← Общие книги

Общие книги · id 689

عناية الإسلام بصحة الإنسان

أمين الشقاوي

Полный текст (165 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَتْرُكُ مَالًا، وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً، فَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ؟ فَقَالَ: «لَا». قُلْتُ: فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: فَأُوصِي بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ»، فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي - فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ - حَتَّى السَّاعَةِ (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث السائب ﵁ قال: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ... الحديث (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ابن عبد اللَّه ﵁ قال: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ (٣).

стр. 37

وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» الحديث (١). «ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية (٢)، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تُبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل منهما عُدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من اللَّه، مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات (٣)، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهَّال وأهل البوادي،

стр. 38

ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية، وبالجملة، فسلطان تأثيره على القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات. قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها؛ فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، واللَّه أعلم» (١).

стр. 39

الباب الثاني الأدوية المادية وهي كثيرة، منها العسل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. ومنها الحبة السوداء، قال النبي ﷺ : «فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالسَّامُ المَوْتُ (١). ومنها الحجامة، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ» (٢). ومنها ماء زمزم، روى ابن ماجه في سننه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٣). ومنها ما أنزل اللَّه في الأرض من ترابها ومياهها

стр. 40

وأشجارها وثمارها وغير ذلك مما خص اللَّه بعلمه من شاء من عباده. ويشتمل هذا الباب على فصلين:

стр. 41

الفصل الأول ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه والكلام هنا ينقسم إلى أنواع وهي: الغذاء من الطعام والشراب، والهواء، واللباس، والسكن والرياضة، والمركب، والنظافة. الغذاء وفيه الآتي: اختيار الغذاء، وهو على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الغذاء الصرف من طعام وشراب، مثل الحبوب كالبر والشعير والأرز والثمار كالتمر والزبيب، والفواكه كالعنب والرمان والخضروات. النوع الثاني: الدواء الصرف مثل الحبة السوداء والقسط وغيرها. النوع الثالث: ما اشترك فيه الغذاء والدواء مثل العسل، والحلبة، والزيتون .. وغيرها.

стр. 42

الغذاء من طعام وشراب وفيه اختيار أجود وأحسن الأطعمة والأشربة، واعلم أنه قبل ما يُدعى الحضارة الحديثة كانت الأطعمة والأشربة طبيعية أو على المصطلح الحديث عضوية (١)، ومع ذلك فقد كانت متفاوتة في الجودة والحسن بحسب اختلاف المكان والزمان والنوع .. وغير ذلك مما يعرفه أهل الاختصاص، وقد أشار تعالى إلى جودة الزيت بسبب المكان الذي توجد فيه شجرته، وأن الشمس تصيبها غدوة وعشيًّا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. أما اليوم فقد أصيبت الأطعمة والأشربة بما نقص من جودتها أو أفقدها ذلك، بل قلب بعضها إلى أدواء ضارة، وذلك بسبب أفعال الناس،

стр. 43

إما لعدم خوفهم من اللَّه، واستحلالهم للغش، وإيثار الدنيا، أو بسبب الجهل وهو القليل، وإن مما أصيبت به الأطعمة والأشربة ما يسمى التعديل الوراثي (١)، واستعمال الكيماويات، إضافة إلى المواد الحافظة والمحسنة للطعوم والألوان. وإدخال ما لا يحل في جميع الشرائع السماوية، كالميتات ونحوها من الخبائث، أو ما يستحله أقوام ويسوق على آخرين لا يستحلونه ويستخبثونه، تصريحًا باسمه أحيانًا كالخنزير وإخفائه تحت مسميات أو رموز أكثر الأحيان. ومن ذلك ما أدخل عليها أثناء التصنيع كهدرجة الزيوت وتحلية المياه التي لا يتقيد مصنعوها بالشروط الصحية. ومنها ما أدخل على تغذية المأكول من البهائم والطيور وغير ذلك كثير، وصدق اللَّه إذ يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. وإن مما يُبشر به ما انتشر في الآونة الأخيرة مما يوصف بالأغذية العضوية، وكذلك توجه بعض الجهات المسئولة إلى مراقبة المنتجات وفحصها قبل دخولها الأسواق، روى الإمام

стр. 44

أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يُسْتَقَى لَهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا (١) (٢). قال ابن عبد البر: وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه كان يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بِيرِ السُّقْيَا، ثم ذكر أنه من هذا المعنى قول أنس وهو في البخاري أن رسول اللَّه ﷺ كان يَأْتِي بَيْرُحَاءَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَوَصَفَهُ بِالطَّيِّبِ. (٣) (٤) وروى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فقال له النبي ﷺ : «إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ (٥) وَإِلَّا كَرَعْنَا» (٦). قال المهلب: «في الحديث أنه لا بأس بشرب الماء البارد في اليوم الحار، وهو من جملة النعم التي امتن اللَّه بها على عباده» (٧).

стр. 45

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سُئل: أي الشراب أطيب؟ قال: «الْحُلْوُ الْبَارِدُ» (١). والأولى لمن كان حريصًا على صحة بدنه وعقله ألا يدخل بدنه ولا يغذيه إلا بالطعام والشراب السالم من الآفات السابق ذكرها، أو على أقل الأحوال أن يكون اختياره لأفضل الموجود، وإن كلفه ذلك بدنيًّا أو ماليًّا، ومع حسن التدبير والاقتصاد تحصل الموازنة إن شاء اللَّه. تنبيه: قلنا آنفًا: إن صحة البدن لها حظ كبير في سلامة الغذاء، وذلك أن للأطعمة والأشربة تأثيرًا على العقول، وذلك أمر معلوم يذكره الأطباء والحكماء. قال ابن القيم ﵀: «كل من ألف ضربًا من ضروب الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه، فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى» (٢). الكيفية: والمقصود أن لتناول الطعام والشراب كيفيات ينبغي التزامها قدر الطاقة، وأخرى ينبغي تجنبها كذلك، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر شرب الماء قاعدًا، فقد روى

стр. 46

مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» (١). قال القرطبي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: «ويمكن أن يقال: إن القيء وإن لم يقل أحد بأنه واجب عليه، فلا يبعد أن يكون مأمورًا به على جهة التطبب، وهو يؤيد قول من قال: إن النهي عن ذلك مخافة مرض أو ضرر، فإن القيء استفراغ مما يخاف ضرره» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (٣). وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا ويقول: «إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَمْرَأُ، وَأَبْرَأُ» (٤). الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع هو: الماء، ومعنى تنفسه في الشراب: إبانته القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشراب، كما جاء مصرحًا به في الحديث الآخر، قال ﷺ :

стр. 47

«إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفّسْ فِي الإِنَاءِ، فِإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الإِنَاءَ ... » (١). وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه ﷺ على مجامعها بقوله: «إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَمْرَأُ، وَأَبْرَأُ»، فأروى: أشد ريًّا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء وهو الشفاء، أي يبرئ من شدة العطش ودائه، لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه. وقوله: «وَأَمْرَأُ» هو أفعل من مرئ الطعام والشراب في بدنه، إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع، ومنه ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه، وقيل: معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير فإنه لا يسهل على المريء انحداره. ومن آفات الشرب نهلة واحدة: أنه يخاف منه الشرق، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغص به، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن ذلك (٢).

стр. 48

ومثله النفخ في الطعام والشراب، روى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري قال: نهى النبي ﷺ أن يُتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه (١). قال ابن حجر ﵀: «وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا النهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه ربما حصل له تغير من النفس، إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلاً، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس» (٢). أ. هـ قال ابن العربي: «هو من مكارم الأخلاق» (٣). أما التسمية في أول الطعام والحمد في آخره، فأمرهما معلوم، وفائدتهما محققة. روى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّه، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّله فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهَ فِي أَوَّله وَآخِره» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ

стр. 49

عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (١). ومن ذلك ألا يؤكل الطعام حارًّا، وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها: أنها كانت إذا ثردت (٢) غطته شيئًا حتى يذهب فوره ثم تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» (٣) (٤). ومن ذلك تجنب الأخلاط، وقد ذكر الأطباء أن الذين يتناولون الأطعمة والأشربة المفردة كأهل البوادي قديمًا أصح أبدانًا ممن يتناولون الأطعمة والأشربة المركبة من أهل الحاضرة، لا سيما وأن كثيراً من الناس بل أكثرهم لا علم عندهم بطبائع الأشياء الأربع، وهي الحرارة ويقابلها البرودة، والرطوبة ويقابلها اليبوسة. «وفي الصحيحين من حديث عبداللَّه بن جعفر ﵄ قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ (٥)، فالرطب حار والقثاء بارد، وفي كل منهما إصلاح للآخر، وإزالة لأكثر ضرره، ومقاومة كل كيفية بضدها، ودفع سورتها بالأخرى، وهذا أصل العلاج كله وهو أصل في حفظ الصحة، بل علم

стр. 50

الطب كله يستفاد من هذا. وبالجملة فدفع ضرر البارد بالحار، والحار بالبارد، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وتعديل أحدهما بالآخر من أبلغ أنواع العلاجات، وحفظ الصحة، ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسنوت، وهو العسل الذي فيه شيء من السمن يصلح به السنا ويعدله، فصلوات اللَّّه وسلامه على من بعث بحماية القلوب والأبدان، وبمصالح الدنيا والآخرة» (١). ومما يلحق بذلك مراعاة التناسب بين الأغذية والأبدان، فما يناسب هذا لا يناسب ذلك، وما يصلح للصحيح لا يصلح للمريض، وما ينتفع به الشاب لا ينتفع به الشيخ الكبير، بل قد يضره وكذلك المرأة والرجل وغيرهم. روى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قال: «سمنوني بكل شيء فلم أسمن، فسمنوني بالقثاء والرطب فسمنت» (٢). وفي الحديث قاعدة من قواعد الطب، وهي مراعاة التناسب، فقد استعملوا ما يعلمونه مما يؤدي إلى الغرض المطلوب، فلم يكن يناسبها إلا ما ذكر. روى ابن ماجه في سننه من حديث أم المنذر بنت قيس ﵂

стр. 51

قالت: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ مِنْ مَرَضٍ، وَلَنَا دَوَالِي (١) مُعَلَّقَةٌ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهَا. فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ لِيَأْكُلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَهْ. يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ نَاقِهٌ»، قَالَتْ: فَصَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ سِلْقاً وَشَعِيراً (٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لعليٍّ: «مِنْ هَذَا فَأَصِبْ. فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لَكَ» (٣). «واعلم أن في منع النبي ﷺ لعلي من الأكل من الدوالي وهو ناقه أحسن التدبير ... ففي الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره، ولما وضع بين يديه السلق والشعير أمره أن يصيب منه، فإنه من أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقه، ولا سيما إذا طبخ بأصول السلق، فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف، ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يُخاف منه. قال زيد بن أسلم: حمى عمر مريضًا له حتى إنه من شدة ما حماه كان يمص النوى. وبالجملة فالحمية من أنفع الأدوية قبل

стр. 52

الداء، فتمنع حصوله، وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره» (١). (ج) الكمية وهي غاية في الأهمية، سواء ما يتعلق بصحة الإنسان أو غير ذلك (٢). وقد جاء الشرع بوضع قاعدة من عمل بها، سلم من أكثر الأمراض، وقد تتابع عليها الأطباء ونصحوا بتطبيقها سواء منهم المؤمنون برسالة نبينا محمد ﷺ أم غيرهم. روى الترمذي في سننه من حديث مقدام بن معدي كرب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ، حَسْبُكَ يَا ابْنَ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَكَ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَ فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ وَثُلُثٌ نَفَسٌ» (٣). قال ابن رجب: «هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة» (٤). أهـ

стр. 53

«وذلك لأن أصل كل داء التخمة، وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الداء؛ قال الغزالي: ذُكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل أحكم من هذا» (١). هذا الحديث الشريف اشتمل على فوائد كثيرة: أولاً: أن في تقليل الطعام منافع كثيرة للجسم، فمن ذلك: رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وكثرة الأكل توجب ضد ذلك. قال المروذي: «جعل أبو عبداللَّه - يعني الإمام أحمد بن حنبل - يعظم الجوع والفقر، فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؛ قلت لأبي عبداللَّه: يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع؟ قال: ما أرى؛ قال الشافعي: الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة، ويجذب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة» (٢). ثانيًا: أن كثرة الأكل تسبب أمراضًا للبدن، قال ابن القيم ﵀: «الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية وهي أكثر

стр. 54

الأمراض، وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النفع، البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة؛ فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك، أورثته أمراضًا متنوعة، منها بطيء الزوال أو سريعه، فإذا توسط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته: كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير. ومراتب الغذاء ثلاثة: أحدها: مرتبة الحاجة، الثانية: مرتبة الكفاية، الثالثة: مرتبة الفضلة. قال ابن الرومي: فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ ... يَكُونُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ ثالثًا: أن النبي ﷺ ذكر أن اللقيمات تكفي لحاجة الجسم فلا تسقط قوته ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس، وهذا أنفع ما للبدن وللقلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له الكرب والتعب، بمنزلة حامل الحمل الثقيل، هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع، فامتلاء البطن من الطعام

стр. 55

مضر للقلب والبدن» (١). ويلاحظ هذا في رمضان، فإن من يكثر من تناول الطعام في فطوره، فإن صلاة العشاء والتراويح تكون ثقيلة عليه. رابعاً: الحث على التقليل من الأكل؛ ففي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» (٢)، والمراد أن المؤمن يأكل بأدب الشرع فيأكل في معي واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره والنهم، فيأكل في سبعة أمعاء؛ وندب ﷺ مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي ﷺ قال: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَة، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» (٣). خامسًا: أن النبي ﷺ كما حث على التقليل من الطعام فإنه كان يفعل ذلك هو وأصحابه وهذا في الغالب، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام فإن اللَّه لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها (٤)؛ روى الترمذي من حديث ابن عمر ﵁ قال:

стр. 56

تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). سادسًا: أن هذا الحديث فيه الحث على الاقتصاد وعدم الإسراف، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. قال ابن القيم ﵀: «فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا، وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض، أعني عدم الأكل والشرب أو الإسراف فيه، فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين» (٢). سابعًا: أن هذا الحديث فيه تعويد على الصبر والتحمل والانتصار على النفس الشهوانية، ولذلك يسمى رمضان شهر الصبر. «فأما المطعم والمشرب، فلم يكن من عادته ﷺ حبس النفس على نوع واحد من الأغذية، لا يتعداه إلى ما سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدًّا، وقد يتعذر عليها أحيانًا، فإن لم

стр. 57

يتناول غيره ضعف أو هلك، وإن تناول غيره لم تقبله الطبيعة واستضر به، فقصرها على نوع واحد دائمًا، ولو أنه أفضل الأغذية خطرٌ مضر. بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره ... وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدلها بضدها إن أمكن، كتعديله حرارة الرطب بالبطيخ، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف، فلا تتضرر به الطبيعة. وكان إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله، ولم يحملها إياه على كره، وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا تشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه. قال أبو هريرة ﵁: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ» (١). ولما قُدم إليه الضب المشوي لم يأكل منه، فقيل له: هو حرام؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه. فراعى عادته وشهوته، فلما لم يكن يعتاد أكله بأرضه وكانت نفسه لا تشتهيه أمسك عنه، ولم يمنع من أكله من يشتهيه، ومن

стр. 58

عادته أكله. وكان أحب اللحم إليه الذراع، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ (١). وذكر أبو عبيد (٢) وغيره عن ضُباعة بنت الزبير ﵂ أنها ذبحت في بيتها شاة فأرسل إليها رسول اللَّه ﷺ : «أَنْ أَطْعِمِينَا مِنْ شَاتِكُمْ»، فقالت للرسول: ما بقي عندنا إلا الرقبة، وإني لأستحيي أن أرسل بها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فرجع الرسول فأخبره، فقال: «ارْجِعْ إِلَيْهَا فَقُلْ لَهَا: أَرْسِلِي بِهَا فَإِنَّهَا هَادِيَةُ الشَّاةِ، وَأَقْرَبُ الشَّاةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَأَبْعَدُهَا مِنَ الأَذَى». ولا ريب أن أخف لحم الشاة: لحم الرقبة، ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة، وأسرع انهضامًا، وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثاني: خفتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. الثالث: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره.

стр. 59

وكان يحب الحلواء والعسل، وهذه الثلاثة - أعني اللحم والعسل والحلواء- من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، وللاغتذاء بها نفعٌ عظيم في حفظ الصحة والقوة» (١). تنبيه: اعلم أنه لا يتم الانتفاع بهذه الأغذية الثلاثة وغيرها إلا بأن تكون سليمة مما دخل على الأغذية في هذا الزمان من التعديلات الوراثية والمواد الكيمائية والمواد الحافظة ومحسنات الألوان والطعوم وغيرها من التراكيب التي تجعلها إلى الضرر أقرب منها إلى النفع، فاللحوم النافعة هي التي تتغذى مصادرها من البهائم والطيور بالمراعي والأعلاف البرية والطبيعية، كما قال النبي ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ، فَإِنَّهَا تقَمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ» (٢). والعسل بأن يكون نحله يرعى الأشجار البرية، كما قال اللَّه تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨] أما الحلوى فلا تكون مفيدة ونافعة وغير ضارة إلا بأن تكون مصادرها ومركباتها عضوية طبيعية من منشأها إلى مأكلها.

стр. 60

الهواء لا شك أن صحة الهواء وفساده مما ينبغي الاعتناء به، وقد ذكر أهل العلم أن من عقوبات الذنوب فساد الأطعمة والأشربة والهواء، وذلك عند قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. ومما هو معلوم لدى العناية بأهل هذا الشأن أن قطع الأرض تختلف بعضها عن بعض، فمنها نقية الهواء، ومنها ما هو بخلاف ذلك، وفي الأخبار أنهم لما أرادوا بناء المارستان - المستشفى - ببغداد جعلوا في كل ناحية من نواحيها لحما نيئاً وتركوه مدة معلقًا، ثم نظروا إلى آخرها فسادًا فجعلوا المارستان في موضعه. فاستدلوا بذلك إلى أن الهواء في تلك الجهة أحسن منه في غيرها. روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: «قدِم أُنَاس مِنْ عُكْلٍ - أوْ عُرينةَ - فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النبيُّ ﷺ بِلِقَاح، وَأن يَشربُوا مِنْ أبوالها وَألبَانِهَا، فَانطَلَقوا، فَلَما صَحُّوا،

стр. 61

قَتَلُوا رَاعِي النبيِّ ﷺ واستاقوا النَّعَمَ ... » الحديث (١). واجتووا المدينة - أي استوخموها (٢). قال الخطابي: «فإن استصلاح الأهوية من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى أسقام الأبدان عند الأطباء» (٣). وفي عصرنا الحاضر امتلأت الأجواء بالسموم التي تنفثها الصناعات الحديثة وملحقاتها، فلهذا ينبغي أن تكون العناية أشد، والاهتمام أكبر، ومما يُرشد إليه ألا يفوت الفرص والتي منها الصباح الباكر قبل طلوع الشمس وبعده. ومنها الخروج للنزهة للأماكن الخالية لتنسم الهواء الطيب، وقد كان النبي ﷺ يبدو إلى التلاع (٤) (٥). ومنها زراعة الأشجار والرياحين في البيوت، ومنها ما يأتي ذكره في الفقرة التالية وهي السكن.

стр. 62

السكن مما لا يخفى علمه على أحد أن قريشًا قبل الإسلام وبعده كانوا يرسلون أبنائهم إلى البادية، وقد أرسلت أم النبي ﷺ به إلى بادية بني سعد في خبر معلوم مشهور. قال الغزالي ﵀: «وتنشئته الأولاد في البادية ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوها الطلق، وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف. إنها تعاسة أن يعيش أولادنا في شقق ضيقة من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق، والهوء المنعش، ولا شك أن اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة يعود - فيما يعود إليه - إلى البعد عن الطبيعة والإغراق في التصنع، ونحن نقدر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم، وكثير من علماء التربية يود لو تكون الطبيعة هي المهد الأول للطفل حتى تنشق مداركه مع حقائق الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا

стр. 63

حلم عسر التحقيق» (١). ومما يذكر أن الشقاء (٢) اختار البادية، فقالت الصحة: وأنا معك، واختارت الرفاهية المدينة، فقال المرض: وأنا معك، كل ما تقدم لم تكن الحواضر كما هي عليه اليوم، ومع ذلك الذي ينبغي أن يُختار من المسكن أفضل ما يمكن من حيث موقعه وسعته وواجهاته وتصميمه. أما الموقع فقد تقدمت الإشارة إليه في الفقرة السابقة. أما الواجهات فإن أفضلها ما دخلت عليه شمس الصباح الباكر وتخلله الهواء. وأما السعة، فقد جاء في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الهَنِيءُ» (٣). ومن الأهمية بمكان أن يكون له فناء أو سطح، فإن ما لا يدرك جله لا يترك كله. قال ابن القيم ﵀: «ومن تأمل هدي النبي ﷺ وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به، فإن حفظها موقوف على حسن

стр. 64

تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون، والمنكح، والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل (١).

стр. 65

الملبس قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦]. واللباس له أغراض أهمها ستر العورة وما يُستحيا من كشفه، والوقاية من الحر والبرد والتجمل وهو الرياش المذكور في الآية. وقد جاءت الشريعة بتوجيهات عظيمة في أمر اللباس، ولا شك أن التقيد بها يعود بالنفع على حفظ صحة الأبدان والعقول، ودفع الضرر عنها، فجاءت الشريعة بتحريم الحرير على الرجل، قال ابن القيم ﵀: «وأجاب بعضهم بأن الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه للَّه، فيثاب على ذلك، لا سيما ولها عوض عنه بغيره، ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء كالحلية بالذهب، فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء، ومنهم من قال: حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب، ومنهم من قال: حرم لما يورث ملابسته

стр. 66

للبدن من الأنوثية والتخنيث وضد الشهامة والرجولية، فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث - إلى أن قال: ولهذا كان أصح القولين أنه يحرم على الولي أن يلبسه الصبي لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث» (١). وجاءت الشريعة بتحريم الإسبال، قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز ﵀ وهو يتحدث عن الإسبال: «والأحاديث في المعنى كثيرة، وهي تدل على تحريم الإسبال مطلقًا، ولو زعم صاحبه أنه لم يرد التكبر والخيلاء؛ لأن ذلك وسيلة للتكبر، ولما في ذلك من الإسراف، وتعريض الملابس إلى النجاسات والأوساخ» (٢). وأرشدت الشريعة إلى اختيار البياض من اللباس مع جواز غيره، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (٣)، وفي رواية: «الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا أَطَهَرَ وَأْطَيَبَ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (٤). قال الطيبي: «لأن البياض أكثر تأثرًا من الثياب الملونة فتكون أكثر غسلًا منها، فتكون أطهر وأطيب أي أحسن طبعًا أو

стр. 67

شرعا، ويمكن أن يكون تأكيدًا لما قبله، لكن التأسيس أولى من التأكيد. وقيل أطيب لدلالته غالبًا على التواضع، وعدم الكبر والخيلاء والعجب وسائر الأخلاق الطيبة» (١). وبالجملة فإن التقيد باللباس الشرعي مما يحفظ على العبد صحة قلبه وبدنه، ويدفع الأدواء عنه.

стр. 68

المركب روى ابن حبان في صحيحه من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الهَنِيءُ» (١). ولا شك أن سعادة المرء من أعظم أسباب حفظ صحة العقل والبدن، ودفع الأدواء عنهما، والمركب الهنيء هو المركب السهل الذي تصل به إلى المكان الذي تريده بسهولة ويسر بلا تعب ولا مشقة. روى الحاكم في مستدركه من حديث محمد بن سعد عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مِنَ السَّعَادَةِ، وَثَلَاثٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ، فَمِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ تَرَاهَا تُعْجِبُكَ، وَتَغِيبُ فَتَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَمَالِكَ، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ وَطِيَّةً فَتُلْحِقُكَ بِأَصْحَابِكَ، وَالدَّارُ تَكُونُ وَاسِعَةً كَثِيرَةَ الْمَرَافِقِ، وَمِنَ الشَّقَاوَةِ: الْمَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوءُكَ، وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْهَا لَمْ تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَمَالِكَ، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا، فَإِنْ

стр. 69

ضَرَبْتَهَا أَتْعَبَتْكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تُلْحِقْكَ بِأَصْحَابِكَ، وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ الْمَرَافِقِ» (١). قال المناوي: (والدابة تكون وطيئة) أي هنية سريعة المشي، سهلة الانقياد (فتلحقك بأصحابك) بلا تعب ولا مشقة في الإحثاث. (والدابة تكون قطوفًا) والقطوف من الدواب البطيء، (فإن ضربتها) لتسرع بك (أتعبتك، وإن تركتها) تمشي بغير ضرب (لم تلحقك بأصحابك) - أي رفقتك - بل تقطعك عنهم (٢). غير أنه من الأهمية بمكان بخصوص دور المراكب في حفظ الصحة أن يُعلم أمران: أحدهما: أن المراكب قبل عصرنا الحاضر وأشهرها الإبل والخيل والبغال والحمير، وإن كانت هنية في ركوبها، فإن فيها رياضة للبدن، لا سيما الخيل التي تمتطى صهواتها لنزال الميادين ومقارعة الفرسان، وهذا مما لا يخفي علمه لذا لا نطيل في شرحه. أما المراكب الحديثة من طائرات وسيارات ونحوها، فعلى خلاف ذلك.

стр. 70

وثانيهما: فما دام الحال ما ذكر، فيبقى أن يكون ركوبها في حال الضرورة والحاجة التي لابد منها، والاستغناء عنها وركوب القدمين «وهو المشي» ففيه من الفوائد لحفظ الصحة، ودفع البلاء ما لا يُحصى، ويأتي بيان ذلك في الفقرة التالية.

стр. 71

الرياضة لها دور كبير في حفظ صحة الأبدان والعقول، والمقصود بالرياضة: الحركة والسكون، وقد كانت الرياضة قبل الحضارة الحديثة يمارسها الناس وفق الفطرة كجزء من حياتهم الذي لا ينفكون عنه. أما خصوص المسلمين فيضمون إلى ذلك العمل بتشريعات الإسلام، وتوجيهات النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ [الروم: ٢٣]. قال ابن القيم ﵀: «ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم، والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة وتربو، وينتدي بها البدن، فأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة، وأي عضو كثرت رياضته قوي، وخصوصًا على نوع تلك الرياضة، بل كل قوة فهذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ

стр. 72

قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه» (١). برنامج يومي للمسلم وفق الآداب الشرعية يتعلق بالرياضة: ويبدأ هذا البرنامج من صلاة الفجر، فيتوجه المسلم إلى بيت اللَّه ماشيًا على قدميه، قال النبي ﷺ : «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وقال النبي ﷺ : أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» (٣). وقال النبي ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» (٤). وبعد الفجر يمارس أعماله، وفيها الحركة ورياضة الجسد، وهذا الوقت مبارك، روى الإمام أحمد في مسنده من

стр. 73

حديث صخر الغامدي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، قال: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ لَا يَبْعَثُ غِلْمَانَهُ إِلَّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَكَثُرَ مَالُهُ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِيَ أَيْنَ يَضَعُ مَالَهُ (١). قال ابن القيم ﵀: «ومن المكروه عندهم - أي الصالحين - النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقت غنيمة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر» (٢). ثم يستمر في أعماله سواء كانت أعماله دنيوية من تجارة أو زراعة أو قضاء حوائج، أو أخروية من زيارة مريض، أو صلاة نفل .. أو غير ذلك، إلى قرب صلاة الظهر، ثم ينام قبلها أو بعد صلاة الظهر قيلولة قصيرة. وقد عَرَّف أهل اللغة القيلولة بأنها الاستراحة نصف النهار،

стр. 74

وإن لم يكن معها نوم (١). روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فقَالَ: «إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فاسْتَيْقَظتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ، ثلاثًا»، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ (٣). وفي حديث آخر: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة (٤). وفي حديث سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول اللَّه ﷺ (٥). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث فاطمة بنت

стр. 75

قيس ﵂ قالت: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ فَصَلَّى صَلَاةَ الْهَاجِرَةِ، ثُمَّ قَعَدَ، فَفَزِعَ النَّاسُ، فَقَالَ: «اجْلِسُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي لَمْ أَقُمْ مَقَامِي هَذَا لِفَزَعٍ، وَلَكِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي خَبَرًا مَنَعَنِي الْقَيْلُولَةَ مِنَ الْفَرَحِ وَقُرَّةِ الْعَيْنِ ... » الحديث (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵄ قال: حدثتني أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم: أن رسول اللَّه ﷺ قال - أي من القيلولة - عندهم فاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ... » الحديث (٢). والقيلولة تعطي النفس حظها من الراحة في النهار لتستقبل ذلك بقوة ونشاط وانبساط، فيقوي ذلك على الطاعة في الليل بالتهجد والمذاكرة ونحو ذلك (٣). وبعد القيلولة ينطلق لصلاة العصر ماشيًا، فإذا انتهى من صلاته رجع إلى أعماله، وقضاء حوائجه، فإن تخلل ذلك شيء من الرياضة بأي نوع من أنواعها فهو طيب، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: سابقني النبي ﷺ فسبقته، فلبثنا حتى إذا رهقني اللحم سابقني
следующие страницы →