Полный текст (706 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(فرأيك فى الإدبار رأى أَخَذته ... وعلمته من مشْيَة السرطان)
٦٧ - (أنامل السرطان) قَرَأت لبَعض ظرفاء الْكتاب فصلا استملحته فى وصف خطّ ردئ وَهُوَ نظرت فى خطّ منحط كأرجل البط على الشط أَو أنامل السرطان على الْحِيطَان
стр. 422
الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ فى الْحَيَّة وَالْعَقْرَب
حَيَّة الوادى
شَيْطَان الحماطة
صل أصلال
ابْنة الْجَبَل
صماء الغبر
شُجَاع الْبَطن
أفاعى سجستان
ثعابين مصر
ظلم الْحَيَّة
عرى الْحَيَّة
رجلا الْحَيَّة
رقية الْحَيَّة
لِسَان الْحَيَّة
إطراق الشجاع
رِدَاء الشجاع
ضحك الأفاعى
عقارب شهر زور
خبث الْعَقْرَب
لَيْلَة الْعَقْرَب
رقية الْعَقْرَب
دَبِيب الْعَقْرَب
الاستشهاد
٦٧ - (حَيَّة الوادى) يُقَال حَيَّة الوادى قد حمته فَلَا يقربهُ شئ يضْرب مثلا للرجل المنيع الْجَانِب قَالَ الشَّاعِر
(إِذا وجدت بواد حَيَّة ذكرا ... فَاذْهَبْ ودعنى أمارس حَيَّة الوادى)
وَقَالَ أَبُو تَمام
(ملئتك الأحساب أى حَيَاء ... وَحيا أزمة وحية وَاد)
٦٧٣ - (شَيْطَان الحماطة) قَالَ الجاحظ من أَمْثَال الْعَرَب مَا هُوَ إِلَّا شَيْطَان الحماطة إِذا رَأَتْ منْظرًا قبيحا والشيطان الْحَيَّة والحماطة من الشّجر وَمن العشب يُرِيدُونَ حَيَّة تأوى الحماطة كَمَا يَقُولُونَ أُمَم الضلال وذئب الغضى وتيس الرمل قَالَ الراجز
(عنجرد تحلف حِين أَحْلف ... كَمثل شَيْطَان الحماط أعرف)
стр. 423
٦٧٤ - (صل أصلال) من أَمْثَال الْعَرَب عَن أَبى يزِيد إِنَّه لصل أصلال قَالَ وَأَصله من الْحَيَّات يشبه بهَا الرجل المنيع الداهية وَفِيه يَقُول الشَّاعِر
(مَاذَا رزئنا بِهِ من حَيَّة ذكر ... نضناضة بالرز ايا صل أصلال)
٦٧٥ - (ابْنة الْجَبَل) هى الْحَيَّة الصماء الَّتِى لَا يقرب أحد جبلها من خوفها تنْسب إِلَى الْجَبَل فَيُقَال ابْنة الْجَبَل اى صاحبته لِأَنَّهُ لَا يقربهُ شئ غَيرهَا كَمَا يُقَال حَيَّة الوادى يضْرب مثلا للداهية وَيُقَال صمى صمام ابْنة الْجَبَل إِذا أَبى الْفَرِيقَانِ الصُّلْح وَأَرَادُوا الْحَرْب وَاخْتلف مَا بَينهم كَمَا قَالَ الْكُمَيْت
(فإياكم إيَّاكُمْ وملمة ... يَقُولُونَ لَهَا الكانون صمى ابْنة الْجَبَل)
والكانون هُوَ الذى يكنى عَنهُ وَابْنَة الْجَبَل أَيْضا هى الصل وَقد تقدم ذكره آنِفا
٦٧٦ - (صماء الغبر) هى الْحَيَّة يضْرب مثلا للداهية الْعَظِيمَة الشَّدِيدَة قَالَ الشَّاعِر
стр. 424
(يَا بن الْمُعَلَّى نزلت إِحْدَى الْكبر ... داهية الدَّهْر وصماء الغبر)
وَكَثِيرًا مَا يستعار اسْم الْحَيَّة للدواهى وَقَوْلهمْ إِحْدَى بَنَات طبق مِنْهَا
٦٧٧ - (شُجَاع الْبَطن) كِنَايَة عَن الْجُوع لِأَن أَذَاهُ يشبه بمضرة الْحَيَّة وَالْعرب تزْعم ان فى بطن الْإِنْسَان حَيَّة يُقَال لَهَا الصفر وَأَنَّهَا تؤذيه إِذا جَاع وَإِيَّاهَا عَنى من قَالَ (وَلَا يعَض على شَرّ سوفه الصفر)
وَقَالَ أَبُو خرَاش الهذلى
(أرد شُجَاع الْبَطن قد تعلمينه ... وأوثر غيرى من عِيَالك بالطعم) أى أَصْبِر على أَذَى الْجُوع وأحمل مضضه
٦٧٨ - (أفاعى سجستان) يضْرب بهَا الْمثل فى الْخبث وَسُوء الْأَثر كَمَا يضْرب الْمثل بثعابين مصر وجرارات الأهواز وعقارب شهر زور
وَوصف شبيب بن شبة أفاعى سجستان فَقَالَ كِبَارهَا حتوف وصغارها سيوف
стр. 425
وَجَاء فى عهد أهل سجستان على الْعَرَب حِين افتتحوها أَلا يقتلُوا قنفذا وَلَا يصيدوه لِأَنَّهَا بِلَاد أفاعى
قَالَ الجاحظ وَأكْثر مَا يجلب أهل صَنْعَة الترياق والحواءون الأفاعى من سجستان وَذَلِكَ كسب لَهُم وحرفة ومتجر وَلَوْلَا كَثْرَة قنافذها لما كَانَ لَهُم بهَا قَرَار وَلَا إِقَامَة والقنفذ لَا يبالى أى مَوضِع قبض من الأفعى وَذَلِكَ أَنه إِن قبض على رَأسهَا أَو قفاها فهى مأكولة على أسهل الْوُجُوه وَإِن قبض على وَسطهَا اَوْ على ذنبها جذب مَا قبض عَلَيْهِ فَاسْتَدَارَ وَتجمع ومنحه سَائِر بدنه فَمَتَى فتحت فاها لتقبض على شئ مِنْهُ لم تصل إِلَى جلده مَعَ شوكه النَّابِت فِيهِ والأفعى تهرب مِنْهُ وَطَلَبه لَهَا وجرأته عَلَيْهَا على قدر هربها مِنْهُ وضعفها عَنهُ
وَقَالَ فى مَوضِع وَهُوَ يصف إنْسَانا بالطمع لَو أعْطى أفاعى سجستان وجرارات الأهواز وثعابين مصر لأخذها إِذْ كَانَ الْأَخْذ وَاقعا عَلَيْهَا
٦٧٩ - (ثعابين مصر) قَالَ الجاحظ الثعابين لَا تكون إِلَّا بِمصْر وإليها حول الله تَعَالَى عَصا مُوسَى ﵊ قَالَ تَعَالَى ﴿فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ يعْنى أَنه حولهَا ثعبانا والثعبان عَجِيب الشَّأْن فى إهلاك بنى آدم فَلَيْسَ لَهُ عَدو إِلَّا النمس وهى إِحْدَى
стр. 426
عجائب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنَّهَا دويبة متحركة فَإِذا رَأَتْ الثعبان دنت مِنْهُ فينطوى الثعبان عَلَيْهَا يُرِيد ان يعضها ويأكلها فتحتبس فى بَطنهَا ريحًا وتزفر زفرَة فتقد الثعبان قطعتين وَلَوْلَا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر وهى هُنَاكَ أَنْفَع لأَهْلهَا من القنافذ لأهل سجستان
٦٨٠ - (ظلم الْحَيَّة) الْعَرَب تَقول لَيْسَ شئ أظلم من الْحَيَّة لِأَن الْحَيَّة لَا تتَّخذ لنَفسهَا بَيْتا وكل بَيت قصدت نَحوه هرب مِنْهُ أَهله وخلوه لَهَا فدخلته واثقة أَن ذَلِك السَّاكِن بَين أَمريْن فإمَّا أَقَامَ فَصَارَ طَعَاما لَهَا وَإِمَّا هرب فَصَارَ الْبَيْت لَهَا فأقامت فِيهِ سَاعَة أَو لَيْلَة قَالَ الراجز
(فَأَنت كالأفعى الَّتِى لَا تحتفر ... ثمَّ تجى سائرة فتنجحر)
٦٨ - (عرى الْحَيَّة) يُقَال أعرى من الْحَيَّة كَمَا يُقَال اكسبى من الْكَعْبَة وَيُقَال أعدى من الْحَيَّة لِأَنَّهَا تمشى على بَطنهَا قَالَ ابْن الْحجَّاج يمدح من وهب لَهُ دَابَّة
(فديت من صيرنى رَاكِبًا ... وَكنت أعدى قبل من حَيَّة)
(فديته إِن فدائى لَهُ ... فى قلب من يحسدنى كيه)
٦٨ - (رقية الْحَيَّة) يضْرب مثلا فى شَيْئَيْنِ متضادين أَحدهمَا الْكَلَام الطَّوِيل الذى لَا يفهم كَمَا قَالَ على بن الجهم فى وصف توقيعات مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات
(على ابْن عبد الْملك الزيات ... لعائن الله موفرات)
стр. 427
(يرْمى الدَّوَاوِين بتوقيعات ... مطولات ومقصرات) (أشبه شئ برقى الْحَيَّات ... )
وَالْآخر الْكَلَام الذى يزِيل السخيمة ويصل ذَات الْبَين وَهُوَ اللين اللَّطِيف كَمَا قَالَ أَبُو تَمام فى وصف قصيدة لَهُ
(خُذْهَا مثقفة القوافى رَبهَا ... لسوابغ النعماء غير كنُود)
(كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر فى عنق الفتاة الرود)
(كشقيقة الْبرد المنمنم وشيه ... فى أَرض مهرَة أَو بِلَاد تزيد)
(كرقى الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وقود)
وروى أَبُو حَاتِم عَن الأصمعى عَن خلف الْأَحْمَر قَالَ كنت أرى انه لَيْسَ فى الدُّنْيَا رقية أطول من رقية الْحَيَّة فَإِذا رقية الْخبز أطول مِنْهَا يعْنى مَا يتكلفه الْإِنْسَان من النّظم والنثر والتآليف والخطب لطلب المَال
٦٨٣ - (لِسَان الْحَيَّة) يشبه بِهِ الْقدَم اللطيفة كَمَا قَالَ بعض البلغاء فى وصف امْرَأَة حسناء لَهَا صدغ كالعقرب وعنق كالإبريق الْفضة وسرة كمدهن العاج وَقدم مَكَان الْحَيَّة وَيُشبه بِهِ السنان كَمَا قَالَ دعبل
(وأسمر فى رَأسه أَزْرَق ... مثل لِسَان الْحَيَّة الصادى)
٦٨٤ - (إطراق الشجاع) من أَمْثَال الْعَرَب أطرق إطراق الشجاع إِذا سكن وَسكت قَالَ المتلمس
стр. 428
(فَأَطْرَقَ إطراق الشجاع وَلَو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما)
٦٨٥ - (رِدَاء الشجاع) هُوَ قشر الْحَيَّة يضْرب مثلا فى الرقة وَيُشبه بِهِ الثَّوْب الناعم الرَّقِيق كَمَا قَالَ أَبُو تَمام فى وصف خلعة خلعها عَلَيْهِ الْحسن بن سهل وهى أحسن مَا قيل
(قد كسانى من كسْوَة الصَّيف خرق ... مكتس من مَكَارِم ومساع)
(حلَّة سابرية ورداء ... كسحا القيض أَو رِدَاء الشجاع)
(كالسراب الرقراق فى الْحسن إِلَّا ... أَنه لَيْسَ مثله فى الخداع)
(يطرد الْيَوْم ذَا الهجير وَلَو شبه ... فى حره بِيَوْم الْوَدَاع)
(سَوف أكسوك مَا يفوق عَلَيْهِ ... من ثَنَاء كَالْبردِ برد الصناع)
(حسن هاتيك فى الْعُيُون وَهَذَا ... حسنه فى الْقُلُوب والأسماع)
قَالَ الجاحظ الْحَيَّة لَا تسلخ جلدهَا وَإِنَّمَا يخلق لَهَا كل عَام قشر وغلاف فهى تسلخ القشور الناعمة والغلاف الذى على مِقْدَار أجسادها وَإِنَّمَا تستبدل القشور فَأَما الْجُلُود فَإِن أبدانها لَا تفارقها إِلَّا بسلخ السكين
قَالَ وَلَيْسَ فى الأَرْض قشر ورقة وَلَا ثوب وَلَا جنَاح وَلَا ستر عنكبوت إِلَّا وقشر الْحَيَّة أحسن مِنْهُ وأرق وأتقن وأعجب تضليعا وصنعة والحية تسلخ قشرها كَمَا يسلخ الْجَنِين المشيمة وَكَذَلِكَ أَكثر الْحَيَوَان أما الطير فسلخها تغييرها وَأما الحوافر فسلخها زيادتها وسلخ الْإِبِل طرد أوبارها
стр. 429
وانجراد جلودها وسلخ الأياييل نصول قُرُونهَا وسلخ الْأَشْجَار إِلْقَاء وَرقهَا والسراطين تسلخ فتضعف عِنْد ذَلِك عَن المشى والأسروع دويبة تسلخ فَتَصِير فراشة والدعموص تسلخ فَتَصِير إِمَّا بعوضا وَإِمَّا فراشة ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾
وَقد شبه مُحَمَّد بن عبد الْملك بن صَالح الهاشمى سلخ الْحَيَّة حَيْثُ قَالَ
(نهنهت أَولهَا بضربة صَادِق ... كَانَت كَمَا شقّ الرِّدَاء الْمعلم)
(وعَلى مسبوغ الْحَدِيد كَأَنَّهُ ... سلخ كسانيه الشجاع الارقم)
٦٨٦ - (ضحك الأفاعى) قَالَ أَبُو مزعون
(إِن أَبَا فِرْعَوْن زين الكوره ... أحسن شئ طللا وصوره)
(يضْحك إِن مرت بِهِ ممكوره ... ضحك الأفاعى فى جريب النوره)
وَذَلِكَ مثل قَول أهل بَغْدَاد ضحك الجوزة بَين حجرين
٦٨٧ - (عقارب شهر زور) قَالَ الجاحظ العقارب القتالة تكون بموضعين بشهرزور وقرى الأهواز إِلَّا أَن القواتل بالأهواز جرارات وَلم يذكر عقارب نَصِيبين لِأَن أَصْلهَا فِيمَا يَشكونَ فِيهِ من شهر زور حِين حوصر أَصْلهَا ورموا بالمجانيق بكيزان محشوة من عقارب شهرزور حَتَّى توالدت هُنَاكَ فَأعْطى الْقَوْم بِأَيْدِيهِم
стр. 430
وَقَالَ ابْن الرومى فى عقارب شهرزور يهجو فتاة اسْمهَا شنطف
(إِذا مَا شنطف نكهت أماتت ... فَمن نكهاتها قَتْلَى وصرعى)
(يلاقى الْأنف من فمها عذَابا ... وترعى الْعين مِنْهَا شَرّ مرعى)
(وَإِن سكُوتهَا عندى لبشرى ... وَإِن منت عددت الْمَنّ منعا)
(فقرطقها كعقرب شهرزور ... إِذا غنت مطوقة بأفعى)
وَمِمَّا يتَمَثَّل بِهِ من عقارب قاشان فَإِنَّهَا مَعْرُوفَة بالخبث مَا كتب بِهِ الصاحب كتبت من قاشان وَقد قاسيت من خوف عقاربها مَا يقاسيه شَيخنَا أَبُو عبد الله من عقارب الأصداع
وعَلى ذكر عقارب الأصداغ قد كنت أَظن الصاحب أَبَا عذرة قَوْله
(إِذا لم يكن يكفف عقارب صُدْغه ... فَقولُوا لَهُ يسمح بترياق رِيقه)
حَتَّى أنشدته يَوْمًا للأمير السَّيِّد أدام الله تأييده فَقَالَ إِنَّمَا أَخذه مِمَّن قَالَ
(ضربت عَيْنك قلبى ... إِنَّمَا عَيْنك عقرب)
(لَكِن المصة من ريقك ... ترياق مجرب)
٦٨٨ - (خبث العقوب) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن الْعَقْرَب يتَعَرَّض لمن لَا يتَعَرَّض لَهُ وَلَا كَذَلِك الْحَيَّة وفى الحَدِيث إِن عقربا لسعت االنبى ﷺ فَقَالَ (لعن الله الْعَقْرَب مَا أخبثها تلسع الْمُؤمن والمشرك والنبى والذمى) \ ح \
٦٨٩ - (لَيْلَة الْعَقْرَب) يضْرب بهَا الْمثل فى الطول لِأَن صَاحبهَا
стр. 431
لَا ينامها فهى تطول عَلَيْهِ جدا وَيُقَال إِن أطول الليالى ثَلَاث لَيْلَة الْعَقْرَب وَلَيْلَة الصد وَلَيْلَة الهريسة وفى رِوَايَة مَكَان لَيْلَة الصد لَيْلَة العاشق
وأنشدنى أَبُو الْفَتْح كشاجم فى كِتَابه
(مَا لَيْلَة المهجور باعدت ... النَّوَى عَنهُ أنيسه)
(أَو لَيْلَة الملدوغ حاذر ... ميتَة النَّفس النفيسة)
(بِأَمْر من ليل الظريف ... إِذا تجوع للهريسة)
٦٩٠ - (رقية الْعَقْرَب) يشبه بهَا مَالا يفهم من الْكَلَام كَمَا تقدم ذكره فى أحد وجهى ضرب الْمثل برقية الْحَيَّة قَالَ ابْن الرومى فى ذمّ شعر البحترى
(كنافض حم حمى الخييرى لَهُ ... برد وكرب فَمن يرويهِ من كرب)
(كَأَنَّهُ حِين يصغى السامعون لَهُ ... مِمَّن يُمَيّز بَين النبع والغرب)
(رقى العقارب أَو هدر القطاط إِذا ... أضحوا على سقف الجدران فى صخب)
٦٩ - (دَبِيب الْعَقْرَب) يستعار للنمام وَمَا يجرى مجْرَاه من الشَّرّ فَيُقَال دبت عقارب فلَان إِذا دنت طلائع شَره قَالَ الشَّاعِر
(من نم فى النَّاس لم تؤمن عقاربه ... على الصّديق وَلم تؤمن أفاعيه)
(كالسيل بِاللَّيْلِ لَا يدرى بِهِ أحد ... من أَيْن جَاءَ وَلَا من أَيْن يَأْتِيهِ)
وَمن فصل للصاحب أخذت عواصف شَره تهب وعقارب ضره تدب
стр. 432
الْبَاب الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ فى سَائِر الحشرات والهوام
بَيت العنكبوت
نسج العنكبوت
دودة الْخلّ
دودة القز
صَنْعَة السرفة
لجاج الخنفساء
وادى النَّمْل
أنمل النَّمْل
قَرْيَة النَّمْل
عض النملة
جنَاح النملة
كسب النملة
خيط النملة
جمع الذَّر
مخ الذَّر
مِثْقَال ذرة
علم الحكل
الاستشهاد
٦٩ - (بَيت العنكبوت) يضْرب بِهِ الْمثل فى الوهن والضعف قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت﴾ فَدلَّ بوهن بَيته على وَهن خلقه وَلَا أوهن مِمَّا ذكر الله تَعَالَى أَنه أوهن الْبيُوت وَقد أَشَارَ الفرزدق إِلَى هَذَا الْمثل الذى نطق بِهِ الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ لجرير
(ضربت عَلَيْك العنكبوت بنسجها ... وَقضى عَلَيْك بِهِ الْكتاب الْمنزل)
وَقَالَ الأخنف
(العنكبوت بنت بَيْتا على وَهن ... تأوى إِلَيْهِ ومالى مثلهَا وَطن)
(والخنفساء لَهَا من جِنْسهَا سكن ... وَلَيْسَ لى مثلهَا إلْف وَلَا سكن)
стр. 433
وَقَالَ آخر
(إِنَّمَا الدُّنْيَا عناء ... لَيْسَ للدنيا ثُبُوت)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا كبيت ... نسجته العنكبوت)
٦٩٣ - (نسج العنكبوت) قَالَ الحمدونى فى طيلسان ابْن حَرْب وَهُوَ يضْرب الْمثل بنسج العناكب
(يَا بن حَرْب كسوتنى طيلسانا ... مل من صُحْبَة الزَّمَان وصدا)
(فحسبنا نسج العناكب إِن قيس ... إِلَى نسج طيلسانك قدا)
ثمَّ قَالَ
(طَال ترداده إِلَى الرفو حَتَّى ... لَو بَعَثْنَاهُ وَحده لتهدى)
وَقَالَ بعض أهل الْعَصْر
(صديق لنا مذ ذقت طعم إخائه ... غصصت وَقد أربى على المر شهده)
(فأضعف من نسج العناكب عَهده ... وأضيع من نَار الحباحب وده)
٦٩٤ - (دودة الْخلّ) تضرب مثلا للرجل السَّاقِط يعِيش مَكَان السوء فى حَالَة رذلة رَاضِيا بهما إِذْ لم يعرف سواهُمَا وَلم يتعود غَيرهمَا
وفى الحَدِيث يعيشون كدود الْخلّ فى الْخلّ وَمن امثال الْعَرَب لَا يصبر على الْخلّ إِلَّا دوده
قَالَ الجاحظ كَأَنَّك لَا ترى أَن فى ديدان الْخلّ والديدان الَّتِى تتولد فى السمُوم
стр. 434
إِذا عتقت وَعرض لَهَا العفن وهى تعد قواتل عِبْرَة وأعجوبة وَأَن التَّذَكُّر فِيهَا موقظ للأذهان ومنبه لذوى الفظنة وَتَحْلِيل لعقدة البلادة وَسبب لاعتياد الروية وانفساح فى الصُّدُور وَعز فى النُّفُوس وحلاوة تقتاتها الرّوح وَثَمَرَة تغذو الْعقل وترق فى الشَّرِيعَة وَتَشَوُّقِ إِلَى معرفَة الغايات الْبَعِيدَة
٦٩٥ - (دودة القز) تضرب مثلا فِيمَن يضر نَفسه وينفع غَيره فَيُقَال مَا فلَان إِلَّا دودة القز وفتيلة الْمِصْبَاح وعود الدخنة
٦٩٦ - (صَنْعَة السرفة) يضْرب بهَا الْمثل فى عَجِيب نظمها وبديع تركيبها وصنعة كنها ونظرها فى عواقب أمرهَا وَمن أظرف مَا قرأته فى ذَلِك قَول مُحَمَّد بن حبيب هى دودة تنسج على نَفسهَا بَيْتا فَهُوَ ناوسها حَقًا وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه إِذا نقض هَذَا الْبَيْت لم تُوجد الدودة فِيهِ حَيَّة أصلا
وَقَالَ غَيره كَانَ النَّاس يتعلمون الْحِيَل من أَفعَال الْبَهَائِم وصنوف الْحَيَوَان فتعلموا الحذر من السرفة وتعلموا الحقنة من الطَّائِر الذى إِذا تخم من كَثْرَة أكل السّمك جَاءَ الْبَحْر فَأخذ مِنْهُ بمنقاره تُرَابا ثمَّ أدخلهُ فى دبره قَلِيلا فَإِذا فعل ذَلِك اسْتطْلقَ بَطْنه من سَاعَته وَاسْتَخْرَجُوا آلَات الْحَرْب فَأخذُوا الرمْح من قرن الكركدن وَالسيف من نَاب الْخِنْزِير والسهم من شوك الْقُنْفُذ والترس من ظهر السلحفاة
стр. 435
٦٩٧ - (لجاج الخنفساء) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن الخنفساء إِذا نحيت عَادَتْ وَكلما رمى بهَا رجعت مستمرة فى أدراجها وَلم تبْق وَلم تدر فى اللجاج
قَالَ الشَّاعِر
(لنا صَاحب مولع بِالْخِلَافِ ... كثير المراء قَلِيل الصَّوَاب)
(أَشد لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إِذا مَا مَشى من غراب)
٦٩٨ - (وادى النَّمْل) يضْرب مثلا للمكان الْكثير السكان قَالَ الجاحظ فى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا أَتَوا على وَادي النَّمْل قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وَجُنُوده وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أخبر بِأَنَّهُم بأجمعهم وقفُوا على ذَلِك الوادى وَأَن ذَلِك الوادى مَعْرُوف بوادى النَّمْل فَكَأَنَّهُ كَانَ حمى والنمل رُبمَا أجلى أمة من الْأُمَم عَن بِلَادهمْ
٦٩٩ - (قَرْيَة النَّمْل) يشبه بهَا الْمحل أَو الدَّار الْكَثِيرَة الْأَهْل وَغير هَذَا الْمَعْنى أَرَادَ ابو تَمام بقوله فى وصف الْخمر
(وكأس لمعسول الأمانى شربتها ... وَلكنهَا أجلت وَقد شربت عقلى)
(وَإِذا مَا تحساها الْفَتى ظن قلبه ... لما دب فِيهِ قَرْيَة من قرى النَّمْل)
فَأَما مدب النَّمْل فَإِن فرند السَّيْف يشبه بِهِ كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(متوسدا عضبا مضاربه ... فى مَتنه كمدبة النَّمْل)
(يدعى صقيلا وَهُوَ لَيْسَ لَهُ ... عهد بتمويه وَلَا صقل)
стр. 436
حذ
стр. 437
ثمَّ أتبعه الشُّعَرَاء فَأَكْثرُوا من هَذَا التَّمْثِيل قَالَ أَبُو فراس فى وصف البازى
(كَأَن فَوق صَدره والهادى ... آثَار مَشى الذَّر فى الرماد)
وَوصف بَعضهم الْخبز فَقَالَ رغفان كَأَن فى خللها مداب أرجل النَّمْل
قَالَ أَبُو الْفَتْح بن العميد وَالشعرَاء يشبهون الشئ الصَّغِير الْقصير بإبهام القطا والحبارى وأظفور العصفور
وَأَرَادَ أَن يبتدع عَلَيْهِم فى اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَكتب إِلَى أَبى الْحُسَيْن بن فَارس رقْعَة صدرها وصلت رقْعَة الشَّيْخ فَكَانَت أقصر من أنمل الرمل وأقصر من منفقة بقة
٧٠٠ - (عض النملة) قَالَ بعض الْعلمَاء وَهُوَ يضْرب الْمثل بِمَا يستهان وَلَا يبالى بِهِ فَيُقَال مَا عَسى ان يكون عض النملة وقرص القملة ولسع النحلة وَوُقُوع البقة على النَّخْلَة ونباح الْكلاب على السَّحَاب وَمَا موقع الذُّبَاب من ذى نَاب
٧٠ - (جنَاح النملة) يضْرب مثلا لارتياش الضَّعِيف واستغناء الْفَقِير بِمَا فِيهِ هَلَاكه إِذْ من أقوى أَسبَاب هَلَاك النَّمْل نَبَات أجنحته
وَيُقَال لم يرد الله النملة صلاحا إِذا أنبت لَهَا جنَاحا وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(أَحْبَبْت دَارا همها قدر ... جم العروج كَثِيرَة شعبه)
стр. 438
(إِن استهانتها بِمن صرعت ... لبقدر مَا تعلو بِهِ رتبه)
(وَإِذا اسْتَوَت للنمل أَجْنِحَة ... حَتَّى يطير فقد دنا عطبه)
وأنشدنى الْأَمِير السَّيِّد أدام الله تأييده
(أَرض من دنياك بالقوت ... وَإِن كَانَ يَسِيرا)
(فهلاك النَّمْل أَن يكسى ... جنَاحا فيطيرا)
٧٠ - (كسب النَّمْل) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن النَّمْل والذر والفأر من الْحَيَوَانَات الدائبة فى الْكسْب وَالْجمع
٧٠٣ - (قُوَّة النَّمْل) يضْرب بهَا الْمثل لِأَن النملة تجر نواة التمرة وهى أضعافها وزنا
ودعا رجل لبَعض الْمُلُوك فَقَالَ جعل الله جرأتك جرْأَة ذُبَاب وقوتك قُوَّة نملة وكيدك كيد امْرَأَة فَغَضب الْملك من قَوْله فَقَالَ لَهُ على رسلك أَيهَا الْملك إِنَّه يبلغ من جرْأَة الذُّبَاب أَن يَقع على أنف الْملك ويبلغ من قُوَّة النملة أَن تحمل أَضْعَاف وَزنهَا والفيل لَا يسْتَقلّ بِبَعْض ذَلِك ويبلغ من كيد الْمَرْأَة مَالا يبلغهُ دهاة الرِّجَال
٧٠٤ - (شم الذّرة) قَالَ الجاحظ للذرة مَعَ لطافة شخصها وخفة وَزنهَا من الشم والاسترواح مَا لَيْسَ لشئ وَرُبمَا أكل الْإِنْسَان الْجَرَاد أَو مَا يُشبههُ فَتسقط من يَده وَاحِدَة أَو رجل وَاحِدَة مِنْهَا وَلَيْسَ يرى بِقُرْبِهِ ذرة وَلَا لَهُ بالذر عهد فى ذَلِك الْمنزل فَلَا يلبث أَن يرى الذّرة قد أَقبلت إِلَى تِلْكَ الجرادة
стр. 439
فترومها وَرُبمَا نقلتها وسحبتها وجرتها فَإِذا أعجزتها بعد ان تبلى عذرا مَضَت إِلَى جحرها رَاجِعَة فَلَا يلبث الْإِنْسَان أَن يَرَاهَا قد اقبلت وَخَلفهَا كالخيط الْمَمْدُود من الذَّر حَتَّى يتعاون عَلَيْهَا فيحملنها فَأول ذَلِك صدق الشم لما يشمه الْإِنْسَان الجائع ثمَّ بعد الهمة والجرأة على محاولة نقل شئ فى وزن جسمها مائَة مرّة اَوْ أَكثر وَلَيْسَ شئ من الْحَيَوَان يحمل ضعف وَزنه مرَارًا غَيرهَا على أَنَّهَا لَا ترْضى باضعاف الْأَضْعَاف إِلَّا بعد انْقِطَاع الأنفاس
٧٠٥ - (جمع الذّرة) قَالَ الجاحظ أما ترَوْنَ إِلَى خلق الذّرة وَمَا فِيهَا من بديع التَّأْلِيف وَمن الإحساس الصَّادِق والتدابير الْحَسَنَة وَمن الروية وَالنَّظَر فى الْعَاقِبَة وَالِاخْتِيَار لكل مَا فِيهِ صَلَاح الْمَعيشَة وَمَعَ مَا فِيهَا من الْبَرَاهِين النيرة والحجج الظَّاهِرَة
وَقَالَ فى مَوضِع آخر قد علمنَا الذّرة تدخر فى الصَّيف للشتاء وتتقدم فى حَالَة المهلة وَلَا تضيع أَوْقَات الفرصة ثمَّ تبلغ من نقدها وَصِحَّة تمييزها وَالنَّظَر فى عواقبها أَنَّهَا تخَاف على الْحُبُوب الَّتِى تدخرها للشتاء أَن تعفن وتسوس فتنقلها من بطن الأَرْض إِلَى ظهرهَا لتعيد إِلَيْهَا جفافها وليضربها النسيم وينفى عَنْهَا الْفساد ثمَّ رُبمَا بل فى أَكثر الْأَوْقَات اخْتَارَتْ ذَلِك لَيْلًا لِأَنَّهُ أخْفى وفى الْقَمَر لِأَنَّهَا فِيهِ أبْصر فَإِن كَانَ مَكَانهَا نديا وخافت أَن ينْبت نقرت مَوضِع القطمير من وسط الْحبَّة وهى تعلم أَنَّهَا من ذَلِك الْموضع تبتدئ تنْبت وهى تفلق الْحبّ كُله أنصافا وَإِذا كَانَ الْحبّ من حب الكزبرة
стр. 440
فلقته أَربَاعًا لِأَن أَنْصَاف حب الكزبرة تنْبت من جَمِيع جهاته فهى من هَذَا الْوَجْه مُجَاوزَة لفطنة جَمِيع الْحَيَوَانَات
وفى وَصِيَّة لُقْمَان لأبنه يَا بنى لَا تكن الذّرة أَكيس مِنْك تجمع فى صيفها لشتائها
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(تركت وَالله لَهُ عرضه ... كَرَامَة للشعر لَا للتقى)
(لِأَنَّهُ أحرص من ذرة ... على الذى تجمعه للشتا)
وفى حَدِيث عَمْرو بن معدى كرب حِين سَأَلَهُ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ عَن سعد بن أَبى وَقاص قَالَ أَسد فى خيسه أعرابى فى شملته نبطئ فى حبوته ينْقل إِلَيْنَا نقل الذّرة إِلَى جحرها
وَقَوله نبطى فى حبوته لم يرد احتباء النبطى لِأَن الاحتباء للْعَرَب كَمَا يُقَال حباء الْعَرَب حيطانها وَلَكِن أَرَادَ أَنه فى حبوة الْعَرَب كالنبطى فى علمه بالخراج وَعمارَة الأَرْض
وَقد يجمع بَين النَّمْل والذر فى الْوَصْف بِالْجمعِ قَالَ الجمحى
(وَلها بالماطرون إِذا ... أكل النَّمْل الذى جمعا)
وَقَالَ الْكُمَيْت وَهُوَ يصف محلا
(وأنفد حَتَّى النَّمْل مافى بُيُوتهم ... وَعلل بالسوف الْوَلِيد الْمُهَذّب)
стр. 441
وَقَالَ آخر
(يجمع للْوَارِث جمعا كَمَا ... تجمع فى قريتها النَّمْل)
وَذكر عمر بن عبد الْعَزِيز رضى الله عَنهُ زيادا فَقَالَ قَاتل الله زيادا جمع لَهُم كَمَا تجمع الذّرة وحاطهم كَمَا تحوط الْأُم الْبرة وحبا الْعرَاق مائَة ألف ألف دِرْهَم وَثَمَانِية عشر ألف ألف
٧٠٦ - (مخ الذَّر) يضْرب بِهِ الْمثل فى الْعسر والنكد فَيُقَال أنكد من مخ الذَّر كَمَا يُقَال أنكد من صوف الْكَلْب وأعز من لبن الطير قَالَ ابْن الرومى فى سُلَيْمَان بن عبد الله بن طَاهِر
(رمت نداكم يَا بنى طَاهِر ... فرمت مخ الذَّر فى عسرته)
(أملت من رفد سليمانكم ... مَا أمل المعتز من نصرته)
٧٠٧ - (مِثْقَال ذرة) يضْرب مثلا فى الْقلَّة والخفة قَالَ الجاحظ قد ذكر الله تَعَالَى ذَلِك فَقَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ فَكَانَ فى ذَلِك دَلِيل على أَنه فى الْغَايَة من الصغر والخفة وَعدم الرجحان قَالَ شَاعِر فى بعض المعلمين
(معلم صبيان وحامل درة ... وَلَيْسَ لَهُ علم بِمِقْدَار ذرة)
٧٠٨ - (علم الحكل) الحكل من الْحَيَوَان مالم يكن لَهُ صَوت يستبان باخْتلَاف مخارجه عِنْد جزعه وضجره وَطَلَبه مَا يعدوه يضْرب
стр. 442
مثلا لإعظام التفرس وسمو التفكر كَمَا يتَمَثَّل بِهِ عِنْد الْجزع والضجر وَطلب الْأَمر الْعَزِيز المنال قَالَ رؤبة
(لَو أننى علمت علم الحكل ... علم سُلَيْمَان وَعلم النَّمْل)
وَقَالَ العمانى
(وَيفهم قَول الحكل لَو أَن ذرة ... تساود أُخْرَى لم يفته سوادها) يَقُول الذَّر الذى لَا يسمع لمناجاته صَوت لَو كَانَ بَينه وَبَين صَاحبه سرار لفهمه والسرار والسواد وَاحِد وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 443
الْبَاب الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ فى النعام
بيض النعام
عَدو النعام
شِرَاد النعام
ظلّ النعامة
جنَاحا النعامة
رجلا النعامة
شم النعامة
موق النعامة
صِحَة الظليم
الاستشهاد
٧٠٩ - (بيض النعام) يضْرب مثلا فى الضّيَاع لِأَن النعامة تتْرك بيضها وتحضن بيض غَيرهَا وتشبه بهَا النِّسَاء فِي الْبيَاض والبضاضة والعذارى فى الصِّحَّة والسلامة من الافتضاض كَمَا قَالَ الفرزدق
(خرجن إِلَى لم يطمثن قبلى ... وَهن أَغضّ من بيض النعام) وللبيض بَاب فى هَذَا الْكتاب أَخذ بطرفى الصَّوَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٧١٠ - (عَدو النعام) يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال أعدى من النعامة وأعدى من ظليم لِأَنَّهُ إِذا عدا مد جنَاحه وَكَأَنَّهُ يجمع فى حَضَره بَين الْعَدو والطيران لَا سِيمَا إِذا نفر من شئ يخافه فَإِنَّهُ يسْبق الرّيح وَمن خفَّة النعام وَسُرْعَة هربها وطيرانها على وَجههَا وذهابها قَالُوا فى الْمثل شالت نعامتهم وَخفت رَأْسهمْ وللمنهزمين أضحوا نعاما
وَكتب أَبُو إِسْحَاق الصابى فى وصف قوم هاربين أجفلوا إجفال النعام وأقشعوا إقشاع الْغَمَام
стр. 444
٧١ - (شِرَاد النعام) قَالَ الجاحظ من أَعَاجِيب النعام أَنَّهَا لَا تأنس بالطير المجانسة لَهَا وَلَا بِالْإِبِلِ لمشاكلة الْإِبِل إِيَّاهَا فهى نوافر شوادر أبدا وَيضْرب بنفارها وشرادها الْمثل قَالَ الشَّاعِر
(وهم تركوك أحير من حبارى ... رَأَتْ صقرا وأشرد من نعام)
وَقَالَ عمرَان بن حطَّان للحجاج
(أَسد على وفى الحروب نعَامَة ... ربداء تنفر من صفير الصافر)
٧١ - (ظلّ النعامة) يُقَال للمفرط فى الطول ظلّ النعامة كَمَا يُقَال للضخم المتكبر ظلّ الشَّيْطَان قَالَ جرير فى هجائه شبة بن عقال
(فَضَح المنابر يَوْم يسلح قَائِما ... ظلّ النعامة شبة بن عقال)
وَقَالَ بشار بن برد
(وأعرج يأتينا كظل نعَامَة ... يقوم على الْأَبْوَاب فى السبرات)
٧١٣ - (جنَاحا النعامة) يُقَال لمن شمر عَن سَاق الْجد فى أمره قد ركب جناحى نعَامَة قَالَ الشماخ فى مرثية عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ
(فَمن يسع أَو يركب جناحى نعَامَة ... ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق)
٧١٤ - (رجلا النعامة) يضْرب مثلا للاثنين لَا يسْتَغْنى أَحدهمَا عَن الآخر بِحَال من الْأَحْوَال قَالَ الجاحظ كل ذى رجلَيْنِ وكل ذى أَربع إِذا اندقت إِحْدَى قائمتيه أَو إِحْدَى قوائمه ظلع وتحامل وَمَشى مشيا إِذا استكره
стр. 445
نَفسه وَاحْتَاجَ أَن يَسْتَعِين بالصحيحة فعل إِلَّا النعامة فَإِنَّهَا مَتى انْكَسَرت إِحْدَى رِجْلَيْهَا عَمَدت إِلَى السُّقُوط وفقدان الِاسْتِعَانَة بالصحيحة وَعدم التَّقَرُّب بهَا إِلَى مادنا من بعض الْحَاجة وَلَيْسَ فى الأَرْض ذُو أَربع وَلَا ذُو رجلَيْنِ كَذَلِك
وَأنْشد بعض الْأَعْرَاب يُخَاطب امْرَأَته
(قفى لَا تزلى زلَّة لَيْسَ بعْدهَا ... جبور وزلات النِّسَاء كثير)
(أدحية عَنى تطردين تبددت ... بلحمك طير طرن كل مطير)
(وإنى وإياه كرجلى نعَامَة ... على كل حَال من غنى وفقير)
وَكَانَت امْرَأَته تجفو أَخَاهُ دحْيَة وتطرده فَأخْبر أَنه وأخاه كرجلى نعَامَة إِن أصَاب أَحدهمَا شئ بطلت الْأُخْرَى
وَيُقَال للْفرس لَهُ ساقا نعَامَة وَذَلِكَ لقصر سَاقيهَا كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(لَهُ أيطلا ظبى وساقا نعَامَة ... )
وكما قَالَ الآخر
(لَهُ سَاق ظليم خاضب ... فوجئ بالذغر) وَيُقَال جؤجؤ نعَامَة وَذَلِكَ لارْتِفَاع جؤجؤها
٧١٥ - (شم النعامة) هى مَوْصُوفَة بِصدق حاسة الشم وجودة الاسترواح مَضْرُوب بهَا الْمثل كالذئب والذر وَيُقَال إِن الهيق يشم ريح أَبَوَيْهِ وريح السَّبع وَالْإِنْسَان من مَكَان بعيد وَلذَلِك قَالَ الراجز
(اشم من هيق وَأهْدى من جمل ... )
стр. 446
وَزعم أَبُو عَمْرو الشيبانى أَنه سَأَلَ الْأَعْرَاب عَن الظليم هَل يسمع فَقَالُوا لَا وَلكنه يعرف بِأَنْفِهِ مَالا يحْتَاج مَعَه إِلَى سمع قَالَ وَإِنَّمَا لقب بيهس بنعامة لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الصمم وَإِذا دَعَا الرجل من الْعَرَب على صَاحبه بالصمم قَالَ اللَّهُمَّ أصنجه صنجا كصنج النعامة والصنج أَشد الصمم
٧١٦ - (موق النعامة) قَالَ الجاحظ النعام مَوْصُوف بالموق وفى الْمثل أموق من نعَامَة وَمن موقها أَنَّهَا تخرج للطعم فَرُبمَا رَأَتْ بيض نعَامَة أُخْرَى قد خرجت لمثل مَا خرجت لَهُ فتحضن بيضها وَتَدَع نَفسهَا وَإِيَّاهَا أَرَادَ ابْن هرمة بقوله
(كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أُخْرَى جنَاحا)
٧١٧ - (صِحَة الظليم) يُقَال فى الْمثل أصح من ظليم لِأَنَّهُ لَا يشتكى فَإِذا اشْتَكَى لَا يلبث أَن يَمُوت
وَيُقَال إِن الظبى أَيْضا كَذَلِك
وفى فصل للصاحب من كتاب صدر جَوَابا عَن كتاب عِبَارَته تركنى كتابك والظليم ينْسب إِلَى صِحَة بعد أمراض اكتنفت وأسقام اخْتلفت
стр. 447
الْبَاب السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ فى الطير
عتاق الطير
بغاث الطير
قواطع الطير
خطباء الطير
لبن الطير
غناء الطير
مجير الطير
مخالب طَائِر
حسو طَائِر
جنَاح طَائِر
قادمة الْجنَاح
عنقاء مغرب
طير النَّار
طير العراقيب
الاستشهاد
٧١٨ - عتاق الطير) أحرارها وهى تصيد وَلَا تصاد وَلَا تملك قَالَ الشَّاعِر
(وَلَا عيب فِيهَا غير زرقة عينهَا ... كَذَاك عتاق الطير زرق عيونها)
وَقَالَ مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ لصعصعة يَا أَحْمَر فَقَالَ الذَّهَب أَحْمَر قَالَ يَا أَزْرَق قَالَ البازى أَزْرَق
وَقَالَ خلف الْأَحْمَر عتاق الطير هى الْجَوَارِح وعتاق الْخَيل هى الَّتِى تفوت إِذا طلبت وتدرك إِذا طلبت
وَقَالَ الجاحظ عتاق الطير كالعقبان والبزاة والصقور والشواهين لَا سِيمَا العقبان فَإِنَّهَا تبيت حَيْثُ لَا ينالها سبع وَلَا ذُو أَربع وتحيد عَنْهَا سِبَاع الطير وَلَا تعانى الصَّيْد إِلَّا فى الضَّرُورَة لِأَنَّهَا تسلب كل ذى صيد صَيْده وَإِذا اجْتمع صَاحب الصَّقْر وَصَاحب الشاهين وَصَاحب البازى وَصَاحب الْعقَاب لم يرسلوا أطيارهم خوفًا من الْعقَاب وهى طَوِيلَة الْعُمر عاقة بِوَلَدِهَا وَإِن شَاءَت كَانَت فَوق كل شئ وَإِن شَاءَت تفوق كل شئ لِأَنَّهَا تتغدى بالعراق وتتعشى بِالْيمن وريشها الذى عَلَيْهَا هُوَ فروتها فى الشتَاء
стр. 448
٧١٩ - (بغاث الطير) قَالَ بعض اللغويين بغاث الطير مَالا مخلب لَهُ كَمَا أَن البزاة والصقور والعقبان من عتاقها وسباعها فالرخم والحدا والغربان من بغاثها
قَالَ الجاحظ بغاث الطير ضعافها وسفلتها من الْعِظَام الْأَبدَان والخشاش مثلهَا إِلَّا أَنَّهَا من صغَار الطير قَالَ الشَّاعِر
(بغاث الطير أَكْثَرهَا فراخا ... وَأم الصَّقْر مقلاة نزور)
٧٢٠ - (قواطع الطير) قَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو زيد الأنصارى إِذا كَانَ الشتَاء قطعت إِلَيْنَا الطير والغربان اى جَاءَت من بلادها فهى قواطع وَإِذا كَانَ الصَّيف رجعت فهى رواجع وَالطير الَّتِى تقيم بأرضنا صيفا وشتاء أوابد
٧٢ - (خطباء الطير) هى الفواخت والقمارى والرواشين والعنادب وَمَا أشبههَا وأظن أول من أخترع هَذِه الِاسْتِعَارَة المليحة أَبُو الْعَلَاء السرورى فى قَوْله
(اما ترى قضب الْأَشْجَار لابسة ... حسنا يُبِيح دم العنقود للحاسى)
(وغردت خطباء الطير ساجعة ... على مَنَابِر من ورد وَمن آس)
٧٢ - (لبن الطير) تضرب بِهِ الْعَجم مثلا لما لَا يُفِيد الأمل بِهِ كَمَا يضْرب الْمثل فى ذَلِك بالأبلق العقوق ومخ البعوض وسلا الْجمل وحلم العصفور
٧٢٣ - (غناء الطير) يضْرب بِهِ الْمثل فى الطّيب وَمن أحسن
стр. 449
مَا قيل فى ذَلِك مَا حَكَاهُ الجاحظ عَن إِبْرَاهِيم بن السندى بن شاهك قَالَ قلت فى أَيَّام ولايتى الْكُوفَة لرجل من وجوهها كَانَت لَا تَجف كبده وَلَا يستريح قلبه وَلَا تسكن حركته فى طلب حوائج النَّاس وَإِدْخَال السرُور على الضُّعَفَاء وَكَانَ عفيف الطعمة وجيها مفوها خبرنى عَن الشئ الذى هون عَلَيْك النصب وقواك على هَذَا التَّعَب مَا هُوَ وَمن أى شكل هُوَ فَقَالَ سَمِعت غناء الأطيار بالأسحار على الْأَشْجَار وَسمعت خَفق الأوتار وتجاوب الْعود والمزمار وَمَا طربت من صَوت حسن كطربى من ثَنَاء حسن على رجل قد أحسن فَقلت لله دَرك لقد أَحْسَنت كرما
٧٢٤ - (مجير الطير) كَانَ ثَوْر بن شجنة سيدا شريفا قد أَجَارَ الطير فَكَانَ لَا يثار وَلَا يصاد بأرضه فَسمى مجير الطير كَمَا أَجَارَ مُدْلِج ابْن مرْثَد بن خيبرى الْجَرَاد فَسمى مجير الْجَرَاد
٧٢٥ - (مخالب طَائِر) يضْرب مثلا للمكان الذى يقلق فِيهِ ساكنه قَالَ الشَّاعِر
(كَأَن فؤادى فى مخالب طَائِر ... إِذا ذكرتك النَّفس شدّ بهَا قبضا)
وَقد يضْرب مثلا لما لَا يُرْجَى فَيُقَال هُوَ فى مخالب الطير
٧٢٦ - (حسوة طَائِر) يضْرب مثلا فى الخفة فَيُقَال أخف من حسوة طَائِر كَمَا يُقَال أخف من لمْعَة بارق وَمن كَلَام أَبى العيناء وَقد
стр. 450
سَأَلَهُ أعرابى عَن نجاح بن سَلمَة قَالَ لله دره من نَاقض أوتار ومدرك ثار وموقد نَار يتلهب كَأَنَّهُ شعلة باتت على مدرجة الجائين ينْتَظر إِلَى أَن يردنا قدمه فَيحكم فى مَاله قلمه لَهُ فى الْغَيْبَة بعد الْغَيْبَة جلْسَة عِنْد الْخَلِيفَة كحسوة طَائِر أَو خلسة سَارِق فَيقوم وَقد أَفَادَ نعما أَو دفع نقما
وَذكر ابْن الرومى عبة الطَّائِر فضربها مثلا فى الْقلَّة حَيْثُ قَالَ فى مُحَمَّد ابْن عبد الله بن طَاهِر
(وَمَا كَانَت الدُّنْيَا وَأَنت أميرها ... لتعدل عِنْد الله عبة طَائِر)
٧٢٧ - (جنَاح الطَّائِر) يُقَال كانه فى جنَاح طَائِر إِذا كَانَ قلقا دهشا كَمَا يُقَال كَأَنَّهُ على قرن أعفر وَكَأَنَّهُ فى كف مصاب وَيُقَال هُوَ فى جنَاح طَائِر
وَقلت فى بَاب الضباع من كتاب الْمُبْهِج ارْتِفَاع الضبعة العادية كالعقيان فى أَجْنِحَة العقبان
وَيُقَال فى الْإِسْرَاع اسْتعَار جنَاح نسر وَترك الصِّبَا فى عقال أسر وَمن الأجنحة المستعارة جنَاح الرجل وَجَنَاح الْحَائِط وَجَنَاح الطَّرِيق وَجَنَاح النجاح
وَقد أحسن ابْن المعتز فى قَوْله
(شربنا بالصغير وبالكبير ... وَلم نحفل بأحداث الدهور)
(وَقد ركضت بِنَا خيل الملاهى ... وَقد طرنا بأجنحة السرُور)
٧٢٨ - (قادمة الْجنَاح) يضْرب مثلا فى تَفْضِيل بعض الشئ على
стр. 451
كُله كَمَا يُقَال وَجه الْخَيْر وَأول الرزمة وواسطة العقد ودرة التَّاج قَالَ ابْن هرمة لعبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك من قصيدة
(أعبد الْوَاحِد المرجو إنى ... أغص حذار سخطك بالقراح)
(وجدنَا غَالِبا كَانَت جنَاحا ... وَكَانَ أَبوك قادمة الْجنَاح)
وأنشدنا إِيَّاهَا وَكَانَ عِنْده عبد الله بن حسن فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ قبحك الله إِذْ قلت لعبد الْوَاحِد
(وَكَانَ أَبوك قادمة الْجنَاح ... )
فَمَا الذى تركت لنا قَالَ يَا بن رَسُول الله أما سَمِعت قولى فِيهَا
(وَبَعض القَوْل يذهب فى الرِّيَاح ... )
فَضَحِك مِنْهُ ورضى عَنهُ
٧٢٩ - (عنقاء مغرب) يُقَال أعز من عنقاء مغرب قَالَ الجاحظ الْأُمَم كلهَا تضرب الْمثل بالعنقاء فى الشىء الذى يسمع بِهِ وَلَا يرى كَمَا قَالَ أَبُو نواس
(وَمَا خبزه إِلَّا كعنقاء مغرب ... يصور فى بسط الْمُلُوك وفى الْمثل)
(يحدث عَنْهَا النَّاس من غير رُؤْيَة ... سوى صُورَة مَا إِن تمر وَلَا تحلى)
وَمَا أَكثر من يُنكر أَن يكون فى الدُّنْيَا حَيَوَان يُسمى كركدن ويزعمون أَن هَذَا وعنقاء مغرب سَوَاء وَإِن كَانَ يرَوْنَ صُورَة العنقاء مصورة فى بسط الْمُلُوك وحيطان قصورهم وَاسْمهَا عِنْدهم مسموع وَاسْمهَا عِنْده بِالْفَارِسِيَّةِ سيمرك كَأَنَّهُمْ قَالُوا هُوَ وَحده عِنْدهم ثَلَاثُونَ طائرا لِأَن قَوْلهم بِالْفَارِسِيَّةِ سى هُوَ ثَلَاثُونَ ومرغ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْم لطائر بِالْعَرَبِيَّةِ
стр. 452
وَالْعرب إِذا أخْبرت عَن هَلَاك شىء وبطلانه قَالَت حلقت بِهِ فى الجو عنقاء مغرب كَمَا قَالَ الْكُمَيْت
(محَاسِن من دنيا وَدين كَأَنَّمَا ... بهَا حلقت فى الجو عنقاء مغرب)
وَحكى الصولى عَن بعض مشايخه قَالَ عبيد الله بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعت سيدنَا المعتضد بِاللَّه يَقُول عجائب الدُّنْيَا ثَلَاث اثْنَتَانِ لَا تريان وَوَاحِدَة ترى فَأَما اللَّتَان لَا تريان فعنقاء مغرب والكبريت الْأَحْمَر وَأما الَّتِى ترى فَابْن الْجَصَّاص وَهُوَ أَبُو عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْجَصَّاص الجوهرى كَانَ يُقَال لَهُ قَارون الْأمة لفرط يسَاره وَكَثْرَة أَمْوَاله وَكَانَ أَجْهَل النَّاس إِلَّا فى الْجَوْهَر فَإِنَّهُ كَانَ باقعة فى التبصر بِهِ وَلما عرضت للمقتدر الضيقة الَّتِى كَادَت تهتك ستره لم يَتَّسِع إِلَّا بِمَا أَخذ من أَمْوَاله
قَالَ الصولى سَمِعت أَبَا الْحسن بن عبد الحميد كَاتب السِّرّ يَقُول الذى صَحَّ مِمَّا قبض من مَال ابْن الْجَصَّاص من الْعين وَالْوَرق والآنية والفرش والكراع والخدم وَلَا ضَيْعَة فى ذَلِك وَلَا عقار مَا قِيمَته سِتَّة آلَاف ألف دِينَار
٧٣٠ - (طير النَّار) هُوَ طَائِر هندى يُسمى السمندل قَالَ بَعضهم هُوَ نارى يعِيش فى النَّار كَمَا يعِيش طير المَاء فى المَاء
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ طير إِذا هرم دخل نَار الأتون أَو نَارا جاحمة فيمكث سَاعَات فَيَعُود شَابًّا وإياه عَنى البهرانى بقوله
(وطائر يسبح فى جاحم ... كَأَنَّهُ يسبح فى غمر)
قَالَ الجاحظ وفى السمندل آيَة غَرِيبَة وَصفَة عَجِيبَة وداعية إِلَى التفكر وَسبب للتعجب وَذَلِكَ أَنه يدْخل أتون النَّار فَلَا تحترق لَهُ ريشة
стр. 453
وَقَالَ فى مَكَان آخر خيرت عَن فَأْرَة البيش واغتذائها السمُوم وَعَن الطَّائِر الذى يدعى السمندل وطيرانه فى جاحم الأتون فَلَا السم المجهز يضر بِتِلْكَ الْفَأْرَة وَلَا النَّار المضرمة تحرق من ذَلِك الطَّائِر زغبة
وَقَالَ فى مَكَان آخر هَذَا الطَّائِر فى طباعه وفى طباع ريشه مزاج من طلاء النفاطين وأظن هَذَا الطلاء من طلق وخطمى ومغرة وَقد كنت رَأَيْت عودا يُؤْتى بِهِ من نَاحيَة كرمان لَا تحترق وَكَانَ عندنَا نصرانى فى عُنُقه صَلِيب مِنْهُ وَكَانَ يَقُول لِضُعَفَاء النَّاس هَذ الْعود من الْخَشَبَة الَّتِى كَانَ الْمَسِيح صلب عَلَيْهَا وَالنَّار لَا تعْمل فِيهِ فَكَانَ يكْتَسب بذلك حَتَّى فطن لَهُ وعورض بِهَذَا الْعود وَزعم ثُمَامَة أَن الْإِنْسَان إِذا أَخذ من هَذَا الطحلب الذى يكون على وَجه المَاء فى مناقع الْمِيَاه فجففه فى الظل وَأحرقهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَرِق
٧٣ - (طير العراقيب) كل طير يتطير مِنْهُ لِلْإِبِلِ فَهُوَ طير العراقيب كَأَنَّهُ يعقرها ويعرقبها قَالَ الفرزدق وَهُوَ يُخَاطب نَاقَته
(إِذا قطنا بلغتنيه ابْن مدرك ... فلاقيت من طير العراقيب أخيلا)
وَمن أمثالهم إِذا دعوا على الْمُسَافِر رايت أخيلا وَهُوَ شقراق يتطير مِنْهُ الْعَرَب للظهور وَلَا تتطير مِنْهُ لأنفسها وَإِذا لقى الْمُسَافِر مِنْهُم الأخيل أَيقَن بالعقر إِن لم يَك موت فى الظُّهُور
стр. 454
الْبَاب السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ فى عتاق الطير
عِقَاب الجو
عِقَاب ملاع
قاب الْعقَاب
شأو الْعقَاب
فرخ الْعقَاب
خوافى الْعقَاب
بازى الْبر
بازى جحا
صدر البازى
بخر الصَّقْر
الاستشهاد
٧٣٢ - (عِقَاب الجو) يضْرب بِهِ الْمثل فى الرّفْعَة والمنعة وَلما حث قصير عَمْرو بن عدى على الطّلب بثأر خَاله جذيمة من الزباء وَقَالَ لَهُ تهَيَّأ واستعد وَلَا تطلن دم خَالك قَالَ لَهُ عَمْرو وَكَيف لى بهَا وهى أمنع من عِقَاب الجو فَصَارَ قَوْله مثلا
٧٣٣ - (عِقَاب ملاع) الْعَرَب تَقول فى أَمْثَالهَا أبْصر من عِقَاب ملاع قَالَ مُحَمَّد بن بن حبيب ملاع اسْم هضبة وَقَالَ غَيره ملاع اسْم للصحراء لِأَن عِقَاب الصَّحرَاء أبْصر وأسرع من عِقَاب الْجبَال قَالَ أمرؤ الْقَيْس
(كَأَن دثارا حلقت بلبونه ... عِقَاب ملاع لَا عِقَاب القواعل) والقواعل الْجبَال الصغار
٧٣٤ - (قاب الْعقَاب) مِقْدَار مطارها فى الْهَوَاء علوا وارتفاعا قَالَ ابْن الرومى
стр. 455
٠ - طَار قوم بخفة الْعقل حَتَّى ... لَحِقُوا رفْعَة بقاب الْعقَاب)
(ورسا الراجحون من جلة النَّاس ... رسوا الْجبَال ذَات الهضاب)
(هَكَذَا الصخر رَاجِح الْوَزْن راس ... وَكَذَا الذَّر شائل الْوَزْن هاب)
وَمن فصل للبديع الهمذانى قبلت من يمناه مِفْتَاح الأرزاق ومفتاح الْآفَاق وَلَحِقت مِنْهُ بقاب الْعقَاب
٧٣٥ - (شأو الْعقَاب) شأو الْعقَاب مدى طيرانها وهى تتغدى بالعراق وتتعشى بِالْيمن وفى كتاب الْمُبْهِج أحسن الْخَيل مَا كَانَ بَين الشهاري والعراب وَجمع مشْيَة العراب إِلَيّ شأو الْعقَاب
٧٣٦ - (فرخ الْعقَاب) الْعَرَب تضرب بِهِ الْمثل فى الحزم وَكَانَت تَقول سِنَان أحسن من فرخ الْعقَاب يعنون سِنَان بن أَبى حَارِثَة وَذَلِكَ أَن الْعقَاب تتَّخذ وَكرها فى رُءُوس الْجبَال فَلَو تحرّك الفرخ إِذا طلب الطّعْم وَقد أقبل إِلَيْهِ أَبَوَاهُ أَو زَاد فى حركته شَيْئا من مَوضِع مجثمة لهوى من رَأس الْجَبَل إِلَى الحضيض فَهُوَ يعرف مَعَ صغره وَضَعفه وَقلة تجربته أَن الصَّوَاب لَهُ فى ترك الْحَرَكَة
وَقَالَ مسرور مولى حفصويه الْكَاتِب المروزى وَهُوَ يرثى ابْنه نصرا
(يَا دَار بالقفر الخراب ... والمنزل الْوَحْش اليباب)
(بيدى فِيك دفنت نصرا ... بَين أطباق التُّرَاب)
стр. 456
(كشبا المهند أَو كجرو ... والفهد أَو فرخ الْعقَاب)
٧٣٧ - (خوافى الْعقَاب) يضْرب بهَا الْمثل فى السرعة كَمَا كتب الصاحب المنهزمون نكصوا على الأعقاب وطاروا فى الجو بأجنحة الْعقَاب
وفى كتاب الْمُبْهِج إِذا نبت بك بلدك فاستعر قادمة الْغُرَاب فى الاغتراب وخافية الْعقَاب فى اقتحام الْعقَاب فَرُبمَا أَسْفر السّفر عَن الظفر وَتعذر فى الوطن قَضَاء الوطر
وَمن فصل لأبى مُحَمَّد الخازن الأصفهانى هَذَا وَلَو كنت عَاقِلا وهيهات لَكُنْت الْيَوْم فى أَعلَى الدَّرَجَات فقد وَردت وَرَأَيْت جمَاعَة لم أكن يَوْمئِذٍ دونهَا قد صَارَت فى منزلَة أحتاج إِلَى خافية حَتَّى ألحق بهَا
٧٣٨ - (بازى الْبر) يُقَال بازى الْبر كَمَا يُقَال عِقَاب ملاع لِأَن بازى الْبر أبْصر وأطير وأصيد من بازى الْجَبَل قَالَ الشَّاعِر
(وَكنت كبازى الجو قصّ جنَاحه ... يرى حسرات كلما طَار طَائِر)
(يرى طائرات الجو يصفقن حوله ... فيذكر إِذْ ريش الجناحين طَائِر)
٧٣٩ - (بارى جحا) كثيرا مَا يسمع الْعَامَّة يتمثلون ببازى جحا
стр. 457
وَكنت أحفظ قصَّة أنسانيها الشَّيْطَان فَلم أذكرها فى هَذَا الْمَكَان
٧٤٠ - (صدر البازى) يشبه بِهِ كل شىء حسن التخطيط بديع التحسين وَيذكر فى الْحسن والملاحة مَعَ سالفة الغزال وطوق الْحَمَامَة وَجَنَاح الطاوس قَالَ بعض أهل الْعَصْر فى وصف الرّبيع
(وَيَوْم عبيرى النسيم سبى طرفى ... وقلبى بِمَا أبدى من الْحسن والظرف)
(كَأَن موشى الْغَيْم فِيهِ مُقَابلا ... موشى الرِّبَا وَالشَّمْس تنظر من سجف)
(صُدُور البزاة الْبيض صفت وقابلت ... صُدُور طواويس تفوت مدى الْوَصْف)
وَمِنْهَا
(وَلما وهى من صيب المزن عقده ... وَأَقْبل يرْوى غلَّة النبت بل يشفى)
(رَأَيْت بِهِ فى الرَّوْض أعجب منظر ... يدل على صنع الْمُهَيْمِن ذى اللطف)
(فَضَحِك بِلَا ثغر ونسج بِلَا يَد ... وحلى بِلَا صوغ ودمع بِلَا طرف)
ولأبى نصر سهل بن الْمَرْزُبَان فى مَعْنَاهُ
(أَلَسْت ترى يَا غرَّة الشَّهْر والدهر ... محَاسِن هَذَا الْفَصْل ذَا النُّور والزهر)
(سَمَاء كصدر الباز وَالْأَرْض تحتهَا ... كأجنحة الطاوس فَاشْرَبْ أَبَا نصر)
(عقار كعين الديك يحلو بمسمع ... يغنى غناء العندليب على قدر)
(وَلَا زلت بَين السمر وَالْبيض نَاعِمًا ... يروقك غض الْعَيْش فى الْوَرق الْخضر
٧٤ - (بخر الصَّقْر) الصَّقْر والأسد بِمَنْزِلَة فى البخر والمثل سَائِر بذلك قَالَ الشَّاعِر
(وَله نكهة لَيْث ... خالطت نكهة صقر)
стр. 458
مَا طَار طَائِر)
(يرى طائرات الجو يصفقن حوله ... فيذكر إِذْ ريش الجناحين طَائِر)
٧٣٩ - (بازى جحا) كثيرا مَا يسمع الْعَامَّة يتمثلون ببازى جحا
стр. 459
وَكنت أحفظ قصَّة أنسانيها الشَّيْطَان فَلم أذكرها فى هَذَا الْمَكَان
٧٤٠ - (صدر البازى) يشبه بِهِ كل شىء حسن التخطيط بديع التحسين وَيذكر فى الْحسن والملاحة مَعَ سالفة الغزال وطوق الْحَمَامَة وَجَنَاح الطاوس قَالَ بعض أهل الْعَصْر فى وصف الرّبيع
(وَيَوْم عبيرى النسيم سبى طرفى ... وقلبى بِمَا أبدى الْحسن والظرف)
(كَأَن موشى الْغَيْم فِيهِ مُقَابلا ... موشى الرِّبَا وَالشَّمْس تنظر من سجف)
(صُدُور البزاة الْبيض صفت وقابلت ... صُدُور طواويس تفوت مدى الْوَصْف)
وَمِنْهَا
(وَلما وهى من صيب المزن عقده ... وَأَقْبل يرْوى غلَّة النبت بل يشفى)
(رَأَيْت بِهِ فى الرَّوْض أعجب منظر يدل على صنع الْمُهَيْمِن ذى اللطف)
(فَضَحِك بِلَا ثغر ونسج بِلَا يَد ... وحلى صوغ ودمع بِلَا طرف)
ولأبى نصر سهل بن الْمَرْزُبَان فى مَعْنَاهُ
(أَلَسْت ترى يَا غرَّة الشَّهْر والدهر ... محَاسِن هَذَا الْفَصْل ذَا النُّور والزهر)
(سَمَاء كصدر الباز وَالْأَرْض تحتهَا ... كأجنحة الطاوس فَاشْرَبْ أَبَا نصر)
(عقار كعين الديك يحلو بمسمع ... يغنى غناء العندليب على قدر)
(وَلَا زلت بَين السمر وَالْبيض نَاعِمًا ... يروقك غض الْعَيْش فى الْوَرق الْخضر
٧٤ - (بخر الصَّقْر) الصَّقْر والأسد بِمَنْزِلَة فى البخر والمثل سَائِر بذلك قَالَ الشَّاعِر
(وَله نكهة لَيْث ... خالطت نكهة صقر)
стр. 460
وَوصف بَعضهم رجلا فَرد إِلَيْهِ شملت من المحاسن أخشنها وَمن المَاء زبده وَمن الباز شوكته وَمن الصَّقْر بخره وَمن النَّار دخانها وَمن الْخمر خمارها وَمن الدَّار كنيفها
وَمن كَلَام البديع الهمذانى فى حِكَايَة مقامة وَالله لقد صادفت من فَمه صقرا وَمن يَده صخرا وَمن صَدره سم خياط لَا يرشح بقيراط
следующие страницы →