← Общие книги

Общие книги · id 689

عناية الإسلام بصحة الإنسان

أمين الشقاوي

Полный текст (165 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد للَّه رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، .. وبعد فإن الإسلام وهو الدين الذي بعث اللَّه به رسوله محمدًا ﷺ هو ما اشتمل عليه الوحيان، كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وإن لهذا الدين العظيم من الفضائل ما لا يُحصى كثرةً، فهو الدين الشامل لعموم مناحي الحياة، ومن ذلك الطب وصحة الإنسان، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال في وصف رسوله ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال أبو ذر ﵁: لقد تركنا رسول اللَّه ﷺ وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكر لنا منه علمًا (١). وعن سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ

стр. 2

كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم (١). أما الطب وصحة الإنسان، فقد أولاهما الإسلام عناية فائقة كما سنذكره في ثنايا هذه الرسالة، وما ذلك إلا أن صحة الإنسان وسيلة إلى صحة عقله، وبالتالي سلامة دينه واكتماله. ولذلك قال بعض أهل العلم: إن العناية بصحة الإنسان هي المرتبة الثانية بعد سلامة الدين، وضربوا لذلك مثلاً بأن الروح في البدن كالناس في السكن، فما دام أن السكن صالح، فإن أهله فيه، فإذا دخله الخراب وبدأ يتهدم خرج أهله منه، فكذلك الروح في البدن، وقد قال النبي ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» (٢). ولأن من شرائع الإسلام العظيمة ما لا يمكن القيام به إلا بصحة البدن، كالخلافة، والإمارة، والصلاة (٣)، والحج، والجهاد ... وغيرها. وإن مما يجدر التنبيه عليه، أن تلف البدن والإخلال بصحته سبب للأمراض والعاهات التي ترد عليه، وإن كان ذلك مما قدر

стр. 3

اللَّه على العبد، فإنه من حيث السبب ينقسم إلى قسمين؛ الأول: ما لا سبب للعبد فيه، وهذا إن رضي العبد به، وآمن بقضاء ربه، نال الأجر كاملاً، وسلم من الإثم، الثاني: ما كان سببه من العبد نفسه، وذلك بتركه الأسباب المشروعة فعلاً أو تركًا، فيخشى على من هذه حاله أن يكون آثمًا مستحقًّا للعقوبة. فالمتهور أثناء قيادة السيارة إذا حدث له حادث مات به خُشيَ عليه أن يكون قاتلاً لنفسه، والمسرف في الطعام إذا أُصيب بالأمراض يُخشى عليه من الإثم لإضراره ببدنه، ولما يترتب على ذلك من تقصير في الواجبات، ولربما يتعدى الضرر والتقصير إلى من حوله. وإننا في هذه الرسالة نأمل أن نوفق في جمع ما تيسر في هذا الباب مما له علاقة مباشرة وقوية من النصوص الشرعية على سبيل الاختصار، وذلك ببيان شيء من محاسن الدين الإسلامي التي لا تحصى محاسنه وفضائله مع إعلامنا كل من يطلع على هذه الرسالة، أنها ليست رسالة في الطب بما يقتضيه معنى هذه الكلمة، وإنما المقصود ما ذكرناه سالفًا وهو واضح من عنوانها هذا، وقد تم تقسيمها إلى مقدمة وبابين وخاتمة. الباب الأول: الأدوية الإلهية وهي الأدعية والرقى والأذكار والصدقات وغيرها من الأعمال الصالحة، ويشتمل على فصلين:

стр. 4

الفصل الأول: ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه. الفصل الثاني: مايحفظ به الصحة ويدفع به الداء بعد وقوعه. الباب الثاني: الأدوية المادية ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه. الفصل الثاني: ما يدفع به الداء بعد وقوعه. أما الخاتمة ففيها أهم ما تشتمل عليه هذه الرسالة. ... المؤلفان أمين بن عبد الله الشقاوي وعبد الرحيم بن حسين المالكي

стр. 5

الباب الأول الأدوية الإلهية وهي الأدعية والأذكار والرقى والصدقات وغيرها من الأعمال الصالحة. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى عن عبده أيوب وقد أصيب من البلاء ما لا يعلم عظمه إلا اللَّه، ومكث فيه ثماني عشرة سنة (١)، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق، إن

стр. 6

في الماء رجلاً لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء (١)، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب اللَّه أجرًا، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول اللَّه! أخذ على كتاب اللَّه أجرًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (٢).

стр. 7

الفصل الأول ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ» (١). قال ابن القيم ﵀: «فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر، فإن اللَّه تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ،

стр. 8

وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ» (١). وقيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أنفع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، قال ابن القيم ﵀: «والصلاة منهاة عن الإثم ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم وقامعة لأخلاط الشهوات وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة» (٢)، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ،

стр. 9

لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ» (١). وفي لفظ لأبي داود: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ، حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ»، وَقَالَ: فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا. وروى مسلم في صحيحه من حديث خولة السلمية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرُّهُ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرُّكَ» (٣) وروى مالك في الموطأ أن كعب الأحبار قال: لولا كلمات

стр. 10

أقولهن لجعلتني يهود حمارًا، فقيل له: وما هن؟ فقال: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، قَالَ مُعَاوِيَةُ (٢): بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ (٣). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «قوله: ولا تستطيعها البطلة، يعني السحرة، فهي تدفع عن الإنسان السحر؛ لأن السحرة لا يستطيعونها، إذ أن السحرة من الشياطين، وقد قال اللَّه في سورة البقرة عن السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فلهذا من قرأ البقرة بإخلاص وإيمان، فإنه لا يقدر عليه السحرة، وظاهر عموم الحديث أنه يشمل من قرأها حفظًا، أو عن نظر في المصحف كما يعم من قرأها في مجلس واحد أو مجالس متفرقة» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي

стр. 11

مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (١). قال النووي ﵀: «قيل: معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات، ويحتمل من الجميع» (٢). وروى أبو داود في سننه من حديث عبد اللَّه بن خبيب ﵁ أنه قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول اللَّه ﷺ ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: «أَصَلَّيْتُمْ؟» فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ: «قُلْ»، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ»، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (٣). وقد أوصى النبي ﷺ عقبة بن عامر ﵁ بهما وقال: «تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (٤). قال ابن القيم ﵀ في كلامه على المعوذتين: «المقصود الكلام على هاتين السورتين وبيان عظيم منفعتهما وشدة

стр. 12

الحاجة، بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًّا في دفع السحر، والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعانة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس، والطعام، والشراب، واللباس» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يُعوذ الحسن والحسين ويقول: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» (٢). قال ابن حجر ﵀: «قوله: «مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ» يدخل تحته شياطين الإنس والجن، «وَهَامَّةٍ» واحدة الهوام ذوات السموم، وقيل كل ما له سم يقتل، فأما ما لا يقتل سمه فيقال له: السوام، وقيل: المراد كل نسمة تهم بسوء، «وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» قال الخطابي: المراد به كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل ... » (٣) وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَن رَأَى مُبتَلًى فقال: الحمدُ للَّهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ

стр. 13

ذلكَ البلاءُ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ... » (٢). وفي رواية أخرى للبخاري: « ... فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» (٤). وفي رواية لمسلم «فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ» (٥). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ عن

стр. 14

رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ (٢) وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ (٣)، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تُبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» (٤). ولا يبعد أن كثيرًا مما يصيب الناس من الأسقام والعلل النفسية والبدنية هو من التفريط في الامتثال لهذه التوجيهات الكريمة، وقد بلّغ رسول اللَّه ﷺ ونصح، فلا يلومن امرؤ إلا نفسه. قال القرطبي ﵀: «وقد تضمنت جملة هذه الأحاديث أن اللَّه تعالى قد أطلع نبيه ﷺ على ما يكون في هذه الأوقات من المضار من جهة الشياطين، والفأر والوباء، وقد أرشدنا

стр. 15

النبي ﷺ إلى ما يُتقى به ذلك - فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكرًا اللَّه تعالى - ممتثلاً أمر نبيه ﷺ ، وشاكرًا للَّه تعالى على ما أرشدنا إليه، وأعلمنا به، ولنبيه ﷺ على تبليغه ونصحه، فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضرر بحول اللَّه وقوته، وبركة امتثال أوامره ﷺ ، وجازاه عنا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته، فقد بلغ ونصح» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» (٢). قال الخطابي: «تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له، فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب، وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيرًا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألف اللَّه بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان، وإن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت، لقادر على إلهام

стр. 16

الذبابة أن تقدم جناحًا وتؤخر آخر» (١). وكان النبي ﷺ يسأل ربه صباحًا ومساءً العافية وعند نومه، فروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يكن رسول اللَّه ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن الحارث يحدث عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه أمر رجلًا إذا أخذ مضجعه قال: «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي ... » الحديث، وقال في آخره: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ»، فقال له رجل: أسمعت هذا من عمر؟ فقال: من خير من عمر، من رسول اللَّه ﷺ (٣). «والعافية في الدنيا هي دفع اللَّه عن العبد جميع الأسقام والبلايا وجميع ما يكرهه ويشينه، والعافية في الآخرة هي دفع اللَّه عنه جميع أهوال الآخرة وأفزاعها، ولا يخرج مطلوب العبد من هذين القسمين» (٤).

стр. 17

«والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن وعماد الدين، وله مع البلاء ثلاثة مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه» (١). فقد روى الترمذي في سننه من حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلاَّ البِرُّ» (٢). وروى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٣). فبين النبي ﷺ أن أفضل ما سأله العباد أن يعافيهم اللَّه؛ لأن العمدة الكبرى والمنحة العظمى في نيل السعادة الدنيوية والأخروية هي العافية.

стр. 18

وروى البزار في كشف الأستار من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه ﷺ مر بقوم مبتلين فقال: «أَمَا كَانَ هَؤُلاءِ يَسْأَلُونَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ» (١). «وفي الحديث دليل على أن سؤال اللَّه العافية يدفع كل بلية، ويرفع كل محنة، ولهذا جاء ﷺ بهذا الاستفهام بمعنى الاستنكار، فكأنه قال لهم: كيف تتركون أنفسكم في هذه المحنة والبلاء؟ وأنتم تجدون الدواء الحاسم لها، والمرهم الشافي لما أصابكم منها، وهو الدعاء بالعافية، واستدفاع هذه المحنة النازلة بكم بهذه الدعوة الكافية. وفي هذا ما يزيد النفوس نشاطًا، والقلوب بصيرة باستعمال هذا الدواء عند عروض كل داء ومساس كل محنة، ونزول كل بلية» (٢). وكان النبي ﷺ يتعوذ باللَّه من سيئ الأسقام، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ» (٣).

стр. 19

قال الشاعر: إِنِّي وَإِنْ كَانَ جَمْعُ المَالِ يُعْجِبُنِي ... مَا يَعْدِلُ المَالُ عِنْدِي صِحَّةَ الجَسَدِ المَالُ زَيْنٌ وَفِي الأَوْلَادِ مَكْرُمَةٌ ... وَالسَّقْمُ يُنْسِيكَ ذِكْرَ المَالِ وَالوَلَدِ

стр. 20

الفصل الثاني ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء بعد وقوعه من الأدوية الإلهية من الأدعية والرقى والصدقات ونحوها من الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀: «فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة. فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشبه والجهالة والآراء الفاسدة والانحراف السيئ، والقصود السيئة، فإنه مشتمل على العلم اليقين الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير الذي يزول به كل شهوة تخالف

стр. 21

أمر اللَّه، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها. وأما الرحمة فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية والثواب العاجل والآجل» (١). «ولا شك ولا ريب أن العلاج بالقرآن الكريم وبما ثبت عن النبي ﷺ من الرقى هو علاج نافع، وشفاء تام، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ومن هنا لبيان الجنس، يعني: من في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٢ [، فإن القرآن كله شفاء كما في الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾] يونس: ٥٧]. فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء بالقرآن، وإذا أحسن العليل التداوي به وعالج به مرضه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدًا، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على علاجه وسببه، والحمية منه لمن رزقه اللَّه فهمًا لكتابه» (٢).

стр. 22

«ولكن ها هنا أمرٌ لابد من بيانه، وهو أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاد النفع به، حتى إن كثيرًا من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب. واعتبر هذا بأعظم الأدوية والأشفية، وأنفعها للقلوب والأبدان والمعاش والمعاد والدنيا والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاءٌ من كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضًا إلى مرضها! وليس لشفاء القلوب قط دواءٌ أنفع من القرآن، فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقمًا إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحِمية التامة من كل مؤذٍ ومضر، ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه كذلك، وعدم استعماله، والعدول إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به، وغلبت العوائد، واشتد الإعراض، وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب، وتربى بعض المرضى والأطباء على علاج بني جنسهم، فعظم المصاب، واستحكم الداء، وتركبت أمراضٌ وعللٌ أعيا علاجها، ولسان الحال يُنادي: وَمِنَ العَجَائِبِ وَالعَجَائِبُ جَمَّةٌ ... قُرْبُ الشِّفَاءِ وَمَا إِلَيْهُ وُصُولُ كَالعَيْسِ فِي البَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا ... وَالمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ» (١)

стр. 23

قال ابن القيم ﵀: «بل ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب واعتماده على اللَّه، والتوكل عليه والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والصلاة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علمُ أعلم الأطباء، ولا تجربته ولا قياسه. وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية؛ بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء. وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجًا عنها، ولكن الأسباب متنوعة، فإن القلب متى اتصل برب العالمين، وخالق الداء والدواء، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه، المعرض عنه، وقد عُلِم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه، وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به، وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من

стр. 24

أكبر الأدوية، وتُوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية؟ ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس، وأغلظهم حجابًا، وأكثفهم نفسًا، وأبعدهم عن اللَّه وعن حقيقة الإنسانية» (١). روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا - ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها- «بِاسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ (٣) بَعْضِنَا يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (٤). وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه، وأمسحه بيد

стр. 25

نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد ﵁: أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: «نَعَمْ»، قال: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده (٣)، قالت عائشة ﵂: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ،

стр. 26

فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه، فضحك وقال: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (١). قال ابن القيم ﵀: «من المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل اللَّه على خلقه، الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة والنور الهادي والرحمة العامة، الذي لو أُنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، ومن ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، هذا أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]، وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها، المتضمنة لجميع معاني كتب اللَّه، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب تعالى ومجامعها - وهي اللَّه والرب والرحمن - وإثبات المعاد، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء

стр. 27

على الإطلاق وأنفعه وما العباد أحوج شيء إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات. وتتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق والعمل به ومحبته وإيثاره، ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له؛ وهؤلاء أقسام الخليقة، مع تضمنها لإثبات القدر والشرع، والأسماء والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكية النفوس وإصلاح القلوب، وذكر عدل اللَّه وإحسانه، والرد على جميع أهل البدع والباطل؛ وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من الأدواء، ويرقى بها اللديغ. وبالجملة، فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية، والثناء على اللَّه، وتفويض الأمر كله إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، وهي الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية والكافية. وقد قيل: إن موضع الرقية منها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذ الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل، والالتجاء والاستعانة، والافتقار والطلب، والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادة الرب وحده، وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على

стр. 28

عبادته، ما ليس في غيرها. ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها، آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليه مرارًا، ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثيرٍ من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع» (١). قال ابن حجر ﵀: «وقد أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام اللَّه تعالى، أو بأسمائه وصفاته، و باللسان العربي أو بما يعرف معناه بغيره، وأن يعتقد أن الرقية لاتؤثر بذاتها بل بذات اللَّه تعالى» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁: أنه شكا إلى رسول اللَّه ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال رسول اللَّه ﷺ : «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (٣). وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ

стр. 29

مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ؛ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» (١). وروى أبو داود في سننه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: قال النبي ﷺ : «إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى صَلَاةٍ» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ دعا له في مرضه، فقال: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا - ثَلَاثَ مِرَاتٍ» (٣). ودخل النبي ﷺ على أعرابي يعوده، قال: «وكان النبي ﷺ إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بَأْسَ طَهُورٌ (٤) إنْ شَاءَ اللَّهُ» (٥). وروى الإمام أحمد في مسنده: قال أبو التياح: قلت لعبد الرحمن بن خنبش التميمي - وكان كبيرًا -: أدركت رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، قال: قلت كيف صنع رسول اللَّه ليلة

стр. 30

كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول اللَّه ﷺ من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول اللَّه ﷺ ، فهبط إليه جبريل فقال: يا محمد قل. قال: «مَا أَقُولُ؟» قال: قل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ، يَا رَحْمَنُ، قَالَ: فَطَفِئَتْ نَارُهُمْ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ ﵎ (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ» (٢) (٣). وعند الموطأ من حديث يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن خالد بن الوليد ﵁ قال لرسول اللَّه ﷺ : إني أروع في منامي، فقال له رسول اللَّه ﷺ : «قل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ

стр. 31

يَحْضُرُونِ» (١). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة بن سهل ابن حنيف: أن أباه حدثه: أن رسول اللَّه ﷺ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ. فَلُبِطَ بِسَهْلٍ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَمَا يُفِيقُ. قَالَ: «هلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟»، قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اغْتَسِلْ لَهُ»، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، ثم يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عطاء بن أبي رباح أن ابن عباس ﵄ قال له: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ

стр. 32

النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا (١). قال ابن حجر ﵀: «وفي الحديث فضل من يصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء، والالتجاء إلى اللَّه أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل، واللَّه أعلم» (٢). قال ابن القيم ﵀: «وأما صرع الأرواح (٣) فعلاجه يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ

стр. 33

عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربةٍ، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا، فمتى تخلف أحدهما لم يُغن السلاح كبير طائل، فكيف إذا عُدم الأمران جميعًا، يكون القلب خرابًا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له؟». والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه، أو يقول: بسم اللَّه، أو يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، والنبي ﷺ كان يقول: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» (١). وكان يعالج بآية الكرسي، ويأمر بكثرة قراءة المصروعين ومن يعالجه لها، وبقراءة المعوذتين. وبالجملة، فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل

стр. 34

الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانًا، فتؤثر فيه. هذا ولو كُشِف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها، وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة، فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة، واللَّه المستعان» (١). روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَهُوَ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ» (٢). «في الحديث نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به النفس، وتنتعش به القوة، فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها

стр. 35

الذي هو غاية تأثير الطبيب. ولفرح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم لهم، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم. وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم، فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع إلى المريض، ونوع يعود على العائد، ونوع يعود على أهل المريض، ونوع يعود على العامة. وقد تقدم في هديه ﷺ أنه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده، ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته - وربما وضعها بين ثدييه - ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، وربما كان يقول للمريض: «لا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ» (١)، وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير» (٢). روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: تَشَكَّيْتُ بِمَكَّةَ شَكْوًا شَدِيدًا، فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي،

стр. 36

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَتْرُكُ مَالًا، وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً، فَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ؟ فَقَالَ: «لَا». قُلْتُ: فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: فَأُوصِي بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ»، فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي - فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ - حَتَّى السَّاعَةِ (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث السائب ﵁ قال: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ... الحديث (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ابن عبد اللَّه ﵁ قال: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ (٣).

стр. 37

وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» الحديث (١). «ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية (٢)، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تُبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل منهما عُدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من اللَّه، مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات (٣)، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهَّال وأهل البوادي،

стр. 38

ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية، وبالجملة، فسلطان تأثيره على القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات. قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها؛ فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، واللَّه أعلم» (١).

стр. 39

الباب الثاني الأدوية المادية وهي كثيرة، منها العسل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. ومنها الحبة السوداء، قال النبي ﷺ : «فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالسَّامُ المَوْتُ (١). ومنها الحجامة، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ» (٢). ومنها ماء زمزم، روى ابن ماجه في سننه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٣). ومنها ما أنزل اللَّه في الأرض من ترابها ومياهها

стр. 40

وأشجارها وثمارها وغير ذلك مما خص اللَّه بعلمه من شاء من عباده. ويشتمل هذا الباب على فصلين:
следующие страницы →