← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6886

قطر الولي على حديث الولي = ولاية الله والطريق إليها

الشوكاني

Полный текст (308 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَإِذا بصائحٍ يَقُول: يَا سَارِيَة الْجَبَل، يَا سَارِيَة الْجَبَل. فأسندنا ظُهُورنَا بِالْجَبَلِ فهزمناهم) . وَلما عذبت بعض الصحابيات ذهب بصرها، فَقَالَ الْمُشْركُونَ مَا أصَاب بصرها إِلَّا اللات والعزى، فَقَالَت: كلا وَالله، فردَّ الله عَلَيْهَا بصرها وَكَانَ سعد بن وَقاص ﵁ مجاب الدعْوَة مَا دَعَا قَطٍّ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ. وَكَذَلِكَ سعيد بن زيد ﵁ دَعَا على الْمَرْأَة لما كذبت عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَت كَاذِبَة فأعم بصرها، واقتلها فِي أرْضهَا فعميت وَوَقعت فِي حفيرة فِي أرْضهَا فَمَاتَتْ.

стр. 37

ودعا الله الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ بِأَن يسقوا، ويتوضئوا، لما عدموا المَاء وَلَا يبْقى بعدهمْ فَأُجِيب، ودعا لما اعْتَرَضَهُمْ الْبَحْر، وَلم يقدروا على الْمُرُور، فَمروا بخيولهم على المَاء مَا ابتلت سروج خيولهم. ودعا الله بِأَن لَا يرَوا جسده إِذا مَاتَ، فَلم يجدوه فِي اللَّحْد. وَكَانَ للتابعين من الكرامات مَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب هَذَا الشَّأْن حَسْبَمَا قدمنَا الْإِشَارَة إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ من بعدهمْ. وَقد كَانَ فِي التَّابِعين من ألْقى فِي النَّاس فَوجدَ قَائِما يُصَلِّي، وَهُوَ أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ، وَلما قدم الْمَدِينَة جعله عمر بَينه وَبَين أبي بكر. وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لم يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي من أمة مُحَمَّد [ ﷺ ] من فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بإبراهيم. ودعا على امْرَأَة أفسدت عَلَيْهِ زَوجته فعميت فتابت، فَدَعَا لَهَا فَرد الله عَلَيْهَا بصرها. وَمِنْهُم من وضع رجله على رَقَبَة الْأسد حَتَّى مرت الْقَافِلَة، وَهُوَ عَامر

стр. 38

ابْن عبد قيس، وَمِنْهُم من مَاتَ فرسه فِي الْغَزْو فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تجْعَل لمخلوق على منَّة، ودعا الله فأحياه، فَلَمَّا وصل إِلَى بَيته قَالَ يَا بني خُذ سرج الْفرس فَإِنَّهُ عَارِية، فَأخذ سَرْجه فَمَاتَ، وَهُوَ (صلَة بن أَشْيَم) . وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لما خلى فِي الْمَسْجِد أَيَّام الْحرَّة سمع الْأَذَان من قبر النَّبِي [ ﷺ ] . وَكَانَ عمر بن عتبَة بن فرقد يُصَلِّي يَوْمًا فِي شدَّة الْحر فأظلته غمامة.

стр. 39

وَكَانَ مطرف بن عبد الله الشخير إِذا دخل بَيته سبحت مَعَه آنيته. وَلما مَاتَ الْأَحْنَف بن قيس، وَقعت قلنسوة رجل فِي قَبره فَأَهوى ليأخذها فَوجدَ الْقَبْر قد فسح فِيهِ مد الْبَصَر. وأويس الْقَرنِي وجدوا لما مَاتَ فِي ثِيَابه أكفانا لم تكن مَعَه من قبل ووجدوا لَهُ قبرا محفوراً فِي صَخْرَة فدفنوه فِيهِ، وكفنوه فِي تِلْكَ الأثواب. وَكَانَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يُقيم الشَّهْر والشهرين لَا يَأْكُل شَيْئا، وَخرج

стр. 40

يمثار لأَهله طَعَاما فَلم يقدر عَلَيْهِ، فَأخذ من مَوضِع تُرَابا أَحْمَر ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله ففتحوها فَإِذا هِيَ حِنْطَة حَمْرَاء. وَكَانَ إِذا زرع مِنْهَا تخرج السنابل من أَصْلهَا إِلَى فرعها حبا متراكباً. وَأصَاب عبد الْوَاحِد بن زيد الفالح فَسَالَ ربه أَن يُطلق أعضاءه وَقت الْوضُوء، فَكَانَ وَقت الْوضُوء تطلق لَهُ أعضاؤه، ثمَّ تعود بعده، وَغير ذَلِك كثير. مَتى يكون الخارق كَرَامَة: وَالْحَاصِل أَن من كَانَ من الْمَعْدُودين من الْأَوْلِيَاء إِن كَانَ من الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله، وَالْقدر خَيره وشره مُقيما لما أوجب الله عَلَيْهِ، تَارِكًا لما نَهَاهُ الله عَنهُ مُستكثراً من طاعاته، فَهُوَ من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ وَمَا ظهر عَلَيْهِ من الكرامات الَّتِي لم تخَالف الشَّرْع فَهِيَ موهبة من الله لَا يحل لمُسلم أَن ينكرها. وَمن كَانَ بعكس هَذِه الصِّفَات، فَلَيْسَ من أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَت ولَايَته رحمانية بل شيطانية، وكراماته من تلبيس الشَّيْطَان عَلَيْهِ وعَلى النَّاس. وَلَيْسَ هَذَا بغريب وَلَا مستنكر، فكثير من النَّاس من يكون مخدوما بخادم من الْجِنّ، أَو بِأَكْثَرَ فيخدمونه فِي تَحْصِيل مَا يشتهيه، وَرُبمَا كَانَ محرما

стр. 41

من الْمُحرمَات، وَقد قدمنَا أَن المعيار الَّذِي لَا يزِيغ، وَالْمِيزَان الَّذِي لَا يجور، هُوَ ميزَان الْكتاب وَالسّنة. فَمن كَانَ مُتبعا لَهَا مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا فكراماته، وَجَمِيع أَحْوَاله رحمانية، وَمن لم يتَمَسَّك بهما وَيقف عِنْد حدودهما فأحواله شيطانية، فَلَا نطيل الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام، ولنعد إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد الْكَلَام عَلَيْهِ، فَنَقُول: المعاداة من الْوَلِيّ كَمَا يُمكن أَن تتَصَوَّر: قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي: " وَقد اسْتشْكل وجود أحد يعاديه يَعْنِي الْوَلِيّ، لِأَن المعاداة، إِنَّمَا تقع من الْجَانِبَيْنِ، وَمن شَأْن الْوَلِيّ الْحلم والصفح عَمَّن يجهل عَلَيْهِ ﴿﴾ ؟ . وَأجِيب بِأَن المعاداة لم تَنْحَصِر فِي الْخُصُومَة، والمعاملة الدُّنْيَوِيَّة مثلا بل قد تقع عَن بغض ينشأ عَن التعصب، كالرافضيِّ فِي بغضه لأبي بكر والمبتدع فِي بغضه للسني فَتَقَع المعاداة من الْجَانِبَيْنِ. أما من جَانب الْوَلِيّ: فَللَّه تَعَالَى وَفِي الله. وَأما من جَانب الآخر فَلَمَّا تقدم. وَكَذَا الْفَاسِق المتجاهر يبغضه الْوَلِيّ، ويبغضه الآخر لإنكاره عَلَيْهِ وملازمته لنَهْيه عَن شهواته. وَقد تطلق المعاداة، وَيُرَاد بهَا الْوُقُوع من أحد الْجَانِبَيْنِ بِالْفِعْلِ، وَمن الآخر بِالْقُوَّةِ انْتهى ".

стр. 42

وَأَقُول مَعْلُوم أَن غَالب العداوات الدِّينِيَّة لَا تكون إِلَّا بَين المتبع والمبتدع وَالْمُؤمن وَالْفَاسِق، والصالح والطالح، والعالم وَالْجَاهِل، وأولياء الله سُبْحَانَهُ وأعدائه. وَمثل هَذَا من الوضوح بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى سُؤال، وَلَا ينشأ عَنهُ إِشْكَال. وَالْوَلِيّ لَا يكون وليا لله حَتَّى يبغض أَعدَاء الله ويعاديهم، وينكر عَلَيْهِم، فمعاداتهم وَالْإِنْكَار عَلَيْهِم هُوَ من تَمام ولَايَته، وَمِمَّا تترتب صِحَّتهَا عَلَيْهِ. وأولياء الله سُبْحَانَهُ هم أَحَق عباد الله بِالْقيامِ فِي هَذَا الْمقَام اقْتِدَاء برَسُول الله [ ﷺ ] ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذا غضب لله احمرَّ وَجهه وَعلا صَوته حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول: صبَّحكم مسَّاكم، وَهَكَذَا المعاداة من الْمُؤمن لِلْفَاسِقِ، وَمن الْفَاسِق لِلْمُؤمنِ. فَإِن الْمُؤمن يعاديه لما أوجب الله عَلَيْهِ من عداوته، ولكراهته لما هُوَ عَلَيْهِ من الْوُقُوع فِي معاصي الله سُبْحَانَهُ، والانتهاك لمحارمه، وتعدي حُدُوده. وَالْفَاسِق قد يعاديه لإنكاره عَلَيْهِ ولخوفه من قِيَامه عَلَيْهِ، وَقد يكون ذَلِك لما جرت بِهِ عَادَة الْفُسَّاق من الإزراء بِمن يكثر من طَاعَة الله والسخرية بهم، كَمَا يعرف ذَلِك من يعرف أَحْوَالهم، فَإِنَّهُم يعدون مَا هم فِيهِ اللّعب وَاللَّهْو، هُوَ الْعَيْش الصافي، والمنهج الَّذِي يختاره الْعُقَلَاء، ويعدون المشتغلين بِطَاعَة الله من أهل الرِّيَاء والتلصص لاقتناص الْأَمْوَال. وَأما الْعَدَاوَة بَين الْعَالم وَالْجَاهِل فَأمرهَا وَاضح، فالعالم يرغب عَنهُ ويعاديه لما هُوَ عَلَيْهِ من الْجَهْل للدّين، وَعدم الْقيام بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من كَانَ من الْمُسلمين.

стр. 43

وَالْجَاهِل يعاديه لكَونه قد فَازَ بِتِلْكَ المزية الجليلة، والخصلة النبيلة الَّتِي هِيَ أشرف خِصَال الدّين: (فمنزلة السَّفِيه من الْفَقِيه ... كمنزلة الْفَقِيه من السَّفِيه) (فَهَذَا زاهد فِي حق هَذَا ... وَهَذَا فِيهِ أزهد مِنْهُ فِيهِ) وَأما الْعَدَاوَة بَين المتبع والمبتدع فَأمرهَا أوضح من الشَّمْس فَإِن المتبع يعادي المبتدع لبدعته، والمبتدع يعادي المتبع لإتباعه وَكَونه على الصَّوَاب، والتمسك بالبدع يعمى بصائر أَهلهَا فيظن أَن مَا هُوَ عَلَيْهِ من الضَّلَالَة هُوَ الْحق الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ، وَأَن المتبع للْكتاب وَالسّنة على ضَلَالَة. وَقد تبلغ عداوات أهل الْبدع لغَيرهم من أهل الِاتِّبَاع فَوق عداواتهم للْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَلَا شكّ أَن أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ لَهُم من منصب الْإِيمَان وَالْعلم والاتباع للنصيب الأوفر. فأعداؤهم يكثرون لِكَثْرَة مَا منحهم الله من الْخِصَال الشَّرِيفَة، ويحسدونهم زِيَادَة على مَا يحسدون أهل الْفَضَائِل لاجتماعها لديهم، مَعَ فوزهم بِالْقربِ من الله بِمَا فتح الله عَلَيْهِم بِهِ من طاعاته، فرائضها، ونوافلها. وهم أَيْضا يكْرهُونَ أَعدَاء الله لوُجُود المقتضيات ليدهم لكراهتهم؛ من الْإِيمَان وَالْعلم وَالْعَمَل الصَّالح، وتقوى الله سُبْحَانَهُ على الْوَجْه الأتم. وَإِذا الْتبس عَلَيْك هَذَا فَانْظُر فِي تَمْثِيل يقربهُ إِلَيْك وَهُوَ أَن من كَانَ لَهُ حَظّ

стр. 44

من سُلْطَان كثر أعداؤه حسدا لَهُ على تِلْكَ الْمنزلَة الدُّنْيَوِيَّة. وَمن كَانَ رَأْسا فِي الْعلم عَادَاهُ غَالب الْمُقَصِّرِينَ، لَا سِيمَا إِذا خَالف مَا يعتقدونه حَقًا، وَجُمْهُور الْعَامَّة تبعا لَهُم، لأَنهم ينظرُونَ إِلَى كثرتهم، وَالْقِيَام بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْفَتَاوَى وَالْقَضَاء، مَعَ تلبيسهم عَلَيْهِم بعيوب مفتراة لذَلِك الْعَالم الَّذِي وصل إِلَى مَا لَا يعرفونه، وَبلغ إِلَى مَا يقصرون عَنهُ، أقل الْأَحْوَال أَن يلْقوا إِلَيْهِم بِأَنَّهُ يُخَالف مَا هم عَلَيْهِ هم وآباؤهم وَمَا مضى عَلَيْهِ سلفهم. وَهَذِه وَإِن كَانَ شكاة ظَاهر عَن ذَلِك الْعَالم عارها لَكِنَّهَا تقع من قبُول الْعَامَّة لَهَا فِي أَعلَى مَحل، وتثير من شرهم مَالا يقادر قدره. وَهَذَا كَائِن فِي غَالب الْأَزْمَان من غَالب نوع الْإِنْسَان. قَالَ ابْن هُبَيْرَة فِي الْإِيضَاح: " قَوْله: " عادى لي وليا "، أَي اتَّخذهُ عدوا. وَلَا أرى الْمَعْنى إِلَّا أَنه عَادَاهُ من أجل ولَايَته وَهُوَ إِن تضمن التحذير من إِيذَاء قُلُوب أَوْلِيَاء الله تَعَالَى، فَلَيْسَ على إِطْلَاقه، بل يسْتَثْنى مِنْهُ مَا إِذا كَانَت الْحَال تَقْتَضِي نزاعا بَين وليين فِي مخاصمة أَو محاكمة، وَترجع إِلَى اسْتِخْرَاج حق، أَو كشف غامض. فَإِنَّهُ جرى بَين أبي بكر وَعمر مشاجرة وَبَين الْعَبَّاس وعَلِيِّ إِلَى غير ذَلِك من الوقائع ". وَتعقبه الْفَاكِهَانِيّ. " بَان معاداة الْوَلِيّ لَا تفهم إِلَّا إِذا

стр. 45

[كَانَت] على طَرِيق الْحَسَد الَّذِي هُوَ تمنى زَوَال ولَايَته "، وَهُوَ بعيد جدا فِي حق الْوَلِيّ فَتَأَمّله. قَالَ ابْن حجر: " وَالَّذِي قَدمته أولى أَن يعْتَمد " انْتهى. قلت: أما الْمُخَاصمَة فِي الْأَمْوَال والدماء، فَهِيَ مُسْتَثْنَاة سَوَاء كَانَت بَين وليين، أَو بَين الْوَلِيّ وَغَيره، فَمن ادّعى عَلَيْهِ بِمَا يلْزمه التَّخَلُّص عَنهُ شرعا، وَلم يكن ذَلِك لمُجَرّد التعنت، فَحق على ذَلِك الْوَلِيّ، أَن يتَخَلَّص مِمَّا يجب عَلَيْهِ، وَلَا يحرج بِهِ صَدره، وَلَا يتَأَذَّى بِهِ قلبه، فَإِن التأذي من التَّخَلُّص عَن الْحُقُوق الْوَاجِبَة،

стр. 46

لَيْسَ من دأب الْأَوْلِيَاء. ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يحكمون فِيمَا شجر بَينهم، ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت، ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . وتحكيم رَسُول الله [ ﷺ ] هُوَ تحكيم مَا جَاءَ بِهِ من الشَّرِيعَة المطهرة. وَهِي مَوْجُودَة فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ، وَفِي سنة رَسُوله [ ﷺ ] وهما باقيان إِلَى هَذِه الْغَايَة بَين أظهر الْمُسلمين. وَالْعُلَمَاء العارفون بِمَا فيهمَا، موجودون فِي كل أقطار الأَرْض، فَإِذا حكم حَاكم مِنْهُم على الْوَلِيّ بِمَا يجب عَلَيْهِ فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ، وَفِي سنة رَسُوله [ ﷺ ] ، فالامتثال عَلَيْهِ أوجب من الِامْتِثَال على غَيره لارْتِفَاع رتبته ومزيد [خصوصيته] بِكَوْنِهِ وليا لله سُبْحَانَهُ، فَإِذا حرج صَدره من ذَلِك وتأذى بِهِ فَهُوَ قَادِح فِي ولَايَته، وَلَيْسَ على المخاصم لَهُ وَلَا على الْحَاكِم الَّذِي حكم عَلَيْهِ شَيْء من الْإِثْم. عود إِلَى مقياس الْولَايَة: وَقد قدمنَا أَن المعيار الَّذِي تعرف بِهِ صِحَة ولَايَته، هُوَ أَن يكون عَاملا بِكِتَاب الله سُبْحَانَهُ وبسنة رَسُوله [ ﷺ ] وَآله وَسلم مؤثراً لَهما على كل شَيْء مقدما لَهما فِي إصداره وإيراده، وَفِي كل شئونه، فَإِذا زاغ عَنْهُمَا زاغت عَنهُ الْولَايَة.

стр. 47

وَانْظُر مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة مِمَّا هُوَ موعظة للمتعظين وعبرة للمعتبرين، فَإِنَّهُ أَولا بَدَأَ فِيهَا بالقسم الرباني، وَأقسم بِنَفسِهِ وتقدس مُشَرفا لَهُ [ ﷺ ] بِإِضَافَة الربوبية إِلَيْهِ، جَازِمًا بِنَفس الْإِيمَان عَمَّن خَالف هَذَا الْقسم الرباني، فَقَالَ: لَا يُؤمنُونَ. ثمَّ جعل لذَلِك غَايَة هِيَ تحكيمه [ ﷺ ] فِيمَا شجر بَين الْعباد. ثمَّ لم يكتف بذلك حَتَّى قَالَ: ﴿ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت﴾ فَلَا ينفع مُجَرّد التَّحْكِيم لكتاب الله سُبْحَانَهُ ولسنة رَسُوله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، حَتَّى لَا يكون فِي صدر الْمُحكم لَهما حرجا من ذَلِك الْقَضَاء. ثمَّ لم يكتف بذلك، حَتَّى قَالَ: ﴿ويسلموا﴾ فَلَا ينفع مُجَرّد التَّحْكِيم لَهما مَعَ عدم الْحَرج من الحكم عَلَيْهِ بهما حَتَّى يسلم مَا عَلَيْهِ مِمَّا أوجبه الْقَضَاء بهما، ثمَّ جَاءَ بالتأكيد لهَذَا التَّسْلِيم الْمُفِيد أَنه أَمر لَا مخلص عَنهُ، وَلَا خُرُوج مِنْهُ. فَكيف يجد من كَانَ وليا لله سُبْحَانَهُ حرجاً فِي صَدره على خَصمه المطالب لَهُ بِحَق يحِق عَلَيْهِ التَّخَلُّص مِنْهُ، أَو على حاكمه الَّذِي حكم بِهِ عَلَيْهِ؟ ﴿ فَإِن هَذَا لَيْسَ بصنيع أهل الْإِيمَان بِاللَّه، فَكيف بأوليائه الَّذين ضمُّوا إِلَى الْإِيمَان مَا استحقوا بِهِ اسْم الْولَايَة، والعزة الربانيه؟﴾ ! وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ الْخصم يعلم أَنه محق فِي طلبه، وَأَن ذَلِك الْحق ثَابت لَهُ لَا محَالة، فَإِن القَاضِي: إِنَّمَا يقْضِي لَهُ بِالظَّاهِرِ الشَّرْعِيّ، كَمَا ثَبت عَنهُ

стр. 48

[ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ: " إِنَّكُم تختصمون إليّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض، وَإِنَّمَا أَقْْضِي بِنَحْوِ مَا أسمع فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا، فَلَا يَأْخُذهُ، فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار ". فَهَذَا يَقُوله الصَّادِق المصدوق سيد ولد آدم، الْمَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْعَالم إنسهم وجنهم، وَقد أخبرنَا بِأَنَّهُ إِذا قضى بِشَيْء مِمَّا سَمعه، وَكَانَ الْبَاطِل بِخِلَافِهِ لم يجز للمحكوم لَهُ أَن يَأْخُذهُ بل هُوَ قِطْعَة من النَّار فَكيف بِمن هُوَ مَظَنَّة للخطأ، وَمحل للإصابة تَارَة ولغيرها أُخْرَى، وبمن لَا عصمَة لَهُ، وَلَا وَحي ينزل عَلَيْهِ؟ ﴿﴾ . وَقد صَحَّ [عَنهُ ﷺ ] فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ: إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر. فَكل حَاكم من حكام الْمُسلمين [يتَرَدَّد] حكمه بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ، وَلكنه مأجور على كل حَال، لِأَن ذَلِك فَرْضه الْوَاجِب عَلَيْهِ، وَلَا يحل للمحكوم لَهُ أَيْن يسْتَحل مَال خَصمه بِمُجَرَّد الحكم، كَمَا قضى بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي أَحْكَامه الشَّرِيفَة فَكيف بِأَحْكَام غَيره من حكام أمته؟ ﴿﴾ . وَقد ثَبت فِي السّنَن وَغَيرهَا عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " إِن

стр. 49

الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاض فِي الْجنَّة، فَالَّذِي فِي الْجنَّة رجل علم بِالْحَقِّ وَقضى بِهِ والقاضيان [اللَّذَان] هما فِي النَّار: رجل قضى للنَّاس بِجَهْل فَهُوَ فِي النَّار، وَرجل علم الْحق وَقضى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّار ". وَبِهَذَا تعرف أَن الْخصم المحاكم للْوَلِيّ، إِذا كَانَ يعلم أَنه لَا حق لَهُ عَلَيْهِ وَأَن دَعْوَاهُ بَاطِلَة، فَهُوَ دَاخل تَحت قَوْله: " من عادى لي وليا " لِأَن دَعْوَاهُ الْبَاطِلَة على الْوَلِيّ معاداة لَهُ ظَاهِرَة، فَاسْتحقَّ الْحَرْب الَّذِي توعده الله سُبْحَانَهُ بِهِ فِي هَذَا الحَدِيث. وَأما القَاضِي إِذا قضى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِي ظَنّه [حق] [مُوَافق] للْكتاب وَالسّنة، واجتهد فِي الْبَحْث والفحص، وَكَانَ أَهلا للْحكم فَلَيْسَ ذَلِك مِنْهُ معاداة للْوَلِيّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ من تأذيه بِحكمِهِ شَيْء، فَهُوَ قد حكم بالشريعة المطهرة وَاسْتحق أَجْرَيْنِ أَو أجرا، وامتثل مَا أرشده إِلَيْهِ الصَّادِق المصدوق [ ﷺ ] . وَهَا هُنَا نُكْتَة يَنْبَغِي التنبه لَهَا من كل أحد من أهل الْعلم، وَهِي أَن لفظ الشَّرِيعَة إِن أُرِيد بِهِ الْكتاب وَالسّنة، لم يكن لأحد من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَلَا من غَيرهم أَن يخرج مِنْهُ، وَلَا يُخَالِفهُ بِوَجْه من الْوُجُوه، وَإِن أُرِيد بِهِ حكم الْحَاكِم فقد يكون صَوَابا، وَقد يكون خطأ كَمَا بَينه رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله

стр. 50

وَسلم فِي الحَدِيث السَّابِق بِالْمَعْنَى الأول. [و] لَيْسَ لأحد أَن يخرج عَنهُ، وَمن خرج عَنهُ فَهُوَ كَافِر: وَمن ظن أَن لأحد من أَوْلِيَاء الله سبحاه طَرِيقا إِلَى الله تَعَالَى غير الْكتاب وَالسّنة، وَاتِّبَاع رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَهُوَ كَاذِب. وَقد غلط كثير من النَّاس فَجعلُوا الشَّرِيعَة شَامِلَة للقسمين، وَمَا أقبح هَذَا الْغَلَط، وَأَشد عاقبته، وَأعظم خطره. السكونيات، والدينيات فِي الْقُرْآن الْكَرِيم: وكما وَقع الِاشْتِبَاه بَين هذَيْن الْقسمَيْنِ، وَقع الِاشْتِبَاه أَيْضا بَين شَيْئَيْنِ آخَرين، وَإِن كَانَا خَارِجين عَمَّا نَحن بصدده وَهُوَ الْفرق بَين الْإِرَادَة الكونية، والإرادة الدِّينِيَّة، وَبَين الْأَمر الكوني، وَالْأَمر الديني، وَبَين الْإِذْن الكوني وَالْإِذْن الديني، وَبَين الْقَضَاء الكوني وَالْقَضَاء الديني، والبعث الكوني، والبعث الديني، والإرسال الكوني، والإرسال الديني، والجعل الكوني، والجعل الديني، وَالتَّحْرِيم الكوني، وَالتَّحْرِيم الديني، وَبَين الْحَقِيقَة الكونية، والحقيقة الدِّينِيَّة.

стр. 51

وَالْفرق بَين هَذِه الْأُمُور وَاضح، وَإِن اشْتبهَ على طَائِفَة من أهل الْعلم فخبطوا، وخلطوا. وَبَيَان ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ لَهُ الْخلق وَالْأَمر، كَمَا قَالَ: ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ . فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالق كل شَيْء وربه ومليكه لَا خَالق غَيره وَلَا رب سواهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لم يَشَأْ لم يكن. وكل مَا فِي الْوُجُود من حَرَكَة وَسُكُون بِقَضَائِهِ وَقدره ومشيئته وَقدرته وإرادته وخلقه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَمر بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله، وَنهى عَن الشّرك بِاللَّه سُبْحَانَهُ. فأعظم الطَّاعَات التَّوْحِيد لَهُ وَالْإِخْلَاص، وَأعظم الْمعاصِي الشّرك ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله

стр. 52

أَي الذَّنب أعظم؟ قَالَ: أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك. قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تقتل ولدك خشيَة أَن تطعمه مَعَك. قلت ثمَّ أَي! . قَالَ: أَن تَزني بحليلة جَارك ". فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَه آخر، وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاماً، يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مُهانا. إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل عملا صَالحا، فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات، وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ . وَأمر الله سُبْحَانَهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، وإيتاء ذِي الْقُرْبَى، وَنهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي، وَأخْبر أَنه يحب الْمُتَّقِينَ، [و] الْمُحْسِنِينَ، وَيُحب التوابين وَيُحب المتطهرين، وَيُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص، وَهُوَ يكره مَا نهى عَنهُ، كَمَا قَالَ: ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ . وَقد نهى عَن الشّرك وعقوق الْوَالِدين، وَأمر بإيتاء ذِي الْحُقُوق، وَنهى عَن التبذير والتقتير، وَأَن يَجْعَل يَده مغلولة إِلَى عُنُقه، وَأَن لَا يبسطها كل الْبسط. وَنهى عَن قتل النَّفس بِغَيْر حق وَعَن قرْبَان مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن إِلَى أَن قَالَ: ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ .

стр. 53

وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يحب الْفساد وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر. وَالْعَبْد مَأْمُور أَن يَتُوب إِلَى الله سُبْحَانَهُ، وَقَالَ: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ . وَقَالَ: ﴿سارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين، الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء، والكاظمين الغيظ، وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة، أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم، وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله، وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ . فَمَا خلقه الله سُبْحَانَهُ وَقدره وقضاه فَهُوَ يُريدهُ، وَإِن كَانَ لَا يَأْمر بِهِ وَلَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه، وَلَا يثيب أَصْحَابه، وَلَا يجعلهم من أوليائه. وَمَا أَمر بِهِ وشرعه وأحبه ورضيه وَأحب فَاعله وأثابهم وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ الَّذِي يُحِبهُ ويرضاه، ويثيب فَاعله عَلَيْهِ. فالإرادة الكونية، وَالْأَمر الكوني، وَهِي مَشِيئَته لما خلقه من جَمِيع مخلوقاته إنسهم وجنهم، مسلمهم وكافرهم، حيوانهم وجمادهم، ضارهم ونافعهم. والإرادة الدِّينِيَّة وَالْأَمر الديني: هِيَ محبته المتناولة لجَمِيع مَا أَمر بِهِ وَجعله شرعا وديناً، فَهَذِهِ مُخْتَصَّة بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح. أَمْثِلَة: فَمن الْإِرَادَة الأولى أَعنِي الكونية قَول الله سُبْحَانَهُ: (فَمن يُرِيد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ، وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجاً،

стр. 54

كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ . وَقَول نوح: ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ . وَمن الْإِرَادَة الدِّينِيَّة: قَوْله: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر، يُرِيد الله بكم الْيُسْر، وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج، وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ . وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ، وَيَتُوب عَلَيْكُم، وَالله عليم حَكِيم، وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم، وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما، يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم، وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ . وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت، وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ . وَمن الْأَمر الكوني: قَوْله سُبْحَانَهُ (إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه

стр. 55

أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة كلمح بالبصر﴾ وَقَوله: ﴿أَتَاهَا أمرنَا بياتاً أَو نَهَارا فجعلناها حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ . وَمن الْأَمر الديني: قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى، وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، وَالْبَغي﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تؤدووا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا، وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ إِن الله نعما يعظكم بِهِ إِن الله كَانَ سميعاً بَصيرًا﴾ . وَمن الْإِذْن الكوني: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله﴾ أَي بمشيئته وَقدرته، وَإِلَّا فالسحر لَا يبيحه الله. وَقَالَ تَعَالَى: فِي الْإِذْن الديني: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجاً منيراً﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله﴾ وَقَالَ: ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله﴾ . وَمن الْقَضَاء الكوني: قَوْله تَعَالَى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ وَقَوله:

стр. 56

﴿فَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ . وَمن الْقَضَاء الديني: قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي أَمر وَلَيْسَ المُرَاد قدر فَإِنَّهُم قد عبدُوا غَيره كَقَوْلِه: ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله﴾ . وَقَول الْخَلِيل ﵇ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ﴾ إِلَى آخر السُّورَة. وَمن الْبَعْث الكوني قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذا جَاءَ وعد أولاهما بعثنَا عَلَيْكُم عبادا لنا أولي بَأْس شَدِيد فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا﴾ . وَمن الْبَعْث الديني: قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ .

стр. 57

وَقَوله : ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ . وَمن الْإِرْسَال الكوني: قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ وَقَوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته﴾ . وَمن الْإِرْسَال الديني: قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا﴾ . وقلوه تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا﴾ . وَمن الْجعل الكوني: قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ . وَمن الْجعل الديني: قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة وَلَا وصيلة وَلَا حام﴾ .

стр. 58

وَمن التَّحْرِيم الكوني: قَوْله تَعَالَى: ﴿وحرمنا عَلَيْهِ المراضع من قبل﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿مُحرمَة عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة يتيهون فِي الأَرْض﴾ . وَمن التَّحْرِيم الديني: قَوْله : ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ وَقَوله ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إليّ محرما عل طاعم يطعمهُ﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش﴾ . فَجَمِيع مَا تقدم يُقَال لما كَانَ كونياً مِنْهُ حَقِيقَة كونية، وَلما كَانَ دينياً مِنْهُ حَقِيقَة دينية. الْقدر وَنفي احتجاج العصاة بِهِ: وَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن من ظن أَن الْقدر حجَّة لأهل الْمعاصِي فقد غلط غَلطا بَينا، واقتدى بِأَهْل الْكفْر الَّذين حكى الله عَنْهُم، أَنهم قَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا، وَلَا آبَاؤُنَا، وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء﴾ ثمَّ قَالَ:

стр. 59

﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ . وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لم يعذب الله سُبْحَانَهُ المكذبين للرسل كقوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَقوم فِرْعَوْن وَغَيرهم. وَلم يَأْمر بِإِقَامَة الْحُدُود على العصاة المرتكبين لَهَا، وَلَا يحْتَج أحد بِالْقدرِ إِلَّا إِذا كَانَ مُتبعا لهواه بِغَيْر هدى من الله. وَمن ظن ذَلِك فَعَلَيهِ أَن لَا يذم كَافِرًا، وَلَا عَاصِيا، وَلَا يُعَاقِبهُ إِذا اعْتدى عَلَيْهِ، وَلَا يفرق بَين من يفعل الْخَيْر، وَمن يفعل الشَّرّ، وَهَذَا خلاف مَا تَقْتَضِيه عقول جَمِيع الْعُقَلَاء، وَمَا تَقْتَضِيه جَمِيع كتب الله الْمنزلَة وَمَا تَقْتَضِيه كَلِمَات أَنْبيَاء الله ﵈. فَلَا تمسك بعقل وَلَا شرع، وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ . وَغير ذَلِك من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمن ظن أَن فِي مُحَاجَّة آدم ومُوسَى حجَّة للمحتجين بِالْقدرِ حَيْثُ قَالَ مُوسَى: أَنْت أَبُو الْبشر خلقك الله بِيَدِهِ، وَنفخ فِيك من روحه، وأسجد لَك مَلَائكَته،

стр. 60

أخرجتنا ونفسك من الْجنَّة. فَقَالَ لَهُ آدم: أَنْت الَّذِي اصطفاك الله بِكَلَامِهِ، وَكتب لَك التَّوْرَاة بِيَدِهِ، فَلم تلومني على أَمر قدره الله عَليّ قبل أَن أخلق؟ . قَالَ: فحج آدم مُوسَى ". هَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا. وَوجه الحَدِيث: أَن مُوسَى ﵇، إِنَّمَا لَام أَبَاهُ آدم ﵇ لأكله الشَّجَرَة الَّتِي كَانَت سَببا لإخراجه، وَذريته من الْجنَّة، وَلم يلمه على كَونه أذْنب ذَنبا وَتَابَ مِنْهُ، فَإِن مُوسَى يعلم أَن التائب من الذَّنب لَا يلام. وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح فِي الحَدِيث الْقُدسِي أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا، فَمن وجد خيرا فليحمد الله سُبْحَانَهُ، وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه ". الصَّحَابَة ﵃ ومركزهم من الْولَايَة: ولنرجع إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه فَنَقُول: اعْلَم أَن الصَّحَابَة لَا سِيمَا أكابرهم الجامعين بَين الْجِهَاد بَين يَدي رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وَالْعلم بِمَا جَاءَ بِهِ، وأسعدهم الله سُبْحَانَهُ من مُشَاهدَة النُّبُوَّة وصحبة

стр. 61

رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء، وبذلهم أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله سُبْحَانَهُ حَتَّى صَارُوا خير الْقُرُون بالأحاديث الصَّحِيحَة. فهم خيرة الْخيرَة، لِأَن هَذِه الْأمة هِيَ كَمَا أكْرمهم الله بِهِ بقوله: كُنْتُم خير أمة أخرجت، للنَّاس وَكَانُوا الشُّهَدَاء على الْعباد كَمَا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم. فهم خير الْعباد جَمِيعًا، وَخير الْأُمَم سابقهم ولاحقهم، وأولهم وَآخرهمْ. وَهَؤُلَاء الصَّحَابَة ﵃، هم خير فروعهم، وَأفضل طوائفهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فتقرر بِهَذَا أَن الصَّحَابَة ﵃ خير الْعَالم بأسره من أَوله إِلَى آخِره، لَا يفضلهم أحد إِلَّا الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة، وَلِهَذَا لم يعدل مثلُ أحد ذَهَبا مُدَّ أحدهم، وَلَا نصيفَه. فَإِذا لم يَكُونُوا رَأس الْأَوْلِيَاء، وصفوة الأتقياء، فَلَيْسَ لله أَوْلِيَاء، وَلَا أتقياء، وَلَا بررة، وَلَا أصفياء. وَقد نطق الْقُرْآن الْكَرِيم بِأَن الله قد رَضِي عَن أهل بيعَة الشَّجَرَة وهم جُمْهُور الصَّحَابَة إِذْ ذَاك. وَثَبت عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم ثبوتا متواترا أَن الله سُبْحَانَهُ اطلع على أهل بدر فَقَالَ: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم) . وَشهد النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم لجَماعَة مِنْهُم بِأَنَّهُم من أهل الْجنَّة. فَقَوله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي هَذَا الحَدِيث: (من عادى لي وليا) ، يصدق عَلَيْهِم صدقا أوليا، ويتناولهم بفحوى الْخطاب. فَانْظُر أرشدك الله إِلَى مَا صَارَت الرافضة أقماهم الله، تَصنعهُ بهؤلاء الَّذين هم

стр. 62

رُؤْس الْأَوْلِيَاء ورؤساء الأتقياء، وقدوة الْمُؤمنِينَ، وأسوة الْمُسلمين، وَخير عباد الله أَجْمَعِينَ من الطعْن واللعن والثلب والسب والشتم والثلم، وَانْظُر إِلَى أَي مبلغ بلغ الشَّيْطَان الرَّجِيم بهؤلاء المغرورين المجترئين على هَذِه الْأَعْرَاض المصونة المحترمة المكرمة؟ ﴿﴾ . فيالله الْعجب من هَذِه الْعُقُول الرقيقة، والأفهام الشنيعة، والأذهان المختلة، والإدراكات المعتلة، فَإِن هَذَا التلاعب الَّذِي تلاعب بهم الشَّيْطَان يفهمهُ أقصر النَّاس عقلا، وأبعدهم فطانة، وأجمدهم فهما، وأقصرهم فِي الْعلم باعا، وَأَقلهمْ اطلاعاً. فَإِن الشطيان لَعنه الله سَوَّلَ لَهُم بِأَن هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة ﵃ الَّذين لَهُم المزايا الَّتِي لَا يُحِيط بهَا حصر، وَلَا يحصيها حد وَلَا عد، أحقاء بِمَا يهتكون من أعراضهم الشَّرِيفَة، ويجحدون من مناقبهم المنيفة حَتَّى كَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا هم الَّذين أَقَامُوا أعمدة الْإِسْلَام بسيوفهم، وشادوا قُصُور الدّين برماحهم، واستباحوا الممالك الكسروية والقيصرية، وأطفأوا الْملَّة النَّصْرَانِيَّة والمجوسية، وَقَطعُوا حبائل الشّرك من الطوائف المشركة من الْعَرَب وَغَيرهم، وأوصلوا دين الْإِسْلَام إِلَى أَطْرَاف الْمَعْمُور من شَرق الأَرْض وغربها، ويمنيها وشمالها، فاتسعت رقْعَة الْإِسْلَام وطبقت الأَرْض شرائع الْإِيمَان، وانقطعت علائق الْكفْر وانقصمت حباله، وانفصمت أوصاله، ودان بدين الله سُبْحَانَهُ الْأسود والأحمر، والوثني، والملي. فَهَل رَأَيْت أَو سَمِعت بأضعف من هَؤُلَاءِ تمييزا، وَأكْثر مِنْهُم جهلا، وأزيف مِنْهُم رَأيا؟ ! ياالله الْعجب يعادون خير عباد الله وأنفعهم للدّين، الَّذِي بعث بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] ، وهم لم يعاصروهم، وَلَا عاصروا من

стр. 63

أدركهم، وَلَا أذنبوا إِلَيْهِم بذنب، وَلَا ظلموهم فِي مَال، وَلَا دم وَلَا عرض، بل قد صَارُوا تَحت أطباق الثرى وَفِي رَحْمَة وَاسع الرَّحْمَة مُنْذُ مئتين من السنين. وَمَا أحسن مَا قَالَه بعض أُمَرَاء عصرنا، وَقد رام كثير من أهل الرَّفْض أَن يفتنوه ويوقعوه فِي الرَّفْض: " مَالِي ولقوم بيني وَبينهمْ زِيَادَة على اثْنَتَيْ عشرَة مائَة من السنين ". وَهَذَا الْقَائِل لم يكن من أهل الْعلم بل هُوَ عبد صيَّره مَالِكه أَمِيرا، وهداه عقله إِلَى هَذِه الْحجَّة الْعَقْلِيَّة الَّتِي يعرفهَا بالفطرة، كل من لَهُ نصيب من عقل، فَإِن عَدَاوَة من لم يظلم المعادي فِي مَال وَلَا دم وَلَا عرض، وَلَا كَانَ معاصرا لَهُ حَتَّى ينافسه فِيمَا هُوَ فِيهِ، يعلم كل عَاقل أَنه لَا يعود على الْفَاعِل بفائدة. هَذَا على فرض أَنه لَا يعود عَلَيْهِ بِضَرَر فِي الدّين. فَكيف وَهُوَ من أعظم الذُّنُوب الَّتِي لَا يُنجي فاعلها إِلَّا عَفْو الْغَرِيم الْمَجْنِي عَلَيْهِ بظلمه فِي عرضه؟ ﴿﴾ . انْظُر عافاك الله، مَا ورد فِي غيبَة الْمُسلم من الْوَعيد الشَّديد مَعَ أَنَّهَا ذكر الْغَائِب بِمَا فِيهِ كَمَا صَحَّ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي بَيَانهَا لما سَأَلَهُ السَّائِل عَن ذَلِك ثمَّ سَأَلَهُ عَن ذكره بِمَا لَيْسَ فِيهِ جعل ذَلِك من الْبُهْتَان، كَمَا هُوَ ثَابت فِي الصَّحِيح، وَلم يرخص فِيهَا بِوَجْه من الْوُجُوه. وَقد أوضحنا ذَلِك فِي الرسَالَة الَّتِي دفعنَا بهَا، مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَغَيره من جَوَاز الْغَيْبَة فِي سِتّ صور، وزيفنا مَا قَالُوهُ تزييفاً لَا يبْقى بعده شكّ وَلَا ريب، وَمن يقي فِي صَدره حرج وقف عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ دَوَاء لهَذَا الدَّاء الَّذِي هلك بِهِ كثير من عباد الله سُبْحَانَهُ. فَإِذا كَانَ هَذَا حَرَامًا بَينا، وذنباً عَظِيما فِي غيبَة فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين

стр. 64

الْأَحْيَاء الْمَوْجُودين، فَكيف غيبَة الْأَمْوَات الَّتِي صَحَّ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] النَّهْي عَنْهَا بقوله: (لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا "؟ ﴿. فيكف إِذا [كَانَ] هَؤُلَاءِ المسبوبين الممزقة اعراضهم المهتوكة حرماتهم هم خير الخليقة، وَخير الْعَالم كَمَا قدمنَا تَحْقِيقه؟﴾ ﴿. فسبحان الصبور الْحَلِيم﴾ ﴿﴾ . فيا هَذَا المتجرئ على هَذِه الْكَبِيرَة المتقحم على هَذِه الْعَظِيمَة، إِن كَانَ الْحَامِل لَك عَلَيْهَا والموقع لَك فِي وبالها هُوَ تأميلك الظفر بِأَمْر دُنْيَوِيّ، وَعرض عَاجل، فَاعْلَم أَنَّك لَا تنَال مِنْهُ طائلا، وَلَا تفوز مِنْهُ بنقير وَلَا قطمير. فقد جربنَا وجرب غَيرنَا من أهل العصور الْمَاضِيَة، أَن من طلب الدُّنْيَا بِهَذَا السَّبَب [الَّذِي] فتح بَابه الشَّيْطَان الرَّجِيم، وشيوخ الْمَلَاحِدَة من الباطنية والقرامطة والإسماعيلية تنكدت عَلَيْهِ أَحْوَاله وَضَاقَتْ عَلَيْهِ معايشه، وعاندته طَالبه وَظهر عَلَيْهِ كآبة المنظر، وقَمَاءةٌ الْهَيْئَة ورثاثة الْحَال، حَتَّى يعرفهُ غَالب من رَآهُ أَنه رَافِضِي، وَمَا علمنَا بِأَن رَافِضِيًّا، أَفْلح فِي دِيَارنَا هَذِه قطّ. وَإِن كَانَ الْحَامِل لَك على ذَلِك الدّين فقد كذبت على نَفسك، وَكَذبَك شَيْطَانك وَهُوَ كذوب. فَإِن دين الله هُوَ كِتَابه وَسنة رَسُوله، فَانْظُر هَل ترى فيهمَا إِلَّا الْإِخْبَار

стр. 65

لنا بالرضى عَن الصَّحَابَة، [وَأَنَّهُمْ] أشداء على الْكفَّار، وَأَن الله يغِيظ [بهم] الْكفَّار، وَأَنه لَا يلْحق بهم غَيرهم، وَلَا يماثلهم سواهُم؟ ﴿﴾ . وهم الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا، وأنفقوا بعده كَمَا حَكَاهُ الْقُرْآن الْكَرِيم، وهم الَّذين جاهدوا فِي الله حق جهاده، وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبيله. وهم الَّذين قَامُوا بفرائض الدّين، ونشروها فِي الْمُسلمين، وهم الَّذين وَردت لَهُم فِي السّنة المطهرة المناقب الْعَظِيمَة، والفضائل الجسيمة عُمُوما وخصوصا. وَمن شكّ فِي هَذَا نظر فِي دواوين الْإِسْلَام، وَفِيمَا يلْتَحق بهَا من المسندات والمستدركات والمعاجيم، وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ سيجد هُنَالك مَا يشفي عِلَلَه ويروى غَلَلًه وَيَردهُ عَن غوايته، وَيفتح لَهُ أَبْوَاب هدايته. هَذَا إِذا كَانَ يعرف أَن الشَّرِيعَة الإسلامية هِيَ الْكتاب وَالسّنة وَأَنه لَا شَرِيعَة بَين أظهرنَا من الله وَرَسُوله إِلَّا ذَلِك. فَإِن كَانَ لَا يدرى بِهَذَا وَيَزْعُم أَن لَهُ سلفا فِي هَذِه الْمعْصِيَة الْعَظِيمَة والخصلة الذميمة، فقد غره الشَّيْطَان بمخذول مثله، ومفتون مثل فتنته، وَقد نزه الله عُلَمَاء الْإِسْلَام سابقهم ولاحقهم ومجتهدهم، ومقلدهم عَن الْوُقُوع فِي هَذِه البلية الحالقة للدّين المخرجة لمرتكبها من سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِلَى طَرِيق الْمُلْحِدِينَ.

стр. 66

موقف أهل الْبَيْت من الصَّحَابَة: فَإِن زعم أَنه قد قَالَ بِشَيْء من هَذَا الضلال الْمُبين قَائِل من أهل الْبَيْت المطهرين، فقد افترى عَلَيْهِم الْكَذِب الْبَين، وَالْبَاطِل الصُّراحَ. فَإِنَّهُم مجمعون سابقهم ولاحقهم، على تَعْظِيم جَانب الصَّحَابَة الأكرمين، وَمن لم يعلم بذلك فَلْينْظر فِي الرسَالَة الَّتِي ألفتها فِي الْأَيَّام الْقَدِيمَة الَّتِي سميتها (إرشاد الغبي إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت فِي صحب النَّبِي) . فَإِنِّي نقلت فِيهَا نَحْو أَرْبَعَة عشر إِجْمَاعًا عَنْهُم من طرق مروية عَن أكابرهم وَعَن المتابعين لَهُم المتمسكين بمذهبهم. فيا أَيهَا الْمَغْرُور بِمن اقتديت، وعَلى من اهتديت، وَبِأَيِّ حَبل تمسكت وَفِي أَي طَرِيق سلكت. يالك الويل وَالثُّبُور، كَيفَ أذهبت دينك فِي أَمر يُخَالف كتاب الله سُبْحَانَهُ، وَسنة رَسُوله [ ﷺ ] ، وَيُخَالف جَمِيع الْمُسلمين مُنْذُ قَامَ الدّين إِلَى هَذِه الْغَايَة، وَكَيف رضيت لنَفسك بِأَن تكون خصما لله سُبْحَانَهُ ولكتابه وَلِرَسُولِهِ [ ﷺ ] ، ولسنته ولصحابته وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين؟ ﴿﴾ أَيْن يتاه بك، وَإِلَى أَي هوة يرْمى بك، أما يخرج نَفسك من هَذِه الظُّلُمَات المتراكمة إِلَى أنوار هَذَا الدّين الَّذِي جَاءَنَا بِهِ الصَّادِق المصدوق عَن رب الْعَالمين، وَأجْمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ أَجْمَعُونَ، وَلم يُخَالف فِيهِ مُخَالف يعْتد بِهِ فِي إِجْمَاع الْمُسلمين اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون رَافِضِيًّا خبيثا، أَو باطنيا ملحدا، أَو قَرْمَطِيًّا جَاحِداً أَو زنديقياً معانداً.

стр. 67

وَهَا هُنَا دقيقة نرشدك إِلَيْهَا إِن بَقِي لَك طَرِيق إِلَى الرشاد وَفهم [إِلَى مَا إِلَيْهِ الْعُقَلَاء تنقاد] . مبدأ الباطنية، وَكَيف قَامُوا: اعْلَم أَن بقايا الْمَجُوس، وَطَوَائِف الشّرك والإلحاد لما ظَهرت الشَّرِيعَة الإسلامية وقهرتهم الدولة الإيمانية وَالْملَّة المحمدية، وَلم يَجدوا سَبِيلا إِلَى دَفعهَا بِالسَّيْفِ وَلَا بِالسِّنَانِ، وَلَا بِالْحجَّةِ والبرهان، ستروا مَا هم فِيهِ من الْإِلْحَاد والزندقة بحيلة تقبلهَا الأذهان وتذعن لَهَا الْعُقُول. فانتموا إِلَى أهل الْبَيْت المطهرين، وأظهروا محبتهم وموالاتهم، كذبا وافتراء وهم فِي الْبَاطِن أعظم أعدائهم، وأكبر الْمُخَالفين [لَهُم] . ثمَّ كذبُوا على أكابرهم الجامعين بَين الْعلم وَالدّين الْمَشْهُورين بالصلاح والرشد، فَقَالُوا: قَالَ الإِمَام فلَان كَذَا، وَقَالَ الإِمَام فلَان كَذَا، وجذبوا جمَاعَة من الْعَامَّة الَّذين لَا يفهمون وَلَا يعْقلُونَ، فتدرجوا مَعَهم بدعوات مَعْرُوفَة، وسياسات شيطانية.

стр. 68

وَمَا زَالُوا ينقلونهم من رُتْبَة إِلَى ربتة، وَمن دَرَجَة إِلَى دَرَجَة حَتَّى أخرجوهم إِلَى الْكفْر البَوَاح، والزندقة الحضة، والإلحاد الصُّرَاح. فَعِنْدَ ذَلِك ظَهرت لَهُم دوَل: مِنْهَا دولة الْيمن الَّتِي قَامَ بهَا (عَليّ ابْن الْفضل) الملحد الْكَافِر كفرا أقبح من كفر الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين. ونعق بالإلحاد على مَنَابِر الْمُسلمين فِي غَالب الديار اليمنية، وصيرها كفرية إلحادية باطنية. وَكَذَلِكَ (مَنْصُور بن حسن) الْخَارِج مَعَه من عِنْد رَأس الملحدة: (مَيْمُون القداح) فَملك بعض الديار اليمنية، واستوطن الْحصن الْعَظِيم فِي

стр. 69

مغارب الْيمن، وَهُوَ حصن مَسْوَرْ وَنشر الدعْوَة الباطنية بِالسَّيْفِ كَمَا نشرها (عَليّ ابْن الْفضل) وَلكنه كَانَ فِي إِظْهَار الْكفْر والإلحاد دون عَليّ بن الْفضل ثمَّ بقيت بعده بقايا يتناوبون هَذِه الدعْوَة الملعونة، يُقَال لَهُم الدعاة. وَمِنْهُم الْملك الْكَبِير (عَليّ بن مُحَمَّد الصُّليحي) الْقَائِم بِملك غَالب الديار اليمنية. وَبقيت الدولة فيهم حينا من الدَّهْر، وَلَكِن الله حَافظ دينه، وناصر شَرِيعَته. فَإِنَّهُ كَانَ فِي جِهَات الْيمن الجبالية، دولة لأَوْلَاد (الإِمَام الْهَادِي يحيى ابْن الْحُسَيْن) ﵀، فصاولوهم، وجاولوهم، وقاتلوهم فِي معركة بعد معركة، وموطن بعد موطن حَتَّى كفوهم عَن كثير من الْبِلَاد، وَبَقِي لِلْإِسْلَامِ رسم، وللدين اسْم. وَلَوْلَا أَن الله حفظ دينه بذلك لَصَارَتْ الْيمن بأسرها قرمطية باطنية. ثمَّ جَاءَت بعد حِين من الدَّهْر دولة الإِمَام الْأَعْظَم (صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن عَليّ)

стр. 70

وَولده الْمَنْصُور (عَليّ بن صَلَاح) فقلقلهم وزلزلتهم، وأجرجتهم من معاقلهم وشردتهم فِي أقطار الأَرْض، وسفكت دِمَاءَهُمْ فِي كثير من المواطن. وَلم يبْق مِنْهُم بعد ذَلِك إِلَّا بقايا حقيرة قَليلَة ذليلة تَحت أذيال التَّقيَّة وَفِي حجاب التستر، والتَّظَهُّر بدين الْإِسْلَام إِلَى هَذِه الْغَايَة. والرجاء فِي الله ، أَن يستأصل بَقِيَّتهمْ، ويذهبهم بسيوف الْإِسْلَام وعزائم الْإِيمَان، وَمَا ذَلِك على الله بعزيز. هَذَا مَا وَقع من هَذِه الدعْوَة الملعونة فِي الديار اليمنية، وَأما فِي غَيرهَا، فَأرْسل مَيْمُون القداح رجلا أَصله من الْيمن يُقَال لَهُ أَبُو عبد الله الدَّاعِي إِلَى بِلَاد الْمغرب فَبَثَّ الدعْوَة هُنَالك، وتلقاها، رجال من أهل الْمغرب من قَبيلَة كُتَامة وَغَيرهم من البربر فظهرت هُنَالك دولة قَوِيَّة. وَلم يتم لَهُم ذَلِك إِلَّا بِإِدْخَال أنفسهم فِي النّسَب الشريف الْعلوِي الفاطمي. ثمَّ طَالَتْ ذيول هَذِه الدولة المؤسسة على الْإِلْحَاد، واستولت على مصر ثمَّ الشَّام ثمَّ الْحَرَمَيْنِ، فِي كثير من الْأَوْقَات. وغلبوا خلفاء بني الْعَبَّاس على كثير من بِلَادهمْ حَتَّى أبادتهم الدولة الصلاحية [دولة] صَلَاح الدّين بن أَيُّوب. فَكَانَ من أعجب الِاتِّفَاق أَن الْقَائِم بمصاولتهم ومحو دولتهم فِي الْيمن

стр. 71

الإِمَام صَلَاح الدّين وَولده، والقائم بمحو دولتهم فِي مصر السُّلْطَان صَلَاح الدّين ابْن أَيُّوب. وَظَهَرت من هَذِه الدعْوَة الإلحادية دولة القرامطة، أَبُو طَاهِر القرمطي، وَأَبُو سعيد القرمطي، وَنَحْوهم وَوَقع مِنْهُم فِي الْإِسْلَام وَأَهله من سفك الدِّمَاء، وهتك الْحرم، وَقتل حجاج بَيت الله مرّة بعد مرّة، مَا هُوَ مَعْلُوم لمن يعرف علم التَّارِيخ، وأحوال الْعَالم. وأفضى شرهم إِلَى دُخُول الْحرم الْمَكِّيّ، وَالْمَسْجِد الْحَرَام، وَقتلُوا الْحجَّاج فِي الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى ملأوه بالقتلى، وملأوا بِئْر زَمْزَم، وَصعد شيطانهم القرمطي على الْبَيْت الْحَرَام وَقَالَ: (وَلَو كَانَ هَذَا الْبَيْت لله رَبنَا ... لصب علينا النَّار من فَوْقنَا صبا) (لأَنا حجَجنَا حجَّة جَاهِلِيَّة، ... محللة لم تبْق شرقا وَلَا غربا) وَقَالَ مُخَاطبا للحجاج: يَا حمير أَنْتُم تَقولُونَ من دخله كَانَ آمنا، ثمَّ قلع الْحجر الْأسود وَحمله مَعَه إِلَى هجر. فَانْظُر مَا وصلت إِلَيْهِ هَذِه الدعْوَة الملعونة؟ ! .

стр. 72

ثمَّ أطفأ الله شرهم، وأخذتهم فِي آخر الْمدَّة جيوش التتر الخارجين على الْإِسْلَام، فَكَانَ فِي تِلْكَ المحنة محنة أذهب الله بهَا هَذِه الطَّائِفَة الخبيثة. ثمَّ عَاد الْإِسْلَام كَمَا كَانَ. وَدخل فِي الْإِسْلَام مُلُوك التتر، وَكَانَت الْعَاقِبَة للدّين، وَدفع الله عَن الْإِسْلَام جَمِيع المارقين مِنْهُ والخارجين عَلَيْهِ ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ . ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم﴾ . وَإِنَّمَا قَصَصنَا عَلَيْك مَا قصصناه أَيهَا الرافضي المعادي لصحابة رَسُول الله [ ﷺ ] ولسنته، وَلدين الْإِسْلَام، لتعلم أَنه لَا سلف لَك إِلَّا هَؤُلَاءِ القرامطة والباطنية، والإسماعيلية الَّذين بلغُوا فِي الْإِلْحَاد وَفِي كياد الْإِسْلَام، مَا لم يبلغ إِلَيْهِ أحد من طوائف الْكفْر. فَإِن عرفت أَنَّك على ضلال مُبين، وغرور عَظِيم، وَأَن سلفك الَّذين اقتديت بهم وتبعت أَثَرهم هم البالغون فِي الْكفْر إِلَى هَذِه المبالغ الَّتِي لم يطْمع فِيهَا الشَّيْطَان. فَرُبمَا تنتبه من هَذِه الرقدة، وتستيقظ من هَذِه الْغَفْلَة، وَترجع إِلَى الْإِسْلَام وتمشي على هَدْيه القويم، وصراطه الْمُسْتَقيم. فَإِن أَبيت إِلَّا العناد، وَالْخُرُوج من طرق الرشاد إِلَى طرق الْإِلْحَاد، فعلى نَفسهَا براقش تجنى، وَلَا يظلم رَبك أحدا، وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون، واختر لنَفسك مَا يحلو.

стр. 73

كَرَاهَة الرافضة للصحابة أُرِيد بِهِ هدم السّنة: وَاعْلَم أَن لهَذِهِ الشنعة الرافضيّة، والبدعة الخبيثة ذيلا هُوَ أشر ذيل وويلا هُوَ أقبح ويل. وَهُوَ أَنهم لما علمُوا أَن الْكتاب وَالسّنة يناديان عَلَيْهِم بالخسار، والبوار بأعلا صَوت، عَادوا السّنة المطهرة، وقدحوا فها، وَفِي أَهلهَا بعد قدحهم فِي الصَّحَابَة ﵃. وَجعلُوا المتمسك بهَا من أَعدَاء أهل الْبَيْت وَمن الْمُخَالفين للشيعة لأهل الْبَيْت. فأبطلوا السّنة المطهرة بأسرها، وتمسكوا فِي مقابلها، وتعوضوا عَنْهَا بأكاذيب مفتراة مُشْتَمِلَة على الْقدح المكذوب المتفرى فِي الصَّحَابَة وَفِي جَمِيع الحاملين للسّنة المهتدين بهديها، العاملين بِمَا فِيهَا الناشرين لَهَا فِي النَّاس من التَّابِعين وتابعيهم إِلَى هَذِه الْغَايَة، وسَمَوُهم بالنَّصب، والبغض لأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁، ولأولاده. فأبعد الله الرافضة، وأقماهم. أيبغض عُلَمَاء السّنة المطهرة هَذَا الإِمَام الَّذِي تعجز الألسن عَن حصر مناقبه مَعَ علمهمْ بِمَا فِي كتب السّنة المطهرة، من قَوْله [ ﷺ ] : (لَا يحبك إِلَّا مُؤمن، وَلَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق)

стр. 74

وَمَا ثَبت فِي السّنة من أَنه يُحِبهُ الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله [ ﷺ ] ؟ يَا لَهُم الويل الطَّوِيل، والخسار الْبَالِغ. أيوجد مُسلم من الْمُسلمين، وفرد من أَفْرَاد الْمُؤمنِينَ بِهَذِهِ المثابة، وعَلى هَذِه العقيدة الخبيثة؟ ﴿﴾ سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم، وَلَكِن الْأَمر كَمَا قلت: (قبيحٌ لَا يماثله قبيحٌ ... لعمر أَبِيك دينُ الرافضينا) (أذاعوا فِي على كل نكر ... وأخفوا من فضائله اليقينا) (وسبُّوا لَا رَءَوْا أَصْحَاب طه ... وعادوا من عداهم أجمعينا) (وَقَالُوا دينهم دين قويم ... أَلا لعن الْإِلَه الكاذبينا) وكما قلت: (تَشَيُّعُ الأقوام فِي عصرنا ... منحصر فِي أَربع من بدع) (عَدَاوَة السّنة والثلب للأسلاف ... وَالْجمع وَترك الجَمعُ) وكما قَالَ بعض المعاصرين لنا: (تَعَالَوْا إِلَيْنَا أخوة الرَّفْض إِن تكن ... لكم شِرعةُ الْإِنْصَاف دينا كديننا) (مَدْحنَا عليا، فَوق مَا تمدحونه ... وعاديتمُ أصحابَ أَحْمد دوننَا) (وقلتم بِأَن الْحق، مَا تصنعونه ... إِلَّا لعن الرَّحْمَن منا أضلَّنا) نصيب الْعلمَاء العاملين من الْولَايَة: وَمن جملَة أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ الداخلين تَحت قَوْله: " من عادى لي وليا " الْعلمَاء الْعَامِلُونَ. فهم كَمَا قَالَ بعض السّلف إِن لم يَكُونُوا هم أَوْلِيَاء الله

стр. 75

سُبْحَانَهُ فَمَا لله أَوْلِيَاء. فَإِذا فتح الله عَلَيْهِم بالمعارف العلمية، ثمَّ منحهم الْعَمَل بهَا، ونشرها فِي النَّاس، وإرشاد الْعباد إِلَى مَا شَرعه الله لأمته، وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فَهَذِهِ رُتْبَة عَظِيمَة، ومنزلة شريفة، وَلِهَذَا ورد أَنهم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء. وهم الَّذين قَالَ الله سُبْحَانَهُ فيهم: ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ فبيان الرّفْعَة لَهُم بِأَنَّهَا دَرَجَات يدل أَبْينَ دلَالَة، وينادي أرفع نِدَاء، بِأَن مَنْزِلَتهمْ عِنْد الله سُبْحَانَهُ منزلَة لَا تفضلها إِلَّا منَازِل الْأَنْبِيَاء. وهم الَّذين قرن الله سُبْحَانَهُ شَهَادَتهم بِشَهَادَتِهِ، وَشَهَادَة مَلَائكَته فَقَالَ: ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَالْمَلَائِكَة، وَأولُوا الْعلم﴾ وهم الَّذين قَالَ الله سُبْحَانَهُ فيهم: ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ فحصر خَشيته الَّتِي هِيَ سَبَب الْفَوْز عِنْده عَلَيْهِم حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يخشاه غَيرهم. وهم الَّذين أَخذ الله عَلَيْهِم الْمِيثَاق، أَن يبينوا لِعِبَادِهِ مَا شَرعه لَهُم فَقَالَ: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ فهم أُمَنَاء الله سُبْحَانَهُ على شَرِيعَته.
следующие страницы →