الْكَامِل فِي كل مَا يرد عَلَيْهِ مِنْهَا فيورده موارده، ويصدره مصادره.
стр. 30
فاعرف هَذَا، وَاعْلَم أَن مواهب الله لِعِبَادِهِ لَيست بِموضع لاستبعاد المستبعدين، وتشكيكات المشككين، فقد تفضل على بعض عباده بِالنُّبُوَّةِ واصطفاه لرسالته، وَجعله وَاسِطَة بَينه وَبَين عباده.
وتفضل على بعض عباده بِالْملكِ، وَجعله فَوق جَمِيع رَعيته، وَاخْتَارَهُ على من سواهُ مِنْهُم. وهم الْعدَد الجم، والسواد الْأَعْظَم، وَقد يكون غير شرِيف الأَصْل، وَلَا رفيع المحتد، كَمَا أعْطى ملك مصر وَالشَّام والحرمين وَغَيرهَا الْمُلُوك الجراكسة، وهم عبيد يجلب الْوَاحِد مِنْهُم إِلَى سوق الرَّقِيق، وَبعد حِين يصير ملكا كَبِيرا، وسلطانا جَلِيلًا.
وَهَكَذَا من ملك قبلهم من الأتراك لمماليك كبني قلاوون، وَأعْطى بني يوبه، وهم أَوْلَاد سماك غَالب، الممالك الإسلامية، وجعلهم الْحَاكِمين على الْخُلَفَاء العباسية، وعَلى سَائِر الْعباد فِي أقطار الأَرْض.
دع عَنْك التفضلات على هَذَا النَّوْع الإنساني المكرم بِالْعقلِ، وَانْظُر إِلَى
стр. 31
مَا من بِهِ على أَنْوَاع من مخلوقاته، فَإِن الشجَاعَة الَّتِي جعلهَا فِي الْأسد لَا يقوم لَهَا من بني آدم الْعدَد الْكثير، وَتلك موهبة من الله سُبْحَانَهُ، وَهَكَذَا كثير من أَنْوَاع الْحَيَوَان يخْتَص هَذَا بِالْقُوَّةِ الباهرة، وَهَذَا بالجسم الوافر وَهَذَا بِحسن التَّرْكِيب، وَهَذَا بالطيران فِي الْهَوَاء، وَهَذَا بِالْمَشْيِ فِي قَعْر الْبَحْر، وَالتَّصَرُّف لما يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أمواج المَاء.
وَكم يعد الْعَاد من تفضلات الْملك الْجواد جلَّت قدرته، فسبحانه مَا أعظم شَأْنه وأعز سُلْطَانه وأجلّ إحسانه.
وَهَذَا عَارض من القَوْل اقْتَضَاهُ تقريب مَا يتفضل الله بِهِ على خلص عباده إِلَى الأذهان الجامدة، والطبائع الراكدة حَتَّى تتزلزل عَن مَرْكَز الْإِنْكَار، وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار.
وَمن نظر إِلَى مَا وهبه الله سُبْحَانَهُ للصحابة ﵃، لم يستبعد شَيْئا مِمَّا وهبه الله لأوليائه ويصعب الْإِحَاطَة بِأَكْثَرَ ذَلِك فضلا عَن كُله. وَقد قدمنَا الْإِشَارَة إِلَى كراماتهم إِجْمَالا، وَنَذْكُر الْآن بعض كراماتهم على التَّفْصِيل وَالتَّعْيِين.
فَمِنْهَا أَن أسيد بن حضير ﵁ كَانَ يقْرَأ سُورَة الْكَهْف فَنزلت
стр. 32
عَلَيْهِ السكينَة من السَّمَاء مثل الظُّلة فِيهَا أَمْثَال السرج وَهِي الْمَلَائِكَة، وَأخْبر بذلك النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ لَهُ:
(لَو اسْتمرّ على تِلَاوَته لاستمرت تِلْكَ السكينَة واقفة عَلَيْهِ بَاقِيَة عِنْده) .
وَكَانَت الْمَلَائِكَة تسلم على عمرَان بن حُصَيْن، وَكَانَ سلمَان الْفَارِسِي وَأَبُو الدَّرْدَاء يأكلان فِي صَحْفَة فسبَّحت أَو سبَّح مَا فِيهَا، وَخرج عباد
стр. 33
ابْن بشر وَأسيد بن حضير من عِنْد رَسُول الله [ ﷺ ] فِي ظلمَة اللَّيْل فأضاء لَهما أَطْرَاف السَّوْط، فَلَمَّا افْتَرقَا افترق الضَّوْء مَعَهُمَا. وَكَانَ الصّديق ﵁ يَأْكُل هُوَ وأضيافه من الْقَصعَة، فَلَا يَأْكُلُون لقْمَة إِلَّا رَباً مِن أَسْفَلهَا أَكثر مِنْهَا فشبعوا، وَهِي أَكثر مِمَّا كَانَ فِيهَا قبل أَن يَأْكُلُوا.
وخُبَيْب بن عدي ﵁ لما أسره الْمُشْركُونَ كَانَ يُؤْتِي بقطف من الْعِنَب فِي غير وقته.
وعامر بن فهَيْرَة التمسوا جسده فحمته الدبر، وَلم يقدروا على الْوُصُول إِلَيْهِ. وَخرجت أم أَيمن، وَهِي صَائِمَة، وَلَيْسَ مَعهَا زَاد وَلَا مَاء
стр. 34
فعطشت حَتَّى كَادَت تتْلف، فَلَمَّا كَانَ وَقت الْفطر سَمِعت حسا على رَأسهَا فَرَفَعته فَإِذا هُوَ دلو برشاء أَبيض مُعَلّق فَشَرِبت مِنْهُ حَتَّى رويت وَمَا عطشت بعْدهَا.
وَأخْبر سفينة مولى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم الْأسد أَنه مولى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَمشى مَعَه الْأسد حَتَّى أوصله إِلَى مقْصده.
والبراء بن مَالك كَانَ إِذا أقسم على الله أبر قسمه. وَكَانَ الْحَرْب إِذا اشْتَدَّ على الْمُسلمين فِي الْجِهَاد يَقُولُونَ: يَا برَاء أقسم على رَبك. فَيَقُول:
стр. 35
أقسم عَلَيْك يَا رب لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شَهِيد فمنحوا أكتفاهم وَقتل شَهِيدا.
وحاصر خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله [عَنهُ] حصنا فَقَالُوا: لَا نسلم حَتَّى تشرب السم فشربه، وَلم يضرّه.
وَأرْسل عمر بن الْخطاب ﵁ جَيْشًا مَعَ رجل يُسمى سَارِيَة فَبَيْنَمَا عمر يخْطب جعل يَصِيح على الْمِنْبَر: يَا سَارِيَة الْجَبَل، يَا سَارِيَة الْجَبَل، فَقدم رَسُول الله الْجَيْش فَسَأَلَهُ عمر فَقَالَ: (يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَقينَا عدونا فهزمونا،
стр. 36
فَإِذا بصائحٍ يَقُول: يَا سَارِيَة الْجَبَل، يَا سَارِيَة الْجَبَل. فأسندنا ظُهُورنَا بِالْجَبَلِ فهزمناهم) .
وَلما عذبت بعض الصحابيات ذهب بصرها، فَقَالَ الْمُشْركُونَ مَا أصَاب بصرها إِلَّا اللات والعزى، فَقَالَت: كلا وَالله، فردَّ الله عَلَيْهَا بصرها وَكَانَ سعد بن وَقاص ﵁ مجاب الدعْوَة مَا دَعَا قَطٍّ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ. وَكَذَلِكَ سعيد بن زيد ﵁ دَعَا على الْمَرْأَة لما كذبت عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَت كَاذِبَة فأعم بصرها، واقتلها فِي أرْضهَا فعميت وَوَقعت فِي حفيرة فِي أرْضهَا فَمَاتَتْ.
стр. 37
ودعا الله الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ بِأَن يسقوا، ويتوضئوا، لما عدموا المَاء وَلَا يبْقى بعدهمْ فَأُجِيب، ودعا لما اعْتَرَضَهُمْ الْبَحْر، وَلم يقدروا على الْمُرُور، فَمروا بخيولهم على المَاء مَا ابتلت سروج خيولهم.
ودعا الله بِأَن لَا يرَوا جسده إِذا مَاتَ، فَلم يجدوه فِي اللَّحْد.
وَكَانَ للتابعين من الكرامات مَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب هَذَا الشَّأْن حَسْبَمَا قدمنَا الْإِشَارَة إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ من بعدهمْ.
وَقد كَانَ فِي التَّابِعين من ألْقى فِي النَّاس فَوجدَ قَائِما يُصَلِّي، وَهُوَ أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ، وَلما قدم الْمَدِينَة جعله عمر بَينه وَبَين أبي بكر. وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لم يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي من أمة مُحَمَّد [ ﷺ ] من فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بإبراهيم. ودعا على امْرَأَة أفسدت عَلَيْهِ زَوجته فعميت فتابت، فَدَعَا لَهَا فَرد الله عَلَيْهَا بصرها.
وَمِنْهُم من وضع رجله على رَقَبَة الْأسد حَتَّى مرت الْقَافِلَة، وَهُوَ عَامر
стр. 38
ابْن عبد قيس، وَمِنْهُم من مَاتَ فرسه فِي الْغَزْو فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تجْعَل لمخلوق على منَّة، ودعا الله فأحياه، فَلَمَّا وصل إِلَى بَيته قَالَ يَا بني خُذ سرج الْفرس فَإِنَّهُ عَارِية، فَأخذ سَرْجه فَمَاتَ، وَهُوَ (صلَة بن أَشْيَم) .
وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لما خلى فِي الْمَسْجِد أَيَّام الْحرَّة سمع الْأَذَان من قبر النَّبِي [ ﷺ ] .
وَكَانَ عمر بن عتبَة بن فرقد يُصَلِّي يَوْمًا فِي شدَّة الْحر فأظلته غمامة.
стр. 39
وَكَانَ مطرف بن عبد الله الشخير إِذا دخل بَيته سبحت مَعَه آنيته.
وَلما مَاتَ الْأَحْنَف بن قيس، وَقعت قلنسوة رجل فِي قَبره فَأَهوى ليأخذها فَوجدَ الْقَبْر قد فسح فِيهِ مد الْبَصَر.
وأويس الْقَرنِي وجدوا لما مَاتَ فِي ثِيَابه أكفانا لم تكن مَعَه من قبل ووجدوا لَهُ قبرا محفوراً فِي صَخْرَة فدفنوه فِيهِ، وكفنوه فِي تِلْكَ الأثواب.
وَكَانَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يُقيم الشَّهْر والشهرين لَا يَأْكُل شَيْئا، وَخرج
стр. 40
يمثار لأَهله طَعَاما فَلم يقدر عَلَيْهِ، فَأخذ من مَوضِع تُرَابا أَحْمَر ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله ففتحوها فَإِذا هِيَ حِنْطَة حَمْرَاء. وَكَانَ إِذا زرع مِنْهَا تخرج السنابل من أَصْلهَا إِلَى فرعها حبا متراكباً.
وَأصَاب عبد الْوَاحِد بن زيد الفالح فَسَالَ ربه أَن يُطلق أعضاءه وَقت الْوضُوء، فَكَانَ وَقت الْوضُوء تطلق لَهُ أعضاؤه، ثمَّ تعود بعده، وَغير ذَلِك كثير.
مَتى يكون الخارق كَرَامَة:
وَالْحَاصِل أَن من كَانَ من الْمَعْدُودين من الْأَوْلِيَاء إِن كَانَ من الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله، وَالْقدر خَيره وشره مُقيما لما أوجب الله عَلَيْهِ، تَارِكًا لما نَهَاهُ الله عَنهُ مُستكثراً من طاعاته، فَهُوَ من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ وَمَا ظهر عَلَيْهِ من الكرامات الَّتِي لم تخَالف الشَّرْع فَهِيَ موهبة من الله لَا يحل لمُسلم أَن ينكرها.
وَمن كَانَ بعكس هَذِه الصِّفَات، فَلَيْسَ من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَت ولَايَته رحمانية بل شيطانية، وكراماته من تلبيس الشَّيْطَان عَلَيْهِ وعَلى النَّاس.
وَلَيْسَ هَذَا بغريب وَلَا مستنكر، فكثير من النَّاس من يكون مخدوما بخادم من الْجِنّ، أَو بِأَكْثَرَ فيخدمونه فِي تَحْصِيل مَا يشتهيه، وَرُبمَا كَانَ محرما
следующие страницы →