Полный текст (318 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَتصرف فِي أَنْوَاع التِّجَارَات والبضائع فَبَاعَ وَاشْترى فَصَارَ هَذَا المَال كُله نَسِيئَة وَإِذا نظر فِي الدِّيوَان رأى أَن على فلَان كَذَا وعَلى فلَان كَذَا وعَلى فلَان كَذَا فتجمع أُلُوف أَضْعَاف رَأس المَال كلهَا نَسِيئَة فَإِذا كَانَ أَحمَق طابت نَفسه بالآلاف الَّتِي يحصيها واتكل عَلَيْهَا وَلَا ينظر إِلَى مَا تحصل لَهُ فِي يَده فكم من غَرِيم بايعته على الْوَفَاء وَهُوَ عنْدك ملي فَإِذا أَتَى على ذَلِك مُدَّة ظهر إفلاسه ولوى مَا عَلَيْهِ فَلم يحصل لَهُ مِنْهُ إِلَّا كِتَابَة اسْمه فِي ديوانك وَتَقْدِير مَا عَلَيْهِ حسابا وَرُبمَا يحصل مِنْهُ شَيْء وَذهب بِشَيْء فَأَنت على غير ثِقَة من غرمائك حَتَّى تقبض مِنْهُ وتنقد بعض الْقَبْض وتستيقن بِأَنَّهَا خِيَار تنْفق فِي كل سوق إِلَّا فِي سوق الوضح الَّتِي لَا تبَاع وَلَا تشترى إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ الوضح
فَالْعَبْد الْمُؤمن قد أعطَاهُ الله تَعَالَى رَأس المَال وَهُوَ الْإِيمَان والتوحيد وَأمره أَن يتجر بأنواع من الطَّاعَات وأعمال الْبر والأرباح لَك لتنفق على نَفسك يَوْم فقرك فَإِذا اتّجر وَربح من الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَسَائِر أَعمال الْبر فَهَذِهِ الْأَعْمَال كلهَا كأولئك الْغُرَمَاء
стр. 247
الَّذين يَرْجُو أرباحهم الَّتِي ربح على رَأس مَاله أَي أَعمال الطَّاعَات كلهَا ربح التَّوْحِيد والتوحيد رَأس المَال لَا يقبل عمل إِلَّا بِهِ وَمِنْه يخرج ربح الْمُؤمن لإنه لم يتَبَيَّن الْقبُول فَهُوَ على غرر مِنْهُ فَإِذا اتكل على هَذِه وحوسب يَوْم الْحساب وَحصل مَا فِي الصُّدُور وطولب بِالصّدقِ وَالْإِخْلَاص مِنْهَا فَلم يُوجد فِي كثير مِنْهَا الصدْق وَالْإِخْلَاص فَرضِي بذلك الْعَمَل فَكَانَ كَهَذا الْغَرِيم الَّذِي ظهر هَاهُنَا إفلاسه فَلم ينل مِنْهُ ربحا وَخيف على رَأس مَاله أَيْضا لِأَنَّهُ عمل لغير الله تَعَالَى واستهزأ بِأَمْر الله تَعَالَى وآثر دُنْيَاهُ وَهوى نَفسه على مَحْبُوب الله تَعَالَى ومختاره فَهَذَا كهؤلاء الْغُرَمَاء الَّذِي ظهر هَاهُنَا إفلاسهم فَلم يبْق فِي أَيْديهم إِلَّا ديوَان الكتبة
فَالْعَبْد إِن كَانَ كيسا يَبِيع وَيَشْتَرِي نَقْدا بِرِبْح يسير لِأَن الْيَسِير من الرِّبْح مَعَ قيام رَأس المَال خير من الرِّبْح الْكثير مَعَ هَلَاك رَأس المَال أَو إِذا بَاعَ نَسِيئَة يَأْخُذ بالثقة وعامل الْغُرَمَاء بالوثائق إِمَّا الرَّهْن أَو الْكفَالَة على مَلِيء واستقصى النّظر ثمَّ لم يقنعه ذَلِك فَهُوَ أبدا خَائِف من أَن يضيع رَأس المَال وَرُبمَا غرق فِي الرِّبْح للنسيئة وَمَعَ ذَلِك الْخطر بَاقٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبمَا يهْلك الرَّهْن فَيهْلك
стр. 248
بِمَا فِيهِ من الدّين أَو يَمُوت الْكَفِيل أَو يغيب غيبَة مُنْقَطِعَة فَيهْلك مَاله
فَكَذَا من عَامل فِي الطَّاعَات وَوَقع فِي الْأَهْوَاء مثل الْقَدَرِيَّة والجبرية والمعطلة والمشبهة فغرق رَأس مَالهم فِي أرباحهم فَصَارَت كلهَا نَسِيئَة من غير ثِقَة وَلَا ملاء
فالكيس لما رأى ذَلِك قَالَ إِنِّي لَا أبايع وَلَا أتاجر أحدا إِلَّا برهينة وكفيل ووثائق فالقليل من الرِّبْح مَعَ وفارة رَأس المَال خير من كثير الأرباح مَعَ تَضْييع رَأس المَال فَإِذا المَال والأرباح قد ذهبت كلهَا لِأَنَّهَا صَارَت فِي غير ملاءة وَلَا ثِقَة فَإِن هَذِه الأرباح كلهَا على خطر فَيَنْبَغِي أَن يكون كفيله ثِقَة مُجَانب الْأَهْوَاء
وَكن على حذر وتقوى من الِاسْتِمَاع إِلَى كَلَامهم فَإِنَّهُ كُله هَلَاك وتوى والزم السوَاد الْأَعْظَم الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحب الشَّرْع ﷺ وَاتبع سَبيله فقد أمرنَا الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله بذلك فَقَالَ جلّ ذكره ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾
стр. 249
فالأسوة الْحَسَنَة اتِّبَاع كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ وَسنَن خلفائه الرَّاشِدين المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ
وَقد قَالَ ﷺ فِي خطبَته (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ من بعدِي اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ)
فاتكال الْكيس على رَحْمَة الله تَعَالَى الَّذِي أعْطى مِنْهَا رَأس المَال فَتلك رهينته ووثيقته وَحسن ظنهم بِاللَّه تَعَالَى كفيله فأوفرهم من حسن الظَّن بِهِ أقواهم كَفِيلا وأملؤهم أَدَاء ومقتضيه من غُرَمَائه دعواته وتضرعه إِلَى الله تَعَالَى
فَعَلَيْك بِحِفْظ الرَّهْن لِئَلَّا يهْلك فتذهب بِدينِك واحبس الْكَفِيل لِئَلَّا يغيب فَيذْهب بِمَا عَلَيْهِ وَعَلَيْك بالتقاضي كل يَوْم بِالدُّعَاءِ والتضرع والبكاء بِالنِّيَّاتِ الْخَالِصَة لتجاب
مثل حركات الْمُؤمن
مثل حركات الْمُؤمن مَعَ الْحفظَة مثل رجل لَهُ حرفاء فِي
стр. 250
السُّوق ينْفق مَاله فِيمَا يظْهر فِيهِ حَاجَة من السُّوق يَأْخُذ من الخباز الْخبز وَمن القصاب اللَّحْم وَمن الْبَقَّال الْحَوَائِج وَمن الآخر الْفَوَاكِه ٨٥ وَمن الْبَزَّاز مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فهم يَكْتُبُونَ حسابهم فَإِذا أهل الْهلَال وأخرجوا عَلَيْهِ حسابا جما وديوانا طَويلا فَإِن قضى مَا عَلَيْهِ على رَأس كل شهر تخف عَلَيْهِ المؤونة وهنئت لَهُ النِّعْمَة وَإِن تغافل عَن ذَلِك حَتَّى توالت عَلَيْهِ وظائف الشُّهُور والسنين غرق فِي الدّين
كَذَا العَبْد بَين نعم كَثِيرَة وديون كَثِيرَة وَالْحق يَقْتَضِيهِ شكر كل نعْمَة وَالْعدْل يَقْتَضِيهِ الاسْتِغْفَار والإنابة من كل خَطِيئَة فَإِذا كَانَ العَبْد منتبها حييّ الْقلب أَخذ لكل نعْمَة حمدا وَلكُل خَطِيئَة تَوْبَة واستغفارا حَتَّى تخف عَنهُ السَّيِّئَات وأثقال النعم ويمحي مَا فِي الدِّيوَان
وَإِن تغافل عَن ذَلِك وَحمد حمد الغافلين واستغفر اسْتِغْفَار السكارى على الْعَادة خرج الْحَمد وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ وَلم يجد
стр. 251
مساغا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَلْبِه طَرِيق إِلَى الله تَعَالَى وَالطَّرِيق مسدود بالهوى والشهوات رَجَعَ الْحَمد وَالِاسْتِغْفَار إِلَى فَمه وتراكمت أثقال النعم وأدناس الذُّنُوب على الْقلب فغرقته فَصَارَ الْقلب غريقا فِي الذُّنُوب كَالَّذي ضربنا لَهُ فِي الْمثل وكالذي يغرق فِي المَاء وَلم يجد مُتَعَلقا بِهِ وَلَا تخلصا يحصل بِهِ الْخَلَاص فيغرق وَيهْلك فَيرجع إِلَى أنفاسه لَا يجد متنفسا فَيَمُوت غرقا وَمن كَانَ لِقَلْبِهِ طَرِيق إِلَى الله تَعَالَى وجد حَمده واستغفاره مساغا إِلَى مَحل الْحَمد وَالِاسْتِغْفَار فَوَقَعت فِي مَحَله ومرتبته فَخفت عَلَيْهِ الأثقال وَصَارَ كنهر وجد مساغا فَجرى بسلاسة وَإِن لم يجد مساغا تراجع المَاء فَصَارَ بحرا يغرق فِيهِ صَاحبه
مثل الْعمَّال بِطَاعَة الله تَعَالَى
مثل الْعمَّال بِطَاعَة الله تَعَالَى مثل ملك لَهُ عبيد اخْتَارَهُمْ للْخدمَة بَين يَدَيْهِ على مرأى الْعين فَمن استحلى مِنْهُم خدمته يظْهر ذَلِك فِي حليته وَكسوته فواحد بَين يَدَيْهِ فِي قرطق وَاحِد ومنطقه وَغَيره يدرج بَين يَدَيْهِ على قَدَمَيْهِ
стр. 252
وَآخر مَعَ قراطق كَثِيرَة بَعْضهَا على بعض من بَين ديباج وحرير وساج وكتان لون على لون ومنطقة ذهب فِيهَا فصوص وجواهر كل فص لَهُ ثمن نَفِيس وإكليل كمثلها وَبِيَدِهِ ضبائر الريحان من كل لون من الْورْد والبان والياسمين يفوح مِنْهُ ريح الْمسك
فعين هَذَا الْملك على مثل هَذَا الْخَادِم فَإِذا سَار بَين يَدَيْهِ سَار على موكبه بحرسه ولوائه
فَإِنَّمَا نَالَ هَذِه الرُّتْبَة وَالْمحل والتمكين لِأَنَّهُ استحلى صورته وخلقته وهيئته وخدمته وأدبه وكياسته وظرفه ومحاسن أَفعاله وطهارة خلقه وَلَو كَانَ دميما فِي خلقته سمجا أبله فِي أخلاقه سيء الْخلق كسلان الْخدمَة لم ينل من هَذِه الْمرتبَة شَيْئا إِلَّا مَا يَقِيه من الْحر وَالْبرد وَيسْتر عَوْرَته ويشبع بَطْنه
فَكَذَا الْعمَّال بِطَاعَة الله تَعَالَى إِنَّمَا يعْملُونَ بِإِذن رَبهم فَمن كَانَ طَاهِر الْخلق كيس الذِّهْن فطن الْفَهم عَاقل اللب ذَا حَظّ من الْحِكْمَة كَانَ الْإِذْن لَهُ بَين يَدي الْملك أوسع وأكبر وَكَانَ كَالْعَبْدِ الَّذِي تلونت كسوته وزينته بَين يَدي الْملك فَإِنَّمَا كَسَاه الْملك بِهَذِهِ الألوان لِأَنَّهُ وجده بِحَيْثُ يَلِيق بِهِ هَذِه الألوان كلهَا وَأَعْطَاهُ ضبائر
стр. 253
الريحان لنزاهته وطيبه وكياسته فَهَذَا العَبْد بِطَهَارَة خلقه وصفاء قلبه ووقارة عقله وَإِدْرَاك حكمته سقَاهُ الْملك الْأَعْلَى شربة من كأس حبه حَتَّى سكر عقله عَن جَمِيع أَحْوَال النَّفس حَتَّى صَار كل أُمُوره من المحبوب وَالْمَكْرُوه عِنْده حلوا يجد ثَمَرَة الْحبّ فبكياسة ذهنه أدْرك دقائق الْحِكْمَة وبفهمه وفطنته بلغ مَحل الْخدمَة وَعرف أَوْقَات الْملك وأوقات الْأَشْيَاء فَإِن الْخدمَة ذَات ألوان وفنون وبعقله ولبه عظم أمرهَا وصانها وبحكمته أمْسكهَا الله تَعَالَى فَهَذَا الْكيس الفطن الَّذِي إِذا نَالَ الْحِكْمَة نظر إِلَى عمل من أَعمال الْبر فَيَقُول مَا هَذَا ففهم أَن هَذَا مَحْبُوب الله تَعَالَى قَامَ إِلَى ذَلِك محتسبا
قَالَ لَهُ قَائِل بَين وَاحِد من هَذَا حَتَّى نفهم
قَالَ إِن الله تَعَالَى أمرنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَغَيرهمَا فَإِذا نظر الْكيس بِنور الْحِكْمَة أَن فِي الصَّلَاة أمره وفيهَا قيام بَين يَدَيْهِ ودله عَلَيْهِ علم بفهمه وحكمته أَنَّهَا مَحْبُوب الله تَعَالَى فَهَل أحب قيامي بَين يَدَيْهِ إِلَّا من أجل أَنه أَحبَّنِي فبحبه إيَّايَ أَعْطَانِي موطن الْقيام بَين يَدَيْهِ فَاطلع بفهمه على أَمر عَظِيم يسْتَدلّ بذلك على أَنه حَبِيبه وَمن حبه أحب كَونه بَين يَدَيْهِ فَإِذا فهم هَذَا كَانَت صلَاته قُرَّة عينه وَخُرُوجه عَنْهَا مُصِيبَة عَظِيمَة وَكَذَا فِي كل نوع من أَنْوَاع الْبر هَذَا
стр. 254
مثل الثَّنَاء وَالتَّسْبِيح
مثل الثَّنَاء وَالتَّسْبِيح لله تَعَالَى مثل ملك بَين يَدَيْهِ خدم استقبله أَمر فوجههم إِلَى عمل لَا يَنْفَكّ فِي ذَلِك الْعَمَل فَوجه عبيده وَعَسْكَره إِلَى ذَلِك الْأَمر فَذَهَبُوا عجالا فَأتمُّوا ذَلِك الْأَمر وَرَجَعُوا إِلَى مقَام الْخدمَة منتصبين فَمَا من أحد مِنْهُم رَجَعَ عَن طَرِيقه إِلَّا أَخذه من غُبَار الطَّرِيق
وَلما أَرَادوا الدُّخُول بَين يَدي الْملك فأولا نفضوا الْغُبَار عَن رؤوسهم وثيابهم حَتَّى يدخلُوا على الْملك على هيئتهم الَّتِي كَانَت لَهُم قبل ذَلِك بَين يَدَيْهِ مَعَ الطراوة والنقاوة
فَكَذَا الْعباد الْمُؤْمِنُونَ إِذا مارسوا أُمُور الدُّنْيَا وخالطوا الْخلق لم يخلوا من الْغُبَار والأدناس الَّذِي حل بهم وَإِن اجتهدوا فِي الصدْق وَالتَّقوى والتدبر فيرجعون إِلَى رَبهم بالثناء وَالتَّسْبِيح ليَكُون ذَلِك نفضا لما لحقهم من الأدناس ونالهم من الْغُبَار وَالدُّخَان ليتطهروا فيصيرون أَهلا للدخول بَين يَدي مليكهم
مثل المجتمعين على ذكر الله بكرَة وعشيا
مثل المجتمعين على ذكر الله بكرَة وَعَشِيَّة فذكروه ثمَّ رفعوا
стр. 255
إِلَيْهِ أَيْديهم مرتقبين فَسَأَلُوهُ الرغائب مثل قوم من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين لَهُم وارنبد بالأعجمية كلهم على عصى اجْتَمعُوا وَأخذ كل وَاحِد مِنْهُم بيد صَاحبه حَتَّى صَارُوا كلهم كواحد ثمَّ اجْتَمعُوا على بَاب وَبَاب وَبَاب مِنْهُم من يرْكض بِرجلِهِ ركضا وَمِنْهُم بِرَأْسِهِ هزا وَمِنْهُم بِالْأَيْدِي شدا وَمِنْهُم بالألسن لحنا وبالأصوات لحنا وغناء وبالعيون لحظا فَلهم دنو من كل بَاب على تِلْكَ الْحَال فَيخرج لَهُم من كل بَاب شَيْء فَمن بَاب ثِيَاب وَمن بَاب طَعَام وَمن بَاب شراب وَمن بَاب فواكه وَمن بَاب لحم وَمن بَاب إدام
فَكَذَا المجتمعون على ذكر الله إِذا طَابَ ذكرهم وَسقوا بالكأس الأوفى فطربوا وملكتهم بهجة الحبيب ودب فيهم سكر الكأس وطارت عُقُولهمْ إِلَى ولي الكأس فسقوا هُنَاكَ ٨٦ صرفا فاعتماد أَوَّلهمْ وَقَائِدهمْ على مَحل النَّجْوَى وتحفة التَّحِيَّة لَهُم دوران وَطواف على الْأَبْوَاب لَا سِيمَا وَلَهُم من كل بَاب اسْم تحفه ونوال على قدر حَظه من ذَلِك الِاسْم وعَلى مَا تضمن ذَلِك الِاسْم
стр. 256
مثل أَسمَاء الله تَعَالَى
مثل أَسمَاء الله تَعَالَى مثل ملك لَهُ بُسْتَان أحاطه بحائط وَله غرس وأشجار ذَات ألوان من الْفَوَاكِه وفنون النعم فساق إِلَى عبيده كلوا من هَذِه الثِّمَار وَاشْرَبُوا من هَذِه الْأَنْهَار فَهَذَا معاشكم ومأواكم وَلَكِن شَأْنكُمْ مرمة هَذَا الْبُسْتَان من جري النَّهر وَحفظ الْبَسَاتِين من منابت السوء فَإِنَّكُم لَو قصرتم فِي هَذَا الْأَمر فَعَن قريب انكبس النَّهر ويبست الْأَشْجَار ونبتت منابت السوء من القت وَغَيرهَا فتتغير الألوان وَلَا تتورد
فانظروا إِلَى نزاهة هَذِه الثِّمَار والأوراد والرياحين فَمن لم يسمن على أكل هَذِه الثِّمَار وَشرب هَذَا المَاء فعلى أَي شَيْء يسمن فالماء أَصله وَاحِد فِي فِي الصفاء والعذوبة فَإِذا نظرت إِلَى ثَمَرَة كل شَجَرَة وجدت إِحْدَاهَا حلوا وَأُخْرَى حامضا وَأُخْرَى مرا وَأُخْرَى بَارِدًا وَأُخْرَى حارا وَأُخْرَى بَين الحموضة والحلاوة فَكل شَيْء لَهُ نفع دون صَاحبه
فَكَذَا الله تَعَالَى هيأ لِعِبَادِهِ بستانا وأحاط لَهُ حَائِطا وشق نَهرا وأجرى المَاء وَأنْبت الْأَشْجَار وَأخرج من كل شَجَرَة لونا من الثَّمَرَة فالحائط ملكه وَالنّهر لصقه وَالْمَاء مَاء الْحَيَاة أجْرى مَاء
стр. 257
الْحَيَاة فِي نهر اللطف إِلَى هَذِه الْأَشْجَار وَهُوَ أسماؤه الْحسنى وأجرى إِلَى الْعباد كل اسْم حلوا وحامضا وعذبا وَمَرا وباردا وحارا فَمن اسْمه الرَّزَّاق رزقهم وَمن اسْمه التواب تَابَ عَلَيْهِم وَمن اسْمه الْغفار غفر لَهُم وَمن اسْمه الْعَزِيز جاد عَلَيْهِم وَمن اسْمه الرؤوف رؤف بهم وَمن اسْمه الرَّحْمَن رَحِمهم فِي دينهم وَمن اسْمه الرَّحِيم رَحِمهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن اسْمه الْوَكِيل توكل بهم وَمن اسْمه الْكَفِيل تكفل لَهُم وَمن اسْمه الْعَظِيم أغناهم وَمن اسْمه الْجَلِيل أعزهم وَمن اسْمه الْكَرِيم أكْرمهم وَمن اسْمه المنان من عَلَيْهِم بِالرَّحْمَةِ الْعُظْمَى فهداهم وَمن اسْمه الله اجتباهم وَوَلِهَ قُلُوبهم وعلق فَمن كل اسْم أهْدى إِلَيْهِم مَا وضع فِي ذَلِك الِاسْم لِأَنَّهُ من أَجلهم أخرج الْأَسْمَاء إِلَيْهِم فَمن كَانَ أَشد مُحَافظَة لَهُم وإكبابا عَلَيْهِم وأدوم قيَاما على نَفسه كَانَت فوهة نهره أوسع وَالْمَاء فِيهِ أَكثر وَوجدنَا أَن هَذِه الثَّمَرَة إِنَّمَا يسيغها آكلها بِالْمَاءِ الَّذِي فِي قبو حنكه ويجد لَذَّة الْأَشْيَاء بذلك فِي ذَلِك الْموضع فبتلك الْقُوَّة ينْتَفع بِهَذِهِ الثِّمَار
فَكَذَا الْقلب إِذا لم تكن فِيهِ تِلْكَ الْمحبَّة اللذيذة الَّتِي يجد حلاوتها فِي قلبه لم يجد حلاوة هَذِه الْأَسْمَاء فبالحب ينَال طعم مَا فِي هَذِه الْأَسْمَاء من هَذِه الْمعَانِي الَّتِي فِي الِاسْم فَلِكُل اسْم بِمَا فِيهِ من مَعْنَاهُ أكلا يسمن عَلَيْهِ كَمَا يسمن صَاحب الْأَشْجَار من أكل تِلْكَ الثِّمَار الَّتِي أثمرت هَذِه الْأَشْجَار فالأسماء ثَمَرَتهَا مَعَانِيهَا وسقياها
стр. 258
مَاء الْحَيَاة فَإِذا لم يكن الْقلب حَيا لم تكن لَهُ تِلْكَ الْمحبَّة الَّتِي من الْحَيَاة العطائية فَإِذا هَذِه الْأَسْمَاء لَهُ كالأشجار الَّتِي قد انْقَطع مَاؤُهَا فَلم تثمر وَلم تتورق وَلم تتورد ويبست الْأَشْجَار فَلَا تصلح إِلَّا للحرق
وَإِذا أجْرى مَاء الْحَيَاة وانتبه الْقلب وحيي بِاللَّه جَاءَت الْمحبَّة
فبحلاوة الْمحبَّة تحلو الْأَسْمَاء ويجد الْقلب لَذَّة تِلْكَ الْحَلَاوَة ويرطب بذلك اللطف لِأَن فِي الْأَسْمَاء صِفَات المحبوب ولطفه وآلاءه وأخلاقه وَكَرمه وَرَحمته وأفضاله فعلى قدر محبته لَهُ يجد حلاوة الصِّفَات واللطف والآلاء والأخلاق والعطف وَالْكَرم وتعظم أَفعاله عنْدك وَيَأْخُذ من قَلْبك سُلْطَان ذَلِك الْفِعْل فَإِذا أثنى على ربه أَو مدحه أَو دَعَاهُ باسم من أَسْمَائِهِ فَإِنَّهُ يخرج كَلمته من فِيهِ على قدر سُلْطَانه من الْقلب ومملكة الْقلب من الْحَيَاة والمحبة
مثل من يردد ذكر الله فِي قلبه
مثل من يردد ذكر الله فِي قلبه وَلسَانه مثل مَاء راكد فِي مَوضِع
стр. 259
قد أحَاط بِهِ زبد وغثاء فَإِذا هَاجَتْ الرّيح فَضربت المَاء يذهب ذَلِك الغثاء والزبد إِلَى نَاحيَة من المَاء وَبَقِي المَاء صافيا فَكلما ازْدَادَ هيجان الرّيح ازْدَادَ اضْطِرَاب المَاء فازدادت صفوة المَاء حَتَّى يَأْتِي بمحض المَاء الَّذِي فِي وَسطه
فَكَذَا كلما تردد الذّكر وتتابع ازْدَادَ قُوَّة فِي قلبه وصفوة فِي ذكره حَتَّى تملأ من نور ذكره السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَكَذَا جَاءَنَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن العَبْد إِذا قَالَ الْحَمد لله مَلأ نوره مَا بَين السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِذا قَالَهَا ثَانِيًا مَلأ مَا بَين الْعَرْش إِلَى الثرى)
فَفِي أول دفْعَة قَالَهَا صفت المجرى وَذهب الغثاء الْمُحِيط على الصَّدْر فَظهر الصفاء فَإِذا قَالَهَا ثَانِيًا فَإِنَّمَا قَالَهَا من صفاء الْعلم بِاللَّه فازداد طَرِيق مجْراهَا صفاء فأخرجها من مَحْض الْقلب عَن عَيْش الْحَمد لِأَن علم هَذِه الْكَلِمَة فِي قلبه فَكلما انْكَشَفَ الغطاء عَن الْعلم كَانَ أصفى وأنور وَأعظم أجرا حَتَّى مَلأ مَا بَين الْخَافِقين وَمن الْعَرْش إِلَى الثرى من نور الْكَلِمَة من فِيهِ
стр. 260
مثل من يعبد الله بِلَا علم
مثل من يعبد الله بِلَا علم مثل من يتجر بِلَا بصر فِي السّلع وَلَا علم بأسعارها وَلَا بجواهرها وَلَا بِقِيمَتِهَا وَلَا بِنَقْد الْأَثْمَان فَإِذا اشْترى اشْترى بغلاء وَإِن بَاعَ بَاعَ بوكس وَإِن اقْتضى اقْتضى زُيُوفًا وبهرجة على عمى ودلسة
مثل من يتَعَلَّم الْعلم وَلَا يعْمل بِهِ وَلَا يُعلمهُ النَّاس
مثل من يتَعَلَّم الْعلم وَلَا يعْمل بِهِ وَلَا يُعلمهُ النَّاس مثل رجل رزقه الله مَالا كثيرا فكنزه تَحت الأَرْض فَلَا ينْفق مِنْهُ على نَفسه وَلَا يصل النَّاس بِهِ فَلَا ينْتَفع بِهِ هُوَ وَلَا غَيره وَصَارَ وبالا عَلَيْهِ فِي الْمعَاد
وَمثله أَيْضا مثل الْكَلْب اتخذ مأوى فِي معلف فِيهِ تبن كثير لَا يعتلف هُوَ وَلَا يدع غَيره ليعلف بِهِ دوابه فَكل من قصد ذَلِك نبح وَدفعه عَنهُ
стр. 261
فَهَذَا أَيْضا لَا يعْمل بِهِ فينفعه فِي الدَّاريْنِ وَلَا يعلم غَيره لَا يسْلك بِهِ طَرِيق الْجنَّة هُوَ بِنَفسِهِ وَلَا يرشد غَيره
مثل من يتَعَلَّم الْعلم وَيعْمل بِهِ وَلَا يعلم غَيره
وَمثل الَّذِي يتَعَلَّم الْعلم فَيعْمل بِهِ وَلَا يعلم غَيره مثل رجل رزقه الله مَالا جما فَانْتَفع بِهِ وتنعم بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا يعْطف بِشَيْء مِنْهُ على الْجِيرَان والأقارب وَالْمُسْلِمين
مثل من يتَعَلَّم الْعلم وَيعْمل بِهِ
وَمثل من يتَعَلَّم الْعلم فَيعْمل بِهِ مثل رجل رزقه الله مَالا طيبا فَانْتَفع بِهِ وتنعم بِهِ وَأنْفق على الْجِيرَان والأقارب وَالْمُسْلِمين
مثل من يتَعَلَّم الْعلم وَلَا يعْمل بِهِ ويعلمه النَّاس
وَمثل من يتَعَلَّم الْعلم وَلَا يعْمل بِهِ ويعلمه النَّاس مثل رجل ٨٧ رزقه الله مَالا كثيرا فَكل من أَخذ مِنْهُ أَو سرق مِنْهُ لَا يُبَالِي بِهِ وَلَا ينْفق على نَفسه وعَلى عِيَاله شَيْئا وَتَمُوت عِيَاله جوعا وعريا
стр. 262
وَهُوَ أَيْضا فِي بؤس وفاقة من الْمطعم وَالْمشْرَب لَا يُطيق أَن يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا بِنَفسِهِ أَو ينْفق على عِيَاله فقد خسر هُوَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَمثل من يتَعَلَّم الْعلم وَلَا يعْمل بِهِ ويبذله للنَّاس للمباهاة والرفعة فِي الدُّنْيَا مثل السراج يضيء للنَّاس وَيحرق نَفسه
وَمثله أَيْضا مثل رجل وضع السراج على طرف سطحه فَانْتَفع بِهِ المارون وَهُوَ فِي بَيت مظلم لم ينْتَفع بِهِ وَهُوَ مُحْتَاج لذَلِك
وَمثل من يطْلب الْعُلُوم الْكَثِيرَة وَجَمعهَا وَلم يعْمل بهَا وَلَا يرى أثر ذَلِك عَلَيْهِ فَيجمع الْعُلُوم والكتب دَائِما وَلَا يشْبع من طلبَهَا مثل من يجمع كل يَوْم وَسَاعَة طَعَاما كثيرا فِي بَيته من فنون الْأَطْعِمَة والأشربة والفواكه وَالطير مِمَّا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد وَلَا يطعم مِنْهُ شَيْئا وَهُوَ جَائِع غرثان فَكل يَوْم يَأْكُل مِقْدَار رغيف من ذَلِك مِمَّا قد يبس وتكرج وَينظر إِلَى ألوان الْأَشْيَاء وَيبْخَل على نَفسه وَلَا يشْبع من جمعه كل يَوْم إِلَى يَوْم مَوته فينتن بَيته وفسدت الْأَشْيَاء فَتلقى وَلَا يأكلها أحد وَقد مضى
стр. 263
مثل من يَبْتَغِي نزُول الرَّحْمَة قبل التَّوْبَة
مثل من يَبْتَغِي نزُول الرَّحْمَة من الله تَعَالَى قبل التَّوْبَة مثل سَاكن فِي بَيت قد آذاه الْحر وَالْغَم والذبان فَكلما دخله يتصبب فِيهِ عرقا ويتقلب فِي غمه ويتأذى بالذبان فَإِذا أَرَادَ أَن يتَزَوَّج فِيهِ ويتنعم بِالْجُلُوسِ وَالنَّوْم والقرار فأولا يَنْبَغِي أَن يخرج مَا فِي الْبَيْت من القماشات والأطعمة الَّتِي فِيهَا مجمع الذبان فَذهب فاحتال لَهُ فرشه فَلَا يزَال يديم الرش بِالْمَاءِ حَتَّى يبرد ويبرد المَاء فَكلما دخله استقبله روح ذَلِك الرش وَطيب ذَلِك الرّوح فَأول فعله أَن يَبْتَدِئ فِي كنسه فَإِن فِي ذَلِك الْبَيْت قماش ونثار الطَّعَام وَمجمع الذبان وثفل الْفَوَاكِه وَمَا يرْمى بِهِ فَلَيْسَ من شَأْن هَذَا الَّذِي يُرِيد روحه أَن يتْرك هَذَا الْبَيْت شبه كناسَة ويرشه بِالْمَاءِ ليروح عَنهُ مغتمه فَإِن هَذَا يزِيدهُ رَائِحَة مُنكرَة ونتنا وَلَكِن يكنسه مرّة ثمَّ أُخْرَى بالمكنسة الثَّقِيلَة ثمَّ يكنسه بالمكنسة اللينة ثمَّ يرشه بِالْمَاءِ رشا بعد رش فَإِذا دخله وجد روح ذَلِك الرش فَإِن فِي المَاء رُطُوبَة وبرودة فيرش المَاء فِي كل مرّة حَتَّى تنشف الأَرْض المَاء ويكنسه أُخْرَى ويرش المَاء ثمَّ يبسط الْحَصِير حَتَّى يطيب وتزول عَنهُ الرَّائِحَة
стр. 264
الْمُنكرَة فَإِذا انتشفت الأَرْض رُطُوبَة المَاء بَقِي روح الْبُرُودَة هُنَاكَ وَذَهَبت الْحَرَارَة والغمة فَحِينَئِذٍ إِذا دخل يجد الرّوح والراحة فافترق الذبان
فَكَذَلِك صدر الْآدَمِيّ وَقَلبه فَإِن الشَّهَوَات فِي قلبه فَنَفْس الْآدَمِيّ كالأتون الَّذِي يتلظى لَهب ناره من الشَّهَوَات والهوى وشعلها متأدية إِلَى جوارحه فشعلة مِنْهَا تتأدى إِلَى الْعين فَكلما رمى ببصره بِقُوَّة تِلْكَ الشعلة إِلَى شَيْء من زِينَة الدُّنْيَا رجعت إِلَى النَّفس بلذة يسكر عقله بهَا لِأَن تِلْكَ اللَّذَّة سرى حبها فِي نَفسه فتأدى بذلك الْحبّ إِلَى الصَّدْر فَسَكِرَ الْعقل من ذَلِك وتدنس فانكمن فِي الدِّمَاغ وَامْتنع من الْإِشْرَاق وافتقد الصَّدْر شعاعه الَّذِي كَانَ يَرْمِي إِلَى الصَّدْر فيشرق على الصَّدْر ويستنير مِنْهُ بِمَنْزِلَة شمس شعاعها تضيء بِهِ الأَرْض فيحول بَينهَا وَبَين الأَرْض سَحَابَة سَوْدَاء قَامَت بإزاءها فَذهب ضوؤها فَيصير الْبَيْت مظلما كالليل أَو شبهه
وشعلة مِنْهَا تتأدى إِلَى السّمع فَكلما ألْقى سَمعه إِلَى شَيْء تلذذ بِهِ السّمع فتأدت اللَّذَّة إِلَى النَّفس فثار دخانها إِلَى الصَّدْر
стр. 265
وشعلة مِنْهَا تتأدى إِلَى اللِّسَان وشعلة إِلَى الْحلق وشعلة إِلَى الْفرج وشعلة إِلَى الْيَد للبطش والتناول والبذل وشعلة إِلَى الرجل
فَهَذَا الصَّدْر كمزبلة وَفِيه فوران هَذِه الشَّهَوَات والبطن كالأتون الَّذِي يطْبخ فِيهِ اللَّبن قد احتدت حرارته وحميانه فَصَارَ اللَّبن فِيهِ أَجزَاء يُقَال بالأعجمية بخته فَلَا يزَال يمضر اللَّبن ويذوب حَتَّى يصير كزبرة الْحَدِيد فَكَذَا الشَّهَوَات فِي الْبَطن حَتَّى صَارَت بِتِلْكَ الصّفة فَمَتَى يفلح هَذَا وَكَيف يعبد ربه
تَطْهِير الصُّدُور
قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله ﵀ فَمن شائه أَن يَبْتَدِئ فِي كنس هَذَا الصَّدْر أَن يقمه حَتَّى يخلي صَدره من كناسَة الذُّنُوب وقماشات الْعُيُوب والفضول الَّتِي فِيهَا فَإِذا جَاهد فِي هَذَا حق جهاده كَمَا أمره الله فِي تَنْزِيله ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ فَإِذا فعل ذَلِك فَحِينَئِذٍ أمطر الله فِي قلبه مطر الرَّحْمَة فرش صَدره بِمَاء الرَّحْمَة فثارت الْبُرُودَة إِلَى الْجوف فأطفأت نيران الشَّهَوَات فبرد الأتون وَصَارَ الصَّدْر مروحا بِبرد الرَّحْمَة الَّتِي أمْطرت عَلَيْهِ
فَمن أَرَادَ أَن يتعرف هَذَا من نَفسه أَنه هَل وصل إِلَيْهِ مطر الرَّحْمَة
стр. 266
فَلْينْظر إِلَى هَذِه الشَّهَوَات الَّتِي ذَكرنَاهَا الَّتِي فِي جَوْفه هَل سكن تلظيها وَانْقطع لهبها عَن الجوراح وَهل سكنت حِدة بَصَره بِالنّظرِ وحدة سَمعه بالاستماع وحدة حلقه عِنْد المضغ والتلمظ وحدة لِسَانه حَتَّى ينْطق فِي وَقت دوران العرقين بذلك اللِّسَان وحدة يَده حِين تنَاول وحدة وركيه حِين يضطربان باخْتلَاف الْقَدَمَيْنِ وتخطي الرُّكْبَتَيْنِ فَإِذا افْتقدَ الحدة فِي هَذِه الْمَوَاضِع فقد استيقن أَن التلظي قد سكن فِي الْجوف وَأَن الْقُوَّة قُوَّة الشَّهْوَة قد ضعفت فَعندهَا يعلم أَن مطر الرَّحْمَة من الْمَاجِد الْكَرِيم الْعَزِيز الْوَهَّاب قد حلت بِهِ وأمطرت على صَدره وَقَلبه حَتَّى طفئت نَار الشَّهَوَات فِي نَفسه وَبرد الأتون
فالكيس هَاهُنَا فهم وَأدْركَ أمره فَقَالَ فِي نَفسه لم يزل رَبِّي ماجدا رحِيما جوادا فَكيف احْتبست عني رَحمته حَتَّى عملت هَذِه النيرَان فِي جوفي مَا عملت حَتَّى فضحني عِنْد رَبِّي وَعند مَلَائكَته الكتبة وَعند سمائه وأرضه ثمَّ رَجَعَ إِلَى عقله فبصره عقله أَن هَذِه الرَّحْمَة امْتنعت عَنْك لِأَنَّك تحْتَاج إِلَى غسل بَيْتك حَتَّى تطهره من الأدناس والأوساخ فَأقبل إِلَى الازدياد كنسا بعد كنس حَتَّى صَار بهيئة من كَثْرَة تفقده أَلا تسخو نَفسه أَن يتْرك فِيهَا تبنة أَو أدق من التبنة فِي ذَلِك الْبَيْت حَتَّى يرفعها ٨٨ فَكلما ازْدَادَ من ذَلِك توقيا
стр. 267
وتفقدا ازْدَادَ روح قلب وَطيب نفس للروح وَالْقلب فَالنَّفْس الدنية إِذا شَعرت برحمة الله تَعَالَى وَعلمت بذلك تنزهت فِي ساحات رياضها ومرحت فِي جنانها وأشرت وبطرت فَإِذا كَانَ الْقلب أبله غتما وَأعْطِي علم الرَّحْمَة أَن الله تَعَالَى رَحِيم نقل ذَلِك الْعلم الى النَّفس حَتَّى تأشر وتبطر وتستروح وتركض فِي فسحة اللَّذَّات وتستروح إِلَى ذَلِك الْعلم أَن الله تَعَالَى رؤوف رَحِيم يتردى بذلك فِي آبار الْهَلَاك
فَإِذا كَانَ الْقلب كيسا نقل ذَلِك الْعلم إِلَى الْعقل فيبصر الْعقل وَقَالَ لَهُ هَل يسْتَحق الْمَوْصُوف بِالرَّحْمَةِ أَن تبذل نَفسك وَتقوم لَهُ بأَمْره على أشفار عَيْنَيْك وتضع أُمُوره على رَأسك من التَّعْظِيم فَإِن الرَّحْمَة مديحه والممدوح بِالرَّحْمَةِ من عبيده فِي دَار الدُّنْيَا تسمو إِلَيْهِ الْأَبْصَار وتهتش إِلَيْهِ النُّفُوس بِهَذِهِ الْخصْلَة الْمَوْجُودَة فِيهِ
وَكَذَا كل خصْلَة من خِصَال الْكَرم من الْحسن والبهاء تجدها فِي عبد من عبيده فَإِذا عَرفته بِتِلْكَ الْخصْلَة أحببته عَلَيْهَا حبا يَأْخُذ
стр. 268
بقلبك وَيَسْبِي نَفسك فربك الممدوح بِهَذِهِ المدائح الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات أَحَق وأقمن أَن تَأْخُذ مدائحه قَلْبك وَتَسْبِي نَفسك فَإِذا علمت أَنه رَحِيم فزد فِي تَعْظِيمه وتوقيره بأنبيائه وأحبائه وشغوفا بِكَلَامِهِ ونصائحه ومواعظه لَك شَفَقَة عَلَيْك ورأفة بك
فَهَذَا الْعقل يدل هَذَا الْقلب الْكيس على هَذَا
فَإِذا كَانَ أبله مَال إِلَى النَّفس وقارنها بالفرح بِهَذِهِ الرَّحْمَة أَن رَبنَا ملك كريم رَحِيم فتعال حَتَّى نركض فِي هَذِه الشَّهَوَات والنهمات نَنْتَظِر بهَا ونستقصي فِي نهماتها فَإِذا علمه فِي هَذَا بِأَن رَبنَا رَحِيم قد سود وَجهه وأحرق جسده ونكس قلبه وَلذَلِك كَانَ رَسُول الله ﷺ يتَعَوَّذ دبر كل صَلَاة (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع وقلب لَا يخشع وَدُعَاء لَا يسمع) لِأَنَّهُ قلب أبله جَاهِل بربه فَهُوَ وَإِن علم أَن ربه رؤوف رَحِيم فَهُوَ جَاهِل بِالرَّحْمَةِ لَا يدْرِي مَا الرَّحْمَة إِلَّا علم اللِّسَان فَعلمه بِالرَّحْمَةِ مِقْدَار مَا أَن يَقُول فِي نَفسه إِنَّه إِذا رحم فقد نجا من النَّار وَلَا يعلم بجهله بِنَفسِهِ وبربه أَن لله تَعَالَى نقمات وسطوات يتَمَنَّى العَبْد أَن يصرف بِهِ إِلَى النَّار
الْعَار والخزي بَين يَدي الله
حَدثنِي أَحْمد بن مخلد حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي
стр. 269
عَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن خَاله فضل بن مُؤَمل الرقاشِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن الْعَار والتخزية ليبلغان بِالْعَبدِ فِي الْموقف بَين يَدي الله تَعَالَى مَا يتَمَنَّى أَن ينْصَرف بِهِ وَقد علم أَنما ينْصَرف بِهِ إِلَى النَّار)
فالعار والخزي بَين يَدي الله تَعَالَى وَجَعه على الأكباد والقلوب وعَلى الْأَرْوَاح ووجع الْأَرْوَاح والقلوب والأكباد يضعف على وجع الأجساد أضعافا لَا تحصى لِأَن الرّوح بحياته يألم والجسد بِالروحِ يجد الْأَلَم فَإِذا خلص إِلَى الْجَسَد شَيْء ألم الرّوح مِنْهُ وَإِذا خلص إِلَى الرّوح شَيْء تضَاعف الْأَلَم للحياة الَّتِي فِي الرّوح وَشدَّة شعوره بالألم
المعذب من الْمُوَحِّدين
فالمعذب من الْمُوَحِّدين إِذا ألقِي فِي النَّار أميت إماتة حَتَّى تحرق النَّار جسده ثمَّ يحيا بعد ذَلِك هَكَذَا رُوِيَ لنا عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله
стр. 270
تَعَالَى ﴿فَإِن لَهُ جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ قَالَ (أما الَّذين هم أَهلهَا فَإِنَّهُم لَا يموتون وَلَا يحيون وَأما الَّذين لَيْسُوا من أَهلهَا فَإِن النَّار تميته إماتة ثمَّ يقوم ويشفع)
مَعْنَاهُ عندنَا أَن الَّذين لَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون لَيست لَهُم تِلْكَ الْحَيَاة الَّتِي فِي الْجنَّة لِأَن حَيَاة أهل الْجنَّة من قدس الْحَيَاة تَحت الْعَرْش فبنسيمها يحيا أهل الْجنَّة
حَيَاة أهل النَّار
وحياة أهل النَّار من غسالة أهل الْجنَّة حِين يشربون من مَاء الْحَيَاة على بَاب الْجنَّة حَتَّى تَزُول عَنْهُم أدناس الْآدَمِيَّة وأسقامها وأثقالها وأذاها فتجري تِلْكَ الغسالة إِلَى بَاب النَّار فتسقي أهل النَّار حَتَّى يحيوا بِتِلْكَ الغسالة وَلَا يتهنون بهَا فَتلك حَيَاة يَجدونَ بهَا ألم الْحَيَاة وَلَا يَجدونَ طيب الْحَيَاة فَلَا حَيَاة وَلَا موت فَهَذَا الْمَوْقُوف بَين يَدي الله تَعَالَى فِي الْعَار والتخزية أَشد عذَابا فِي ذَلِك الْخَوْف والهول وَالْحيَاء من الَّذِي أميت فِي النَّار وَالنَّار تحرق جسده وَالرَّحْمَة من الله تَعَالَى مُحِيطَة بِهِ لَا يزَال يَقْتَضِي بهَا نجاته وخلاصه حَتَّى يخلصه الله تَعَالَى ثمَّ يرْمى بِهِ إِلَى الْجنَّة طَاهِرا
مثل من يحْشر فِي الْموقف على تلون الْأَحْوَال
مثل من يحْشر الى الْموقف غَدا على تلون الْأَحْوَال مثل عَسْكَر
стр. 271
نُودي فيهم بالرحيل حِين انفجار الصُّبْح فَفتح بَاب الْمَدِينَة فَخَرجُوا فراكب على هملاج بلغ الْمنزل ضحوة قبل أَن يَنَالهُ حر النَّهَار فَوجدَ الْمنزل خَالِيا فَنزل على مختاره فِي ألطف مَكَان وأنزهه وَأَكْثَره مرفقا وَوجد الأعلاف مهيأة والسوق مزينا خَالِيا والمياه صَافِيَة والمساقي نظيفة طيبَة فينال من كل شَيْء على منيته واختياره حَتَّى إِذا انتصف النَّهَار جَاءَت الركْبَان على دَوَاب الْحمر مَعَ الأثقال وازدحموا على الْمنَازل فِي الْمنَازل ومالوا على الأعلاف والأسواق حَتَّى تضايقت الْأَمْكِنَة والأعلاف وَأَقْبلُوا على سقِِي الدَّوَابّ على الازدحام فَإِذا كَانَ آخر النَّهَار جَاءَت أَصْحَاب الدَّوَابّ القطف فوجدوا بَقِيَّة المَاء والأعلاف وَلم يَجدوا مَكَانا فِي الْمنزل فنزلوا فِي الصَّحرَاء وهم بعد فِي ضوء النَّهَار يبصرون أَن ينزلُوا ويجدوا شَيْئا من الْعلف وَالْمَاء وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى إِذا أَمْسوا جَاءَت الرجالة فنزلوا حول الْمنزل بالبعد من الْمرَافِق وَلم يَجدوا شَيْئا من الْمِيَاه والأعلاف إِلَّا بَقِيَّة وَمن المساقي المَاء مَعَ الكدورة والطين حَتَّى إِذا جن اللَّيْل جَاءَت الرجالة الزمنى والأعرجون والعميان وَنَحْوهم يتخبطون الطَّرِيق وَلَا يَجدونَ مَوضِع
стр. 272
نزُول الا فِي الخرابات وَالْأَرْض الشاكة والكناسات والمتغوط فِي ظلمَة اللَّيْل وهجوم الْبرد والرياح والأنداء من الثلوج وَغَيرهَا فَلَا مَكَان وَلَا علف ٨٩ وَلَا مرفق وَلَا كن وَلَا مُسْتَقر فهم يتمنون انكشاف اللَّيْل وانفجار الصُّبْح وَلَا صبح
فَهَذَا مثل أهل الْحَشْر غَدا الى الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى (وَنفخ فِي الصُّور فجمعناهم جَمِيعًا) وَقَالَ الله ﷻ (وَنفخ فِي الصُّور فاذا هم من الأجداث الى رَبهم يَنْسلونَ)
يحْشر النَّاس ركبانا ورجالة وعَلى وُجُوههم
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (يحْشر النَّاس أَثلَاثًا ثلث ركبان وَثلث رجالة وَثلث على وُجُوههم) ركبانهم قَول الله تَعَالَى (يَوْم تحْشر الْمُتَّقِينَ الى الرَّحْمَن وَفْدًا) قَالَ عَليّ ﵁ نَجَائِب
وانما تلون حشرهم لِأَن المراكب مُتَفَاوِتَة كَمَا ضربنا فِي الْمثل
стр. 273
من فَارس وراكب حمَار وَصَاحب قطوف وراجل وَمن دونه من الزمنى وَغَيرهم فيصل إِلَى الْموقف على قدر مركبه ومركبه معرفَة الله تَعَالَى فَذَاك مركب قلبه إِلَى الله تَعَالَى بِقدر مَعْرفَته لله تَعَالَى وَعلمه بِاللَّه تَعَالَى يصل إِلَى الله تَعَالَى بنيته فِي الْأَعْمَال ففرسانهم السَّابِقُونَ المقربون وتفاوت سبقهمْ فِي الْأَعْمَال بِتِلْكَ الْقُلُوب الفوارس على قدر تفَاوت مراكبهم كتفاوت الْخُيُول هَا هُنَا فِي دَار الدُّنْيَا فَرب فرس تبلغ قِيمَته وثمنه ألفا من الدَّرَاهِم وَرب فرس ألف من الدَّنَانِير ثمَّ من بعدهمْ المقتصدون وهم على قطف الدَّوَابّ والأثقال والحمولات ثمَّ من بعدهمْ أَصْحَاب الْحمر يفترون مرّة ويقومون أُخْرَى مرّة ركبانا وَمرَّة مشَاة يسوقون حمرهم بالعناء وَالْعجز حَتَّى بلغُوا الْمنزل ثمَّ من بعدهمْ الرجالة حُفَاة وَأَصْحَاب كارات على ظُهُورهمْ وأعناقهم قد حفيت أَقْدَامهم ونكبت أكتافهم وانعقرت من الحمولات الَّتِي على أَعْنَاقهم وَمن تِلْكَ الكارات فهم رجالة الدّين لَيْسَ لَهُم نيات وَلَا تقوى وَلَا تقية يختبطون الطَّرِيق فِي الدّين تخبطا على الْعَادة والشايذبوذ يعْملُونَ على الْعَادة والتجويز فَهَؤُلَاءِ هم أهل الْعَامَّة فِي أسواقهم يستترون بِالْوضُوءِ وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة والشرائع وَقُلُوبهمْ مشحونة
стр. 274
بحب الدُّنْيَا ومفتونة بالشهوات قد ضيعوا أَحْكَام الْفَرَائِض وتوثبوا فِي الْحُدُود ويعملون أَعمال الْبر على الْعَادة بالجزاف والتخبط قد نسوا الْمعَاد وخلوا من ذكر الْمَوْت وخشية الله تَعَالَى فِي السِّرّ وأهملوا الْوَرع فهم سراق الْأَسْوَاق فِي مكايلهم وموازينهم وتضيع أماناتهم
ثمَّ من بعدهمْ هَؤُلَاءِ المتهوكون المفتونون فِي الدُّنْيَا حيارى سكارى فهم عرج وزمنى وَعمي لَا يصلونَ إِلَى الْمنزل إِلَّا بعد أهوال وشدائد وعجائب ثمَّ بقوا فِي ظلمَة الصِّرَاط ونفخات النَّار ودخان الْحَرِيق
صفة فَارس من السَّابِقين
قَالَ لَهُ قَائِل صف لنا فَارِسًا من السَّابِقين مَا صفته
قَالَ ذَاك فَارس ركب مركبا من مراكب الْمعرفَة يطير قلبه إِلَى الله تَعَالَى فِي كل وَقت وَأمر وَحكم حَتَّى لَو استقبلته نعْمَة طَار قلبه إِلَى الْمُنعم وَلها عَن النِّعْمَة وَإِذا استقبلته شدَّة طَار قلبه إِلَى الْمُقدر ووقف بِبَاب الْقُدْرَة ينظر إِلَى تَقْدِيره لَهُ ذَلِك قبل اللَّوْح والقلم وَخلق الْعَرْش والكرسي وَالْجنَّة وَالنَّار فهاب أَن يُلَاحظ غير ذَلِك الَّذِي قدرت لَهُ نَفسه بشهواتها وأمنيتها وَإِن ذكر الرزق طَار
стр. 275
قلبه إِلَيْهِ وَإِن ذكر أَمر الرزق طَار قلبه إِلَى الرازق فَوجدَ الْأَمر مفروغا مِنْهُ وَأَنه قد ضمن لَهُ ذَلِك وأبرز ضَمَانه فِي اللَّوْح وَإِن نابته نائبة طَار قلبه إِلَى مَا نابه عَنهُ فَنزل منَازِل الواثقين بكرمه وَأحسن الظَّن بِهِ ووثق بِهِ وَسكن فِي مَحَله لرَبه مطمئن الْقلب وَالنَّفس وَإِن أعوزه أَمر وأزعجه طَار قلبه إِلَى الْمُدبر فَتعلق بِهِ مُضْطَرّا إِلَيْهِ مفتقرا إِلَى مَا أمله ورجاه فَهَذَا رَاكب نَالَ مركبا سريا بهيا هنيا مَا أسْرع مَا يبلغ بِهِ يَوْم الْمَحْشَر إِذا بعث من قَبره فيجد مَكَانا فِي ظلّ الْعَرْش من قبل أَن تَجِيء الرَّحْمَة وَقد نَالَ أهل الْمَحْشَر فِي الْموقف من الْعَطش والجوع وَالْحر
حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى بن أكْرم بن حزم الْقطعِي حَدثنِي بشر بن عمر الزهْرَانِي حَدثنِي ابْن لَهِيعَة عَن خَالِد بن أبي عمرَان عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (طُوبَى للسابقين إِلَى ظلّ الله تَعَالَى) قيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ (الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه وَإِذا سئلوا بذلوه وَالَّذين يحكمون للنَّاس بحكمهم لأَنْفُسِهِمْ)
فَصَاحب هَذِه الصّفة قلبه حَيّ بِاللَّه وَنَفسه سخية منقادة لله قد ذلت بحدة الْحَيَاة لله وَاقِفًا عقله بِعدْل الله يحكم لخلقه بِحكمِهِ لنَفسِهِ فمركبه من أَعلَى المراكب وأجود الْحَيَوَان
стр. 276
مثل الْعَامِل يعْمل أَعمال الْبر
مثل الْعَامِل الَّذِي يعْمل أَعمال الْبر على طَرِيق الثَّوَاب وَالْعِقَاب مثل نهر اجْتمع فِي مَوضِع فِيهِ من البردي والحطب وأصول الأباء وَنَحْوهَا فَخَاضَ فِيهِ إِنْسَان فَفِي كل مَوضِع وصلت يَده يَقع فِي يَده شَيْء من تِلْكَ الْأَشْيَاء وَبَعضهَا على ظَهره وَرَأسه وبطنه فَيخرج من النَّهر متلوثا بهَا
فَأهل الْغَفْلَة يجمعُونَ حركات الْجَوَارِح بأعمال الْبر وَلَيْسَ لَهُم من ذَلِك إِلَّا الظَّاهِر فِي مقاصدهم ونياتهم إِلَّا الثَّوَاب الَّذِي وعد الله لعماله بذلك فعلى قدر طهارتهم وَصدقهمْ يثابون من الْجنَّة أجور عمالتهم وتعب أَجْسَادهم وَتلك الطَّاعَة تنَال من أنوار الْإِيمَان وَتلك نيات أنوار الْإِيمَان الَّذِي اعتقدوه فَقَط
فَأَما أهل الانتباه فيعملون الْأَعْمَال عبودة لله عارفين موقنين عَالمين بِاللَّه فمثلهم كَمثل من يغوص فِي الْبَحْر والأنهار فَيضْرب بِيَدِهِ فِي غوصه فَبلغ فِي يَده جَوْهَرَة لَا يُحِيط بِثمنِهَا علم من نفاستها وصفائها فهم يدْخلُونَ فِي الطَّاعَات بحركات الْجَوَارِح وَلَكِن فِي قُلُوبهم من الْعَجَائِب مَا تعجب الْمَلَائِكَة إِذا رفعت إِلَى الله تِلْكَ الحركات فِي حشوها من الْأَنْوَار مَا يمْلَأ الْأُفق الْأَعْلَى
وَأهل الْغَفْلَة حَشْو حركاتهم فِي الطَّاعَات أنوار نياتهم
стр. 277
ومقاصدهم وَتلك من نور الْإِيمَان الَّذِي اعتقدوه
وَأهل الانتباه حَشْو حركاتهم فِي الطَّاعَات لِأَن فِي حركات جوارحهم نور الْحبّ وَنور الْحيَاء وَنور الشوق والحنين والتضرع والقلق وَالسُّرُور والبهجة وَالشُّكْر وَالذكر الصافي ٩٠ والإقبال على الله والإنابة والخشية والخضوع وَالتَّسْلِيم ورؤية الْمِنَّة والتبري من الْحول وَالْقُوَّة فَهَؤُلَاءِ غواصون يغوصون فِي كل حَرَكَة فِي بحور الْمعرفَة فِي وَقت مرورهم فِي اسْتِعْمَال الْجَوَارِح ومضيهم فِيهَا بقلوبهم ويستخرجون من غوصهم الدّرّ الْيَتِيم والجوهر النفيس لِأَن الْقلب خزانَة الله تَعَالَى وفيهَا نوره فَإِذا طهر العَبْد ساحة الخزانة وَهِي الصَّدْر ظَهرت فِي تِلْكَ الساحة من بَاب الخزائن فِي وَقت عمل يعمله عجائب لَا تُوصَف من هَذِه الْجَوَاهِر والدرر وحركات الطَّاعَات ذَات صور فَكل طَاعَة لَهَا صُورَة وَمِثَال وَفِي كل صُورَة يعملها ثَوَاب فيرائي بهَا ربه ويتزين العَبْد بِتِلْكَ الصُّورَة لما فِيهَا من الْجَوَاهِر لمعبوده فَهَذَا عبد يتزين بجواهره من كنوزه حَتَّى إِذا جَازَ هَذِه الخطة وَوصل إِلَى فرديته فَكَانَ هَذَا عبدا تزين لله بِاللَّه وَكَانَ الله مستعمله فِي قَبضته وَهِي دَعْوَة أجل الْعباد وَاحِد من السَّبْعَة الَّذين لَقِيَهُمْ يُونُس
стр. 278
صلوَات الله عَلَيْهِ وَكَانَ يَدْعُو وَيَقُول اللَّهُمَّ بك أتزين فَاجْعَلْ الْيَقِين شعاري وَالصَّبْر دثاري فَهَذَا عبد تزين بِاللَّه لله
مثل من وثق بِاللَّه فِي ضَمَان رزقه
مثل من وثق بِاللَّه فِي ضَمَان رزقه وكفايته ومواعيده مثل من ضاف ملكا من الْمُلُوك فَدَعَاهُ الْملك فخاف من دَعوته وَامْتنع واحتال لنَفسِهِ هربا وامتناعا لقلَّة ثقته بِهِ لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا لَهُ عِنْد الْملك فِي الْغَيْب فَعلم الْملك بِحَالهِ فَوجه إِلَيْهِ ولدا من أَوْلَاده رهينا عِنْده وَقَالَ هَذَا وَلَدي عنْدك وَثِيقَة فَاحْضُرْ إِلَيّ فَإِنِّي أَفِي لَك بالأمان وَالْوَفَاء بِكُل مَا وعدتك
فسكن الْخَائِف بذلك الرهين واطمأنت نَفسه وَعلم أَن الرِّهَان لطمأنينة الْقلب والأمان وَلَا محَالة يَفِي لَهُ بذلك
فالمؤمن وضع الله تَعَالَى فِي قلبه نوره ثمَّ ضمن لَهُ الرزق والكفاية وَأمره بالعبودة وَدعَاهُ إِلَى طَاعَته ووعده حسن المآب فَكلما نظر الْمُؤمن إِلَى هَذَا الرهين الَّذِي عِنْده اطْمَأَن وَحسن ظَنّه بِهِ وَقَالَ فِي نَفسه لَو لم يرد بِي خيرا مَا وضع مثل هَذَا الْجَوْهَر
стр. 279
النفيس فِي وَثِيقَة ورهنا فبذل نَفسه لَهُ وَألقى بِيَدِهِ وَارْتَفَعت التُّهْمَة وَسُوء الظَّن وَخَوف الرزق
مثل أهل الثَّبَات فِي الْأَعْمَال
مثل أهل الثَّبَات فِي الْأَعْمَال مثل ملك لَهُ ثَلَاثَة أعبد فَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُم قضيب كرم ليغرسه ويعمره ويثمره وَيحمل شراب عصيره إِلَيْهِ فَعمد أحدهم إِلَى كرمه فَجعله مربى لَهُ وَقَامَ بعمارته فِي السَّقْي وتقليب الأَرْض يكريه ويسرقنه ويشده وَمَا يصلح لَهَا حَتَّى أدْرك وأثمر فَإِذا جَاءَ أَوَان عصيره فعصره فَمَلَأ زقا صافيا صرفا من الْعصير
وَعمد الآخر إِلَى قضيبه فَسَقَاهُ سقيا دون سقِِي وَلم يثمره وَلم يقم بعمارته مثل الأول فَأدْرك الْكَرم وَلَكِن لَيْسَ لشَجَرَة نزاهة وطراوة وَلَا لعنبه من الْحَلَاوَة مَا يكون لمثله فعصر وملأ زقه ممزوجا بِالْمَاءِ
وَعمد الثَّالِث إِلَى قضيبه فَسَقَاهُ وَاحِدَة وَلها عَنهُ وَلم يثمره
стр. 280
وَلم يقم بعمارته بِشَيْء حَتَّى أدْرك عنبه كُله حامض لَيْسَ فِيهِ من الطراوة وَالْمَاء شَيْء فعصره كَذَلِك فَلم يمْلَأ الزق فَنفخ فِيهِ حَتَّى امْتَلَأَ ريحًا فَصَارَ فِي رَأْي الْعين كالممتلئ
يحمل كل وَاحِد زقه إِلَى الْملك فَرَأى الْملك كلهَا فِي رَأْي عينه ممتلئ فَحل من الأول وكاءه فذاقه فَرَآهُ شرابًا صرفا لذيذا فأعجب الْملك بذلك وَقَبله واستحلاه وَوَافَقَهُ وَأعد لَهُ جزيلا وأكرمه وخلع عَلَيْهِ خلعة بهية فَحل وكاء الثَّانِي فذاقه فَوَجَدَهُ ممزوجا بِالْمَاءِ وَلم يجد لَهُ كثير حلاوة فَرمى بِهِ وَجهه وَأخرجه من بَين يَدَيْهِ
فَلَمَّا حل وكاء الثَّالِث خرجت الرّيح فَبَقيَ فِي الزق شَيْء قَلِيل فَلَمَّا ذاقه وجده حامضا غير مدرك فَضرب بالزق على رَأسه وَأخرجه من بَين يَدَيْهِ وَسَقَطت الْجلْدَة بَين يَدَيْهِ
عُمَّال الله تَعَالَى على ثَلَاثَة أَصْنَاف
فعمال الله تَعَالَى ثَلَاثَة أَصْنَاف فعامل تصدر أَعمال بره من قلب سقيم فصدره مغيم بسقم قلبه من أمراض الذُّنُوب وغيمه من دُخان الشَّهَوَات وَقَضَاء المنى فقوة عمله إِنَّمَا هِيَ من نور التَّوْحِيد
стр. 281
فَقَط فَإِذا خرج عمله حَشْو نوره الَّذِي بدر من التَّوْحِيد فالأعمال قوالب وحشوها الْأَنْوَار فَصَاحب هَذِه الصّفة كصاحب زق منفوخ فِيهِ حِين حل وكاؤه خرجت الرّيح وَبَقِي فِي أَسْفَله شَيْء يسير قَلِيل وتساقط الزق فَإِذا رفع عمل هَذَا إِلَى الله تَعَالَى لم يظْهر مِنْهُ من النُّور إِلَّا بِمِقْدَار النُّور الَّذِي ذكرنَا وسائرها حركات الْجَوَارِح بِلَا نور
وَالثَّانِي خرج عمله إِلَى الله تَعَالَى ممتلئا نورا ممزوجا بِنور الرَّجَاء والنوال من الله تَعَالَى فطمع نواله أذهب حلاوة عمله
وَالثَّالِث خرج عمله إِلَى الله تَعَالَى ممتلئا نورا من نور الْقرْبَة حَشْو ذَلِك النُّور حب الله تَعَالَى لم يبتغ بِهِ غير وَجهه الْكَرِيم من غير أَن يلْتَفت إِلَى نفس وَلَا طمع فَلَمَّا رفع إِلَى الله تَعَالَى ظهر مِنْهُ من النُّور مَا أحَاط بالمعرض من الْعَرْش وانتشر فِي جوانبه وملأ الخزائن فَهَذَا عمل المقربين وَالثَّانِي عمل الْمُقْتَصِدِينَ وَالثَّالِث عمل المخلصين الظَّالِمين لأَنْفُسِهِمْ
مثل الطَّاعَات فِي الزِّينَة
مثل الطَّاعَات فِي الزِّينَة مثل زِينَة الثَّوْب المنسوج المنقوش بألوان النقوش فَكل من نظر إِلَيْهِ فِي هَذِه الزِّينَة ذهل عقله من حسنه
стр. 282
وبهائه وسبى قلبه بهجته فالناظرون إِلَى زِينَة الْأَعْمَال أَحَق أَن تسبي مِنْهُم قُلُوبهم بزينتها وبهائها وبهجتها
قَالَ لَهُ قَائِل مَا زِينَة الْأَعْمَال
قَالَ زينتها فِي لبقها فَمن احتظى من اللبق زينها فزينة الثِّيَاب إِنَّمَا ازدادت باجتماع الألوان المنسوجة بَعْضهَا بِبَعْض فَإِذا تلونت على الْعُيُون على اخْتِلَاف ألوانها ونقوشها التذت بتأليفها فزينة الْأَعْمَال فِي لبقها فَمن احتظى من اللبق رأى زينتها
قَالَ لَهُ قَائِل ضربت الْمثل بِشَيْء فأفهمنا بِهِ فَبين لنا نوعا من ذَلِك نفهم
قَالَ فَانْظُر إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّمَا هِيَ قيام ثمَّ انتصاب ثمَّ تَكْبِير ثمَّ وقُوف ثمَّ ثَنَاء ثمَّ تِلَاوَة ثمَّ رُكُوع ثمَّ سُجُود ثمَّ جثو ثمَّ ارتغاب ثمَّ تَسْلِيم فَهَذِهِ أَفعَال مُخْتَلفَة وأقوال متباينة وَلكُل فعل زِينَة وَلكُل زِينَة بهاء وبهاؤه من أَصله الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود
فَإِذا اجْتمعت هَذِه الْأَنْوَاع على التَّفَاوُت بَعْضهَا فِي بعض تلونت ٩١ وازدانت والتذت الْقُلُوب بِتِلْكَ الْأَفْعَال والأقوال ثمَّ المتلذون بهَا على درجاتهم فِي الترائي فطائفة مِنْهُم تلحظ فِي
стр. 283
أَعْمَالهم إِلَى حركاتهم فِيهَا على الخضوع والذلة يتذللون لمليكهم بِتِلْكَ الحركات عبودة وأسرا
وَطَائِفَة تلحظ إِلَى حركاتهم فِيهَا إِلَى فَرح الله بِفعل العبيد فهم يَتَقَلَّبُونَ ويتصرفون فِيهَا التذاذا بفرح الله تَعَالَى ومسراته بِتِلْكَ الْأَفْعَال وَقَوله لعيسى ﵇ يَا عِيسَى تحر مسرتي وَهُوَ قَوْله ﷺ (لله أفرح بتوبة العَبْد من أَن يضل أحدكُم رَاحِلَته فِي أَرض فلاة عَلَيْهَا زَاده ومتاعه فَيضْرب يَمِينا وَشمَالًا فَلَا يجد فَيَقُول فِي نَفسه أرجع إِلَى ذَلِك الْموضع فأموت فِيهِ فوطن نَفسه على ذَلِك فَإِذا رَجَعَ إِلَى ذَلِك الْموضع وجد رَاحِلَته قَائِمَة هُنَاكَ عَلَيْهَا زَاده وَشَرَابه ومتاعه)
وَكَذَلِكَ الصَّوْم إِنَّمَا هُوَ دَعْوَة الْقلب النَّفس إِلَى ترك الشَّهَوَات ليومه الَّذِي يُرِيد أَن يصبح فِيهِ وَالنَّفس تتثاقل وتنفر عَن ذَلِك النفرة الَّتِي تنفر وتتثاقل عَن تَركهَا حَتَّى إِذا أجابت الْقلب إِلَى ذَلِك ارتحل الْقلب إِلَى الله تَعَالَى بانقياد النَّفس لَهُ ومتابعتها إِيَّاه وَقبُول الْقلب من الله تَعَالَى ذَلِك التّرْك والكف عَن الشَّهَوَات من الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّسَاء وَالْحِفْظ للسمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان عَمَّا لَا يحل ثمَّ إِلَى النَّفس عَازِمًا فَذَاك الارتجاع زِينَة عمله فِي الْعَزِيمَة عِنْد الرُّجُوع إِلَى النَّفس وقبوله من الله تَعَالَى فجَاء بذلك الْقبُول فأحاط بِالنَّفسِ فَتلك
стр. 284
الْإِحَاطَة عَزِيمَة الْقلب وانقياد النَّفس وثَاقه إِيَّاهَا فربضت النَّفس سَاكِنة
هَذَا مُبْتَدأ الصَّوْم فَمن مبتدا هَذَا الْيَوْم إِلَى آخِره فِي صَدره خواطر وعَلى ظَاهر جوارحه عوارض تحْتَاج النَّفس إِلَى أَن تتجرع مرَارَة تِلْكَ الشَّهَوَات خاطرة كَانَت أَو عارضة فَكلما خطر بِبَالِهِ فِي صَدره بَين عَيْني فُؤَاده خطرة هاج البال واشتهت النُّفُوس لتِلْك الشَّهْوَة وسكنها الْقلب فريضت كَانَ لَهَا بِكُل خاطرة وعارضة تتجرع النَّفس مرَارَة التّرْك جَزَاء عِنْد الله تَعَالَى فَمن يحصي هَذِه الخطرات والعوارض إِلَّا الله تَعَالَى
وَلذَلِك قَالَ الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ لِأَن النَّفس تجرعت مرَارَة التّرْك لله تَعَالَى وَالْقلب وفى بِمَا قبل من الله تَعَالَى فالثواب يتجرع المرارة وَالْجَزَاء للقلب بِالْوَفَاءِ
فطبقة مِنْهُم فِي هَذِه الخطرات والعوارض فِي دَرَجَة مُلَاحظَة الثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَطَائِفَة مِنْهُم فِي دَرَجَة مُلَاحظَة حب الله تَعَالَى فتلاشت المرارات بحلاوة حبه
وطبقة مِنْهُم فِي دَرَجَة مُلَاحظَة مسرات الله تَعَالَى وقرة الْعين
стр. 285
فيفتقدون المرارات لَا بتهاج نُفُوسهم بمسرات الله تَعَالَى
مثل الْمعرفَة الَّتِي لم تضء
مثل الْمعرفَة الَّتِي لم تضء مثل لؤلؤة بَيْضَاء صَافِيَة نقية ثمَّ تجدها قد دَخَلتهَا صفرَة بطول اسْتِعْمَالهَا من الْعرق وَالْحر وَالْبرد وأدناس الْجَسَد وَغَيرهَا وَترى ياقوتة أَيْضا بِمَائِهَا وصفاء لَوْنهَا قد ذهب صفاؤها وَتغَير لَوْنهَا بطول لبسهَا فأصحاب الْجَوَاهِر أبْصر بِمَا يغسلون تِلْكَ اللؤلؤة لتزول صفرتها وتعود إِلَى حَالهَا
وَكَذَا الياقوتة تعالج حَتَّى تعود إِلَى مَائِهَا وصفائها
فَكَذَا الْمعرفَة تجدها حلوة نزهة نيرة فعلى طول مجاورتها بشهوات النَّفس وملامستها إِيَّاهَا تجدها متغيرة قد افتقدت حلاوتها ونزاهتها وطيبها لِأَنَّهَا قد تدنست بأدناس الشَّهَوَات فَيجب أَن يحتال لأمرها حَتَّى تعود كَمَا كَانَت
قَالَ لَهُ قَائِل فَكيف يكون ذَلِك
قَالَ أَلَيْسَ هَذِه الياقوتة واللؤلؤة جوهرها قَائِم وَإِنَّمَا افْتقدَ صفاؤها وماؤها لما لزق بهَا من الدنس وتغيب عَنْهَا صفاؤها فبالمعالجة زَالَ عَنْهَا مَا كَانَ لزق بهَا وعادت إِلَى حَالهَا وَظهر صفاؤها فَكَذَا الْمعرفَة قَائِمَة إِلَّا أَن أدناس الشَّهَوَات حجبت عَنْك إشراقها لما حلت فِي عين فُؤَادك فِي صدرك فَصَارَت كشمس
следующие страницы →