← Адаб

Адаб · id 6893

الأمثال من الكتاب والسنة

الحكيم الترمذي

Полный текст (318 стр.). Показаны 281–318 · переход к 286.

стр. 281

فَقَط فَإِذا خرج عمله حَشْو نوره الَّذِي بدر من التَّوْحِيد فالأعمال قوالب وحشوها الْأَنْوَار فَصَاحب هَذِه الصّفة كصاحب زق منفوخ فِيهِ حِين حل وكاؤه خرجت الرّيح وَبَقِي فِي أَسْفَله شَيْء يسير قَلِيل وتساقط الزق فَإِذا رفع عمل هَذَا إِلَى الله تَعَالَى لم يظْهر مِنْهُ من النُّور إِلَّا بِمِقْدَار النُّور الَّذِي ذكرنَا وسائرها حركات الْجَوَارِح بِلَا نور وَالثَّانِي خرج عمله إِلَى الله تَعَالَى ممتلئا نورا ممزوجا بِنور الرَّجَاء والنوال من الله تَعَالَى فطمع نواله أذهب حلاوة عمله وَالثَّالِث خرج عمله إِلَى الله تَعَالَى ممتلئا نورا من نور الْقرْبَة حَشْو ذَلِك النُّور حب الله تَعَالَى لم يبتغ بِهِ غير وَجهه الْكَرِيم من غير أَن يلْتَفت إِلَى نفس وَلَا طمع فَلَمَّا رفع إِلَى الله تَعَالَى ظهر مِنْهُ من النُّور مَا أحَاط بالمعرض من الْعَرْش وانتشر فِي جوانبه وملأ الخزائن فَهَذَا عمل المقربين وَالثَّانِي عمل الْمُقْتَصِدِينَ وَالثَّالِث عمل المخلصين الظَّالِمين لأَنْفُسِهِمْ مثل الطَّاعَات فِي الزِّينَة مثل الطَّاعَات فِي الزِّينَة مثل زِينَة الثَّوْب المنسوج المنقوش بألوان النقوش فَكل من نظر إِلَيْهِ فِي هَذِه الزِّينَة ذهل عقله من حسنه

стр. 282

وبهائه وسبى قلبه بهجته فالناظرون إِلَى زِينَة الْأَعْمَال أَحَق أَن تسبي مِنْهُم قُلُوبهم بزينتها وبهائها وبهجتها قَالَ لَهُ قَائِل مَا زِينَة الْأَعْمَال قَالَ زينتها فِي لبقها فَمن احتظى من اللبق زينها فزينة الثِّيَاب إِنَّمَا ازدادت باجتماع الألوان المنسوجة بَعْضهَا بِبَعْض فَإِذا تلونت على الْعُيُون على اخْتِلَاف ألوانها ونقوشها التذت بتأليفها فزينة الْأَعْمَال فِي لبقها فَمن احتظى من اللبق رأى زينتها قَالَ لَهُ قَائِل ضربت الْمثل بِشَيْء فأفهمنا بِهِ فَبين لنا نوعا من ذَلِك نفهم قَالَ فَانْظُر إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّمَا هِيَ قيام ثمَّ انتصاب ثمَّ تَكْبِير ثمَّ وقُوف ثمَّ ثَنَاء ثمَّ تِلَاوَة ثمَّ رُكُوع ثمَّ سُجُود ثمَّ جثو ثمَّ ارتغاب ثمَّ تَسْلِيم فَهَذِهِ أَفعَال مُخْتَلفَة وأقوال متباينة وَلكُل فعل زِينَة وَلكُل زِينَة بهاء وبهاؤه من أَصله الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود فَإِذا اجْتمعت هَذِه الْأَنْوَاع على التَّفَاوُت بَعْضهَا فِي بعض تلونت ٩١ وازدانت والتذت الْقُلُوب بِتِلْكَ الْأَفْعَال والأقوال ثمَّ المتلذون بهَا على درجاتهم فِي الترائي فطائفة مِنْهُم تلحظ فِي

стр. 283

أَعْمَالهم إِلَى حركاتهم فِيهَا على الخضوع والذلة يتذللون لمليكهم بِتِلْكَ الحركات عبودة وأسرا وَطَائِفَة تلحظ إِلَى حركاتهم فِيهَا إِلَى فَرح الله بِفعل العبيد فهم يَتَقَلَّبُونَ ويتصرفون فِيهَا التذاذا بفرح الله تَعَالَى ومسراته بِتِلْكَ الْأَفْعَال وَقَوله لعيسى ﵇ يَا عِيسَى تحر مسرتي وَهُوَ قَوْله ﷺ (لله أفرح بتوبة العَبْد من أَن يضل أحدكُم رَاحِلَته فِي أَرض فلاة عَلَيْهَا زَاده ومتاعه فَيضْرب يَمِينا وَشمَالًا فَلَا يجد فَيَقُول فِي نَفسه أرجع إِلَى ذَلِك الْموضع فأموت فِيهِ فوطن نَفسه على ذَلِك فَإِذا رَجَعَ إِلَى ذَلِك الْموضع وجد رَاحِلَته قَائِمَة هُنَاكَ عَلَيْهَا زَاده وَشَرَابه ومتاعه) وَكَذَلِكَ الصَّوْم إِنَّمَا هُوَ دَعْوَة الْقلب النَّفس إِلَى ترك الشَّهَوَات ليومه الَّذِي يُرِيد أَن يصبح فِيهِ وَالنَّفس تتثاقل وتنفر عَن ذَلِك النفرة الَّتِي تنفر وتتثاقل عَن تَركهَا حَتَّى إِذا أجابت الْقلب إِلَى ذَلِك ارتحل الْقلب إِلَى الله تَعَالَى بانقياد النَّفس لَهُ ومتابعتها إِيَّاه وَقبُول الْقلب من الله تَعَالَى ذَلِك التّرْك والكف عَن الشَّهَوَات من الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّسَاء وَالْحِفْظ للسمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان عَمَّا لَا يحل ثمَّ إِلَى النَّفس عَازِمًا فَذَاك الارتجاع زِينَة عمله فِي الْعَزِيمَة عِنْد الرُّجُوع إِلَى النَّفس وقبوله من الله تَعَالَى فجَاء بذلك الْقبُول فأحاط بِالنَّفسِ فَتلك

стр. 284

الْإِحَاطَة عَزِيمَة الْقلب وانقياد النَّفس وثَاقه إِيَّاهَا فربضت النَّفس سَاكِنة هَذَا مُبْتَدأ الصَّوْم فَمن مبتدا هَذَا الْيَوْم إِلَى آخِره فِي صَدره خواطر وعَلى ظَاهر جوارحه عوارض تحْتَاج النَّفس إِلَى أَن تتجرع مرَارَة تِلْكَ الشَّهَوَات خاطرة كَانَت أَو عارضة فَكلما خطر بِبَالِهِ فِي صَدره بَين عَيْني فُؤَاده خطرة هاج البال واشتهت النُّفُوس لتِلْك الشَّهْوَة وسكنها الْقلب فريضت كَانَ لَهَا بِكُل خاطرة وعارضة تتجرع النَّفس مرَارَة التّرْك جَزَاء عِنْد الله تَعَالَى فَمن يحصي هَذِه الخطرات والعوارض إِلَّا الله تَعَالَى وَلذَلِك قَالَ الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ لِأَن النَّفس تجرعت مرَارَة التّرْك لله تَعَالَى وَالْقلب وفى بِمَا قبل من الله تَعَالَى فالثواب يتجرع المرارة وَالْجَزَاء للقلب بِالْوَفَاءِ فطبقة مِنْهُم فِي هَذِه الخطرات والعوارض فِي دَرَجَة مُلَاحظَة الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَطَائِفَة مِنْهُم فِي دَرَجَة مُلَاحظَة حب الله تَعَالَى فتلاشت المرارات بحلاوة حبه وطبقة مِنْهُم فِي دَرَجَة مُلَاحظَة مسرات الله تَعَالَى وقرة الْعين

стр. 285

فيفتقدون المرارات لَا بتهاج نُفُوسهم بمسرات الله تَعَالَى مثل الْمعرفَة الَّتِي لم تضء مثل الْمعرفَة الَّتِي لم تضء مثل لؤلؤة بَيْضَاء صَافِيَة نقية ثمَّ تجدها قد دَخَلتهَا صفرَة بطول اسْتِعْمَالهَا من الْعرق وَالْحر وَالْبرد وأدناس الْجَسَد وَغَيرهَا وَترى ياقوتة أَيْضا بِمَائِهَا وصفاء لَوْنهَا قد ذهب صفاؤها وَتغَير لَوْنهَا بطول لبسهَا فأصحاب الْجَوَاهِر أبْصر بِمَا يغسلون تِلْكَ اللؤلؤة لتزول صفرتها وتعود إِلَى حَالهَا وَكَذَا الياقوتة تعالج حَتَّى تعود إِلَى مَائِهَا وصفائها فَكَذَا الْمعرفَة تجدها حلوة نزهة نيرة فعلى طول مجاورتها بشهوات النَّفس وملامستها إِيَّاهَا تجدها متغيرة قد افتقدت حلاوتها ونزاهتها وطيبها لِأَنَّهَا قد تدنست بأدناس الشَّهَوَات فَيجب أَن يحتال لأمرها حَتَّى تعود كَمَا كَانَت قَالَ لَهُ قَائِل فَكيف يكون ذَلِك قَالَ أَلَيْسَ هَذِه الياقوتة واللؤلؤة جوهرها قَائِم وَإِنَّمَا افْتقدَ صفاؤها وماؤها لما لزق بهَا من الدنس وتغيب عَنْهَا صفاؤها فبالمعالجة زَالَ عَنْهَا مَا كَانَ لزق بهَا وعادت إِلَى حَالهَا وَظهر صفاؤها فَكَذَا الْمعرفَة قَائِمَة إِلَّا أَن أدناس الشَّهَوَات حجبت عَنْك إشراقها لما حلت فِي عين فُؤَادك فِي صدرك فَصَارَت كشمس

стр. 286

انكسفت فَذهب ضوؤها وإشراقها فَإِذا انجلت عَن الْكُسُوف عَاد إِلَيْهَا مضيئا فَكَذَا الْمعرفَة إِذا غشيتها الْكَبَائِر فقد انكسفت شمسك فصرت فِي ليل دامس فَلَو اجْتنبت الْكَبَائِر دون الصَّغَائِر وَهِي السَّيِّئَات فَأَنت فِي نهارك فِي سَحَاب وغيوم فَلَو دَامَ هَذَا الْغَيْم والسحاب لم ينْعَقد لَك حَبَّة من حبوب الأَرْض وَلَا نَضِجَتْ ثَمَرَة من أثمار أشجارك وَوجدت الْآدَمِيّ مقسوما على ثَلَاثَة أَجزَاء قلب بِمَا فِيهِ من الْإِيمَان وروح بِمَا فِيهِ من الطَّاعَة وَنَفس بِمَا فِيهَا من الشَّهْوَة وَالْقلب يَقْتَضِي الْإِيمَان وَالروح تَقْتَضِي الطَّاعَة وَالنَّفس تَقْتَضِي شكر النعم وَالْعَبْد مقصر فِي الثَّلَاث كلهَا فحبه لرَبه يُوفي تقصيراته فَكلما كَانَ حبه أوفر كَانَ أثمر لتوفير تقصيراته لِأَن أصل الْمعرفَة قَائِمَة لَكِنَّهَا متغيمة فَإِذا أحببتها كلهَا عملت بِلَا تَقْصِير فَلَا تحْتَاج إِلَى التوفير وَمثل ذَلِك مثل عَبْدَيْنِ لَك اقتضيتهما الْإِقْرَار لَك بالعبودة والاستقامة بَين يَديك واقتضيتهما مَا وظفت عَلَيْهِمَا من الْخراج واقتضيتهما شكرك فقصرا فِي جَمِيع ذَلِك وَكَانَ أَحدهمَا أظهر حبا لَك من الآخر فَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر عملا وَالْآخر أقل فَنَظَرت إِلَى قلته وَقلت فِي نَفسك وَهَذَا يحبنا فَنحْن نقبل مِنْهُ بحبه إيانا موفرا

стр. 287

مثل الائتمار بِأَمْر الله عَن زيد بن أسلم ﵀ أَنه قَالَ لي حديثان أحدث بهما إِذا خلوت مثل الائتمار بِأَمْر الله تَعَالَى وَمثل الْقُلُوب مثل أَمِير ولي على كورة فوردها فَوجدَ الكورة غياضا ومروجا وآجاما فِيهَا الْخَنَازِير وَالسِّبَاع ومياه النز فَلَمَّا نظر اليها رَجَعَ ناكصا على عَقِبَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ مَعَ هَذَا النز قوام وَلَا مَعَ هَذِه الْخَنَازِير عَيْش وَلَا إمرة وَولي آخر على كورة أُخْرَى فَوَجَدَهَا ذَات قُصُور وبساتين وأنهار جَارِيَة وأشجار ومساكن نزهة وسكان كَثِيرَة وأسواق مزينة فِيهَا ألوان المتجر فَحل بهم وَاسْتقر قراره وملكهم وتأمر عَلَيْهِم فَفتح بَاب خزائنه وَقسم كنوزه فِيمَا بَينهم ٩٢ حَتَّى أغناهم وقواهم فَأمر الله تَعَالَى عباده بِأُمُور ونهاهم عَن أَشْيَاء لَا لجر نفع وَلَا لدفع ضرّ لَكِن رَحْمَة مِنْهُ عَلَيْهِم ورأفة بهم فَمن وافاه أمره

стр. 288

فَوجدَ صَدره مشحونا بأشغال أَحْوَال النَّفس وَقَلبه مشغوفا بحب الدُّنْيَا وَنَفسه مَفْتُونَة بالشهوات والمنى وعقله معتوها بالهوى رَجَعَ الْأَمِير قهقرى وَلَا يجد محلا وَلَا مُسْتَقرًّا لِأَن فِي هَذَا الْقلب من العتاهة وَفِي هَذِه النَّفس من النهمات والشهوات وَفِي هَذَا الصَّدْر من الْأَمَانِي والفتن وَالْمَكْر والغل والحسد والخيانة وأشغال وسواس العَبْد مَا هُوَ أقبح لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء أقبح من الْخَنَازِير وَمن الْهوى مَا هُوَ أَكثر ضَرَرا من النز فَكيف يقدر الْأَمِير أَن يملك هَذَا الْقلب وَيحل بِهَذَا الصَّدْر ويتملك على هَذِه النَّفس وَكَيف يَقْتَضِي الْعقل الْقيام بهَا وَمن وافى إمرته فَوجدَ قلبا مشحونا بحب الله تَعَالَى وصدرا مشرقا بِنور الله تَعَالَى ونفسا مزينة بنزهة بساتين الله تَعَالَى وعقلا مشحونا بِنور وَجه الله تَعَالَى حل بِهِ الْأَمِير فَشرب الْقلب حلاوة الْأَمر وطعمت النَّفس لبابه وازداد الْعقل بالرأفة الَّتِي تَضَمَّنت الْأَمر وَظهر الْعَمَل على الْأَركان على حسب مَا وَصفنَا من الْبَاطِن وَهَذَا لما ذكرنَا أَن الله تَعَالَى لم يَأْمر عباده أمرا لجر مَنْفَعَة وَلَا نَهَاهُم لدفع مضرَّة وَلَكِن أَمرهم رأفة بهم وَرَحْمَة عَلَيْهِم وَلما فِيهِ مصالحهم وَدفع المضار عَنْهُم

стр. 289

أَمر الله على نَوْعَيْنِ فَأمره على نَوْعَيْنِ فَأمر مِنْهُ مُوَافق طبعه كَقَوْلِه ﴿كلوا وَاشْرَبُوا﴾ الْآيَة فتهتش إِلَيْهِ النَّفس وتسر بِهِ وَأمر يتثاقل عَلَيْهِ ويتباطأ كَقَوْلِه صم عَن الْأكل وَالشرب فَمن سَاكن قلبه حب الله تَعَالَى وعظمته وجلالته فَشرب قلبه حلاوة الْأَمر لِأَن حلاوة الْحبّ تحليه وعظمته تعظمه وجلاله يجله فتعمل الْأَركان على مَا فِي الصَّدْر وَالْقلب فَإِن كَانَ هَذَا الْأَمر محبوبا فَهَذِهِ صفته وَإِن كَانَ مَكْرُوها لاحظت عين فُؤَاده رَحْمَة الله ورأفته عَلَيْهِ فَمر فِي ذَلِك الْأَمر كالسهم وهانت عَلَيْهِ أثقالها وَرَأى أَن أَبَاهُ إِذا أقعده بَين يَدي الْخِتَان ليختنه أَو بَين يَدي الْحجام ليحجمه أَو بَين يَدي الطَّبِيب ليشربه دَوَاء من الْأَدْوِيَة الْمرة البشعة فَلم يخل من وجع وألم وأذى وَلَكِن لم يتهم وَالِده فِي ذَلِك لما علم من رأفته وشفقته عَلَيْهِ فَكَذَا لما رأى من رأفة الله وَرَحمته وشفقته عَلَيْهِ لَا يتهمه بِهَذَا الْأَمر وَإِن كَانَ غير مُوَافق طبعه فَقبله مسرعا وَقَامَ بِهِ على الاهتشاش فَهَذَا أَمِير وافى قلبا غَنِيا وصدرا عَامِرًا ونفسا طيبَة نزهة وَمن كَانَ بِخِلَاف تِلْكَ الصّفة فقد وافى أمره قلبا خربا وصدرا ذَا مروج وَخَنَازِير ونفسا بطالة شرهة وعقلا معتوها بالهوى فَأمر الله جلا وَعلا على هَذِه الْأَركان كَمَا كَانَ أَمر الله على الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا

стр. 290

مَعَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي عَنْهُم لَهُم مُقَارنَة مَعَهم فِي مغازيه وَمجمع الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجمع والأعياد وَقُلُوبهمْ حزبة فقد مَضَت تِلْكَ الصّفة وَلَا يزَال فِي كل قرن مِنْهُم يزْدَاد وَيكثر حَتَّى امْتَلَأت الأَرْض مِنْهُم وغلبت وَقل أهل الصدْق وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يبْقى من الْإِسْلَام إِلَّا اسْمه وَمن الْقُرْآن إِلَّا رسمه ومساجدهم عامرة من أبدانهم وَقُلُوبهمْ حزبة من الْهدى أُولَئِكَ شَرّ من تظل السَّمَاء مِنْهُم تخرج الْفِتْنَة وَعَلَيْهِم تعود) الأجساد قوالب ثمَّ إِن الله تَعَالَى خلقنَا فَجعل أَجْسَادنَا قوالب للقلوب ونفوسنا معدنا للشهوات ورؤوسنا معدنا لِلْعَقْلِ وصدورنا معدنا للْعلم وقلوبنا معدنا لكنوز الْمعرفَة وأكبادنا موضعا للقوة ومجمعا للعروق الَّتِي تجْرِي فِيهَا الْقُوَّة مَعَ الدَّم وطحالنا مَعْدن الرأفة وَجعل فِينَا روحا حَيا اشْتَمَل على الْجَمِيع منا فظهرت الحركات بِتِلْكَ الْحَيَاة فِي جميعنا وأشرق فِي قُلُوبنَا نور الْمحبَّة لتحيا قُلُوبنَا بِاللَّه وكتم فِيهَا نور الْهِدَايَة لنهتدي فِي تِلْكَ الحركات بهدى الله الَّذِي هدى بِهِ أحباءه وَجعل الْمعرفَة أَمِيرا على الْعقل وَخلق الْهوى وَجعله قرين الْعَدو وَجعل لَهما سَبِيلا إِلَيْهِ حَتَّى يوسوس الْعَدو وَجعل للهوى سُلْطَانا حَتَّى يقهر بسلطانه الْعقل ويطمس الْعلم ويحسم بَاب

стр. 291

الْكبر ويغلب الرّوح ويخدع النَّفس ويجعلها أَمِيرا فَإِذا ذاقت النَّفس طعم الْإِمَارَة وعزها انخدعت وَمَرَّتْ مَعَه فتظاهرا وخرجا على الْقلب فَأَخَذَاهُ بِمَنْزِلَة خارجي متغلب خرج على وَالِي الكورة فَأَخذه وَقَيده وسجنه وأوثقه وأغار على كنوزه وَفرق جُنُوده وَقعد أَمِيرا فخرب الكورة وأفسد الرّعية فَأمرنَا رَبنَا جلّ وَعلا بِأُمُور ونهانا عَمَّا يفْسد تَدْبيره فِينَا وَهُوَ الْمعاصِي وَذَلِكَ دواؤنا وشفاؤنا وَصِحَّة النَّفس من الأسقام أسقام الدّين ثمَّ ينصحنا كَمَا ينصح الطَّبِيب الرفيق بشفاء الدَّوَاء ثمَّ حذرك عَن أَشْيَاء وأمرك بالحماية عَنْهَا فحذرنا رَبنَا اتِّبَاع الْهوى وزينة الدُّنْيَا ومكايدة الْعَدو وَإجَابَة دَعوته وأيدك بِالْعلمِ وَالْعقل والمعرفة وَالْحِفْظ والذهن والفطنة وأيدك بِكَلَامِهِ الْمُهَيْمِن على الْكتب نورا وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة وأيدك بأسمائه تِسْعَة وَتِسْعين الدُّعَاء لم يكن لسَائِر الْأُمَم وَفتح لَك بَاب الدُّعَاء مَا لم يكن لسَائِر الْأُمَم يَقُول الله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾

стр. 292

وَإِنَّمَا كَانَت للأنبياء خَاصَّة دونهم حَتَّى إِذا نابهم نائبة فزعوا إِلَى الْأَنْبِيَاء ليدعوا لَهُم فَلذَلِك كثرت أنبياؤهم لحاجتهم إِلَى ذَلِك حَتَّى كَانَ لكل محلّة نَبِي ونبيان وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَأكْثر لحَاجَة العَبْد فِي ذَلِك الْموقف الْعَظِيم قَالَ لَهُ ربه أَعطيتك ثَلَاثَة من الْأُمَرَاء مَا من أَمِير إِلَّا وَله سُلْطَان وجند ونفاذ أَمر أفما كَانَ لأمرائك من الْعدة وَالْقُوَّة مَا يغلبُونَ هَوَاك بلَى قد كَانَ وَلَكِنَّك قد ملت إِلَى هَوَاك وَوضعت يدك فِي يَده حَتَّى أسرك وضيعت أمرا لي والمحاربة للنَّفس مَعَ أمرائي وَقد أَمرتك بالمجاهدة وَقلت ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ وأعطيتك الْأُمَرَاء مَعَ الْجنُود لمجاهدة نَفسك وهواك فملت إِلَى النَّفس والهوى وأعرضت عَن الْأُمَرَاء والجنود وألقيت نَفسك أَسِيرًا بَين يَدي الْهوى حَتَّى وضعك فِي يَد الْعَدو وفضحك ٩٣ فَخرجت إِلَى هَذَا الْمجمع بَين يَدي الرَّحْمَن والأنبياء والأولياء وَالْمَلَائِكَة مَعَ هَذِه الْأَعْمَال القبيحة والفضائح اللِّسَان لِسَان الْأَوْلِيَاء والأعمال أَعمال الْأَعْدَاء أُفٍّ لعبد أَحمَق وزبون أبله أَيْن كَانَ علمك حَتَّى تبلهت وَأَيْنَ كَانَ عقلك حَتَّى تحمقت وَأَيْنَ كَانَ ذهنك حَتَّى أَعرَضت عَن الله تَعَالَى وَأَقْبَلت على نَفسك وتصاممت عَن

стр. 293

أدب الله تَعَالَى وَكَلَامه ومواعظه وأصغيت إِلَى وساوس شَيْطَانك اتهمت مصَالح الله وانخدعت لعدوك وَعدك عَدوك الْفقر وأمرك بالفحشاء وَالله وَعدك مغْفرَة مِنْهُ وفضلا فآثرت وعده وَأمره على وعد رَبك ومغفرته وفضله وَإِنَّمَا أُوتِيَ العَبْد هَذَا من قبل رق النَّفس لِأَن النَّفس إِذا ملكهَا الْهوى صَارَت رَقِيقا للهوى مَمْلُوكَة ذليلة تنقاد للهوى حَيْثُمَا قادها حَتَّى يهوي بهَا فِي النَّار الَّتِي مِنْهَا خرج إِلَى النَّفس فالهوى هُوَ نفس النَّار فَإِذا تنفست فَإِنَّمَا لَهَا لهبان ونفسان نفس من السمُوم وَنَفس من الزَّمْهَرِير فكلاهما فِي الْهوى برد الزَّمْهَرِير وحرارة السمُوم فَإِذا خلص إِلَى الْقلب برد زمهرير الْهوى خمدت حرارة حَيَاة الْقلب فَإِذا ذهبت الْحَرَارَة مَاتَ الْقلب وجمد الدَّم أَلا ترى إِذا خرج الرّوح جمد الدَّم ثمَّ النَّفس وَبَقِي دم الْعُرُوق على حَاله وَتلك دِمَاء الطبيعة فِي قلب الْمُؤمن حياتان فَفِي قلب الْمُؤمن حياتان حَيَاة الرّيح وحياة الْمعرفَة وَفِيهِمَا الْحَرَارَة فَإِذا جَاءَ الْهوى بِبرْدِهِ خمدت الْحَرَارَة الَّتِي فِي الْقلب فبرد الْقلب عَن أَمر الله تَعَالَى وَعَن دَار الْآخِرَة وَجَاء الْعَدو بزينة الدُّنْيَا على أثر الدُّنْيَا حَتَّى سبى قلبه بِتِلْكَ الزِّينَة ويغويه عَن أَمر الله تَعَالَى

стр. 294

والغي حول الْقلب عَن الرشد وبالرشد لازمت الْمعرفَة الْقلب فَهِيَ ملازمته أبدا وبالرشد ثبات الْمعرفَة والغي ضد الرشد الرشد سر الله فِي قلب الْمُؤمن قَالَ الله ﵎ فِي تَنْزِيله حَيْثُ بعث رَسُوله ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ والرشد سر الله تَعَالَى فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاء ﵈ والأولياء فَمن دونهم عجزوا عَن معرفَة كنهه فالرق برد الْقلب وخموده عَن حرارة حَيَاة الْقلب بِاللَّه تَعَالَى وَمَوْت الْقلب عَن الله تَعَالَى وَبرد النَّفس وخمودها عَن التَّحَلُّل للأركان فِي أَمر الله تَعَالَى فَظهر على الْقلب الجمود وَالْعجز وعَلى النَّفس الْقَهْر وَذَهَاب الْقُوَّة والكسل فَكل من ملكه هَوَاهُ فقلبه مقهور ذليل لَا يعتز بِأَمْر الله وَلَا يَهْتَز لَهُ لِأَن أَمر الله تَعَالَى ملكه وسلطانه وزينته وبهاؤه وحلاوته فَإِذا وافى قلبه مأسورا وصدرا مظلما بأشغال الدُّنْيَا قد خربه الْهوى وصير صَدره مروجا وغياضا وآجاما يَخُوض فِيهَا الْخَنَازِير وتتردد فِيهَا الذئاب وَالسِّبَاع والأسد والثعالب لم يبْق هُنَاكَ للأمير سُلْطَان فَإِذا لم يكن للأمير مملكة وَلَا سُلْطَان فَلم تبرز زينته وبهاؤه وَلم تُوجد حلاوته فَلذَلِك لَا يجد صَاحب الْهوى طعم أَمر الله تَعَالَى وحلاوته وَلَا يرى بهاءه وسناءه وزينته فَإِذا عمل ذَلِك الْأَمر كَانَ كالمكره

стр. 295

الَّذِي لَا يجد بدا أَو كَالَّذي يجر برجليه على مَوَائِد النعم وبساتين النزهة كَمَا تجر جيف الْميتَة لترمى وَلَا يجد طعم مَا حل بالموائد وَلَا يشم رياحين الْبَسَاتِين وَلَا يلتذ بنزهتها وَمن خلص من رق الْهوى فيوسم سمة الْأَحْرَار قعد على مَوَائِد النعم ونزهة السّنَن فَكَانَت الْأَعْمَال مَوَائِد غراسه وَالذكر بساتينه ونزهته فالرق يدنس الْقلب ويقهره فَإِذا صَار حرا تطهر الْقلب من الأدناس وَخرج من قهر الْهوى فاعتز بِاللَّه وَاسْتغْنى بِاللَّه مثل أَعمال الْبر فِي الْجَسَد مثل أَعمال الْبر فِي الْجَسَد مثل أَيَّام الرّبيع إِذا هاج الْحر من تَحت الأَرْض وَذهب الْبرد من الجو فَإِذا غشي الْحر بزور الأَرْض وعروق الْأَشْجَار انفطرت الأَرْض واهتزت وربت وتوردت الْأَشْجَار والأوراد واخضرت الزروع والنبات فِي الأودية وَالْجِبَال والبراري فهاجت ريح كل شَيْء فطاب الْهَوَاء فَإِذا طَابَ الْهَوَاء من انفطار هَذِه الْأَشْيَاء وَوصل نسيم الأوراد والرياحين إِلَى الخياشيم فَصَارَت شِفَاء لأجسامهم وصلاحا

стр. 296

لطبائعهم وَمَرَمَّة لأعضائهم وَذَهَبت عَنْهُم زهومة الشتَاء وَالدُّخَان والأدناس فَكَذَا الْأَعْمَال السَّيئَة كدرت أَحْوَال الْمُؤمنِينَ ودنست جوارحهم وثقلت أركانهم ووهنت أعضاءهم فَإِذا خالطتها الْأَعْمَال الصَّالِحَة صَارَت شِفَاء للقلوب وَقُوَّة للأركان كأيام الرّبيع وَطيب الْهَوَاء للأجساد الَّتِي وَصفنَا وحييت الْقُلُوب بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة الَّتِي مَاتَت من تعَاطِي الشَّهَوَات كالأرض حييت بالأمطار فِي الرّبيع من مياه الْحَيَاة وَكَذَا قَالَ ﷻ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ أَي إِن الله تَعَالَى دعَاكُمْ إِلَيْهِ طَاعَته فأجيبوه ووفوا لَهُ بِمَا دعَاكُمْ إِلَى تحيى قُلُوبكُمْ بِهِ مثل الْقلب وَالنَّفس مثل الْقلب وَالنَّفس مثل الْقوس أَعْلَاهَا أوسع من أَسْفَلهَا فَإِذا غفل عَنْهَا صَاحبهَا أَخذ الْبَيْت الْأَسْفَل من الْبَيْت الْأَعْلَى قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى يصير الْأَعْلَى ضيقا والأسفل وَاسِعًا فَلَا تخرج الرَّمية عَن قُوَّة وَلَا تبلغ الْمَقْصد فَكَذَلِك الْقلب هُوَ فِي غناهُ وسعته وقوته مُتَمَكن فِي التَّدْبِير

стр. 297

وَهَذِه الْجَوَارِح وَالنَّفس فِي ضيقها وفقرها وحاجتها فَلَا تزَال تَأْخُذ من سَعَة الْقلب وَمن قوته حَتَّى يضعف الْقلب ويقل غناهُ ويضيق فَلَا تخرج رميته مستوية وَلَا عَن قُوَّة فَلَا يصل إِلَى الْمَقْصُود قَالَ لَهُ قَائِل مَا الرَّمية قَالَ النِّيَّة الصادقة فالنية من الْقلب إِذا خالطه علائق النَّفس ضعفت النِّيَّة وَخرج الْفِعْل غير مستو وَلَا صَاف قيل مثل مَاذَا قَالَ بَيَانه رجل أخرج شطر مَاله ليتصدق بِهِ ابْتِغَاء وَجه الله تَعَالَى فَهَذِهِ نِيَّة صَادِقَة خرجت من قلب صَاف صَادِق ثمَّ قَالَ أَيْن أضعها فَحَدَّثته نَفسه أَن ضعها فِي غريمك فلَان لَك عَلَيْهِ دَرَاهِم ليرد عَلَيْك قَضَاء مَالك عَلَيْهِ أَو ضعها فِي تَابِعِيّ من خدمك فَهَذِهِ علائق خالطت الصدْق الَّذِي ادّعى أَنه يُرِيد بِهِ وَجه الله تَعَالَى أَرَادَ بِهِ غير ٩٤ وَجه الله تَعَالَى عرضا من عرض الدُّنْيَا فزاغ قلبه عَن الاسْتوَاء إِلَى الْميل إِلَى شَيْء عَن الْيَمين إِلَى الشمَال وَعَن الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل كالقوس إِذا جعلت بَيت أَسْفَله أَعْلَاهُ وَأَعلاهُ أَسْفَله فَإِذا وجدت النَّفس إِلَى ذَلِك سَبِيلا اعتادت ذَلِك فَمرَّة أُخْرَى

стр. 298

أخذت الْقُوَّة من الْقلب ثمَّ أخرج من مَاله شطرا آخر لينفقه فِي سَبِيل الله تَعَالَى فَقَالَ أَيْن أَضَعهُ فطمعت نَفسه أَن يتَصَدَّق بِهِ على مَلأ من النَّاس فتحمدك النَّاس على ذَلِك وَيُقَال إِنَّه سخي خير فقد زَالَ عَن الاسْتوَاء إِلَى أَن بطلت رميته حَتَّى خرجت من الْقوس فَسَقَطت بِالْأَرْضِ وَلم يصل إِلَى مَقْصُوده من الرَّمية ثمَّ أخرج درهما آخر فَقَالَ أَيْن أَضَعهُ فَذهب فَوَضعه فِي مَعْصِيّة فَهَذِهِ رمية لم يعْمل الْقوس فِيهَا فالقوس معطلة وَالْوتر مُنْقَطع والسهم معوج والرمية غير مسددة مثل المحق والمبطل مثل المحق والمبطل مثل رجل بِيَدِهِ الْيُمْنَى كوز مَمْلُوء من مَاء عذب بَارِد صَاف هني مري يجد عذوبته فِي لهاته وبرده فِي فِيهِ وحلاوته فِي حلقه وهناءته ومراءته فِي جَوْفه وَبِيَدِهِ الْيُسْرَى كوز فِيهِ بَوْل قذر منتن وتراه يُؤثر هَذَا على المَاء الصافي العذب وَيشْرب من هَذَا الرجس فَمن نظر إِلَى فعله أَلَيْسَ يقْضِي عَلَيْهِ بِأحد الْحَالين إِمَّا جُنُون أَو سكر

стр. 299

قَالَ فَإِنَّمَا مثلتهما بكوزين لِأَن الْكوز وعَاء للْمَاء والأعمال وعَاء الْحق وَالْبَاطِل فَعمل رَضِي الله بِهِ وأمرك بِهِ وأحبه فَالْحق فِيهِ وَذَلِكَ الْعَمَل وعَاء ذَلِك الْحق فَأَي مَاء أعذب وأبرد وأصفى وأهنأ وأمرى من الْحق وَفعل آخر زجر الله تَعَالَى عَنهُ وَسخطه وأبغضه ونهاك عَنهُ ومقت فَاعله فالباطل فِيهِ وَذَلِكَ وعَاء ذَلِك الْبَاطِل فمثلهما كَمثل الكوزين فِي يَدي ذَلِك على مَا وَصفنَا أخذهما رجل بِيَدِهِ على مَا وَصفنَا فَمن آثر كوز الْبَوْل على كوز المَاء العذب الهنيء المريء لم يوضع أمره إِلَّا على الْجُنُون أَو السكر فَمن آثر الْبَاطِل على الْحق لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو لنَفس يغرها ويباهي بهَا فَإِنَّمَا هُوَ لأحد أَمريْن إِمَّا أَن تكون الْمعرفَة قد اخْتَبَأْت فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق شَاك فِي ربه أَو مِمَّا يشرب صرفا من حلاوة حب الدُّنْيَا فأسكرته وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (حبك الشَّيْء يعمي ويصم) فَإِذا أصمه وأعماه نَافق فَإِذا آثر الْبَاطِل انمحق الْبَاطِل وزهق وَإِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا وتلاشت الدُّنْيَا عَنهُ وَبَطل ملكه بهَا وانتقلت إِلَى غَيره وَنَفسه الطالبة للعز والجاه عَادَتْ جيفة مُنْتِنَة مَلأ بَطْنه صديد وديدان

стр. 300

مثل الْعَارِف المنتبه مثل الْعَارِف المنتبه قبل الانتباه مثل عبد لَهُ مولى وَلَكِن لَا يعلم من مَوْلَاهُ وَكَانَ فِي جمع عَظِيم وَكلهمْ موَالِي العبيد فَقَالَ أَيهمْ مولَايَ من بَين هَؤُلَاءِ فأشاروا لَهُ إِلَى وَاحِد مِنْهُم إِن هَذَا مَوْلَاك وسيدك فَنظر إِلَيْهِ بِعَين الرِّضَا فَوَجَدَهُ أجملهم وَجها وأغناهم مَالا وَأَحْسَنهمْ خلقا وأطهرهم سيرة وأجودهم كفا وأحلاهم منطقا وأنفذهم قولا وأفرسهم فَارِسًا وأعلمهم علما وأبهاهم زِينَة وأرفعهم كسْوَة وأوسعهم ملكا وأعظمهم رَحْمَة وتحننا وأشكرهم لعَبْدِهِ فَامْتَلَأَ هَذَا العَبْد فَرحا لما وجد مَوْلَاهُ على هَذِه الصّفة واستطال بِهِ على سَائِر العبيد من نظرائه واختال وافتخر بِهِ وَوجد الْقُوَّة فِي ظَهره كل الْقُوَّة وَالسُّرُور فِي قلبه وَرَأى نَفسه لهَذَا الْمولى الَّذِي وجده بِهَذِهِ الصِّفَات أَنه لَيْسَ لَهُ كفوا من أشكاله من العبيد بِمَا وجد مولى مثل هَذَا فَهَذَا حَال الْعَارِف إِذا انتبه من رقدته وَعرف أَن لَهُ رَبًّا بِتِلْكَ الصِّفَات الَّتِي كَانَت لَهُ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما وَوجد فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَة وَتِسْعين صفة فَكل اسْم إِذا دَعَاهُ بِهِ عرف أَن هَذَا اسْمه على الْحَقِيقَة لَا على الِاسْتِعَارَة وَعلم أَن الصّفة من وَرَاء الِاسْم قد أعد لَهُ مَا وضع من تِلْكَ الصِّفَات لعَبْدِهِ فَمَتَى يسع هَذَا العَبْد فِي الدُّنْيَا وَفِي

стр. 301

العقبى مَتى وجد سَيّده بِهَذِهِ الصِّفَات مثل الْعلم مثل المَاء مثل الْعلم مثل المَاء فَإِن فِيهِ حَيَاة الأَرْض فالماء يخرج بِهِ النَّبَات ويشتد نباتها بِالتُّرَابِ الْملقى فِيهَا فبه تتقوى الأَرْض ويشتد نباتها فَلَو أَن رجلا غرس أغراسا ثمَّ لَهَا عَنْهَا فَلم يلق فِيهَا التُّرَاب وَلم يسقها بِالْمَاءِ يَبِسَتْ الأغراس وَبَطل عمله فَكَذَا الْعلم فِيهِ حَيَاة الْقُلُوب يحيا الْقلب بِالْعلمِ ويقوى ويشتد بِاسْتِعْمَال الْعلم بِالْعَمَلِ فَلَو أَن رجلا تعلم الْعلم ثمَّ لَهَا عَنهُ فَلم يعْمل فِي انكشاف الغطاء عَنهُ حَتَّى يصير الْعلم لَهُ مُعَاينَة وَيتَصَوَّر فِي صَدره لِأَن مرآته فِي صَدره فَالَّذِي يسمع بأذني رَأسه يتَأَدَّى فِي أذن فُؤَاده وبصر فُؤَاده فَفِي أُذُنِي فُؤَاده وقر من ريَاح الشَّهَوَات وأهويتها فضل سَمعه فتلاشى مَا سمع بأذني الرَّأْس وَعمي بصر فُؤَاده عَن صُورَة مَا يتَصَوَّر من ذَلِك الْعلم فِي قلبه فتراكم دُخان الشَّهَوَات وفوران حريقها المتأدي من جَوْفه إِلَى صَدره فأظلم عَلَيْهِ إشراق نور شمس

стр. 302

الْمعرفَة عَن صَدره فَبَقيَ على لِسَانه كَلَام ذَلِك الْعلم وَذَلِكَ الْكَلَام وَذَاكَ عبارَة الْعلم فَأَما الْعلم فقد احتجب وَغَابَ فِي ظلمَة ذَلِك الدُّخان والفوران فَذهب عَنهُ اسْتِعْمَاله فَلم يبْق علم وَلَا عمل إِنَّمَا بقيت عبارَة اللِّسَان وَتلك حجَّة الله على ابْن آدم فَهَذَا بِمَنْزِلَة غارس غرس أشجارا ثمَّ لَهَا عَن سقيها وتربيتها حَتَّى يبس وَبَطل عمله وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين مثل التائب مثل التائب مثل عبد للْملك أبق مِنْهُ فَصَارَ إِلَى بلد من الْبلدَانِ فَوجدَ الْملك عَلَيْهِ وجدا شَدِيدا بكفرانه بنعيمه وذهابه بِالرَّقَبَةِ وإيثاره النهمة على الْكَوْن بَين يَدَيْهِ من الْخدمَة وَسقط من عينه فَلَمَّا افْتقدَ العَبْد عز الْقرْبَة وَشرف الْخدمَة وحلاوة الْقيام وافتقد مرافقه وغلبه الْعَجز والشهوته والكدرة والعناء فِي طلب الْمَعيشَة وَحَالَة الْبُؤْس والفقر من تِلْكَ الْمرَافِق ورخاء الْعَيْش نَدم على مَا كَانَ مِنْهُ لما حل بِهِ وَلم يدع شقاوة نَفسه أَن

стр. 303

يرجع بِنَفسِهِ إِلَى مَوْلَاهُ وَقد علم الْملك بِمَا أَصَابَهُ وَبِمَا نَدم فَبعث إِلَيْهِ بكسوة وراحلة وَكتب كتابا أَن ارْجع إِلَيْنَا فلك عندنَا مَا كَانَ لَك فارتحل عَن وَطنه ذَلِك رَاجعا إِلَى الْملك فَكلما مر بِمصْر وقرية فِيهَا نزهة مكث أَيَّامًا وَقضى نهمه ٩٥ ثمَّ يرتحل فيهجم على أُخْرَى مثلهَا فَمَكثَ هُنَاكَ ثمَّ يرتحل وَالْملك ينْتَظر وُصُوله وَهُوَ يتباطأ إِلَى اقْتِضَاء الأوطار والمنى فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ بعث الْملك قَاصِدا فَأَخذه وَقَيده وسجنه هُنَاكَ فِي بعض السجون إِلَى يَوْم يَدعُوهُ للمعاتبة والحساب يَوْم موقت بذهاب الْعلَّة وَعبد آخر قصَّته هَذِه الْقِصَّة فَلَمَّا ارتحل من مبتدإ أمره لَا يسْرع إِلَّا إِلَى مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ وَقطع الْبلدَانِ والمفاوز والبحور وَالْجِبَال والآكام لَا ينَام وَلَا ينيم كلما ازْدَادَ قربا بِحَضْرَة الْملك اهتاج سيرا وجدا حَتَّى وصل بَاب الْملك فأقيم بِالْبَابِ فَنزل وأشير لَهُ إِلَى مَكَان يحط رَحْله فَفعل وَبَقِي هُنَاكَ مُدَّة ليتزين ويتأدب ويعتاد ويتوقر ولتزول عَنهُ الخفة والاستبداد والعجلة ويلبس أَثوَاب الخدم ويتهيأ للْخدمَة تهيؤا يصلح لَهُ بَين يَدي الْملك فَلَا يزَال هَكَذَا فِي مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى يرفع السّتْر وَيُؤذن لَهُ بِالدُّخُولِ بَين يَدَيْهِ

стр. 304

فَهُوَ مَا دَامَ يفكر مَا فعل يَأْخُذهُ بِمَا صنع بالإباق حَتَّى لَا يدْرِي مَا يصنع من الْحيَاء فَإِذا علم الْملك من حَاله أَنه يستحي من ذَلِك بسط لَهُ بسطا وبره برا وَلم يذكر لَهُ شَيْئا مِمَّا صنع وَقَبله وولاه ولَايَة سنية وخلع عَلَيْهِ خلعا يظْهر عِنْده أَن الْملك مِمَّن قد رَضِي عَنهُ رضَا لَا يسْخط بعده وَعَاد كَمَا كَانَ فِي مَحَله ومرتبته وَذَلِكَ قَول رَسُول الله ﷺ صَاحب الشَّرْع (التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ) مثل الخاشي مثل الخاشي مثل رجل وَقع فِي مفازة لَا يرى فِيهَا أَشْيَاء وَلَا عمرَان وَلَا نَبَات فقد امْتَلَأَ خشيَة من ضلال الطَّرِيق وَمن الظلماء وَمن قلَّة الْقُوت وكمثل رجل وَقع فِي غِيَاض ومروج قد سبق إِلَيْهِ الْعلم بِأَن المروج مَوَاضِع الْأسد فالخشية من الْأسد كائنة فِيهِ مثل الْخَائِف وَمثل الْخَائِف كَمثل رجل رأى فِي هَذِه المروج آثَار خطاه ومأواه الَّذِي يأوي إِلَى أشباله

стр. 305

مثل الْعَارِف وَمثل الْعَارِف كَمثل من عاين الْأسد وَنظر إِلَى شخصه فِي ذَلِك المرج فَأخذت هَيْبَة الْأسد بِمَجَامِع قلبه وَركبت أهواله نَفسه وَصَارَ كَثوب بَال وحلس ملقى من روع الْقلب وفزع النَّفس مثل أهل الْإِرَادَة مثل أهل الْإِرَادَة فِي درجاتهم مثل خدم الْملك كل وَاحِد مِنْهُم قد اتخذ على رَأسه إكليلا وبارقة فِي يَده ليلقى بهَا الْملك يَوْم الْعرض فَعمد أحدهم إِلَى الذَّهَب الْأَحْمَر الصافي فصاغه ثمَّ عمد إِلَى جَوَاهِر ثمينة من اللآلئ والياقوت والزمرد فركبها فصوصا فبلغت قيمَة إكليله مائَة ألف وَزِيَادَة وَآخر عمد إِلَى ذهب مَعْمُول مغشوش فصاغه وَركب فِيهِ من الفصوص مَا يُبَاع بِثمن يسير من الأخزاف وَنَحْوه وَعِظَام صدف فَإِذا كَانَ يَوْم الْعرض ولقيهم الْملك فأنفذهم إِلَى سوقه

стр. 306

ليعطي كل وَاحِد مِنْهُم ثمنه من الخزانة فَعندهَا يظْهر الأسف والندم على مَا فرط فِي ذَلِك فعمال الله تَعَالَى فِي هَذِه الْمَرَاتِب على إرادتهم فَمن عمل على طَرِيق الْحبّ والتحنن فعمله كتلك الْجَوَاهِر الثمينة وَالذَّهَب الْخَالِص فأوفرهم حبا لَهُ أعلاهم ثمنا لجوهره وأصفى فِي ذهبه فالذهب الْخَالِص صدقه والفصوص المركبة حبه لمَوْلَاهُ فعمال الله تَعَالَى هَكَذَا صفتهمْ فعامل يخلط ويشوب فَهُوَ كالذهب الْمَعْمُول الَّذِي شابه ذَلِك النّحاس والصفر والأدوية مَعَ التَّخْلِيط إِذا صفت إِرَادَته بِجهْدِهِ لم يتفكر فِي العلاقة فعمله مَعَ طلب الثَّوَاب والنجاة من الْعقَاب فَهَذِهِ فصوص لَيْسَ لَهَا كثير أَثمَان لِأَنَّهَا لَيست بجواهر وَكَيف تكون جَوَاهِر وَقد شانها طلب نجاة النَّفس وثوابها فَبَال النَّفس قَائِم بَين يَدي مَوْلَاهُ وَقَلبه حجاب كثيف يَحْجُبهُ عَن مَوْلَاهُ وَأَصْحَاب الْجَوَاهِر فِي أَعْمَالهم من عمل لرَبه بِلَا علاقَة وَصدق الله فِي ذَلِك الْعَمَل بالمجاهدة بِطَلَب الصدْق وَخرج الْعَمَل مِنْهُ من نَار الْحبّ وفورانه فَصَعدَ إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يَنْتَهِي حَتَّى يصير إِلَى مَحل الْحبّ فهناك يعرض وَهُنَاكَ يقبل وَهُنَاكَ يُثَاب وأعمال هَؤُلَاءِ الآخرين مُنْتَهَاهَا إِلَى الْعرض على الْعَرْش

стр. 307

أَعمال هَذِه الْأمة على ثَلَاث مَرَاتِب فَصَارَت أَعمال هَذِه الْأمة على ثَلَاث مَرَاتِب صنف مِنْهُم يرفع عَمَلهم إِلَى الخزائن ويربى هُنَاكَ بِالرَّحْمَةِ فَيصير الْوَاحِد عشرَة وَهُوَ عمل المخلصين وَذَلِكَ قَول الله جلّ ذكره ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ وصنف آخر يرفع عمله إِلَى عليين إِلَى السِّدْرَة الَّتِي أَصْلهَا فِي الْجنَّة ورأسها بِبَاب الله فيربى هُنَاكَ بالرأفة فَيصير الْوَاحِد سَبْعمِائة وَهُوَ عمل الصَّادِقين وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى جلّ ذكره ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة﴾ وصنف يرفع عمله إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى يقبل الله عَلَيْهِ فَينْظر الله إِلَيْهِ فرباه هُنَاكَ بنصرته فَيصير الْوَاحِد آلَاف ألف وَلَا يحصي عَددهَا إِلَّا الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى ﴿فيضاعفه لَهُ أضعافا كَثِيرَة﴾ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن هَذِه الْأمة أبرزت بِالْيَقِينِ فاستقرت قُلُوبهم إِلَى حكم الله تَعَالَى وأنفذت إِلَى حب الله تَعَالَى فَوَقَعت أَعْمَالهم فِي تربية الله تَعَالَى

стр. 308

مثل الْعمَّال فِي إخلاصهم فِي الْعَمَل مثل الْعمَّال فِي إخلاصهم فِي الْعَمَل مثل عبد دفع إِلَيْهِ مَوْلَاهُ ثوبا منسوجا مُخْتَلف السدى فطاقة مِنْهُ كتَّان وطاقة مِنْهُ صوف وطاقة مِنْهُ شعر وطاقة مِنْهُ إبريسم فَقَالَ مَوْلَاهُ فِي ظلمَة اللَّيْل استخرج طَاقَة الإبريسم من هَذِه الطاقات ليمتحن حذاقته فَإِذا قدر على ذَلِك عظم شَأْنه عِنْد مَوْلَاهُ وَصَارَ أمره بَين العبيد عجبا فَكَذَا الْمُؤمن إِذا أخْلص الطَّاعَة من بَين شهوات النَّفس وإعجابها وعلائقها من الرَّغْبَة والرهبة والحرص والشره والغدر والعلو وَالْكبر والحسد والغل والغش وَالْمَكْر والخيانة أخْلص طَاعَة من بَين هَذِه الشَّهَوَات الدنيئة الرجسة الدنسة ثمَّ خرج بهَا إِلَى الله تَعَالَى عظم شَأْنه وَصَارَ أمره بَين الْمَلَائِكَة عجبا كَيفَ قدر على مثل هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ لحم وَدم وطين وتراب وشهوات وَلَا تعلم الْمَلَائِكَة بِمَا أعطَاهُ الله من الْقُوَّة فِي سر أسره من الْجَمِيع فبتلك على مثل هَذَا مثل الْأَعْمَال فِي زينتها مثل الْأَعْمَال فِي زينتها وبهائها مثل الأثواب من الديابيج

стр. 309

والوشايش فالوشايش فِيهَا بألوان والأعمال ٩٦ أَنْوَاع فثوب مِنْهَا أَبيض لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الألوان والنقوش وَمَعَ ذَلِك خشن لَيْسَ بجوهري لِأَنَّهُ مغشوش فِي أَصله فَهَذَا غير ثمين وَإِن كَانَ فَيكون قَلِيلا نموذج شَيْء من الثِّيَاب فَلَا يشْتَرك الْإِبَاق ووكس الثّمن فَهَذَا عمل من صَاحب تَخْلِيط وَخلق سيء وخشونة روح فَلَا يعبأ بِعَمَلِهِ بِشَيْء وثوب لَيْسَ لَهُ جَوْهَر إِلَّا أَنه خَالص وَلَا نقش لَهُ فَهَذَا مِمَّا يشترى ويرغب فِيهِ فَهَذَا الصَّادِق المريد يطْلب مرضاته الَّذِي قد لانت جوارحه للين نَفسه وخشعة قلبه وثوب جوهري خَالص كَذَلِك ذُو ألوان من النقوش وَلَكِن لَيْسَ لَهُ طراوة وَلنْ تُؤْخَذ الْعُيُون بحلاوته فَهَذَا صديق صَار إِلَى الله بِجهْدِهِ فجهده نصب عَيْنَيْهِ كلما عمل عملا رأى نَفسه فِي ذَلِك الْعَمَل فأعجبه ذَلِك فَهُوَ يعْمل على التَّعْظِيم ويجتهد فِي الْعَمَل وَنِيَّته وَلَكِن لَيْسَ لَهُ لبق وثوب جيد جوهري خَالص الْغَزل من الإبريسم مُحكم

стр. 310

النسج ملون النقوش بفنون الْأَشْيَاء من الْأَشْجَار والطيور والتماثيل والتصاوير فَيَزْدَاد بِثمنِهِ عشرَة أَضْعَاف كل مرّة تَأْخُذهُ الْعُيُون بحلاوة لبقه فَهَذَا عمل أهل الْمحبَّة وهم أهل اللبق فِي أَعْمَالهم قد زايلتهم الْأَهْوَاء وَالنَّفس والالتفات إِلَى شَيْء سوى العبودة والفرح بِشَيْء سواهُ فأعمالهم بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار والتعظيم والإجلال وحشوها حب الله تَعَالَى مثل عمل الَّذِي لَا لبق لَهُ مثل عمل الَّذِي لَا لبق لَهُ مثل تِلْكَ النقوش الَّتِي تنقش على الْحِيطَان والعيدان بألوان النقوش وَلَا تلتذ الْعُيُون برؤيتها وَلَا تذوق حلاوتها حَتَّى تذْهب بِالذَّهَب فَحِينَئِذٍ صَار لَهَا بريق وإشراق فَعندهَا تلتذ الْعُيُون بحلاوة زينتها فَكَذَا الْأَعْمَال وَإِن صدرت لَا لبق لَهَا إِلَّا بحلاوة لبقها وَهُوَ حب الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ أقوى الْأَنْوَار وأنورها وأعلاها وأسناها فَهُوَ جوهري مُحكم وَإِن طَال اسْتِعْمَاله وابتذاله فَهُوَ طري النقوش حسن الْهَيْئَة كَالثَّوْبِ الْجَوْهَرِي الْمُحكم على مَا وَصفنَا وَإِذا كَانَ خشنا لَا جَوْهَر لَهُ فبقليل الابتذال والاستعمال درست

стр. 311

تِلْكَ النقوش وتهافتت وبرزت قِيمَته إِلَى ثوب أَبيض خلق فَكَذَا الْعَامِل الَّذِي قَامَ بِهِ واجتهد فِي طلب الصدْق مَعَ خشونة وأخلاق سَيِّئَة لَا تَدعه فقد نقش عمله وزينه وَلَكِن إِذا طَالَتْ الْمدَّة وَكَبرت سنه تهافتت عَنهُ تِلْكَ النقوش والزينة لِأَنَّهُ كلما كبر ازْدَادَ سوء خلقه وضيق صَدره وخشونته فتعود حَاله وَقدره عِنْد الله تَعَالَى كَمَا عَاد ذَلِك الثَّوْب الَّذِي قد درس وَصَارَ ثوبا خلقا لَا نقوش فِيهِ وتراجعت قِيمَته إِلَى قيمَة ثوب أَبيض خلق مثل من يُجَاوب الذَّاكِرِينَ مثل من يُجَاوب الذَّاكِرِينَ والمؤذنين عِنْد التهليل على طَرِيق المساعدة بِلَا روية وَلَا اسْتِعْمَال عمل مثل رجل يلقِي فِي زرعه من التُّرَاب والعلف ليقويه ثمَّ امْتنع من سقيه فَمَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَّا يبسا ويلقي عَنهُ النبت وَمن سقَاهُ سقيا مترادفا مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا استخرج المَاء قُوَّة ذَلِك الملقي فأداها إِلَى الزَّرْع فنبت وَقَوي وَاشْتَدَّ سَاقه وسنبل وتفرع حَتَّى أدْرك الزَّرْع وَقَوي

стр. 312

فَكَذَا من جاوب المهلل بِدُونِ حَيَاة الْقلب وَلَا يفعل مَا يَقُول فَذَلِك كالتراب الَّذِي يلقى فِي الزَّرْع وَمنع سقياه لم يَزْدَدْ إِلَّا ثقلا لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقتضي التهليل فِي جَمِيع عمره مرّة وَاحِدَة وَهُوَ الْإِقْرَار بتوحيده وَمَا سواهُ تَجْدِيد الوله فَهَذِهِ الْكَلِمَة إِنَّمَا تَقْتَضِي مِنْهُ وَله الْقلب إِلَيْهِ فَإِذا لم يوله قلبه إِلَيْهِ لم يقبل ذَلِك مِنْهُ لِأَنَّهُ لما آمن اطمأنت نَفسه وَوَلِهَ بِالْوَاحِدِ فَكلما ذهب من وَله قلبه عَنهُ إِلَى شَيْء غَيره فَإِنَّمَا يذهب سَهوا لَا عمدا فَإِذا سَهَا عَن ذكر الصَّانِع واشتغل بالمصنوع لغَلَبَة حلاوة الْمَصْنُوع على قلبه وحدة شَهْوَته لَهُ فِي نَفسه فَإِذا بَقِي فِيهِ خرب قلبه وأظلم صَدره فَإِذا هلل فَإِنَّمَا يجدد الوله وَيرجع إِلَى الله تَعَالَى فيربط الْقلب وتعود النَّفس طرية فَهَذَا المجاوب إِذا سمع تهليله فجاوبه على طَرِيق المساعدة والغفلة فَهُوَ كالتراب الْملقى على ذَلِك الزَّرْع بِلَا سقِِي فَلَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَّا ثقلا كَذَا هَذَا المجاوب لَا يزِيدهُ من ذَلِك إِلَّا خسارا وَحجَّة وَمن نطق بِهِ على كشف الغطاء كَانَ كمن سقى زرعه بعد إِلْقَاء التُّرَاب فِيهِ فرطب ذَلِك التُّرَاب وتأدت قوته إِلَى الزَّرْع فقوي وَاشْتَدَّ سَاقه وأعجب الزراع ليغيظ بِهِ عدوه الْكَافِر ووعد الله أُولَئِكَ بالمغفرة وَالْأَجْر الْعَظِيم لقَوْل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 313

﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ مثل من يستمع قلبه إِلَى حَدِيث نَفسه مثل من يستمع قلبه إِلَى حَدِيث نَفسه فَيقبل مِنْهَا ويستشيرها فِي أُمُوره وَيقبل مَا تُشِير عَلَيْهِ مثل رجل مَعْرُوف بِالْعقلِ وَالْعلم ذِي خطر وجاه يستشيره النَّاس فِي أُمُورهم أقبل على صبي من خلقان وأدناس وبزاق ومخاط يلْعَب بِالتُّرَابِ لعب الصّبيان فَهُوَ يستشيره فِي الْأُمُور ويستمع مقالاته وَيقبل مِنْهُ فَكل من نظر إِلَيْهِ من الْعُقَلَاء تحير فِي أمره وتعجب من فعله فَكَذَا النَّفس فِي جَوف الْآدَمِيّ بِهَذِهِ الصّفة نهمتها اللّعب والبطالة من الشَّهَوَات والنهمات مَعَ خلقان الْأَعْمَال وأدناس الذُّنُوب وبزاق الْغَضَب ومخاط الْبكاء جزعا على فَوَات الدُّنْيَا ومصائب أحوالها فَإِذا ذهب الْقلب الَّذِي أكْرمه الله تَعَالَى بمعرفته وزينه بِالْعقلِ وشرفه بِعلم أَسْمَائِهِ وَعلم الْقُرْآن فَأَعْرض عَن هَذِه العطايا والهدايا وَأَقْبل على حَدِيث النَّفس وإشاراتها وَإِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ فَقبل مِنْهَا واستفاد بهَا فَهَذَا شَأْن عَجِيب وَمن نظر إِلَيْهِ فِيهِ حيره

стр. 314

مثل عُمَّال الله تَعَالَى على طَرِيق الرَّجَاء وَالثَّوَاب مثل عُمَّال الله تَعَالَى على طَرِيق الرَّجَاء وَالثَّوَاب مثل بعير الرحا يشد على عصاري حجر الرحا وَأخذ بِعَيْنيهِ فَهُوَ يَدُور على ذَلِك القطب والبكرة فِي أَرض عشرَة أَذْرع لَا يبرح من تِلْكَ الْبقْعَة فِي شهره ودهره وَلَا يعرف سوى ذَلِك شَيْئا فالرحا الْأَعْمَال الثقال وتعب الْأَركان فِيهَا وطحنها الَّذِي ترمي بِهِ تِلْكَ الْأَنْوَار الَّتِي تصعد إِلَى السَّمَاء من تِلْكَ الْأَعْمَال والقطب الَّذِي تَدور عَلَيْهِ أَعْمَالهم نياتهم ومقاصدهم يَبْتَغُونَ بهَا ٩٧ الثَّوَاب من الله تَعَالَى فهم الشَّهْر والدهر مشاغيل فِي الْأَعْمَال ودوران قُلُوبهم على طلب ذَلِك النوال لَا يَبْتَغُونَ غير ذَلِك مثل الصديقين العارفين فِي الْأَعْمَال وَمثل الصديقين العارفين فِي الْأَعْمَال مثل أرحية المَاء جَاءَ المَاء منحدرا جدا وَدَار القطب بِمَا فِيهِ من الأجنحة فالماء علمهمْ بتدبير الله وعلمهم بِاللَّه

стр. 315

مثل خَاص الْأَوْلِيَاء مثل خَاص الْأَوْلِيَاء مثل أرحية الرّيح جَاءَت الرّيح فَتحمل ذَلِك الرحا فَهُوَ فِي رَأْي الْعين يَدُور كالطائر يطير وَسبب دورانه منكمن فَهَؤُلَاءِ المستعملون فِي القبضة أَسبَاب أُمُورهم قد انْقَطَعت عَن أَسبَاب أهل الدُّنْيَا وخفيت لِأَنَّهَا من عِنْد الله تَعَالَى مثل الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق مثل الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق مثل ثَلَاثَة نفر أَتَوا نَهرا عَظِيما فِي مفازة فَوَقع وَاحِد مِنْهُم فِي النَّهر فسبح سبحا وَخرج وَوَقع الثَّانِي فَكلما كَاد ان يصل إِلَى شط النَّهر ناداه الثَّالِث الَّذِي لم يدْخل بعد فِي النَّهر أَن يَا فلَان هَلُمَّ إِلَيّ إِلَيّ فَإِن الطَّرِيق مخوف فتهلك ارْجع إِلَيّ فَإِنِّي أعلم بطرِيق آخر يعبر بالسلامة على القنطرة وَالَّذِي خرج يُنَادِيه أَن إِلَيّ إِلَيّ فَإِن الطَّرِيق آمن وَعِنْدِي من النَّعيم مَا لَا يُوصف فَمَا زَالَ يذهب إِلَى هَذَا وَإِلَى ذَاك حَتَّى يغرق فِي المَاء وَيهْلك قَالَ قَتَادَة ﵀ فَالْأول الَّذِي عبر مُؤمن مخلص وَالَّذِي لم يعبر بعد كَافِر وَالَّذِي دخل مُنَافِق يَدعُوهُ الْمُسلم من وَرَائه وَالْكَافِر يَدعُوهُ من خَلفه وَهُوَ مُتَرَدّد متذبذب حَتَّى يَأْتِيهِ الْمَوْت

стр. 316

فَيَمُوت منافقا فَيبقى فِي قَعْر جَهَنَّم فِي أَسْفَل السافلين ومصداق هَذَا قَول الله ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ وَمثلهمْ أَيْضا مثل أهل بَلْدَة بقوا فِي جدوبة وقحط وَشدَّة ويبوسة وعسر وضيق وفقر فجَاء رجل بهي سخي كريم جواد رؤوف رَحِيم وَقَالَ لَهُم أَنا لكم نَاصح أَمِين وَإِنَّكُمْ بَقِيتُمْ فِي هَذِه الْبقْعَة فِي هَذِه الشدَّة والمحنة فَإِنِّي أدلكم على أَرض فِيهَا خصب وسعة وخضرة وَمَاء ونعيم فارتحلوا إِلَيْهَا تنجوا من هَذِه المحنة فقوم قبلوا نصيحته وَارْتَحَلُوا إِلَى تِلْكَ الْبقْعَة فوجدوا مَا أخبروا وَزِيَادَة وَقوم لم يصدقوه وَلم يلتفتوا إِلَى كَلَامه وبقوا فِي أَرضهم فِي الْقَحْط والشدة وجازوا ذَلِك فنزلوا فِيهَا واطمأنوا بهَا فرحين بهَا معجبين بهَا وَأَرْسلُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين بقوا فِي دِيَارهمْ وأخبروهم بذلك إِنَّا وجدنَا مَا وعدنا الرجل وَزِيَادَة تَعَالَوْا مَعنا تنجون من هَذِه الشدَّة فَلم يقبلُوا وَلم يخرجُوا فَلَمَّا لَبِثت تِلْكَ الطَّائِفَة فِي تِلْكَ الأَرْض زَمَانا وشهورا وسنينا متنعمين جَاءَ الرجل ثَانِيًا وَقَالَ إِن فِي مَوضِع آخر أَرضًا أحسن من هَذِه وَنَعِيمهَا ومياهها وأشجارها وثمارها أَضْعَاف من هَذَا فارتحلوا إِلَى هُنَالك فَصدق بعض مِنْهُم وَارْتَحَلُوا فوجدوا هُنَالك أَكثر وَأطيب مِمَّا وعدهم الرجل فَمَكَثُوا ثمَّة وَأخذُوا فِي التنعم وبقوا فِي

стр. 317

الرَّفَاهِيَة وبعثوا إِلَى أُولَئِكَ الْقَوْم الَّذين كَانُوا مَعَهم فِي الأَرْض الأولى فِي النَّعيم أَن وجدنَا مَا وعدنا الرجل الأول وَزِيَادَة هلموا إِلَيْنَا نَعِيش ونتنعم فَأَبَوا وَقَالُوا لَا نعطي الْمَوْجُود بالمفقود وَلَا نبدل فَإِذا سَحَابَة جَاءَت من السَّمَاء فَضربت الْأَشْجَار فيبست بساتينهم ومياههم وَمَا عِنْدهم حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا فَالنَّاس كلهم فِي ظلمَة الْكفْر وَشدَّة الشّرك والقحط والضيق فِي مفاوز الْكفْر حيارى فِي عسر وضيق فَجَاءَهُمْ الرَّسُول الْكَرِيم ﷺ وَبَين لَهُم الْهدى ونصحهم وَبَين لَهُم طَرِيق الْحق والصراط الْمُسْتَقيم فَآمن بِهِ بَعضهم ونجوا من ظلمَة الْكفْر والبؤس والفاقة وأخرجوا أنفسهم من ظلمَة الْكفْر وَتبين لَهُم طَرِيق الرشد من الغي وَقوم لم يقبلُوا نصيحة وهم الْكفَّار فبقوا فِي مفازة الْكفْر فِي أَرض الْقَحْط والجدوبة والضيق والضنك ثمَّ إِن الْمُؤمنِينَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون بدلُوا مَا عِنْدهم إِلَى دَار الْقَرار ونعيم الْآخِرَة بِمَا عِنْدهم من نعيم الدُّنْيَا وَارْتَحَلُوا إِلَى دَار الْآخِرَة

стр. 318

والمنافقون قَالُوا لَا نعطي الْمَوْجُود بالمفقود فخابوا وخسروا ذهب الْمَوْجُود من أَيْديهم وَلم يصلوا إِلَى الْآخِرَة فبقوا فِي نفاقهم وشكهم وَأما الْمُؤْمِنُونَ فَخَرجُوا إِلَى الأَرْض الثَّالِثَة وهم الصادقون كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي وَصفهم ﴿أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ بقبولهم دَار الْآخِرَة خَالِصا لِأَن إِيمَانهم كَانَ خَالِصا مخلصا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون إِن فِي هَذَا لبلاغا لقوم عابدين وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾